مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
373 /
303

و لو لم تكن حكومة في البين.

المبحث الثالث: إذا كان أحد الخاصّين موافقاً للعامّ و الآخر مخالفاً له‏

و كان بينهما العموم من وجه كما إذا دلّ الدليل على أنّه «يجب إكرام العلماء» و دلّ دليل آخر على وجوب إكرام النحويّين و دليل آخر على حرمة إكرام الصرفيّين فيتعارض المخصّصان في النحويّ الصرفيّ، فالمشهور بينهم أنّه بعد التعارض و التساقط يرجع إلى العامّ.

لكن يقع الإشكال في وجه ذلك، إذ ربما يخطر بالبال أنّ الخاصّ المخالف كما يعارض الموافق في مادّة الاجتماع يعارض العامّ فيخصّصه، فما الوجه في فرض العامّ خارجاً عن ظرف التعارض و مقتضياً للحكم في فرض السقوط؟

و حلّ ذلك أنّ تعارض الخاصّ المخالف للموافق حاصل على نحو التنجيز، لأنّه يتوقّف على عدم ابتلائه بمعارض يسقطه عن الحجّيّة مع قطع النظر عن الخاصّ الموافق، و هو حاصل، إذ مع قطع النظر عن الموافق لا يكون مسقطاً إيّاه عن دائرة الحجّيّة، لتقدّمه على العامّ؛ و هذا بخلاف كونه مخصّصاً للعامّ، فإنّه يتوقّف على حجّيّته مع قطع النظر عن تعارضه للعامّ، و هو ليس كذلك، لسلب حجّيّته بواسطة معارضته للموافق، فهو لا يخصّص العامّ إلّا بعد فرض حجّيّته، فالعامّ غير مخصّص به فيصير حجّةً في مورد سقوط الخاصّين عن الحجّيّة، فتأمّل.

المبحث الرابع: قال بعض أهل العصر (رحمه الله) في تقرير بحث استاذه العراقيّ (قدس سره) في ما إذا ورد مخصّصان بينهما عموم من وجه‏

مخالفان للعامّ و مخالفان أيضاً في أنفسهما في مورد الاجتماع، كما إذا ورد «أكرم العلماء» و ورد أيضاً «لا تكرم النحويّين» و ورد أيضاً أنّه «يستحبّ إكرام الصرفيّين» فهما يخصّصان العامّ- كما تقدّم- لكن يتعارضان في النحويّ الصرفيّ الّذي هو مورد اجتماع العنوانين، و لكن لا يمكن أن يقال: إنّهما يتساقطان فيرجع إلى عموم «أكرم العلماء» إذ كلاهما حجّتان‏

304

في نفي الثالث، فالعامّ قد خصّص قطعاً في مورد الاجتماع، لأنّ مفاده حكمٌ غير الحكمين المستفادين من الخاصّين‏ (1).

أقول: و هو جيّد في الجملة إلّا أنّه في المثال يكون حكم مورد الاجتماع معلوماً، فإنّه إذا فرض خروج الفقيه العادل النحويّ عمّا يدلّ على وجوب إكرام العلماء فإخراج النحويّ الصرفيّ عمّا يقتضي الاستحباب واضح بالأولويّة؛ فالأولى أن يكون المثال كذلك: «يجوز إكرام المؤمن للغير- مثلًا- جوازاً متساوياً» و «لا يجوز له إكرام الفاسق» و «يستحبّ له إكرام أرحامه» فيتعارضان في الفاسق الرحم.

مضافاً إلى ما فيه من أنّه مع فرض التساقط لا وجه لدلالتهما على نفي الثالث كما تقدّم ذلك في هذا الباب، بل لا بدّ من الالتزام بحجّيّة أحد الخاصّين بالنسبة إلى مورد الاجتماع لا على وجه التعيين.

المبحث الخامس: إذا ورد عامّ و خاصّان بينهما العموم المطلق‏

كما إذا قال «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق منهم» و «لا تكرم المغتاب منهم» فمفروض البحث عدم التعارض بين نفس المخصّصين، من باب عدم إحراز التنافي: إمّا من باب احتمال تعدّد المطلوب، أو كون بعض أفراد المطلق واجداً لأهمّيّة و لو لم تكن الزيادة كافيةً لجعل حكم على طبقها، أو من باب أنّ تذكّره لازم من باب كثرة التغافل عنه، أو أنّه وقع مورداً للسؤال مثلًا، أو غير ذلك.

و بعد ذلك نقول: لا إشكال ظاهراً في التخصيص بالأعمّ الّذي هو مستلزم للتخصيص بالأخصّ أيضاً، بناءً على ما تقدّم من أنّ الملاك في ملاحظة النسبة هي النسبة الحاصلة مع قطع النظر عن المخصّصين اللذين كلّ منهما في رتبة واحدة.

نعم، لو كان الملاك في ذلك هو ملاحظتها مع قطع النظر عنهما في ما إذا لم يكن ترجيح لأحد الخاصّين على الآخر لأشكل الأمر في المقام، إذ التخصيص بالأخصّ‏

____________

(1) نهاية الأفكار: ج 4 (القسم الثاني) ص 163.

305

قطعيّ فلا يدور الأمر بين التخصيص به أو بالأعمّ، و بعد ذلك تنقلب النسبة إلى العموم من وجه.

المبحث السادس: لو كان العامّ في مقام الإلقاء متّصلًا بالمخصّص الأخصّ‏

كما ورد «أكرم العلماء غير المغتابين» ثمّ ورد «لا تكرم الفسّاق من العلماء» فالنسبة بينهما هي العموم من وجه فيتعارضان في الفاسق غير المغتاب.

إن قلت: الفرق بين المتّصل و المنفصل غير واضح بعد فرض كون الملاك هو الظهور و الحجّيّة مع قطع النظر عن المخصّصين اللذين هما في رتبة واحدة، و المخصّص المتّصل كالمنفصل يكون في رتبة واحدة، فاللازم هو كون الخاصّين مخصّصين للعامّ.

قلت: الاتّفاق في الرتبة ممنوع، فإنّ المنفصل لا يصادم الظهور بل يصادم الإرادة الجدّيّة بعد فرض الظهور، و إن لم يكن ظهور للعامّ فلا يعارضه؛ بخلاف المتّصل فإنّه مانع عن انعقاد الظهور، ففي رتبة مانعيّة المتّصل لا اقتضاء للمنفصل.

المبحث السابع: في الفرض المتقدّم- أي صورة وجود عامّ متّصل بالمخصّص الأخصّ و وجود مخصّص منفصل أعمّ-

لو فرض وجود عام خالٍ عن المخصّص كما إذا ورد «أكرم العلماء غير المغتابين» و «لا تكرم الفسّاق منهم» و «أكرم العلماء» فقد يقال- كما في تقرير الميرزا النائينيّ (قدس سره)- بأنّه كما تكون النسبة بين الخاصّ الأعمّ و العامّ المتّصل بالخاصّ الأخصّ هي العموم من وجه في مقام الظهور كذلك النسبة بينه و بين العامّ الفارغ عن المخصّص المتّصل في مقام الحجّيّة، فلا يرجع في مادّة الاجتماع إليه بل يتعارضه، فإنّ كون النسبة بين العامّ و المخصّص الأعمّ هي العموم من وجه في مقام الحجّيّة واضحة؛ و كونه على فرض التخصيص لا بدّ أن يكون ملحوظاً من حيث النسبة مع قطع النظر عن المخصّصين لا يقتضي أن يكون كذلك في فرض عدم التخصيص من حيث ابتلائه بالمعارض من جهة الرجوع إلى العامّ‏ (1).

____________

(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 743.

306

لكنّ الحقّ هو الرجوع إلى العامّ في هذا المورد، فإنّ كونه مخصّصاً على فرض عدم الابتلاء بالمعارض كافٍ في الرجوع إلى العامّ في فرض الابتلاء بالمعارض؛ و ذلك لوجود ملاكه قطعاً، فإنّ اقتضاء الأعمّ للتعارض للعامّ المتّصل بالخاصّ الأخصّ تنجيزيّ، لوجود ملاكه و هو عدم الابتلاء بالمعارض، إذ لو لم يكن مبتلى بالمعارض كان مخصّصاً للعامّ، بخلاف تخصيصه للعامّ فإنّه معلّق على عدم الابتلاء بالمعارض، و الفرض هو الابتلاء، فلا يقتضي التخصيص بل يسقط عن الحجّيّة، فالعامّ حجّة في مورد الاجتماع من دون وجود حجّة تزاحمه و إن كانت النسبة حين الرجوع إليه هي العموم من وجه، فكون النسبة كافيةً لصلاحيّة التخصيص كافيةٌ أيضاً لأن يرجع إليه، لوحدة الملاك، فإنّ صلاحيّة التخصيص موجبة لعدم الابتلاء بالمعارض من غير جهة العامّ المتّصل بالمخصّص، و هي بعينها موجبة لعدم التعارض للعامّ و بقاء العامّ على حجّيّته و إن انقلبت نسبته، إذ لا نريد التخصيص به حتّى يقال: إنّ النسبة قد انقلبت، بل المقصود هو الرجوع إليه، و ملاك ذلك حجّيّة العامّ بالنسبة إلى مورد الاجتماع و سقوط الخاصّ عن الحجّيّة، و هو حاصل.

المبحث الثامن: لو فرض استيعاب المخصّصين للعامّ،

فإن كان ذلك في العامّ الأعمّ و الأخصّ فالتعارض لا محالة يكون بين الخاصّ الأعمّ و العامّ، و أمّا الأخصّ فهو مسلّم الحكم على كلّ حال. هذا إذا لم يكن بين الخاصّ الأعمّ و الأخصّ ترتّبٌ من حيث الحكم، كأن يكون مقتضى دليلٍ أنّه «لا يجب إكرام علماء تلك البلدة» ثمّ ورد أنّه «يجب إكرام الفقهاء منهم» و ورد أيضاً أنّه «إذا وجب إكرام الفقهاء منهم يجب إكرام العدول من الفقهاء مرّةً ثانيةً» ففي مثل ذلك لا يكون الخاصّ الأخصّ مسلّماً، بل هو تابع للأعمّ فلا بدّ إمّا من ترجيح العامّ و طرح المخصّصين أو ترجيح الخاصّ الأعمّ و الأخذ بالأخصّ أيضاً.

المبحث التاسع: إذا فرض الاستيعاب في المخصّصين المتباينين أو العامّين من وجه فلها ستّ صور:

الاولى: أن يكون الخاصّان راجحين على العامّ فلا بدّ من أخذهما و طرح العامّ، إذ في غير ذلك ترجيح المرجوح على الراجح كما هو واضح.

الثانية: أن يكون العامّ أرجح من الخاصّين- أي من كلّ واحد منهما- فيؤخذ بالعامّ و أحدٍ من الخاصّين، إذ على فرض الأخذ بالعامّ لا يكون كلا الخاصّين معارضين للعامّ، بل التعارض إنّما هو بين العامّ و مجموع الخاصّين لا كلّ واحد منهما، فإن كان أحد الخاصّين أرجح من الآخر فيؤخذ به و يطرح الآخر، و إن كانا متساويين فلا بدّ من التخيير في الأخذ.

الثالثة: أن يكون الكلّ متساوياً فيتخيّر بين الأخذ بأحد الخاصّين مع العامّ أو الأخذ بالخاصّين و طرح العامّ.

إن قلت: يتعيّن طرح العامّ، لأنّ في عكسه طرحَ دليل و هو أحد الخاصّين و التصرّفَ في ظهور دليل آخر و هو العامّ، بخلاف الأخذ بالخاصّين و طرح العامّ، فإنّه ليس إلّا طرح دليل واحد من دون التصرّف في ظهور دليل آخر.

قلت: طرح ظهور العامّ قطعيّ لا محالة و ليس مورداً للدوران، لأنّه مع طرح العامّ يطرح الظهور و مع الأخذ به أيضاً يطرح ظهوره في العموم، فهو قطعيّ لا محالة، فما يدور الأمر فيه هو باقي ظهور العامّ أو الأخذ بالخاصّ الآخر غير ما هو مسلّم الحكم على كلّ حال.

الرابعة: أن يكون العامّ راجحاً بالنسبة إلى أحد الخاصّين و مساوياً بالنسبة إلى الآخر فلا بدّ من الأخذ بالعامّ، لأنّ الخاصّ المساوي للعامّ مسلّم الحكم، إمّا من جهة الأخذ بالخاصّين و إمّا من جهة الأخذ بالعامّ، فما يدور الأمر فيه هو العامّ الراجح أو الخاصّ المرجوح.

الخامسة: أن يكون العامّ راجحاً بالنسبة إلى أحد الخاصّين و مرجوحاً بالنسبة

307

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

308

إلى الآخر فلا بدّ أيضاً من الأخذ بالعامّ، من جهة أنّ الخاصّ الراجح مسلّم الحكم لا محالة، فالأمر يدور بين الأخذ بالعامّ الراجح أو الخاصّ المرجوح، فيتعيّن الراجح.

السادسة: أن يكون العامّ مرجوحاً بالنسبة إلى أحد الخاصّين و مساوياً بالنسبة إلى الآخر، فحيث إنّ الخاصّ الراجح مسلّم الحكم يدور الأمر بين الخاصّ المساوي أو العامّ فالتخيير.

المبحث العاشر: إذا كانت النسبة بين الأدلّة مختلفةً

فكان في البين دليلان بينهما العموم من وجه و كان هنا خاصّ أو خاصّان يخصّص أحدَ العمومين أو كليهما فتكون المسألة حينئذٍ ذات صور أربع:

الاولى: أن يكون مفاد المخصّص إخراج مادّة الاجتماع من عموم كلا الدليلين،

كما في «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» و «لا يجب إكرام العالم الفاسق» و «لا يحرم إكرام الفاسق العالم».

الثانية: إخراج مادّة الاجتماع من أحد الدليلين‏

كما أنّه كان الدليل المخصّص منحصراً بالأوّل؛ فالأمر واضح في كلتا الصورتين، لحصول التباين من حيث الموضوع الموجب لعدم التنافي بين الحكمين، إلّا أنّه على الأوّل لا يكون مورد الاجتماع محكوماً بأحد من العامّين، بخلاف الثاني فإنّه محكوم بالعامّ غير المخصّص.

الثالثة: أن يكون مفاده إخراج مادّة الافتراق من أحد الدليلين،

فيكون الدليل الآخر من حيث الحجّيّة منحصراً بمادّة الاجتماع فيصير نصّاً في مادّة الاجتماع لانحصار مفاده فيها، فيصير مخصّصاً للعامّ الآخر فيرتفع التعارض، إذ تنقلب النسبة من العموم من وجه إلى العموم المطلق في مقام الحجّيّة.

إن قلت: ما الفرق بين مورد البحث و ما إذا كان في البين عامّ و خاصّان، حيث يرد الخاصّان على العامّ في عرض واحد و لا يلاحظ النسبة بعد العلاج حتّى تنقلب النسبة إلى العموم من وجه، و في المقام تلاحظ النسبة بعد التخصيص الوارد على‏

309

مورد الاجتماع؟ فإن كان الملاك في ملاحظة النسبة قبل العلاج فليكن في المقامين، و مقتضى ذلك ملاحظة العموم من وجه بين الدليلين حتّى بعد ورود المخصّص على مورد اجتماع أحدهما، و إن كان الملاك ملاحظتها بعد العلاج فلا بدّ من كون النسبة في المقيس عليه- أي ورود الخاصّين على العامّ الواحد- هي العموم من وجه.

قلت: مع وضوح ذلك عرفاً إنّ الجواب عن ذلك أمران:

أحدهما: أنّه لا معنى للتعارض في مادّتي الاجتماع، فإنّه لو اخذ بالعامّ الآخر الّذي لم يخرج منه محلّ الافتراق في مادّة الاجتماع أيضاً يلزم إلقاء المخصّص رأساً أو إلقاء العامّ كذلك، بخلاف الأخذ بمادّة الاجتماع في العامّ الّذي ورد عليه التخصيص، فإنّه موجب للأخذ بجميع الأدلّة الثلاثة.

ثانيهما: أنّ الملاك ملاحظة كلّ نسبة مع قطع النظر عمّا تقتضيه تلك النسبة، فإنّه ليس ملاك العموم و الخصوص المطلق بملاحظة نفس التخصيص الّذي لازمه الانقلاب بملاحظة بعض أفراد المخصّص المستلزم لعدم التخصيص المستلزم أيضاً للتخصيص، لعدم الانقلاب؛ فإنّ ذلك محال، لأنّه يلزم من انقلاب النسبة عدمه و من التخصيص عدمه و من عدمه وجوده. و في المقام تلاحظ النسبة العموم من وجه الّذي بين الدليلين مع قطع النظر عمّا تقتضيه تلك النسبة و العموم و الخصوص المطلق مع قطع النظر عن ذلك، و لا تلاحظ النسبة العموم من وجه مع قطع النظر عمّا تقتضيه النسبة العموم و الخصوص المطلق، فافهم فإنّه دقيق متين.

الرابعة: أن يكون هنا خاصّان كلّ منهما يخرج مادّة الافتراق من العامّ الآخر.

و لا ريب حينئذٍ في وقوع التعارض، للعلم بلزوم طرح إحدى تلك الأربعة؛ و حينئذٍ إن لم يكن ترجيح يتخيّر في طرح أحد الأربعة و الأخذ بالثلاثة الباقية، و إن كان الراجح ثلاثةً منها يؤخذ بها و يطرح المرجوح، و إن كان الراجح اثنين منها يؤخذ بالاثنين و يقع التعارض في الأخذ و الطرح بين الاثنين الباقيين، و إن كان الراجح‏

310

واحداً منها يقع التعارض في الثلاثة الباقية.

و قد يتوهّم أنّه لا تعارض بين الخاصّين، لعدم التنافي بالذات بين إخراج مادّة الافتراق مثلًا من قوله «أكرم العلماء» بأن يقال: «لا يجب إكرام العالم غير الفاسق» و إخراج مادّة الافتراق من «لا تكرم الفسّاق» بأن يقال: «لا يحرم إكرام الفاسق غير العالم» فإنّه لا تنافي أصلًا بين الحكمين و الموضوعين؛ أو يقال بأنّ التعارض بين العامّين حاصل في مادّة الاجتماع على كلّ حال، لأنّه لو لم يكن الخاصّان في البين كان التعارض فيها من جهة العموم من وجه، و بعد التعارض كان التعارض بينهما بالنصوصيّة.

لكنّ الأوّلَ مندفع بأنّ المقصود من التعارض هو العلم بعدم تطابق إحدى الأدلّة للواقع و لو لم يكن ذلك من جهة خارجيّة، و بهذا المعنى صادق على الجميع من غير فرق بينها، و الثانيَ بأنّ القطع حاصل بعدم التعارض من جهة العموم من وجه، لأنّه إمّا أن يكون أحد العامّين ساقطاً من رأس فلا تعارض بالعموم من وجه، و إمّا أن يكون أحد الخاصّين ساقطاً كذلك أيضاً، فتأمّل.

المبحث الحادي عشر: لو كان في البين دليلان متنافيان بالتباين‏

كأن يقال:

«ثمن العذرة سحت» و «ثمن العذرة لا بأس به» و دلّ دليلان آخران فدلّ أحدهما على أنّه لا بأس بثمن العذرة من الحيوان المأكول و دليل آخر على حرمة ثمن العذرة من الحيوان غير المأكول فيوجبان ذلك انقلاب النسبة من التباين المتنافي إلى التباين غير المتنافي، لأنّ الأوّل مخصّص للأوّل فيصير الأوّل في مقام الحجّيّة «ثمن العذرة الّتي ليست من الحيوان المأكول سحت»، و الثانيَ مخصّص للثاني فيصير في مقامها أنّ «ثمن العذرة الّتي ليست من الحيوان غير المأكول لا بأس به»، و هذا واضح بعد الإقرار بانقلاب النسبة الّذي قد مرّ أنّه ضروريّ في الجملة؛ و إن كان في البين مخصّص واحد فهو في النتيجة كذلك أيضاً، لأنّه موجب لانقلاب النسبة بين المتنافيين إلى العامّ و الخاصّ المطلقين فيكون أحدهما مخصّصاً للآخر، ففي المثال لو فرض مع‏

311

الدليلين المتنافيين دليل ثالث فقط و هو أنّه «لا بأس بثمن العذرة من الحيوان المأكول لحمه»، فيكون ذلك مخصّصاً لما دلّ على أنّ «ثمن العذرة سحت» بالمتّخذ من غير المأكول، فيكون هو مخصّصاً لما دلّ على أنّه لا بأس بثمن العذرة مطلقاً.

إن قلت: لا فرق بين مسلك الانقلاب و عدمه في الشقّ الأوّل، لأنّه يؤخذ بمفاد الخاصّين على تقدير الانقلاب و الجمع، و كذلك على تقدير التنافي و التعارض و السقوط. نعم، الفرق واضح في الشقّ الثاني، لأنّه على فرض التنافي لا يؤخذ بالعامّ المخصّص بالخاصّ في غير مورد الاستثناء، بخلافه على فرض الجمع المبنيّ على انقلاب النسبة.

قلت: هذا لو فرض أنّ مقتضى التنافي هو التساقط، و أمّا لو فرض كون مقتضاه الأخذ بالراجح و بعده التخيير فالفرق واضح، إذ بعد فرض عدم الترجيح يحكم بالتخيير فينافي مقتضى الخاصّين، فافهم و تأمّل.

المبحث الثاني عشر: في المتباينين المتنافيين-

كما في المثال المتقدّم- لو كان في البين مخصّصان و لم يكن مجموعهما وافياً بتمام أفراد العامّين المتنافيين بأن أخرج أحدُهما من أحد العامّين قسماً منها و أخرج الآخرُ الباقيَ من الآخر بل كان أحد المخصّصين مخرجاً لبعض الباقي، كما أنّه ورد في المثالين مخصّصان أحدهما أنّه «لا بأس بثمن العذرة من مأكول اللحم» المخصّص لقوله «ثمن العذرة سحت» و المخصّص الآخر كان لسانه أنّه «يحرم ثمن عذرة الحيوان النجس العين»، فتنقلب النسبة من التباين إلى العموم من وجه، فإنّ نجس العين محكوم بالعامّ الحاكم بحرمة الثمن من غير معارض، و عذرة مأكول اللحم محكومة بالحلّيّة من حيث الثمن بالعامّ الحاكم بحلّيّة ثمن العذرة من غير معارض، و يتعارضان بالعموم من وجه في عذرة الحيوان الطاهر غير المأكول لحمه، و يتعارضان بناءً على الانقلاب فيتساقطان فيرجع إلى الأصل الموافق لأحد الطرفين أو العموم الّذي هو فوقهما، و أمّا بناءً على عدم‏

312

الانقلاب فلا بدّ من ترجيح أحد العامّين أو التخيير- لا الرجوع إلى ما ذكر- إن لم يرجع في التعارض من حيث العموم من وجه إلى أخبار العلاج كما هو الأظهر.

المبحث الثالث عشر: إذا كان في البين أدلّة ثلاثة

كأن يقال: «يجب إكرام الفقهاء» و «يحرم إكرام الفسّاق» و «يستحبّ إكرام الشعراء» فالنسبة بينها عموم من وجه، فتعارض في الفقيه الشاعر و الفقيه الفاسق و الشاعر الفاسق و الفقيه الشاعر الفاسق، و أمّا الفقيه الّذي لا يكون شاعراً و لا فاسقاً و الشاعر الّذي لا يكون فقيهاً و لا فاسقاً و الفاسق الّذي لا يكون شاعراً و لا فقيهاً فكلّ ذلك من موارد الافتراق المحكوم بتلك الأدلّة من غير تعارض. و الانقلاب إلى التباين المسقط للمعارضة بإخراج جميع موارد الاجتماع، و هي الأربعة المتقدّمة؛ فما في تقريرات الكاظميّ (قدس سره) من أنّ «إخراج مادّة الاجتماع و هي العالم الفاسق الشاعر عن مفاد الأدلّة الثلاثة موجب للانقلاب المذكور» (1) كأنّه سهو من القلم، إذ التعارض باقٍ في الفقيه الفاسق الّذي ليس بشاعر و الشاعر الفاسق و الفقيه الشاعر كما هو واضح.

المبحث الرابع عشر: في الفرض المذكور لو أخرج الدليلُ الرابع موردَ الافتراق عن أحد الأدلّة

بأن أخرج الشاعرَ الّذي لا فقيه و لا فاسق عن دليل استحباب إكرام الشاعر و اقتضى الجواز المتساوي طرفاه فلا تنقلب النسبة إلى العموم المطلق، فإنّ نسبته مع دليل حرمة إكرام الفسّاق و دليل وجوب إكرام الفقهاء هي العموم من وجه أيضاً، و إن أخرج مادّةَ الافتراق بالنسبة إلى أحد العنوانين الآخرين عن الدليل فتصير النسبة بينه و بين ذلك الدليل بالخصوص هي العموم المطلق، كما لو أخرج من دليل استحباب الشعراء خصوصَ الشاعر الّذي ليس بفقيه فيختصّ مورده بالشاعر الفقيه فيكون مخصّصاً لدليل وجوب إكرام الفقهاء، و أمّا انقلاب نسبته مع كلّ من الدليلين فيتوقّف على إخراج غير مورد اجتماع الكلّ عن الدليل، كأن يكون مفاد المخصّص‏

____________

(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 746.

313

إخراجَ الشاعر الّذي ليس بفاسق و الشاعرِ الّذي ليس بفقيه، فيبقى الاستحباب بالنسبة إلى الشاعر الفقيه الفاسق، فتصير النسبة حينئذٍ هي العموم المطلق.

المبحث الخامس عشر: في الفرض المذكور في الفروع المتقدّمة يتوقّف التباين الموجب للتعارض‏

على إخراج جميع موادّ الافتراق بحيث لا يبقى إلّا مادّة الاجتماع تحت كلّ من العناوين الّتي مرّت أمثلتها. نعم، التباين بين بعضها مع بعضها الآخر يتوقّف على إخراج مادّة الافتراق بالنسبة إلى ذلك البعض، فإذا خرج الشاعر الّذي ليس بفقيه عن تحت دليل استحباب إكرام الشعراء و خرج الفقيه الّذي ليس بشاعر عن تحت وجوب إكرام الفقهاء فيبقى تحت كلا الدليلين الفقيه الشاعر الّذي يقتضي أحدهما وجوب الإكرام و الآخر الاستحباب دون الوجوب.

و قد تعرّض الكاظميّ (قدس سره) في التقريرات لذلك من دون التفصيل الّذي ذكرناه، فحكم بأنّ إخراج مادّة الافتراق عن إحدى الأدلّة موجب للانقلاب إلى العموم و الخصوص المطلق، و إخراج مادّة الافتراق عن تحت جميع الأدلّة موجب للتباين الموجب للتنافي و التعارض‏ (1). و قد عرفت التفصيل، و اللَّه الهادي إلى سواء السبيل.

المبحث السادس عشر: في تقرير الباغميشهيّ عن استاذه الزعيم المعاصر

الخوئيّ مدّ ظلّه: أنّ في المتباينين المتنافيين إذا ورد عليهما الخاصّان اللذان بينهما التعارض بالعموم من وجه و إن كان موجباً لانقلاب النسبة بين المتنافيين إلّا أنّه لا ثمرة في ذلك، إذ لا فرق بين مسلك الانقلاب و غيره في ما هو مترتّب في الفرض، فإنّه لو ورد استحباب إكرام العلماء و كذا ورد كراهة إكرامهم و دلّ ثالث على وجوب إكرام العالم العادل و رابع على حرمة إكرام العالم البصريّ فإنّ ورود الخاصّين و إن كان يوجب انقلاب نسبة التباين إلى العموم من وجه إلّا أنّه لا فرق بين الانقلاب و عدمه، إذ على الأوّل يتعارض العامّان في مادّة الاجتماع، و على الثاني يتعارض‏

____________

(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 745.

314

الخاصّان في مورد الاجتماع، و هو العالم العادل البصريّ‏ (1).

أقول أوّلًا: إنّه في المثال لا تنقلب النسبة و لو على مسلك الانقلاب، لأنّ النسبة التباينيّة على وجه التنافي باقية بحالها، فإنّ العالم البصريّ غير العادل و العالم العادل غير البصريّ و العادل البصريّ جميع ذلك خارج عن العامّين في المثال، فإنّ العادل العالم البصريّ ليس داخلًا تحت العموم بل داخل تحت أحد المخصّصين. و مع التعارض الموجب للتساقط لا يجوز الرجوع إلى الثالث الّذي هو إمّا كراهة الإكرام أو استحبابه، بل يرجع إلى ما يوافق أحدهما من أمارة أو أصل كما هو واضح، فلا يبقى تحت العامّين إلّا صورة رابعة و هي العالم غير العادل غير البصريّ و أحدهما يحكم بكراهة إكرامه و الآخر يحكم بالاستحباب.

و ثانياً: لا يتعارض العامّان في مورد الاجتماع المفروض أي العالم العادل البصريّ، للقطع بخروج ذلك عن العامّين، فإنّهما بعد ورود المخصّصين تعنونا بعنوان العالم غير العادل غير البصريّ.

و ثالثاً: لا يمكن الحكم بذلك في مطلق ما يكون الخاصّان متعارضين بالعموم من وجه، فلو فرض كون الخاصّين في المثال أحدهما استحباب إكرام العالم العادل و الثاني كراهة إكرام العالم البصريّ فيتعارض الخاصّان في العالم العادل البصريّ، و العامّان بينهما عموم من وجه بناءً على انقلاب النسبة، و يتعارضان في العالم غير العادل غير البصريّ.

و فائدة الانقلاب أنّه في مورد التعارض يرجع إلى الأصل أو الأمارة الموافقين لأحدهما؛ بخلاف فرض عدم الانقلاب، فإنّه لا بدّ من الترجيح أو التخيير بناءً على ما هو الأظهر من عدم الرجوع إلى أخبار العلاج في العامّين من وجه، بل الظاهر أنّ ثمرة الانقلاب هنا أوضح من بعض موارد أُخر، لأنّه على فرض الانقلاب فالخاصّان‏

____________

(1) مباني الاستنباط (تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 485 و 487.

315

متعارضان في العالم العادل البصريّ فيتساقطان فيرجع إلى العامّين، و هما أيضاً كذلك؛ بخلاف فرض عدم الانقلاب، فإنّه بعد تعارض الخاصّين بالعموم من وجه يرجع إلى العامّ الراجح أو يتخيّر بحكم دليل العلاج.

هذا تمام الكلام في ما يرجع إلى صورة تعدّد الأدلّة. و له الشكر المتواصل على نعمه الّتي لا تحصى.

[مسألة عارية الذهب و الفضّة]

بقيت في المقام مسألة ذكرها الشيخ المؤسّس الأنصاريّ (قدس سره) في ذيل ذلك المبحث‏ (1) و تبعه المشايخ (رضوان اللَّه عليهم)، و نحن نتّبع أثرهم لمزيد الفائدة و تطبيق الاصول على الفروع.

و هي مسألة عارية الذهب و الفضّة، فإنّه لا شبهة في ثبوت الضمان فيهما في الجملة، إنّما الإشكال في أنّ الضمان فيهما و لو مع عدم التفريط و عدم الشرط هل هو مختصّ بالدرهم و الدينار أو أعمّ منهما و من الحليّ و غيره من أفراد الذهب و الفضّة؟ فلا بدّ قبل بيان الوجهين و دليلهما من ذكر الروايات و الأدلّة الّتي يمكن أن يتمسّك بها في المسألة:

فنقول و منه التوفيق: إنّ في المقام طوائف من الأدلّة:

الاولى: ما دلّ على ضمان كلّ ما يقع في اليد، و هو إطلاق المشهور: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (2).

الثانية: ما دلّ على عدم الضمان في العارية، كحسن الحلبيّ أو صحيحه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و فيه:

«إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلّا أن يكون اشترط عليه» (3).

____________

(1) فرائد الاصول: ص 459- 461.

(2) عوالي اللآلئ: ج 1 ص 224 ح 106 و ص 389 ح 22، و ج 2 ص 345 ح 10، و ج 3 ص 246 ح 2 و ص 251 ح 3.

(3) وسائل الشيعة: ج 13 ص 236 ح 1 من ب 1 من أبواب العارية.

316

و قريب منه غير الوارد في الباب المشار إليه‏ (1).

الثالثة: ما دلّ على الضمان في عارية الذهب و الفضّة شرط أو لم يشترط و عدمِ الضمان في غير ذلك إلّا أن يشترط، كصحيح زرارة أو حسنه عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«جميع ما استعرته فتوى فلا يلزمك تواه إلّا الذهب و الفضّة فإنّهما يلزمان- إلى أن قال:- و الذهب و الفضّة لازم لك و إن لم يشترط عليك» (2).

الرابعة: ما دلّ على عدم الضمان في العارية إلّا الدنانير فإنّها مضمونة، و هو الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام)(3).

الخامسة: ما دلّ على عدم ضمان العارية إلّا أن يشترط صاحبه إلّا الدراهم فإنّها مضمونة، كمعتبر عبد الملك بن عمرو (4).

و بعد ذلك فنقول: لا ينبغي الإشكال في ضمان الدراهم و الدنانير، فالتعارض بين الأخيرتين من حيث دلالة العقد السلبيّ على عدم ضمان غير الدينار الشامل للدرهم و غير الدرهم الشامل للدينار بالعموم و الخصوص المطلق كما لا يخفى.

إنّما الإشكال في مثل الحليّ أي الذهب و الفضّة غير المسكوكين، من جهة أنّه هل يقال فيه بعدم الضمان؟ من جهة تعارض ما دلّ على عدم الضمان في غير الدرهم و الدينار بما دلّ على ضمان عارية الذهب و الفضّة، من جهة أنّ النسبة هي العموم من وجه، فإنّ الأوّلَ يدلّ على عدم الضمان في غير الذهب و الفضّة من دون معارض و الثانيَ يدلّ على ضمان الدرهم و الدينار من غير معارض بما يدلّ على عدم الضمان في غير الدرهم و الدينار، و يتعارضان في مادّة الاجتماع و هو غير

____________

(1) راجع الوسائل: ج 13 ص 238 و 239، الباب 2 و 3 من أبواب العارية.

(2 و 3) وسائل الشيعة: ج 13 ص 239 ح 2 و 1 من ب 3 من أبواب العارية.

(4) وسائل الشيعة: ج 13 ص 240 ح 3 من ب 3 من أبواب العارية.

317

الدرهم و الدينار من الذهب و الفضّة، و حينئذٍ يرجع إلى الطائفة الثانية (أي إطلاق ما يدلّ على عدم الضمان في العارية المخصّص لإطلاق دليل اليد) أو يقال بأنّ الذهب و الفضّة كناية عن الدرهم و الدينار، و هو المتعارف عند الاستعمال و من جهة الانتفاع، إذ الانتفاع بالفضّة غير المسكوكة لا سيّما في فرض حرمة الاستعمال في الأكل و الشرب نادر غير متعارف.

و الإشكال ب «أنّ العارية لا تتحقّق غالباً إلّا في غير المسكوك، و أمّا المسكوك فينتفع به بتبديله لامع بقاء عينه الّذي هو قوام العارية» يمكن دفعه بأنّ تقوّم العارية بذلك قابل للمنع، فإنّه يمكن أن يكون المقصود من عارية الدرهم و الدينار هو صرفه في البيع و الشراء لنفسه، و بعد رجوع عينهما أو مثلهما إلى ملكه كان ملكاً للمعير من دون الانتقال إلى الذمّة، أو يلتزم بخروجه عن العارية و عنوانِها بالانتقال و الشراء به لكنّ المقصود من العارية عدم الضمان لو لم يتّفق الشراء به. هذا.

مضافاً إلى أنّ المناسبات الخارجيّة تقتضي أن يكون عدم الضمان من جهة أنّ كون المقصود به الإخراج عن يده، و إلّا فلا فرق بحسب الاعتبار بين الحليّ الّذي من الذهب أو الّذي من الأحجار الكريمة، فالمناسبات العرفيّة تساعد كون المقصود بالذهب و الفضّة هو الّذي يجعل ثمناً للشراء؛ أو يحكم فيه بالضمان من جهة إطلاق دليل ضمان عارية الذهب و الفضّة و عدم صحّة تقييده بالدرهم و الدينار، و ذلك لقلّة استعارتهما، إذ المقصود منهما جعلهما ثمناً للانتفاع بهما مع وجود عينهما إلّا نادراً، فإخراج الذهب و الفضّة غير المسكوكين مستلزم للتقييد بالفرد النادر في مقام الاستعارة، و هو الّذي أشار إليه الشيخ (قدس سره)(1) و تلقّاه غير واحد من بعده بالقبول، لكنّه مبنيّ على تقوّم العارية ببقاء العين في ملك مالكه مع الانتفاع به، و هو غير واضح عندي؛ أو يحكم به من باب التعارض و عدم جواز الرجوع إلى عموم عدم ضمان العارية، لأنّه قد خصّص بغير الذهب و الفضّة، فقد انقلبت النسبة بينه و بين دليل ضمان عارية

____________

(1) فرائد الاصول: ص 461.

318

الدرهم و الدينار من العموم و الخصوص المطلق إلى العموم من وجه في مقام الحجّيّة، فيرجع إلى عموم «على اليد ما أخذت ...» الدالّ على الضمان. و قد مرّ عدم استقامة ذلك أيضاً، من جهة أنّ دليل عدم ضمان العارية إلّا إذا كانت من الذهب و الفضّة بالنسبة إلى مورد تعارضه مع دليل ضمان عارية الدرهم و الدينار الدالّ على عدم ضمان غيرهما مبتلى بالمعارض في غير مورد المتيقّن و هو الدرهم و الدينار، فلا يكون مخصِّصاً لمطلق عدم ضمان العارية حتّى يوجب انقلاب النسبة في مقام الإرادة الجدّيّة.

هذا تمام الكلام في المباحث المتعلّقة بالتعارض بين الأدلّة. و الحمد للَّه الّذي وفّق مملوكه الذليل لكتابة تلك المباحث الجليلة، و له الشكر المتواصل الّذي لا نهاية له.

319

الاجتهاد و التقليد

320

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

321

خاتمة

في الاجتهاد و التقليد

ليس لفظ «المجتهد» موضوعاً في الأدلّة حتّى يبحث عن مفهومه، بل لا بدّ من معرفة من وقع موضوعاً للأحكام الأربعة الآتية من جواز العمل برأيه، و حرمة تقليده لغيره، و جواز تقليده أو وجوبه، و نفوذ حكمه في الموضوعات في الجملة. و معرفة ذلك تتوقّف على معرفة أدلّة ذلك؛ و أمّا باقي الامور فهي إمّا من شئون القضاء و الحكم في الموضوعات أو يقطع بكون الموضوع فيها عين ما هو الموضوع في الأحكام الأربعة المتقدّمة،

فالمهمّ بيان الأحكام الأربعة:

أمّا الأوّل (أي تعيين من يجوز له العمل برأيه)

فلا ريب أنّ كلّ من يقطع بالحكم الفعليّ الشرعيّ يجوز له العمل برأيه، لأنّ حجّيّة القطع للقاطع من المستقلّات العقليّة، و القدر المسلّم منه ما إذا كان حاصلًا من الطرق المألوفة، و أمّا الحاصل من غيره فكذلك إن لم يتعلّق مورداً للنهي.

و هل يجوز النهي كأن يقال: «لا تسلك مسلك القياس فإنّك غير معذور في الخطأ» فحينئذٍ يعاقب القاطع بالواقع على تقدير خطئه أم لا؟

وجه الأوّل: أنّ الحكم بذلك قبل القطع خالٍ عن المحذور و يصير ذلك حجّةً على العقوبة كما في جعل الاحتياط.

322

و وجه الثاني: أنّ المعذوريّة للقاطع المخطئ من باب عدم البيان، و من المعلوم عدم البيان حين القطع؛ و الحكم بعدم المعذوريّة على تقدير الخطأ لا ينطبق على قطعه حال القطع، فلا يمكن أن يكون بياناً له حتّى قبل القطع بالنسبة إلى حال القطع، إلّا أن يقال: إنّ إمكان الانطباق و احتماله لديه قبل القطع كافٍ في كون ذلك النهي بياناً، كالتكليف الاحتياطيّ في مهامّ الامور، و هو الأقوى.

و أمّا الثاني (أي حرمة تقليده لغيره)

فموضوعها القاطع بالحكم الفعليّ أو من يتمكّن بحسب ما حصل له من العلوم من القطع بذلك، و هي الّتي نسبها إلى المشهور المحقّق الأصفهانيّ في تعليقه على الكفاية، قال (قدس سره): خلافاً للسيّد المجاهد في المناهل‏ (1).

و الوجه فيه: عدمُ شمول إطلاقات جواز التقليد له و عدمُ كونه مشمولًا للسيرة العقلائيّة، خصوصاً بناءً على كون ملاكها الانسداد. نعم، لو عرضت له مسألة في حال عدم التمكّن من الاستخراج من الكتاب و السنّة (من جهة عدم تهيّؤ الأسباب) و لم يتمكّن من الاحتياط أو كان الاحتياط عليه حرجيّاً يمكن أن يقال بشمول الدليل اللفظيّ و العقليّ له، مع إمكان القول بجريان البراءة في حقّه أو التخيير إذا كان الأمر دائراً بين المحذورين.

و تمام الكلام في ذلك أيضاً موكول إلى بيان أدلّة التقليد و التعمّق فيها.

و أمّا الثالث (أي جواز تقليده أو وجوبه) فما يستدلّ عليه امور:

الأوّل: حكم العقل برجوع الجاهل إلى العالم بالفطرة و البداهة أو سيرة العقلاء؛

لكنّ القدر المسلّم من ذلك أنّه من باب الانسداد، لكون الاحتياط ممّا يتعسّر بل يتعذّر على الكلّ، و البراءة عن جميع التكاليف مخالفة للضرورة، و من المعلوم أنّ حكم المجتهد العادل أقرب الطرق.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 5 و 6 ص 400.

323

و الدليل على ذلك عدم رجوعهم إلى الطبيب في ما يمكن فيه الاحتياط بسهولة مع احتمال الخطر، و كذلك مع حصول العلم.

إن قلت: لو كان ذلك من باب الانسداد لتعيّن تحصيل العلم و الوصول إلى رتبة الاجتهاد لمن يقدر من دون أيّ عسر و لا يلتزم أحد بذلك على الظاهر.

قلت: لعلّ الوجه في ذلك إطلاق بعض ما يأتي من أدلّة التقليد أو دلالة آية النفر على عدم وجوب النفر على جميع المؤمنين.

إن قلت: إن كان الرجوع إلى العالم من باب الانسداد لكان الواجب عندهم وجوب تعلّم الطبّ لمن يقدر على ذلك لحفظ النفس المهمّ عند العقلاء و الشرع.

قلت: الظاهر أنّهم لا يحتملون احتمالًا عقلائيّاً بأنّهم بتعلّم نفوسهم يصيرون أقرب إلى محافظة النفس من المراجعة إلى الأطبّاء، لأنّ كلّ شخص بعد التعلّم يصير كأحد الأطبّاء فيصيب مرّةً و يخطئ اخرى.

إن قلت: ما ذكرته جارٍ في من يقدر على الاجتهاد أيضاً، فهذا دليل على أنّ الرجوع ليس من باب الانسداد، بل من باب تساوي احتمال الخطأ فيه و في غيره و عدم الترجيح.

قلت: مقتضى ذلك جواز التقليد مع وجود قوّة المجتهد، و هو خلاف السيرة.

مضافاً إلى أنّ المطلوب في مسألة الأحكام الشرعيّة هو القطع بالعذر، و القطع بذلك حاصل في فرض اجتهاد نفسه بخلاف الأخذ من الغير، فلو كان نظير ذلك متصوّراً في الطبّ (بأن كان بنحو لو تعلّم الطبّ كان يحفظ دائماً من جميع الآفات و البليّات قطعاً، بخلاف ما لو راجع الطبيب و كان حفظ النفس مهمّاً عنده) لما كان يُقدم على ترك الطبّ بل كان يتعلّمه.

الثاني: سيرة المتديّنين من زمن أمير المؤمنين عليه (صلوات اللَّه و على أولاده الطاهرين)

، و قد

324

نقلنا لذلك عبارة الشيخ الطوسيّ (قدس سره) من العدّة (1) في ما كتبناه على العروة الوثقى‏ (2).

الثالث: قوله تعالى: «وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (3).

تقريب الاستدلال بها لحجّيّة الفتوى بعد تمهيد امور:

منها: أنّ الآية ظاهرة في النفر للتفقّه لا النفر للجهاد،

و كونها في سياق آيات الجهاد لا يدلّ على ذلك أبداً.

و يدلّ على أنّ المراد به النفر للتفقّه غير واحد من الروايات:

منها: ما في الكافي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ما إذا حدث على الإمام حدثٌ، قال:

«أين قول اللَّه عزّ و جلّ: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (4) قال: «هم في عذر ما داموا في الطلب، و هؤلاء الّذين ينتظرونهم في عذر، حتّى يرجع إليهم أصحابهم» (5).

و يقرب منه الحديث الّذي ينقله بعد ذلك‏ (6).

و في الصافي عن العلل تطبيق الآية الشريفة على النفر إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) للتفقّه‏ (7).

و في الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام)- بسند لا يخلو عن الاعتبار-:

«تفقّهوا في الدين- إلى أن قال:- إنّ اللَّه يقول: «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (8).

و المستفاد من تلك الأخبار أمران: أحدهما أنّ النفر للتفقّه. ثانيهما أنّ الحكم كلّيّ راجع إلى جميع الأزمان و الأدوار و ليس راجعاً إلى عصر الرسول (صلى الله عليه و آله).

____________

(1) ج 2 ص 730.

(2) راجع شرح العروة الوثقى: ج 1 ص 37.

(3) سورة التوبة: 122.

(4) سورة التوبة: 122.

(5) الكافي: ج 1 ص 378 ح 1 و 2.

(6) الكافي: ج 1 ص 378 ح 1 و 2.

(7) تفسير الصافي: ذيل آية النفر.

(8) الكافي: ج 1 ص 31 ح 6.

325

و منها: أنّ الحذر هو الاحتراز عن العمل و ليس هو الخوف النفسانيّ،

خلافاً لما يستفاد من بعض كلمات أعلام العصر مدّ ظلّه‏ (1).

و منها: أنّ ملاحظة موارد استعمال «لعلّ» في القرآن الوارد على فعل المكلّفين‏

توجب القطع أو الاطمينان بأنّه مفيد لكون عقيبه محبوباً للَّه تعالى، فيدلّ على محبوبيّة الاحتراز العمليّ عند إنذار الطائفة النافرين للتفقّه.

لكن يمكن الإيراد على ذلك أوّلًا: بأنّ «لعلّ» يدلّ عرفاً على إمكان حصول متلوّه و هو محبوب، و إمكان المحبوب إذا لم يتوقّف وجوده إلّا على اختيار المكلّف فلازمه البعث، و إلّا لا يدلّ إلّا على الإمكان من دون استفادة أنّه مبعوث إليه، و لعلّ حصول العلم أو الاطمينان كان دخيلًا في ذلك.

و ثانياً: بأنّه لا يدلّ على وجوب الإنذار في مورد إمكان الحذر، لأنّه العلّة لوجوبه فلا بدّ من تحقّق ذلك مع قطع النظر عن الآية.

و ثالثاً: بأنّه لا يكون الذيل في مقام الإطلاق، لأنّها في مقام وجوب النفر و التفقّه و الإنذار لا في مقام بيان وجوب الحذر.

و رابعاً: بأنّها تكون واردةً في اصول الدين أيضاً، بقرينة ما تقدّم من الروايات حيث وردت في مقام التفحّص عن الإمام، فليس المقصود هو الأخذ بقول النافر تعبّداً.

و خامساً: بأنّ الموضوع في جميع ذلك (أي الإنذار و الحذر و التفقّه) هو الدين، فلا بدّ من الإحراز كما أفاده الشيخ (قدس سره)(2).

لكن مع ذلك كلّه يمكن تقريب دلالتها بأنّ المتعارف هو الأخذ بقول النافرين، فإنّ ذلك هو السيرة العقلائيّة و لو من باب الغفلة عن احتمال الخلاف أو عدم الاعتناء بذلك كما في رجوعهم إلى الطبيب، و في مقام بيان التفقّه و الأمر بالإنذار و إظهار محبوبيّة الحذر لم ينبّه تعالى على لزوم العلم، و لا ريب أنّ ذلك دليل على إمضاء

____________

(1) تهذيب الاصول (تقريراً لأبحاث الإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 2 ص 197.

(2) فرائد الاصول: ص 80.

326

طريقة العقلاء في العصور و الدهور، لأنّها حكم كلّيّ بالنسبة إلى جميع العصور.

و بذاك التقريب يندفع جميع الشبهات،

إذ كلّها مبنيّة على كون الآية بصدد التعبّد بقول المنذر، و أمّا لو كان المقصود هو ترتّب الحذر على الإنذار بالطريقة العقلائيّة أو يستفاد ذلك من باب عدم التنبيه و الردع مع كون المقام مقام الردع فتندفع الشبهات، و لعلّ ذلك (أى الاطمينان الّذي هو علم في العرف) كافٍ في الاعتقاديّات، و على فرض عدم الكفاية فيقيّد فيها بلزوم حصول العلم و لا يرفع اليد عنه، خصوصاً مع ما تقدّم من الكافي في القول المرويّ عن الصادق (عليه السلام): «تفقّهوا في الدين» مع أنّ الخطاب لمن كان مسلماً، بل الظاهر أنّه خطاب لشيعته، فهم كانوا فارغين عن تحصيل اصول الدين، فالظاهر منه هو الفروع أو الأعمّ، بأن يكون المقصود هو تحكيم العقائد بالنسبة إلى الاصول.

الرابع: قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1)

و قبل ذلك:

«وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ»* و بعد ذلك: «بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (2) هذا ما في سورة النحل، و قد ورد أيضاً في سورة الأنبياء: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِينَ». (3)

و قد اشكل على الاستدلال بها بأُمور:

منها: أنّ قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»* ظاهر أو موجب لعدم الإطلاق،

من جهة قوّة احتمال أن يكون المقصود هو السؤال لتحصيل العلم، لا العمل بقول أهل الذكر تعبّداً.

و منها: أنّ مقتضى ظاهر الآية أنّ المقصود بأهل الذكر علماء أهل الكتاب،

____________

(1) سورة النحل: 43.

(2) سورة النحل: 44.

(3) سورة الأنبياء: 7 و 8.

327

و مقتضى غير واحد من الروايات أنّ المقصود به الأئمّة (عليهم السلام)، فالآية غير مربوطة بالفقهاء.

و منها: أنّ المقصود بقرينة قوله تعالى:

«وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِينَ» هو السؤال عن أهل الذكر في ما يشترط في النبيّ من الصفات و ما لا يشترط فيه منها، فالموضوع فيها هو اصول الدين، و ذلك دليل آخر على أنّه ليس المقصود هو التعبّد بالعمل بقول المسئول، إذ لا تعبّد في اصول الدين و لا تقليد فيه، بل لا بدّ من حصول العلم.

و يمكن الذبّ عن ذلك كلّه:

أمّا الأوّل‏

فلأنّ الظاهر منه أنّه ليس بصدد التعبّد بقول أهل الذكر و لا بصدد الأخذ بقوله بشرط حصول العلم، بل الظاهر أنّ المقصود أنّه من لا يعلم شيئاً بنفسه لا بدّ له من السؤال و الأخذ بقول المسئول بالطريقة العقلائيّة الّتي هي بأن يحصل له العلم أو الاطمينان من باب الوثوق بقوله و بُعد الاشتباه، و حيث إنّه لم ينبّه فيها مع استقرار الطريقة على الأخذ بقول أهل الذكر الموثوق بهم و لو لم يحصل له العلم فيستفاد من ذلك إمضاء طريقتهم- على وجه الإطلاق- بأخذ قول المسئول المنصرف إلى الطريقة العقلائيّة، كما يقال: «إن كنت مريضاً و لا تعرف الطبّ بنفسك فارجع إلى الطبيب» فإنّه كما لا يشكّ العرف أنّه ليس المقصود بذلك حصول العلم من قول الطبيب كذلك في المقام، فتأمّل.

و أمّا الثاني فنقول:

أمّا احتمال كون المقصود به أهل الكتاب فمردود بروايات مستفيضة ذكرها في الكافي الّتي منها ما عن محمّد بن مسلم بالسند الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

«إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول اللَّه عزّ و جلّ: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ‏

328

لا تَعْلَمُونَ» (1) أنّهم اليهود و النصارى»، قال: «إذاً يدعونكم إلى دينهم!» قال:

- قال بيده إلى صدره- «نحن أهل الذكر ...» (2).

و هي مؤيّدة بأُمور اخرى:

منها: ما في دلائل الصدق عن نهج الحقّ للعلّامة الحلّيّ 0 عن الحافظ محمّد ابن موسى الشيرازيّ الّذي هو من علماء الجمهور و استخرجه من التفاسير الاثني عشر عن ابن عبّاس: «هم محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين» (3).

و قال صاحب الدلائل بعد ذلك: إنّ الحافظ المذكور من علمائهم و التفاسيرَ المذكورة من أشهر تفاسير قدمائهم‏ (4).

و يعضد ذلك ما في ينابيع المودّة عن تفسير الثعلبيّ عن جابر بن عبد الله، قال عليٌّ: «نحن أهل الذكر» (5).

و منها: قوله تعالى بعد ذلك: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (6) فإنّه يناسب أن يكون أهل الذكر هم أهل القرآن.

و منها: أنّ شبهة لزوم أن لا يكون النبيّ من جنس البشر واهية عند العموم، لوضوح كون الأنبياء من لدن آدم إلى الخاتم كانوا من البشر، و هذا كان واضحاً عند المشركين أيضاً، فليست تلك بمثابة من الأهمّيّة حتّى ترد آيتان فيها.

و منها: أنّ ذلك لا يناسب قوله تعالى: «بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ»*، فإنّ العلم بعدم مانعيّة البشريّة عن النبوّة لا يحتاج إلى العلم بالبيّنات و الزبر.

و منها: أنّ الذكر قد استعمل في القرآن فيه كثيراً، كقوله تعالى: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ» (7) و قوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (4) و قوله تعالى:

____________

(1) سورة النحل: 43.

(2) الكافي: ج 1 ص 211 ح 7.

(3) دلائل الصدق: ج 2 ص 319- 320.

(4) سورة الحجر: 9.

(5) دلائل الصدق: ج 2 ص 319- 320.

(6) سورة النحل: 44.

(7) سورة الزخرف: 44.

329

«لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» (1) و قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ‏ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ» (2)، بل عدم معلوميّة إطلاقه على الكتب السماويّة الاخرى حتّى في قوله تعالى: «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» (3)، فإنّه يحتمل أن يكون المقصود هو الصورة السمائيّة من الكتب المنزلة كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ» (4)، بل لعلّه الأنسب بحسب الاعتبار، فتأمّل.

و منها: قوله تعالى في سورة يوسف: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ» (5) حيث إنّه مع تصدّر الآية ببيان أنّ الأنبياء هم رجال يوحى إليهم من أهل القرى و من الأرض و البيئة الّتي يكون فيها سائر أبناء البشر لم يعقّبه بإثبات عدم المنافاة بل عقّبه بلزوم متابعتهم و الحذر عن مخالفتهم بطمع حطام الدنيا و ترجيحها على الآخرة؛ و حينئذٍ يقرب أن يكون المقصود تنبيه الناس على التمسّك بالأنبياء و أوصيائهم و عدم التجنّب عنهم من جهة التكبّر أو من جهة تخيّل عدم إمكان أن يكون البشر نبيّاً، فلا بدّ لهم من الرجوع إليهم و السؤال عن البيّنات و الزبر حتّى يتّضح لهم الأمر كاملًا و يعلموا بواسطة المعجزات الصادرة عنهم أنّهم الأنبياء و يسألوا بعد ذلك عن معالم دينهم، فيسألوهم البيّنات الظاهرة و أنّها المعجزات أو الدلائل المتقنة على صدقهم و الزبر الظاهرة في معالم دينهم بعد الاعتراف بصدقهم. و بعد ذلك فليس ما ورد في الروايات‏

____________

(1) سورة القلم: 51.

(2) سورة الحجر: 6.

(3) سورة الأنبياء: 105.

(4) سورة الواقعة: 77 و 78.

(5) سورة يوسف: 109.

330

مخالفاً لظاهر الآيتين، بل ما في الروايات أقرب ممّا يظهر منه في بادئ النظر مع قطع النظر عن صدورها عن المعصومين، و إلّا فهو المتيقّن. و المقصود من تطويل ذلك رفع شبهة كون الروايات المذكورة خلاف ظاهر الآية الشريفة.

و حينئذٍ ليس المقصود بأهل الذكر علماء أهل الكتاب؛ و أمّا الشمول لغير الإمام و النبيّ من سائر العلماء الناهجين مسلكهم فللإطلاق بعد عدم ظهور الروايات في الاختصاص بالمعصومين، و الحصر المستفاد من بعض الروايات إضافيّ أي بالإضافة إلى علماء اليهود و النصارى.

هذا غاية ما يمكن في تقريب الآية للاستدلال على المطلوب.

و أمّا كونه في اصول الدين فهو على فرض كون المقصود رفع شبهة مانعيّة البشريّة عن النبوّة؛ و قد عرفت أنّه لا يناسب التفسير الوارد عن الأئمّة (عليهم السلام) بحيث لا يشكّ فيه، بل قوله تعالى: «بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ»* كاد أن يكون صريحاً في العموم و أنّ السؤال عن كلّ ما صدق عليه البيّنات و الزبر.

الخامس: الأخبار الكثيرة الدالّة على ذلك، و هي على طوائف:

الاولى: ما يكون مفاده إرجاع الأئمّة (عليهم السلام) إلى غير واحد من فقهاء أصحابهم،

ففي المعتبر عن العقرقوفيّ، قال:

قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام): ربما احتجنا أن نسأل عن الشي‏ء فمن نسأل؟ قال:

«عليك بالأسديّ» يعني أبا بصير (1).

و في خبر ابن أبي يعفور، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك و لا يمكن القدوم، و يجي‏ء الرجل من أصحابنا فيسألني و ليس عندي كلّ ما يسألني عنه. فقال: «ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفيّ؟، فإنّه سمع من أبي و كان عنده وجيهاً» (2).

و في خبر يونس: «ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النضريّ؟» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 103 ح 15 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 105 ح 23 من ب 11 من أبواب صفات‏

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 105 ح 24 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

331

و خبر عليّ بن المسيّب الهمدانيّ، قال:

قلت للرضا (عليه السلام): شقّتي بعيدة، و لست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: «من زكريّا بن آدم القمّيّ المأمون على الدين و الدنيا» (1).

و في خبر مسلم بن أبي حيّة أنّه قال له أبو عبد الله (عليه السلام):

«ايت أبان بن تغلب، فإنّه قد سمع منّي حديثاً كثيراً» (2).

و في خبر ابن يقطين عن الرضا (عليه السلام) أنّه سأله:

أ فيونس بن عبد الرحمان ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال:

«نعم» (3).

و نظيره ما في خبر عبد العزيز، و فيه: «خذ عن يونس بن عبد الرحمان» (4).

و قريب منه ما بعده، و فيه:

فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين؟ قال: «نعم» (5).

الثانية: ما يدلّ على الإرجاع إلى عموم الفقهاء،

كما في خبر ابن ماهويه عن أبي الحسن الثالث و عن أخيه أيضاً عنه (عليه السلام)، ففيه أنّه كتب إليهما:

«فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، و كلّ كثير القدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء اللَّه تعالى» (6).

و في خبر محمّد بن صالح الهمدانيّ:

«فنحن- و اللَّه- القرى الّتي بارك فيها و أنتم القرى الظاهرة» (7).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 106 ح 27 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 106 ح 30 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 107 ح 33 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 107 ح 34 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 107 ح 35 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(6) وسائل الشيعة: ج 18 ص 110 ح 45 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(7) وسائل الشيعة: ج 18 ص 110 ح 46 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

332

و قريب منه ما بعده‏ (1).

و من هذه الطائفة ما يجي‏ء من التوقيع من الأمر بالرجوع إلى رواة الأحاديث‏ (2) و المقبولة من الإرجاع إلى من عرف الحلال و الحرام‏ (3).

و في خبر عليّ بن سويد، قال:

كتب إليّ أبو الحسن (عليه السلام)- و هو في السجن-:

«لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعدّيتهم أخذت دينك عن الخائنين ...» (4).

فإنّه في مقام الجواب عن السؤال الّذي ذكره (عليه السلام): «و أمّا ما ذكرت يا عليّ ممّن تأخذ معالم دينك؟» و ليس في مقام المنطوق فقط، و هو أنّه لا يجوز الأخذ من غير الشيعة، بل الظاهر هو الأخذ من الشيعة ممّن يتكفّلون مقام بيان الأحكام، لا من يتكفّلون ذلك من علماء العامّة الخائنين في الدين، من جهة عدم صحّة اصولهم الّتي بنوا عليها الأحكام، كالاتّكاء على القياس، و الأخذ من الصحابة كائناً من كان، و عدم الأخذ من الحجج الّذين ثبتت حجّيّة قولهم بالنصّ المتواتر عن النبيّ (صلى الله عليه و آله).

و في الخبر المرويّ عن تفسير الإمام العسكريّ (عليه السلام):

«فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلّدوه، و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم» (5).

الثالثة: ما يظهر منه أنّ صدور الفتوى من أصحابهم (عليهم السلام) كان متعارفاً مرضيّاً

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 110 ح 47 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 101 ح 9 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 98 ح 1 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 109 ح 42 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 94 ح 20 من ب 10 من أبواب صفات القاضي.

333

عندهم، كخبر معاذ النحويّ عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

«بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس- إلى أن قال-: اصنع كذا» (1).

و يقرب منه دلالةً ما عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال لأبان:

«اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس ...» (2).

نعم، في الاستدلال بمثل تلك الروايات شبهة قويّة لا بدّ من التعرّض لها و ما يمكن أن يقال في حلّها:

أمّا الشبهة فهي أنّ الظاهر أنّ المعمول عند أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) لم يكن إلّا نقل الرواية عنهم، كما يومئ إلى ذلك أنّ الكتب الّتي صنّفوها لم تكن إلّا المشتملة على الروايات من دون ذكر الفتوى، حتّى أنّه في مثل زمان الصدوق كان كتاب الفقه هو بعينه من لا يحضره الفقيه الّذي هو عين متون الروايات و المقنع الّذي جرّد فيه الروايات عن السند، و أوّل من صنّف كتاب الفتوى الّتي هي الفروع المستخرجة من الروايات الدالّة على الامور الكلّيّة و غيرها من الكتاب و السنّة النبويّة و العقل باسم المبسوط هو الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ على ما يستفاد منه في أوّل المبسوط، و يظهر منه أنّه كان ذلك من شعار الإماميّة و كان المخالفون يطعنون بذلك عليهم.

و في خبر أحمد بن إسحاق: «العمريّ ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول».

إلى أن قال: «العمريّ و ابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان» (3).

و في خبر إسماعيل بن الفضل:

«الْقَ عبد الملك بن جريح فسله عنها [أي عن المتعة] فإنّ عنده منها علماً»،

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 108 ح 36 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 315 ح 14 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 99 ح 4 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

334

فلقيته فأملى عليّ شيئاً كثيراً في استحلالها، و كان في ما روى فيها ابن جريح: أنّه «ليس لها وقت و لا عدد» (1).

و في رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«ما أجد أحداً أحيا ذكرنا و أحاديث أبي (عليه السلام) إلّا زرارة، و أبو بصير ليث المراديّ، و محمّد بن مسلم، و بريد بن معاوية العجليّ» (2).

و عن بعضهم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

أسمع الحديث منك فلعلّي لا أرويه كما سمعته، فقال: «إذا أصبت الصلب منه فلا بأس، إنّما هو بمنزلة تَعال، و هلمّ، و اقعد، و اجلس» (3).

و ما في معناه ما نقله في الوسائل بعد ذلك عن السرائر (4).

و الكلّ يدلّ على أنّ المعمول عندهم كان الرواية، حتّى أنّهم كانوا في ضيق من جهة النقل بالمعنى فكشف عنهم الصادق (عليه السلام) على حسب ما مرّ؛ و أمّا الرأي المبنيّ على الجمع بين الأخبار المختلفة أو المتّكي على العقل الحاكم بذلك و لو بنحو القطع- كوجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ أو في مقام الامتثال بعد القطع بالاشتغال- فليس منه عين و لا أثر في ما تنظر إليه تلك الأخبار من الإرجاع إلى الأشخاص أو الإرجاع الكلّيّ.

و يمكن حلّ تلك الشبهة بأنّه من الواضح أنّه كان أصل الاجتهاد متحقّقاً في تلك العصور في الجملة، و أيّ اجتهاد أصعب ممّا ورد في مورد رواية عمر بن حنظلة من علاج المتعارضين بالأخذ بما يقوله الأعدل و الأفقه، ثمّ الأخذ بالمشهور، فالأخذ

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 100 ح 5 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 104 ح 21 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 74 ح 87 من ب 8 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 75 ح 88 من ب 8 من أبواب صفات القاضي.

335

بما يكون موافقاً للكتاب و مخالفاً للعامّة، ثمّ الأخذ بما يكون مخالفاً لما هو أميل إليه حكّامهم‏ (1)؟!

و يدلّ عليه غيرها ممّا ورد في الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامّة و العرض على السنّة و كونها مشابهاً لها (2).

و في رواية أبي حيّون عن الرضا (عليه السلام):

«من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم»، ثمّ قال: «إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، و متشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها ...» (3).

و في رواية سليمان بن خالد:

«و لو لا هؤلاء (أي زرارة ووو) ما كان أحد يستنبط هذا ...» (4).

و الاستنباط في اللغة هو الإظهار و الاستخراج بعد الخفاء.

و في خبر الميثميّ عن الرضا (عليه السلام) ورد حمل الظاهر على النصّ‏ (5).

و في خبر داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول:

«أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب» (6).

و في ما بعده عن الاعتقادات:

«اعتقادنا في الحديث المفسّر أنّه يحكم على المجمل كما قال الصادق (عليه السلام)» (7).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 75 ح 1 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) راجع وسائل الشيعة: ج 18 ص 75، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 82 ح 22 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 104 ح 21 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 81 ح 21 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(6) وسائل الشيعة: ج 18 ص 84 ح 27 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(7) وسائل الشيعة: ج 18 ص 84 ح 28 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

336

و في ما عن مكتوبه (عليه السلام) للأشتر:

«و الرادّ إلى الرسول (صلى الله عليه و آله) الآخذ بسنّته الجامعة غير المتفرّقة» (1).

و الظاهر منها العمومات و الإطلاقات. و يحتمل بعيداً أن يكون المقصود ما أجمع المسلمون على صدوره منه (صلى الله عليه و آله).

و في ما عن السرائر عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«إنّما علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا» (2).

و ما بعد ذلك عن البزنطيّ عن الرضا (عليه السلام):

«علينا إلقاء الاصول و عليكم التفريع» (3).

و قد يومئ إلى ذلك ما ورد عن أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أنّه:

سئل عن كتب بني فضّال، فقال: «خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا» (4).

فإنّه يدلّ على أنّه كان إظهار الرأي معمولًا أن يكتب و لو قليلًا، و يدلّ على أنّه لا يجوز الأخذ بآراء خصوص بني فضّال، و إلّا لم يكن لبني فضّال خصوصيّة، بل كان الحكم بالنسبة إلى زرارة كذلك، مع وضوح أنّه في مقام أنّ ذلك لخصوصيّة فيهم من جهة فساد عقائدهم.

و مما يقرّب ذلك وضوح وجود الاستنباط و الاجتهاد بين العامّة؛ و النهي الوارد في الأدلّة ليس مفاده الردع عن أصل ذلك، بل عن الفتوى بغير علم و الفتوى بالقياس و من دون برهان و هداية منه تعالى.

و بعد ذلك فنقول: إمّا أنّ الرأي كان يصدر على طبق تلك الاجتهادات فلا شبهة في شمول الإطلاق، و إمّا أن يفرض أنّه لم يكن معمولًا لكن عدم كونه‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 86 ح 38 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 40 ح 51 من ب 6 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 41 ح 52 من ب 6 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 103 ح 13 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

337

معمولًا- بعد فرض الإرجاع و حجّيّة ما كان يدركه بالاجتهاد لنفسه و جواز الإفتاء بذلك- للعلم بالحجّة. و عدم الدليل على الردع لا يضرّ بالإطلاق بعد إمكان الوقوع المبنيّ على وقوع الاجتهاد و جواز الإفتاء على طبقه، لأنّه قول بما يعلم.

الرابعة: الأخبار الدالّة على التحذير عن الفتوى بغير العلم‏

و الفتوى على طبق الأقيسة الدالّة بالضرورة على جواز الإفتاء في الجملة. و جواز الإفتاء دليل بالملازمة العرفيّة على جواز العمل، بل هو مقتضى نفس الجواز إن كان بالمعنى الأعمّ من التكليفيّ و الوضعيّ الّذي هو ترتيب الأثر المرغوب منه، بل لو لا جواز العمل لكان الإفتاء معاونةً على الإثم، فلا يكون جائزاً تكليفاً و قد فرض أنّه جائز.

فمنها: خبر أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام):

«من أفتى الناس بغير علم و لا هدًى من اللَّه لعنته ملائكة الرحمة ...» (1).

و في خبر مفضّل عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«أنهاك أن تدين اللَّه بالباطل، و تفتي الناس بما لا تعلم» (2).

و يدلّ عليه بالمنطوق و المفهوم خبر زياد:

«ما علمتم فقولوا، و ما لم تعلموا فقولوا: اللَّه أعلم ...» (3).

و يدلّ بالمنطوق و المفهوم أيضاً مرفوع أحمد من تقسيم القضاة إلى أربعة (4)؛ بناءً على أنّ القضاوة في اللغة هي الأعمّ من القضاوة الفقهيّة الاصطلاحيّة أو بناءً على إلقاء الخصوصيّة كما لا يخفى.

بل مقتضى الآية الشريفة بحسب المفهوم أي قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» (5) و قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ*

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 9 ح 1 من ب 4 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 10 ح 2 من ب 4 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 10 ح 5 من ب 4 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 11 ح 6 من ب 4 من أبواب صفات القاضي.

(5) سورة المائدة: 44.

338

فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (1) عدم البأس بالحكم بما أنزل اللَّه تعالى و أنّ الكفر و الظلم متوقّفان على الحكم بغير ما أنزل اللَّه تعالى؛ بل مفاد منطوق قوله تعالى في صدر الآية الاولى: «إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ» (2) و قوله تعالى: «وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» (3) جواز أن يحكم الربّانيّون و أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه تعالى في التوراة و الإنجيل. مضافاً إلى الدلالة المفهوميّة المشار إليها الموجودة أيضاً في الآية الثالثة. و مفهوم مجموع الآيات الثلاثة عدم الكفر و الظلم و الفسق بالحكم بما أنزل اللَّه تعالى.

و الإشكال في الاستدلال بالمنطوق من «اختصاص الحكم بعلماء اليهود و علماء أهل الإنجيل» مدفوعٌ بالقطع بعدم الخصوصيّة؛ مضافاً إلى كفاية الاستصحاب في ذلك.

و يمكن الاستدلال بما ورد ردّاً على العامّة من تحريم الفتوى على طبق القياس و الشكّ و الظنّ و القرآن مع عدم العلم بالناسخ و المنسوخ كما في ما عن بعض أصحاب أبي عبد الله من أنّه (عليه السلام):

قال لأبي حنيفة: «أنت فقيه أهل العراق؟» قال: نعم، قال: «فبم تفتيهم؟» قال:

بكتاب اللَّه و سنّة نبيّه، قال: «يا أبا حنيفة تعرف كتاب اللَّه حقّ معرفته؟ و تعرف الناسخ و المنسوخ؟». قال: نعم، إلى أن قال (عليه السلام): «إذا ورد عليك شي‏ء ليس في كتاب اللَّه و لم تأت به الآثار و السنّة كيف تصنع؟». فقال: أصلحك اللَّه، أقيس و أعمل فيه برأيي.

فقال (عليه السلام): «يا أبا حنيفة إنّ أوّل من قاس إبليس ...» (4).

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

____________

(1) سورة المائدة: 45.

(2) سورة المائدة: 44.

(3) سورة المائدة: 47.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 29 ح 27 من ب 6 من أبواب صفات القاضي.

339

الخامسة: ما دلّ على أنّ فقهاء الشيعة و العارفين بحلال الأئمّة و حرامهم (عليهم السلام) حكّام على الناس‏

أو قضاة أو حجّة منهم عليهم أو كونهم قرىً ظاهرة:

فمنه مقبولة عمر بن حنظلة، قال:

سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟ قال: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر اللَّه أن يكفر به، قال اللَّه تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» (1)» قلت: فكيف يصنعان؟ قال:

«ينظر ان من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم اللَّه و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللَّه، و هو على حدّ الشرك باللَّه‏ (2)، فإن كان كلّ واحد اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما و اختلف في ما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر»، قال: فقلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور ...» (3).

و الكلام فيها في مقامين:

المقام الأوّل في سندها،

فنقول: فيه جهات توجب الاطمينان بالاعتبار:

فمنها: إدراج المشايخ الثلاثة لها في كتبهم الّتي منها الفقيه مع أنّه التزم‏

____________

(1) سورة النساء: 60.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 98 ح 1 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 75 ح 1 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

340

في ديباجته بما هو المشهور.

و منها: استفاضة النقل عن محمّد بن عيسى، فإنّ السند الّذي في الكافي يصل إلى محمّد بن عيسى صحيحاً، و سندَ الشيخ بطريق آخر يصل إليه أيضاً، و سندَه أيضاً عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسن بن شمّون يصل إليه أيضاً. و محمّد بن عيسى المعتبر ينقل عن صفوان و هو من أصحاب الإجماع.

و منها: كون محمّد بن الحسن بن الوليد في طريق الصدوق عليه الرحمة إلى داود بن الحصين الناقل عن عمر، فإنّ سنده إليه أبوه و محمّد بن الحسن عن سعد عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن الحكم بن المسكين عنه.

و منها: اعتماد الأصحاب عليها قديماً و حديثاً في مبحث القضاء و علاج المتعارضين.

و منها: الحكم بتوثيق داود، فقد صرّح بذلك النجاشيّ، و قد نقل كتابه العبّاس ابن العامر الصدوق الثقة، و نقل عدّة من المشايخ عنه منهم البزنطيّ، و كونه من رجال مشيخة الفقيه، و هو غير صِرف نقل بعض رواياته، و توثيق عمر فإنّه قد وثّقه الشهيد الثاني، و يظهر ذلك من بعض الروايات فراجع جامع الرواة؛ فالسند عندي معتبر جدّاً.

و أمّا المقام الثاني و هو البحث في دلالته‏

على حجّيّة حكم العارف بالحلال و الحرام فيمكن تقريبها من وجوه:

منها: أنّ الذيل الوارد في اختلاف الحكمين من جهة اختلاف الحديث صريح في الشبهة الحكميّة، لأنّها الّتي منشؤها اختلاف الحديث، فليس جعل الحكومة منحصراً بالشبهات الموضوعيّة قطعاً؛ مضافاً إلى الإطلاق صدراً و ذيلًا من تلك الجهة.

و أمّا احتمال دخالة المخاصمة في حجّيّة الحكم فهي مخالفة لارتكاز العرف قطعاً، فإنّ الإرجاع في المخاصمة لأجل حجّيّة حكم فقيه الشيعة، لا أنّ المخاصمة دخيلة في الحجّيّة، فإنّها لا بدّ من الإحقاق و الحكم بما هو الحقّ و ليست هي دخيلة في الحقّ ثبوتاً.

341

و منها: إطلاق قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته حاكماً» فإنّه من جهة الارتباط بالفاء و وضوح كون الارتباط بكون الجعل المذكور علّةً لإيجاب الرجوع لا بالعكس- كما هو واضح- يكون علّةً، و من المعلوم أنّ ظهور العلّة مقدّم على ظهور المعلّل له، لحكومته عليه كما لا يخفى.

و احتمال كون لفظ الحكومة ظاهراً في خصوص الخصومة بلا شاهد، مع شهادة اللغة و العرف على خلافه و كذا القرآن الكريم ممّا قد مرّ في الطائفة الرابعة من الأخبار فراجع؛ مضافاً إلى أنّه لو استقرّ اصطلاح فهو في الحكومة لا في مادّة «حكم» كما هو واضح؛ مضافاً إلى وضوح أنّ قوله (عليه السلام) «فإذا حكم بحكمنا» شديد الظهور في غير صورة المخاصمة، لأنّ لفظ الحكم الثاني ليس في مورد المخاصمة.

و منها: قوله (عليه السلام): «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم اللَّه» بمنزلة أن يقال: «يحرم ردّ حكمه» و لو سلّم أنّه في الخصومة، لأنّ ردّه استخفاف بحكم اللَّه تعالى، و لا شبهة أنّ العلّة المذكورة جائية في غير مورد الخصومة أيضاً.

و منه خبر أبي خديجة عن أبي عبد الله (عليه السلام)،

قال (عليه السلام):

[أمّا متنه‏]

«إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» (1).

أقول: القضيّة في اللغة اسم من «قضى» كما في المنجد.

[أمّا سنده‏]

و رواه في الوسائل عن المشايخ الثلاثة (قدّس اللَّه أسرارهم) بطرق ثلاثة ينتهي كلّها إلى أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال‏ (2)، و هو مستفيض إلى أبي خديجة. و أمّا هو فعن النجاشيّ أنّه ثقة ثقة؛ مضافاً إلى أنّ طريقه على ما في الفقيه صحيح أو موثّق، كما أنّه لا يبعد أن يكون الحديث من جهة طريق الشيخ (قدس سره) حسناً فراجع.

و أمّا تقريب دلالته‏

فيجري فيه التقريبان الأوّلان للمقبولة، و هما إلقاء خصوصيّة

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 4 ح 5 من ب 1 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 4 ح 5 من ب 1 من أبواب صفات القاضي.

342

الخصومة و الأخذ بظهور التعليل، إلّا أنّ الأوّل أظهر، فتبصّر.

و منه: ما في الوسائل عن إكمال الدين عن محمّد بن محمّد بن عصام عن محمّد ابن يعقوب،

و عن الغيبة للشيخ الطوسيّ (قدس سره) عن جماعة عن جعفر بن محمّد بن قولويه و أبي غالب الزراريّ و غيرهما كلّهم عن محمّد بن يعقوب، و هو ينقل عن إسحاق ابن يعقوب، فهو قطعيّ إلى إسحاق بن يعقوب، و يمكن كشف اعتباره من نقل الكلينيّ عنه من دون واسطة، و الاعتناءِ بشأنه، و نقله بلفظ واحد من دون زيادة و نقيصة لعدّة لا تقلّ عن ثلاثة كما ظهر من نقل السند، و إن كان إسحاق هو أخوه كما في قاموس الرجال فهو أدرى بصدقه، و قد عدّه صاحب الوسائل في خاتمة كتابه في طيّ الثقات، قال (قدس سره): نقل الكشّيّ توقيعاً يظهر منه تمجيده، قال:

سألت محمّد بن عثمان العمريّ أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «أمّا ما سألت عنه أرشدك اللَّه و ثبّتك- إلى أن قال:- و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللَّه» (1).

و الإجمال في السؤال بل اختصاصه بمورد خاصّ لا يوجب رفع اليد عن ظهور التعليل في الإطلاق الّذي هو حاكم على المعلّل له لا سيّما مع قوله: «و أنا حجّة اللَّه»، فكما أنّه لا يختصّ بمورد السؤال كذلك قوله (عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم».

هذا تمام الكلام في التقليد.

و أمّا [الرابع‏] شروطه [أي المقلَّد]

فقد ذُكرت في الفقه و قد علّقنا على العروة الوثقى ما يدلّ عليها، لكن نذكر هنا إن شاء اللَّه بعض الشرائط و نختم بها الكتاب إن شاء اللَّه تعالى:

فمنها: أنّهم ذكروا أنّه لا يشترط في مرجع التقليد أن يكون مجتهداً مطلقاً.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 101 ح 9 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

343

و في المستمسك أنّ اعتبار الإطلاق هو المعروف المدّعى عليه الوفاق أو الإجماع‏ (1).

و تفصيل ذلك أن يقال: إنّ من المسلّم أنّه لا يشترط استحضار جميع الأحكام مع أدلّتها، لامتناعِ تحقّق ذلك عادة، و القطعِ بأنّ مثل زكريّا و محمّد بن مسلم و أمثالهما ممّن ارجع إليهم لم يكونوا عارفين بجميع الأحكام بنحو الفعليّة و الاستحضار.

و أمّا استحضار معظم الأحكام فقد يمكن أن يقال بلزومه، من جهة ظهور المقبولة أي قوله (عليه السلام): «و عرف أحكامنا» في معرفة الجميع، و حيث يقطع بعدم إرادة ذلك- لما مرّ- فأقرب المجازات إليه هو عرفان المعظم.

و فيه: أنّ ذلك أيضاً نادر، فإنّ العلم بالمعظم ممّا قلّما يتّفق لأحد، بل عدم حصول ذلك لمن تقدّمت أسماؤهم الشريفة و غيرهم ممّن أرجع إليهم الإمام (عليه السلام) ممّا تطمئنّ به النفس. و ما ذكر في المقبولة من أنّه «بعد عدم إمكان الأخذ بظاهره من العموم فكون الأقرب عرفان المعظم» ممنوع، بل يحتمل أن يكون المقصود ملكة عرفان مطلق الأحكام بالتسلّط على الكتب و إمكان الاستخراج منها من دون التوقّف على التعلّم و تحمّل مشقّة التحصيل؛ مع أنّه يمكن منع الظهور، لقوله (عليه السلام): «فإذا حكم بحكمنا»، فإنّ المستفاد منه عرفاً أنّ المقصود هو التمكّن من ذلك، بأن يحكم بالحكم الصادر من الأئمّة (عليهم السلام) بالطرق المعهودة العقلائيّة.

و أمّا استحضار شطرٍ وافٍ من الأحكام فليس في البين ما يدلّ عليه إلّا ما تقدّم من معتبر أبي خديجة أي قوله (عليه السلام): «و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا» أو «قضائنا» كما في نسخة اخرى.

و هو مدفوعٌ أوّلًا بأنّ المنقول عن أبي خديجة مختلف المتن، فإنّه قد نقله في الوسائل عن الشيخ (قدس سره) و فيه: «اجعلوا بينكم رجلًا قد عرف حلالنا و حرامنا،

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج 1 ص 43.

344

فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» (1) و هو متّحد المفاد للمقبولة.

و ثانياً بأنّ اشتراط الاستحضار لشي‏ء من الأحكام تعبّداً (حيث إنّه مخالف للارتكاز العرفيّ المستقرّ على أنّ ما هو الدخيل في العمل هو الإحاطة بجميع نواحي المسألة حين صدور الرأي) قرينة متّصلة مانعة عن انعقاد الظهور للاشتراط التعبّديّ، فهو إمّا من باب أنّ القدرة المطلقة متوقّفة على الاستحضار الفعليّ أو ملازمة له أو يتوقّف حصولها على حصول الاستحضار ابتداءً، و إن فرض عروض النسيان فالظاهر عدم الدليل على ذلك أيضاً.

و أمّا وجود قوّة الاستنباط و الاستخراج على وجه الإطلاق فهو الّذي نقلنا على لزومه الإجماع في صدر المسألة.

و يمكن أن يستدلّ عليه بالمقبولة و بخبر أبي خديجة بناءً على النقل الأخير بعد معلوميّة عدم كون المراد هو الاستحضار الفعليّ لجميع الأحكام و لا لمعظمها، لندرة ذلك؛ فالأقرب أن يكون المقصود ملكة عرفان ذلك، بأن يكون أهلًا لذلك على وجه الإطلاق.

و لا يعارضه ما في خبر أبي خديجة «يعلم شيئاً من قضايانا»، لعدم معلوميّة كون الصادر ذلك مع فرض الاختلاف في النقل، و على فرض الصدور لا منافاة بين إطلاق وجود ملكة الاجتهاد و استحضار شي‏ء من المسائل إمّا تعبّداً- و إن كان بعيداً كما مرّ- أو من باب المقدّمة أو التلازم لما هو الموضوع لجواز الرجوع من وجود الملكة القدسيّة على وجه الإطلاق.

لكنّ الإنصاف: عدم تماميّة الاستدلال، و ذلك لأنّ بناء العقلاء أو حكم العقل أو السيرة لا يقتضي الاشتراط المذكور الّذي هو تعبّدٌ صِرف، بل ربما يترجّح عند العقل تقديم المتجزّي، لتبحّره في ما اختاره من الآراء، فإنّ من كان متبحّراً في المسائل‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 100 ح 6 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

345

الّتي فيها الأخبار من حيث تخصّصه في الرجال و في أقوال العامّة و تمييزِ ما فيه التقيّة عن غيره لكثرة ممارسته في ذلك و تسلّطِه على وجوه الجمع و حُسنِ سليقته في فهم الألفاظ و لا يكون له ذلك التبحّر في المسائل المربوطة بجريان الاصول و تشخيصِ الأصل الحاكم و المحكوم فربما يترجّح تقليده في المسائل الّتي هو متبحّر فيها، دون الرجوع إلى المجتهد المطلق الّذي لا يكون نظير المتجزّي في ما له فيه قوّة الاجتهاد.

و أمّا إطلاق المقبولة فيمكن الجواب عنه بأنّه يمكن أن يكون من قبيل مقابلة الجمع بالجمع و أنّ الرجوع في جميع الأحكام لا بدّ أن يكون ذا قوّة مطلقة، لا اشتراط ذلك في الرجوع في كلّ حكم بالخصوص. و المانع عن انعقاد الظهور على النحو المذكور أمران: أحدهما ما مرّ من كونه خلاف الارتكاز. ثانيهما قوله (عليه السلام) «فإذا حكم بحكمنا» الظاهر في أنّ المقصود أن يحكم بما هو حكمهم (عليهم السلام) في نظره، و هو منطبق على حكم المتجزّي، فالظاهر هو عدم اللزوم. و اللَّه العالم.

و منها: أنّه ذكر صاحب التقريرات ما خلاصته أنّه إذا علم المقلّد بالاختلاف على وجه التفصيل هل يجب الأخذ بقول الأعلم‏

أو مخيّر بينه و بين الأخذ بقول غيره؟ قولان.

المعروف بين الأصحاب و جماعة من العامّة هو الأوّل، كما هو خيرة المعارج و الإرشاد و نهاية الاصول و التهذيب و المنية و الدروس و القواعد و الذكرى و الجعفريّة و جامع المقاصد و تمهيد القواعد و المعالم و الزبدة و حاشية المعالم و الرياض، و عن النهاية أنّه قول من وصل إلينا كلامهم من الاصوليّين، و قريب منه ما في المعالم، و صرّح بدعوى الإجماع المحقّق الثاني، و يظهر من ذريعة السيّد أنّه من مسلّمات الشيعة؛ و حدث لجماعة ممّن تأخّر عن الشهيد الثاني القول بالتخيير

346

تبعاً لبعض علماء العامّة حتّى صار في هذا الزمان قولًا معتدّاً به‏ (1). انتهى.

أقول:

ما يستدلّ به على تعيّن الرجوع إلى الأعلم امور:

الأوّل: الإجماع المنقول‏

صريحاً في كلام المحقّق الثاني على ما تقدّم و حكاه الأردبيليّ عن بعضهم، و ظاهراً في كلام الشهيد الثاني المؤيّد بنقل عدم الخلاف عند الأصحاب- كما يظهر من السيّد في الذريعة و البهائيّ و صاحب المعالم- و بالشهرة المحقّقة بين الأصحاب. كلّ ذلك على ما في التقريرات‏ (2).

ثمّ قال: و هو الحجّة، و كيف يجترئ على الفتوى بالخلاف الّذي هو بمنزلة الإفتاء في جميع المسائل بخلاف الأصحاب. و التعليل الفاسد في كلامهم ليس بضائر بعد الاتّفاق الكاشف؛ مع ما تعرف من صحّة التعليل‏ (3).

أقول: المضرّ لكاشفيّة الإجماع أصل التعليل و لو كان صحيحاً، لأنّ الدليل حينئذٍ ليس نفس الإجماع، بل ما استند إليه، فلا يكون دليلًا آخر غير ما علّل الحكم به، بل حيث إنّ المصير إلى الأخذ بقول الأعلم ممّا يمكن أن يستدلّ عليه بالعقل و بعض الأدلّة النقليّة تطمئنّ النفس بأنّ المدرك هو الأدلّة الّتي يأتي بيانها؛ مع أنّه يبعد كلّ البعد وجود دليل آخر صريح أو ظاهر في الرجوع إلى الأعلم و لم يذكروه في كتبهم مع ذكر إطلاق الرجوع إلى العارف بالأحكام و الرجوع إلى رواة الأحاديث.

الثاني: حكم العقل المستقلّ،

من باب أنّ ملاك حكمه بالرجوع إلى المجتهد من باب الأقربيّة إلى الواقع، و ليس تعبّدٌ في ذلك، فحينئذٍ فالأخذ بقول الأعلم أقرب إلى الواقع من غيره.

و فيه: أنّ معنى الاستقلال ليس إلّا أنّ حكمه لا يتوقّف على فرض جعل حجّيّته من جانب الشارع، لا أنّه يقيّد إطلاق ما دلّ على التخيير كما يأتي و تقدّم.

مضافاً إلى أنّه مع الغضّ عنه فأقرب منه هو الأخذ بأحوط القولين، إلّا أن يفرض‏

____________

(1) مطارح الأنظار: ج 2 ص 525 و 526.

(2) مطارح الأنظار ج 2 ص 541.

(3) مطارح الأنظار ج 2 ص 542.

347

بطلان الاحتياط و هو غير معلوم، إذ المفروض عدم وجوب الاحتياط الكلّيّ في الفروع؛ و أمّا الاحتياط في المسألة الاصوليّة بالأخذ بأحوط القولين فهو غير مفروض البطلان، لعدم لزوم الحرج.

مع أنّه مع الغضّ عنه فقد يكون رأي المفضول أقرب إلى الواقع، من جهة تطابقه للمشهور بين الأصحاب أو كونه أورع أو أكثر مطابقةً و تدقيقاً في المسألة و كونه بطي‏ء الاطمينان.

الثالث: حكم العقل غير المستقلّ‏

أي حكمه بعد فرض حجّيّة قول المجتهد و دوران أمرها بين التعيين و التخيير فيحكم بالأخذ بالمتيقّن، فإنّ مشكوك الحجّيّة محكوم بعدمها.

و فيه أوّلًا: أنّ ذلك في فرض الدوران المبنيّ على عدم وجود إطلاق يقتضي التخيير.

و ثانياً: تيقّن الأخذ برأي الأعلم غير معلوم، فإنّ المتيقّن هو الأخذ بمقتضى القولين، لدوران الأمر بين التخيير بين الأعلم و غيره و التخيير بين الأعلم و المجموع الّذي نتيجته الأخذ بالأحوط، فالأخذ بالمجموع هو المتيقّن.

و ثالثاً: على فرض بطلان تعيّن الأخذ بالأحوط فدوران الأمر بين الأعلم و التخيير غير واضح في جميع الموارد، فإنّه ربما تكون في المفضول خصوصيّة راجحة يحتمل تعيّنه، كالأورعيّة و الحياة و غير ذلك، و حينئذٍ لا بدّ من الأخذ بالأحوط من باب إحراز ما هو التكليف واقعاً، و إن فرض عدم وجوبه في هذا الفرض أيضاً فيحكم بالتخيير.

الرابع: مقبولة عمر بن حنظلة المتقدّمة (1)

و فيها في فرض الاختلاف: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».

____________

(1) في ص 339.

348

و قد يورد عليها أوّلًا بأنّها في مورد الخصومة.

لكن قد عرفت أنّ المستفاد عرفاً أنّ الخصومة ليست دخيلةً في وضع الحكم، بل كون الحكم هو الرجوع إلى الأعدل موجب لرفع الخصومة به، فإنّها لا تقتضي تغيّر ما هو الحقّ، بل لا بدّ فيها من الحكم بما هو الحقّ إمّا ظاهراً أو واقعاً.

لكن يمكن أن يقال: إنّ رضاية الخصمين معاً بحكومة الحكمين و عدم خروج الواقعة عنهما كما يظهر من قوله: «فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما» يمكن أن تكون دخيلةً في تعيّن الأخذ بالأعلم، فتأمّل.

و ثانياً بأنّه بعد اطّلاع الخصمين على الحديثين لا يكون الرجوع إلى الأعلم إلّا من باب ترجيح المجتهد الحديثَ الّذي يرويه الأفقه، لأنّه بعد الاطّلاع على ذلك فلا فرق بين الخصم و الحاكم في الوقوف على المدرك، بل هو أعلم، للوقوف على معارضه، فليس ذلك من باب رجوع الجاهل إلى الأعلم، كيف و لو كان كذلك لكان سائر المرجّحات أيضاً ممّا يرجّح به المقلّد فلا بدّ عند التساوي من الأخذ بالمشهور إلى آخر المرجّحات المذكورة في المقبولة؟!

و ثالثاً بأنّ مقتضاه تقديم الأعلم و الأورع، لا المتّصف بأحدهما.

الخامس: خبر داود بن الحصين الوارد في الخصومة المرجوعة إلى رجلين عدلين‏

مرضيّين من الجانبين، و فيه قال: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفد حكمه» (1).

و فيه: الإيراد الأوّل و الثالث، فتأمّل.

السادس: خبر موسى بن أكيل عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

سئل عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ فيتّفقان على رجلين يكون بينهما فحكما فاختلفا في ما حكما- إلى أن قال:- حكم كلّ واحد منهما للّذي اختاره‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 80 ح 20 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

349

الخصمان، فقال: «ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللَّه فيمضى حكمه» (1).

و فيه أيضاً: الإيراد الأوّل و الثالث.

السابع: ما في المكتوب الشريف المنقول في نهج البلاغة و غيره‏

الّذي كتبه المولى أمير المؤمنين لأجل أن يعمل به مالك النخعيّ حين ولّاه حكومة مصر، و فيه:

ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضلَ رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الامور، و لا تَمْحَكُه الخصوم، و لا يتمادى في الزلّة، و لا يحصر من الفي‏ء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تُشرِفُ نفسُه على طمع، و لا يكتفي بأدنى فهمٍ دون أقصاه، و أوقَفَهُم في الشبهات، و آخَذَهُم بالحُجج، و أقلَّهُم تَبرُّماً بمراجعة الخصم، و أصْبَرَهُم على تكشُّف الامور، و أصْرَمَهُم عند اتّضاح الحكم، مِمَّن لا يَزْدَهيه اطراءٌ، و لا يستميله إغراءٌ- إلى أن كتب (عليه السلام): فإنّ هذا الدين ...» (2).

و فيه- مضافاً إلى ورود الإيراد الثالث، من جهة الإرجاع فيه إلى الأعلم و الأوقف في الشبهات ممّن لا يزدهيه اطراءٌ و لا يستميله إغراءٌ-: أنّ المحتمل قويّاً كون ذلك حكماً ولائيّاً واجب الاتّباع لمالك، لأمره (عليه السلام) الّذي لعلّه كان من جهة أنّه (عليه السلام) كان يريد مراقبة مصالح المسلمين بالّتي هي أحسن و لو لم يكن واجباً عليه بل كان محبوباً لمولاه، أو كان واجباً عليه بالخصوص لجهة خاصّة به أو لوضع العصر و اقتضاء الظروف كما ربما يومئ إلى ذلك قوله (عليه السلام) بعد الأمر بذلك: «فإنّ هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار: يُعْمَلُ فيه بالهوى، و تُطْلَبُ به الدنيا» (3).

هذا بيان أدلّة وجوب الأخذ برأي الأعلم.

و أمّا أدلّة التخيير و عدم لزوم مراعاة الأعلميّة و الأورعيّة

و لا الأخذ بالأحوط

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 45 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) نهج البلاغة «فيض الإسلام»: ص 1000 و 1001.

(3) نهج البلاغة «فيض الإسلام»: ص 1001.

350

من القولين الّذي هو الأخذ بكليهما، فالعمدة ما تقدّم في المسألة السابقة من إطلاق الرجوع إلى رواة الأحاديث و كونهم حججاً من جانب الحجّة (عليه السلام) عن اللَّه تعالى و جعلهم حكّاماً، و الخارج منه كما عرفت صورة المخاصمة مع الرضا بالحكمين فلا يشمل مورد المخاصمة إلى رجل واحد مع العلم باختلاف رأيه للأعلم في تلك المسألة.

و قد يستدلّ للجواز بإرجاع الأئمّة (عليهم السلام) إلى الرواة مع إمكان الوصول إلى أحكامهم و الاحتياط حتّى يصل الجواب.

و هو ضيعف جدّاً، لعدم العلم بالاختلاف للإمام لا إجمالًا و لا تفصيلًا، و مورد البحث هو صورة العلم بالاختلاف.

هذا كلّه في مقام بيان النظر، و قد عرفت أنّ الظاهر عدم الدليل على وجوب الرجوع إلى الأعلم؛ لكنّ الأحوط الرجوع إلى الأعلم الأورع، و مع الاختلاف في الأعلميّة و الأورعيّة فالأخذ بأحد القولين.

و أمّا تكليف العاميّ الّذي لا يكون قول المجتهد المعيّن حجّةً عليه‏

فمن الواضح أنّه لا يجوز الرجوع إلى غير الأعلم بالاتّكاء على قوله بجواز تقليد غير الأعلم و حجّيّة قوله، لاستحالة علّيّة الشي‏ء لنفسه؛ مع أنّه ليس فتواه الحجّة الفعليّة الواصلة إلى العاميّ بل فتواه الحجّة الذاتيّة، و إلّا أمكن رفع إشكال الاستحالة بأنّ حجّيّة قوله في الفرعيّات ليست بذلك، بل بواسطة حجّيّة قوله في الرأي بحجّيّته في الفرعيّات، كما أنّ الواضح أيضاً جواز الأخذ بأحوط القولين في الفرعيّات.

و أمّا الرجوع إلى الأعلم في المسائل الفرعيّة

أو جواز الرجوع فيها و في المسألة الاصوليّة و هي جواز تقليد المفضول و لو أفتى المفضول بعدم الجواز أو بالأخذ بأحوط القولين في المسألة الاصوليّة و هو الأخذ بقول الأعلم في الفرعيّات أو الأخذ بقول غيره إذا كان فتواهما جواز الرجوع إلى غير الأعلم، ففي كلّ ذلك إشكال.

و منشأ الإشكال أنّ المتيقّن الّذي يحكم به عقله هو الأخذ بالأقرب، و الأقرب‏

351

هو أحوط القولين في المسائل الفرعيّة، لأنّه مطابق أيضاً لأحوط القولين في المسألة الاصوليّة.

و على فرض القطع بعدم لزوم ذلك فالقدر المتيقّن حجّيّة قول الأعلم في المسائل الفرعيّة، فلا يجوز الرجوع إلى غيره و لو مع فتوى الأعلم بجواز الرجوع إلى غيره و فتوى غيره بذلك أيضاً، و ذلك لأنّ القدر المتيقّن من حكم العقل حجّيّة رأي المجتهد بالمقدار الّذي يرتفع به حاجة المكلّف، و مورد احتياجه المسائل الفرعيّة؛ و أمّا مسألة التقليد فهو من باب الوصول إلى ما هو الحجّة في المسائل الفرعيّة، و الحجّة المتيقّنة في المسائل الفرعيّة بعد عدم القطع بحجّيّة قولهما في المسألة الاصوليّة هي المسائل الّتي يفتي بها الأعلم.

و إن شئت قلت: إنّه بعد تيقّن حجّيّة قول الأعلم في المسائل الفرعيّة يصير حجّةً فيها، فلا انسداد حتّى ينتج حجّيّة قول المجتهدين أو الأعلم منهما في المسألة الاصوليّة؛ و على فرض القطع بحجّيّة قول المجتهد حتّى في المسألة الاصوليّة و هي حجّيّة الرأي فمقتضى القاعدة هو الأخذ بأحوط القولين فيها، فلو أفتى الأعلم و غيره بعدم تعيّن الأعلم يجوز الأخذ برأي غير الأعلم، و أمّا لو أفتى الأعلم بالتخيير و أفتى غير الأعلم بتعيّن الأخذ برأي الأعلم فلا يجوز، لأنّ المفروض أنّ الأقرب إلى الواقع في المسألة الاصوليّة هو الأخذ بكلا القولين الحاصل بالأحوط. و لعلّ ذلك كلّه يحصل بعدم انحصار مدرك المقلّد بالعقل بل هو يطمئنّ بالإجماع، فلو أجمع الكلّ على دوران الأمر بين الأعلم و التخيير من غير فرق بين المسألة الاصوليّة و الفقهيّة فإذا أفتى الأعلم بالتخيير يجوز له الأخذ برأي غير الأعلم و لو أفتى هو بتعيّن الأخذ برأي الأعلم، لأنّه أيضاً يرى حجّيّة رأيه في المسألة الاصوليّة، فتأمّل.

و منها: اشتراط الحياة فيه:

ففي تقريرات الشيخ الأنصاريّ (قدس سره) نقل عدم الخلاف عن المحقّق الثاني بين‏

352

علماء الإماميّة مع وجود المجتهد الحيّ؛ و عن الشهيد في المسالك أنّه لم يتحقّق خلاف إلى الآن ممّن يعتدّ بقوله من أصحابنا و إن كان للعامّة في ذلك خلاف مشهور، و كذا قال في محكيّ الرسالة المعمولة في هذه المسألة، ثمّ قال: و على مدّعي الجواز بيان القائل به على وجه لا يلزم منه خرق الإجماع، ثمّ قال: و لا قائل بجواز تقليد الميّت من أصحابنا السابقين و علمائنا الصالحين، و ادّعى في محكيّ كتاب آداب العلم و التعلّم الإجماع على ذلك؛ و عن المعالم أنّ العمل بفتاوى الموتى مخالف لما يظهر من اتّفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميّت مع وجود المجتهد الحيّ؛ و عن المحقّق الداماد نفي الخلاف صريحاً، و هو المستظهر من العلّامة في النهاية؛ و عن ابن أبي جمهور الأحسائيّ دعوى الإجماع من الإماميّة و قال: لا أعلم فيه مخالفاً؛ و عن الوحيد البهبهانيّ في فوائده أنّ الفقهاء أجمعوا على أنّ الفقيه لو مات لا يكون قوله حجّة (1). انتهى.

و في بعض عبائره دفع ما يمكن أن يدلّ على عدم الإجماع من قول الأردبيليّ (قدس سره): «الأكثر على اشتراط الحياة» و قول الشهيد (قدس سره) في الذكرى من التصريح بمخالفة البعض، و قول العلّامة (قدس سره) في التهذيب على ما حكي من أنّه الأقرب، و من مخالفة الأخباريّين في ذلك:

فدفع الأوّل بأنّه في مقابل خلاف العلّامة (قدس سره) بجواز الرجوع إلى الميّت مع عدم المجتهد الحيّ، فكان الأكثر أطلقوا الاشتراط بخلاف العلّامة (قدس سره) فإنّه قيّده بصورة وجود المجتهد الحيّ.

و الثاني و الثالث بأنّ ذلك في قبال العامّة.

و أمّا الرابع فمن باب أنّ الرجوع إلى المجتهد عندهم من باب أخذ

____________

(1) مطارح الأنظار: ج 2 ص 437- 439.