التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
455

و قيل: إن شطر الحفرة الملاصق للكعبة هو موضع مقام إبراهيم (عليه السلام) قبل أن ينقله عمر رضي اللّه عنه، و هو أيضا موضع المقام حينما أخذه سيل أم نهشل إلى أسفل مكة فلما جاء عمر من المدينة نقله منه إلى موضعه الآن فهذا القول غير بعيد، بل هو الصواب، كما علم ذلك مما سبق في تحقيق موضع المقام.

و قيل: إن الحفرة هي مصلى جبريل بالنبي (صلى الله عليه و سلم) حين فرضت الصلوات الخمس، قد ذكر ذلك كثير من العلماء منهم الأزرقي فروى بسنده عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: (أمني جبريل عند باب الكعبة مرتين). فهذا القول أقرب إلى الصحة، بل هو الصواب أيضا، و يطابق القول المتقدم، بأن مقام إبراهيم كان في شطر الحفرة الملاصق للكعبة كما ذكر، فوافقت صلاتهما عنده قبل نزول:

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ فكان صلاة جبريل بالنبي (صلى الله عليه و سلم) هناك إشارة إلى أنه سيؤمر هو و أمته بالصلاة عند المقام، و لا مانع أن نقول: إن الحفرة هي محل مصلى جبريل بالنبي (صلى الله عليه و سلم)، و هي أيضا محل مقام إبراهيم (عليه السلام) قبل أن ينقله عمر رضي اللّه عنه في محله المعلوم. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

جاء في صحيح البخاري في أول باب مواقيت الصلاة و فضلها: عن عبد اللّه بن مسلمة قال: قرأت على مالك عن أبي شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما و هو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال: ما هذا يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل (صلى الله عليه و سلم) نزل فصلى، فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم صلى فصلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ثم قال: بهذا أمرت فقال عمر لعروة:

اعلم ما تحدث أو إنّ جبريل هو أقام لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وقت الصلاة، قال عروة:

كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه قال عروة: و لقد حدثتني عائشة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان يصلي العصر و الشمس في حجرتها قبل أن تظهر.

انتهى.

جاء في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق في باب ذكر الملائكة:

حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخّر العصر شيئا، فقال له عروة: أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال عمر: أعلم ما تقول يا عروة، قال: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا

456

مسعود يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: نزل جبريل فأمني فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات. انتهى.

هذا الكلام كنا كتبناه في مؤلفنا" مقام إبراهيم (عليه السلام)" المطبوع عام (1368 ه) لأول مرة بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و شركاه بمصر.

و لزيادة التحقق عن هذا المبحث، فقد ذهبنا إلى المسجد الحرام صباح يوم الثلاثاء الرابع من شهر جمادى الأولى سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف، فوقفنا عند باب الكعبة المعظمة و تأملنا نفس الحفرة المذكورة و ما حولها و أخذنا القياس لها و لبعض الأماكن بالمتر كما سنبينه، فظهرت لنا الحقيقة عن الحفرة تمام الظهور و وضح ما كان خافيا تمام الإيضاح، و هذا المبحث لا يوجد في كتاب مطلقا إلا في تاريخنا هذا، فالحمد للّه على توفيقاته و نعمه العظمى المتوالية. و إليك بيان ذلك كما يأتي:

إن هذه الحفرة التي عند باب الكعبة المعظمة لم تكن حفرة حقيقة، و إنما كانت في صدر الإسلام من نفس أرض المطاف الترابية، غير أنه كان في موضعها علامة لتدل عليها، كفرشها برملة بيضاء مثلا فلما فرشوا أرض المطاف بالحجارة الصخرية، و بالحجارة الرخامية المرمرية، جعلوا هذا الموضع حفرة كالحوض عمقها نحو ثلاثين سنتيمترا حتى لا يندرس هذا المحل.

و قياس هذه الحفرة الرخامية المستطيلة الشكل، و التي تشبه الحوض الصغير هي كما يأتي بالأمتار:

طولها: متران، و عمقها: ثمانية و عشرون سنتيمترا، و بين آخر هذه الحفرة إلى ركن الكعبة من جهة حجر إسماعيل هو خمسة أمتار و ستين سنتيمترا، و ما بين أول الحفرة إلى ركن الحجر الأسود هو أربعة أمتار و ثمانون سنتيمترا. و من أول هذه الحفرة إلى أول شباك مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام عشرة أمتار إلا أربعة عشر سنتيمترا و في هذه الحفرة يمكن أن يصلي أربعة رجال براحة تامة بدون تزاحم.

فإن قال قائل: هل كانت مساحة أرض هذه الحفرة في عهد الصحابة رضي اللّه عنهم كمساحتها اليوم أم لا؟

457

نقول: المعقول أن تكون مساحة هذه الحفرة في صدر الإسلام كمساحتها اليوم، و ذلك أن هذه الحفرة على مساحتها اليوم يمكن أن يصلي فيها أربعة أشخاص كما تقدم، و هذه الحفرة هي موضع مصلى جبريل بالنبي (صلى الله عليه و سلم)، و هي أيضا موضع حجر مقام إبراهيم (عليه السلام) الذي يبلغ طوله ذراع واحد.

فإذا حسبنا أن هذا المقام الذي يبلغ ذراعا واحدا بشخص واحد، و النبي (صلى الله عليه و سلم) هو الثاني و جبريل (عليه السلام) هو الثالث، كان الباقي هو مكان الرجل الرابع، و إذا فرضنا أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان إذا صلى في هذه الحفرة يتقدم أحيانا بخطوة أو خطوتين، أو يتأخر أحيانا كذلك بخطوة أو خطوتين فهذا القدر من التقدم أو التأخر إذا حسبناه بمكان الرجل الرابع، ظهر لنا بوضوح تام أن مساحة هذه الحفرة اليوم هي نفس مساحتها في صدر الإسلام.

فالمتران اللذان هما طول الحفرة يكفيان لصلاة أربعة رجال، و المتر و العشرة السنتيمترات التي هي عرض الحفرة هي مقدار ما يتمكن المصلي من الركوع و السجود.

فعليه تكون مساحة الحفرة في زماننا هي مساحتها في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) بدون شك و لا ريب، و اللّه تعالى أعلم بغيبه.

و إن سأل سائل: هل محل هذه الحفرة كان معروفا من عهد إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام و في عهد الجاهلية قبل الإسلام أم لا؟

فنقول: إن محل هذه الحفرة لم يكن له ذكر قبل الإسلام مطلقا، لا في عهد إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام و لا في عهد الجاهلية، لأنه لم يكن هناك أمر يوجب إسناد الحفرة و نسبتها إليه، غير أنه كان يعرف في الجاهلية أن حجر مقام إبراهيم كان يوضع أحيانا في شطر من الحفرة كما كان كذلك في عهد النبيين الكريمين إبراهيم الخليل و إسماعيل الذبيح عليهما الصلاة و السلام، و أحيانا كان يوضع داخل الكعبة المعظمة. فلما جاء الإسلام، و فرضت الصلوات الخمس، و صلى جبريل إماما بالنبي عليه الصلاة و السلام في محل الحفرة ليعرفه كيفيتها، و كان النبي عليه الصلاة و السلام أيضا إذا دخل الكعبة و أراد أن يركع خارجها صلى عند باب الكعبة أي في هذا الموضع كما سيأتي بيانه.

حافظ المسلمون على هذا المحل من ذلك الوقت إلى اليوم و صار لها شأن يذكر.

458

و إن قيل: لماذا كان يصلي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في محل الحفرة؟ و لماذا كانوا يجعلون حجر مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام في هذا المحل أيضا؟

نقول: مما لا ريب فيه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يصلي في جميع نواحي الكعبة، ليقتدي المسلمون بفعله (صلى الله عليه و سلم)، فالكعبة في ذاتها قبلة المسلمين كافة أينما كانوا في مشارق الأرض و مغاربها. لكنه عليه الصلاة و السلام كان إذا خرج من الكعبة صلى ركعتين عند باب الكعبة كما جاء ذلك في مسند الإمام أحمد عن ابن عباس أن الفضل بن عباس أخبر أنه دخل مع النبي (صلى الله عليه و سلم)، و أن النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يصل في الكعبة و لكنه لما خرج، نزل فصلى ركعتين عند باب الكعبة. اه.

و جاء في شفاء الغرام: و قال القاضي عز الدين بن جماعة في هذا المعنى فيما أخبرني به خالي عنه قال:- يعني أحمد بن حنبل- حدثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء قال: قال أسامة بن زيد: دخلت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت فجلس فحمد اللّه و أثنى عليه و هلل و خرج و لم يصل.

ثم دخلت معه في اليوم الثاني فقام و دعا ثم صلى ركعتين ثم خرج فصلى ركعتين خارجا من البيت مستقبل وجه الكعبة ثم انصرف و قال: هذه القبلة.

اه.

نقول: كان هذا في ثاني يوم الفتح.

و جاء فيه أيضا: و روى البخاري و مسلم عن أسامة بن زيد أيضا: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها و لم يصل حتى خرج فلما خرج ركع قبل البيت ركعتين و قال: هذه القبلة.

قوله: قبل البيت: هو بضم القاف و الباء، و يجوز إسكان الباء، و معناه على ما قيل ما استقبلك فيها و قيل مقابلها.

فصلاته عليه الصلاة و السلام عند الكعبة كما ورد كانت في محل هذه الحفرة بدون شك، لأنه كان في محلها مقام إبراهيم، و لأنه في هذا المحل أيضا صلى به جبريل الصلوات الخمس حين فرضت، و لأن هذا المحل و ما بعده إلى جهة حجر إسماعيل هو أصلح محل للصلاة من جهة وجه الكعبة إلى يومنا هذا و بيان ذلك:

459

(1) هو أن الإنسان إذا صلى في مواجهة باب الكعبة تحت عتبتها، فإنه لا يتمكن من الخشوع و الخضوع في الصلاة لمرور الناس أمام المصلى ليقفوا على الباب يدعون ربهم تحت عتبة بابه، و هو مكان استجابة الدعاء.

(2) و إذا صلى عند الملتزم و هو على شمال مستقبل باب الكعبة، و هو المكان الذي بين الباب و الركن الأسود، و مقداره متران فقط، فإنه لا يتمكن المصلي أيضا من الخشوع و الخضوع لمرور الناس أمامه و وقوفهم في الملتزم للدعاء و التضرع، و هو مكان الإجابة أيضا.

فعليه يكون أحسن و أصلح مكان للصلاة في وجه الكعبة يتمكن المصلي فيه من الخشوع و الخضوع و الراحة، هو المكان الواقع على يمين مستقبل باب الكعبة إلى جهة حجر إسماعيل، ففي هذا المكان يقع محل الحفرة و هو قريب من الباب، فما بين أول هذه الحفرة و بين أول الباب إلا ستون سنتيمترا.

و لما كان أيضا هذا المحل يوضع في شطره حجر مقام إبراهيم (عليه السلام)، و كان أيضا هذا المحل هو موضع صلاة جبريل بالنبي عليه الصلاة و السلام، كان هذا المكان أفضل مكان لصلاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين خروجه من الكعبة.

أما لماذا كانوا يجعلون حجر المقام في شطر هذه الحفرة من قبل الإسلام؟ فعلة ذلك نفس السبب الذي ذكرناه عن صلاة النبي (صلى الله عليه و سلم) في هذه الحفرة، فإن هذا مقام كريم و هو من الآيات البينات كما قال اللّه تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ و هو الحجر الذي كان يقوم عليه خليل اللّه إبراهيم لبناء الكعبة، فينبغي أن يكون محله عند الكعبة. و ليس من المعقول أن يوضع عند عتبة باب الكعبة، و لا أن يوضع على يسار الباب عند الملتزم، لأن عتبة الباب و موضع الملتزم هما محل وقوف الناس للدعاء و التضرع ليلا و نهارا على الدوام.

فلو وضع حجر المقام في هذين المحلين لحصل التضييق على الناس، و لكان المقام معرضا للإهانة و التلف تحت أرجل الناس، فوضعه على يمين باب الكعبة في محل الحفرة هو عين الصواب و الحكمة. هذا ما كان قبل الإسلام في عهد الجاهلية أما بعد ظهور الإسلام و بعد أن أمر اللّه سبحانه و تعالى المسلمين أن يصلوا خلف المقام كما في صريح الآية الكريمة وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ كان من الحكمة و الصواب أن ينقله من الحفرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه‏

460

تعالى عنه فيضعه في محله الآن بقرب زمزم في مقابل الحفرة أيضا، حتى لا يحصل تشويش على المصلين الذين يصلون خلفه من الطائفين الذين يطوفون حول البيت.

فخلاصة القول: أن هذه الحفرة التي هي عند الكعبة المشرفة، إنما هي موضع مصلى جبريل بالنبي (صلى الله عليه و سلم) حين فرضت الصلوات الخمس.

و هي أيضا موضع مصلى النبي عليه الصلاة و السلام إذا خرج من الكعبة، و أيضا هي موضع حجر مقام إبراهيم (عليه السلام) من قبل الإسلام كما قدمنا تفصيل كل ذلك.

فعليه يكون على يمين باب الكعبة محل المقام الذي هو من الآيات البينات، و مصلى نبينا الكريم عليه الصلاة و السلام و يكون على يسار بابها الملتزم و هو محل استجابة الدعاء بلا ريب، و أما باب الكعبة فهو باب بيت اللّه الكبير المتعال، فمن وصل إليه بقلب سليم و نية خالصة، فقد دخل في رحمة اللّه تعالى فليبشر بالقبول و السعادة إن شاء اللّه.

فافهم هذا المبحث النفيس الذي لا تجده في كتاب غير هذا الكتاب.

فالحمد للّه الذي وفقنا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه. و صلى اللّه على النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم.

سد الحفرة وردمها

لقد تقدم الكلام عن الحفرة التي عند باب الكعبة المعظمة بتفصيل تام مع ذكر قياسها طولا و عرضا و عمقا بما لا يوجد في غير هذا الكتاب، و الآن نتكلم عن ردم هذه الحفرة و سدها و طمرها حتى تساوت بأرض المطاف، و سبب ذلك وقوع بعض الحجاج فيها وقت الطواف عند اشتداد الزحام في موسم الحج، فرأت حكومتنا السعودية سد هذه الحفرة و طمرها للسبب المذكور، و ذلك عند الانتهاء من تجديد سقف الكعبة المشرفة.

ففي ضحى يوم الخميس الثاني من شهر شعبان سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية الموافق عشرين من شهر فبراير سنة (1958) ميلادية، قام بعض العمال المصريين بسدها، فردموها أولا بالنورة القديمة التي أخرجت من سطح الكعبة عند هدمه، ثم وضعوا فوقها الرمل النظيف المغسول بماء زمزم، ثم‏

461

وضعوا فوق الرمل الطين المخلوط بالنورة على صفة العجين اللين، ثم فرشوا فوقه حجارة الرخام البيضاء حتى تساوت هذه الحفرة بأرض المطاف، فالرخامات البيضاء في نفس موضع الحفرة، و قد أحيطت بخط أسود من الرخام ليكون حدا للحفرة، و قد انتهوا من ردمها و سدها قبل صلاة الظهر من اليوم المذكور.

و كان ردم هذه الحفرة بحضور فضيلة العلامة الشيخ عبد اللّه بن دهيش رئيس المحكمة الشرعية الكبرى بمكة و بحضور سعادة الشيخ عبد اللّه بن خثلان وكيل رئيس اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام، و بحضور سعادة الشيخ عبد اللّه بن سعيد عضو اللجنة التنفيذية المذكورة و مدير العمل في مشروع التوسعة، و بحضور محمد طاهر بن عبد القادر الكردي الخطاط مؤلف هذا الكتاب و عضو اللجنة المذكورة.

غفر اللّه تعالى لهم و عاملهم بفضله و رحمته، و سترهم في الدنيا و الآخرة بستره الجميل الذي لا ينكشف آمين، و صلى اللّه على أبي القاسم الأمين سيدنا" محمد" و على آله و صحبه أجمعين، و الحمد للّه رب العالمين.

الحجر المكتوب الذي في داخل الحفرة

و يوجد في جدار الشاذروان في داخل الحفرة، حجر مكتوب طوله سبعون سنتيمترا، و عرضه أربعة و ثلاثون سنتيمترا، و هذا نص ما هو مكتوب فيه:

" بسم اللّه الرحمن الرحيم، أمر بعمارة المطاف الشريف، سيدنا و مولانا الإمام الأعظم، المعرض للطاعة على سائر الأمم، أبو جعفر المنصور المستنصر باللّه أمير المؤمنين، بلغه اللّه آماله و زين بالصالحات أعماله، و ذلك في شهور سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة، و صلى اللّه على سيدنا" محمد".

هذا ما كتب على الحجر الموجود بداخل الحفرة التي عند باب الكعبة المشرفة، و قد أبقينا هذا الحجر في محله بالحفرة عند سدها فلا يزال بها إلى الآن، و أبو جعفر المنصور المذكور في هذا الحجر، ليس هو أبو جعفر المنصور والد أمير المؤمنين محمد المهدي الذي زاد في المسجد الحرام سنة سبع و ثلاثين و مائة من الهجرة، ثم زاد فيه بعده ولده المهدي أيضا، و إنما هو شخص آخر اتفقا في الاسم، فالمذكور في الحجر كان في القرن السابع، و أما والد المهدي فقد كان في القرن الثاني.

462

و ليس أبو جعفر المذكور في الحجر هو أول من أمر بعمارة المطاف و لا هو آخر من بناه، فلقد عمّر المطاف مرارا قبله و بعده، و إنما أهل الزمن الماضي وجدوا هذا الحجر فاحتفظوا به، كما نحن احتفظنا به اليوم فلم نرفعه عن محله عند سد الحفرة. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

لماذا لم تكن الكعبة قطعة من الجوهر

الكعبة المشرفة بنيت بالحجارة منذ بنائها الأول إلى اليوم كما تبنى سائر بيوت الناس، غير أن بيوتهم مجردة عن كل أمر معنوي، و بيت اللّه عليه المهابة و الإجلال بحيث تطأطئ له رؤوس الجبابرة و الأكاسرة، و تخشع له قلوب القساة و الطغاة و تدمع لديه أعين المخبتين و العصاة، كيف لا؟ و قد بنيت بأمر اللّه، و رفع قواعدها إبراهيم خليل اللّه فبناية قامت بأمره تعالى و رضائه كيف لا تتوجه إليها قلوب العباد في جميع البلاد، و من الأسرار الدقيقة و الحكم البليغة أن الكعبة المشرفة ما بنيت مرة من المرات إلا و تسابقت على بنايتها و الاشتغال برفع حجارتها و ترابها الأنبياء و الملوك و الأمراء و العلماء و الصالحون و العظماء بمحبة و إخلاص لا بالقهر و الإجبار تقربا إلى اللّه عز شأنه و جلت قدرته.

إذا فالكعبة الغراء ليست في حاجة إلى أن تبنى بالفضة و الذهب و لو شاء اللّه لجعلها قطعة واحدة من الجوهر و لكنه لم يفعل ذلك، بل وضع فيها من الأسرار المعنوية و المهابة و الجلال ما تنجذب إليها أفئدة الناس منذ وضعها اللّه تعالى إلى أن تقوم الساعة و لقد أراد السلطان أحمد بن السلطان محمد بن مراد بن سليم الثاني من سلاطين آل عثمان أن يهدم الكعبة حينما تصدع جدارها الشرقي و جدارها الغربي و بينيها و يجعل حجارتها ملبسة واحدة بالذهب و واحدة بالفضة فمنعه العلماء و قالوا له: هذا يزيل حرمة الكعبة و لو أراد اللّه لجعلها قطعة من الياقوت فكف عن ذلك. فالمسلمون في مشارق الأرض و مغاربها إنما يعبدون رب هذا البيت فقط لا البيت نفسه، فإذا عظموه و وفدوا إليه و توجهوا إليه في صلواتهم فإنما ذاك امتثالا لأمره سبحانه و تعالى. و لم يسمع قط عن العرب قبل الإسلام أنهم عبدوا نفس الكعبة أو الحجر الأسود أو حجر المقام، مع ما كانوا عليه من عبادة الأصنام و الأحجار، و لا شك أن ذلك من الحكمة الدقيقة و العصمة القوية من اللّه سبحانه و تعالى، حتى يسلم كل ذلك من الشائبات، فلو عبد المشركون ذلك،

463

ثم جاء الإسلام باحترامها و تعظيمها لقالوا إن الإسلام جاء بتأييد ما نحن عليه.

و انظر إلى قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حينما قبّل الحجر الأسود:" إني أعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع و لو لا أني رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقبّلك ما قبّلتك".

تسمية البيت الحرام بالكعبة

ذكر الغازي في تاريخه عن ذلك ما نصه: و في تسمية البيت بالكعبة أقوال، فقيل: لتكعبه أي تربعه يقال: برد مكعب إذا طوي مربعا، و قيل: لعلوه، و منه سمي الكعب كعبا لنتوئه و خروجه من جانب القدم يقال: تكعبت الجارية إذا خرج نهداها، و قيل: لانفرادها عن البيوت و ارتفاعها.

و ذكر الأزرقي في تاريخه أن الناس كانوا بينون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة، فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير فقالت قريش: ربع حميد بيتا إما حياة و إما موتا. انتهى من الغازي.

نقول: إن كل ما قيل عن تسمية البيت الحرام بالكعبة إنما هو تعليلات و همية، و الذي نراه أن نمشي على القاعدة المعروفة (الأسماء لا تعلل) فالكعبة هي بيت اللّه الحرام بنص القرآن الكريم‏ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ... الآية.

فلقد أطلق اللّه عز شأنه الكعبة على بيته المعظم قبل وجود القائلين بهذه التعليلات في الدنيا.

و كذلك تسمى الكعبة بالبيت العتيق كما في الآية: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏ اللهم أعتق رقابنا من النار، و أدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عزيز يا غفار، بفضلك و إحسانك و رحمتك يا أرحم الراحمين آمين.

الشمسيات التي كانت توضع على الكعبة

المراد بالشمسية هو شبه مظلة كانت تصنع بشكل مخصوص و تزين بالجواهر النفيسة بما لا يقدر بثمن، و توضع في وجه الكعبة أي: في أعلا بابها تعظيما و تجميلا لمنظرها كما سنوضح ذلك فيما يأتي. و هل المراد بالشمسية التي كانت‏

464

توضع في وجه الكعبة ما نسميه اليوم ببرقع باب الكعبة أي الستارة المخصوصة الجميلة التي توضع على بابها أم لا؟ اللّه أعلم بذلك. و إليك ما جاء عن الشمسية:

جاء في كتاب" المحمل و الحج" ما نصه: و جاء في كتاب" إتعاظ الحنفاء" للمقريزي بعد أن تكلم على الشمسية التي نصبها المعز في يوم عرفة سنة (362) اثنتين و ستين و ثلاثمائة ما نصه: أول من عمل الشمسية للكعبة أمير المؤمنين" جعفر المتوكل على اللّه" فبعث بسلسلة من ذهب كانت تعلق مع الياقوتة التي بعثها المأمون و صارت تعلق كل سنة في وجه الكعبة، و كان يؤتى بالسلسلة في كل موسم و فيها شمسية مكللة بالدر و الياقوت و الجوهر قيمتها شي‏ء كثير، فيتقدم بها قائد يبعث به من العراق فتدفع إلى حجبة الكعبة و يشهد عليهم بقيدها فيعلقونها يوم سادس الثمان فتكون على الكعبة ثم تنزع يوم التروية. اه. ص 93. انتهى من كتاب المحمل.

و قد ذكر مؤلف هذا الكتاب جميع الشمسيات التي أهديت إلى الكعبة المعظمة عند الكلام على هدايا الكعبة نلخص من كلامه ما يفي بالغرض التام في هذا الباب، و إننا نعتمد كثيرا على مؤلف الكتاب المذكور أستاذنا يوسف أحمد (رحمه اللّه تعالى) لأنه من كبار الأساتذة المصريين و كان مفتشا للآثار العربية و هو الذي أحيا الخط الكوفي في مصر، فقد كان يدرسه بكلية الآداب بالجامعة المصرية و يدرسه بمدرسة تحسين الخطوط العربية الملكية بالقاهرة فهو لذلك أكثر الناس تحقيقا لمثل هذه الأمور.

و ها نحن نلخص من كتابه المذكور ما يملأ هذا الباب و هو:

بعث عبد الملك بن مروان للكعبة المشرفة بشمسيتين و قد حين من زجاج.

و بعث جعفر المتوكل على اللّه بشمسية من ذهب مكللة بالدر الفاخر و الياقوت الرفيع و الزبرجد تعلق بسلسلة من الذهب في وجه البيت كل موسم.

و مما أهدي إلى الكعبة طوق من ذهب مكلل بالزمرد و الياقوت مع ياقوتة كبيرة خضراء زنتها 24 مثقالا، أرسله بعض ملوك السند لما أسلم في سنة 259 هجرية فعرض أمره على" المعتمد على اللّه" فأمر بتعليقه في البيت الشريف.

465

و في سنة 294 أرسل الخليفة" المعتمد" إلى الكعبة بهدايا و في جملتها شمسية جعل فيها جواهر نفيسة فما أن وصلت القافلة التي تحمل الخزائن و الأموال و شمسية الخليفة إلى" فيد" بليدة في منتصف طريق مكة من الكوفة حتى لاقاهم" زكروية القرمطي" فقاتلهم و انتصر عليهم، و لم ينج منهم إلا اليسير، و أخذ حريمهم و أموالهم فندب" المكتفي" لقتاله القائد" وصيفا" و انتهى الأمر بالانتصار عليه و أسره.

و قال ابن زولاق ما ملخصه: وصل المعز لدين اللّه إلى قصره بمصر في رمضان من سنة 362، و بعدما استقر و قابل الأعيان، و قبل هداياهم، نصب في يوم عرفة الشمسية التي عملها للكعبة على إيوان قصره وسعتها 12 شبرا في 12 شبرا، و أرضها ديباج أحمر، و دورها 12 هلال ذهب، في كل هلال أترجة ذهب مسبك جوف كل أترجة 50 درة كبار كبيض الحمام، و فيها الياقوت الأحمر و الأصفر و الأزرق، و في دورها كتابة آيات الحج بزمرد أخضر قد فسر، و حشو الكتابة در كبير لم ير مثله، و حشو الشمسية المسك المسحوق يراها الناس في القصر و من خارج القصر لعلو موضعها.

و قال في كتاب" الذخائر و التحف": و قد أدخل من الذهب في هذه الشمسية الكبيرة 30 ألف مثقال ذهبا، و 20 ألف درهم مخرقة و 3600 قطعة جوهر من سائر ألوانه و أنواعه. اه 385 مقريزي.

و جاء في كتاب" الفاطميون في مصر" تحت عنوان" الكسوة التي عملها المعز للكعبة" ما نصه:

و يتبين لنا مدى ثروة مصر في ذلك الوقت من وصف الكسوة التي أمر" المعز" بعملها للكعبة، كما يبين لنا هذا أيضا كيف نافست مصر بغداد، بل كيف تفوقت عليها و على غيرها من المراكز الإسلامية. ففي يوم عرفة أمر المعز بنصب الكسوة التي اتخذها للكعبة على الإيوان الذي جعله لعقد الجلسات الرسمية.

و كانت هذه الكسوة مربعة الشكل من ديباج أحمر، وسعتها 144 شبرا، و كانت في حافاتها 12 هلالا ذهبيا في كل هلال أترجة ذهبية، و في داخل كل منها 50 درة تشبه بيض الحمام في الكبر، كما كان فيها الياقوت الأحمر و الأصفر و الأزرق.

466

و قد نقش في حافاتها الآيات التي وردت في الحج بحروف الزمرد الأخضر و زينت هذه الكتابة بالجواهر الثمينة. و كانت هذه الكسوة معطرة بمسحوق المسك، و كانت موضوعة في القصر بحيث يراها جميع الناس من داخل القصر أو خارجه.

و قد قال حضرة الأستاذ المؤلف ما ملخصه: إن هذه الشمسية هي كسوة الكعبة، و أنها مربعة الشكل وسعتها 144 شبرا، و أن لفظة" شمسية" التي استعملها المقريزي يريد بها طبعا الستور التي كانت تكسى الكعبة بها.

و قال نقلا عن" كترمير" أن لفظة" شمسية" تطلق على نافذة مربعة في أعلى الحوائط، كما قال" ابن بطوطة" في رحلته عن جامع دمشق، و كما جاء في نفح الطيب عن جامع قرطبة، و عن جامع مراكش.

فإذا علم الإنسان أن مقاس أضلاع الكعبة التي تكسى بالديباج هي 9/ 92 م عن الضلع الشمالي، و 25 و 10 م عن الضلع الجنوبي، و 11/ 88 م عن الضلع الشرقي الذي فيه الباب، و 15 و 12 م عن الضلع الغربي، كما هو وارد في صفحة 79 من كتابنا هذا، و مجموع أطوالها هو 20 و 44 مترا.

و إذا راجع ما كتبه المقريزي من أن سعة الشمسية 12 شبرا في 12 شبرا و مقاس الشبر هو 23 ر. س. م تقريبا فتكون 12 شبرا تساوي 2/ 76 م مع أن الكسوة لا بد و أن يكون مجموع طولها 44/ 20 م.

و إذا أنعمنا النظر فيما قاله المقريزي أيضا من أن بدورها 12 هلالا ذهبا و في دورها كتابة آيات قرآنية، نجد أن هذه الشمسية مستديرة، أي نصف كرة كما هي الحال في الشمسيات الموجودة الآن بين ظهرانينا، و هي المظلة.

أما كون الشمسية هي ما يوضع في نافذة، كما ورد عن جامعي قرطبة و مراكش، فغير معقول أن يكون الشباك مكلل بالذهب و الجواهر، و يكون منسوجا من الحرير!

على أن ما ورد في نفح الطيب يفهم منه أن الشمسية مكورة كرمانة و هذا نصه:" ... و ذكر أن صومعة قرطبة ... و في أعلى ذروتها" أي الصومعة" ثلاث شمسيات، و يسمونها" رمانة" ملصقة في السفود البارز في أعلاها من النحاس الثنتان منها ذهب إبريز، و الثالثة وسطى بينهما من فضة إكسير، و فوقها سوسنة

467

من ذهب مسدسة فوقها رمانة ذهب صغيرة في طرف الزج البارز بأعلى الجو ..." و فيه (أي في جامع مراكش) من شمسيات الزجاج و درجات المنبر و المقصورة ما لو عمل في السنين العديدة لاستغرب تمامه.

و قد سبق أن قلنا أن (المتوكل على اللّه) أرسل بشمسية من ذهب مكللة بالدر و الياقوت و الزبرجد، تعلق بسلسلة من الذهب في وجه البيت في كل موسم.

و كذلك أرسل الخليفة (المعتضد) في سنة 294 إلى الكعبة شمسية تحوي جوهرا نفيسا.

ثم ذكر صاحب كتاب" المحمل و الحج" ما جاء في كتاب" إتعاظ الحنفاء للمقريزي" ما نصه:

و قال أيضا: و غدا المعز لصلاة عيد النحر في عساكره و انصرف في زيه فلما وصل إلى القصر أذن للناس عليه فدخلوا و الشمسية منصوبة على حالها فلم يبق أحد حتى دخل من أهل مصر و الشام و العراق، فذكر أهل العراق و أهل خراسان و من يواصل الحج أنهم لم يروا قط مثل هذه الشمسية. و ذكر أصحاب الجوهر و وجوه التجار أنه لا يثمن ما فيها، و أن شمسية بني العباس كان أكثرها مصنوعا و شبها و أن مساحتها مثل ربع هذه.

و كذلك كانت شمسية" كافور" التي عملها لمولاه" أو نوجور" ابن الإخشيد و كان يسير بها إلى الحرم.

هذا و لقد علق أستاذنا الكبير يوسف أحمد مؤلف كتاب" المحمل و الحج" (رحمه اللّه تعالى) على ما جاء في كتاب" الفاطميون في مصر" تحت عنوان الكسوة التي عملها المعز للكعبة، هامش كتابه المحمل و الحج بما نصه:

اللفظ الذي استعمله المقريزي هنا هو" شمسية" و يريد به طبعا الستور التي كانت تكسى بها الكعبة. و قد تناول" كترمير" الكلام على اشتقاق هذا اللفظ في المجلد الثاني من تاريخ" المماليك في مصر" الذي عربه، كذا عن المقريزي و يعرف باسم كتاب" السلوك في معرفة دول الملوك" و تبعا لما ذكره" كترمير" نجد هذا اللفظ" شمسية" مستعملا فيما يأتي:

(1) نافذة مربعة في أعلا الحوائط، تترك مفتوحة عادة، أو تزين بزجاج حسبما يشاء المرء من مرور الهواء أو الضوء فقط" رحلة ابن بطوطة طبع و ترجمة

468

ديفريمري و سانجيتني" باريس سنة 1914 ج 1 ص 199 و في هذه الرحلة يقول ابن بطوطة في وصفه لجامع دمشق أن به 74 من شمسيات الزجاج. و جاء ذكر شمسيات الزجاج في عبارة" المقري" عن جامع قرطبة في كتابه" نفح الطيب" ج 1 ص 293 و عند كلامه على المسجد الجامع بمراكش ورد في نفس هذا الجزء ص 267 ما يأتي:

و في أعلاه ثلاثة شمسيات تسمى رمانات و في كتاب هست المسمى مراكش و فاس صحيفة 265 جاء لفظ شمسية و يراد بها النافذة.

(2) مظلة: فقد جاء في تاريخ ابن خلدون أن الخليفة خرج من خيمته و عليه الشمسية، و هنا أقول أن" كترمير" استعمل في هذا الموضوع لفظPARASOL و معنى هذا المظلة الخاصة بالسيدات، و كان أفضل استعمال لفظAMBRELLA الدال على المظلات التي يستعملها الرجال لأنها أكبر و أصلح لاستعمال الخليفة.

(3) الكسوة أو الستور، فقد جاء ذلك في المقريزي في خططه" نقلا عن ابن ميسر في تاريخ مصر ص 44" و عن الأول أخذ" كترمير" فإنا نجد في المقريزي أن المعز أمر بنصب الشمسية، يراد بها هنا كما قدمنا الكسوة التي معناها الستر التي عملها للكعبة على إيوان القصر. انظر ترجمة" كترمير" لكتاب السلوك للمقريزي المجلد الثاني الجزء الأول ص 280 و 281. اه من التعليقات.

انتهى ما نقلناه من كتاب" المحمل و الحج".

هدايا الكعبة و معاليقها و أموالها

تكلمنا عن بناء سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام للكعبة و أنه حفر في باطنها حفرة عمقها ثلاثة أذرع على يمين من دخلها، و هذه الحفرة هي بمثابة الخزانة لها ليلقى فيها ما يهدى إليها من حلي أو ذهب أو فضة أو طيب أو غير ذلك، و تسمى هذه الحفرة" بالجب" و كانت تسميه جرهم" البئر الأخسف" و قد تكلمنا على سبب هذه التسمية عند الكلام على جب الكعبة، و تسمى أيضا" بالغبغب".

469

و لم نر في التاريخ عن أول رجل أهدى للكعبة و وضع هديته في هذا الجب بعد بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، و لكنهم ذكروا أنه كان فيه مال على عهد جرهم.

جاء في تاريخ الكعبة نقلا عن مروج الذهب في أخبار الفرس ما يأتي:

" و كانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا في صدر الزمان و جواهر، و قد كان ساسان بن بابك أهدى غزالين من ذهب و جواهر و سيوفا و ذهبا كثيرا فدفن في زمزم". اه.

نقول: يجوز أن يكون هذان الغزالان و السيوف هي التي أخرجها من بئر زمزم عبد المطلب بن هاشم لما أمر بحفرها، و يجوز أن يكون الغزالان و السيوف هي التي دفنتها جرهم حين خرجت من مكة و اللّه تعالى أعلم، فإن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم وجد فيها غزالين من ذهب، كما وجد فيها أسيافا قلعية و دروعا و سلاحا، فضرب عبد المطلب الأسياف على باب الكعبة و ضرب فوقه أحد الغزالين من الذهب.

ذكر صاحب تاريخ الخميس: أن الغزالين اللذين هما من الذهب، و اللذين وجدهما عبد المطلب في بئر زمزم حين حفرها فعلقهما بالكعبة قد سرقتهما من الكعبة جماعة من قريش، و ذلك أنهم كانوا في ليلة من الليالي يشربون الخمر و فيهم أبو لهب و معهم القيان و لما فنيت أسباب طربهم عمدوا إلى باب الكعبة و سرقوا الغزالين و باعوهما من تجار قدموا مكة بالخمر و غيرها و اشتروا بثمنهما جميع ما في العير من الخمر بالمرة و اشتغلوا بالطرب و اللهو شهرا و لم يدر من سرق حتى مر العباس بن عبد المطلب في ليلة من الليالي بباب الدار التي تلك الجماعة فيها فسمع القيان يغنين بقصة سرقة الغزالين من باب الكعبة و بيعهما من أهل القافلة و أخبر بها العباس قريشا فأخذوهم و ضربوهم و قطعوا أيدي بعضهم ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج. انتهى من تاريخ الخميس.

و جاء في تاريخ الكعبة أيضا نقلا عن الفاسي: أن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي القرشي أول من جعل في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب و الفضة ذخيرة للكعبة. اه.

و جاء في تاريخ الأزرقي" أن النبي (صلى الله عليه و سلم) وجد في الجب الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من ذهب مما كان يهدى إلى البيت و أن علي بن أبي طالب كرم‏

470

اللّه وجهه قال: يا رسول اللّه لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يحركه ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه".

و جاء في تاريخ الأزرقي عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال:

لقد هممت أن لا أدع في الكعبة صفراء و لا بيضاء إلا قسمتها فقال له أمير من كعب: و اللّه ما ذلك لك فقال عمر: لم؟ فقال: إن اللّه عز و جل قد بين موضع كل شي‏ء و أقره رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال عمر: صدقت. و جاء فيه أيضا عن شقيق بن سلمة قال: جلست إلى شيبة بن عثمان في المسجد الحرام فقال: جلس إليّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أترك فيها صفراء و لا بيضاء إلا قسمتها يعني الكعبة قال شيبة فقلت له: إنه قد كان لك صاحبان لم يفعلاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر رضي اللّه عنه فقال عمر: هما المرءان أقتدي بهما.

و جاء في تاريخ الأزرقي أيضا عن بعض الحجبة أنه قال في سنة ثمان و ثمانين و مائة أن ذلك المال بعينه كان في خزانة الكعبة ثم لا أدري ما حاله بعد، و جاء فيه أيضا عن مشيخة أهل مكة و بعض الحجبة أن الحسين بن الحسن العلوي عمد إلى خزانة الكعبة في سنة مائتين في الفتنة حين أخذ الطالبيون مكة فأخذ مما فيها مالا عظيما و انتقله إليه و قال: ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعا لا ينتفع به نحن أحق به نستعين به على حربنا.

و جاء فيه أيضا عن مسافع بن عبد الرحمن الحجبي قال: لما بويع بمكة لمحمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنهم في الفتنة في سنة مائتين حين ظهرت المبيضة بمكة" و هم أصحاب المقنع سموا بذلك لتبييضهم ثيابهم" أرسل إلى الحجبة فتسلف منهم من مال الكعبة خمسة آلاف دينار و قال: نستعين بها على أمرنا فإذا أفاء اللّه علينا رددناها في مال الكعبة فدفعوا إليه و كتبوا عليه بذلك كتابا و أشهدوا فيه شهودا فلما خلع نفسه و رفع إلى أمير المؤمنين المأمون تقدم الحجبة و استعدوا عليه عند أمير المؤمنين فقضاهم أمير المؤمنين عن محمد بن جعفر خمسة آلاف دينار و كتب لهم بها إلى إسحاق بن عباس بن عباد ابن محمد و هو وال على اليمن فقبضتها الحجبة وردوها في خزانة الكعبة. اه.

أما ما علق في الكعبة و ما أهدي إليها من غير النقدين فكما يأتي:

471

(1) قرنا الكبش الذي فدى به إسماعيل و الذي ذبحه أبوه إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام. فقد جاء في تاريخ الأزرقي عن صفية بنت شيبة أن امرأة من بني سليم ولدت عامتهم قالت لعثمان بن طلحة: لم دعاك النبي (صلى الله عليه و سلم) بعد خروجه من البيت؟ قال: قال لي: إني رأيت قرني الكبش في البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شي‏ء يشغل مصليا. قال عثمان: و هو الكبش الذي فدى به إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام). و جاء فيه أيضا عن عمرو بن قيس أنه كان يقول: كان قرنا الكبش في الكعبة فلما هدمها ابن الزبير و كشفها و جدوهما في جدار الكعبة مطليين بمشق قال: فتناولهما فلما مسهما همدا من الأيدي.

(2) صحيفة قريش التي علقوها في الكعبة في محرم عام سبع من النبوة، و هي الصحيفة التي كتبوا فيها يتعاقدون على بني هاشم و بني المطلب أن لا ينكحوا إليهم و لا ينكحوهم و لا يبيعوا منهم شيئا و لا يتبايعوا منهم ... الخ حينما جمع أبو طالب بني هاشم و بني المطلب فأدخلوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شعبهم و منعوا قريشا من قتله، كما هو مذكور في كتب السير.

(3) هلالان بعثهما عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بعث بهما إليه من مدائن كسرى حينما فتحها. كما في تاريخ الأزرقي.

(4) الصحيفة الخضراء التي بعثها السفاح فعلقت في الكعبة كما في تاريخ الغازي.

(5) الياقوتة التي بعثها المأمون التي كانت تعلق في كل موسم بسلسلة من الذهب في وجه الكعبة، كما في تاريخ الغازي.

(6) طوق من ذهب مكلل بالزمرد و الياقوت مع ياقوتة خضراء أرسلها ملك السند لما أسلم و ذلك سنة تسع و خمسين و مائتين و عرض ذلك على المعتمد على اللّه فأمر بتعليقهما في البيت الشريف فعلقتا، كما ذكره الغازي نقلا عن الفاكهي.

(7) القصبة الفضية التي فيها بيعة جعفر أمير المؤمنين المعتمد على اللّه، و بيعه أبي أحمد الموفق باللّه ابن أخي المعتمد على اللّه، قدم لها الفضل بن عباس في موسم سنة إحدى و ستين و مائتين و كان وزن الفضة ثلاثمائة و ستين درهما و عليها

472

خارجا من ذلك ثلاثة أزارير بثلاث سلاسل من فضة فعلقت القصبة مع معاليق الكعبة، ذكره الغازي نقلا عن الإعلام.

(8) الشمستين و القدحين من قوارير بعثها عبد الملك بن مروان و ضرب على الأسطوانة الوسطى الذهب من أسفلها إلى أعلاها صفائح، ذكره الغازي عن الأزرقي.

(9) السرير الزينبي و هلالين بعث ذلك الوليد بن يزيد و كتب عليها اسمه.

ذكره الغازي عن الأزرقي.

(10) القارورة الفرعونية التي بعثها أبو جعفر. ذكره الغازي عن الأزرقي.

(11) الصنم الذي من الذهب الذي بعثه ملك من ملوك التبت، و صفة هذا الصنم أنه من ذهب في صورة إنسان على رأسه تاج من الذهب مكلل بخرز الجوهر و الياقوت الأحمر و الأخضر و الزبرجد و كان على سرير من فضة فرشه الديباج و على أطرافه أزرار من ذهب و فضة مرخاة في وجه السرير. فلما أسلم ذلك الملك أهدى السرير و الصنم إلى الكعبة فبعث به إلى أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون هدية للكعبة و المأمون يومئذ بمرو من خراسان فبعث به المأمون إلى الحسن بن سهل بواسط و أمره أن يبعث به إلى الكعبة فبعث به إلى نصير بن إبراهيم الأعجمي رجل من أهل بلخ من القواد فقدم به مكة في سنة إحدى و مائتين فلما حج الناس و صدروا من منى نصب نصير السرير و ما عليه من الفرشة و الصنم في وسط رحبة عمر بن الخطاب بين الصفا و المروة فمكث ثلاثة أيام منصوبا و معهم لوح من فضة مكتوب فيه:" بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا سرير فلان بن فلان ملك التبت أسلم و بعث بهذا السرير هدية إلى الكعبة فاحمدوا اللّه الذي هداه للإسلام" ثم دفعه إلى الحجبة و أشهد عليهم بقبضته فجعلوه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان فلما حارب يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي والي مكة إبراهيم بن موسى أرسل إلى الحجبة فأخذ السرير و ما عليه منهم فاستعان به على حربه و ضربه دنانير و دراهم و قال: أمير المؤمنين يخلفه لها و ذلك سنة اثنتين و مائتين و بقي التاج و اللوح في الكعبة إلى اليوم أي في عصر الأزرقي. انتهى بالاختصار من تاريخ الغازي المنقول من الأزرقي.

473

(12) القصبتان اللتان علقهما في الكعبة هارون الرشيد في سنة (186) ست و ثمانين و مائة و فيهما بيعة ابنيه محمد و عبد اللّه و ما عقد لهما و ما أخذ لهما و عليهما من العهود، مما هو مذكور بالتفصيل في كتب التاريخ.

(13) الشمسة التي بعثها أمير المؤمنين جعفر و هي عملت من الذهب المكلل بالدر الفاخر و الياقوت الرفيع و الزبرجد بسلسلة من ذهب تعلق في وجه الكعبة في كل موسم. كما ذكر في تاريخ الكعبة.

(14) القناديل التي بعثها المطيع العباسي كلها فضة خلا قنديلا منها فإنه كان ذهبا زنته ستمائة مثقال و ذلك سنة (359) تسع و خمسين و ثلاثمائة. ذكره الغازي نقلا عن الفاسي.

(15) القناديل الذهبية و الفضية التي بعثها المنصور صاحب اليمن و ذلك سنة (362) اثنين و ستين و ثلاثمائة. ذكره مؤلف كتاب المحمل و الحج.

(16) القناديل و المحاريب التي أهداها إلى الكعبة صاحب عمان زنة كل محراب أكثر من قنطار و قناديل في نهاية الأحكام، و سمرت المحاريب في الكعبة مما يلي بابها. ذكره المرحوم الشيخ باسلامة في كتابه تاريخ الكعبة، و ذلك سنة (420).

(17) القناديل الأربعة من الذهب وزنها عشرة أرطال بثمانية عشر ألف دينار أهداها إلى الكعبة و كساها رجل من التجار يقال له: ابن إمشت الفارسي و ذلك سنة اثنتين و ثلاثين و خمسمائة كما ذكره صاحب تاريخ الخميس، و نظن ابن أمشت هو الذي يقال له رامشت فربما سقطت حرف الراء من المطبعة في تاريخ الخميس عند الطبع.

(18) القناديل الذهب و الفضة التي أهداها الملك المنصور عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن في سنة (632) اثنين و ثلاثين و ستمائة. كما هو مذكور في تاريخ الكعبة.

(19) الحلقتان اللتان أهداهما الوزير علي شاه وزير السلطان أبي سعيد بن خدابنده ملك التتر و ذلك سنة (718) ثمان عشرة و سبعمائة، و الحلقتان المذكورتان من الذهب مرصعتان باللؤلؤ و البلخش كل حلقة زنتها ألف مثقال في كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات بينهما ست قطع بلخش فاخر فعلقتا على باب‏

474

الكعبة زمنا قليلا ثم رفعتا و أخذهما رميثة بن أبي نمي، كما ذكر في تاريخ الكعبة.

قال في كتاب المحمل و الحج: البلخش من توابع الياقوت في القيمة و هو دونه في الشرف و أنواعه ثلاثة أحمر و يسمى المعقرب و أخضر زبرجدي و أصفر ورسي و الأحمر هو أجودها، و يوجد البلخش في جزيرة سيلان. راجع نخبة الدهر لشيخ الربوة، و في فريدة العجائب أنه حجر صلب شفاف كالياقوت في جميع أحواله و منافعه. انتهى من الكتاب المذكور.

(20) القناديل الكبار التي أرسلها السلطان شيخ أويس بغداد و ذلك في سنة (770) سبعين و سبعمائة فعلقت في الكعبة زمنا يسيرا ثم أخذها أمير مكة عجلان بن رميثة، و عدد هذه القناديل أربعة، اثنان منها من الذهب و اثنان من الفضة. ما جاء في تاريخ الكعبة.

(21) المصباحان الذهبيان اللذان أهداهما السلطان سليمان القانوني سنة (984) أربع و ثمانين و تسعمائة، و هما مصباحان ذهبيان مرصعان بالجوهر معلقان بسقف الكعبة. ذكره محمد لبيب البتنوني في الرحلة الحجازية و قال: إنه معلق بسقف البيت كثير مما بقي من الذخائر التي أهديت إليه. انتهى من الكتاب المذكور.

نقول: ذكر صاحب الرحلة الحجازية المذكور أن السلطان سليمان القانوني أهدى المصباحين المذكورين في سنة 984 و هذا التاريخ غلط لأن السلطان سليمان المذكور توفي سنة (973) ثلاث و سبعين و تسعمائة فالمعقول أن يكون الإهداء قبل وفاته من هذه السنة مع العلم أن مدة سلطنته ثمانية و أربعون سنة.

و نقول أن الأستاذ محمد لبيب المذكور هو مؤلف الرحلة الحجازية و قد حج بمعية سلطان مصر الخديوي عباس باشا حلمي سنة (1327) سبعة و عشرين و ثلاثمائة و ألف، و حيث إنه كان بصحبة سلطان مصر المذكور و كان عازما على تأليف كتاب في هذه الرحلة فقد تيسر له الوقوف على كثير من الأمور فلذلك رأى بنفسه المصباحين المذكورين و نعتقد أنهما لا يزالان معلقين في الكعبة إلى اليوم، حيث لم يمض عليهما زمن بعيد.

(22) القناديل التي أرسلها السلطان مراد سنة (984) أربع و ثمانين و تسعمائة و عددها ثلاثة قناديل من ذهب مرصعة بالجواهر لتعلق اثنان منها في سقف الكعبة

475

و الثالث في الحجرة النبوية تجاه الوجه الشريف، و السلطان مراد هو أول من علق قناديل الذهب في الحرمين الشريفين من آل عثمان. ذكره الغازي نقلا عن القطبي في كتاب الإعلام.

نقول: السلطان مراد المذكور هو مراد الثالث بن السلطان سليم خان جلس على تخت الملك سنة (982) و توفي سنة (1003) (رحمه اللّه تعالى).

(23) القناديل التي أرسلتها ملكة بندر آشي سنة (1094) أربع و تسعين و ألف، و عددها خمسة قناديل من الذهب علقت في الكعبة و ذلك في إمارة الشريف سعيد بن بركات. ذكره الغازي نقلا عن الطبري في الإتحاف.

و من الهدايا القيمة الغربية، ما جاء في كتاب" المحمل و الحج" ما نصه:

(24) و قال ابن زولاق ما ملخصه: وصل المعز لدين اللّه تعالى إلى قصره بمصر في رمضان من سنة (362) اثنين و ستين و ثلاثمائة هجرية، و بعدما استقر و قابل الأعيان و قبل هداياهم نصب في يوم عرفة الشمسية التي عملها للكعبة على أبواب قصره، وسعتها 12 شبرا في 12 شبرا، و أرضها ديباج أحمر، و دورها 12 هلال ذهب، في كل هلال أترجة ذهب مسبك، جوف كل أترجة 50 درة كبارا كبيض الحمام، و فيها الياقوت الأحمر و الأصفر و الأزرق و في دورها كتابة آيات الحج بزمرد أخضر قد فسر، و حشو الكتابة در كبير لم ير مثله و حشو الشمسية المسك المسحوق يراها الناس في القصر و من خارج القصر لعلو موضعها.

اه. و قد ذكر صاحب الكتاب المذكور نقلا عن كتاب الذخائر و التحف: أنه أدخل في هذه الشمسية ثلاثون ألف مثقال ذهبا و عشرون ألف درهم مخرقة، و ثلاثة آلاف و ستمائة قطعة جوهر من سائر ألوانه و أنواعه. اه. و ذكر أيضا نقلا عن كتاب إتعاظ الحنفاء للمقريزي: أن المعز غدا لصلاة عيد النحر في عساكره و انصرف في زيه، فلما وصل إلى القصر أذن للناس عامة، فدخلوا و الشمسية منصوبة على حالها، فلم يبق أحد حتى دخل من أهل مصر و الشام و العراق، فذكر أهل العراق و أهل خراسان و من يواصل الحج أنهم لم يروا قط مثل هذه الشمسية و ذكر أصحاب الجواهر، و وجوه التجار: أنه لا يثمن ما فيها. انتهى.

(25) و قد قال المقريزي في كتابه" إتعاظ الحنفاء" ما يأتي:

إن أول من عمل الشمسية للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على اللّه، فبعث بسلسلة من ذهب كانت تعلق مع الياقوتة التي بعثها المأمون و صارت تعلق‏

476

كل سنة في وجه الكعبة، و كان يؤتى بالسلسلة في كل موسم و فيها شمسية مكللة بالدر و الياقوت و الجوهر قيمتها شي‏ء كثير، فيتقدم بها قائد يبعث به من العراق، فتوضع إلى حجبة الكعبة و يشهد عليهم بقيدها فيعلقونها يوم سادس الثمان فتكون على الكعبة ثم تنزع يوم التروية. اه من كتاب" المحمل و الحج".

و المراد بالشمسية المذكورة ستارة من الديباج الأحمر مربعة الشكل مساحتها 144 شبرا حسب الوصف المذكور، تعلق على باب الكعبة. و قد ذكر صاحب كتاب المحمل و الحج للشمسية ثلاث معان:

(1) تطلق على النافذة المربعة في أعلى الحائط.

(2) تطلق على المظلة التي نستعملها في عصرنا للوقاية من الشمس و المطر.

(3) تطلق على الكسوة أو الستور، و قد استشهد بما يدل على كل ذلك في كتابه.

و ذكر فيه أيضا: أن جعفرا المتوكل على اللّه بعث بشمسية من ذهب مكللة بالدر الفاخر، و الياقوت الرفيع و الزبرجد، تعلق بسلسلة من الذهب في وجه البيت كل موسم. انتهى من كتاب المحمل و الحج.

يقول الشيخ حسين باسلامة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه تاريخ الكعبة: و يوجد الآن معاليق كثيرة في سقف الكعبة غير أني لا أعلم عن حقيقتها هل هي معمولة من ذهب أو فضة أو نحاس، كما أن آل الشيبي سدنة الكعبة المعظمة لا يعلمون بالضبط عن حقيقتها لقدم عهد تعليقها و لعدم تعهدهم لها بالتمسيح و التنظيف أجيالا و ربما أنها من عهد بناء الكعبة الأخير إلى الآن لم تنقل من موضعها" و يقصد بالبناء الأخير الذي كان في سنة (1040) قال: و لذلك تعذر علي أن أصفها وصفا صحيحا و اللّه أعلم بحقيقتها". اه.

و نحن نقول أيضا أننا دخلنا البيت الحرام مرارا و لكن لم نتحقق فيما هو معلق بسقفه حيث دخلناه للصلاة فيه و ما كان يخطر ببالنا إذ ذاك أننا نؤلف عنه هذا الكتاب.

انظر: صورة رقم 96، معاليق الكعبة

477

ما علق من الصحائف في الكعبة

كان معلقا في جوف الكعبة المعظمة سبعة أنواع من الصحائف و هي:

(1) المعلقات السبع.

(2) صحيفة قريش.

(3) عهد الأمين و عهد المأمون.

(4) عهد المعتمد لولديه.

(5) شكوى الخليفة العباسي أبي جعفر عبد اللّه ابن الإمام القادر باللّه يشكو إلى اللّه تعالى أرسلان الفساسيري. و إليك تفصيل كل ذلك:

ذكر أستاذنا المرحوم يوسف أحمد مؤلف كتاب" المحمل و الحج" و مفتش الآثار العربية و محيي الخط الكوفي بجميع أنواعه بمصر، في كتابه المذكور عن الصحائف التي علقت في الكعبة المشرفة ما نصه:

المعلقات قصائد اختارها العرب من شعر فحولهم و ذهبوها على الحرير، و ناطوها بأستار الكعبة تشريفا لها، و تعظيما لمقامها، و اعترافا بمتانة ألفاظها و حسن سبك معانيها، حتى أصبحت العرب تترنم بها في نواديها، و تفخر بها في حاضرها و باديها.

و قد اختلف المؤرخون في وجه تسميتها بالمعلقات، فقال" ابن عبد ربه" صاحب العقد" الوابن رشيق" صاحب العمدة و" ابن خلدون" صاحب التاريخ، و كثير سواهم، ممن نقل عن الصدر الأول من نقله الأخبار: أن العرب قد بلغ من تعظيمهم إياها أن علقوها بأستار الكعبة فسميت بالمعلقات. و قيل: إن وجه التسمية بذلك لعلوقها بأذهان صغارهم قبل كبارهم و مرؤوسيهم قبل رؤسائهم عناية بحفظها و الاحتفاظ بها. و قد أنكر الأول" أبو جعفر النحاس" و أكبر أمر تعليقها بأستار الكعبة و كما اختلفوا في وجه التسمية اختلفوا في عدد أصحابها، فمنهم من يجعلها سبعا، و منهم من يجعلها ثماني، و من يزيدها إلى عشر.

و أصحابها جميعا هم:

1) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر، مات سنة 80 قبل الهجرة و 565 للمسيح.

478

2) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك، مات سنة (70) قبل الهجرة و 550 أو 552 للمسيح.

3) زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، مات سنة 14 قبل الهجرة و 608 للمسيح.

4) عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب، مات سنة 52 قبل الهجرة و 570 للمسيح.

5) لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك، مات سنة 40 قبل الهجرة و 660 للمسيح.

6) عنترة بن شداد و قيل أنه عمرو بن شداد، و قيل عنترة بن شداد بن عمرو، مات سنة 22 قبل الهجرة و 600 للمسيح.

7) الحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد بن عبد اللّه، مات سنة 52 قبل الهجرة و 570 للمسيح.

8) الأعشى ميمون بن قيس بن جندل، مات سنة 7 للهجرة و 629 للمسيح.

9) النابغة الذبياني زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب بن يربوع، مات سنة 18 قبل الهجرة و 604 للمسيح.

10) عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم. مات سنة 565 و قيل سنة 605 للمسيح.

و من يجعلها ثماني، يضيف إلى أصحابها، بعد السبعة الأولين النابغة و من يقول أنها عشر، يضيف إليهم" الأعشى و عبيد" و على ذلك مشى أبو زكريا التبريزي في كتابه" القصائد العشر الطوال". انتهى من كتاب المحمل و الحج.

و مما علق في الكعبة صحيفة قريش التي كتبوها لمقاطعة بني هاشم و بني المطلب، فقد جاء في تاريخ الخميس في الجزء الأول ما يأتي:

و في المواهب اللدنية: و لما رأت قريش عز النبي (صلى الله عليه و سلم) بمن معه و عز أصحابه بالحبشة و إسلام عمر و فشو الإسلام في القبائل أجمعوا على أن يقتلوا النبي (صلى الله عليه و سلم) فبلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم و بني المطلب و أدخلوا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) شعبهم و منعوه ممن أراد قتله فأجابوه لذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا و ائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم و بني المطلب: أن لا يناكحوهم و لا يبايعوهم و لا يخالطوهم و لا يقبلوا

479

منهم صلحا أبدا حتى يسلموا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) للقتل، و كتبوا في صحيفة بخط منصور بن عكرمة بن هشام و قيل بغيض بن عامر فشلت يده و علقوا الصحيفة في جوف الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة و انحاز بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب و دخلوا معه شعبه إلا أبا لهب فكان مع قريش و أقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا.

و قال أبو سعد: سنتين حتى جهدوا و كانت قريش قد قطعت عنهم الميرة و المادة و كان لا يصل إليهم شي‏ء إلا سرا و كانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم.

و في المواهب اللدنية: ثم قال رجال في نقض الصحيفة فأطلع اللّه نبيه على أمر الصحيفة على أن الأرضة أكلت جميع ما فيها من القطيعة و الظلم فلم تدع إلا اسم اللّه فقط فأخبرهم أبو طالب بذلك فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال (عليه السلام) فأخرجوهم من الشعب و ذلك في السنة العاشرة.

و أورد في المنتقى تقاسم قريش على معاداة بني هاشم و بني المطلب في السنة الثامنة من النبوة. و في سيرة اليعمري حاصره أهل مكة في الشعب فأقام محصورا دون ثلاث سنين هو و أهل بيته و خرج من الشعب و له تسع و أربعون سنة.

و في الاستيعاب حصرتهم قريش في الشعب بعد المبعث بست سنين و مكثوا في ذلك الحصار ثلاث سنين و خرجوا منه في أول سنة خمسين من عام الفيل و توفي أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر و توفيت خديجة بعده بثلاثة أيام و قد قيل غير ذلك و ولد عبد اللّه بن عباس في الشعب قبل خروج بني هاشم منه، و قيل: إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين و كان ابن ثلاث عشرة سنة يوم مات رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). انتهى من تاريخ الخميس.

و قال في كتاب المحمل و الحج: و مما علق في الكعبة نقلا عن ذيل تاريخ دمشق ما يأتي:

كان" أرسلان الفساسيري" قد اعتقل الخليفة العباسي القائم بأمر اللّه أبا جعفر عبد اللّه بن الإمام القادر باللّه في الحديثة، فكتب هذا رقعة و أنفذها إلى مكة مستعديا إلى اللّه تعالى على الفساسيري، و علقت هذه الرقعة على الكعبة و لم ترفع عنها إلا بعد أن ورد الخبر بخروجه من الاعتقال و عوده إلى داره و هلاك عدوه" الفساسيري" و قد عنونها:" إلى اللّه العظيم، من المسكين عبده" و هذه صورة ما

480

كان مكتوبا بها بعد البسملة" اللهم إنك العالم بالسرائر، و المطلع على مكنون الضمائر. اللهم إنك غني بعلمك و اطلاعك على خلقك عن إعلامي، هذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك و ما شكرها، و ألفى العواقب و ما ذكرها أطغاه حلمك، و تجبر بأناتك حتى تعدى علينا بغيا، و أساء إلينا عتوا و عدوا. اللهم قل الناصر، و اعتز الظالم، فأنت المطلع العالم، و المنصف الحاكم. بك نعتز عليه، و إليك نهرب من يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، و نحن نعتز بك يا رب العالمين. اللهم إنا حاكمناه إليك، و توكلنا في إنصافنا منه عليك، و رفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك، و وثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق، و أنت خير الحاكمين. و أظهر اللهم قدرتك فيه، و أرنا ما نرتجيه، فقد أخذته العزة بالإثم اللهم فاسلبه عزه و ملّكنا بقدرتك ناصيته، يا أرحم الراحمين. و صل يا رب على محمد و سلم و كرم". اه. ذيل تاريخ دمشق ص 107. انتهى.

و مما علق في الكعبة أيضا عهد المعتمد لولديه: فقد ذكر صاحب كتاب" المحمل و الحج" بصحيفة 196 نقلا عن الطبري في الجزء العاشر ما نصه:

و في شوال من سنة (261) إحدى و ستين و مائتين بايع المعتمد بولاية العهد لابنه جعفر و لقبه" المفوض إلى اللّه" و ولاه المغرب و الشام و الجزيرة و الموصل و أرمينية و طريق خراسان و مهرجا نقذق و حلوان و ضم إليه موسى بن بغا و ولى أخاه" أبا أحمد الموفق" العهد بعد جعفر و ولاه المشرق و بغداد و السواد و الكوفة و طريق مكة و المدينة و اليمن و كسكر و كور دجلة و الأهواز و فارس و أصبهان و قم و الكرج و الدبنور و الري و زنجان و قزوني و خراسان و طبرستان و جرجان و كرمان و سجستان و السند و ضم إليه" مسرورا البلخي".

و عقد لكل واحد منهما لواء من أسود و أبيض، و شرطه إن حدث به حدث الموت، و جعفر لم يكمل للأمر أن يكون الأمر لأبي أحمد، ثم لجعفر و أخذت البيعة على الناس بذلك، و فرقت نسخ الكتاب و بعث بنسخة مع" الحسن بن محمد" ليعلقها في الكعبة. انتهى من المحمل و الحج.

و مما علق في الكعبة عهد محمد الأمين و عهد عبد اللّه المأمون ولدي هارون الرشيد. فقد جاء في كتاب" المحمل و الحج" ما نصه:

كان هارون الرشيد قد عقد لابنه" محمد" ولاية العهد في شعبان سنة (137) ثلاث و سبعين و مائة و سماه" الأمين" و ضم إليه في سنة (175) الشام و العراق، ثم‏

481

بايع لعبد اللّه" المأمون" بالرقة في سنة (183) مائة و ثلاث و ثمانين و ولاه من حد همذان إلى آخر المشرق.

و حج هارون الرشيد في سنة (186) مائة و ست و ثمانين و معه محمد و عبد اللّه ولداه، و أشخص ولده القاسم إلى" منبج" فأنزله إياها، فلما قضى مناسكه كتب لعبد اللّه المأمون كتابين أجهد الفقهاء و القضاة آراءهم فيهما. أحدهما على" محمد" بما اشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم ما ولي عبد اللّه من الأعمال، و صير إليه من الضياع و الفلات و الجواهر و الأموال و الآخر نسخة البيعة التي أخذها على الخاصة و العامة، و الشروط لعبد اللّه على" محمد" و عليهم.

و جعل الكتابين في البيت الحرام بعد أخذه البيعة على" محمد" و إشهاده بها اللّه و ملائكته عليه و من كان في الكعبة معه من سائر ولده و أهل بيته و مواليه و قواده و وزرائه و كتابه و غيرهم و جعل الشهادة بالبيعة و الكتاب في البيت الحرام، و طلب إلى الحجبة في حفظهما، و منع من أراد إخراجهما و الذهاب بهما فلما رفع الكتاب ليعلق وقع فقيل إن هذا الأمر سريع انتقاضه قبل إتمامه. ثم ذكر صاحب كتاب المحمل و الحج، نص كتابي الأمين و المأمون، لكنا لم ننقل منه ذلك، و إنما نقلناه من تاريخ الإمام الأزرقي. و إليك ما جاء فيه و هو: و شخص أمير المؤمنين هارون الرشيد من الرقة يريد الحج يوم الاثنين لسبع ليال بقين من شهر رمضان سنة ست و ثمانين و مائة فلم يدخل مدينة السلام و نزل منزلا منها على سبعة فراسخ على شاطئ الفرات يقال له: الدارب و قد بنى له بها منزل ثم شخص خارجا و معه الأمين ولي العهد محمد بن أمير المؤمنين و المأمون ولي العهد من بعده عبد اللّه بن أمير المؤمنين و معه جميع وزرائه و قرابته فعدل إلى المدينة من الربذة و قدمها فأقام بها يومين لم يصنع في الأول منهما شيئا إلا الصلاة في المسجد و التسليم على النبي (صلى الله عليه و سلم) و جلس في اليوم الثاني في المقصورة حيال المنبر فأمر بالمقصورة فغلقت كلها و دعا بدفاتر العطاء فأخرج يومه ذلك لأهل العطاء ثلاثة أعطية و بدأ بالعطا بنفسه فبودئ باسمه و وزن له عطاؤه فجعله في كمه ثم فعل ذلك بالأمين و المأمون، ثم ببني هاشم المبدئين في الدعوة على غيرهم فأعطوا كذلك عشيتهم.

ثم قام إلى منزله فأصبح غاديا من المدينة الشريفة إلى مكة المعظمة فلما قدمها عزل العثماني صهره محمد بن عبد اللّه عن صلاة مكة و ولى مكانه سليمان بن جعفر بن سليمان فلما كان قبل التروية بيوم واحد بعد الصبح صعد المنبر فخطب‏

482

خطبة الحج ثم فتح له باب فدخله وحده ليس معه غيره و قام مسرور على باب البيت و أجيف أحد المصراعين فمكث فيه طويلا في جوف الكعبة ثم دعا بالمأمون عبد اللّه ففعل به مثل ذلك ثم دعا بسليمان بن أبي جعفر ثم دعا بالفضل بن الربيع ثم بعيسى ابن جعفر و جعفر بن جعفر و جعفر بن موسى أمير المؤمنين فدخلوا عليه جميعا ثم دخل بعدهم الحارث و أبان و محمد بن خالد و عبيد بن يقطين و نظراؤهم و دعا بيحيى بن خالد و لم يكن حاضرا فأتى به معجلا حتى دخل و دعا بجعفر بن يحيى ثم كتب وليا العهد كل واحد منهما على نفسه كتابا لأمير المؤمنين فيما أخذ على كل واحد منهما لصاحبه و توكد فيه عليهما بخط يده.

و حضرت الصلاة صلاة الظهر من قبل فراغهم فنزل أمير المؤمنين فصلى بهم الظهر ثم عاد إلى الكعبة فكان فيها إلى أن فرغوا من الكتابين و أحضروا الناس سوى من سمينا قاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومي و أسد بن عمرو قاضي مدينة الشرقية و بعض من حجبة البيت ثم حضرت صلاة العصر عند فراغهم فنزل أمير المؤمنين فصلى بهم ثم طافوا سبعا ثم دخلوا منزله من دار العجلة و أمر بحشر من حضر من الهاشميين و غيرهم ليشهدوا على الكتابين و أرسل إلى سليمان بن أبي جعفر و عيسى بن جعفر و جعفر بن موسى و قد كانوا انصرفوا فردوا من منازلهم فجاؤوا متضجرين و أخرج إليهم الكتابين و قد وضع عليهما الطين و ليس من الخواتيم إلا خاتما ولي العهد فقرئا على جميع من حضر ليشهدوا عليه و لم يثبت في الكتابين إلا أسماء من كان في الكعبة حيث كتب الكتابان و لم يختم غيرهم و لم يكن الكتابان طينا و لا طوبا و لا ختما في جوف الكعبة ثم أمر أمير المؤمنين بعد أن شهدوا على الكتابين أن يعلقا في داخل الكعبة قبالة بابها مع المعاليق التي فيها حيث يراهما الناس و ضمنهما الحجبة و استحلفهم على حفظهما و القيام بهما و أن يصونوهما و يعلقوهما في وقت الحج منشورين و صنع لهما قصبتان من ذهب فكللوهما بفصوص الياقوت، و الزبرجد و اللؤلؤ ثم انصرف أمير المؤمنين بعد قضاء نسكه فسار مقتصدا لم يعد المراحل حتى وافى الكوفة. انتهى من الأزرقي.

483

نص الكتاب الذي كتبه محمد بن أمير المؤمنين هارون الرشيد المعلق في جوف الكعبة

ذكر الأزرقي نص الكتاب المذكور في تاريخه و هو هذا:

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين كتبه له محمد بن هارون أمير المؤمنين في صحة من بدنه و عقله و جواز من أمره طائعا غير مكره إن أمير المؤمنين هارون و لّاني العهد من بعده و جعل لي البيعة في رقاب المسلمين جميعا و ولى أخي عبد اللّه بن أمير المؤمنين هارون العهد و الخلافة و جميع أمور المسلمين بعدي برضاء مني و تسليم طائعا غير مكره. و ولاه خراسان بثغورها و كورها و جنودها و خراجها و طرزها و بريدها و بيوت أموالها و صدقاتها و عشرها و عشورها و جميع أعمالها في حياته و بعد وفاته فشرطت لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين على الوفاء بما جعل له أمير المؤمنين هارون من البيعة و العهد و ولاية الخلافة و أمور المسلمين بعدي و تسليم ذلك له و ما جعل له من ولاية خراسان و أعمالها و ما أقطعه أمير المؤمنين هارون الرشيد من قطيعة و جعل له من عقده أو ضيعة من ضياعه و عقده أو ابتاع له من الضياع و العقد بما أعطاه في حياته و صحته من مال أو حلي أو جواهر أو متاع أو كسوة أو رقيق أو منزل أو دواب أو قليل أو كثير فهو لعبد اللّه بن أمير المؤمنين موفرا عليه مسلما له و قد عرفت ذلك كله شيئا شيئا باسمه و أصنافه و مواصفه أنا و عبد اللّه هارون أمير المؤمنين فإن اختلفنا في شي‏ء منه فالقول فيه قول عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين لا أتبعه بشي‏ء من ذلك و لا آخذه منه و لا أنتقضه صغيرا و لا كبيرا و لا من ولاية خراسان و لا غيرها مما ولاه أمير المؤمنين من الأعمال و لا أعزله عن شي‏ء منه و لا أخلفه و لا أستبدل به غيره و لا أقدم قبله في العهد و الخلافة أحدا من الناس جميعا و لا أدخل عليه مكروها في نفسه و دمه و لا شعره و لا بشره و لا خاص و لا عام من أموره و ولايته و لا أمواله و لا قطائعه و لا عقده و لا أغير عليه شيئا بسبب من الأسباب و لا آخذه و لا أحدا من عماله و كتابه و ولاة أمره ممن صحبه و أقام معه بمحاسبة و لا أتتبع شيئا مما جرى على يديه و أيديهم في ولايته خراسان و أعمالها و غيرها مما ولاه أمير المؤمنين في حياته و صحته و من الجباية و الأموال و الطرز و البريد و الصدقات و العشر و العشور و غير ذلك و لا آمر بذلك أحدا من الناس و لا أرخص فيه لغيري و لا أحدث فيه‏

484

نفسي بشي‏ء أمضيه عليه و لا ألتمس فيه قطيعته و لا أنقص شيئا مما جعل له هارون أمير المؤمنين و أعطاه في حياته و خلافته و سلطانه من جميع ما سميت في كتابي هذا و آخذ له عليّ و على جميع الناس البيعة و لا أرخص لأحد من الناس كلهم في جميع ما ولاه و لا في خلعه و لا في مخالفته و لا أسمع من أحد من البرية في ذلك قولا و لا أرضى بذلك في سر و لا علانية و لا أغمض عليه و لا أتغافل عليه و لا أقبل من بر من العباد و لا فاجر و لا صادق و لا كاذب و لا ناصح و لا غاش و لا قريب و لا بعيد و لا أحد من ولد آدم (عليه السلام) من ذكر و لا أنثى مشورة و لا مكيدة و لا حيلة في شي‏ء من الأمور سرها و علانيتها و حقها و باطلها و باطنها و ظاهرها و لا سبب من الأسباب أراد بذلك إفساد شي‏ء مما أعطيت عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين من نفسي و أوجبت له علي و شرطت و سميت في كتابي هذا و أراد به أحد من الناس أجمعين سوءا أو مكروها أو أراد خلعه أو محاربته أو الوصول إلى نفسه و دمه أو حرمه أو سلطانه أو ماله أو ولايته جميعا أو فرادى مسرين أو مظهرين له أن أنصره و أحوطه و أدفع عنه كما أدفع عن نفسي و مهجتي و دمي و شعري و بشري و حرمي و سلطاني و أجهز الجنود إليه و أعينه على كل من غشه و خالفه و لا أسلمه و لا أتخلى منه و يكون أمري أمره في ذلك واحدا أبدا ما كنت حيا و إن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت و أنا و عبد اللّه بن أمير المؤمنين بحضرة أمير المؤمنين أو أحدنا أو كنا غائبين عنه جميعا مجتمعين كنا أو متفرقين و ليس عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين في ولايته بخراسان فعلى لعبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين في ولايته بخراسان فعلى لعبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين أن أمضيه إلى خراسان و أسلم له ولايتها و أعمالها كلها و جنودها و لا أعوقه عنها و لا أحبسه قبلي و لا في شي‏ء من البلدان دون خراسان و أعجل أشخاصه إلى خراسان واليا عليها و على جميع أعمالها منفردا بها مفوضا إليه جميع أعمالها كلها و أشخص معه جميع من ضم إليه أمير المؤمنين من قواده و جنوده و أصحابه و كتابه، و عماله، و مواليه، و خدمه، و من تبعه من صنوف الناس بأهليهم و أموالهم و لا أحبس عنه أحدا منهم و لا أشركه معه في شي‏ء منها أحدا و لا أرسل عليه أمينا، و لا كاتبا و لا بندارا و لا أضرب على يديه في قليل و لا كثير و أعطيت هارون أمير المؤمنين و عبد اللّه بن هارون على ما شرطت لهما على نفسي من جميع ما سميت و كتبت في كتابي هذا عهد اللّه و ميثاقه و ذمة أمير المؤمنين و ذمتي و ذمم آبائي، و ذمم المؤمنين، و أشد ما أخذ اللّه عز و جل على النبيين و المرسلين و خلقه أجمعين من عهوده و مواثيقه‏

485

و الأيمان المؤكدة التي أمر اللّه عز و جل بالوفاء بها و نهى من نقضها و تبديلها فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت لهارون أمير المؤمنين و لعبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين و سميت في كتابي هذا أو حدثت نفسي أن أنقض شيئا مما أنا عليه أو غيرت أو بدلت أو حدثت أو غدرت أو قبلت من أحد من الناس صغيرا أو كبيرا برا أو فاجرا ذكرا أو انثى جماعة أو فرادى فبرئت من اللّه سبحانه و من ولايته و من دينه و من محمد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لقيت اللّه عز و جل يوم القيامة كافرا به مشركا و كل امرأة هي اليوم لي أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة طلاق الحرج و عليّ المشي إلى بيت اللّه الحرام ثلاثين حجة نذرا واجبا للّه تعالى في عنقي حافيا راجلا لا يقبل اللّه مني إلا الوفاء بذلك و كل مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هديا بالغ الكعبة الحرام و كل مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرارا لوجه اللّه تعالى و كل ما جعلت لأمير المؤمنين و لعبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين و كتبته و شرطته لهما و حلفت عليه و سميت في كتابي هذا لازما لي الوفاء به لا أضمر غيره و لا أنوي إلا إياه فإن أضمرت أو نويت غيره فهذه العهود و المواثيق و الأيمان كلها لازمة لي واجبة عليّ و قواد أمير المؤمنين و جنوده و أهل الآفاق و الأمصار و عوام المسلمين براء من بيعتي و خلافتي و عهدي و ولايتي و هم في حل من خلعى و إخراجي و من ولايتي عليهم حتى أكون سوقة من السوق و كرجل من عرض المسلمين لا حق لي عليهم و لا ولاية و لا تبعة لي قبلهم، و لا بيعة لي في أعناقهم و هم في حل من الأيمان التي أعطوني براء من تبعتها و وزرها في الدنيا و الآخرة.

شهد سليمان بن أمير المؤمنين المنصور، و عيسى بن جعفر، و جعفر بن جعفر، و عبد اللّه بن المهدي و جعفر بن موسى أمير المؤمنين، و إسحاق بن موسى أمير المؤمنين، و إسحاق بن عيسى بن علي و أحمد بن إسماعيل بن علي، و سليم بن جعفر بن سليمان، و عيسى بن صالح بن علي، و داود بن عيسى بن موسى و يحيى بن عيسى بن موسى و داود بن سليمان بن جعفر، و خزيمة بن حازم، و هرثمة بن أعين، و يحيى بن خالد و الفضل بن يحيى و جعفر بن يحيى و الفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين و العباس بن الفضل ابن الربيع مولى أمير المؤمنين، و عبد اللّه بن الربيع مولى أمير المؤمنين، و القاسم بن ربيع مولى أمير المؤمنين، و دقاقة بن عبد العزيز العبسي، و سليمان بن عبد اللّه بن الأصم، و الربيع بن عبد اللّه الحارثي و عبد الرحمن ابن أبي السمراء الغساني و محمد بن عبد الرحمن قاضي مكة، و عبد الكريم بن‏

486

شعيب الحجبي و إبراهيم بن عبد اللّه الحجبي، و عبد اللّه بن شعيب الحجبي و محمد بن عبد اللّه بن عثمان الحجبي و إبراهيم بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبي، و عبد الواحد بن عبد اللّه الحجبي، و إسماعيل بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبي، و أبان مولى أمير المؤمنين، و محمد بن منصور، و إسماعيل بن ضبيح، و الحارث مولى أمير المؤمنين، و خالد مولى أمير المؤمنين و كتب في ذي الحجة سنة ست و ثمانين و مائة. انتهى من الأزرقي.

نص الكتاب الذي كتبه عبد اللّه بن أمير المؤمنين هارون الرشيد

و ذكر الأزرقي نص الكتاب المذكور في تاريخه و هو هذا:

بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين كتبه له عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين في صحة من عقله و جواز من أمره و صدق نية فيما كتب في كتابه و معرفة ما فيه من الفضل و الصلاح له و لأهل بيته و لجماعة المسلمين إن أمير المؤمنين هارون و لّاني العهد و الخلافة و جميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد بن هارون أمير المؤمنين و ولاني في حياته و بعده ثغور خراسان و كورها و جميع عمالها من الصدقات و العشر و العشور و البريد و الطرز و غير ذلك و اشترط لي على محمد بن أمير المؤمنين الوفاء بما عقد به من الخلافة و الولاية للعباد و البلاد بعده و ولاني خراسان و جميع أعمالها و لا يعرض لي في شي‏ء مما أقطعني أمير المؤمنين أو ابتاع لي من الضياع و العقد و الدور و الرباع أو ابتعت منه من ذلك و ما أعطاني أمير المؤمنين هارون من الأموال و الجوهر و الكساء و المتاع و الدواب في سبب محاسبة و لا تبيع لي في ذلك و لا لأحد منهم أبدا و لا يدخل علي و لا على أحد ممن كان معي و مني و لا عمالي و لا كتابي و من استعنت به من جميع الناس مكروها في دم و لا نفس و لا شعر و لا بشر و لا مال و لا صغير و لا كبير فأجابه إلى ذلك و أقرّ به و كتب له به كتابا و كتبه على نفسه و رضي به أمير المؤمنين هارون و قبله و عرف صدق نيته فشرطت لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين و جعلت له على نفسي أن أسمع لمحمد بن أمير المؤمنين و أطيعه و لا أعصيه، و أنصحه و لا أغشه، و أوفي ببيعته و ولايته، و لا أغدره و لا أنكث، و أنفذ كتبه، و أموره و أحسن مؤازرته و مكانفته، و أجاهد عدوه في ناحيتي بأحسن جهاد ما و فى لي بما شرط لي و لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين و سماه في الكتاب الذي كتبه‏

487

لأمير المؤمنين، و رضي به أمير المؤمنين و قبله و لم يتقصى شيئا من ذلك و لا ينقص أمرا من الأمور التي اشترطها لي عليه هارون أمير المؤمنين و إن احتاج محمد بن هارون أمير المؤمنين إلى جند و كتب إلي يأمرني بأشخاصهم إليه أو إلى ناحية من النواحي أو إلى عدو من أعدائه خالفه أو أراد نقص شي‏ء من سلطانه و سلطاني الذي أسنده هارون أمير المؤمنين إلينا و ولانا أن أنفذ أمره و لا أخالفه و لا أقصر في شي‏ء إن كتب به إلي و إن أراد محمد بن أمير المؤمنين أن يولي رجلا من ولده العهد و الخلافة من بعدي فذلك له ما و فى لي بما جعل لي أمير المؤمنين هارون فاشترط لي عليه و شرطه على نفسه في أمري و على إنفاذ ذلك و الوفاء له بذلك و لا أنقض ذلك و لا أغيره و لا أبدله و لا أقدم فيه أحدا من ولدي و لا قريبا و لا بعيدا من الناس أجمعين إلا أن يولي هارون أمير المؤمنين أحدا من ولده العهد من بعدي فيلزمني و محمدا الوفاء بذلك و جعلت لأمير المؤمنين و محمد بن أمير المؤمنين على الوفاء بما اشترطت و سميت في كتابي هذا ما وفى له محمد بن أمير المؤمنين و لمحمد بن أمير المؤمنين هارون بجميع ما اشترط لي هارون أمير المؤمنين عليه في نفسي و ما أعطاني أمير المؤمنين هارون من جميع الأشياء المسماة في الكتاب الذي كتبه له عبد اللّه و ميثاقه و ذمة أمير المؤمنين و ذمتي و ذمم آبائي و ذمم المؤمنين و أشد ما أخذ اللّه عز و جل على النبيين و المرسلين و خلقه أجمعين من عهوده و مواثيقه و الأيمان المؤكدة التي أمر اللّه عز و جل بالوفاء بها فإن نقضت شيئا مما شرطت و سميت في كتابي هذا له أو غيرت أو بدلت أو نكثت أو غدرت فبرئت من اللّه تعالى و من ولايته و من دينه و من محمد رسوله (صلى الله عليه و سلم) و لقيت اللّه سبحانه يوم القيامة كافرا مشركا به و كل امرأة هي اليوم لي أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة طلاق الحرج و كل مملوك لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه اللّه تعالى و عليّ المشي إلى بيت اللّه الحرام الذي بمكة ثلاثين حجة نذرا واجبا عليّ و في عنقي حافيا راجلا لا يقبل اللّه مني الوفاء به و كل مال هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هديا بالغ الكعبة و كل ما جعلت لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين و شرطت في كتابي هذا لازم لي لا أضمر غيره و لا أنوي سواه شهد تسمية الشهود في ذلك الذين شهدوا على محمد بن أمير المؤمنين.

فلم يزل الشرطان معلقان في جوف الكعبة حتى مات هارون الرشيد أمير المؤمنين و بعدما مات بسنتين في خلافة محمد بن الرشيد ثم كلم الفضل ابن الربيع‏

488

محمد بن عبد اللّه الحجبي أن يأتيه بهما فنزعهما من الكعبة و ذهب بهما إلى بغداد فأخذهما الفضل فخرقهما و أحرقهما بالنار. انتهى كل ذلك من الأزرقي.

قال صاحب كتاب المحمل و الحج: إن هذا مذكور في كتاب صبح الأعشى في الجزء الرابع عشر.

عقاب المعتدي على مال الكعبة

لو لم يرض اللّه عز و جل الغني عن العالمين الإهداء إلى الكعبة لما حفر خليله عليه الصلاة و السلام في داخلها حين بناء الجب العميق ليجعل فيه ما يهدى للكعبة من المال و الحلي و الطيب و غير ذلك، فإذا كان التعدي على مال الغير حرام غير لائق، فإن التعدي على مال الكعبة المعظمة أشد حرمة و أقبح فعلا. روى الإمام الأزرقي في تاريخه عن عبد اللّه بن زرارة: أن مال الكعبة يدعى" الأبرق" و لم يخالط مالا قط إلا محقه و لم يرزأ منه أحد قط من أصحابنا إلا بان النقص في ماله، و أدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت، قال: و لم يزل من مضى من مشيخة الحجبة يحذرون أبناءهم و يخوفونهم إياه و يوصونهم بالتنزه عنه و يقولون: لن تزالوا بخير ما دمتم أعفة عنه، و إن كان الرجل ليصيب منه الشي‏ء فيضعه ذلك عند الناس. اه.

و جاء في تاريخ الأزرقي أيضا: أن النبي (صلى الله عليه و سلم) وجد في الجب الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من ذهب مما كان يهدى إلى البيت و أن علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) قال: يا رسول اللّه لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يحركه ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه. اه.

و جاء فيه أيضا: عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: جلست إلى شيبة بن عثمان في المسجد الحرام فقال: جلس إلي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أترك فيها صفراء و لا بيضاء إلا قسمتها قال شيبة:

فقلت له: إنه قد كان لك صاحبان لم يفعلاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر رضي اللّه عنه فقال عمر: هما المرءان أقتدي بهما. اه.

فإذا كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و صاحباه أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما لم يتصرفوا في مال الكعبة فيما ينفع المسلمين، فكيف يطيب لغيرهم أن تمتد أيديهم فيه بدون حق، و إذا كان مشيخة الحجبة في القرون الأولى يحذرون أبناءهم من‏

489

التقرب في مال الكعبة و هم القائمون بخدمتها فإن التحذير يكون آكد في الأزمنة الأخيرة، و ما تجرأ أحد في التصرف بمالها إلا رأى و بال ذلك عليه. فقد روى الأزرقي في تاريخه أن جرهما جعلت على جب الكعبة رجلا منهم يحرسه فبينا رجل ممن ارتضوه عندها إذ سولت له نفسه فانتظر حتى إذا انتصف النهار و قلصت الظلال و قامت المجالس و انقطعت الطرق و مكة إذ ذاك شديد الحر بسط رداءه ثم نزل البئر فأخرج ما فيها فجعله في ثوبه فأرسل اللّه عز و جل حجرا من البئر فحبسه حتى راح الناس فوجدوه فأخرجوه و أعادوا ما وجدوه في ثوبه في البئر فسميت تلك البئر الأخسف، فلما أن خسف بالجرهمي و حبسه اللّه عز و جل بعث اللّه عند ذلك ثعبانا و أسكنه في ذلك الجب في بطن الكعبة أكثر من خمسمائة سنة ... الخ. اه من الأزرقي. و جاء فيه أيضا عند نصيحة مضاض بن عمرو الجرهمي لقومه حينما استخفوا بأمر البيت و الحرم: إنه كان للبيت خزانة بئر في بطنه يلقى فيها الحلي و المتاع الذي يهدى له و هو يومئذ لا سقف له فتواعد له خمسة نفر من جرهم أن يسرقوا ما فيه فقام على كل زاوية من البيت رجل منهم و اقتحم الخامس فجعل اللّه عز و جل أعلاه أسفله و سقط منكسا فهلك و فر الأربعة الآخرون فعند ذلك مسحت الأركان الأربعة، و قد بلغنا في الحديث أن إبراهيم خليل اللّه مسح الأركان الأربعة كلها أيضا، و بلغنا في الحديث أن آدم مسح قبل ذلك الأركان الأربعة، فلما كان من أمر هؤلاء الذين حاولوا سرقة ما في خزانة الكعبة ما كان بعث اللّه حية سوداء الظهر بيضاء البطن رأسها مثل رأس الجدي فحرست البيت خمسمائة سنة لا يقربه أحد بشي‏ء من معاصي اللّه إلا أهلكه اللّه تعالى و لا يقدر أحد أن يروم سرقة ما في الكعبة ... الخ. انتهى.

هذا ما كان في عهد جرهم و أما ما حدث في عهد قريش فقد روى الأزرقي أيضا عن شيبة بن عثمان الذي أسلم يوم الفتح على أصح الروايات أنه قال:

حضرت الوفاة فتى منا من أصحابنا من الحجبة بالبوباة من قرن" في طريق الطائف و نجد" فاشتد عليه الموت جدا فمكث أياما ينزع نزعا شديدا حتى رأوا منه ما غمهم و أحزنهم من شدة كربه فقال له أبوه: يا بني لعلك أصبت من هذا الأبرق يعني مال الكعبة قال: نعم يا أبت أربعمائة دينار فقال أبوه: اللهم إن هذه الأربعمائة دينار علي في أنضر مالي أؤديها إليها قال: فسري عنه ثم لم يلبث الفتى أن مات. انتهى من الأزرقي.

490

و رب قائل يقول: إذا كان اللّه عز و جل عاقب المعتدين على مال الكعبة فيما مضى، فلم لا يعاقبهم عليه فيما بعد الإسلام؟

فنقول: لقد كانت العقوبة تعجل على من كان قبلنا، و كان ينزل عليهم أنواع البلايا كالجراد و القمل و الضفادع و الصيحة و الخسف و المسخ و غير ذلك، و كانوا يقرضون موضع النجاسة في الثوب أو في البدن، و كانوا يؤاخذون على الخطأ و النسيان، فرفع اللّه كل ذلك عن أمة محمد (صلى الله عليه و سلم) و عاملهم بكثير من الفضل و الرحمة و العفو و اللطف في الدنيا و الآخرة فهي أمة مرحومة و خير الأمم و نبيهم محمد خير الأنبياء و خاتمهم (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على إخوانه الأنبياء و المرسلين و صحابتهم أجمعين. و لنختم هذا الفصل بهذه الآيات البينات‏ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏.

حكم التصرف في مال الكعبة

روى الأزرقي في تاريخه: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) وجد في الجب الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من ذهب مما كان يهدى إلى البيت و أن علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) قال: يا رسول اللّه لو استعنت بهذا المال على حربك فلم يحركه ثم ذكر لأبي بكر فلم يحركه. و روى الأزرقي أيضا عن شقيق بن سلمة قال: جلست إلى شيبة بن عثمان في المسجد الحرام فقال: جلس إلي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مجلسك هذا فقال: لقد هممت أن لا أترك فيها صفراء و لا بيضاء إلا قسمتها- يعني الكعبة- قال شيبة فقلت له: إنه قد كان لك صاحبان لم يفعلاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر رضي اللّه عنه فقال عمر: هما المرءان أقتدي بهما. انتهى.

قال العلامة ابن ظهيرة القرشي في كتابه" الجامع اللطيف في فضل مكة و أهلها و بناء البيت الشريف" عند ذكر كنز الكعبة و الحكم فيه ما نصه: أقول: قال المحب الطبري لما أخبر شيبة أن النبي (صلى الله عليه و سلم) و أبا بكر لم يتعرضا للمال رأى عمر أن ذلك هو الصواب و كأنه رأى حينئذ أن ما جعل في الكعبة يجري مجرى الوقف عليها فلا يجوز تغييره، أو رأى ترك ذلك تورعا حين أخبر أنه تركه صاحباه مع رؤيته جواز

491

إنفاقه في سبيل اللّه لأن صاحبيه إنما تركاه للعذر الذي تضمنه حديث عائشة رضي اللّه عنها. انتهى.

و قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر (رحمه اللّه تعالى): يحتمل أن يكون تركه (صلى الله عليه و سلم) لذلك رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد بناء إبراهيم، و يؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق الحديث" و لا نفقت كنز الكعبة في سبيل اللّه و لجعلت بابها بالأرض" و هذا التعليل هو المتفق عليه فإنفاقه جائز كما جاز لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم لزوال سبب الامتناع. انتهى من الجامع اللطيف.

و قال ابن ظهيرة أيضا في كتابه المذكور، فروع:

(الأول): تختص الكعبة الشريفة بما يهدى إليها و ما ينذر لها من الأموال و امتناع صرف شي‏ء منها إلى الفقراء و المصالح إلا أن يعرض لها نفسها عمارة فيصرف فيه و إلا فلا يغير شي‏ء عن وجهه نبّه عليه الزركشي من الشافعية.

(الثاني): إذا نذر شمعا يشعله فيها أو زيتا و نحوه وضعه في مصابيحها و إن كان لا يستعمل فيها بيع و صرف الثمن في مصالحها. صرح به الماوردي. انتهى من الجامع اللطيف و لم نذكر بقية الفروع لعدم تعلقها بهذا المبحث.

و جاء في تاريخ الكعبة ما نصه: قال التقي الفاسي تعليقا على أخذ مال الكعبة: أنه لا يجوز أخذ شي‏ء من حلية الكعبة لا للحاجة و لا للتبرك لأن ما جعل للكعبة و سبل لها يجري مجرى الأوقاف و لا يجوز تغييرها من وجوهها أشار إلى ذلك المحب الطبري في القرى. انتهى.

و لقد ذكرنا في مبحث تطييب الكعبة أن الإمام النووي (رحمه اللّه تعالى) قال:

لا يجوز أخذ شي‏ء من طيب الكعبة لا للتبرك و لا لغيره و من أخذ شيئا لزمه رده فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده فمسحها به ثم أخذه. انتهى. نقول: فإذا كان لا يجوز أخذ شي‏ء من طيب الكعبة فإنه لا يجوز أخذ شي‏ء من حلي الكعبة أو مالها أو هداياها من باب أولى، لكن لنا نحن في هذا الأمر رأي نحب أن نذكره بالتفصيل فنقول و باللّه التوفيق و المعونة و الحول و القوة:

التصرف فيما يهدى إلى الكعبة من مال و حلي و غيرهما للمصلحة جائز بلا خلاف كما ذكر الحافظ ابن حجر (رحمه اللّه تعالى)، و كما يفهم ضمنا من تركه‏

492

(صلى الله عليه و سلم) ما وجده من الذهب في جب الكعبة و أنه لم يحركه حينما قال له علي بن أبي طالب:" لو استعنت بهذا المال على حربك" فلو لم يكن جائزا لبين له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صراحة حرمة التصرف فيه، و حكمة سكوته عليه الصلاة و السلام حينما قال له علي بن أبي طالب ذلك إما رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مثلما ذكره ابن حجر، و إما أخذا بالعزيمة و زيادة في التعفف لقوته المعنوية الروحية فإن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا يتتبعون الرخص إلا لإرشاد أممهم، فإذا كانت الأيدي قد امتدت إلى مال الكعبة و هداياها بينما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر و عمر رضي اللّه عنهما لم يتصرفوا بشي‏ء من ذلك، فكيف لو تصرفوا فيها بشي‏ء. نظن أنه ما كان يبقى اليوم في الكعبة شي‏ء حتى الكسوة كانوا يمزقونها و هي عليها.

ثم إن التصرف في مال الكعبة و هداياها و حليها على أربعة أنواع:

الأول: التصرف فيها بدون حق إما للسرقة أو للاغتصاب أو نحوهما فهذا حرام و غير جائز بلا خلاف.

الثاني: التصرف فيها للاضطرار كأخذ سدنتها شيئا للحاجة الشديدة فرأينا جواز ذلك لهم بشرطين أن ينسد جميع أسباب الرزق عليهم، و أن يكون أخذهم منه بالمعروف أي بقدر الضرورة و على سبيل الاقتراض و الأمانة فإذا تيسرت أحوالهم ردوا ما أخذوه في محله.

الثالث: التصرف فيها لمصالح الكعبة نفسها أو لمصالح المطاف و المسجد الحرام فقط من عمارة و ترميم، فرأينا جواز ذلك عند خلو بيت مال المسلمين أو عند عدم وجود المال الحلال.

الرابع: التصرف فيها في سبيل المصلحة العامة للمسلمين كعند نشوب حرب أو وجود قحط في البلدة (لا قدر اللّه ذلك) و الناس في فقر و احتياج، فرأينا جواز ذلك، فإذا كان أكل الميتة جائز عند الاضطرار فالتصرف في مال الكعبة جائز للاضطرار بجميع أنواعه هذا رأينا الخاص في جميع ما ذكرناه و ما رأينا لأحد كلاما فيه، و اللّه تعالى أعلم.

و نستأنس لكلامنا المذكور بما يفهم مما رواه الإمام الأزرقي في تاريخه عن سعيد بن يسار الخزاعي عن ابن عمر أنه كان في دار خالد بن أسيد بمكة فجاءه رجل فقال: أرسل معي بحلي إلى الكعبة فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق‏

493

قال: ما أحمقكم يا أهل العراق أما فيكم مسكين أما فيكم يتيم أما فيكم فقير إن كعبة اللّه لغنية عن الذهب و الفضة و لو شاء اللّه لجعلها ذهبا و فضة، قال ابن يسار فكان معي حلي بعثت بها إلى الكعبة فقلت له و أنا مستحي فقال: و أنت أيضا ثم قال لي كما قال للآخر. انتهى من الأزرقي.

و خالد بن أسيد، بفتح الهمزة هو أخ أمير مكة عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي الأموي ولاه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مكة و هو ابن إحدى و عشرين سنة و ذلك عند مخرجه إلى غزوة حنين في العشر الأول من شوال سنة ثمان من الهجرة فهو أول أمير ولي مكة و لم يزل عتّاب بن أسيد أميرا على مكة إلى أن مات و كانت وفاته يوم مات أبو بكر رضي اللّه عنهما و قيل بل يوم جاء نعي الصديق إلى مكة.

التعدي على أموال الكعبة و هداياها

لو لم يتصرف الناس في أموال الكعبة بعذر أو بغير عذر على سبيل التعدي من قبل الإسلام و بعده، لكان اليوم فيها من الأموال الطائلة ما لا يحسب و من الهدايا الثمنية ما لا يقدر، و يظن صاحب كتاب تاريخ الكعبة أن كل ذلك ذهبت في العمارة التي وقعت سنة (1040) أي التي كانت زمن السلطان مراد خان الرابع كما ذكره بصحيفة 207 من الكتاب المذكور.

و نحن نرى في هذه المسألة غير ما رآه و نذهب إلى غير ما ذهب إليه فإنه لا يخفى على من اطلع في التاريخ أن سلاطين آل عثمان كانوا يعظمون الكعبة المشرفة و جميع المشاعر غاية التعظيم و كانوا يهدون إليها مختلف الهدايا الثمينة، فلا يعقل أن يذهب ما في الكعبة من الأموال و الهدايا في عمارة السلطان مراد خان الرابع التي كانت سنة (1040). فقد ذكر نفس صاحب تاريخ الكعبة في كتابه هذا عند الكلام على بناء السلطان مراد خان الرابع أنه لما سقط الجدار الشامي من الكعبة المشرفة و بعض الجدارين الشرقي و الغربي و سقطت درجة السطح و ذلك بعد صلاة العصر من يوم الخميس عشرين شعبان سنة (1093) وقع الضجيج العام و الانزعاج في قلوب الناس فخرج أمير مكة الشريف مسعود بن إدريس من داره فزعا إلى المسجد الحرام و حضر معه السادة الأشراف و فاتح البيت و العلماء و الفقهاء و الصلحاء فأمر الأمير بإخراج ما في الكعبة خشية عليها من الضياع‏

494

فأخرجوا القناديل و كانت عشرين قنديلا من الذهب أحدها مرصع باللؤلؤ و غيرها من المعادن و الميزاب فوضعت في دار فاتح البيت الحرام بالصفا بحضور أمير مكة في مخزن و ختم عليه بختم الأمير و القاضي و نائب الحرم و أجلس عليه حرسا ... الخ و في تاريخ الغازي بعد ذكر القناديل الذهب قال: و ثلاثة و ثلاثون قنديلا من الفضة و الظاهر أن هذه القناديل الفضة سقطت سهوا من قلم صاحب تاريخ الكعبة قال:

ثم وضعت كل هذه الأشياء في الكعبة بعد تمام بنائها. فكيف إذا تضيع ما في الكعبة في هذه العمارة. و لكنا نرى أن الأحداث التي كانت تتوالى على مكة المشرفة من قديم الزمان و رحى الحرب التي دارت فيها مرارا عديدة هي السبب التي جعلت الأيدي تعبث بأموال الكعبة و هداياها و ها نحن نذكر هنا باختصار بعض تلك الحوادث مما وقفنا عليها فنقول:

(1) جاء في تاريخ الأزرقي عن مجاهد أنه قال: كان في الكعبة على يمين من دخلها جب عميق حفره إبراهيم خليل الرحمن و إسماعيل (صلوات اللّه و سلامه عليهما) حين رفع القواعد و كان يكون فيه ما يهدى للكعبة من حلي أو ذهب أو فضة أو طيب أو غير ذلك و كانت الكعبة ليس لها سقف فسرق منها على عهد جرهم مال مرة بعد مرة و كانت جرهم ترتضي لذلك رجلا يكون عليه يحرسه فبينا رجل ممن ارتضوه عندها إذ سولت نفسه فانتظر حتى إذا انتصف النهار و قلصت الظلال و قامت المجالس و انقطعت الطرق و مكة إذ ذاك شديدة الحر بسط رداءه ثم نزل في البئر فأخرج ما فيها فجعله في ثوبه فأرسل اللّه عز و جل حجرا من البئر فحبسه حتى راح الناس فوجدوه فأخرجوه و أعادوا ما وجدوا في ثوبه في البئر فسميت تلك البئر بالأخسف فلما أن خسف بالجرهمي و حبسه اللّه عز و جل بعث اللّه عند ذلك ثعبانا و أسكنه في ذلك الجب في بطن الكعبة أكثر من خمسمائة سنة يحرس ما فيه فلا يدخله أحد إلا رفع رأسه و فتح فاه فلا يراه أحد إلا ذعر منه و كان ربما يشرف على جدار الكعبة فأقام كذلك في زمن جرهم و زمن خزاعة و صدرا من عصر قريش حتى اجتمعت قريش في الجاهلية على هدم البيت و عمارته فحال بينهم و بين هدمه حتى دعت قريش عند المقام عليه و النبي (صلى الله عليه و سلم) معهم و هو يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي بعد فجاء عقاب فاختطفه ثم طار به نحو أجياد الصغير. انتهى من الأزرقي.

495

(2) و جاء في تاريخ الأزرقي أيضا: أن الحسين بن الحسن العلوي عمد إلى خزانة الكعبة في سنة مائتين في الفتنة حين أخذ الطالبيون مكة فأخذ مما فيها مالا عظيما و انتقله إليه و قال: ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعا لا ينتفع به نحن أحق به نستعين به على حربنا. اه منه.

(3) و جاء فيه أيضا: عن مسافع بن عبد الرحمن الحجبي قال: لما بويع بمكة لمحمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم في الفتنة في سنة مائتين حين ظهرت المبيضة بمكة" و هم أصحاب المقنع" أرسل إلى الحجبة فتسلف منهم من مال الكعبة خمسة آلاف دينار و قال: نستعين بها على أمرنا أفاء اللّه علينا رددناها في مال الكعبة فدفعوا إليه و كتبوا عليه بذلك كتابا و أشهدوا فيه شهودا فلما خلع نفسه و رفع إلى أمير المؤمنين المأمون تقدم الحجبة و استعدوا عليه عند أمير المؤمنين فقضاهم أمير المؤمنين المأمون تقدم الحجبة و استعدوا عليه عند أمير المؤمنين فقضاهم أمير المؤمنين عن محمد بن جعفر خمسة آلاف دينار و كتب لهم بها إلى إسحاق بن عباس بن عباد بن محمد و هو وال على اليمن فقبضتها الحجبة و ردوها في خزانة الكعبة. اه منه.

(4) و جاء في شفاء الغرام للتقي الفاسي أنه كتب حجبة البيت إلى أمير المؤمنين المعتضد العباسي أن أحد الولاة بمكة قلع أيام الفتنة سنة (251) ما على عضادتي باب الكعبة من الذهب فضربه دنانير و صرفها على الفتنة و أن عامل مكة سنة (268) قلع أيضا أيام الفتنة مقدار الربع من الذهب من أسفل باب الكعبة و ما على أنف الباب من الذهب و استعان به على دفع تلك الفتنة، فأمر المعتضد بإعادة جميع ذلك. اه منه.

(5) و جاء في تاريخ الأزرقي: لما حارب يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي والي مكة إبراهيم بن موسى أرسل إلى الحجبة فأخذ السرير الفضة و ما عليه من الفرشة و أزارير الذهب و الفضة المرخاة على وجه السرير و الصنم الذهب الذي فوقه و الذي أرسل كل ذلك أحد ملوك التبت هدية إلى الكعبة المشرفة فاستعان به على حربه و ضربه دنانير و دراهم و قال: أمير المؤمنين يخلفه لها و ذلك سنة (202) اثنتين و مائتين. اه منه.

(6) و جاء في تاريخ الكعبة: أنه في سنة (317) سبع عشرة و ثلاثمائة دخل أبو طاهر القرمطي مكة المشرفة يوم التروية من ذي الحجة و هو اليوم الثامن فدخلوا المسجد الحرام و أسرفوا في قتل الحجاج و أسرهم و نهبهم. قيل: قتلوا فيه ألفا

496

و سبعمائة. و قيل: ثلاثة عشر ألفا من الرجال و النساء و هم متعلقون بالكعبة و ردموا بهم زمزم حتى ملأوها و فرش بهم المسجد الحرام و ما يليه و صعد أبو طاهر بنفسه على باب الكعبة و أخذ حليها و هتك أستارها و قسم كسوتها بين أصحابه و أمر بقلع ميزابها و كان من الذهب الإبريز و أخذ أموال الناس و أقام هو و أصحابه بمكة أحد عشر يوما ثم انصرف إلى بلده هجر و حمل معه الحجر الأسود و بقي موضع الحجر من الكعبة خاليا يضع الناس فيه أيديهم للتبرك و بقي الحجر عندهم نحو اثنين و عشرين سنة ثم ردوه إلى الكعبة رده سنبر بن الحسن القرمطي. انتهى منه باختصار و من أراد الوقوف على حادثة القرمطي فعليه بمراجعة كتب التاريخ و نحن إنما ذكرنا هذه النبذة لأخذه أموال الكعبة.

(7) و جاء فيه أيضا: أنه في سنة (462) أخذ أمير مكة أبو هاشم محمد بن جعفر المعروف بابن أبي هاشم الحسن قناديل الكعبة و ستورها و صفائح الباب لما لم يصله شي‏ء من جهة المستنصر العبيدي. اه.

(8) و جاء فيه أيضا: أن الوزير علي شاه بعث سنة (718) حلقتين من ذهب مرصعتين باللؤلؤ و البلخش كل حلقة زنتها ألف مثقال و في كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات و بينهما ست قطع بلخش فاخر هدية للكعبة فعلقتا عليها ثم أخذهما أمير مكة الشريف رميثة ابن أبي نمي. اه منه.

(9) و جاء فيه أيضا: أن السلطان شيخ أويس بغداد أرسل أربعة قناديل كبار اثنان منها ذهب و اثنان فضة و ذلك سنة (770) هدية للكعبة فعلقت بها ثم أخذها أمير مكة الشريف عجلان بن رميثة. اه.

(10) و جاء فيه أيضا: أن أمير مكة داود بن عيسى بن فليته أخذ ما في الكعبة من أموال و طوقا كان يمسك الحجر الأسود و ذلك سنة (586).

(11) و جاء فيه أيضا: أن أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلوي حين خرج عن طاعة الحاكم بأمر اللّه و دعا لنفسه بالإمامة و تلقب بالراشد أخذ من حلية الكعبة و ضربها دنانير و دراهم و هي التي تسمى الفتحية و أخذ بعد ذلك المحاريب التي أهداها للكعبة صاحب عمان. اه.

أي تلك المحاريب التي زنة كل محراب أكثر من قنطار أهداها صاحب عمان بعد سنة (420) من الهجرة كما ذكره أبو عبيد اللّه البكري في كتابه المسالك و الممالك. اه.

497

(12) و جاء في كتاب المحمل و الحج: أن شيوخ سدنة البيت الشريف كانوا إذا احتاجوا اختلسوا من أموال الكعبة و هداياها ما يسدون به خللهم و يدفع به فقرهم و احتياجهم (قال في هامش الكتاب المذكور) قال القطب الحنفي: أدركنا في أيام الصبا و قد خفت القناديل من شيوخ الكعبة من كان يتهم بذلك لفقره و احتياجه (ثم ساق حكاية لا نحب ذكرها) قال: و افتقد مرة أمير من أمراء جدة قنديلا علقه في البيت قريبا فسأل الشيخ عن ذلك و أراد إهانته فلم يقدر و تكلم عنه الناس و كان الشيخ يقول: المحافظة على بنية الإنسان أوجب من المحافظة على قناديل معلقة في الكعبة لا ينفعها تعليقها و لا يضرها فقدها و قد وصلنا إلى حد المخمصة فنعذر في ذلك إن وقع فعله منا. انتهى منه.

هذه الحوادث ذكرناها هنا لمعرفة ما كان يقع من السلب و النهب و تمتد أيدي من قل دينه إلى مال الكعبة و هداياها، أو من يتصرف فيها بالأكل منها بالمعروف من سدنتها الفقراء، أو من يضطر إلى أخذها من أمراء مكة لأسباب قهرية. و قد جاء ذكر غالب هذه الأشياء عند الكلام على هدايا الكعبة و معاليقها و أموالها.

فضل النظر إلى الكعبة

قال الطبري (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" القرى لقاصد أم القرى" ما نصه:

و عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه و سلم): النظر إلى البيت الحرام عبادة، أخرجه صاحب مثير الغرام. و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال:

النظر إلى الكعبة محض الإيمان. و عن مجاهد أنه قال: النظر إلى الكعبة عبادة.

و عن سعيد بن المسيب قال: من نظر إلى الكعبة إيمانا و تصديقا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه.

و عن عطاء قال: النظر إلى البيت يعادل عبادة سنة، قيامها و ركوعها و سجودها. و عن ابن السائب المدني قال: من نظر إلى الكعبة إيمانا و تصديقا تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر. أخرجهما صاحب مثير الغرام.

498

و عنه قال: النظر إلى البيت عبادة. و الناظر إليه بمنزلة الصائم القائم الدائم المخبت المجاهد في سبيل اللّه. أخرج الأربعة الأزرقي، و المخبت: الخاضع الخاشع المتواضع.

انتهى من كتاب الطبري المذكور.

فضل الطواف بالبيت الحرام‏

روى الإمام الأزرقي في تاريخه عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): (ينزل اللّه عز و جل على هذا البيت كل يوم و ليلة عشرين و مائة رحمة:

ستون منها للطائفين و أربعون للمصلين و عشرون للناظرين).

قال حسان بن عطية: فنظرنا فإذا هي كلها للطائفين فإن الطائف هو يطوف و يصلي و ينظر. اه.

نقول: و هذا مأخوذ من قوله (صلى الله عليه و سلم):" الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير" رواه الترمذي و غيره.

فالأصناف الثلاثة المذكورون هم الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.

و لقد نظمنا ما ورد في الحديث المتقدم من تقسيم الرحمة النازلة على البيت الحرام بقولنا:

و جاء في الحديث ما معناه‏* * * ينزل اللّه تعالى اللّه‏

لبيته المحفوف بالكرامة* * * في كل يوم بل و كل ليلة

عشرين رحمة مضافا لمائة* * * ينالها قوم همو خير فئة

منقسم للطائفين نصفها* * * و للمصلين يخص ثلثها

و الناظرون البيت يأخذونا* * * عشرين و هو سدسها يقينا

و روى الأزرقي في تاريخه أن أنس بن مالك قدم المدينة فركب إليه عمر بن عبد العزيز فسأله عن الطواف للغرباء أفضل أم العمرة؟ قال: بل الطواف.

روى الإمام الأزرقي في تاريخه عن عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: النظر إلى الكعبة محض إيمان، و روى فيه أيضا أن حماد بن أبي سلمة قال: الناظر إلى‏

499

الكعبة كالمجتهد في العبادة في غيرها من البلاد، و روى فيه أيضا عن ابن عمر أنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:" من طاف بالبيت كتب اللّه عز و جل له بكل خطوة حسنة و محا عنه سيئة" و روى فيه أيضا عن مجاهد أنه قال: ما بين الركن و الباب يدعى الملتزم و لا يقوم عبد ثم فيدعو اللّه عز و جل بشي‏ء إلا استجاب له. و روى فيه أيضا عن ابن عباس قال: من التزم الكعبة ثم دعا استجيب له فقيل له: و إن كانت استلامة واحدة قال: و إن كانت أو شك من برق الخلب. و روى فيه أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد اللّه بن عمرو فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال: أعوذ باللّه من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن و الباب ثم وضع صدره و وجهه و ذراعيه و كفيه بسطا و قال: هكذا رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يفعل. و قال مجاهد:

الصق خديك بالكعبة و لا تضع جبهتك.

فبيت ربنا عظيم القدر* * * و نوره سار كضوء البدر

قد وضع اللّه من الأسرار* * * فيه فلا تخفى على الأبرار

أحاطه بالبر و الإجلال‏* * * و كيف و هو بيت ذي الجلال‏

سبحانه من خالق عظيم‏* * * جل تعالى اللّه من حليم‏

من سلم الأمر إليه سلما* * * و من دعاه مخلصا ما ندما

هيبة الكعبة و ما يقال عند النظر إليها

مما لا شك فيه أن اللّه تعالى قد وضع في بيته الحرام من الأسرار ما لا يعلمها إلا هو، و قد حفها بالأنوار و البركات الظاهرة و الباطنة، و بذلك صار لها في قلوب المؤمنين من الهيبة و الإجلال ما لا يوصف بالقلم، و أكثر ما يكون ذلك لدى القادم الزائر، فإنه يقف لأول رؤيته لها خاشعا مندهشا، و يختلف الخوف و الخشوع و الهيبة و الإجلال باختلاف أحوال الإنسان كل بحسب معرفته بربه، فموقف العالم العامل غير موقف العالم المهمل، و موقف الجاهل المستقيم غير موقف الجاهل الفاسد، و هكذا موقف كل واحد منهم في جميع العبادات.

قال البتنوني في رحلته الحجازية: و من الغريب أن كل من يقع بصره لأول و هلة على الكعبة تراه في دهشة كبيرة، لا لكون بصره وقع على شي‏ء لم يتعود النظر إليه، و لكن ما يعتريه من الخشية و الرهبة. فترى هؤلاء المشاهدين تأخذهم‏

500

هزة كبيرة من هذا المنظر المهيب، و منهم من يقف لحظة في مكان المتأدب المستكين المتصاغر أمام هذه العظمة الكبرى، و منهم من يصرخ بصوت الخوف و لسانه يلهث بكلمات منفصلة عن بعضها، و منهم من يجهش بالبكاء فلا تسمع له غير نحيب يختنق معه صوته و تتقطع منه أنفاسه، و على كل حال فنسبة خوف الإنسان من ربه على نسبة من قوة دينه و متانة يقينه. انتهى منه.

و كيف لا تكون الكعبة كذلك و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) دعا لها بالتشريف و التعظيم و المهابة و التكريم كما سيأتي، ثم هي موضع الرحمة و مستنزل البركات، و مهبط الملائكة و مكان موقفهم، و عندها الملتزم و المتعوذ و المستجار، و هي مقصد الأنبياء و الأتقياء، و ملجأ الصالحين و الأبرار.

و أما ما يقال عند النظر إلى البيت الشريف لأول مرة، فقد ورد في ذلك بعض الأدعية المأثورة ذكرها الإمام الأزرقي في تاريخه و نحن نذكرها بحذف أسانيدها فنقول:

كان النبي (صلى الله عليه و سلم) إذا رأى البيت رفع يديه فقال:" اللهم زد هذا البيت تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة، و زد من شرفه و كرمه ممن حجه و اعتمره تشريفا و تعظيما و برا".

و كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا رأى البيت يقول:" اللهم أنت السلام و منك السلام فحينا ربنا بالسلام" و كان بعض الصحابة رضي اللّه عنه يقول ذلك أيضا.

حدث ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" ترفع الأيدي في سبع مواطن: في بدء الصلاة، و إذا رأيت البيت، و على الصفا و المروة، و عشية عرفة، و بتجمع و هو مزدلفة، و عند الجمرتين، و على الميت" انتهى منه.

تعظيم الكعبة في الجاهلية

الكعبة المشرفة معظمة بين الأنام من حين بنائها الأول و هي كذلك إلى قيام الساعة، و كان الفرس يحترمونها من قديم الزمان و يهدون إليها أموالا و جواهر، و قد كان ساسان بن بابك أهدى إليها غزالين من ذهب و جواهر و سيوفا و ذهبا

501

كثيرا فدفن في زمزم، دفنها فيما بعد ملك جرهم مضاض بن عمرو في ليلة مظلمة خوفا عليها من جرهم حيث تهاونوا بحرمة مكة و الحرم حتى أكلوا أموال الكعبة.

و الفرس كانوا يحجون إلى الكعبة، و في ذلك يقول أحد شعرائهم بعد الإسلام:

و ما زلنا نحج البيت قدما* * * و نلقي بالأباطح آمنينا

و ساسان بن بابك سار حتى‏* * * أتى البيت العتيق يطوف دينا

فطاف به و زمزم عند بئر* * * لإسماعيل تروي الشاربينا

و قال غيره:

زمزم الفرس على زمزم‏* * * و ذاك من سالفها الأقدم‏

و لقد تعبد اليهود في الكعبة على دين إبراهيم و النصارى على دين المسيح عليهما الصلاة و السلام، و قد وضعوا في الكعبة صورا و تماثيل منها صورة إبراهيم و إسماعيل و عيسى و أمه و صور بعض الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) البيت فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب فبل بالماء و أمر بطمس تلك الصور فطمست و أمر بإزالة الأصنام التي على الكعبة.

فلو لا إجماعهم على قدسية الكعبة و تعظيمهم لها ما وضعوا صور الأنبياء في داخلها فإن الأشياء المقدسة الغالية ما توضع إلا في أشرف موضع و أطهر مكان.

و كان أهل الجاهلية لا يستحلون حرمتها و لا يستخفون بحقها خوفا من أن يهلكهم اللّه تعالى فكانوا يتواصون بذلك. جاء في تاريخ الأزرقي ما نلخصه:

كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة فضيعوا حرمة البيت الحرام، و استحلوا فيه أمورا عظاما و نالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام رجل منهم يقال له عموق فقال: يا قوم ابقوا على أنفسكم فقد رأيتم و سمعتم من هلك من صدر الأمم قبلكم قوم هود و صالح و شعيب فلا تفعلوا، و تواصلوا فلا تستخفوا بحرم اللّه و موضع بيته، و إياكم و الظلم و الإلحاد فيه، فإنه ما سكنه أحد قط فظلم فيه و ألحد إلا قطع اللّه دابرهم و استأصل شافتهم، و بدل أرضها غيرهم، حتى لا يبقى لهم باقية، فلم يقبلوا ذلك منه.

502

ثم إن جرهما قدموا مكة فكان مضاض بن عمرو ملكهم و المطاع فيهم، و كان السميدع ملك قطورا فأقاموا بها مع العماليق و بنوا بمكة البيوت و اتسعوا في المنازل و كثروا على العماليق فنازلوهم فمنعتهم جرهم و أخرجوهم من الحرم كله فكانوا في أطرافه لا يدخلونه، فقال لهم صاحبهم عموق: ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة الحرم فغلبتموني؟

ثم إن جرهما استخفوا بأمر البيت و الحرم و ارتكبوا أمورا عظاما، و أحدثوا فيه أحداثا لم تكن، فقام مضاض بن عمرو بن الحارث فيهم فقال: يا قوم احذروا البغي فإنه لا بقاء لأهله قد رأيتم من كان قبلكم من العماليق استخفوا بالحرم فلم يعظموه و تنازعوا بينهم و اختلفوا حتى سلطكم اللّه عليهم فأخرجتموهم فتفرقوا في البلاد، فلا تستخفوا بحق الحرم و حرمة بيت اللّه، و لا تظلموا من دخله و جاءه معظما لحرمته، أو آخر جاء بايعا لسلعته و راغبا في جواركم، فإنكم إن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منه خروج ذل و صغار، حتى لا يقدر أحد منكم أن يصل إلى الحرم و لا إلى زيارة البيت الذي هو لكم حرز و أمن و الطير يأمن فيه.

قال قائل منهم يقال له مجذع: من الذي يخرجنا منه، ألسنا أعز العرب و أكثرهم رجالا و سلاحا؟ فقال مضاض بن عمرو: إذا جاء الأمر بطل ما تقولون.

فلما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أمورا عظاما و نالوا ما لم يكونوا ينالون و أكلوا مال الكعبة الذى يهدى إليها سرا و علانية، نضب ماء زمزم و ذهب، و قام مضاض بن عمرو و بعض ولده في ليلة مظلمة فحفر في موضع بئر زمزم و أعمق ثم دفن فيه الأسياف و الغزالين الذهب اللذين كانا في الكعبة، ثم سلط اللّه على جرهم عمرو بن عامر بن حارثة ابن ثعلبة الذي يقال له مزيقياء بن ماء السماء حيث خرج هو وقومه من مأرب إلى أن وصل مكة يريد الإقامة بها مدة يسيرة، فأبت جرهم عليهم ذلك و قالوا لهم: ما نحب أن تنزلوا فتضيقوا علينا مراتعنا و مواردنا فارحلوا عنا حيث أحببتم، فاقتتل الفريقان ثم انهزمت جرهم فلم ينفلت منهم إلا الشريد، و كان مضاض بن عمرو قد اعتزل جرهما و لم يعن جرهما في ذلك و قال: كنت أحذركم هذا.

ثم أقام بعد ذلك ابن ثعلبة بمكة و ما حولها في قومه و عساكره حولا فأصابتهم الحمى و كانوا في بلد لا يدرون فيه ما الحمى، فأشارت إليهم طريفة الكاهنة أن يتفرقوا في الممالك و البلدان فتفرقوا فمنهم من لحق بعمان و منهم من لحق بحوران‏

503

و بالشام و منهم من لحق بالعراق، و منهم من لحق بيثرب بالمدينة و هم الأوس و الخزرج و هم الأنصار. أما خزاعة فلم ترحل فكانت بالأراك من بطن مر" أي بقرب مكة" فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر و هو لحي فولي أمر مكة و حجابة الكعبة، فحازت خزاعة بالحجابة و ولاية أمر مكة و فيهم بنوا إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة و السلام، فأقامت خزاعة على ما كانت عليه من ولاية البيت و الحكم بمكة ثلاثمائة سنة، و هي التي قاتلت بعض التبابعة الذين جاءوا لهدم البيت حتى أرجعوهم إلى حيث أتوا، ثم كان من أمر قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم) مع خزاعة من الحرب ما كان بسبب حيازته حجابة البيت و ولاية أمر مكة من طرف حليل دون خزاعة حتى تداخلت قبائل العرب بالصلح بينهم بأن تكون الحجابة و الولاية لقصي و ألا تخرج خزاعة عن مساكنها من مكة.

و جاء في تاريخ الأزرقي عن ابن جريج قال: الحطيم ما بين الركن و المقام و زمزم و الحجر، و كان إساف و نائلة رجل و امرأة دخلا الكعبة فقبلها فيها فمسخا حجرين فأخرجا من الكعبة فنصب أحدهما في مكان زمزم و الآخر في وجه الكعبة ليعتبرا بهما الناس و يزدجروا عن مثل ما ارتكبا، قال: فسمي هذا الموضع الحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان و يستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم، فقل من دعا هنالك على ظالم إلا هلك و قل من حلف هنالك، إلا عجلت له العقوبة فكان ذلك يحجز بين الناس عن الظلم و يتهيب الناس الأيمان، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء اللّه بالإسلام فأخرّ اللّه ذلك- لما أراد- إلى يوم القيامة.

حدثني جدي قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن نجيح عن أبيه أن ناسا كانوا في الجاهلية حلفوا عند البيت على قسامة و كانوا حلفوا على باطل ثم خرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نزلوا تحت صخرة فبينما هم قايلون إذ أقيلت الصخرة عليهم فخرجوا من تحتها يشتدون فانفلقت بخمسين فلقة فأدركت كل رجل منهما فلقة فقتلته و كانوا من بني عامر بن لؤي قال الزنجي: فكان ذلك الذي أقل عددهم فورث حويطب بن عبد العزى عامة رباعهم.

روى معمر عن قتادة أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال لقريش: إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم فاستخفوا بحقه و استحلوا حرمته فأهلكهم اللّه، ثم وليته بعدهم جرهم فاستخفوا بحقه و استحلوا بحرمته فأهلكهم اللّه، فلا تهاونوا

504

به و عظموا حرمته، و عن صفوان الوهطي قال: بلغني أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

سكن مكة حي من العرب كانوا يكرون الظلال و يبيعون الماء فأبدلها اللّه تعالى بهم قريشا فكانوا يظلون في الظلال و يسقون الماء.

قال الأزرقي: و كانت مكة لا يقر فيها ظالم و لا باغ و لا فاجر إلا نفي منها، و كان نزلها بعهد العماليق و جرهم جبابرة فكل من أراد البيت بسوء أهلكه اللّه فكانت تسمى بذلك الباسة" أي المهلكة" و ما حادثة الفيل بخافية على أحد. انتهى باختصار و تصرف من تاريخ الأزرقي (رحمه اللّه تعالى).

و هذا قريش لما أرادوا أن بينوا الكعبة بعد أن احترقت هابوا هدمها فقال لهم الوليد بن المغيرة: أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل نريد الإصلاح قال: فإن اللّه لا يهلك المصلحين، قالوا: من الذي يعلوها فيهدمها. قال الوليد بن المغيرة: أنا أعلوها فأهدمها، فارتقى الوليد على جدار البيت و معه الفأس فقال: اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح ثم هدم، فلما رأت قريش ما هدم منها و لم يأتهم ما يخافون من العذاب هدموا معه، و لم يبنوها إلا من المال الحلال و من أطيب كسبهم.

و من تعظيمهم للكعبة المشرفة كما ذكره الإمام الأزرقي أن الناس كانوا يبنون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة، فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير فقالت قريش: ربع حميد بيتا إما حياة و إما موتا. و ذكر أيضا: أن شيبة بن عثمان كان يشرف فلا يرى بيتا مشرفا على الكعبة إلا أمر بهدمه. و ذكر أيضا: أن عمر بن الخطاب لما قدم مكة رأى حول الكعبة بناء قد أشرف عليها فأمر بهدمه و قال لهم: ليس لكم أن تبنوا حولها ما يشرف عليها.

و ذكر أيضا: أن العباس بن محمد بن علي بن عبد اللّه ابن عباس لما بنى داره التي بمكة على الصيارفة حيال المسجد الحرام أمر القوم ألا يرفعوا بناءها فيشرفوا به على الكعبة إعظاما لها، و أن الدور التي كانت تشرف على الكعبة هدمت و خربت إلا دار العباس هذه فإنها على حالها إلى اليوم. و ذكر أيضا عن يوسف بن ماهك قال: كنت جالسا مع عبد اللّه بن عمرو بن العاص في ناحية المسجد الحرام إذ نظر إلى بيت مشرف على أبي قبيس فقال: أبيت ذلك قلت: نعم. فقال: إذا رأيت بيوتها" يعني بذلك مكة" قد علت أخشباها و فجرت بطونها أنهارا فقد أزف الأمر. انتهى كل ذلك من تاريخ الأزرقي.