التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
55

انظروه لئلا يصيبه ما أصاب الفيل. قال عبد اللّه بن عمرو بن العاص: و كان بمكة معتمرا قدم من الطائف لا تظن ذلك لو كان كافرا بها لعوقب دونها فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلي فيها فكان كما قال و حاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم سنة أربع و ستين فحاصروهم بقية المحرم و صفر و شهري ربيع يغدون على القتال و يروحون حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير أن ائذن لنا نطوف بالبيت و ننصرف عنكم فقد مات صاحبنا فقال ابن الزبير: هل تركتم من البيت إلا مدرة و كانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته مع الحريق الذي أصابه قال: فمنعهم أن يطوفوا بالبيت فارتحل الحصين حتى إذا كان بعسفان تفرقوا و تبعهم الناس يأخذونهم حتى كانت الراعية من غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا فيبعث بهم إلى المدينة و أصاب منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا فحبسوا بالمدينة حتى قدم مصعب بن الزبير عليهم من عند عبد اللّه بن الزبير فأخرجهم إلى الحرة فضرب أعناقهم و كانوا أربعمائة و أكثر قال: و انصرف ذلك الجيش إلى الشام مغلولا و بايع أهل المدينة لابن الزبير بالخلافة و كان ابن عباس بمكة يومئذ فخرج إلى الطائف فهلك بها سنة سبعين و هو يومئذ ابن أربعة و سبعين سنة رضي اللّه عنه. انتهى من كتاب الإمامة و السياسة.

حرب ابن الزبير و قتله‏

و جاء في «كتاب الإمامة و السياسة» أيضا ما يأتي:

قال: و ذكروا أنه لما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان من أهل العراق و أتاه الحجاج بن يوسف فقال: يا أمير المؤمنين إني رأيت في المنام كأني أسلخ عبد اللّه بن الزبير فقال له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه فخرج إليه الحجاج في ألف و خمسمائة رجل من رجال أهل الشام حتى نزل الطائف و جعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا حتى توافى الناس عنده قدر ما يظن أنه يقدر على قتال عبد اللّه بن الزبير و كان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين و سبعين فسار الحجاج من الطائف حتى نزل منى فحج بالناس و عبد اللّه بن الزبير محصور بمكة ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس و نواحي مكة كلها فرمى أهل مكة بالحجارة. فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها جمع عبد اللّه بن الزبير القرشيين فقال لهم: ما ترون؟

فقال رجل منهم من بني مخزوم: و اللّه لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا لئن‏

56

صبرنا معك ما نريد على أن نموت معك و إنما هي إحدى خصلتين إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا و لك و إما أن تأذن لنا فنخرج فقال عبد اللّه: قد كنت عاهدت اللّه أن لا يبايعني أحد فأقبله بيعته إلا ابن صفوان. قال ابن صفوان: و اللّه إنا لنقاتل معك و ما وفيت لنا بما قلت و لكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند مثل هذه حتى أموت معك فقال رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك. فقال له عبد اللّه:

و كيف؟ أأكتب إليه من عبد اللّه أبي بكر أمير المؤمنين فو اللّه لا يقبل هذا مني أبدا أم أكتب إليه لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد اللّه بن الزبير، فو اللّه لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك. قال عروة أخوه و هو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين قد جعل اللّه لك أسوة فقال له عبد اللّه: من هو أسوتي. قال:

الحسن بن علي بن أبي طالب، خلع نفسه و بايع معاوية فرفع عبد اللّه رجله و ضرب عروة حتى ألقاه ثم قال: يا عروة قلبي إذا مثل قلبك و اللّه لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا و قد أخذت الدنية و ما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط لا أقبل شيئا مما تقولون. قال: فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال:

اصنعي لي طعاما فصنعت له كبدا و سناما قال: فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة فلم يسغها فرماها و قال: اسقوني لبنا فأتى بلبن فشرب ثم قال: هيئوا لي غسلا قال:

فاغتسل ثم تحفظ و تطيب ثم تقلد سيفه و خرج و هو يقول:

و لا ألين لغير الحق أسأله‏* * * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

ثم دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق و هي عمياء من الكبر قد بلغت من السن مائة سنة فقال لها: يا أماه ما ترين قد خذلني الناس و خذلني أهل بيتي؟

فقالت: يا بني لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عش كريما و مت كريما. فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة و معه نفر يسير فجعل يقاتل بهم أهل الشام فيهزمهم و هو يقول: و يلمه فتحا لو كان له رجال. قال: فجعل الحجاج يناديه قد كان لك رجال و لكنك ضيعتهم. قال: فجاءه حجر من حجارة المنجنيق و هو يمشي فأصاب قفاه فسقط فما درى أهل الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكي و تقول:

وا أمير المؤمنين فاحتزوا رأسه فجاؤا به إلى الحجاج و قتل معه عبد اللّه بن صفوان بن أمية و عمارة بن عمرو بن حزم ثم بعث برؤوسهم إلى عبد الملك و قتل لسبع عشرة ليلة مضين من جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين. قال أبو معتز: ثم أقام الحجاج بالمدينة عاملا عليها و على مكة و الطائف ثلاث سنين يسير بسيرته فيما يقولون قال: فلما مات بشر بن مروان و كان على الكوفة و البصرة كتب إليه‏

57

عبد الملك أن سر إلى العراقيين و احتل لقتلهم فإنه قد بلغني عنهم ما أكره و استعمل عبد الملك على المدينة يحيى بن حكيم بن أبي العاص. انتهى من الكتاب المذكور.

جاء في كتاب الأدب الجديد بصحيفة 164 ما نصه:

بويع عبد اللّه بن الزبير بالخلافة بعد موت يزيد و أنشأ حزبا سياسيا له مكانته أرهب الأمويين و خضع له الحجاز و اليمن و مصر و العراق و كاد يتم له في الشام، و بقي عبد اللّه خليفة تسع سنين يولي الولاة، و يجبي الخراج، و كان أخوه مصعب سنده الأول، و آثر بقاء الحكومة في الحجاز مسايرة للخلفاء الراشدين و ظل كذلك حتى تولى الخلافة عبد الملك بن مروان فذهب بنفسه إلى العراق و قتل مصعب ابن الزبير، و سير الحجاج بن يوسف إلى الحجاز فحاصر عبد اللّه حتى قتل سنة 73 هجرية. انتهى من الكتاب المذكور.

الحرب بالمنجنيق‏

جاء في كتاب التراتيب الإدارية في الجزء الأول ما نصه: قال الخفاجي في نسيم الرياض: المنجنيق (بفتح الميم) آلة لرمي العدو بحجارة كبيرة بأن يشد سوار مرتفعة جدا من الخشب يوضع عليها ما يراد رميه ثم تضرب سارية توصله لمكان بعيد جدا و كانت هذه الآلة قديما قبل اختراع المدافع و البارود. اه و في السير أنه (صلى الله عليه و سلم) حاصر أهل الطائف و رماهم بالمنجنيق. قال ابن هشام: و حدثني من أثق به أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق أهل الطائف و بذلك جزم أيضا السيوطي في أوائله فقال: أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام في غزوة الطائف، و في الكامل لابن الأثير أشار به سلمان الفارسي، و في نور النبراس حديث نصب المنجنيق على أهل الطائف هو مرسل و هو في الترمذي كذلك و قال ضعيف و لكن هو في البيهقي من رواية أبي عبيد. و في الميزان في ترجمة عبد اللّه بن حراس أن له عن العوام عن إبراهيم التميمي عن أبيه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) نصب المنجنيق على أهل الطائف.

(أقول): صنع المنجنيق و حفر الخندق و إيجاد الدبابات من علم الآلات الحربية التي عرفها العرب و دونوا فيها. و قال ابن الأكفاني في إرشاد القاصد: علم الآلات الحربية علم يتبين منه كيفية إيجاد الآلات الحربية كالمجانيق و غيرها و منفعته شديدة الفناء في حماية المدن و دفع الأعداء و لموسى بن شاكر فيه كتاب مفيد. اه. و ذكر

58

الجاحظ في البيان و التبيين أن جذيمة الأبرش التنوخي آخر ملوك قضاعة بالحيرة هو أول من اتخذ المنجنيق و وضعه على الحصون. انتهى من الكتاب المذكور.

الحرب بالدبابات‏

جاء في كتاب التراتيب الإدارية في الجزء الأول ما نصه: الدبابة (بفتح الدال المهملة مخففة عن تاء التأنيث) آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون إلى الأسوار ينقبون. قال في القاموس: الدبابة تتخذ للحروب فيدفع في أصل الحصن فيشنون و هم في جوفها. اه. و هي بيت صغير تعمل للحصون يدخلها الرجال فينقبون من داخلها و يكون سقفها حرزا لهم من الرمي. اه. و في كتاب نفحة الحدائق و الخمائل في الابتداع و الاختراع للأوائل أول دبابة صنعت في الإسلام دبابة صنعت على الطائف حين حاصرها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

(و قلت) في طبقات ابن سعد لدى الكلام على وفد ثقيف و لم يحضر عروة ابن مسعود و لا غيلان بن سلمة حصار الطائف كانا بجرش يتعلمان صنعة العرادات و المنجنيق و الدبابات فقدما و قد انصرف رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن الطائف فنصبا المنجنيق و العرادات و الدبابات الخ. (قلت) الجرش كما في القاموس بلد بالأردن و كزمر مخلاف باليمن منه الأديم و العرادات. قال فيه أيضا: شي‏ء أصغر من المنجنيق و في كتاب أقضية رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لابن الطلاع في السير أول من رمى بالمنجنيق رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أهل الطائف دخل نفر من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تحت دبابة ثم رجعوا بها إلى جدار الطائف ليحرقوه. انتهى من الكتاب المذكور.

بناء ابن الزبير الكعبة

قيل: كان سبب بناء عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، هو أن رجلا في أيام الحصار بمكة أوقد نارا في بعض الخيام المضروبة في المسجد الحرام، فطارت شرارة في الخيمة فمشى الحريق حتى أخذ في كسوة الكعبة المشرفة، فاحترقت و احترق الركن الأسود أيضا و ذلك سنة (64) أربع و ستين هجرية.

و قيل: إن الحصين بن نمير لما حاصر ابن الزبير في مكة بعد وقعة الحرة بالمدينة الكائنة في آخر سنة (63) ثلاث و ستين هجرية بأمر يزيد بن معاوية، رموا البيت‏

59

الحرام بالمنجنيق و رموا مع الأحجار بالنار و النفط و مشاقات الكتان و غير ذلك من المحروقات، فاحترقت ثياب الكعبة و أخشاب البيت، و أخذوا يرتجزون و يقولون:

خطارة مثل الفنيق المزبد* * * ترمى بها أعواد هذا المسجد

و الخطارة بتشديد الطاء المنجنيق.

و قيل في الحصين بن نمير:

ابن المنير بئس ما تولى‏* * * قد أحرق المقام و المصلى‏

و لنذكر ما جاء عن بناء ابن الزبير في صحيح مسلم، فقد جاء في كتاب الحج في باب نقض الكعبة و بنائها ما نصه: حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني ابن أبي سليمان عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرئهم أو يحربهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا عليّ في الكعبة أنقضها ثم أبني بنائها أو أصلح ما و هي منها، قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما و هي منها و تدع بيتا أسلم الناس عليه و أحجارا أسلم الناس عليها و بعث عليها النبي (صلى الله عليه و سلم).

فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده فكيف بيت ربكم، إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعد رجل فألقى منه حجارة فلما لم يره الناس أصابه شي‏ء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، و قال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي (صلى الله عليه و سلم)، قال: «لو لا أن الناس حديث عهدهم بكفر و ليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع و لجعلت لها بابا يدخل الناس منه و بابا يخرجون منه» قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق و لست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى أبدى أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء، و كان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع، و جعل له بابين أحدهما يدخل منه و الآخر يخرج منه، فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان أن يخبره بذلك، و يخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من‏

60

تلطيخ ابن الزبير في شي‏ء، أما ما زاد في طوله فأقره، و أما ما زاد من الحجر فرده إلى بنائه، و سد الباب الذي فتحه. فنقضه و أعاده إلى بنائه.

حدثني محمد بن حاتم حدثنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عبد اللّه بن عبيد بن عمير و الوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة قال عبد اللّه بن عبيد: وفد الحارث بن عبد اللّه على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب «يعني ابن الزبير» سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «إن قومك استقصروا من بنيان البيت، و لو لا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن بينوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة أذرع» هذا حديث عبد اللّه ابن عبيد و زاد عليه الوليد بن عطاء، قال النبي (صلى الله عليه و سلم): و لجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيا و غربيا، و هل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟

قالت: قلت: لا، قال: تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها، يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط، قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم قال: وددت أني تركته و ما تحمل. انتهى من صحيح مسلم.

نقول: فمن تأمل هذا الحديث المذكور ظهر منه معجزة لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بوضوح لا خفاء فيه، فقوله لعائشة رضي اللّه تعالى عنها: «فإن بدا لقومك من بعدي أن بينوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة أذرع» دليل على أن اللّه تعالى قد أطلعه بأن بيته الحرام سيبنى بعده، و أن الذي بينيه هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام و هو ابن أسماء أخت عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، فلقد بناه ابن الزبير سنة (64) أربع و ستين هجرية، أي بعد وفاة خالته عائشة رضي اللّه تعالى عنها بست سنين، لأنها ماتت في رمضان سنة (58) ثمان و خمسين هجرية.

فمن معجزاته (صلى الله عليه و سلم) أنه أخبر زوجته عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها بأن البيت الحرام سيبنى بعد موته، و أراها ما تركته قريش من عرض الكعبة من جهة حجر إسماعيل و مقداره أكثر من ستة أذرع، و أخبرها بأنه لو بنى البيت بنفسه لجعل له بابين موضوعين في الأرض بابا شرقيا و بابا غربيا.

61

لقد أخبر (صلى الله عليه و سلم) عائشة رضي اللّه عنها بكل ذلك، لتخبر هي قومها بعد موته برغبته عن كيفية بناء البيت الحرام، و بالفعل فقد أخبرت رضي اللّه عنها بذلك بعضهم و لحكمة يريدها اللّه تعالى سمع منها هذا الوصف ابن أختها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عن الجميع، فلما ولي أمر مكة و احترق البيت الشريف أيام حصاره بها، قام ببنائه على الصفة التي سمعها من خالته أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها، فما أعظمها من معجزة باهرة وقعت بعد موته (صلى الله عليه و سلم) بثلاث و خمسين سنة، و عبد اللّه بن الزبير هو أول مولود في الاسلام بالمدينة بعد الهجرة فكبّر الصحابة حين ولد، و حنكه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بتمرة مضغها ثم تفل في فيه فكان أول شي‏ء دخل في جوفه ريق النبي (صلى الله عليه و سلم).

أما قوله عليه الصلاة و السلام لعائشة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها «إن قومك استقصروا من بنيان البيت» فقد عرف ذلك بالمشاهدة، فإنه (صلى الله عليه و سلم) حينما بنت قريش الكعبة كان بيني معهم، و ذلك قبل البعثة بخمس سنين.

و إليك تفصيل بناء ابن الزبير للكعبة المشرفة:

(التاسع) ممن بنى الكعبة المشرفة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما و سببه كما جاء في تاريخ الأزرقي: أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد اللّه بن جعفر الزهري قال: سألت أبا عون متى كان احتراق الكعبة؟ قال: يوم السبت لليالي خلون في شهر ربيع الأول قبل أن يأتينا نعي يزيد بن معاوية بتسعة و عشرين يوما، و جاء نعيه في هلال شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء سنة أربع و ستين، قلت:

و ما كان سبب احتراقها؟ قال: جاءنا موت يزيد، توفي لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع و ستين، و كانت خلافته ثلاث سنين و تسعة أشهر، و الحصين بن نمير يومئذ عندنا، و كان احتراقها بعد الصاعقة التي أصابت أهل الشام بعشرين ليلة، قال أبو عون: ما كان احتراقها إلا منا، و ذلك أن رجلا منا و هو مسلم ابن أبي خليفة المذحجي كان هو و أصحابه يوقدون في خصاص لهم حول البيت فأخذ نارا في زج رمحه في النفط، و كان يوم ريح فطارت منها شرارة فاحترقت الكعبة حتى صارت إلى الخشب، فقلنا لهم: هذا عملكم رميتم بيت اللّه عز و جل بالنفط و النار، فأنكروا ذلك.

62

حدثني محمد بن يحيى قال: قال الواقدي: حدثني رباح بن مسلم عن أبيه قال: كانوا يوقدون في الخصاص، فأقبلت شرارة هبت بها الريح، فاحترقت ثياب الكعبة و احترق الخشب.

حدثني محمد بن يحيى قال: قال الواقدي: حدثني عبد اللّه بن يزيد عن عروة ابن أذينة قال: قدمت مكة مع أبي، يوم احترقت الكعبة، فرأيت الخشب قد خلصت إليه النار، و رأيتها مجردة من الحريق و رأيت الركن قد اسود فقلت: ما أصاب الكعبة؟ فأشاروا إلى رجل من أصحاب الزبير فقالوا: هذا احترقت الكعبة في سببه، أخذ نارا في رأس رمح له فطارت به الريح فضربت أستار الكعبة فيما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود.

حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي عن سعيد بن عبد العزيز عن رجل من قومه قال: نصبنا المنجنيق على أبي قبيس و اعتنقته الرجال، و قد ألجأنا القوم إلى المسجد فبنوا خصاصا حول البيت في المسجد و رفافا من خشب تكنهم من حجارة المنجنيق، فكنت أراهم إذا أمطرنا عليهم الحجارة يكنون تحت تلك الرفاف، قال:

فوهن الرمي بحجارة المنجنيق فهي تنقض.

حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي عن رباح بن مسلم عن أبيه قال: رأيت الحجارة تصك وجه الكعبة من أبي قبيس حتى تخرقها، فلقد رأيتها كأنها جيوب النساء، و ترتج من أعلاها إلى أسفلها، و لقد رأيت الحجر يمر فيهوي الآخر على إثره فيسلك طريقه حتى بعث اللّه عليهم صاعقة بعد العصر فاحترق المنجنيق و احترق تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام، فجعلنا نقول: قد أظلهم العذاب، فكنا أياما في راحة حتى عملوا منجنيقا آخر فنصبوه على أبي قبيس.

حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي عصيدة قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم الليثي عن مولى لابن المرتفع عن ابن المرتفع قال: كنا مع ابن الزبير في الحجر فأول حجر من المنجنيق وقع في الكعبة فسمعنا لها أنينا كأنين المريض آه آه.

حدثني جدي حدثنا سعيد بن سالم عن عثمان بن ساج قال: أخبرتني عجوز من أهل مكة كانت مع عبد اللّه ابن الزبير بمكة فقلت لها: أخبريني عن احتراق الكعبة كيف كان؟ قالت: كان المسجد فيه خيام كثيرة فطارت النار من خيمة منها فاحترقت الخيام و التهب المسجد حتى تعلقت النار بالبيت فاحترق، قال عثمان: و بلغني أنه لما قام جيش الحصين بن نمير أحرق بعض أهل الشام على باب‏

63

بني جمح و المسجد يومئذ خيام و فساطيط، فمشى الحريق حتى أخذ البيت، فظن الفريقان كلاهما أنهم هالكون فضعف بناء الكعبة حتى أن الطير ليقع عليه فتتناثر حجارته. انتهى من الأزرقي.

بكاء عبد اللّه بن عمرو بن العاص على احتراق الكعبة

قال الأزرقي في تاريخه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي أحمد بن محمد و إبراهيم بن محمد الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن خيثم عن عبيد اللّه بن سعد أنه دخل مع عبد اللّه بن عمرو بن العاص المسجد الحرام و الكعبة محرقة، حين أدبر جيش الحصين بن نمير، و الكعبة تتناثر حجارتها فوقف و معه ناس غير قليل فبكى حتى إني لأنظر إلى دموعه تحدر كحلا في عينيه من إثمد كأنه رؤوس الذباب على و جنتيه فقال: يا أيها الناس و اللّه لو أن أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلوا ابن نبيكم بعد نبيكم و محرقو بيت ربكم لقلتم ما من أحد أكذب من أبي هريرة، أنحن نقتل نبينا و نحرق بيت ربنا؟ فقد و اللّه فعلتم لقد قتلتم ابن نبيكم و حرقتم بيت اللّه فانتظروا النقمة فو الذي نفس عبد اللّه بن عمرو بيده ليلبسنكم اللّه شيعا و ليذيقن بعضكم بأس بعض يقولها ثلاثا، ثم رفع صوته في المسجد فما في المسجد من أحد إلا و هو يفهم ما يقول، فإن لم يكن يفهم فإنه يسمع رجع صوته فقال: أين الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر؟ فو الذي نفس عبد اللّه بن عمرو بيده لو قد ألبسكم اللّه شيعا و أذاق بعضكم بأس بعض، لبطن الأرض خير لمن عليها ألم يأمر بالمعروف و لم ينه عن المنكر.

و قال الأزرقي في تاريخه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي أحمد بن محمد عن سعيد بن سالم عن ابن جريج قال: سمعت غير واحد من أهل العلم ممن حضر ابن الزبير حين هدم الكعبة و بناها، قالوا: لما أبطأ عبد اللّه ابن الزبير عن بيعة يزيد بن معاوية و تخلف خشي منهم، لحق بمكة ليمتنع بالحرم و جمع مواليه و جعل يظهر عيب يزيد بن معاوية و يشتمه و يذكر شربه الخمر و غير ذلك و ينشط الناس عنه، و يجتمع الناس إليه فيقوم فيهم بين الأيام فيذكر مساوئ بني أمية فيطنب في ذلك فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فأقسم أن لا يؤتى به إلا مغولا فأرسل إليه رجلا من أهل الشام في خيل من خيل الشام، فعظم على ابن الزبير الفتنة و قال: لأن يستحل الحرم بسببك، فإنه غير تاركك و لا تقوى عليه، و قد لج في أمرك و أقسم أن لا

64

يؤتى به إلا مغلولا، و قد عملت لك غلا من فضة، و تلبس فوقه الثياب، و تبر قسم أمير المؤمنين، فالصلح خير عاقبة و أجمل بك و به، فقال: دعوني أياما حتى أنظر في أمري. فشاور أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، فأبت عليه أن يذهب مغلولا و قالت: يا بني عش كريما و مت كريما، و لا تمكن بني أمية من نفسك فتلعب بك، فالموت أحسن من هذا، فأبى عليه أن يذهب إليه في غل، و امتنع في مواليه و من تألف إليه من أهل مكة و غيرهم، و كان يقال لهم: الزبيرية.

فبينما يزيد على بعثة الجيوش إليه، إذ أتى يزيد خبر أهل المدينة و ما فعلوا بعامله و من كان معه بالمدينة من بني أمية و إخراجهم إياهم منها إلا من كان من ولد عثمان بن عفان، فجهز إليهم مسلم بن عقبة المري، في أهل الشام، و أمره بقتال أهل المدينة، فإذا أفرغ من ذلك سار إلى ابن الزبير بمكة، و كان مسلم مريضا، في بطنه الماء الأصفر فقال له يزيد: إن حدث بك الموت، فول الحصين بن نمير الكندي على جيشك، فسار حتى قدم المدينة فقاتلوه أهل المدينة فظفر بهم و دخلها، و قتل من قتل منهم، و أشرف في القتل، فسمي بذلك مسرفا، و أنهب المدينة ثلاثا، ثم سار إلى مكة، فلما كان ببعض الطريق حضرته الوفاة، فدعا الحصين بن نمير فقال له: يا برذعة الحمار، لو لا أني أكره أن أتزود عند الموت معصية أمير المؤمنين ما وليتك، أنظر إذا أقدمت مكة فاحذر أن تمكن قريشا من أذنك فتبول فيها، لا تكن إلا الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف، فتوفي مسلم المسرف، و مضى الحصين بن نمير إلى مكة، فقاتل ابن الزبير بها أياما، و جمع ابن الزبير أصحابه فتحصن بهم في المسجد الحرام و حول الكعبة، و ضرب أصحاب ابن الزبير في المسجد خياما و رفافا يكتنون فيها من حجارة المنجنيق و يستظلون فيها من الشمس، و كان الحصين بن نمير قد نصب المنجنيق على أبي قبيس و على الأحمر- و هما أخشبا مكة- فكان يرميهم بها فتصيب الحجارة الكعبة، حتى تخرقت كسوتها عليها، فصارت كأنها جيوب النساء، فوهن الرمي بالمنجنيق الكعبة، فذهب رجل من أصحاب ابن الزبير يوقد نارا في بعض تلك الخيام، مما يلي الصفا بين الركن الأسود و الركن اليماني، و المسجد يومئذ ضيق صغير، فطارت شرارة في الخيمة فاحترقت، و كانت في ذلك اليوم رياح شديدة، و الكعبة يومئذ مبنية بناء قريش مدماك من ساج، و مدماك من حجارة من أسفلها إلى أعلاها، و عليها الكسوة، فطارت الرياح بلهب تلك النار فاحترقت كسوة الكعبة و احترق الساج الذي بين البناء، و كان احتراقها يوم السبت لثلاث ليال خلون من‏

65

شهر ربيع الأول قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بسبعة و عشرين يوما، و جاء نعيه في هلال شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء سنة أربع و ستين، و كان توفي لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع و ستين، و كانت خلافته ثلاث سنين و سبعة أشهر. فلما احترقت الكعبة و احترق الركن الأسود فتصدع، كان ابن الزبير بعد ربطه بالفضة، فضعفت جدارات الكعبة، حتى أنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، و تقع الحمام عليها، فتتناثر حجارتها و هي مجردة متوهنة من كل جانب، ففزع لذلك أهل مكة و أهل الشام جميعا، و الحصين بن نمير مقيم محاصر ابن الزبير، فأرسل ابن الزبير رجالا من أهل مكة من قريش و غيرهم، فيهم عبد اللّه بن خالد بن أسيد، و رجال من بني أمية، إلى الحصين، فكلموه و عظموا عليه ما أصاب الكعبة و قالوا: إن ذلك كان منكم رميتموها بالنفط. فأنكروا ذلك و قالوا: قد توفي أمير المؤمنين فعلى ما ذا تقاتل؟ ارجع إلى الشام حتى تنظر ماذا يجتمع عليه رأي صاحبك- يعنون معاوية بن يزيد- و هل يجمع الناس عليه؟ فلم يزالوا حتى لان لهم، و قال له عبد اللّه بن خالد بن أسيد: أراك تتهمني في يزيد، و لم يزالوا به حتى رجع إلى الشام.

فلما أدبر جيش الحصين بن نمير، و كان خروجه من مكة لخمس ليال خلون من ربيع الآخر سنة أربع و ستين، دعا ابن الزبير وجوه الناس و أشرافهم و شاورهم في هدم الكعبة، فأشار عليه ناس غير كثير بهدمها، و أبى أكثر الناس هدمها، و كان أشدهم عليه إباء عبد اللّه بن عباس، و قال له: دعها على ما أقرها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم فيتهاون الناس في حرمتها، و لكن ارقعها، فقال ابن الزبير: و اللّه ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه و أمه، فكيف أرقع بيت اللّه سبحانه، و أنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله، حتى إن الحمام ليقع عليه فتتناثر حجارته، و كان ممن أشار عليه بهدمها جابر بن عبد اللّه- و كان جاء معتمرا- و عبيد بن عمير و عبد اللّه بن صفوان بن أمية، فأقام أياما يشاور و ينظر ثم أجمع على هدمها، و كان يحب أن يكون هو الذي يردها على ما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على قواعد إبراهيم، و على ما وصفه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لعائشة رضي اللّه عنها، فأراد أن بينيها بالورس و يرسل إلى اليمن في ورس يشتري له، فقيل له: إن الورس يرفت و يذهب، و لكن ابنها بالقصة، فسأل عن القصة، فأخبر أن قصة صنعاء هي أجود القصة، فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار يشتري له بها قصة و يكترى عليها، و أمر بتنجيح ذلك، ثم سأل‏

66

رجالا من أهل العلم من أهل مكة، من أين أخذت قريش حجارتها؟ فأخبروه بمقلعها، فنقل له من الحجارة قدر ما يحتاج إليه. فلما اجتمعت الحجارة و أراد هدمها خرج أهل مكة منها إلى منى، فأقاموا بها ثلاثا فرقا من أن ينزل عليهم عذاب لهدمها، فأمر ابن الزبير بهدمها، فما اجترأ أحد على ذلك. فلما رأى ذلك، علاها هو بنفسه فأخذ المعول و جعل يهدمها و يرمي بحجارتها، فلما رأوا أنه لم يصبه شي‏ء، اجترأوا فصعدوا يهدموها. و أرقى ابن الزبير فوقها عبيدا من الحبش يهدمونها، رجاء أن يكون فيهم صفة الحبشي الذي قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، قال: و قال مجاهد: سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص يقول: كأني به أصيلع، أفيدع قائم عليها يهدمها بمسحاته، قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة، جئت أنظر، هل أرى الصفة التي قال عبد اللّه بن عمرو؟ فلم أرها فهدموها و أعانهم الناس، فما ترجلت الشمس حتى ألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعا، و كان هدمها يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة أربع و ستين، و لم يقرب ابن عباس مكة حين هدمت الكعبة حتى فرغ منها، و أرسل إلى ابن الزبير لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب، و اجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها و يصلون إليها، ففعل ذلك ابن الزبير، و قال ابن الزبير: أشهد لسمعت عائشة رضي اللّه عنها تقول:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن قومك استقصروا في بناء البيت، و عجزت بهم النفقة، فتركوا في الحجر منها أذرعا، و لو لا حداثة قومك بالكفر، لهدمت الكعبة و أعدت ما تركوا منها، و لجعلت لها بابين موضوعين بالأرض، بابا شرقيا يدخل منه الناس، و بابا غربيا يخرج منه الناس، و هل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟

قالت: قلت: لا، قال: تعززا أن لا يدخلها إلى من أرادوا فكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها، يدعونه أن يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل، دفعوه فسقط، فإن بدأ لقومك هدمها، فهلمي لأريك ما تركوا من الحجر منها، فأراها قريبا من سبعة أذرع.

فلما هدم ابن الزبير الكعبة و سواها بالأرض، كشف عن أساس إبراهيم فوجدوه داخلا في الحجر نحوا من ستة أذرع و شبر، كأنها أعناق الإبل أخذ بعضها بعضا، كتشبيك الأصابع بعضها ببعض، يحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم و أشهدهم على ذلك الأساس، قال: فأدخل رجل من القوم كان أيدا، يقال له:

67

عبد اللّه بن مطيع العدوي، عتلة كانت في يده في الركن من أركان البيت، فتزعزعت الأركان جميعا، و يقال إن مكة كلها رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس، و خاف الناس خوفا شديدا حتى ندم كل من كان أشار على ابن الزبير بهدمها، و أعظموا ذلك إعظاما شديدا و أسقط في أيديهم، فقال لهم ابن الزبير:

اشهدوا، ثم وضع البناء على ذلك الأساس، و وضع حدات الباب، باب الكعبة على مدماك على الشاذروان اللاصق بالأرض، و جعل الباب الآخر بإزائه في ظهر الكعبة مقابله، و جعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذي في الشاذروان الذي في ظهر الكعبة قريبا من الركن اليماني، و كان البناء يبنون من وراء الستر، و الناس يطوفون من خارج.

فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن، و كان ابن الزبير حين هدم البيت، جعل الركن في ديباجة و أدخله في تابوت و أقفل عليه و وضعه عنده في دار الندوة، و عمد إلى ما كان في الكعبة من حلية فوضعها في خزانة الكعبة، في دار شيبة بن عثمان، فلما بلغ البناء موضع الركن أمره ابن الزبير بموضعه، فنقر في حجرين: حجر من المدماك الذي تحته و حجر من المدماك الذي فوقه، بقدر الركن و طوق بينهما، فلما فرغوا منه، أمر ابن الزبير ابنه عباد بن عبد اللّه ابن الزبير و جبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلوا الركن في ثوب، و قال لهم ابن الزبير: إذا دخلت في الصلاة، صلاة الظهر، فاحملوه و اجعلوه في موضعه، فأنا أطول الصلاة، فإذا فرغتم فكبروا حتى أخفف صلاتي، و كان ذلك في يوم شديد الحر، فلما أقيمت الصلاة كبر ابن الزبير و صلى بهم ركعة، خرج عباد بالركن من دار الندوة و هو يحمله و معه جبير بن شيبة بن عثمان، و دار الندوة يومئذ قريبة من الكعبة، فخرقا به الصفوف حتى أدخلاه في الستر الذي دون البناء، فكان الذي وضعه في موضعه هذا عباد بن عبد اللّه ابن الزبير، و أعانه عليه جبير بن شيبة، فلما أقروه في موضعه و طوبق عليه الحجران كبروا فخفف ابن الزبير صلاته، و تسامع الناس بذلك، و غضبت فيه رجال قريش، حين لم يحضرهم ابن الزبير، و قالوا: و اللّه لقد رفع في الجاهلية حين بنته قريش، فحكموا فيه أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فطلع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فجعله في ردائه، و دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من كل قبيلة من قريش رجلا فأخذوا بأركان الثوب ثم وضعه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في موضعه و كان الركن قد تصدع من الحريق بثلاث فرق، فانشظت منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل، فشده ابن الزبير بالفضة، إلا تلك الشظية من أعلاه-

68

موضعها بيّن في أعلى الركن- و طول الركن ذراعان، قد أخذ عرض جدار الكعبة، و مؤخر الركن في داخله الجدر، مضرس على ثلاثة رؤوس، قال ابن جريج: فسمعت من يصف لون مؤخره الذي في الجدر، قال بعضهم: هو مورد، و قال بعضهم: هو أبيض.

قالوا: و كانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا في السماء، فلما أن بلغ ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا، قصرت بحال الزيادة التي زاد من الحجر فيها، و استسمج ذلك إذ صارت عريضة لا طول لها. فقال: قد كانت قبل قريش تسعة أذرع، حتى زادت قريش فيها تسعة أذرع طولا في السماء، فأنا أزيد تسعة أذرع أخرى، فبناها سبعة و عشرين ذراعا في السماء، و هي سبعة و عشرون مدماكا، و عرض جدارها ذراعان، و جعل فيها ثلاث دعائم، و كانت قريش في الجاهلية، جعلت فيها ست دعائم، و أرسل ابن الزبير إلى صنعاء فأتى من رخام بها يقال له البلق، فجعله في الروازن التي في سقفها للضوء، و كان باب الكعبة قبل بناء ابن الزبير مصراعا واحدا، فجعل له ابن الزبير مصراعين طولهما أحد عشر ذراعا من الأرض إلى منتهى أعلاهما اليوم، و جعل الباب الآخر الذي في ظهرها بإزائه على الشاذروان الذي على الأساس مثله، و جعل ميزابها يسكب في الحجر، و جعل لها درجة في بطنها في الركن الشامي من خشب معرجة يصعد فيها إلى ظهرها، فلما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة، خلقها من داخلها و خارجها من أعلاها إلى أسفلها، و كساها القباطي، و قال: من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم، فمن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، و من لم يقدر على بدنة فليذبح شاة، و من لم يقدر فليتصدق بقدر طوله، و خرج ماشيا و خرج الناس معه مشاة حتى اعتمروا من التنعيم، شكرا للّه سبحانه، و لم ير يوما كان أكثر عتيقا و لا أكثر بدنة منحورة و شاة مذبوحة و لا صدقة من ذلك اليوم، و نحر ابن الزبير مائة بدنة، فلما طاف بالكعبة استلم الأركان الأربعة جميعا، و قال: إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامي و الغربي، لأن البيت لم يكن تاما، فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير إذا طاف به الطائف استلم الأركان جميعا و يدخل البيت من هذا الباب و يخرج من الباب الغربي، و أبوابه لاصقة بالأرض حتى قتل ابن الزبير (رحمه اللّه).

69

ثم قال الأزرقي: قال ابن جريج: و كان باب الكعبة الذي عمله ابن الزبير طوله في السماء أحد عشر ذراعا، فلما كان الحجاج نقض من الباب أربعة أذرع و شبرا، و عمل لها هذين البابين و طولهما ستة أذرع و شبرا.

قال الأزرقي: حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي عن موسى بن يعقوب عن عمه عن الحارث بن عبد اللّه بن وهب بن زمعة قال: ارتحل الحصين بن نمير من مكة لخمس ليالي خلون من شهر ربيع الآخر سنة أربع و ستين، و أمر ابن الزبير بالخصاص التي كانت حول الكعبة فهدمت، و بالمسجد فكنس مما فيه من الحجارة و الدماء، فإذا الكعبة متوهنة ترتج من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق، و إذا الركن قد اسود و احترق و تفلق من الحريق، فرأيته ثلاث فرق، فشاور ابن الزبير الناس في هدمها، فأشار عليه جابر بن عبد اللّه و عبيد بن عمير بهدمها، و أبى ذلك عليه ابن عباس، و قال: أنا أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم و تبنى، فيتهاون الناس بحرمتها فلا أحب ذلك، أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: رأيت الحجر قد انفلق و اسود من الحريق، فأنظر إلى جوفه أبيض كأنه الفضة، و قد كان شاور المسور بن مخرمة بن نوفل قبل أن يموت بهدمها و بنائها، فأشار عليه ذلك.

حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد اللّه بن محمد عن أبيه عن جده أنه سمع عبد اللّه بن عمر يسأل نايل بن قيس الجذامي عن الأساس، فقال نايل: اتبعنا الأساس في الحجر، فوجدنا أساس البيت و أصلا بالحجر كأنه أصابعي هذه، و شبك بين أصابعه فسمعت ابن عمر يكبر و يحمد اللّه عز و جل على ذلك.

أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن محمد بن عمرو عن أبي الزبير قال:

سمعت عبد الرحمن بن سابط يقول: دعانا ابن الزبير خمسين رجلا من قريش فنظرنا إلى الأساس فإذا هو واصل بالحجر، مشبك كأصابع يدي هاتين، و شبك بين أصابعه، فقال ابن الزبير: اشهدوا ثم بنى. قال عبد الرحمن بن سابط: فجلست مع ابن عباس فأخبرته فقال ابن عباس: ما زلنا نعلم أن من البيت في الحجر.

حدثنا محمد بن يحيى عن الواقدي عن إبراهيم بن موسى عن عكرمة بن خالد المخزومي قال: هدم ابن الزبير البيت حتى سواه بالأرض و حفر أساسه و أدخل الحجر فيه، و كان الناس يطوفون من وراء الستر و يصلون إلى موضعه، و جعل‏

70

الركن في تابوت، في رقة من حرير. فأما ما كان من حلي البيت و ما وجد فيه من ثياب أو طيب فإنه جعله عند الحجبة في خزانة الكعبة حتى أعاد بناءها، قال عكرمة: فرأيت الحجر الأسود فإذا هو ذراع أو يزيد، و أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: لما هدم عبد اللّه بن الزبير البيت ندم كل من كان أشار عليه و أعظموا ذلك.

حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي عن سليمان بن داود بن الحصين عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أنه أبى على ابن الزبير هدمها، و قال: أخاف أن يأتي بعدك من يهدمها، ثم يأتي بعد ذلك آخر، فإذا هي تهدم أبدا و تبنى. فسكت عبد اللّه بن الزبير و لم يقرب ابن عباس مكة حتى فرغ منها.

و أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن إبراهيم بن موسى عن عكرمة بن خالد قال: لما بنى ابن الزبير الكعبة انتهى به إلى الأساس الأول و أدخل الحجر فيها. فلما انتهى إلى موضع الركن الأسود جاء به ابن الزبير و ولده حتى رفعوه و وضعوه بأيديهم في ساعة خالية تحروا بها غفلة الناس نصف النهار في يوم صائف.

و أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن عبد العزيز بن المطلب عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي فروة عن أبي جعفر قال: ابن الزبير وضعه و ولده نصف النهار في حر شديد، فرأيت قريشا غضبوا في ذلك. و أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن ابن جريج عن خلاد بن عطاء عن أبيه و كان يعمل في البيت محتسبا قال: و كان الركن في تابوت مقفل عليه فلما كان وقت وضعه و قد نقر له حجران طوبق بينهما، ثم أدخل فيه، فلما فرغ من ذلك خرج ابن الزبير في يوم صائف نصف النهار فأشار إلى جبير بن شيبة الحجبي فأدخلاه في موضعه و بنى عليه، قال عطاء أبو خلاد: و أنا حاضر ذلك.

و أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن ابن جريج عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن مسافع الحجبي قال: لما بنى ابن الزبير البيت حتى بلغ موضع الركن تواعد الحجبة، قال مسافع: و أنا فيهم، فلما دخل ابن الزبير في الصلاة حسبت الظهر، خرج الحجبة بالركن من الصفوف و أنا فيهم، فرفعناه، فجاء حمزة بن عبد اللّه ابن الزبير و أخذ بطرف الثوب فرفع معنا، و أخبرني مسافع أن الركن أخذ عرض الضفير، ضفير البيت.

71

حدثني محمد بن يحيى عن الواقدي عن ابن جريج و عبد اللّه بن عمر بن حفص عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه قالت: كان الحجر الأسود قبل الحريق مثل لون المقام فلما احترق اسود، قال: فلما احترقت الكعبة تصدع بثلاث فرق فشده ابن الزبير بالفضة.

و أخبرني محمد بن يحيى عن الواقدي عن علي بن زيد عن أبيه عن جده قال:

رأيت ابن الزبير هدمها كلها فلما بنى و فرغ، خلق جوفها بالعنبر و المسك و لطخ جدرها من خارج بالمسك و سترها بالديباج، و أدخل الحجر فيها ورد الركن الأسود في موضعه، و كان قد انكسر بثلاث فرق من الحريق الذي أصاب الكعبة، و كان الركن عند ابن الزبير في بيته في صندوق عليه قفل، فلما بلغ البناء موضع الركن، جاء ابن الزبير حتى وضعه هو بنفسه و شده بالفضة فهو مشدود بالفضة و اعتمر من خيمة جمانة ماشيا، فرأى الناس أن قد أحسن ابن الزبير، و لبى حتى نظر إلى البيت. انتهى من تاريخ الأزرقي. و المراد بخيمة جمانة موضع التنعيم.

سبب بناء ابن الزبير الكعبة على قواعد إبراهيم‏

و السبب الذي دعا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما أن بيني الكعبة على أساس بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام هو الحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه عنها الذي يتضمن أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان يتمنى أن يبني الكعبة على قواعد إبراهيم كما سيأتي بيانه و هو:

جاء في تاريخ الأزرقي ما نصه: و حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير عن الوليد عن عطاء بن حباب أن الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة وفد على الملك بن مروان في خلافته فقال له عبد الملك بن مروان: ما أظن أبا خبيب، يعني ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها، قال الحارث: أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «إن قومك استقصروا في بناء البيت، و لو لا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع» و زاد الوليد في الحديث، و جعلت لها بابين موضوعين بالأرض بابا شرقيا و بابا غربيا، و هل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: قلت: لا، قال: تعززا لئلا يدخلها أحد إلا

72

من أرادوا، فكانوا إذا كرهوا أن يدخلها الرجل يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل يدفعونه فيسقط، قال عبد الملك: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال:

فنكت بعصاه ساعة ثم قال: إني وددت أني تركته و ما تحمل. اه.

ثم قال الأزرقي: حدثني جدي قال حدثني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللّه بن عمر أن عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر الصديق أخبر عبد اللّه بن عمر عن عائشة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: ألم تري أن قومك حين بنوا البيت استقصروا عن قواعد إبراهيم؟ قالت: فقلت: يا رسول اللّه ألا تردها على قواعده؟ قال: لو لا حدثان قومك بالكفر لفعلت. قال عبد اللّه بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما أراه ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم. انتهى من تاريخ الأزرقي.

ما جاء في صحيح مسلم عن بناء ابن الزبير و الحجاج الكعبة

و لقد ورد بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما في صحيح مسلم في كتاب الحج، و هذا نص ما جاء فيه:

و حدثني محمد بن حاتم حدثني ابن مهدي حدثنا سليم بن حيان عن سعيد، يعني ابن ميناء قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير يقول: حدثتني خالتي (يعني عائشة) قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا عائشة لو لا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض و جعلت لها بابين بابا شرقيا و بابا غربيا و زدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة.

حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني ابن أبي سليمان عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرئهم أو يجزبهم على أهل الشام فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما و هي منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها أرى أن تصلح ما و هي منها و تدع بيتا أسلم الناس عليه و أحجارا أسلم الناس عليها و بعث عليها النبي (صلى الله عليه و سلم)، فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده فكيف بيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري، فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس‏

73

يصعد فيه أمر من السماء حتى صعده رجل فألقى منه حجارة فلما لم يره الناس أصابه شي‏ء، تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، و قال ابن الزبير: إني سمعت عائشة تقول: إن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: لو لا أن الناس حديث عهدهم بكفر و ليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع و لجعلت لها بابا يدخل الناس منه و بابا يخرجون منه، قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق و لست أخاف الناس، قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى أبدى أسا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، و كان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشر أذرع و جعل له بابين أحدهما يدخل منه و الآخر يخرج منه، فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك و يخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك أنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شي‏ء أما ما زاد في طوله فأقره و أما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه و سد الباب الذي فتحه فنقضه و أعاده إلى بنائه.

حدثني محمد بن حاتم حدثنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عبد اللّه بن عبيد بن عمر و الوليد بن عطاء يحدثان عن الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة قال عبد اللّه بن عبيد: وفد الحارث بن عبد اللّه على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب (يعني ابن الزبير) سمع من عائشة ما كان يزعم، أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى أنا سمعته منها، قال: سمعتها تقول ماذا؟

قال: قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن قومك استقصروا من بنيان البيت، و لو لا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن بينوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع، هذا حديث عبد اللّه بن عبيد، و زاد عليه الوليد بن عطاء قال النبي (صلى الله عليه و سلم): و لجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيا و غربيا، و هل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: قلت: لا، قال: تعززا أن لا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط، قال عبد الملك للحارث:

أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، قال: فنكت ساعة بعصاه ثم قال: وددت أني تركته و ما تحمل. انتهى من كتاب صحيح مسلم.

74

ابتداء هدم الكعبة و انتهاء بنائها في عهد ابن الزبير

قال الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى): و كان هدم الكعبة يوم السبت النصف من جمادى الآخرة سنة أربع و ستين، أما الفراغ من بنائها فلم يذكره الأزرقي في تاريخه.

و في تاريخ الكعبة المعظمة: كان الفراغ من عمارة البيت في سابع من رجب سنة خمس و ستين.

و لقد وقع خلاف عند بعض المؤرخين في عمارة الكعبة هل كانت سنة (64) أو سنة (65)، و نحن لم نبحث عن هذه المسألة بحثا دقيقا لندلي برأينا، و ليس في ذلك من بأس.

جاء في تاريخ الخميس في الجزء الثاني: و كان ابتداء حصار الحجاج ليلة هلال ذي القعدة سنة (72) اثنتين و سبعين من الهجرة، و في أسد الغابة حصاره أول ليلة من ذي الحجة (72) من الهجرة، و ذكر القولين في الرياض النضرة، و حج الحجاج بالناس تلك السنة و وقف بعرفة و عليه درع و مغفر و لم يطوفوا بالبيت و لا بين الصفا و المروة، و نصب الحجاج منجنيقا على جبل أبي قبيس كذا في أسد الغابة، و حاصره ستة أشهر و سبع عشرة ليلة على ما ذكر ابن جرير، و رمى به أحث الرمي و ألح عليه بالقتال من كل جانب و حبس عنهم الميرة و حصرهم أشد الحصار، و كان يرمي بالمنجنيق من أبي قبيس فيصيب الكعبة حجارة المنجنيق لكون ابن الزبير مكثنا بالمسجد، و في نهاية ابن الأثير أن ابن الزبير كان يصلي في المسجد الحرام و أحجار المنجنيق تمر على أذنه و ما يلتفت كأنه كعب راتب، أي منتصب. انتهى من تاريخ الخميس.

باب الكعبة الغربي‏

لا يخفى أنه يوجد الآن للكعبة المشرفة باب واحد فقط مرتفع عن الأرض بمقدار مترين، و هذا الباب في وجه الكعبة من الجهة الشرقية، و لم يكن للكعبة بابان إلا في بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما، فإنه لما بناها جعل لها بابين أحدهما في الجهة الشرقية و الآخر في الجهة الغربية، أحدهما للدخول و الآخر للخروج، و لم يجعلهما مرتفعين بل ألصقهما بالأرض لسهولة الدخول و الخروج،

75

كل ذلك فعله ابن الزبير رضي اللّه عنهما تحقيقا لرغبة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بموجب الحديث الذي سمعه من خالته عائشة بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما، كما رواه الأزرقي في تاريخه عن الحارث بن عبد اللّه المخزومي فإنه سمعها تقول: قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «إن قومك استقصروا في بناء البيت، و لو لا حداثة قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن بينوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع، و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و جعلت لها بابين موضوعين على الأرض، بابا شرقيا يدخل الناس منه و بابا غربيا يخرج الناس منه» اه.

و لقد جاء معنى هذا الحديث في الصحيحين و نصه: «لو لا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام، فإن قريشا استقصرت بناءه و جعلت له خلفا» رواه البخاري و مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها- و هذا لفظ البخاري- و هناك روايات أخرى بهذا المعنى أيضا.

ثم جاء الحجاج بن يوسف الثقفي فنقض ما زاده عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه و عن أبيه الزبير بن العوام أحد المبشرين بالجنة، و عن أمه أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما فمن ذلك أنه سد الباب الغربي بظهر الكعبة الذي فتحه ابن الزبير للخروج منه، و رفع الباب الشرقي الأصلي عن الأرض، كما قدمنا بيان ذلك مفصلا.

نذكر هنا بمناسبة إلقاء ستارة الكعبة المعظمة عنها عند تعمير و تجديد سقفيها الأعلى و الأدنى في وقتنا هذا كما بينا ذلك في محله، و ظهور ردف الباب الغربي في ظهر الكعبة، أي ظهور العود الغليظ الذي وضع بأعلى الباب ثم بني فوقه إلى السطح، و ظهور علامات تحديد الباب أيضا في نفس هذا البناء الموجود في وقتنا هذا الذي هو بناء السلطان مراد الرابع للكعبة من سلاطين آل عثمان، فكان قياس العلامات الظاهرة لهذا الباب الغربي حيث قمنا بأنفسنا بأخذه كما يأتي:

طول الباب (318) سنتيمترا، و عرضه (171) سنتيمترا، و ارتفاعه عن الأرض من الشاذروان (122) سنتيمترا.

فقد ظن بعض الناس من ظهور هذه العلامات أن هذا هو نفس الباب الغربي الذي فتحه عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما في ظهر الكعبة الغراء.

فلبيان الحقيقة نقول و باللّه تعالى التوفيق فهو الهادي إلى سواء الطريق، أن بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما للكعبة سنة (64) أربع و ستين من الهجرة،

76

و بناء الحجاج الثقفي لها من جهة حجر إسماعيل مع سد بابها الغربي و رفع بابها الشرقي عن الأرض سنة (74) أربع و سبعين هجرية دام هذان البناءان قائمين إلى أن جاء السيل الكبير في زمن السلطان مراد خان الرابع من سلاطين آل عثمان، فدخل المسجد الحرام فهدم الكعبة، حتى لم يبق منها إلا جزء يسير من جدارها فقرروا هدم ما بقي خوفا من وقوعه بغتة.

فبناها السلطان مراد الرابع المذكور بناية قوية محكمة سنة (1040) ألف و أربعين هجرية، فكان بقاء بناية ابن الزبير رضي اللّه عنهما و بناية الحجاج دام تسعمائة و ست و سبعين سنة، و لا بد في هذه السنوات الطويلة قد حصلت فيها عدة مرات ترميمات و إصلاحات.

و الردف أي العود الغليظ الموجود إلى زماننا هذا فوق موضع الباب الغربي، مع وجود علامة تحديد الباب في نفس البناء، كل هذا يحدد لنا موضع الباب الغربي الذي فتحه ابن الزبير رضي اللّه عنه لأن طول هذا الباب كطول الباب الشرقي، و عرضه ينقص عن عرض الباب الشرقي بمقدار سبع و عشرين سنتيمترا.

و أما ارتفاع هذا الباب عن الأرض فهو ينقص عن ارتفاع الباب الشرقي بمقدار سبعين سنتيمترا تقريبا.

فإذا تأملنا نجد أن ابن الزبير قد ألصق البابين الشرقي و الغربي بالأرض، فجاء الحجاج الثقفي بعده و رفع الباب الشرقي بمترين عن الأرض، و سد الباب الغربي سدا تاما.

فعليه تكون العلامة الظاهرة على ارتفاع الباب الغربي من ظهر الكعبة المشرفة مغلوطا غير صحيح مطلقا، و هذا الغلط جاء من العمال الذين بنوا الكعبة في أيام السلطان مراد المذكور، فإنهم لما وصلوا بالبناء إلى جهة الباب الغربي أرادوا المحافظة على محله كما كان قديما، فبنوا ما يشبه الباب الذي عمله ابن الزبير، ثم سدوه بالحجارة الشبيكية كما سده الحجاج الثقفي، لكنهم غلطوا في رفعه عن الأرض بمقدار متر و ربع متر، و كان سد هذا الباب في بناء السلطان المذكور في اليوم الثالث و العشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة و هي سنة (1040) ألف و أربعين هجرية.

فاعتقاد البعض أن الجدار الذي بظهر الكعبة هو من بناء ابن الزبير باق إلى الآن لوجود ردف الباب الغربي و علاماته هو اعتقاد غير صحيح، لأن السلطان‏

77

مراد خان الرابع قد بنى الكعبة المشرفة من جميع الأطراف في العام المذكور، و أما الاعتقاد بأن موضع الباب الغربي الذي فتحه ابن الزبير هو المحل الذي فيه الردف و العلامات فهذا صحيح لا شك فيه، غير أننا نقول: إن الباب لم يكن مرتفعا عن الأرض في بنائه بل كان لاصقا بالأرض، بأس إن قلنا إنه كان مرتفعا عن الأرض بمقدار شبر واحد أو شبرين.

بقي علينا أمر دقيق جدا ظهر لنا في الباب الغربي، و هو: أن الردف «بضم الراء» الذي فوق الباب الغربي، أي العود الغليظ الذي على الباب، هل هو من بناء السلطان مراد المذكور وضعوه سنة (1040) حين البناء، أم هو من بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه؟

الذي نعتقده أنه من بناء عبد اللّه بن الزبير فهو الذي وضعه فيه سنة (64) أربع و ستين هجرية، و الذي يدلنا على ذلك هو ما لا حظناه في العود الغليظ من الغصن و التجعد الكثير، بما يشبه الرجل العجوز الذي بلغ من الكبر ما تجعد منه وجهه و تكرمش جلده، لأنه معرض للمطر و إن كان وراء كسوة الكعبة. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

(فإن قيل): لم لم ينكسر هذا العود بمرور السنين عليه؟

(نقول): لم ينكسر لأنه ليس عليه ثقل يذكر، فهو فوقه بناء و تحته بناء أيضا فهو في نفس البناء منذ أن سد الحجاج هذا الباب. فلما كان بناء السلطان مراد في السنة المذكورة (1040) من الهجرة رأوه صالحا للبقاء فوضعوه في ظاهر البناء، فإن كل شي‏ء من خشب أو حجر يخرج من الكعبة عند تعميرها يعاد إليها ثانيا إذا كان صالحا للبقاء، كما عملنا نحن ذلك عند تجديد سقفها في عصرنا هذا سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية.

فعليه يكون هذا العود الذي فوق الباب الغربي في ظهر الكعبة المشرفة و الأعواد الثلاثة القائمة في جوفها الواصلة إلى سقفها الأول، هي من وضع و بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما فتكون هذه الأعواد الأربعة أعوادا أثرية ثمينة جدا لأمرين: أولا لقدمها، و لكل شي‏ء قديم قيمة خاصة، و ثانيا: أنها منسوبة لبيت اللّه الحرام و هذه النسبة لا يستهان بها، و قد كتبنا هذا المبحث بعد النظر الدقيق على الكعبة المشرفة و هي مجردة عن ثوبها يحيط بها الأخشاب من جميع الجهات لأجل تعميرها و ذلك في شهر رجب عام (1377) هجرية.

78

فالحمد للّه على توفيقاته العظيمة المتوالية، و الشكر له على نعمه الوافرة المتتالية، و صلى اللّه على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

حكم استقبال القبلة عند هدم الكعبة المشرفة

إذا هدمت الكعبة من جميع الجهات «لا قدر اللّه تعالى» حتى لم يبق لها جزء قائم، فكيف يكون حكم الصلاة إليها و الحالة هذه؟ فهل نقول أن الصلاة جائزة إذا استقبل المصلي محلها و هواءها كمن صلى إليها و هو في مكان مرتفع عنها كجبل أبي قبيس؟ أم نقول أن حكم الصلاة إليها في هذه الحالة هو حكم الصلاة على سطح الكعبة من حيث وجود الشاخص أو عدمه، فلا بد من صحة الصلاة على سطحها من وجود الشاخص بين يدي المصلي، و مثل حكم الصلاة إليها في الحالة المذكورة حكم الطواف بها.

الظاهر لنا و اللّه تعالى أعلم: لابد من صحة الصلاة و الطواف من وجود نفس الكعبة أو وجود جزء منها، فإذا هدمت كلها حتى لم يبق منها جزء قائم «لا قدر اللّه تعالى ذلك» فلابد من صحة الصلاة و الطواف عندئذ من وجود شاخص على محل الكعبة و موضعها تماما، هذا إذا كان المصلي عند الكعبة بالمسجد الحرام بحيث يمكن له مشاهدة ذاتها، أما إذا كان المصلي بعيدا عنها و في البلدان الأخرى فالظاهر عدم اشتراط وجود الشاخص عندئذ.

و نستدل على ما ذكرناه بما جاء في تاريخ الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) بأن ابن عباس رضي اللّه عنهما أرسل إلى عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، عندما هدم الكعبة حتى ألصقها كلها بالأرض من جميع جوانبها يقول له: «لا تدع الناس بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب و اجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها و يصلون إليها» ففعل ذلك ابن الزبير. اه.

جاء في هامش الجزء الرابع من صحيح مسلم طبعة الآستانة عند الحديث الخاص باحتراق البيت الحرام و بناء ابن الزبير له و جعله عليه الأعمدة و عليها الستور ما نصه:

قوله: فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه، المقصود بهذه الأعمدة و الستور أن يستقبلها المصلون في تلك الأيام و يعرفوا موضع الكعبة،

79

و لم تزل تلك الستور حتى ارتفع البناء و صار مشاهدا للناس فأزالها لحصول المقصود بالبناء المرتفع من الكعبة. اه نووي. انتهى.

و بعض العلماء يرى أنه إذا هدمت الكعبة، لا قدر اللّه تعالى، حتى لم يبق منها شي‏ء، فإن المصلي يتوجه إلى محلها و هوائها، و لا يشترط وجود الشاخص.

و اللّه تعالى أعلم.

الخلاصة في كيفية بناء ابن الزبير

فخلاصة الكلام المتقدم كما ذكرناها في كتابنا «مقام إبراهيم (عليه السلام)» المطبوع بمصر هي:

أن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما بعد أن استخار اللّه تعالى ثلاثة أيام هدم الكعبة كلها حتى ألصقها و سواها بالأرض و كشف عن أساس إبراهيم (عليه السلام) فوجده داخلا في حجر إسماعيل نحوا من ستة أذرع و شبر فبناها على أساسه و على ذرعه لدليل استند عليه و هو الحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه عنها، و هو جاء في صحيح مسلم في كتاب الحج في باب نقض الكعبة و بنائها عن سعيد بن ميناء قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير يقول: حدثتني خالتي (يعني عائشة) قالت:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا عائشة لو لا قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض و جعلت له بابين بابا شرقيا و بابا غربيا و زدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة فلما بناها ابن الزبير زاد في طولها إلى السماء حتى صار سبعا و عشرين ذراعا ليتناسب مع عرضها و جعل لها بابين لاصقين بالأرض من جهتي الشرق و الغرب أحدهما يدخل منه و الآخر يخرج منه، و جعل طول كل منهما أحد عشر ذراعا و جعل لكل منهما مصراعين و جعل للكعبة أربعة أركان و قد كان لها ركنان فقط الركن الأسود و الركن اليماني فكانت أركانها الأربعة تستلم في زمانه حتى قتل رضي اللّه تعالى عنه، و جعل لها درجة في بطنها في الركن الشامي من خشب معرجة يصعد فيها إلى ظهرها و حلاها بالذهب و جعل في سطحها ميزابا يسكب في الحجر. قيل: إن ابن الزبير بنى الكعبة بالقصة بفتح القاف أي الحص أتى بها من صنعاء و قيل: إنه بناها بالرصاص المذاب المخلوط بالورس و هو نبت أصفر يزرع باليمن و يضبغ به.

80

(فإن قيل): لم كانت أركان الكعبة تستلم في زمانه و لم تكن تستلم قبل ذلك و لا بعد وفاته؟

(فنقول و اللّه تعالى أعلم): لما كان بناء قريش لم يتمم على قواعد إبراهيم (عليه السلام)، حيث نقصوا من عرض الكعبة من جهة الحجر ستة أذرع و شبرا و جعلوا هذا الجدار الذي من جهة الحجر مدورا ليس فيه ركنان لم يستلم أحد من الصحابة سوى الركنين الأسود و اليماني اقتداء به (صلى الله عليه و سلم) و لعدم وجود أربعة أركان للكعبة.

فلما بنى عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما الكعبة على أساس إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليه) و جعل لها أربعة أركان رأى باجتهاده و اجتهاد بعض كبار الصحابة الموجودين في زمانه أن يستلموا جميع أركان الكعبة ما دامت أقيمت على قواعد إبراهيم كما كان يتمنى النبي (صلى الله عليه و سلم) بناءها على قواعده.

فلما قتل ابن الزبير رضي اللّه عنهما و هدم الحجاج ما زاده ابن الزبير في الكعبة فبناها على أساس قريش ترك الناس استلام أركانها الأربعة و لازموا استلام الركنين فقط الأسود و اليماني كما كان ذلك في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لا يزال الناس كذلك إلى أن تقوم الساعة.

هذا ما فهمناه مما ورد في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق بعد قصة مجي‏ء إبراهيم (عليه السلام) بهاجر و إسماعيل إلى مكة و بنائه للبيت الحرام. فقد جاء فيه أن أبي بكر أخبر عبد اللّه بن عمر عن عائشة: ألم تر أن قومك بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول اللّه ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال:

لو لا حدثان قومك بالكفر فقال عبد اللّه بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، ما أرى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. اه.

فمن قول ابن عمر رضي اللّه عنهما استنتجنا ما ذكر و اللّه تعالى أعلم. و هذا الحديث في صحيح مسلم أيضا في كتاب الحج.

هذا فلما فرغ عبد اللّه بن الزبير من بناء الكعبة خلق جوفها بالعنبر و المسك و لطخ جدارها بالمسك من الخارج من أعلاها إلى أسفلها و سترها بالديباج و قيل بالقباطي: و هي ثياب من كتان تعمل بمصر و كان ذلك اليوم مشهودا لم ير يوما كان أكثر عتقا و لا أكثر بدنة منحورة و لا شاة مذبوحة من ذلك اليوم، و خرج‏

81

ابن الزبير ماشيا حافيا و خرج معه كثير من قريش مشاة حتى وصلوا إلى مسجد عائشة بالتنعيم فأحرموا بالعمرة شكرا للّه تعالى على ما وفقهم لبناء بيته الحرام على الصفة التي بناها إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

و سبب بناء ابن الزبير الكعبة أن رجلا في أيام الحصار أوقد نارا في بعض الخيام المضروبة في المسجد الحرام فطارت شرارة في الخيمة فمشى الحريق حتى أخذ في كسوة الكعبة فاحترقت و احترق الركن الأسود أيضا و ذلك سنة أربع و ستين هجرية.

قال في الجامع اللطيف: القباطي بفتح القاف جمع قبطية بضم القاف، و هو ثوب رقيق أبيض من ثياب مصر، كأنه منسوب إلى القبط بكسر القاف و الضم فيه من تغيير النسب، و الضم فيه خاص بالثياب، و أما في الناس فقبطي بكسر القاف لا غير. اه.

و في تاريخ الكعبة: قال الفاكهي من طريق أبي أويس عن موسى بن ميسرة، أنه دخل الكعبة بعد ما بناها ابن الزبير فكان الناس لا يزدحمون فيها يدخلون من باب و يخرجون من آخر. انتهى.

مميزات بناء ابن الزبير

1- أول من باشر هدم الكعبة هو ابن الزبير فعلاها بنفسه فأخذ المعول و جعل يهدمها و يرمي بحجارتها ثم تبعه الناس.

2- نصب ستارة من الخشب حول الكعبة و جعل عليها الستور يشتغل العمال من ورائها و يطوف الناس خارجها.

3- بنى عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما الكعبة على أساس إبراهيم (عليه السلام).

4- و أرجع ما نقصته قريش من جدار الكعبة من جهة الحجر إلى محله الأول فبناه على أساس سيدنا إبراهيم بالضبط.

5- و زاد في ارتفاع الكعبة من الأرض للسماء على ما زادته قريش، فصار ارتفاعها سبعا و عشرين ذراعا.

6- و جعل لها بابين الباب الشرقي للدخول، و الباب الغربي للخروج.

7- و جعل البابين لاصقين بالأرض غير مرتفعين.

8- و جعل لكل من البابين مصراعين، و جعل طول كل منهما أحد عشر ذراعا.

82

9- و جعل للكعبة أربعة أركان، أي لم بين جدارها من جهة الحجر مدورا كبناء قريش، بل جعل فيه ركنين.

10- و كانت الأركان الأربعة تستلم في زمانه حتى قتل رضي اللّه عنه.

11- و جعل في داخلها في الركن الشامي درجة معرجة من الخشب و حلاها بالذهب، يصعد منها إلى سطحها كما جعل ميزابا في السطح يسكب في الحجر.

12- و جعل في داخلها ثلاث دعائم. و كانت في بناية قريش ستة.

13- و بناها بالجص و قيل بالرصاص المخلوط بالورس.

14- و لما فرغ من بنائها خلق جوفها و جدارها الخارجي من أعلاها إلى أسفلها بالعنبر و المسك و كساها بالديباج و قيل بالقباطي.

15- و بعد الفراغ من ذلك كله أكثروا من العتق و من نحر البدنة و الشياه و تصدقوا بكل ذلك شكرا للّه على هذا التوفيق ثم خرج ابن الزبير ماشيا حافيا إلى التنعيم و خرج معه كثير من قريش فأحرموا بالعمرة.

16- و كان ذلك سنة (64) أربع و ستين هجرية و قيل خمس و ستين. و اللّه تعالى أعلم.

أنين الكعبة من ضرب المنجنيق في عهد ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه‏

لما تحصن عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما مع أصحابه في المسجد الحرام، و نصب الحصين بن نمير المنجنيق على جبل أبي قبيس و جبل الأحمر و هو قعيقعان الذي نسميه الآن «بجبل هندي»، صار الرمي على ابن الزبير و أصحابه، فكانت الحجارة تصيب الكعبة، و عند وقوع أول حجر عليها من المنجنيق سمع من كان حولها منها أنينا و تأوها كما يصدر من المريض.

فنحب أن نتكلم هنا على هذا المعنى نسأل اللّه التوفيق فيه، حيث لم نر من تكلم من المؤرخين فنقول:

جاء في تاريخ الإمام الأزرقي ما نصه: حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي عصيدة قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم الليثي عن مولى لابن المرتفع قال:

83

كنا مع ابن الزبير في الحجر، فأول حجر من المنجنيق وقع في الكعبة سمعنا لها أنينا كأنين المريض آه آه. انتهى.

و جاء في تاريخ الخميس بصحيفة 166 من الجزء الأول ما نصه: و في المواهب اللدنية قال عليه الصلاة و السلام للعباس بن عبد المطلب: يا عم لا ترم منزلك أنت و بنوك غدا حتى آتيك فإن لي فيكم حاجة فلما أتاهم اشتمل عليهم بملاءته ثم قال: يا رب هذا عمي وصنو أبي و هؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه، قال: فأمنت أسكفة الباب و حوائط البيت فقالت:

آمين آمين آمين. رواه ابن غيلان و أبو القاسم حمزة و السهمي و رواه ابن السري و فيه فما بقي في البيت مدرة و لا باب إلا أمن. انتهى من تاريخ الخميس.

و جاء في تاريخ الأزرقي أيضا عند بناء الكعبة: فهدمت قريش معه، أي مع الوليد بن المغيرة حتى بلغوا الأساس الأول الذي رفع عليه إبراهيم و إسماعيل القواعد من البيت فأبصروا حجارة كأنها الإبل الخلف لا تطيق الحجر منها ثلاثون رجلا يحرك الحجر منها فترتج جوانبها قد تشبك بعضها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بن الحجرين فانفلقت منه فلقة عظيمة فأخذها أبو وهب ابن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم من يده حتى عادت في مكانها و طارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم و رجفت مكة بأسرها، فلما رأوا ذلك أمسكوا عن أن ينظروا ما تحت ذلك. انتهى منه.

و الخلف بفتح فكسر، المخاض و هي الحوامل من النوق كما في المصباح و في مكان آخر قال الأزرقي: إن الذي أدخل العتلة هو عبد اللّه بن مطيع العدوي.

اه. فقد يجوز أن كلا منهما أدخل عتلته فيه في الأساس. و قال الأزرقي عند بناء ابن الزبير رضي اللّه عنهما الكعبة: عن عبيد اللّه بن أبي يزيد قال: رأيت ابن الزبير هدم الكعبة و أراهم أساسا داخلا في الحجر آخذ بعضه بعضا كلما حرك منه شي‏ء تحرك كله فبنى عليه الكعبة. انتهى.

و جاء في تاريخ الغازي: و في تحصيل المرام، نقلا عن الحلبي قال: و في رواية كشف له عن أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع و شبر و أحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل حجارة حمرا آخذا بعضها في بعض مشتبكة كتشبك الأصابع و أصاب فيه قبر أم إسماعيل فدعى عبد اللّه بن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم و أشهدهم على ذلك الأساس‏

84

و أدخل عبد اللّه بن مطيع العدوي عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان كلها فارتج جانب البيت و رجفت مكة بأسرها رجفة شديدة و طار منه بوقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخلت فيه ففزعوا. انتهى من تاريخ الغازي.

نقول: معنى قوله: «آخذ بعضه بعضا» و قوله فيما تقدم: «قد تشبك بعضها ببعض» إن هذه الحجارة العظيمة من أساس البيت، قد تشبك بعضها ببعض بقدرة اللّه تعالى لا بالصناعة البشرية من النحت و التقوير، بمعنى أن الملائكة حينما كانت تقذف بالصخور في أساس البيت جعل اللّه عز و جل هذه الصخور لينة كالعجين فاشتبك بعضها ببعض بحيث لا ينفصل شي‏ء منها، كما ألان اللّه تعالى الحديد لنبيه داود عليه الصلاة و السلام. و قوله: كلما حرك منه شي‏ء تحرك و تزعزعت الأركان كلها، هذه ميزة خاصة لأساس بيت اللّه الحرام، و يفهم من هذا أمران:

الأول: سهولة تحرك جميع الأركان و هي ثقيلة من الصخور العظام.

الثاني: اتصال أجزائها ببعض كالقطعة الواحدة تماما و هذان الأمران لا يجتمعان قط في بنيان البشر، فلا شك أن هذه خصوصية للكعبة الغراء زادها اللّه شرفا و تعظيما.

نقول: إن أنين الكعبة من الحجارة التي كانت تصيبها عند الرمي بالمنجنيق في حرب الحجاج مع ابن الزبير لا يستغرب لأن ذلك من الآيات التي يخوف اللّه بها عباده ليرتدعوا. قال (صلى الله عليه و سلم): إن للكعبة لسانا و شفتين و قد اشتكت فقالت: يا رب قل عوادي و زواري، فأوحى اللّه أني خالق بشرا خشعا سجدا يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى بيضها. رواه الطبراني عن جابر رضي اللّه عنه.

و هذا الجذع الذي كان يخطب عليه النبي (صلى الله عليه و سلم) بمسجده بالمدينة المنورة، قد حن و أن أنين الصبي و ذلك حينما تحول النبي عليه الصلاة و السلام عنه إلى المنبر الذي صنعوه له.

قال السمهودي (رحمه اللّه تعالى) في كتابه «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» في أول الجزء الثاني ما نصه: روينا في صحيح البخاري عن ابن عمر قال: كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه.

85

و فيه عن جابر أن النبي (صلى الله عليه و سلم)، كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول اللّه ألا نجعل لك منبرا، قال: إن شئتم.

فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فضمه إليه و هو يئن أنين الصبي الذي يسكن.

قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها. انتهى من كتاب وفاء الوفا.

فانظر رحمك اللّه بعين البصيرة و الاستبصار، تجد أن أنين الكعبة المعظمة هو للعظة و الاعتبار، و أنين الجذع هو للحنين إلى النبي الكريم المختار، و كل ذلك آيات من آيات اللّه تعالى ليزداد الذين آمنوا إيمانا.

و أمثال ما تقدم كثير، كالحجر الذي كان يسلم على النبي (صلى الله عليه و سلم) قبل أن يبعث كما ورد ذلك في صحيح مسلم، و كبقرة بني إسرائيل التي تكلمت فقالت: «إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحرث» و الحديث أوله «بينما رجل راكب على بقرة ..

الخ» كما ورد ذلك في البخاري و مسلم، و في هذا الحديث أيضا كلام الذئب للراعي، و قد ذكرنا نص هذا الحديث في الكلام على نطق فيل أبرهة لعبد المطلب.

و قد ذكر صاحب كتاب «النطق المفهوم من أهل الصمت المعلوم» أشياء كثيرة مما يشبه ما تقدم، و هو كتاب عجيب قيم، يبحث عن نطق بني آدم، و نطق الحيوان، و نطق الحشرات، و نطق الحشرات، و نطق النباتات و الجمادات من كل جنس و نوع، و الحق يقال أنه كتاب فريد في بابه، لا نظن أن أحدا ألف كتابا على نسجه و منواله، و هو كتاب مطبوع بمطبعة الحلبي بمصر في سنة (1308) هجرية.

و نقول أيضا: إن أنين الكعبة و سماع بعضهم أنينها كالمريض آه، آه، و قولها:

آمين آمين آمين ليس في ذلك من غرابة، فإنه للعظة و الذكرى و الاعتبار، و اللّه تعالى قادر على كل شي‏ء.

و إذا ثبت للرحم النطق و الكلام و هو مصدر و ليس بجسم، فلا يمتنع التأوه و الكلام من الكعبة المشرفة ففي الصحيحين «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله اللّه و من قطعني قطعه اللّه».

و مثل ذلك شهادة أطراف الإنسان على صاحبها كما في صريح الآية الكريمة في سورة ياسين: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما

86

كانُوا يَكْسِبُونَ‏ و كما في صريح الآية التي في سورة فصلت‏ وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏.

فاللّه عز شأنه إذا كان قادرا على إنطاق أطراف الإنسان عليه، قادر على إنطاق الكعبة المشرفة، على أن سماع نطقها لا يحصل لكل الناس و لا لكل من جلس حولها، و إنما للبعض دون البعض بحسب قوة إيمانهم و صلاحهم.

فلقد كان بعض الأحجار تسلم على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و إن عصا موسى (عليه السلام) التقمت ما صنعه سحرة فرعون بعد أن صارت حية تسعى ثم رجعت كما كانت.

ففي صحيح مسلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن ينزل علي الوحي. و رواه الترمذي و الإمام أحمد عن جابر بن سمرة، و في بعض الروايات «كان يسلم علي قبل أن أبعث» و نعتقد أن هذا التسليم كان حقيقة أنطقه اللّه تعالى كما أنطق الجذع و ذلك معجزة لرسول اللّه، (صلى الله عليه و سلم) و لا نبحث عن كيفية نطق الحجر و هو جماد فإن اللّه أعلم بها.

و ما أحلى البيتين الآتيين قالهما بعض الفضلاء على لسان الحجر الناطق و هما:

أنا الحجر المسلم كل حين‏* * * على خير الورى فلي البشارة

و نلت فضيلة من ذي المعالي‏* * * خصصت بها «و إن من الحجارة»

و مما يلحق بأنين الكعبة المشرفة كلامها، فقد جاء في كتاب" القرى لقاصد أم القرى" للإمام الطبري بصحيفة (238) ما نصه: عن وهيب بن الورد قال: كنت في الحجر تحت الميزاب بعد العشاء الآخرة فسمعت من تحت الأستار «إلى اللّه أشكو و إليك يا جبريل ما ألقى من الناس من التفكه حولي بالكلام» أخرجه الأزرقي و أخرجه الإمام أبو بكر في مسألة الطائفين بزيادة. و لفظه: يا جبريل أشكو إلى اللّه ثم إليك ما يفعل هؤلاء الطائفون حولي من تفكههم في الحديث و لفظهم و سهوهم. قال وهيب: فأولت أن البيت شكا إلى جبريل. انتهى منه.

أما خبر حنين الجذع الذي كان يخطب عليه (صلى الله عليه و سلم) فمشهور: و ذلك أن النبي عليه الصلاة و السلام كان يخطب على هذا الجذع، فلما اتخذوا له المنبر بثلاث‏

87

درجات من أثل الغابة و خطب النبي (صلى الله عليه و سلم) يوم الجمعة على هذا المنبر سمع الناس لذلك الجذع صوتا كصوت العشار و هي الناقة التي أتى عليها من وقت الحمل عشرة أشهر.

جاء في تاريخ الخميس: و في خلاصة الوفاء اضطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج أي: التي انتزع ولدها، قال عياض: حديث حنين الجذع مشهور و الخبر به متواتر أخرجه أهل الصحيح و رواه من الصحابة بضع عشر، و في رواية أنس حتى ارتج المسجد لخواره، و في رواية: أنّ كأنين الصبي، و في رواية سهل:

و كثر بكاء الناس لما رأوا به، و في رواية المطلب: حتى تصدع و انشق حتى جاءه النبي (صلى الله عليه و سلم) فوضع يده عليه فسكت.

و في حديث بريدة قال النبي (صلى الله عليه و سلم): إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك و يكمل خلقك و يجددك لك خوصك و ثمرك، و إن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء اللّه من ثمرك. ثم أصغى له النبي (صلى الله عليه و سلم) يسمع ما يقول فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء اللّه فأكون في مكان لا أبلى فيه- يعني في الجنة- فسمعه من يليه فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): قد فعلت ثم قال: قد اختار دار البقاء على الفناء. أورده في الشفاء. انتهى مختصرا من تاريخ الخميس، و في هذا القدر كفاية.

فأنين الكعبة و سلام الحجر و حنين الجذع، لو لم يكن على الحقيقة لما سمع الناس منهم ذلك بآذانهم، و أما الكيفية فاللّه تعالى أعلم بها و هو على كل شي‏ء قدير.

و أما ما تقدم في بناء قريش و بناء ابن الزبير الكعبة، من أنهم لما وصلوا في الحفر إلى الأساس و أدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين حجرين انقلعت منه فلقة فأخذها رجل فنزت من يده حتى عادت في مكانها و طارت منها برقة كادت تخطف الأبصار فتزعزعت أركان البيت كلها و ارتجت جوانب البيت و رجفت مكة بأسرها رجفة شديدة و طار منها برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخلت فيه ففزع أهلها. فلا تظنن أن زعزعت الأركان و الرجفة لمكة كانت من تصادف حصول زلزلة أرضية في وقت البناء كالزلازل التي تكون في بقاع الأرض، لأن مكة شرفها اللّه تعالى وصانها من كل سوء هي محفوظة من الزلازل فلم يحدثنا

88

التاريخ قط عن حصول زلزلة فيها، و كيف تكون في مكة زلزلة و هي محاطة كلها بالجبال الراسيات الضاربات عروقها في تخوم الأرض.

فالزعزعة و الرجفة التي حصلت عند وصولهم إلى أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام، إنما كانت بإرادة اللّه تعالى إشارة إلى أنهم واقفون على نفس الأساس الأصلي للكعبة فليبنوا عليه و لا يتعرضوا له مطلقا، لذلك خافوا و فزعوا و لم يمسوه بشي‏ء بل بنوا فوقه البيت الحرام.

و أما نزو الفلقة التي انفصلت من أساس الكعبة المشرفة من يد الرجل الذي أخذها و رجعوها إلى مكانها و موضعها الأول، فلا عجب في ذلك، لأن هذه الفلقة قطعة من الأساس الأول للبيت الحرام فلا بد أن ترجع إلى مكانها منه فلا غرابة إذا و ثبت القطعة بنفسها من يد الرجل فرجعت إلى موضعها حتى يكون الأساس الأول محفوظا لا يمسه أحد، و من هنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض شي‏ء من أساس الكعبة و أنه محفوظ بقدرة اللّه تعالى، لأنه أساس عملته الملائكة بقذف الصخور إلى تخوم الأرض في بناء إبراهيم عليه الصلاة و السلام فلا يمكن أن ينفصل منه أي جزء منها كان صغيرا، أما بناء الكعبة فهو من أحجار هذه الجبال الظاهرة فإن هدمت و تلفت هذه الأحجار يستبدل بغيرها عند تجديد بنائها، و يدفن التالف منها في أرض المسجد الحرام حرمة لها لأنها كانت من الكعبة.

و بمناسبة كلامنا المتقدم أن مكة شرفها اللّه تعالى محفوظة من الزلازل، رأينا أن نكتب لمرصد حلوان بمصر عن مسألة الزلازل في الحجاز، لأن هذا المرصد هو من المراصد العالمية المهمة، فكتبنا خطابا لمدير المرصد في الثامن عشر من شهر شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، الموافق للسابع من شهر فبراير سنة ألف و تسعمائة و ثمان و خمسين ميلادية و هذا نص الخطاب:

بسم اللّه الرحمن الرحيم حضرة السيد الكريم مدير مرصد حلوان بمصر، حفظه اللّه تعالى‏

بعد التحية: بما أن مرصد حلوان هو أهم مراصد العالم، لذلك كتبنا لسيادتكم هذا نرجو التكرم بإفادتنا عما يأتي:

1- هل إذا حصل في الحجاز زلزال يعرف ذلك بمرصد حلوان بدقة أم لا؟

89

2- و هل سلسلة الجبال الموجودة بالحرمين الشريفين يمنع حدوث الزلازل بهما أم لا؟

3- إن لم تمنع سلسلة الجبال حصول الزلازل بالحرمين الشريفين. فهل من الممكن أن نعرف أقدم زلزلة و أقربها حصلت بهما، و كم عدد الزلازل التي حدثت فيهما منذ قديم الزمان إلى اليوم. نرجو إفادتنا عن الأسئلة الثلاثة خدمة للعلم. و لسيادتكم الشكر. و تفضلوا بقبول فائق الاحترام.

المخلص‏

محمد طاهر الكردي الخطاط

فورد إلينا جواب مدير مرصد حلوان بمصر في الرابع و العشرين من شهر فبراير سنة ألف و تسعمائة و ثمان و خمسين ميلادية، تحت رقم (325) و هذا نص جوابه:

بسم اللّه الرحمن الرحيم حضرة السيد الكريم محمد طاهر الكردي، حفظه اللّه تعالى‏

تحية مباركة و بعد: ردا على خطابكم بتاريخ 18- 7- 1377 ه أتشرف بأن أنهي إلى سيادتكم بالردود الآتية:

1- إذا حدث في الحجاز أو أية جهة أخرى على سطح الأرض زلزال و كان شديدا نوعا لسجلته آلات الزلازل بمرصد حلوان و لأمكن تحديد هذا الزلزال بالدقة.

2- ليس لسلاسل الجبال في أي مكان القوة لمنع انتقال الهزات التي تحدثها الزلازل.

3- أن الأراضي المقدسة بشبه الجزيرة العربية قد حباها اللّه سبحانه و تعالى بأرض هادئة مستقرة بعيدة عن مناطق الزلازل التي تحدث من آن لآخر على طول الساحل اليمني.

4- إن أهم الزلازل التي حدثت بالمنطقة المشار إليها هي اثنان:

الأول: حدث في 11 يناير سنة 1941 عند النقطة 17 درجة شمالا و 43 درجة شرقا.

90

و الثاني: في 4 فبراير سنة 1941 عند النقطة 16 درجة شمالا و 43 درجة شرقا.

و كلاهما يبعد نحو 500 كيلومترا عن مكة المكرمة. و تفضلوا بقبول فائق الاحترام.

مدير معهد الأرصاد بحلوان بمصر

نقول: و مثل زعزعة أركان الكعبة و ارتجاجها في بناء قريش و بناء ابن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، تحركها مرارا في آخر القرن السادس الهجري، و ذلك كما رواه الغازي في تاريخه المخطوط بخط يده، (رحمه اللّه تعالى)، في الجزء الأول بصحيفة (564) فإنه قال: و في سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة بعد خروج الحاج من مكة هبت ريح سوداء عمت الدنيا «أي جميع مكة» و وقع على الناس رمل أحمر، و وقع من الركن اليماني قطعة و تحرك البيت الحرام مرارا، كذا في إتحاف الورى بأخبار أم القرى. انتهى ما ذكره الغازي.

نقول: إن تحرك الكعبة مرارا في هذه الحادثة قد تكون إشارة و آية يخوف اللّه بها عباده ليتوبوا إليه و يرجعوا عما كانوا عليه من الظلم و الفساد، فإن اللّه تعالى لطيف بعباده لا يعجل بالعقوبة علينا.

جاء في تاريخ الغازي أن الفاكهي قال: حدثني أبو علي الحسن بن مكرم، حدثنا عبد اللّه بن بكر، حدثني أبو بكر بن حبيب، قال: جاورت بمكة فعابت اسطوانة من أساطين البيت فأخرجت و جي‏ء بأخرى ليدخلوها مكانها فطالت عن الموضع و أدركهم الليل و الكعبة لا تفتح ليلا فتركوها مائلة ليعودوا غدا فيصلحوها، فجاؤوا من غد فأصابوها أقوم من قدح. انتهى.

قال: و هذا غريب و فيه كرامة للبيت، اه. انتهى من تاريخ الغازي، و القدح بكسر القاف، السهم.

نقول: إن وقوع مثل هذا الأمر ليس ببعيد عن بيت اللّه الطاهر المطهر المنور لأنه عامر بالملائكة على الدوام، و ليس بعجيب على أمر اللّه الذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

91

و الفاكهي المذكور هو محمد بن إسحاق الفاكهي من أهل القرن الثالث الهجري و له مؤلف خاص في تاريخ مكة توجد منه نسخة في إحدى خزائن أوروبا كما هو مذكور في حاشية أخبار مكة للأزرقي.

و جاء في تاريخ الغازي نقلا عن درر الفرائد ما نصه: و في سنة (410) عشر و أربعمائة قتل بمكة هادي المستجلش و كان ظهر في آخر أيام الحاكم العبيدي صاحب مصر و صار يدعو إلى عبادة الحاكم. فحكي عنه أنه سب الرسول (صلى الله عليه و سلم)، و بصق على المصحف الشريف و سار في البوادي يدعو إلى أن قتله اللّه تعالى و ذلك أنه لما وصلها و نزل على أبي الفتوح و أعطاه الذمام و صار يطوف بالكعبة فكلما رآه المجاورون مضوا إلى أبي الفتوح و ذكروا له شأنه و أنه لا يستتاب فقال: هذا قد نزل علي و أعطيته الذمام فقالوا: لا يصح أن يعطى الذمام فدافعهم أبو الفتوح فاجتمع الناس عند باب الكعبة و ضجوا إلى اللّه تعالى و بكوا فقضى اللّه تعالى بإرسال ريح سوداء حتى أظلمت الدنيا و صار للكعبة نور كنور النبراس و لم يزل كذلك يرى ليلا و نهارا على حالة واحدة مدة سبعة عشر يوما فلما رأى أبو الفتوح ذلك أمر بالغريم و غلام له مغربي فضربت أعناقهما و صلبا و لم يزل المغاربة يرجمونهما بالحجارة حتى سقطا إلى الأرض فجمعوا لهما حطبا و أحرقوهما. كذا في درر الفرائد.

قال الغازي: و في تاريخ ابن فهد بعد قوله و أعطيته الذمام فقالوا: إن هذا سب و بصق فسأله عن ذلك فأقر به و قال: قد تبت فقال المجاورون: توبة هذا لا تصح و قد أمر النبي (صلى الله عليه و سلم) بقتل ابن خطل و هو متعلق بأستار الكعبة و هذا لا يصح أن يعطى الذمام و لا ينبغي إلا قتله. انتهى.

قال في المنجد: ترس الشمس قرصها، يقال: غاب ترس الشمس. اه.

هذا و لقد يشبه ما تقدم الحجر الذي فر و هرب بثوب نبي اللّه تعالى و كليمه موسى، عليه الصلاة و السلام، فصار يجري وراءه حتى أمسكه و أخذ منه ثوبه و ضربه، و قصته مشهورة في كتب التفسير و الحديث و التاريخ، و لنذكر بعض ما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة فنقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض و كان موسى، عليه الصلاة و السلام يغتسل وحده، فقالوا: و اللّه ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فخرج موسى في أثره يقول:

92

ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! حتى نظر بنو إسرائيل إلى موسى، فقالوا: و اللّه ما بموسى من بأس، و أخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا» رواه البخاري و مسلم في صحيحهما.

قال شيخنا شارح زاد المسلم (رحمه اللّه تعالى): و في الصحيحين بعد ذكر هذا الحديث قال أبو هريرة: و اللّه إنه بالحجر لندب، بالحجر ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر. و في رواية مسلم حذف ياء النداء من لفظ ثوبي يا حجر في المرتين.

و الآدر الذي له أدرة بالضم، و هي انتفاخ الخصية. اه.

و في البخاري عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى جلده شي‏ء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلّا من عيب بجلده إما برص أو أدرة و إما آفة، و إن اللّه عز و جل أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها و إن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه و طلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق اللّه و برأه مما يقولون و قام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه و طفق بالحجر ضربا بعصاه، فو اللّه إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا، قال فذلك قوله عز و جل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً. انتهى.

فالحديث الشريف صريح اللفظ لا يحتاج إلى تفسير و شرح، و نحن نعتقد أن فرار الحجر بثوب نبي اللّه موسى عليه الصلاة و السلام، كان حقيقة لا مجازا كما هو ظاهر للمتأمل، و لا نسأل كيف فر الحجر و مشى و هو جماد و كيف أمسك ثوبه و لا نسأل كيف يؤثر العصا في الحجر حتى تترك به ندبا عديدة، و لا نسأل أيضا كيف يضرب موسى (عليه السلام) حجرا جمادا بعصاه فهل يؤدب الحجر و هل هو يتألم من الضرب. فنحن نؤمن بكل ما جاء و ثبت عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من غير بحث و لا تحقيق، فما فهمناه نحمد اللّه و ما لم نفهمه نفوض أمره إلى اللّه تعالى.

و مثل ما تقدم عن الجمادات، نقوله فيما يروى عن نطق الحيوانات، كنملة و هدهد نبي اللّه سليمان (عليه السلام)، الذي ورد في القرآن الكريم ذكرهما

93

صراحة في أول سورة النمل من آية حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ... إلى آخر الآيات التي فيها قصة النملة و الهدهد.

و كالبقرة و الذئب اللذين تكلما، فقد جاء في الصحيحين و اللفظ لمسلم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: «بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا و لكني إنما خلقت للحرث. فقال الناس: سبحان اللّه تعجبا و فزعا بقرة تتكلم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فإني أؤمن به أنا و أبو بكر و عمر. فقال أبو هريرة: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى استنقذها منه فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري، فقال الناس: سبحان اللّه ذئب يتكلم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): فإني أؤمن بذلك أنا و أبو بكر و عمر و ما هما ثمة» إلى غير ذلك مما يشبه ما تقدم، فافهم هذا المبحث فإنك لا تجده في غير هذا.

أما من تكلم في المهد كما جاء في القرآن الكريم و الحديث الصحيح فيما رواه الشيخان «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة .. الخ» فإنا لا نريد إطالة الكلام بذكرهم.

و فيما تقدم كفاية لأولي الألباب، و اللّه الهادي للصواب و إليه المرجع و المآب، اللهم إني آمنت بكل ما أنزلت على عبدك و نبيك «محمد» (صلى الله عليه و سلم)، إيمانا صادقا بيقين تام، فاجعلني من السعداء المقربين و ألحقني بعبادك الصالحين، و اختم لي بخير يا أرحم الراحمين. اللهم و إني أسألك الراحة عند الموت و العفو عند الحساب، و الستر في الدنيا و الآخرة لي و لأهلي و ذريتي و أحبابي بفضلك و رحمتك يا رب العالمين، و صلى اللّه و سلم على النبي الأمي و على آله و صحبه أجمعين.

ترجمة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما

جاء في الجزء الثاني من تاريخ الخميس ما خلاصته: يكنى عبد اللّه بن الزبير ابن العوام أبا بكر، و يكنى أيضا أبا خبيب، أمه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق و هو أول مولود ولد للمهاجرين بالمدينة بعد الهجرة و كان قد صحب النبي (صلى الله عليه و سلم)، و هو صبي و حفظ عنه أحاديث فمات النبي (صلى الله عليه و سلم)، و له ثمان سنين بل تسع كذا وقع في دول الإسلام و مورد اللطافة و الرياض النضرة و غيرها يعني ذكر خلافة عبد اللّه بن الزبير بعد خلافة معاوية بن يزيد بن معاوية و هو الأنسب بالتاريخ.

و أما في حياة الحيوان و بعض كتب التواريخ فذكرت خلافة ابن الزبير بعد خلافة

94

عبد الملك بن مروان فقال و هو السادس فخلع و قتل. و في حياة الحيوان: بويع لابن الزبير بالخلافة بمكة لسبع بقين من رجب سنة أربع و ستين في أيام يزيد بن معاوية.

و في سيرة مغلطاي: بويع عبد اللّه بن الزبير في رابع جمادى الآخرة بالحجاز و ما والاه. انتهى. و بايعه أهل العراق و مصر و بعض أهل الشام و بايع خلق كثير من العرب الضحاك بن قيس الفهري و ولي دمشق فقدم إليه مروان بن الحكم مع خدمه و حواشيه و انضم إليه عبيد اللّه بن زياد و قد هرب من نيابة العراق خوفا من القتل لما فعل بالحسين ثم التقى الضحاك و مروان و كان المصاف بتل راهط بمرج دمشق فقتل خلق كثير و قتل الضحاك.

و في الرياض النضرة: بويع ابن الزبير بالخلافة سنة أربع و ستين و قيل سنة خمس و ستين بعد موت معاوية بن يزيد و اجتمع على طاعته أهل الحجاز و اليمن و العراق و خراسان و حج بالناس ثماني حجج. و في البحر العميق: أقام عبد اللّه بن الزبير الحج للناس سنة ثلاث و ستين قبل أن يبايع له فلما بويع له حج ثماني حجج متوالية. انتهى.

ثم قال صاحب تاريخ الخميس: و في شفاء الغرام: ولي مكة عبد اللّه بن الزبير بعد أن لقي في ذلك عناء شديدا سببه أن أهل المدينة لما طردوا منها عامل يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان و غيره من بني أمية الأولد عثمان بن عفان بعث إليهم يزيد مسلم بن عقبة المري و يسمى مسرفا بإسرافه في القتل بالمدينة و بعث معه اثني عشر ألفا فيهم الحصين بن نمير السكوني و قيل الكندي ليكون على العسكر أن عرض لمسلم موت فإنه كان عليلا في بطنه الماء الأصفر فأمر يزيد مسرفا إذا بلغ المدينة أن يدعو أهلها إلى طاعة يزيد ثلاثة أيام فإن أجابوه و إلا قاتلهم فإذا ظهر عليهم أباحها ثلاثا ثم يكف عن الناس و يسير إلى مكة لقتال ابن الزبير.

و في حياة الحيوان: في سنة ستين دعا ابن الزبير إلى نفسه بمكة و عاب يزيد بشرب الخمر و اللعب و التهاون بالدين و أظهر ثلمه و منقصته فبايع ابن الزبير أهل تهامة و الحجاز فلما بلغ ذلك يزيد ندب له الحصين بن نمير السكوني و روح بن زنباع الجذامي و ضم إلى كل واحد جيشا و استعمل على الجميع مسلم بن عقبة المري و جعله أمير الأمراء و لما ودعهم قال: يا مسلم لا تردن أهل الشام عن شي‏ء يريدونه بعدوهم و اجعل طريقك على المدينة فإن حاربوك فحاربهم فإن ظفرت بهم فأبحها ثلاثا. فسار مسلم حتى بلغ المدينة فنزل الحرة بظاهر المدينة بمكان يقال‏

95

له حرة و اقم فخرج أهل المدينة و عسكروا بها و أميرهم عبد اللّه بن حنظلة غسيل الملائكة بن أبي عامر الراهب فدعاهم مسلم ثلاثا فلم يجيبوه فقاتلهم فغلب أهل المدينة و انهزموا و قتل أمير المدينة عبد اللّه بن حنظلة و سبعمائة من المهاجرين و الأنصار و قتل منهم معقل الأشجعي و عبد اللّه بن يزيد المازني مع عبد اللّه بن حنظلة الغسيل و هؤلاء من الصحابة و دخل مسلم المدينة و أباحها ثلاثة أيام و ذلك في آخر سنة ثلاث و ستين.

و في شفاء الغرام: قتل من أولاد المهاجرين ثلاثمائة نفر و جماعة من الصحابة و كانت الوقعة بمكان يقال له حرة و أقم كما سبق لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و ستين من الهجرة ثم سار مسلم إلى مكة لقتال ابن الزبير و لما كان بالمشلل مات و دفن بثنية المشلل ثم نبش و صلب هناك و كان يرمى كما يرمي قبر أبي رغال دليل أبرهة المدفون بالمغمس، و المشلل على ثلاثة أميال من قديد بينهما خيمتي أم معبد و قيل مات بثنية هرشى بفتح أوله و سكون ثانيه مقصورة على وزن فعلى هضبة ململمة في بلاد تهامة لا تنبت شيئا على ملتقى طريقي الشام و المدينة و هي من الجحفة يرى منها البحر و الطريق من جنبتيها كذا في معجم ما استعجم.

قال الشاعر:

خذ أبطن هرشى أو قفاها فإنه‏* * * كلا جانبي هرشى لهن طريق‏

و مات مسلم بن عقبة بعد أن قدم على عسكره الحصين بن نمير فسار الحصين بالعسكر حتى بلغ مكة لأربع بقين من المحرم سنة أربع و ستين و قد اجتمع على ابن الزبير أهل مكة و الحجاز و غيرهم و انضم إليه من انهزم من أهل المدينة و كان قد بلغه خبر أهل المدينة و ما وقع لهم مع مسلم هلال المحرم سنة أربع و ستين مع المسور بن مخرمة فلحقه منه أمر عظيم و اعتد هو و أصحابه و استعدوا للقتال و قاتلوا الحصين أياما و تحصن ابن الزبير و أصحابه في المسجد حول الكعبة و ضرب أصحاب ابن الزبير في المسجد خياما و رفاقا يكتنون بها من حجارة المنجنيق و يستظلون بها من الشمس و كان الحصين بن نمير على أبي قبيس و على الأحمر و كان يرميهم بالحجارة و تصيب الحجارة الكعبة فوهنت.

و في الوفاء: حاصر مكة أربعة و ستين يوما جرى فيها قتال و دقت الكعبة بالمجانيق يوم السبت ثالث ربيع الأول و أخذ رجل قبسا في رأس فطارت به الريح فاحترق البيت. و في أسد الغابة في هذا الحصر احترقت الكعبة و احترق فيها قرن‏

96

الكبش الذي فدي به إسماعيل بن إبراهيم الخليل و كان معلقا في الكعبة و دام الحرب بينهم إلى أن فرج اللّه عن ابن الزبير و أصحابه بوصول نعي يزيد بن معاوية و مات يزيد في منتصف ربيع الأول سنة أربع و ستين و كان وصول نعيه ليلة الثلاثاء لثلاث مضين من شهر ربيع الآخر سنة أربع و ستين و كان بين وقعة الحرة و بين موته ثلاثة أشهر. و قال القرطبي: دون ثلاثة أشهر و بلغ نعيه ابن الزبير قبل أن يبلغ الحصين و بعث إلى الحصين من يعلمه بموت يزيد و يحسن له ترك القتال و يعظم عليه أمر الحرم و ما أصاب الكعبة فمال إلى ذلك و أدبر إلى الشام لخمس ليال خلون من ربيع الآخر سنة أربع و ستين بعد أن اجتمع بابن الزبير في الليلة التي تلي اليوم الذي بلغه فيه نعي يزيد و سأل ابن الزبير أن يبايع له هو و من معه من أهل الشام على أن يذهب معهم ابن الزبير إلى الشام و يؤمن الناس و يهدر الدماء التي كانت بينه و بين أهل الحرم فأبى ابن الزبير ذلك.

و في حياة الحيوان: تحصن منه ابن الزبير بالمسجد الحرام و نصب الحصين المنجنيق على أبي قبيس و رمى به الكعبة المعظمة فبينا هم كذلك إذ ورد الخبر على الحصين بموت يزيد بن معاوية فأرسل إلى ابن الزبير يسأله الموادعة فأجابه إلى ذلك و فتح الأبواب و اختلط العسكران يطوفان بالبيت فبينا الحصين يطوف ليلة بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير فأخذ الحصين بيده و قال له سرا: هل لك في الخروج معي إلى الشام فأدعو الناس إلى بيعتك فإن أمرهم قد مرج و لا أحدا أحق بها اليوم منك و لست أعصى ههنا فاجتبذ ابن الزبير يده من يده و قال: و هو مجهر بقوله دون أن أقتل بكل واحد من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام. فقال الحصين:

كذب الذي قال إنك من دهاة العرب أكلمك سرا و تكلمني علانية و أدعوك إلى الخلافة و تدعوني إلى الحرب ثم انصرف بمن معه من أهل الشام.

و قيل: بايعه الحصين ثم بايعه أهل الحرمين و جرت فتن كبار و اقتتل الناس على الملك بالشام و العراق و الجزيرة بعد موت يزيد و بايع أهل دمشق بعد يزيد ولده معاوية بن يزيد و قيل بويع لابن الزبير بعد رحيل الحصين بالخلافة بالحرمين ثم بويع بها في العراق و اليمن و غير ذلك حتى كاد الأمر أن يجتمع عليه فولى في البلاد التي بويع له فيها العمال و في شوال سنة سبع و ستين كان طاعون الجارف و هو طاعون كان في زمن ابن الزبير مات في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفا و مات فيه لأنس بن مالك ثلاثة و ثمانون ابنا و مات لعبد الرحمن بن أبي بكر أربعون ابنا.

97

ثم قال صاحب تاريخ الخميس: و في المختصر و لم يزل ابن الزبير يقيم للناس الحج من سنة أربع و ستين إلى سنة اثنتين و سبعين، و لما ولي عبد الملك بن مروان في سنة خمس و ستين منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزبير و كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجوا، فضج الناس لما منعوا الحج، فبنى عبد الملك الصخرة و كان الناس يحضرونها يوم عرفة و يقفون عندها، و يقال إن ذلك كان سببا للتعريف في مسجد بيت المقدس و مساجد الأمصار. و ذكر الحافظ في كتاب نظم القرآن أن أول من سن التعريف في مساجد الأمصار عبد اللّه بن عباس. انتهى.

ثم قال أيضا صاحب تاريخ الخميس: يروى أن عبد الملك بن مروان بعث الحجاج في سنة اثنتين و سبعين إلى ابن الزبير، و كان الحجاج لما وصل من عند عبد الملك نزل الطائف فكان يبعث منه خيلا إلى عرفة و يبعث ابن الزبير خيلا إلى عرفة فيقتتلون بها فتنهزم خيل ابن الزبير و تعود خيل الحجاج بالظفر. ثم استأذن الحجاج عبد الملك في منازلة ابن الزبير فأذن له فنزل الحجاج بئر ميمون و معه طارق بن عمر و مولى عثمان و كان عبد الملك قد أمد الحجاج بطارق لما سأله النجدة أي الشجاعة و الحرب على ابن الزبير فقدم طارق في ذي الحجة و معه خمسة آلاف و كان مع الحجاج ألفان و قيل ثلاثة آلاف من أهل الشام فحاصروه و كان ابتداء حصار الحجاج ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنتين و سبعين من الهجرة. و في أسد الغابة: حصاره أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين و سبعين من الهجرة و ذكر القولين في الرياض النضرة و حج الحجاج بالناس تلك السنة و وقف بعرفة و عليه درع و مقفر و لم يطوفوا بالبيت و لا بين الصفا و المروة و نصب الحجاج منجنيقا على جبل أبي قبيس كذا في أسد الغابة و حاصره ستة أشهر و سبع عشرة ليلة على ما ذكر ابن جرير و رمى به أحث الرمي و ألح عليه بالقتال من كل جانب و حبس عنهم الميرة و حصرهم أشد حصار و كان يرمي بالمنجنيق من أبي قبيس فيصيب الكعبة حجارة المنجنيق لكون ابن الزبير مكتنا بالمسجد. و في نهاية ابن الأثير أن ابن الزبير كان يصلي في المسجد الحرام و أحجار المنجنيق تمر على إذنه و ما يلتفت كأنه كعب راتب أي منتصب. انتهى كل ذلك من تاريخ الخميس.

و من المقام: هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي، و أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، و أبوه الزبير بن العوام أحد المبشرين بالجنة.

98

ولد عبد اللّه المذكور عام الهجرة، و هو أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، و كانت اليهود تقول: قد أخذناهم فلا يولد لهم بالمدينة ولد. فكبر الصحابة حين ولد، و عن أمه أسماء أنها حملت بعبد اللّه بن الزبير بمكة، قالت: فخرجت و أنا متم فأتيت المدينة، و نزلت بقباء فولدته بقبا، ثم أتيت به رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم فوضعته في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شي‏ء دخل في جوفه ريق النبي (صلى الله عليه و سلم)، ثم حنكه بالتمرة ثم دعا له و برك عليه ثم مسحه و سماه عبد اللّه ثم أمره أبوه الزبير أن يبايع النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو ابن سبع أو ثمان فتبسم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين رآه و بايعه، و لقد وصفه ابن العباس، رضي اللّه عنهما فقال: إنه عفيف الإسلام، قارئ القرآن، أبوه حواري رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أمه بنت الصديق، و جدته صفية عمة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عمة أبيه خديجة بنت خويلد. و عن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مصليا أحسن صلاة من ابن الزبير.

و عن مجاهد: ما كان باب من العبادة إلا تكلفه ابن الزبير، و لقد جاء سيل بالبيت فرأيت ابن الزبير يطوف سباحة، و لقد حفظ ابن الزبير عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو صغير و حدث عنه بجملة من الحديث و عن أبيه و عن أبي بكر و عمر و عثمان و خالته عائشة و سفيان بن زهير و غيرهم، و هو أحد العبادلة و أحد الشجعان من الصحابة، و يكنى بأبي خبيب بولده.

و شهد ابن الزبير، وقعة اليرموك مع أبيه الزبير، و شهد فتح إفريقية و كان البشير بالفتح إلى عثمان و شهد الدار و كان يقاتل عن عثمان، ثم شهد وقعة الجمل مع عائشة و كان على الرجال ثم اعتزل حروب علي و معاوية، ثم بايع لمعاوية فلما أراد أن يبايع ليزيد امتنع و تحول إلى مكة و عاذ بالحرم، فأرسل إليه يزيد سليمان أن يبايع له فأبى و لقب نفسه عائذ اللّه، فلما كانت وقعة الحرة و فتك أهل الشام بأهل المدينة ثم تحولوا إلى مكة فقاتلوا ابن الزبير، و احترقت الكعبة أيام ذلك الحصار ثم جاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية فتوادعوا و رجع أهل الشام و بايع الناس عبد اللّه بن الزبير بالخلافة فلما مات مروان قام عبد الملك بن مروان و جهز الحجاج إلى ابن الزبير فقاتله إلى أن قتل ابن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين من الهجرة، انتهى باختصار من الإصابة في تمييز الصحابة.

99

و ذكر الإمام ابن كثير في تاريخه ترجمة وافية مطولة لعبد اللّه بن الزبير في آخر الجزء الثامن، فمما ورد فيه: عن ثابت البناني قال: كنت أمر بعبد اللّه بن الزبير و هو يصلي خلف المقام كأنه خشبة منصوبة.

و عن يحيى بن وثاب قال: كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تصعد و تصعد لا تراه إلا جذم حائط و قال غيره: كان ابن الزبير يقوم ليله حتى يصبح و يركع ليله حتى يصبح و يسجد ليله حتى يصبح، و عن ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة يصفقها الريح يقع هاهنا و هاهنا. قال سفيان: كأنه لا يبالي به و لا يعده شيئا. و حكى بعضهم لعمر بن عبد العزيز أن حجرا من المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منه فمرت بين لحية ابن الزبير و حلقه، فما زال عن مقامه و لا عرف ذلك من صورته، فقال عمر بن عبد العزيز: لا إله إلّا اللّه جاء ما وصفت. و كان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شي‏ء إليها، و لقد كان يركع فيكاد الرخم أن يقع على ظهره و يسجد فكأنه ثوب مطروح.

و روي أنه كان يوما يصلي فسقطت حية من السقف فطوقت على بطن ابنه هاشم، فصرخ النسوة و انزعج أهل المنزل و اجتمعوا على قتل تلك الحية فقتلوها و سلم الولد، فعلوا هذا كله و ابن الزبير في الصلاة لم يلتفت و لا درى بما جرى حتى سلم. و كان يواصل الصوم سبعا يصوم يوم الجمعة و لا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، و يصوم بالمدينة و لا يفطر إلا بمكة، و يصوم بمكة فلا يفطر إلا بالمدينة، و قال بعضهم: لم يكن يأكل في شهر رمضان سوى مرة واحدة في وسطه. و قال خالد بن أبي عمران: كان ابن الزبير لا يفطر من الشهر إلا ثلاثة أيام. و قال بعضهم: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاث: في العبادة و الشجاعة و الفصاحة.

و قال ليث عن مجاهد: لم يكن أحد يطيق ما يطيقه ابن الزبير من العبادة و قد ثبت أن عثمان، رضي اللّه عنه جعله في النفر الذين نسخوا المصاحف و كان صيتا إذا خطب تجاوبه الجبلان: أبو قبيس، و زروراء.

و كانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع و ستين و حج بالناس فيها كلها، و بنى الكعبة في أيام ولايته و كساها الحرير، و كانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع و المسوح، و كان يطيب الكعبة حتى كان يوجد ريحها من مسافة بعيدة.

100

و كان مقتله على الصحيح المشهور يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين، و أمه لم تعش بعده إلا مائة يوم و كانت أمه قد أتت عليها مائة سنة لم تسقط لها سن و لم يفسد لها بصير، رضي اللّه عنه و عن أبيه و أمه و عن أصحابه أجمعين.

انتهى باختصار من تاريخ ابن كثير.

و جاء في تاريخ الخميس ترجمته مطولة نلخص منه هذه النبذة أيضا:

هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشي، يكنى أبا خبيب، و أمه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق، و أبوه الزبير أحد المبشرين بالجنة، و في الرياض النضرة: بويع ابن الزبير بالخلافة سنة أربع و ستين و قيل سنة خمس و ستين بعد موت يزيد بن معاوية و أجمع على طاعته أهل الحجاز و اليمن و العراق و خراسان و حج بالناس ثماني حجج و في البحر العميق أقام عبد اللّه بن الزبير الحج للناس ثلاث و ستين قبل أن يبايع له فلما بويع له حج ثماني حجج متوالية.

انتهى من تاريخ الخميس.

و جاء في تاريخ الخميس عن شجاعة ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه:

قال هشام بن عروة: لما كان قبل قتل ابن الزبير بعشرة أيام دخل على أمه أسماء و هي شاكية فقال لها: كيف تجدينك يا أماه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية فقال لها: إن في الموت لراحة، فقالت: لعلك تمنيته لي ما أحب أن أموت حتى يأتي عليك أحد طرفيك إما قتلت فإن حسبك و إما ظفرت بعدوك فقرت عيني، قال عروة: فألتفت إلى عبد اللّه فأضحك، و لما كان اليوم الذي قتل فيه دخل على أمه أسماء فقالت له: يا بني لا تقبلن منهم خطة تخاف على نفسك الذل مخافة القتل فو اللّه لضربة بسيف في عز خير من ضربة بسوط في ذل، فأتاه رجل من قريش فقال: ألا نفتح لك الكعبة فتدخلها، فقال عبد اللّه: من كل شي‏ء تحفظ أخاك إلا من حتفه، و اللّه لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم، و هل حرمة المسجد إلا كحرمة البيت، قال: ثم شد عليه أصحاب الحجاج، فقال عبد اللّه: أين أهل مصر، قالوا: هم هؤلاء من هذا الباب لأحد أبواب المسجد، فقال لأصحابه:

اكسروا أغماد سيوفكم و لا تميلوا عني، قال: فأقبل الرعيل الأول فحمل عليهم و حملوا معه و كان يضرب بسيفين فلحق رجلا فضربه فقطع يديه فانهزموا و جعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، ثم دخل عليه أهل حمص فشد عليهم‏

101

و جعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، ثم دخل عليه أهل الأردن من باب آخر فقال: من هؤلاء؟ فقيل: أهل الأردن فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ثم انصرف فأقبل عليه حجر من ناحية الصفا فوقع بين عينيه فنكس رأسه و في الصفوة فأصابته أجرة في مفرقه ففلقت رأسه فوقف قائما و هو يقول:

و لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا* * * و لكن على أقدامنا تقطر الدما

و في الرياض النضرة: ثم اجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه حتى قتلوه و مواليه جميعا، و لما قتل كبر عليه أهل الشام، فقال عبد اللّه بن عمر: المكبرون عليه يوم ولد، خير من المكبرين عليه يوم قتل، و في الرياض النضرة روي أنه لما اشتد الحصار بابن الزبير قامت أمه أسماء يوما فصلت و دعت و قالت: اللهم لا تخيب عبد اللّه بن الزبير و ارحم ذلك السجود و التحنث و الظمأ في تلك الهواجر. و كان قتله يوم الثلاثاء لسبع عشرة أو ست عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين من الهجرة و هو ابن اثنتين أو ثلاث و سبعين سنة كذا أخرجه صاحب الصفوة. انتهى من تاريخ الخميس.

قال أمير الشعراء أحمد شوقي بك (رحمه اللّه تعالى) في كتابه «دول العرب و عظماء الإسلام» في خلافة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما ما نقتطف من قوله ما يأتي:

ابن الزبير و كفى تعريفا* * * إن الشريف يلد الشريفا

أبوه هضبة العلا الشماء* * * و أمه في الشرف السماء

مستقبل الأيام بالصيام‏* * * و متعب الظلام بالقيام‏

و أخوف الناس إذا الليل دجا* * * و أشجع الناس إذا تدججا

و أطهر المعاهدين ذمة* * * و أكبر المجاهدين همة

ثم قال أمير الشعراء بعد عدة أبيات ما يأتي:

فجاء أمه، و من كأمه‏* * * لعلها تحمل بعض همه‏

و البيت تحت قسطل الحجاج‏* * * و خيله أو اخذ الفجاج‏

فقال ما ترين فالأمر لك‏* * * للموت أمضي أم لعبد الملك‏

قالت بني ولد القوام‏* * * و ابن العتيق القائم الصوام‏

102

انظر فإن كنت لدين ثرت‏* * * فلا تفارق ما إليه سرت‏

أو كانت الدنيا قصارى همتك‏* * * فبئس أنت كم دم بذمتك‏

الحق بأحرار مضوا فأحسنوا* * * فالموت من ذل الحياة أحسن‏

و لا تقل هنت بوهن من معي‏* * * فليس ذا فعل الشريف الألمعي‏

و مت كريما أو ذق هوانا* * * و عبث الغلمان من مروانا

أنت إلى الحق دعوت صحبكا* * * فاقض كما قضوا عليه نحبكا

و لا تقل إن مت مثلوا بي‏* * * و طاف أهل الشام بالمصلوب‏

هيهات ما للسلخ بالشاة ألم‏* * * و رب جذع فيه للحق علم‏

و عانقته فأحست درعا* * * قالت أضقت بالمنون ذرعا

مثلك في ثيابه المشمره‏* * * جاهد لا في الخلق المسمره‏

لا تمض فيها و أرق منها الجسد* * * و امض بلا درع كما يمضي الأسد

فنزع النثرة عنه و انطلق‏* * * في قلة يلقى العديد في الحلق‏

فمات تحت المرهفات حرا* * * لم يأل خير الأمهات برا

و عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه تعالى عنهما، و أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي اللّه تعالى عنهما و عن جميع صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أجمعين، مدفونان في مقبرة المعلا بمكة المشرفة و قبرهما معروفان إلى اليوم بجهة شعبة النور و قد وقفنا عليهما أن قبريهما بجوار بعضهما لا يبعدان عن بعضهما إلا بنحو خمسة عشر مترا، و كل قبر منهما عليه جدار قصير من الجهات الأربعة و فتحة للباب رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين.

اختلاف العلماء في بعض المسائل الدينية

بمناسبة اختلاف عظماء الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم في هدم و تجديد بناء الكعبة المعظمة في عهد عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما كما تقدم بيانه و تفصيله، فإنه لما أراد بناء الكعبة بعد احتراقها، دعا ابن الزبير وجوه الناس و أشرافهم و شاورهم في هدم الكعبة و تجديد بنائها، فأشار عليه قليل من الناس بهدمها و بنائها ثانيا، و أبى أكثر الناس هدمها حرمة لها، و كان أشد الناس إباء عليه عبد اللّه بن عباس، رضي اللّه تعالى عنهما، فإنه قال له: دعها على ما أقرها

103

عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها فلا تزال تهدم و تبنى فيتهاون الناس في حرمتها و لكن أرقعها.

فقال ابن الزبير: و اللّه ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه و أمه، فكيف أرقع بيت اللّه سبحانه و تعالى، و أنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله حتى أن الحمام ليقع عليه فتتناثر عليه حجارته.

فكان ممن أشار عليه بهدمها جابر بن عبد اللّه، و عبيد بن عمير، و عبد اللّه بن صفوان بن أمية، فأقام ابن الزبير أياما يشاور و ينظر ثم أجمع على هدمها فهدمها و بناها.

لهذه المناسبة نذكر في هذا المبحث شيئا يسيرا من المسائل التي اختلف العلماء فيها، فمن أصاب بعد الاجتهاد فله أجران، و من أخطأ بعد الاجتهاد فله أجر واحد، لأن أئمة المسلمين و علماءهم منزهون عن الهوى و الأغراض النفسانية، في الحكم على المسائل الدينية و الأمور الشرعية، التي لم يرد فيها نص صريح في الكتاب و السنة.

فمن أشار بهدم الكعبة المشرفة من كبار الصحابة، إنما يريد تقويتها و تجديد بنائها بعد أن رأى ما حل بها من الوهن و تناثر حجارتها، و من أشار بترقيعها و ترميمها و عدم هدمها، نظر إلى حرمتها و عدم العبث فيها بالهدم و البناء خوف التهاون بحرمتها في المستقبل، و لا يخفى أن كلا الفريقين من كبار الصحابة و فضلائهم و من أشراف قريش أولي الحل و العقد، و لكل من الفريقين وجهة معقولة.

و إن ما قام به ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه، من الهدم و البناء لهو عين الصواب.

و من قبل اختلف كبار الصحابة، (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين)، في جمع القرآن الكريم و كتابته، و ذلك بعد وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و في عهد أبي بكر، رضي اللّه تعالى عنه، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن السباق: أن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي اللّه عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، و إني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن و إني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل‏

104

شيئا لم يفعله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال عمر: هذا و اللّه خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك و رأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال أبو بكر:

إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك و قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فتتبع القرآن فاجمعه، فو اللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: هو و اللّه خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح اللّه صدر أبي بكر و عمر، رضي اللّه عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب و اللخاف و صدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره‏ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ... حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما. انتهى.

فانظر رحمك اللّه كيف أن أبا بكر و زيد بن ثابت لم يجمعا القرآن و يكتباه كما أشار عليهما عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه، إلا بعد التروي و التفكير و الجدال، و إنه و اللّه لهو خير عمل قاموا به. و لقد فصلنا مسألة جمع القرآن الكريم في كتابنا «تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه» و هو مطبوع بمصر فارجع إليه إن شئت.

فاختلاف الأئمة و نشأة المذاهب كانت من قبيل هذا الباب، و انظر كيف أنهم اختلفوا قديما في مسألة أخذ الأجرة على كتابة القرآن و تعليمه، و أخذ الأجرة على الأذان و الإمامة، و اختلفوا في حكم بيع دور مكة.

ثم انظر كيف اختلف العلماء في العصور القربية، في حكم شرب قهوة البن، و في شرب دخان التتن و التنباك، و في استعمال الساعات الزمنية التي تبين الأوقات، و في استعمال التليفونات، و غير ذلك. فبعضهم قال بالتحريم و بعضهم قال بالجواز.

و نحن لا نريد سرد جميع المسائل التي اختلفوا فيها، فإن ذلك مما يطول شرحه و يخرجنا عن المقصود، و إنما أتينا بهذا لتنبيه الأذهان و العلم به في الجملة.