التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
105

اختلاف الناس في بعض الأمور الحيوية

و مما يلحق بالمبحث المتقدم و يستحسن الإتيان به و إن كان ما تقدم من المسائل الدينية و ما سنذكره من الأمور الدنيوية المحضة، ما ذكرته إحدى مجلات الهلال التي تصدر بمصر، القاهرة في عصرنا، لم نعلم رقمها و تاريخ صدورها لفقدان غلافها و أوائل أوراقها منها، و نظن أن تاريخ صدورها كان في عام (1930) من الميلاد أو بعده بعام، فقد كتب الأستاذ «أمير بقطر» في هذه المجلة مقالة بعنوان:

«لكل جديد لذعة» هذا نصها:

لكل جديد لذة في بعض الأحابين، و لذعة في غيرها، و ليست المبادئ و العادات و التقاليد وحدها هي التي يصعب نبذها و التمسك بسواها، فإن للأشياء المادية المحسوسة سلطانا على صاحبها و سيادة قوية السواعد، شديدة المراس، كثيرة البطش.

يقول علماء النفس: أن الإقلاع عن عادة ألفها الإنسان و الرجوع عن رأي معروف من الوعورة بمكان عظيم، لأنه يدعو إلى اعتناق مبدأ جديد و اتباع عادة جديدة، و اعتناق هذا المبدأ أو اتباع هذه العادة يتطلب تفكيرا و موازنة و ترجيح مبدأ على مبدأ و عادة على عادة في هذا كله من العناء و النصب و التعب ما لا يخفى، و المرء بطبيعته ميال إلى الراحة و الكسل، و قل من لا يهوى الخلود إلى السكينة و من يرغب في عناء التفكير حبا في البحث عن الحقيقة و الجري وراء الأصلح، ما لم يكن الدافع ضرورة قصوى، اقتصادية أو اجتماعية، اتقاء لشر، أو خشية الوقوع في خطر، أو دفاعا عن النفس.

يقول الرياضيون: إن أقرب مسافة بين نقطتين الخط المستقيم، غير أن الذين يجدون في كل جديد لذعة، يزعمون أن النقطة أو المكان الذي هم فيه هو أقرب مسافة بين نقطتين، كما يزعم الفلاسفة و الساسة أن الخط المتعرج المنحني أقرب هذه المسافات، لأن اللف و الدوران في نظر الفلاسفة أقرب طريق إلى الحقيقة، و في نظر الساسة أقرب طريق إلى نيل المراد، و الجمود في نظر الأصوليين أقرب طريق إلى كل مكان في الوجود.

إن في تاريخ التمدن الإنساني فترات تقهقر فيها البشر خطوات إلى الوراء، و مراحل شلت فيها أعمالهم، و أصاب كبد مشروعاتهم سهام الفشل و الخيبة.

106

و يعزو أحد علماء الكيمياء سبب هذا التقهقر و ذاك الفشل إلى مرض معد يصيب العقول و يتفشى بين الناس بسرعة البرق، و يدعى نيوفوبيا و هو يشبه الهيدروفوبيا، غير أن المرضين و إن اتفقا في الأعراض يختلفان في الأسباب. ففي حالة المرض الثاني يقال إن العليل عند رؤية الماء يعتريه الخوف و الحنق الشديد، و في الحالة الأولى تظهر عليه علائم الانقلاب و التأفف و أعراض الاستياء الشديد عند رؤية كل جديد، و هذا الداء كثير الانتشار و متى أزمن لا يعرف له بين العقاقير من دواء غير السم الزعاف.

و من المشاهد أن الناس جميعهم يحملون جراثيم هذا الداء و كلنا عرضة لظهور أعراض خفيفة منه «و طفح» بسيط من جرائه. و تمتاز عصور عن عصور و بلاد عن بلاد بتفشيه بصفة عدوى سريعة الانتقال، غير أن أسلم طريقة للوقاية منه هي استعمال «مصل» التربية العلمية التي تدعو للتفكير و البحث و قبول الآراء الحديثة.

الاختلاف في استعمال السكة الحديدية

كتب أحد أعضاء البرلمان الإنجليزي في مارس سنة (1825) الكتاب الآتي تعليقا على أول اقتراح في البرلمان لإنشاء أول خط حديدي في إنجلترا:

لقد اتضح لي في ختام الأمر أن صاحب الاقتراح ذاهب العقل لا مشاحة، فقد كان زبد الغيظ يفور من فمه كما تفور القدور، و هو يقترح إدخال تلك الآلة الجهنمية ذلك الوحش الضاري، الذي يحمل ثمانين طنا من السلع، و يزعج عباد اللّه بدخانه الكثيف بين منشستر و ليفربول. و الحمد للّه فقد خنق ذلك الشيطان الملعون في مهده، إذ جاءت أصوات الأغلبية الساحقة ضده و انسحب أصحاب الاقتراح غير مأسوف عليهم.

الاختلاف في استعمال البخار في الأسطول‏

و من قبيل هذا الخطاب ما حدث في مجلس النواب الإنجليزي، فإنه عندما اقترح نائب إدخال البخار في الأسطول، قام نائب آخر منتفضا و خاطب صاحب الاقتراح و هو يتدفق غضبا قائلا:

107

إننا عندما ننخرط في سلك البحرية يا حضرة النائب المحترم، نعرض ذواتنا لخطر الحرب و نذهب متأهبين لمعانقة رقاب المنايا، تقطيعا و نسفا و رميا برصاص البنادق و شظايا القنابل، و لكنا يا حضرة النائب المحترم نأبى أن نغلي غليا و نحن على قيد الحياة.

الاختلاف في استعمال التدفئة و أنابيب الماء و تشييد المنازل العالية

و لما أن أدخلت نظم التدفئة و أنابيب الماء و شيدت المنازل العالية ذات الأدوار العديدة في «روما» استشاط سفيكا الحكيم الروماني غيظا، و نقم عليها و أعلن سخطه على رؤوس الملأ قائلا: إنها خطر داهم على الأخلاق و تهديم للفضيلة و تحسر على الماضي، و أبان كيف أن الأقدمين كانوا يعيشون أحرارا نبلاء تحت سقوف من القش، في حين أن العصريين عبيد أرقاء تستر ذلتهم قصور عمادها المرمر و الرخام، و جدرانها المنقوشة بالذهب الوهاج.

و لو أتيح لهذا الحكيم أن يبعث من قبره اليوم و يشاهد إحدى ناطحات السحاب التي يتجاوز عدد طبقاتها المائة في نيويورك لغته اللاتينية.

الاختلاف في استعمال الشوكة و السكين في الأكل‏

و حدث في الجيل السابع عشر للميلاد أن رجلا دخل محلا حاملا معه آلة شيطانية و هي شوكة الأكل المعروفة، و لما أن عرف عنه أنه يستعملها للقبض على قطع اللحم بدلا من أصابعه كان موضع الهزء و السخرية. وعد عمله هذا مجونا و إهانة للعناية الربانية و قالوا: «كيف يجرؤ امرؤ أن يخجل من لمس طعام بإصبعه».

و من أسخف و أغرب ما سمعناه منذ سنوات، أن مدرسة أجنبية للبنات في مصر كانت تشجع الفتيات (المصريات) على الأكل بأصابعهن بدلا من السكينة و الشوكة، بدعوى المحافظة على التقاليد الشرقية، ألا يعلم أصحاب ذلك المعهد أن الشوكة لم تهبط على أوربا من السماء، و أن مصر كغيرها من البلدان، لها حق التمتع بمزايا الميراث الاجتماعي في حدود المعقول أيا كان منشؤه و نوعه، و أن الاستعانة بالآلات على اختلاف أنواعها لمن الفروق الهامة بين الهمجية و المدنية.

108

الاختلاف في لبس البنطلونات‏

و لما اعتنق البلغاريون المسيحية، عقد رجال الدين مجلسا للبحث، في هل تتفق السراويل التي يلبسها أهالي بلغاريا مع الدين الجديد الذي تدينوا به، و ذلك لأن السراويل (البنطلونات) كانت غير معروفة عند المسيحيين في بادئ الأمر، و قد انقلبت الآية اليوم فإن بعض المسيحيين الذين ينشرون دينهم في آسيا و أفريقيا، يشجعون معتنقي المسيحية على ارتداء السراويل تشبها بهم سواء أكان ذلك يلائم جو البلاد أم لا يلائمه.

و في عصر شكسبير كان يقوم الرجال بأدوار السيدات في رواياتهم، كما يفعل الآن طلبة مدارسنا في كثير من الأحوال، و لما أن ظهرت في فرنسا سنة (1629) ميلادية «بدعة جديدة» و هي أن يقوم النساء بالأدوار النسائية أخذ المتفرجون في الصفير و الزمر و ضرب الممثلين و الممثلات ببذور البرتقال.

الاختلاف في استعمال النظارات‏

و من أفكه القول ما وقع في إنجلترا عند ظهور النظارات تحت إشراف الجمعية الملكية، فقد طعن بعضهم في الزي الجديد و قالوا: إنه مفسدة للأخلاق، و أن النظارة تعدم المساواة بين من يلبسها و من لا يلبسها من الرجال، و أضافوا إلى هذا أن المرأة لا يمكنها أن تضع نظارة على عينيها لأسباب تتعلق بالجمال و الحكمة، و بهذا تعدم المساواة بين الرجل و المرأة. و أذاع قسيس مشهور بيانا أعلن فيه أن في النظارات اعتداء جريئا على الأخلاق، لأن فيها قلبا للحقائق المرئية بالعين المجردة، و وضع الأشياء وضعا غير طبيعي لما تشعه عليها من ضوء كاذب.

الاختلاف في استعمال أحواض الاغتسال‏

و في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد أقبل الناس في أمريكا على شراء سلعة جديدة، و هي أحواض الحمامات «بانيو» لاستعمالها في المنازل، و ما كادت تأتي إلى عالم الوجود حتى هجاها رجال الأقلام و الصحافة، بألسنة حداد، و قالوا:

إنها مدعاة للبذخ و الإسراف و منافية لمبادئ الديمقراطية، و زاد الأطباء في الطنبور نغمة فادعوا أنها خطر يهدد الصحة العامة و نادوا بمقاطعتها، و استعان المعارضون‏

109

بالحكومة كالمعتاد، و طلبوا منها مصادرة هذه البدعة أو تضييق نطاقها، بفرض ضريبة جسيمة على أصحابها و إجبارهم على استخراج رخص رسمية قبل السماح لهم بالانتفاع بها، و فعلا بلغت الضربية على الحوض الواحد في ولاية «فرجينيا» ثلاثين ريالا، و حرمت بلدية بوستن استعمال هذه الأحواض تحريما باتا شرعيا إلا إذا أشار الأطباء على أحد بها.

الاختلاف في استعمال المطابع‏

و عند ظهور الكتب المطبوعة لأول مرة لم يقبل الناس على شرائها، حتى أفهموا غشا و تضليلا أنها مخطوطات، و طعن العلماء الطليان على الطباعة طعنا جارحا، و قالوا إنها بدعة همجية ألمانية و نادى كهنتهم «لنهدم كيان الطباعة أو تهدم هي كياننا».

و لما دخلت المطبعة إلى تركيا في زمن السلطان أحمد الثالث، أفتت مشيخة الإسلام بجواز استعمالها، إلا أنه بقي طبع المصحف ممنوعا، ثم عادت الدولة العثمانية فمنعت المطبعة، ثم جاء السلطان عبد الحميد الأول فأعادها، و جاء السلطان محمود فاهتم بها أكثر، و يقال إنه في سنة (1129) هجرية أفتى شيخ الإسلام بالآستانة عبد اللّه أفندي بجواز طبع الكتب غير الدينية، و قيل: بل إنه أفتى بجواز الطباعة.

الاختلاف في أكل الملح و الموز و البطاطس و الطماطم‏

و عند وصول السفينة الأولى إلى إنجلترا محملة ملحا لم يقبل على شراء الملح أحد فألقي في اليم.

و الموز على حلاوته كان «مضغة» في الأفواه عند أول ظهوره في لندن، فلم يتيسر لتجاره أن يوزعوه بأي ثمن. و أخيرا حاولوا توزيعه مجانا على صعاليك المدينة و فقرائها فأبوا، و أخيرا ترك في مكانه يتسرب إليه الفساد.

و البطاطس في بدء عهد إنجلترا بها أعدمت بدعوى أنها ضارة بالمجتمع الإنساني. أما الطماطم فديست بالأقدام، لأن فيها إفسادا لأخلاق الأمة.

110

الاختلاف في قبول البنات في المدارس‏

منذ سبعين عاما أي في حوالي سنة (1850) ميلادية لم تقبل البنات في أميركا سوى كلية واحدة، و لم تقبل امرأة في مطعم إلا مصحوبة بذويها، و لم يكن لامرأة حق التصويت في بلاد العالم كلها، و منذ عهد قريب لما أن ألقت السيدات الحجارة على البرلمان الإنجليزي احتجاجا على حرمانهن من حق الانتخاب، صاح أحد النواب متهكما: «زوجوا الأوانس منهن فيكففن عن المطالبة بحقوقهن».

الاختلاف في استعمال الكهرباء

و الكهرباء عند بدء إدخالها في عواصم المديريات في مصر لم تقبل على الرحب و السعة من جميع السكان على السواء، فقيل عنها في بعض الدوائر أنها تذهب بالبصر و تلحس نور العين، و قيل عنها في أوساط أخرى أنها تعرض المباني و المنازل لخطر الحريق، و تباهي بعض ذوي البنايات الفخمة من أعداء الجديد، بأنهم محافظة على التقاليد يرفضون بتاتا إدخال البدعة الغربية في منازلهم، و قد رفض الكهنة في كثير من الكنائس أن يجعلوا للشموع و القناديل الزيتية مزاحما، فبقيت الكهرباء ردحا من الزمن حرما محرما غير أنني أذكر أن تلك العقبات التي وضعت في سبيل هذا الاختراع العجيب لم تك إلا حواجز من الهشيم، حيث أقبل الناس جميعا فيما بعد على استعمال الكهرباء، و أضيئت بها الكنائس فبددت غياهب الظلمات فيها، و اختفت أمام شموعه الساطعة أصوات المحتجين من ذوي العمائم السوداء.

الاختلاف في استعمال السيارات و العربات‏

و لا أزال أذكر أيضا أن بعض الأعيان في عواصم المديريات على غناهم الوافر و ثرواتهم الطائلة ظلوا زمنا طويلا يترددون في استعمال العربات و الأوتومبيلات، و داموا يمتطون ظهور الحمير البيضاء المقصوصة الشعر المكسوة سرجها بالقطيفة الحمراء يخترقون شوارع المدينة الكبرى، فيقف لهم الناس إجلالا على الجانبين، و هم يفاخرون أنهم لا يزالوان على عهودهم الماضية و أن ظهر الدابة أكثر و جاهة و أعز جانبا و أرفع مقاما من متكآت العربة و مساند الأوتومبيل، و أن خطوة الحمار

111

الهادئة و مشيته الوئيدة الناعمة، أصح للمعدة و الأمعاء من رجة السيارة و سرعتها الخاطفة، و صعودها و هبوطها و حركاتها البهلوانية الشيطانية و جموحها الذي لا يكبح.

الاختلاف في استعمال الشمسية

في أوائل القرن الثامن عشر للميلاد أدخلت الشمسية «أي المظلة» إلى أوروبا، فاستقبلها الناس عند ظهورها بجميع مظاهر السخرية و الاستهزاء، بل لما ظهرت لأول مرة في شوارع لندن أخذ المارة يرشقون حاملها بالحجارة، ثم فيما بعد ألفها الناس و أدركوا منافعها.

الاختلاف في استعمال الصابون‏

جاء في كتاب «صفحات من تاريخ الكويت» تأليف الأستاذ يوسف بن عيسى القناعي ما نصه: و كانوا- أي أهل الكويت- إذا أكلوا العصيدة مسحوا أيديهم بأرجلهم، و كانوا لا يستعملون الصابون إلا من مدة قليلة، و أذكر بهذه المناسبة النادرة التالية و هي:

دخل رجل اسمه عيسى أبو عبود على المرحوم الأخ أحمد، فوجده يغسل يده بالصابون بعد العشاء فقال له متأسفا: آفا عليك يا أحمد تغسل يدك بالصابون؟

فأجابه أحمد أن الأخ يوسف يغسل يده بالصابون مثلي، فرد عليه عيسى بشدة:

حاشا على ذلك الوجه أن يغسل يده بالصابون. انتهى من الكتاب المذكور.

فانظر رحمك اللّه إلى مثل هذا التعصب الشديد، و اعلم أن كثيرا من بدو الأعراب و بدو اليمن يفعلون ذلك أيضا، أي يمسحون أيديهم في وجوههم أو في ذراعهم أو في أرجلهم بعد الأكل الذي فيه الدسم كاللحم و السمن و الشحم، و لا يغسلون أيديهم و يقولون كيف يغسلون أيديهم من نعمة اللّه. و هذه حالة قديمة العهد ترجع إلى العصور الأولى من نشأة الإنسان و لكن هذه الحالة تزول سريعا من البدو و الأعراب إذا خالطوا أهل المدن.

112

الاختلاف في بناء برج إيفل بباريس‏

لما أراد «جوستاف إيفل» بناء البرج العظيم في باريس عاصمة فرنسا الذي سمي فيما بعد باسمه «برج إيفل» وجد عقبات كثيرة في مشروعه هذا و قام ضده كثيرون و نسبوه إلى الجنون، بل قدموا فيه مذكرة رسمية قالوا فيها ما يأتي:

«نحن جماعة الكتاب و المصورين و النحاتين و المهندسين و عشاق باريس الذين يغارون على جمالها، نحتج بكل قوانا و نعرب عن مزيد اشمئزازنا باسم الذوق الفرنسي و الفن الفرنسي، بل باسم تاريخ فرنسا كله المعرض الآن للاحتقار بسبب إقامة برج إيفل الشنيع المنظر الذي لا فائدة منه على الإطلاق في قلب عاصمتنا الجميلة».

هذا ما كتبه حساده و معارضو مشروعه، لكن الرجل لم يحفل بهم لأنه كان قوي الإيمان بفائدة مشروعه العظيم، فبدأ بإنشاء البرج في سنة (1887) سبع و ثمانين و ثمانمائة و ألف من الميلاد، و أكمل بناءه في سنة (1889) ميلادية، و بعد سنة من إكمال بنائه فتح للجمهور.

ثم إنه في سنة (1903) من الميلاد أنشئت في هذا البرج إدارة للتلغراف و اللاسلكي و هو من أكبر المحطات اللاسلكية في العالم، و قد زاد إيراد البرج في السنة الأولى من حياته على نفقة بنائه، و لا تزال إيراداته عظيمة جدا، و قد بلغت نفقات بناء هذا البرج سبعة ملايين و ثمانمائة ألف فرنك في ذلك الوقت، و بلغ عدد الذين زاروه يوم الاحتفال بافتتاحه (23200) شخص.

و يبلغ عمق أساسه خمسة عشر مترا، و يبلغ ارتفاعه ثلاثمائة متر، و يبلغ وزن الحديد الذي فيه من أساسه إلى قمته سبعة ملايين كيلو غرام، و استنفذ في رسوم تصميماته خمسة عشر ألف متر مربع من ورق الرسم.

الاختلاف في الانتقال من الأحياء القديمة

و لم يغب عن ذاكرتي المنازعات و الخصومات التي كانت تقوم بين الآباء و أبنائهم في أعرق الأسر و أكرمها، و لم تك هذه الحروب الشعواء إلا صراعا بين أب محافظ يريد أن يقضي البقية الباقية من حياته في منزل أجداده في ذلك الحي القديم، الذي هجره ذووه و لم يبق فيه إلا الفقراء و متوسطو الحال، و بين ولد

113

يرغب في الانتقال إلى أحد الأحياء الجديدة حيث يقطن «ذوات» البلد و حيث تكثر المنازل الحديثة التي تتوافر فيها الشمس المضيئة و الهواء النقي و المرافق الحديثة، و الحمامات المجهزة بالأحواض و الأنابيب التي يجري بها الماء الساخن و البارد، و الغرف الصحية المطلة على الحدائق الغناء.

الاختلاف في تعليم البنات‏

و يقول أمين سامي باشا في مؤلفه «التعليم في مصر» إن الأهالي في أول الأمر كانوا عقبة كؤودا في طريق تعليم بنيهم، أما تعليم البنات فلم يصادف تسهيلا في أول الأمر، حتى اضطر محمد علي باشا إلى إصدار أمره بشراء عشر جوار سودانيات صغيرات السن لتلقي فن الولادة و معهن اثنان من أغوات حرم القصر ليتعلما فن الطب و الجراحة. و ليست العقبات التي صادفها محبذو تعليم البنات ببعيدة العهد، فإن إحصاءات سنة (1930) ثلاثين و تسعمائة و ألف ميلادية فقط تدل على أن عدد الطالبات في مدارس وزارة المعارف الثانوية لم يتجاوز (396) مقابل (14877) من الطلبة الذكور.

و قد لاقى كلوت بك في مدرسة قصر العين الأمرين لأن الأهالي كانوا يعارضون في تشريح الجثث و يعدونه اعتداء على حرمة الموتى.

و عند إنشاء مدرسة روض الأطفال في قصر الدوبارة بمصر منذ سنوات تعبت ناظرة المدرسة كثيرا في إقناع الوزارة بأن قبول البنين و البنات للتعليم تحت سقف واحد من تلك المدرسة لا عيب فيه لأنهم أطفال أبرياء لا تتجاوز سنهم السادسة.

إلى هنا انتهى مقالة أمير بقطر في مجلة الهلال. و أمثال هذا كثير و فيما تقدم الكفاية.

نقول: إن ما تقدم من الأمور المختلفة و قد حكم الناس بادئ الأمر فيها بالرفض، ثم أجمعوا على قبولها و استعمالها، لو أنهم ترووا في الحكم و نظروا بإمعان، لوصلوا إلى نتيجة حسنة و حكم مرضي في جميع الحالات، و فيما ذكرناه درس مهم واضح، و الدنيا عبر و دروس و المعتبرون أنواع شتى، و كل يأخذ نصيبه بقدر استعداده.

114

البناية العاشرة: بناء الحجاج الثقفي الكعبة

(العاشر) ممن بنى الكعبة الغراء: الحجاج بن يوسف الثقفي.

قال الإمام الأزرقي في تاريخه بعد أن ذكر بناء عبد اللّه بن الزبير إلى أن قتل، رضي اللّه تعالى عنه و عن أبيه ما نصه:

و دخل الحجاج مكة فكتب إلى عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير زاد في البيت ما ليس منه و أحدث فيه بابا آخر فكتب إليه يستأذنه في رد البيت على ما كان عليه في الجاهلية، فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن سد بابها الغربي الذي كان فتحه ابن الزبير و إهدام ما كان زاد فيها من الحجر و أكبسها به على ما كانت عليه فهدم الحجاج منها ستة أذرع و شبرا مما يلي الحجر و بناها على أساس قريش الذي كانت استقصرت عليه و كبسها بما هدم منها و سد الباب الذي في ظهرها و ترك سائرها لم يحرك منه شيئا فكل شي‏ء فيها اليوم بناء ابن الزبير إلا الجدار الذي في الحجر فإنه بناء الحجاج و سد الباب الذي في ظهرها و ما تحت عتبة الباب الشرقي الذي يدخل منه اليوم إلى الأرض أربعة أذرع و شبر كل هذا بناء الحجاج، و الدرجة التي في بطنها اليوم و البابان اللذان عليها اليوم هما أيضا من عمل الحجاج.

سبب بناء الحجاج الكعبة

يظن بعضهم أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لم يأمر الحجاج بهدم ما زاده ابن الزبير في الكعبة إلا للخصومة التي كانت بينهما، و لكن هذا الظن ليس في محله و يبعد على جميع المسلمين بالأخص أهل القرن الأول الذين هم خير القرون أن تمتد أيديهم إلى بيت اللّه الحرام بالهدم و البناء اتباعا لهوى النفس و نكالا بالخصم بل أنهم لا يجرؤون على بنائه و تعميره إلا في حالة الاضطرار و النهاية القصوى و بعد الاستشارة و استفتاء العلماء.

و حقيقة الأمر: أن عبد الملك بن مروان ما أمر الحجاج بذلك إلا ظنا منه أن ابن الزبير لما احترقت الكعبة في أيام حصاره هدمها و بناها على حسب رغبته و اجتهاده و يدل على ذلك ما ذكره الإمام الأزرقي في تاريخه فإنه قال: فلما فرغ الحجاج من هذا كله- أي بناء الكعبة- وفد بعد ذلك الحارث بن عبد اللّه بن أبي‏

115

ربيعة المخزومي على عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب- يعني ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها في أمر الكعبة، فقال الحارث: أنا سمعته من عائشة قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن قومك استقصروا في بناء البيت و لو لا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا منه فإن بدا لقومك أن بينوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و جعلت لها بابين موضوعين على الأرض بابا شرقيا يدخل الناس منه، و بابا غربيا يخرج الناس منه، قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أنا سمعت هذا منها، قال: فجعل ينكت منكسا بقضيب في يده ساعة طويلة ثم قال:

وددت و اللّه أني تركت ابن الزبير و ما تحمل من ذلك. انتهى من الأزرقي.

فهذا دليل واضح أن عبد الملك ما كان يعلم أن ابن الزبير بنى الكعبة بموجب الحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه عنها، فلما ثبت ذلك كله عنده و تحقق لديه ندم على فعله فإذا تأملت في الحديث المذكور لمع لك بارق المعجزة النبوية ففي قوله (صلى الله عليه و سلم) لعائشة: فإن بدا لقومك أن بينوه فهلمي لأريك الخ ...

معجزة باهرة على أن الكعبة ستبنى بعد وفاته و في إخباره لها بذلك بالأخص إشارة إلى أن بناءها يكون في حياتها و أن الذي سيبنيها هو من أقاربها عبد اللّه بن الزبير هو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنه، و قد تحقق كل ذلك و كلتا الإشارتين تحققتا بعد موته (صلى الله عليه و سلم) بثلاث و خمسين سنة.

جاء في الجزء الثاني من شرح كتاب «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» عند حديث: «لو لا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته ... الخ» ما نصه: و لما أراد هارون الرشيد أن يهدم البيت و يعيده على هيئة ابن الزبير الموافقة لأساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام، حسب رغبة نبينا (صلى الله عليه و سلم) نهاه إمامنا مالك بن أنس عن ذلك سدا للذريعة، و قال له: ناشدتك اللّه لا تجعل بيت اللّه ألعوبة للملوك، كلما جاء ملك نقضه و بناه، فتزول هيبته من قلوب الناس، فانتهى هارون الرشيد عن ذلك و استحسن إشارة مالك (رحمه اللّه تعالى) و جزاه عن الإسلام خيرا، ما أشد تحريه و اتباعه للسنة، و ما أحسن عمله بسد الذرائع الذي هو من أصول مذهبه القويم. انتهى من الكتاب المذكور.

116

الخلاصة في كيفية بناء الحجاج الثقفي‏

فخلاصة الكلام المتقدم كما ذكرناها في كتابنا «مقام إبراهيم (عليه السلام)» المطبوع بمصر هي: أن الحجاج الثقفي بعد محاصرة ابن الزبير و قتله كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها و أحدث فيها بابا آخر و استأذنه في رد ذلك على ما كان عليه في الجاهلية فكتب إليه عبد الملك أن يسد بابها الغربي و يهدم ما زاده فيها ابن الزبير من الحجر و يكبسها على ما كانت عليه ففعل الحجاج ذلك و هدم من الكعبة ستة أذرع و شبرا مما يلي الحجر فقط و بناها على أساس قريش و ترك سائرها لم يحرك منها شيئا و بذلك اتسع الحجر و جعل لها أربعة أركان على هيئة بناء ابن الزبير و سد الباب الغربي الذي في ظهرها و نقض من طول الباب أربعة أذرع و شبرا فصار طوله ستة أذرع و شبرا و رفع الباب الشرقي عن الأرض و ذلك سنة أربع و سبعين هجرية.

و لا تظن أن الحجاج حسد ابن الزبير على بنائه الكعبة أو أراد محو آثار بنائه لأنه وقف في وجهه و حاربه كلا، فإن امتداد الأيدي بالتلاعب ببيت اللّه تعالى لن يكون من أحد من المسلمين لغرض نفساني و معاندة لخصم و إنما إخباره عن بناء ابن الزبير رضي اللّه عنهما للكعبة لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان واجب لأنه نائبه في الحجاز فلا بد أن يخبره بكل ما حدث من الأمور. و يدل على ما ذكر ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الحج فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك و يخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شي‏ء الخ ... فهذه الجملة من الحجاج تدل على حكمه بصواب بناء ابن الزبير الكعبة لكن عبد الملك بن مروان لم يرض بذلك.

فكل شي‏ء فيها من بناء ابن الزبير رضي اللّه عنه، إلا الجدار الذي في الحجر فإنه من بناء الحجاج و كذلك ما تحت عتبة الباب الشرقي إلى الأرض و الدرجة الموصلة لسقف الكعبة على داخلها و البابان اللذان عليهما هما أيضا من بناء و عمل الحجاج و لقد بقيت الكعبة على عمارة الحجاج إلى زمن السلطان مراد كما سيأتي.

117

و كان حجر إسماعيل في بناء إبراهيم (عليهما السلام) و في بناء ابن الزبير صغيرا و مقداره فيهما واحدا أما في بناء قريش و في بناء الحجاج فكان واسعا و مقداره واحدا بالصفة التي هو عليها اليوم لأن الحجاج بنى الكعبة بالصفة التي بنتها قريش و هي كانت نقصت من الكعبة من جهة الحجر ستة أذرع و شبرا و بذلك اتسع الحجر.

ما كان من العمارة في الجدار الذي بناه الحجاج‏

قال الغازي في تاريخه عند ذكر ما وقع من التعميرات في الكعبة: فمن ذلك عمارة في الجدار الذي بناه الحجاج لانفتاحه من وجه الكعبة و دبرها، ذكر ذلك إسحاق بن أحمد الخزاعي أحد من روى عن الأزرقي في تاريخه و نص كلامه: و أنا رأيتها و قد عمر الجدار الذي بناه الحجاج مما يلي الحجر فانفتح من البناء الأول الذي بناه ابن الزبير مقدار نصف إصبع من وجهها و من دبرها و قد رضم بالجص الأبيض و قد رأيتها حين جردت الكعبة في آخر ذي الحجة سنة ثلاث و ستين و مائتين. انتهى من تاريخ الغازي.

وجوب الطواف من وراء جدار الحجر

و جاء في كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة» ما نصه: قال النووي في شرح مسلم: و قد ذكروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكور في الباب فقال مالك: ناشدتك اللّه يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد إلا نقضه و بناه فتذهب هيبته من صدور الناس ثم قال النووي: قال أصحابنا- يعني علماء الشافعية- ست أذرع عن الحجر مما يلي البيت محسوبة من البيت بلا خلاف و في الزوائد خلاف فإن طاف في الحجر و بينه و بين البيت أكثر من ستة أذرع ففيه و جهان لأصحابنا أحدهما يجوز الظواهر هذه الأحاديث و هذا هو الذي رجحه جماعات من أصحابنا الخراسانيين، و الثاني لا يصح طوافه في شي‏ء من الحجر و لا على جداره، و لا يصح حتى يطوف خارجا من جميع الحجر و هذا هو الصحيح و هو الذي نص عليه الشافعي، و قطع به جماهير أصحابنا العراقيين رجحه جمهور

118

الأصحاب، و به قال جميع علماء المسلمين سوى أبي حنيفة فإنه قال: إن طاف في الحجر و بقي في مكة أعاده و إن رجع من مكة بلا إعادة أراق دما و أجزاه طوافه، و احتج الجمهور بأن النبي (صلى الله عليه و سلم) طاف من وراء الحجر، و قال: «لتأخذوا مناسككم» ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه (صلى الله عليه و سلم) إلى الآن و سواء كان كله من البيت أم بعضه فالطواف يكون من ورائه كما فعل النبي (صلى الله عليه و سلم) و اللّه أعلم. اه.

مميزات بناء الحجاج‏

الحقيقة ليس في بناء الحجاج الثقفي من مميزات، لأنه هدم بأمر عبد الملك ما عمله ابن الزبير فيها و بناها بالصفة التي بنتها قريش، و لا بأس أن نذكر مميزات بنائه زيادة في الإيضاح و لنمش كما سبق على و تيرة واحدة، و هذه هي المميزات:

(1) بنى الحجاج الكعبة على صفة بناء قريش.

(2) هدم الحجاج ما زاده ابن الزبير رضي اللّه عنه و هو ستة أذرع و شبر، من جدارها الذي جهة الحجر و لم يتعرض لهدم ما بقي منها.

(3) و جعل للكعبة أربعة أركان كما فعله ابن الزبير.

(4) و رفع بابها الشرقي عن الأرض و كبس داخل الكعبة كما فعلته قريش.

(5) و نقص من طول الباب أربعة أذرع و شبرا.

(6) و سد الباب الغربي الذي بظهر الكعبة و الذي فتحه ابن الزبير.

(7) و كان بناء الحجاج على أساس بناء قريش، ما عدا جدار الكعبة الذي جهة الحجر فقد أبقاها بركنين كما فعله ابن الزبير، و لم يجعله مدورا كما فعلته قريش.

(8) تكون الدرجة الداخلية للكعبة من عمل الحجاج لأنها كانت في الجدار الذي هدمه، كما تكون عتبة الباب الشرقي إلى الأرض من عمل الحجاج أيضا لأنه هو الذي رفع الباب عن الأرض.

(9) و كان ذلك سنة (74) أربع و سبعين للهجرة.

ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي‏

قال المسعودي في كتابه مروج الذهب: إن أم الحجاج الفارعة بنت همام بن عروة ابن مسعود الثقفي كانت تحت الحارث بن كلدة الثقفي الطائفي حكيم‏

119

العرب، فدخل عليها مرة سحرا فوجدها تتخلل فبعث إليها بطلاقها، فقالت: لم بعثت إلي بطلاقي؟ هل لشي‏ء رابك مني؟ قال: نعم، دخلت عليك في السحر و أنت تتخللين فإن كنت بادرت الغداء فأنت شرهة، و إن كنت بت و الطعام بين أسنانك فأنت قذرة، فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك. فتزوجها بعده يوسف بن أبي عقيل الثقفي فولدت له الحجاج مشوها لا دبر له، فنقب عن دبره.

و ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد أن الفارعة المذكورة كانت زوجة المغيرة بن شعبة، و أنه هو الذي طلقها لأجل الحكاية المذكورة في التخلل، و ذكر أيضا أن الحجاج و أباه كانا يعلمان الصبيان بالطائف ثم لحق الحجاج بروح بن زنباع الجذامي وزير عبد الملك بن مروان فكان في عديد شرطته، ثم إن عبد الملك بن مروان قلده أمر عسكره. اه.

و لقد كان الحجاج من حفاظ القرآن المعدودين و هو الذي أمر أن يضعوا للحروف المشتبهة علامات، و دعا نصر بن عاصم الليثي و يحيى بن يعمر العدواني لهذا الأمر فاخترعا نقط الحروف الهجائية لتمييز بعضها عن بعض كالدال و الذال و الفاء و القاف ليأمنوا اللبس و الاشتباه و التصحيف.

و أخبار الحجاج كثيرة، و هو الذي بنى مدينة واسط و هي واقعة بين البصرة و الكوفة و فرغ من بنائها سنة ست و ثمانين، و قيل ثمان و سبعين و بها مات و دفن و عفى قبره و أجرى عليه الماء، و كانت وفاته سنة خمس و تسعين، و عمره أربع و خمسون سنة. انتهى باختصار من تاريخ القاضي ابن خلكان.

و قد ذكر الإمام ابن كثير في تاريخه ترجمة طويلة للحجاج بن يوسف في الجزء التاسع فمما ورد فيه: أنه خطب فذكر القبر، فما زال يقول إنه بيت الوحدة و بيت الغربة حتى بكى و أبكى من حوله، و كان مولد الحجاج سنة تسع و ثلاثين، و نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن. قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة، قال عقبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض إلا الحجاج و إياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس، و كانت فيه شهامة عظيمة، و كان كثير قتل النفوس التي حرمها اللّه بأدنى شبهة، و كان ناصبيا يبغض عليا و شيعته، هوى في آل مروان بني أمية، و كان جبارا عنيدا، و كان حريصا على الجهاد و فتح البلاد، و كان فيه سماحة بإعطاء

120

المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرا، قال عمر بن عبد العزيز: ما حسدت الحجاج عدو اللّه على شي‏ء حسدي إياه على حبه القرآن و إعطائه أهله عليه، و قوله حين حضرته الوفاة: اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل.

و لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول:

يا رب قد حلف الأعداء و اجتهدوا* * * بأنني رجل من ساكني النار

أيحلفون على عمياء و يحهم‏* * * ما علمهم بعظيم العفو غفار

فأخبر بذلك الحسن فقال: باللّه إن لينجون بهما، و زاد بعضهم في ذلك:

إن الموالي إذا شابت عبيدهم‏* * * في رقهم عتقوهم عتق أبرار

و أنت يا خالقي أولى بذا كرما* * * قد شبت في الرق فأعتقني من النار

و لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته، حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام و ميتم الأيتام و مرمل النساء و مفلق الهام و سيد أهل الشام قد مات ثم أنشأت تقول:

اليوم يرحمنا من كان يبغضنا* * * و اليوم يأمننا من كان يخشانا

و مات بواسط و عمره خمس و خمسون سنة، و أجري عليه الماء لكيلا ينبش و يحرق، و زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم و مصحفا و سيفا و سرجا و رحلا و مائة درع موقوفة، قال عوف: ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال: مسكين أبو محمد إن يعذبه اللّه فبذنبه، و إن يغفر له فهنيئا له، و إن يلق اللّه بقلب سليم فهو خير منا، و قد أصاب الذنوب من هو خير منه. فقيل له:

ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم اللّه تعالى منه الحياء و الإيمان و أن يعلم اللّه الحق، و أن الساعة حق قائمة، و أن اللّه يبعث من في القبور. و قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: كان الحسن البصري لا يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه قال: فرآه في منامه، فقال له: أنت الحجاج؟

قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل اللّه بك؟ قال: قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين، قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه و اللّه تعالى أعلم. انتهى باختصار من تاريخ ابن كثير.

جاء في مجلة الاعتصام التي تصدر بالقاهرة بتاريخ جمادى الآخرة سنة 1376 ما يأتي:

121

ابن المسيب و الحجاج: صلى الحجاج بجوار ابن المسيب فرآه يرفع قبل الإمام و يضع رأسه كذلك فلما سلم أخذ بثوبه حتى فرغ من صلاته و دعا به ثم رفع نعله على الحجاج فقال: يا سارق يا خائن تصلي هذه الصلاة؟ لقد هممت أن أضرب بها وجهك، و كان الحجاج حاجا فرجع إلى الشام و جاء واليا على المدينة و دخل من فوره إلى المسجد قاصدا مجلس ابن المسيب فقال له: أنت صاحب الكلمات؟

قال: نعم أنا صاحبها، قال: جزاك اللّه من معلم و مؤدب خيرا، ما صليت بعدك إلا ذاكرا قولك.

حكاية الحجاج مع الأعرابي‏

و مما هو معدود من حلم الحجاج: أنه لقي رجلا بظاهر الكوفة فسأله رأيه في الحجاج، فقال الرجل: زعموا أنه من ثمود و كفى بسوء سيرته شرا، فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، قال الحجاج: أتعرفني؟ قال: لا! قال: أنا الحجاج. فقال الرجل: أتعرفني أيها الأمير، أنا مولى بني عامر أجن في الشهر ثلاث مرات و هذا اليوم اشتد الصراع علي، فضحك الأمير و عفا عنه. اه.

خرج الحجاج ذات يوم فأصحر و حضر غداؤه فقال: «اطلبوا من يتغدى معنا» فطلبوا فلم يجدوا إلا أعرابيا في شملة، فأتوه به. فقال له: «هلم» قال له:

«قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته» قال: «و من هو» قال: «اللّه تبارك و تعالى دعاني إلى الصيام فأنا صائم» قال: «صوم في مثل هذا اليوم على حر» قال:

«صمت ليوم هو أحر منه» قال: «فافطر اليوم و تصوم غدا». قال: «أو يضمن لي الأمير أن أعيش إلى غد» قال: «ليس ذلك إلي». قال: «فكيف تسألني عاجلا بآجل ليس لي إليه سبيل» قال: «إنه طعام طيب» قال: «و اللّه ما طيبه خبازك و لا طباخك، و لكن طيبته العافية» قال الحجاج: «تاللّه ما رأيت كاليوم».

نقل الحجاج إلى العراق‏

جاء في كتاب «سيف بني مروان الحجاج الثقفي» تأليف الأستاذ عبد الرزاق حميدة ما يأتي:

يروي تاريخ الأدب أن عبد الملك نقل الحجاج من الحجاز إلى العراق بعد وفادة وفدها عليه و معه إبراهيم بن محمد بن طلحة، و كان الحجاج قد استخلصه‏

122

لنفسه و قربه و عظم منزلته، فلما دخل عليه لم يبدأ بشي‏ء بعد السلام إلا أن قال له: «قدمت عليك أمير المؤمنين برجل الحجاز لم أدع له بها نظيرا في الفضل و الأدب و المروءة و حسن المذهب، مع قرابة الرحم و عظم قدر الأبوة، و ما بلوت منه في الطاعة و النصيحة و حسن المؤازرة، و هو إبراهيم بن محمد بن طلحة، و قد أحضرته بابك ليسهل عليه أذنك و تعرف له ما عرفته. فقال: «أذكرتنا رحما قريبة، و حقا واجبا».

ثم أذن عبد الملك لإبراهيم و أجلسه على فراشه، و ذكر له مدح الحجاج، ثم سأله حاجته، فأجابه محمد بن طلحة: «يا أمير المؤمنين، إن أول الحوائج، و أحق ما قدم بين يدي الأمور ما كان للّه فيه رضا، و لحق نبيه، (صلى الله عليه و سلم) أداء، و لك فيه و لجماعة المسلمين نصيحة، و عندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها، و لا أقدر على ذلك إلا و أنا خال». فقال له: دون أبي محمد! يعني الحجاج، فقال له إبراهيم:

نعم».

فأمره عبد الملك أن يخرج. ثم قال: يا ابن طلحة. نصيحتك، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد عمدت إلى الحجاج في تغطرسه و تعجرفه، و بعده من الحق، و قربه من الباطل، فوليته الحرمين، و هما ما هما، و بهما ما بهما من المهاجرين و الأنصار، و الموالي و الأخيار، يطؤهم و يسومهم الخسف و يحكم فيهم بغير السنة، بعد الذي كان، من سفك دمائهم، و ما انتهك من حرمهم، ثم تظن أن ذلك ينجيك من عذاب اللّه، فكيف إذا جاشاك محمد (صلى الله عليه و سلم) غدا للخصومة بين يدي اللّه تعالى! أما و اللّه لن تنجو إلا بحجة تضمن لك النجاة. فأربع على نفسك أو دع».

و كان عبد الملك متكئا فاستوى جالسا، و كأنه راعه أن يكون هذا رأي ابن أبي طلحة في الحجاج و هو ولي نعمته، و صاحب الرأي الحسن فيه. و الذي مدحه أمام عبد الملك بما جعله خير أهل الحجاز.

فقال له: كذبت و منت فيما جئت به. و لقد ظن بك الحجاج ظنا لم نجده فيك، قم، فأنت المائن الحاسد! قال: فقمت و اللّه ما أبصر شيئا، فلما خطرف الستر لحقني لاحق، فقال: احبسوا هذا، و أذن للحجاج، فدخل، فلبثت مليا و لا شك أنهما في أمري. ثم خرج الإذن لي. فدخلت فلما كشف لي الستر، إذ أنا بالحجاج خارج، فاعتنقني. و قبل ما بين عيني، و قال: «أما إذا جزى اللّه‏

123

المتواخيين خيرا بفضل تواصلهما، فجزاك اللّه عني أفضل الجزاء. فو اللّه لئن سلمت لك لأرفعن ناظريك، و لأعلين كعبك، و لأتبعن الرجال غبار قدميك».

قال: فقلت في نفسي إنه ليسخر بي، فلما وصلت إلى عبد الملك أدناني حتى أدناني من مجلسي الأول. ثم قال: «يا ابن طلحة: هل أعلمت الحجاج بما جرى أو شاركك أحد في نصيحتك؟ فقلت: لا و اللّه، و لا أعلم أحدا أظهر يدا عندي من الحجاج، و لو كنت محابيا أحدا بديني لكان هو، و لكن آثرت اللّه و رسوله و المسلمين». قال: علمت أنك لم ترد الدنيا، و لو أردتها لكانت لك في الحجاج، و لكن أردت اللّه و الدار الآخرة، و قد عزلته عن الحرمين لما كرهت من ولايته عليهما. و أعلمته أنك استنزلتني له عنهما استقلالا لها. و وليته العراقين و ما هنالك من الأمور التي لا يدحضها إلا مثله، و إنما قلت له ذلك ليؤدي ما يلزمه من ذمامك، فإنك غير ذام لصحبته مع يده عندك».

قال: فخرجت مع الحجاج، و أكرمني أضعاف إكرامه.

حكاية الحجاج مع الغضبان‏

جاء في كتاب الإمامة و السياسة ما يأتي:

قال: و ذكروا أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لما خرج على الحجاج، جمع أصحابه و فيهم عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن نوفل و بنو عون بن عبد اللّه و عمرو بن موسى بن معمر بن عثمان بن عمرة و فيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، فقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نحن معك فاخلع عدو اللّه و عدو رسوله فإن خلعه من أفضل أعمال البر فخلعه و أظهر خلعه فلما أظهر ذلك قدم عليهم سعيد بن جبير فقالوا له: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، فما الرأي؟ قال: الرأي أن تكفوا عما تريدون فإن الخلع فيه الفتنة و الفتنة فيها سفك الدماء و استباحة الحرم و ذهاب الدين و الدنيا. فقالوا: إنه الحجاج و قد فعل ما فعل فذكروا أشياء و لم يزالوا به حتى سار معهم و هو كاره، قال: و انتهى الخبر إلى الحجاج، فقيل له: إن عبد الرحمن قد خلعك و من معه، فقال: إن معه سعيد بن جبير و أنا أعلم أن سعيدا لا يخرج و إن أرادوا ذلك فسيكفيهم عنه فقيل له: إنه رام ذلك ثم لم يزالوا به حتى فتنوه و سار معهم. فبعث الحجاج الغضبان الشيباني ليأتيه بخبر عبد الرحمن بن الأشعث من كرمان و تقدم إليه أن لا يكتمه من أمره شيئا فتوجه الغضبان إلى‏

124

عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن: ما وراءك يا غضبان؟ قال: شر طويل تغد بالحجاج قبل أن يتعش بك ثم انصرف من عنده فنزل رملة كرمان و هي أرض شديدة الحر فضرب بها قبة و جلس فيها فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابي من بكر بن وائل على قعود فوقف عليه و قال: السلام عليك فقال له الغضبان: السلام كثير و هي كلمة مقولة قال الأعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من الأرض الذلول.

قال: و أين تريد؟ قال: أمشي في مناكبها و آكل من رزق اللّه الذي أخرج لعباده منها. قال الأعرابي: فمن غلب اليوم؟ قال الغضبان: المتقون. قال: فمن سبق؟

قال: حزب اللّه الفائزون. قال الأعرابي: و من حزب اللّه؟ قال: هم الغالبون فعجب الأعرابي من منطقه و حضور جوابه ثم قال: أتقرض؟ قال الغضبان: إنما تقرض الفأرة. قال: أفتنشد؟ قال: إنما تنشد الضالة. قال: أفتسجع؟ قال إنما تسجع الحمامة. قال: أفتنطق؟ قال: إنما ينطق كتاب اللّه. قال: أفتقول؟ قال:

إنما يقول الأمير. قال الأعرابي: تاللّه ما رأيت مثلك قط. قال الغضبان: بل رأيت و لكنك نسيت. قال الأعرابي: فكيف أقول؟ قال: أخذتك القول في العاقول و أنت قائم تبول. قال الأعرابي: أتأذن لي أن أدخل عليك؟ قال الغضبان:

و راؤك أوسع لك قال الأعرابي: قد أحرقتني الشمس. قال الغضبان: الآن يضي‏ء عليك الفي‏ء إذا غربت قال الأعرابي: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي. قال الغضبان: بل عليهما تبرد. قال الأعرابي: إن الوهج شديد. قال الغضبان: ما لي عليه سلطان. قال الأعرابي: إني و اللّه ما أريد طعامك و لا شرابك. قال الغضبان: لا تعرض بهما فو اللّه لا تذوقهما، قال الأعرابي: و ما عليك لو ذقتهما؟

قال الغضبان: نأكل و نشبع فإن فضل شي‏ء من الأكرياء و الغلمان فالكلب أحق به منك. قال الأعرابي: سبحان اللّه. قال الغضبان: نعم. من قبل أن يطلع رأسك و أضراسك إلى الدنيا. قال الأعرابي: ما عندك إلا ما أرى، قال الغضبان: بلى عندي هراوتان اضرب بهما رأسك حتى ينتثر دماغك. قال الأعرابي: إنا للّه و إنا إليه راجعون، قال الغضبان: أظلمك أحد؟ قال الأعرابي: ما أرى، ثم قال الأعرابي: يا آل حارث بن كعب، فقال الغضبان: بئس الشيخ ذكرت، قال الأعرابي: و لم ذلك؟ قال الغضبان: لأن إبليس يسمى حارثا. قال الأعرابي: إني لأحسبك مجنونا، قال الغضبان: اللهم اجعلني من خيار الجن، قال الأعرابي: إني لأظنك حروريا. قال الغضبان: اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير. قال الأعرابي:

إني لأراك منكرا. قال الغضبان: إني لمعروف فيما أوتي، فولى عنه و هو يقول:

125

إنك لبذخ أحمق و ما أنطق اللّه لسانك إلا بما أنت لاق و عما قليل تلتف ساقك بالساق. فلما قدم الغضبان على الحجاج قال له أنت شاعر. قال: لست بشاعر و لكني خابر، قال: أمعراف أنت؟ قال: بل وصاف. قال: كيف وجدت أرض كرمان. قال الغضبان: أرض ماؤها و شل و سهلها جبل و ثمرها دقل و لصها بطل، إن كثر الجيش بها جاعوا و إن قل بها ضاعوا قال: صدقت. أعلمت من كان الأعرابي؟ قال: لا قال: كان ملكا خاصمك فلم تفقه عنه لبذخك. اذهبوا به إلى السجن فإنه صاحب المقالة تغد بالحجاج قبل أن يتعش بك. و أنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك، و من الذي به دهاك؟ قال الغضبان: جعلني اللّه فداك أيها الأمير، أما إنها لا تنفع من قيلت له و لا تضر من قيلت فيه.

فقال الحجاج: أجل، و لكن أتراك تنجو مني بهذا؟ و اللّه لأقطعن يديك و رجليك، و لأضربن بلسانك عينيك. قال الغضبان: أصلح اللّه الأمير قد أزاني الحديد، و أوهن ساقي القيود، فما يخاف من عدلك البري‏ء، و لا يقطع من رجائك المسي‏ء. قال الحجاج: إنك لسمين. قال الغضبان: القيد و الرتعة، و من يك ضيف الأمير يسمن. قال: إنا حاملوك على الأدهم. قال الغضبان: مثل الأمير أصلحه اللّه يحمل على الأدهم و الأشقر. قال الحجاج: إنه لحديد. قال الغضبان: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بعيدا. قال الحجاج: اذهبوا به إلى السجن، قال الغضبان: «فلا يستطيعون توصية و لا إلى أهلهم يرجعون» فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط، فقال لجلسائه: كيف ترون هذه القبة؟ قالوا ما رأينا مثلها قط. قال الحجاج: أما أن لها عيبا فما هو؟ قالوا: ما نرى بها عيبا. قال: سأبعث إلى من يخبرني به، فبعث، فأقبل بالغضبان و هو يرسف في قيوده و لما مثل بين يديه قال له: يا غضبان كيف تبنى هذه؟ قال:

أصلح اللّه الأمير نعمت القبة حسنة مستوية. قال: أخبرني بعيبها. قال: بنيتها في غير بلدك، و لا يسكنها ولدك، و مع ذلك لا يبقى بناؤها، و لا يدوم عمرانها، و ما لا يبقى و لا يدوم، فكأنه لم يكن. قال الحجاج: صدق، ردوه إلى السجن.

فقال الغضبان: أصلح اللّه الأمير قد أكلني الحديد، و أوهن ساقي القيود، و ما أطيق المشي. قال: احملوه فلما حمل على الأيدي قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا و ما كنا له مقرنين» قال: أنزلوه. قال: «رب أنزلني منزلا مباركا و أنت خير المنزلين» قال الحجاج: جروه. قال الغضبان و هو يجر: «بسم اللّه مجراها و مرساها إن ربي لغفور رحيم» قال الحجاج: اضربوا به الأرض فقال: «منها

126

خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى» فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال: و يحكم قد غلبني و اللّه هذا الخبيث أطلقوه إلى صحفي عنه. قال الغضبان: «فاصفح عنهم و قل سلام» فنجا من شره بإذن اللّه و كانت براعته فيما انطلق على لسانه.

البناية الحادية عشرة: بناء السلطان مراد الرابع الكعبة

(الحادي عشر) ممن بنى الكعبة الغراء، السلطان مراد الرابع من سلاطين آل عثمان، و ستأتي صورته عند ترجمته في آخر هذا المبحث إن شاء اللّه تعالى. و قد بناها على صفة ما بناها الحجاج الثقفي سواء بسواء، بدون زيادة أو نقص. فلقد بقي بناء الحجاج للكعبة إلى زمن السلطان مراد الرابع، ثم هدمت بسبب السيل العظيم الذي دخل المسجد الحرام، فبناها السلطان مراد المذكور في سنة (1040) هجرية، فكان بين بناء الحجاج و بين بناء السلطان مراد (966) سنة، و طبعا قد حصل تعميرات و إصلاحات في الكعبة في بحر هذه المئات السنوات كما سيأتي بيانه في التعميرات الواقعة في الكعبة الشريفة.

و إليك صورة المسجد الحرام عند دخول هذا السيل العظيم فيه و تخريبه الكعبة المشرفة و هي صورة منقولة من كتاب" مرآة الحرمين" لأيوب صبري باشا التركي الذي ألفه باللغة التركية في ربيع الأول سنة (1299) هجرية (رحمه اللّه تعالى) رحمة واسعة و هي هذه:

انظر: صورة رقم 76، الكعبة و قد هدمها السيل سنة 1039 ه

الخلاصة في كيفية بناء السلطان مراد الرابع‏

إن سبب عمارة السلطان مراد الرابع هو أنه في الساعة الثانية من صباح يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان عام ألف و تسع و ثلاثين، نزل مطر عظيم بمكة المكرمة و ضواحيها لم يسبق له نظير، فدخل السيل المسجد الحرام و وصل إلى ارتفاع مترين عن قفل باب الكعبة. و في عصر اليوم التالي أي يوم الخميس سقط الجدار الشامي من الكعبة بوجهيه، و انجذب معه من الجدار الشرقي إلى حد الباب الشامي، و لم يبق سواه و عليه قوام الباب، و من الجدار الغربي من الوجهين نحو

127

السدس، و من هذا الوجه الظاهر فقط منه نحو الثلثين، و بعض السقف و هو الموالي للجدار الشامي.

و يقول محبنا و جارنا المؤرخ الثقة الشيخ عبد اللّه الغازي الهندي المكي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه: و هذا الذي سقط من الجانب الشامي هو الذي بناه الحجاج الثقفي، و سقطت أيضا درجة السطح. اه كلامه، فقوله هذا صحيح مطابق للحقيقة.

ثم أمر السلطان مراد (رحمه اللّه تعالى) ببناء الكعبة المشرفة، فتم بناؤها في شهر رمضان سنة أربعين و ألف على صفة بناء الحجاج (رحمه اللّه تعالى)، فعمارة السلطان مراد للكعبة هي العمارة الأخيرة إلى يومنا هذا.

مميزات بناء السلطان مراد

ليس في بناء السلطان مراد الرابع الكعبة من شي‏ء يخالف البنايات السابقة حتى يمتاز عنها، بل إنه بناها على الصفة التي كانت سابقا و هي صفة بناء الحجاج الذي بناها كما بنتها قريش، لكن لا بأس أن نذكر هنا طرفا من كيفية بنائه لها لنمشي كما سبق على وتيرة واحدة. و هو هذا:

1- بنى السلطان مراد الكعبة كما كانت سابقا سواء بسواء من غير زيادة شي‏ء أو نقص منها أي بنى على الأساس السابق تماما، فإنه لما هدم بقية الكعبة لم يتعرض لهدم أصلها أبدا، بل بنى على نفس الأساس الأول.

2- كانت عمارة السلطان للكعبة سنة (1040) هجرية.

3- بين عمارة السلطان مراد و بين عمارة الحجاج للكعبة (966) سنة.

4- كان أول ما هدم من الكعبة بسبب السيل في آخر يوم الخميس عشرين من شعبان سنة (1039).

5- كان ابتداء العمل في العمارة بعد تمام الهدم في ضحى يوم الأحد 23 جمادى الثانية سنة (1040) ففي هذا اليوم بني أساس بعض الجدران بحضور أمير مكة و كبار الناس. و سبب تأخرهم في الشروع في البناء اشتغالهم بإحضار الآلات و الأدوات من الخارج فالمواصلات لم تكن كأيامنا هذه، كما كانوا يشتغلون بتنظيف المسجد من آثار السيل و هدم الكعبة و لم تكن لديهم الآلات الميكانيكية لسرعة العمل.

128

6- هدموا الكعبة كلها، لكن لم يصلوا في الهدم إلى الأساس بل إلى المدماك الذي على وجه الأرض ليكون العمل عليه حتى لا يزيد البناء و لا ينقص.

7- هدموا باقي أحجار الأركان و ما بينها ما عدا الحجر الأسود فقد أبقوه في محله و لم يحركوه عن محله أبدا، و ذلك يوم الثلاثاء ثالث جمادى الثانية سنة (1040).

8- رفعوا حجر الركن اليماني الذي هو محل الاستلام و وضعوه داخل الستارة الخشبية التي أداروها على الكعبة، و ذلك في يوم الثلاثاء ثالث جمادى الثانية سنة (1040) و في هذا اليوم أيضا قلعوا أحجار الشاذروان.

9- نصبوا ساترا من الخشب حول الكعبة ليشتغل العمال خلفها كما عمل ابن الزبير رضي اللّه عنهما، و كان الشروع في عمل الساتر يوم الخميس 26 من رمضان سنة (1039)، ثم في يوم الأربعاء غرة شعبان سنة (1040) رفعوا جميع الستائر التي نصبوها حول الكعبة.

10- حصل استفتاء للعلماء في وضع الساتر حول الكعبة هل يجوز وضعه أم لا؟

11- استغرقت عمارتها نحو ستة أشهر.

12- كان الانتهاء من عمارة كل ما يتعلق بالكعبة في اليوم الثاني من ذي الحجة سنة (1040).

13- وضعوا الحجر الذي يستلمه الناس بالركن اليماني في محله الأول، و ذلك في يوم الاثنين غرة رجب سنة (1040).

14- أصلحوا ما حول الحجر الأسود إصلاحا تاما، و كان البدء في إصلاح ما حوله يوم الثلاثاء التاسع من شهر رجب سنة (1040) و تمام عمله كان في منتصف ليلة الجمعة ثاني عشر رجب من السنة المذكورة.

15- و أنهم لم يهدموا الكعبة إلى أساسها و إنما هدموا إلى المدماك الذي على وجه الأرض فقط ثم بنوا على هذا المدماك.

التفصيلات الوافية عن بناء السلطان مراد الرابع للكعبة

نحمد اللّه تعالى أن قيض لنا رجالا من كبار العلماء كالعلامة الشيخ محمد بن علان المكي صاحب التصانيف القيمة في تقييد أعمال بناء السلطان مراد الرابع للكعبة يوما بيوم حيث كان موجودا في ذلك الحين بمكة و معاصرا للسلطان‏

129

المذكور، فيحق لنا أن نطلق على البيانات التي سجلها العلامة المذكور و تناقلها المؤرخون «يوميات ابن علان المكي عن بناء الكعبة».

و هذه البيانات طويلة التفصيل تقع في أكثر من خمسين صفحة، لكن في ذكرها فائدة كبيرة، و ليعلم العالم الشرقي و الغربي شدة عناية المسلمين ببيت اللّه الحرام و بلده الأمين، من أول وضع البيت الشريف و تأسيسه إلى قيام الساعة، فسبحان الواحد القهار الذي بيده ملكوت السموات و الأرض، و الذي سخر من شاء لما شاء، فهو على ما يشاء قدير.

و لما كان الشيخ عبد اللّه الغازي (رحمه اللّه تعالى) ذكر هذه البيانات في تاريخه المسمى «إفادة الأنام بذكر أخبار بلد اللّه الحرام» و تاريخه هذا يعد من أوسع كتب التاريخ عن مكة المشرفة، و هو بين أيدينا نطالع فيه على الدوام، و لما كان المذكور (رحمه اللّه تعالى) صديقا و محبا لنا بل كان لنا بمثابة الوالد الشفوق، و كان يسكن معنا في محل واحد بباب الزيادة بمكة، فقد أحببنا نقل ما نحتاجه من تاريخه في غالب أبحاث كتابنا هذا.

فقد ذكر الغازي في تاريخه (رحمه اللّه تعالى) و أحسن جزاءه و ألحقنا به على الإيمان الكامل غير مفتونين و لا فاتنين ما نصه:

و أما بناء السلطان مراد فسببه سقوط الجدار الشامي و الجدار الشرقي إلى حد الباب، و الجدار الغربي نحو ثلثيه من البيت الشريف، و كان ذلك بعد عصر يوم الخميس لعشرين من شعبان سنة تسع و ثلاثين و ألف.

قال العصامي: و في يوم الأربعاء تاسع عشر شعبان سنة تسع و ثلاثين و ألف نشأت على مكة و أقطارها سحابة غربية مدلهمة الأهاب حالكة الجلباب، فلم تزل تجتمع إلى وقت الزوال، فأبرقت و أرعدت و أرخت غزاليها و أغدقت و استمرت تهطل ساعتين و درجتين فأقبل السيل من سائر النواحي و ثلم السد الذي يلي جبل حراء المسمى جبل النور ثلمة كبيرة، و علا عليه فدخل المسجد الحرام و ساق ما وجد على طريقه من جمال و رجال و مال و أحمال و غير ذلك، و أخرب الدور و استخرج ما فيها من الأثاث و غيره، و هدم غالبيتها، فامتلأ المسجد الحرام ماء و أهلك الرجال و الأطفال، و كان أكثر الهالكين الأطفال الذين بقرؤون القرآن مع فقهائهم، و تعلق بعضهم بالأماكن المرتفعة، و ارتفع على بعض السلاسل الحرمية، فوصل الماء إليهم و أهلك الجميع، و كان من هلك به خمسمائة من بني آدم خاصة

130

و من الحيوان كثيرا. ثم بات المطر يهطل إلى نصف الليل، فلما كانت آخر ساعة قبل المغرب من يوم الخميس العشرين من الشهر المذكور، سقط جانب الحجر من البيت، فسقط جميع ما بناه الحجاج منها، و من الجانب الشرقي إلى حد الباب، و من الجدار الغربي نحو النصف أيضا، و للّه الأمر من قبل و من بعد. انتهى.

و قال العلامة السنجاري (رحمه اللّه) في منائح الكرم: إنه في عام ألف و تسعة و ثلاثين في دولة الشريف مسعود بن إدريس بن حسن بن أبي نمى والي مكة كان سقوط البيت الشريف، و ذلك أنه كان يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان من السنة المذكورة وقع مطر شديد و دخل المسجد الحرام، و أغرق أمة من الناس.

قال الشيخ محمد علي بن علان الصديقي: و يقدر من مات في الليل و النهار نحو ألف إنسان، و بات تلك الليلة السيل بالمسجد إلى الصبح و دخل البيوت و أخرج أمتعة العالم إلى أسفل مكة و بلغ الماء في الحرم إلى طوق القناديل.

قال الشيخ محمد المذكور: و كان ابتداء المطر في الساعة الثانية من اليوم المذكور و ما زال المطر يكثر و يقل إلى قبيل العصر، فاشتد و نزل مع المطر برد كثير، قال ابن علان: و ذكر لي بعض الناس أنه ذاق ماء ذلك البرد فكان مالحا أو مرا، و لما أن أصبح الصباح ثاني يوم المطر، نزل مولانا الشريف و أمر بفتح سرب باب إبراهيم بحضرته و (السرب بفتحتين، بيت في الأرض كما في المختار و هو ما نسميه اليوم بالسرداب) و خرج الماء إلى أسفل مكة. فلما كان عصر يوم الخميس قبيل الغروب نهار عشرين من شعبان سقط الجانب الشامي من الكعبة بوجهيه، و أخذ معه من الجدار الشرقي إلى حد الباب، و من الغربي من الوجهين نحو السدس. هذا و الذي سقط من الجانب الشامي هو الذي بناه الحجاج بن يوسف الثقفي، و كانت لها وقعة عظيمة مهيلة، فنزل مولانا الشريف مسعود بنفسه و أمر بالتنظيف و إفراز الحجارة بعد أن رفع الميزاب و ما وجده من قناديل الذهب المعلقة، و كانت عشرين قنديلا، أحدها مرصع باللؤلؤ و غيره من المعادن، و وضعت في بيت الشيخ جمال الدين بن قاسم الشيي الحجبي، بعد أن ضبط ذلك بحضرة صاحب مكة، فأخذه إلى منزله بالصفا و هو من أوقاف السلطان مراد خان على الحجاز، فوضعه في مخزن و ختم عليه بخاتم صاحب مكة مولانا الشريف مسعود، و أجلس عليه حرسا كل ذلك قبل الغروب.

131

حزام الكعبة الذي أرسله السلطان أحمد خان‏

قال العلامة أحمد الأسدي (رحمه اللّه) في أخبار الكرام: و حصل قبل ذلك بسنين عديدة تشقق بالجدار الشامي ثم ازداد في زمن السلطان أحمد والد السلطان مراد فرفع إليه ذلك، و أنه يحتاج للتعمير، فأرسل حينئذ السلطان أحمد حزاما يشد به البيت الشريف و أنفق عليه نحو ثمانين ألف دينار. و ذكر السيد أحمد دحلان في السالنامة الحجازية أن السلطان أحمد بن السلطان محمد بن مراد بن سليم الثاني بن سليمان بن سليم الدول فاتح مصر، أراد أن يجعل حجارة الكعبة المعظمة ملبسة واحدا بالذهب و واحدا بالفضة، فمنعه شيخ الإسلام المولى محمد بن سعد الدين، و قال له: هذا يزيل حرمة البيت، و لو أراد اللّه سبحانه و تعالى لجعله قطعة من الياقوت فكف عن ذلك. انتهى.

و ذكر السنجاري أيضا في حوادث سنة ألف و عشرين قصة الحزام الذي أرسله السلطان أحمد خان مفصلا فنذكرها أولا ثم نذكر بناء البيت الشريف من الكتاب المذكور، قال (رحمه اللّه): و في أيام السلطان أحمد خان وقع عمل نطاق الكعبة المشرفة، و ملخص ذلك كما ذكره شيخ مشائخنا العلامة شهاب الدين أحمد بن علان الصديقي، أنه لما بلغ حضرة السلطان أحمد خان ما أصاب الجدارين الشرقي و الغربي و جدران الحجر من التصدع أراد هدم البيت الشريف، فمنعه من ذلك علماء الروم، و قيل له يمكن حفظ هذه الجدران بنطاق يلم هذا التشعث، فجعلوا النطاق من النحاس الأصفر و غلفوه بالذهب مكتوب فيه بالرسم «لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» و في بعضها «لا إله إلا اللّه محمد حبيب اللّه» إلى غير ذلك من الألفاظ الحسنة و الآيات الشريفة مثل «حسبنا اللّه و نعم الوكيل» و وصل به أمير الحاج المصري سادس ذي الحجة الحرام سنة ألف و عشرين، فأمر مولانا الشريف بأن يتلقى ذلك علماء مكة و رؤساؤها و مشائخ زواياها من الحجون بعد صلاة العصر، فتوجهوا إلى ذلك المحل و لا قوا الجمال المحملة للنطاق.

فإن أمير الحاج جعل النطاق في صندوق من خشب و حملوه على صفته المحفة بين جملين، فدخلوا بهم مكة بعد صلاة العصر على أربعة و عشرين بعيرا و الزفاف بين أيديهم و العلماء أمامهم حتى وصلوا به إلى باب السلام، و كان الشريف قد أمر بفراغ دار الميرزا مخدوم لرئيس العمارة حسن باشا، فنزل الدار المذكورة و وضعت الأحمال ببيت اللّه الحرام يوم السابع، ثم رفعت إلى قاعة الكتب من دار الشيخ‏

132

عبد الكريم القطبي عند باب الفهود، و حضر قاضي مكة السيد محمد و قاضي المدينة إسماعيل، و قاضي بيت المقدس سابقا العلامة القاضي المنقاري المقدسي، و شيخ الحرم إسماعيل آغا، و أمين جدة محمد بيك، و أمراء الحج الثلاثة المصري و الشامي و اليماني، و مفتي السادة الحنفية الشيخ عبد الرحمن المرشدي و أخوه القاضي أحمد، و القاضي نجم الدين المالكي و مفتي السادة الشافعية محمد بن علان. و جاء فاتح البيت الشريف و فتح البيت فدخل المعمار و رأى الخلاف و خرج و استأذن الشريف فيما جاء بصدده، فأذن له الشريف بقوله: ما أمركم به السلطان فافعلوه لا آمركم و لا أنهاكم، و في الثاني و العشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة شرعوا في تركيب هلال المنبر و كانوا قد وصلوا به و بقنديل الكعبة و ميزاب جديد من حضرة الأبواب العالية، و كان أعلا المنبر مبنيا بالآجر، فهدم ذلك و جعلوا له ألواحا ركبت فيها بالفضة المطلية بالذهب و تم عمله في الرابع و العشرين من ذي الحجة، و في اليوم الخامس و العشرين منها فتحوا الكعبة و وضعوا الميزاب الجديد على العتيق و شدوه ربطا، و في الحادي و العشرين ركبوا السقايل حول الكعبة و ذبح المعمار أربعين شاة و تصدق بها عدد أبواب المسجد الحرام، و شرعوا في النطاق السفلي ليلة السبت ثاني محرم سنة ألف و اثنين و عشرين و أتموه في الليلة بعده و وضعوا له أعمدة ركبوا أسفلها في الشاذروان بالرصاص، و في ليلة الأحد شرعوا في النطاق العلوي إلى أن أتموه. انتهى.

رجوع إلى قصة بناء البيت، قال السنجاري: و لما كان يوم السبت ثاني عشرين شعبان نزل مولانا الشريف إلى الحرم و اجتمع إليه علماء البلد و حضر أعيان الناس و حضر حسين آغا الشاوش من قبل صاحب مصر محمد باشا فوقع السؤال من مولانا الشريف عن عمارة ما و هي من الكعبة المشرفة هل يؤمر بالمسارعة إلى عمارتها و يعمر في الحال ولي الأمر الذاب عن سرحها؟ و من أي مال يكون التعمير، بمال قناديل الكعبة أم بمال غير ذلك؟ و كان من حاضري المجلس الشيخ خالد البصري المالكي و القاضي عبد اللّه بن أبي بكر الحنبلي، و القاضي أحمد بن عيسى المرشدي الحنفي و غيرهم من علماء مكة، فانعقد رأي الجماعة بالمبادرة بعمارتها من مال الكعبة و يعرض الأمر على الأبواب و لا يمنع أحد من المسلمين أن يعمرها من ماله إذا لم يكن فيه شبهة و أن ذلك لا يتوقف على العرض على السلطان. و لما أجمع رأي الحاضرين على هذا أمر مولانا الشريف أن يكتب صورة سؤال و يضع العلماء عليه خطوطهم ليبعث به إلى الأبواب ثم قاموا من ذلك‏

133

المجلس و فرش لهم بساط في باب الرحمة، قال في تحصيل المرام: الآن يعرف هذا الباب بباب الشريف، لأن الشريف سرور كان يخرج من هذا الباب إلى بيته الذي بأجياد، و طلبوا مني كتاب الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المسمى بالمناهل العذبة في إصلاح ما و هي من الكعبة فأحضرته لهم فأخذ مولانا الشيخ تاج الدين المالكي و جلس يقرأه عليهم عشرة أيام و الحاضرون يسمعونه فلما وصلوا إلى المطلوب كتبوا سؤالا كما قلناه أولا من المبادرة إلى العمارة بمن له على الحرمين الشريفين إمارة و أن ذلك يعمر من مال البيت الشريف و يكتب بذلك الواقع إلى الأبواب، قال ابن علان: ثم ظهر لي أن المخاطب بالعمارة إنما هو سلطان الزمان و ناشر العدل و الأمان سلطان الإسلام و المسلمين و كان إذ ذاك مولانا السلطان مراد خان أعزه اللّه، فراجعت بعض الفقهاء المفتين و عرضت عليه ما يؤخذ منه ذلك فأبى الرجوع، فرجعت عما رأيته من الأمر الموافق لهم و ألغيت الرسالة المسماة بنشر ألوية التشريف بالإعلام و التعريف عمن له عمارة ما سقط من البيت الشريف، فاتفق أن مولانا الشريف أمر بتغيير السؤال لأمر اقتضى ذلك، فغير بعبارة أخرى و كتب الجماعة كما كتبوا أولا و كتبت عليه و المخاطب بهذا العرض إلى عمارة الكعبة الغراء سلطان الإسلام المكرم مولانا السلطان مراد خان ثم نائبه مولانا الشريف، و هذا السؤال و ما معه من العروض أرسل صحبة أحمد جادوش من جماعة حسين آغا و معه النوري علي سنجقدار اليمن، و كان خروجهم يوم الاثنين الرابع و العشرين من شعبان. و في يوم الثلاثاء الثاني و العشرين من رمضان ورد من مصر آغا و معه النوري علي سنجقدار اليمن و أخبرا بوصول الآغا رضوان بيك معمار أعلى المسجد و أنه خلفه، فدخل رضوان بيك و معه السيد هيزع و معه قفطان لمولانا الشريف و ذلك ليلة الجمعة خامس عشرين رمضان. قال ابن علان:

فأحيط على الكعبة بخشب و خصت و ألبست ثوبا من الدولي الأخضر فوق الخشب و الخصف و كان إلباسها لهذا الثوب سابع شوال من السنة المذكورة و صار الناس يطوفون حوله على هذه الحالة بعد أن توجه القاصد بالخبر على الأبواب السلطانية.

قال من الأرج المسكي: أرسل الشريف مسعود إلى جدة لتحصيل خشب يجعل على الكعبة لسترها إلى أن يشرعوا في العمارة، فوصل الخشب من جدة في آخر شهر رمضان و حصلوا خشبا آخر من مكة و ستروا جميع ما سقط منها و جعلوا بابا لطيفا من خشب في الجهة الشرقية. انتهى.

134

قال العلامة الحلبي في السيرة: و لما وصل الخبر إلى صاحب مصر جمع العلماء و الفقهاء و عرض عليهم ذلك فاتفق رأيهم على المبادرة بعمارته و تعين لذلك من الصناجق رضوان بيك المعمار، فورد مكة صحبة مولانا السيد محمد أفندي قاضي المدينة المنورة و قد عين لذلك.

قال الإمام علي بن عبد القادر الطبري في تاريخه: إن الأمير رضوان بيك دخل مكة يوم السابع عشر من شوال و معه القفطان و دخل السيد محمد المذكور في سادس عشر ربيع الثاني متوليا قضاء المدينة و عمارة الكعبة و كان وروده مكة من البحر و معه قائمة سلطانية و خلعة عثمانية فقرأت القائمة بالحطيم و حضر مولانا قاضي مكة و السيد عبد الكريم بن إدريس نائب مولانا الشريف. ثم طلعوا بالخلعة إلى مولانا الشريف فلبسها بالمعابدة لمرض منعه من الظهور و الحضور. انتهى.

و لما كان ليلة الثلاثاء من عشرين ربيع الثاني انتقل مولانا الشريف مسعود إلى رحمة اللّه و دفن بالمعلاة بقبة السيدة خديجة رضي اللّه عنها، و تولى مكانه الشريف عبد اللّه بن حسين بن نمي، هذا هو جد العبادلة و به يسمون العبادلة و ذوي عبد اللّه، فخلع عليه الأمير رضوان بيك قفطان الولاية بنظر القاضي محمد قاضي المدينة، و لما كان يوم السبت ثالث عشر جمادى الثانية و قيل يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى حضر مولانا القاضي و رضوان بيك المعمار و المعلم علي بن شمس الدين المكي المهندس و المعلم محمد علي بن زين الدين و أخوه المعلم عبد الرحمن، فعرض عليهم بناء الكعبة المشرفة، فالتزموا بناءها على الوجه الأكمل، فسجل القاضي ذلك عليهم، ثم ذكر المعلم محمد علي بن زين الدين أن مراده نصب أخشاب حول البيت و يجعل عليها ستورا يمنع من مشاهدة الهدم، فاختلف رأي الحاضرين فمنهم المبيح و منهم المانع و من المانعين الشيخ محمد بن علان و له رسالة في منع وضع الساتر لوجه الكعبة. و انقضى المجلس على الاتفاق على نصب الساتر، و أفتى بالجواز جماعة من الأعيان: كالشيخ خالد المالكي و الشيخ عبد العزيز الزمزمي مفتي الشافعية و غيرهما. انتهى.

135

صورة الاستفتاء الذي قدمه رضوان آغا لعلماء مكة الأعلام‏

كما ذكره العلامة أيوب صبري في مرآة الحرمين ما قولكم، رضي اللّه عنكم و نفع بعلومكم المسلمين في بناء البيت الشريف زاده اللّه شرفا و كرما، هل يجب ستره عن أعين الناس لأجل البناء و الفعال حفظا للحرمة و رعاية لزيادة الأدب و إن ضاق الحال بالطائفين على وجه أفضل، أم يجوز بناؤه مكشوفا من غير حائل و سترة لأجل أن ذلك فيه كمال الرفق بالمعلمين و البنائين من حيث التمكن من البناء على وجه المطلوب؟ و هل الستر من حيث هو واجب أم مندوب مستحب أم كيف الحال؟ بينوا لنا ذلك.

جواب الشيخ أحمد بن محمد آق شمس الدين المدرس الحنفي‏

الحمد للّه ربنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا، لا ريب في كون ستر البيت الشريف زاده اللّه شرفا و تعظيما حال بنائه مندوبا إليه و ذلك غير مانع عن حصول كمال فضيلة الطواف و لا يمنع أيضا من المشاهدة، و أما بناؤه مكشوفا من غير سترة فغير لائق بوجه من الوجوه و ليس هو من الأدب، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم و هو المسئول أن يستر عيوبنا و يغفر ذنوبنا.

حرره الفقير أحمد بن محمد آق شمس الدين المدرس الصديقي الحنفي.

جواب الشيخ خالد بن أحمد المالكي‏

الحمد للّه ستر البيت عن أعين الناظرين حال بنائه مندوب ندبا متأكدا لا واجبا و الطواف وراء الستر ليس هو مفضولا، بل الستر قام مقام البيت فلا يمنع من كمال فضيلة الطواف بل و لا يمنع من المشاهدة لأن كسوة البيت جعلت لمنع أعين الناظرين إليها و هذا الستر كذلك بل هذا آكد لأن النظر إلى البيت حال بنائه أفظع من النظر إليه مستورا، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

نمقه الحقير إلى اللّه خالد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه المالكي الجعفري.

136

جواب السيد زين العابدين بن عبد القادر الطبري الشافعي‏

الحمد للّه ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ستر البيت الشريف عند الشروع في بنائه بل و عند الشروع في مقدمات ذلك كهدم ما يحتاج إلى هدمه منه مندوب إليه و مما ينبغي و ليس بواجب و ذلك لاقتداء بفعل عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما، و من كان في عصره من أجلاء الصحابة، رضي اللّه عنهم، فإنه لما أن عمر الكعبة الشريفة جعل عليها ساترا بإشارة عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما، و قد نقل ذلك العلامة الأزرقي في عدة مواضع من تاريخه فقال في أثناء باب ما جاء في بناء ابن الزبير للكعبة ما نصه: فهدموا و أعانهم الناس فما ترجلت الشمس حتى ألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعها و كان هدمها يوم السبت للنصف من جمادى الآخر سنة أربع و ستين و لم يقرب ابن عباس مكة حتى هدمت الكعبة و حتى فرغ منها و أرسل إلى ابن الزبير لا تدع الناس بغير قبلة و انصب لهم حول الكعبة أخشابا و اجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها و يصلوا إليها ففعل ذلك ابن الزبير. انتهى.

و قال في موضع آخر ما نصه: و كان البناؤون يبنون من وراء الستر و الناس يطوفون من خارج. انتهى.

و قال في موضع آخر ما نصه: و نصب الخشب حول البيت ثم سترها و بنوا من وراء الستر. انتهى.

فهذه النصوص كلها صريحة في أن الساتر المذكور مندوب إليه و ليس فيها دلالة على أنه إنما كان عند الشروع في البناء بل يحتمل أنه جعل عند الشروع في مقدمات ذلك كالهدم و هو الظاهر اللائق بحرمة البيت الشريف التي أمرنا بها و لا شك أنه لو هدم و بني من غير وجود ساتر بينه و بين الأعين لسقطت هيبته من قلوب كثير من الناس ممن لا ينظر إلا إلى الصور و يترتب عليه هتك حرمته. و قد أجمع العلماء على استحباب كسوة الكعبة و استمرارها عليها و القصد من ذلك سترها عن الأعين لما يلزم على عده من المحذور المذكور فليكن هذا الساتر كذلك بل أولى لأن رؤية الكعبة المشرفة منهدمة منشقة أفظع من رؤيتها مجردة عن أثوابها و من زعم أن الساتر المذكور مما لا ينبغي فعله فقد حاد عن طريق الصواب و أخطأ من وجوه عديدة لا يسعها هذا الجواب، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

137

حرره الفقير زين العابدين بن عبد القادر الحسيني الطبري الشافعي أمام المقام الشريف.

كذا في مرآة الحرمين لأيوب صبري قال السنجاري: ثم وقع اجتماع ثاني بالحطيم مع جملة الأعيان المذكورين و سأل مولانا الشريف عبد اللّه بن حسن في هدم الجدار اليماني فإنه كان قائما فدار الكلام ثم اقتضى الحال بالإشراف عليه من خلف الخشب و الإشراف على بقية الجدران فأشرف غالب الجماعة و معهم مولانا الشريف و نصب المعلمون الميزان فوجدوه خارجا عن الميزان قدر أربعة أذرع فاقتضى رأي الجماعة إلى هدم بقية الجدارين الشرقي و الغربي ثم ينظر في اليماني فإن زاد في الميل هدم و إلا فلا، و انصرف الناس على هذا الرأي بعد أن سجل ذلك و بعد يومين من هذا المجلس رفع سؤال إلى العلماء مضمونة إذا شهد المهندسون بخراب الجدر اليماني هل يهدم أم لا؟

صورة الاستفتاء الذي قدمه رضوان آغا لعلماء مكة

بخصوص هدم الجدار اليماني كما ذكره العلامة أيوب صبري في مرآة الحرمين‏

ما تقول السادة العلماء أئمة الدين و مرجع الخاص و العام من المسلمين و قطع بوجودهم دابر المفسدين و عمر بهداهم شعائر الإسلام للمهتدين في الجدار اليماني من البيت الشريف زاده اللّه تشريفا و تعظيما، الذي يظهر في بادي النظر للعوام أنه مستقيم و الحال أنه مائل داخل أعلاه و بارز أسفله من رأس الركن الذي على الحجر الأسود إلى المدماك الذي تحت الحجر الأسود نصف ذراع و من نحو نصف الجدار المذكور ذراع كامل و من محل وصول الميزان في المدماك المذكور إلى أرض المكان قدر الميل ثلث ذراع أيضا فيكون الميل من رأس الركن إلى أرض المطاف نصف ذراع و ثلث ذراع و من قرب الحجر الأسود المحل الثاني في الوزن ذراع كامل و من المحل الثالث في الوزن الذي بالقرب من وسط الجدار ذراع و ثلث، كل ذلك بذراع القماش الحديد و قد ظهر كل ما ذكر أعلاه من الميل في الأماكن الموزونة بالمشاهدة لكل من حضر من العلماء و المهندسين و المعلمين و غيرهم، و شهد أرباب الخبرة من المهندسين و المعلمين و العارفين ببناء عقارات الجدار المذكور و ما كان مثله خصوصا من المنحوت إذا مال نحو سدس ذراع يجب هدمه و لا يجوز بقاؤه سواء كان ذلك في محل مملوك أو محل موقوف أو مال يتيم و إنهم‏

138

يوجبون ذلك و ذكروا أن هدم الجدار اليماني من البيت من أوجب الواجبات لما في هدمه من المصالح الواجبة في تعظيم البيت الشريف زاده اللّه تعالى شرفا و لما في بقائه من خلاف ذلك نعوذ باللّه منه فهل يجوز لمن له ولاية العمارة من جانب السلطنة العثمانية خلد اللّه دولتها و أيد صولتها أن يهدم هذا الجدار اليماني المذكور ليقيمه و يقيم بناء البيت الشريف جميعه على الوجه الذي يليق به من إتقان العمارة و تحسينها الواجب ذلك في حق البيت الشريف زاده اللّه تعالى مهابة و تكريما و زاد من عظمه و أكرمه تشريفا و تعظيما أم لا يجوز ذلك و الحال ما ذكر أم كيف الحال؟ بينوا ذلك بيانا شافيا أثابكم اللّه الجنة بمنه و جزاكم عن الإسلام و المسلمين خيرا.

جواب الشيخ خالد بن أحمد المالكي‏

حيث كان الحائط المذكور بالصفة المذكورة عن العدول المذكورين في السؤال و أرباب الخبرة من أهل الصناعة و غيرهم فهدمه و تجديده أولى بل متعين لأنه أحق من الهدم الصادر من سيدنا عبد اللّه بن الزبير لأن قضية ابن لازبير كانت محتاجة إلى الترميم فقط كما أشار إليه هو رضي اللّه تعالى عنه و هذه محتاجة إلى الهدم و البناء سيما مع الانهدام و الهدم الكائنين في الثلاثة الأرباع إذ ابن الزبير رضي اللّه عنه و من خالفه في القضية يقولون بالهدم في قضيتنا أولى و اللّه سبحانه و تعالى أعلم ...

نمقه الفقير خالد بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه المالكي الجعفري.

جواب الشيخ عبد العزيز بن محمد الزمزمي الشافعي‏

الحمد للّه و لا حول و لا قوة إلى باللّه حيث كان الجدار المذكور من البيت الشريف زاده اللّه تعالى تشريفا و تعظيما بالجملة المشروحة في السؤال المشاهدة للعمل من الرجال و شهد بخرابه أرباب الخبرة الموثوق بهم في كل حال الذي يغلب على الظن فيهم عدم تهمته في هدم ما كان حالي من البقاء و لا غرض لهم في تخريب أدنى جزء منه خوفا من اللّه يوم اللقاء فهدمه بعد تحقق ما ذكر جائز بل واجب على من فوض له السلطان الأعظم خلد اللّه سعادته و أيد سيادته و أقام به شعائر الدين و قطع بسيطه رقاب المعتدين عمارة بيت اللّه العظيم و إعادته على الأسلوب القديم و بناء جدرانه على ما كانت عليه و إحكامها بكل وجه يمكنه‏

139

التوصل إليه فذلك من أعظم شعائر الإسلام و بقاء ما كان خرابا منه على حاله مع إمكان إزالته من موجبات شرور الفجرة الطغام و قد صرح علماؤنا رضي اللّه عنهم بجواز هدم ما تحقق خرابه من البيت الحرام و ما نصوا عليه لا يجوز مخالفته و من خالف أقوال العلماء كان ممقوتا عند اللّه و خلقه أعاذنا اللّه من ذلك و سلك بنا أحسن المسالك و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

حرره الفقير عبد العزيز بن محمد الزمزمي الشافعي.

جواب الشيخ أحمد بن محمد آق المدرس‏

الحمد للّه ربنا اغفر لنا ذنوبنا و إسرافنا في أمرنا، لا ريب في أن الواجب على كل مسلم تعظيم هذا البيت الشريف زاده اللّه من التعظيم و التكريم و التبجيل و التشريف و قد شاهدنا نحن و الجم الغفير من العلماء و الولاة حقيقة ما ذكر في السؤال من الجواب و لم يزل يبلغنا كل يوم الثقاة السالكين منهم الصواب أنه يتداعى إلى السقوط ما لم يتداركه أمره مع شهادة المعلمين الموثوق بهم بخرابه و بقاؤه من بنائه إلى حال سقوطه ألف عام إلا خمسة و عشرين عام أو في معجزة و لما أراد اللّه خرابه خرب و إذا تحقق ما ذكر و لم يكن إبقاء شي‏ء منه على حاله بمال وجب هدمه بغاية الإجلال و الإعظام و مزيد التوقير و الاحترام و شكرت مساعي من فوضت إليه هذه الخدمة الجليلة المقدار من قبل من فوض له ذلك مولانا السلطان العظيم الفخار دامت سلطنته العظمى ما دام الفلك الدوار و يجتهد على عمارته و إعادته على الأسلوب الحسن و بناء جدرانه على ما كانت عليه مهما أمكن و غير لائق البقاء ما كان خرابا على حاله مع إمكان إزالته و قد نص العلماء على جواز هدم ما تحقق خرابه من البيت الشريف إذا لم يكن بقاؤه نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا و من تشرف بهذه الخدمة إلى ما يحبه و يرضاه و يكون عونا لكل منا في أولاه و أخراه و أن يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه و يرينا الباطل باطلا و يوفقنا لاجتنابه. و اللّه أعلم.

نمقه الفقير أحمد بن محمد بن آق شمس الدين المدرس الصديقي الحنفي السهروردي.

140

جواب الشيخ عبد اللّه بن أبي بكر بن ظهيرة القرشي‏

الحمد للّه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. نعم جوابي كذلك سلك اللّه بالقائم بخدمة هذا البيت الشريف أحسن المسالك.

الفقير الحقير عبد اللّه بن أبي بكر بن ظهيرة القرشي الحنبلي. انتهى ما في مرآة الحرمين.

قال ابن علان: و في ضحى يوم السبت خامس عشرين جمادى الأول فتح مقام إبراهيم و وضعت فيه الكسوة الشريفة و في يوم الأحد سادس عشرين شهره وصلوا في الهدم إلى باب الكعبة فرفعوا الباب و وضعوه في بيت السيد محمد أفندي شيخ حرم المدينة المشرفة. و في ضحى يوم الأحد ثالث عشر جمادى الآخر رمى أساس الجدار الشامي و بعض أساس الجدار الغربي مما يلي الحجر، بكسر الحاء، و حضر صاحب مكة مولانا السيد عبد اللّه بن حسن و غيره من الأعيان و باشر مولانا الشريف شيئا من العمل و تبعه الأعيان في ذلك، و في هذا اليوم وضعوا عتبة الباب ثم شرعوا في البناء و هيئت القراءة في المقامات الأربعة و ذبح ثور و كبشين على باب السلام و كذا على باب الصفا و كذا على باب الزيادة و كذا على باب إبراهيم. و في يوم الأحد غرة رجب وضع الحجر اليماني في ركنه بعد أن صمخ بالعنبر و المسك و بخر بالعود. و في السابع من رجب حضر مولانا الشريف و بعض أبناء عمه و جملة من الأعيان و أرباب العمارة و أرادوا قلع الحجر الأسود لتمكينه في محله على وجه الكمال، فما أمكن، و غاية ما قدروا عليه رفع الحجر الذي فوقه و أخبرني مولانا الشيخ عبد العزيز الزمزمي و كان حضر هذا المجلس معهم أنه رأى باطن الحجر و أن لونه أشهب و أنه مربع كتربيعة مفتاح الدار. و في التاسع من رجب جعلوا أخشابا ستروا بها ما حاذى الحجر الأسود ثم أخرجوا الحجر الأعلى و نقلوه إلى محل آخر و أخذ المعلم عبد الرحمن بإصبع الحديد ما أطاف بالحجر مما كان عليه من الفضة و الجير و الخارج يتلقاه السيد محمد بن الشريف عبد اللّه صاحب مكة بمحرمة في يده فبينما هم كذلك و كان من بيده المعول قرض بلا تأن فإذا الحجر الأسود تشظى نحو أربع شظايا من وجهه و تفارقت منه و كادت أن تسقط فعند ذلك حضر السيد محمد علي بن بركات فلما رأى ما أهاله من الأمر

141

الشديد، قال: يا أمة الإسلام إن أخرج الحجر الأسود تفرقت أجزاؤه و لا و اللّه تقدرون على ضمها و جمعها و يترتب على ذلك أمر عظيم أصلحوا هذا الذي انزعج منه. فقال المعلم محمد بن شمس الدين: الحجر الذي عليه الحجر الأسود خارج و في بقائه خلل لأنه ركن البيت و عليه عتبة الباب فأمر ناظر العمارة للمعلم ابن شمس الدين باتباع قوله و هو مصمم على رفع الحجر عن مكانه، ثم وافق على ذلك قهرا ثم شرعوا في إصلاح ما تكسر منه و إلصاقه و أصلحوا ما خرج منه بعد تعب كثير، و كان إتمام العمل ليلة الجمعة بعد مضي نصفها، و بعد إتمام العمل رفعوا الأخشاب المانعة من تقبيل الحجر الأسود و أسفر الحجر عن محياه و قبله المسلمون و حياه. و في خامس عشرين رجب أزيل الخشب الساتر لوجه البيت فظهرت جهة الباب، و في غرة شعبان و كان يوم الأربعاء رفع جميع الساتر و في ثاني شعبان ركبوا الميزاب في سطح الكعبة و حضر لتركيبه جماعة من الأكابر، و بعد النصف من شعبان شرعوا في تركيب السقف الأول إلى أن تم، ثم شرعوا في تركيب السقف الثاني فتم يوم السبت سادس عشرين شعبان، و في ضحى يوم الجمعة غرة رمضان ألبست الكعبة الشريفة ثوبها، و كان ذلك بعد الشروق، و في يوم الاثنين رابع رمضان أتموا ترضيم سطح الكعبة، و في يوم الثلاثاء ثاني عشر رمضان شرعوا في هدم ظاهر الحجر، بكسر الحاء، ثم شرعوا في ترميم الحرم و إصلاحه إصلاحا تاما، و ما هل هلال ذي القعدة إلا و قد تم إصلاح جميع الحرام و للّه الحمد. و انتهى العمل في عشر من ذي القعدة و فرشت الحصبا و حصل السرور لجميع أهل الإسلام، بذلك انتهى ملخصا من رسالة الإمام علي بن عبد القادر الطبري ذيل بها كتابا له سماه الأقوال المعلمة في وقوع الكعبة المعظمة.

انتهى ما في منائح الكرم.

و قال الطبري في الإتحاف: و في تاسع شوال تخلخلت أحجار أخرى و تحركت الفضة التي فيها فجاؤا بالمعلم محمود الدهان الساكن برباط ربيع فنظر بعد رفع الفضة فإذا الحجر التصقت أجزاؤه و تحتها خلا بحيث من أراد قلع بعضه تمكن من ذلك، فصنع مركبا ملأ به ما اتصل به من الخلل بين الحجارة و عمل ذلك بعد صلاة الظهر إلى ما بعد الصلاة منه في يومين، و في أول ذي الحجة عند الظهر دهن الحجر بدهان و طلاه بالسندورس فصلح متخللة، و في يوم العشرين من ربيع الثاني من السنة المذكورة عمل فيه عملا يسيرا و أصلح ما يحتاج فيه الإصلاح كل ذلك بعمل محمود الدهان. انتهى.

142

و رأيت رسالة للشيخ محمد علي بن علان الصديقي الشافعي في عمارة البيت الشريف المسمى بأنباء المؤيد الجليل مراد ببناء بيت الوهاب الجواد، فأحببت أن ألخص منها أشياء من هذا الموضع فإن فيها فوائد لم يذكرها المؤرخون.

قال الشيخ ابن علان (رحمه اللّه): سقط من البيت الشريف الجدار الشامي بوجهيه و انجبد معه من الجدار الشرقي إلى حد الباب الشامي و لم يبق سواه و عليه قوام الباب و من الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس و من هذا الوجه الظاهر فقط منه نحو الثلثين و بعض السقف و هو الموالي للجدار الشامي و سقطت درجة السطح و كان سقوطه كذلك بعيد العصر يوم الخميس العشرين من شعبان سنة تسع و ثلاثين و ألف، و نقل ما فيها من القناديل إلى بيت السادن و علق باقي أخشاب سقفه خوفا عليه من السقوط. و استمرت أبنية الكعبة الباقية على ما هي عليه لم يجعل في محل الساقط ما يستر الباقي من أخشاب و نحوها حتى تكرر دخول البس بالحمام اللاتي تقصدنها من المسجد إلى داخل الكعبة و تنجيس أرض الكعبة بدماء الحمام و تقذير أرضها بفضلات الحمام من الريش و الأرجل. فلما تكرر ذلك و تكرر الكلام منا مع غير واحد من جماعة الشريف و من غيرنا أيضا أمر صاحب مكة بعد أن استعان على ذلك بإغاء جدة، فأرسل له بأعواد و آلات أخر و أمر أن يستر ذلك، فجاء مهندس مكة علي بن شمس الدين بأخشاب من جذوع النخل و قطع نصف العرض من طرف الجذع و وضع رأس كل في رأس الآخر و ربطه بالزواير ثم بالمسامير الحديد و جعله تحت الشاذروان و نقر فيه لأخشاب سواص و زنانير سمرها في هذه الأخشاب و جعلها أطواقا ثلثة تطيف بالكعبة لتمسكها و صفح ما بين أعواد السواص من جهة الجدار الساقطة إلى أعلا البيت و ستر به البيت كله، و كان شروعهم في ذلك يوم الخميس 26 من رمضان في صبح النهار و إتمامه في يوم الأحد 23 من شوال و صبغوا لذلك ثوبا دوليا صبغوه بالأخضر و ركبوا فيه الطران الذي كان على الكعبة بعد أن وصلوه و خيطوه بمكانه و ألبسوه الكعبة صبح يوم الخميس لسابع شوال.

و قد ألفت لهذا العمل مؤلفا خاصا سميته فتح الكريم الفتاح في حكم ما سد به البيت الحرام من حصر و خشب و ألواح، و بينت فيه عملهم البنيان و عدد الأعواد و بيان أصحابها و الحصر المسدود بها باقي العمل و أصحابها. و كل ذلك أيضا مبسوط في تاريخنا الكبير و نقتصر في هذه العجالة على التلخيص و زبد المقالة.

143

و في يوم الثلاثاء 22 من شوال وصل من الديار المصرية و معهم قاصد من العرب صحبته الذي أرسله صاحب مصر ليعمل السد المذكور الذي عمله صاحب مكة إلا أنه من أصل البيت من غير زيادة أصلا و هو رضوان آغا، و صحبته السيد علي بن هيزع و جماعة آخرون هجانون و مع الآغا رضوان قفاطين السلطانية و براءات خاقانية لصاحب مكة بتوليته شرافة مكة و المدينة و أعمالهما و كان دخوله بمكة يوم السبت 26 من شهر شوال فألبس الشريف الخلع السلطانية و أعطاه المكاتيب المنيفة فقرأها في الحرم الشريف بعد أن عربها القاضي أحمد بن آق شمس الدين المدرس بالمرادية.

و شرع رضوان في تنظيف المسجد من الطين الذي غشيه و ملأه، و كان انتهاء عمله بالمسجد الحرام من قطع الطين و غربلته و إخراج بعض حصى المسجد منه و فرشه فيه يوم الثلاثاء 29 من ذي القعدة الحرام و مع هذا فقطع أيضا أرض الشارع فإنها علت و نظف بركة المصري من الطين الذي امتلأ في أسفلها من السيل و سوى أرض المدرج عند جمرة العقبة و أصلح بعض خراب في العين بالبنا و التنقيل و رضم أحجارا وجدت في حفر الشارع وراء جدر المسجد الشرقي و استمر في هذه الأعمال إلى سادس ذي الحجة فحفر عن أرض المروة و بنى الجدار الشامي من زقاق القرارة النازل عليها.

و أرسلوا في أوائل ذي القعدة قاصدا آخر لطلب آلات لعمارة الكعبة من الأخشاب و غيرها.

و لما كان أواخر ذي القعدة وصل المركب الذي جهزه صاحب مصر لعمل سد الكعبة و فيه من الآلات كما ذكر لي كاتب جدة المحروسة الشهاب أحمد بن علي القباني (98) سوحيا مجوز و سبعة و ستون سوحيا مفرد و أربعة و عشرون سوبر و تسعة و خمسون زنارا و عشرة قرايا و قاضن و اثنا عشر لوح خشب بكر و دوامس و محمسات و مائتا عصى شون و كورتين كبار بلدي محلول و ثلاثة عشر حبلا بهروزيا و سحيلا و مائتا مكتل أعلاف و مائة سرفانية و هي المكاتل التي تحمل على ظهور الجمال و ثلاثة و عشرون أقتاب جمال و سبع فراد ليف سلب مفتول و أربع ربط قنب و خمس قرمان تركية و خمسة و عشرون مسحاة و ثمانون لوجا و هو نحاس مدور للبكر و ثلاث عشرة قفة مسامير و اثنين و عشرين قضيب حديد معجز هذه آلات سد الكعبة و وصل جملة من النجارة من مصر أيضا.

144

و في يوم الثلاثاء 14 ربيع الثاني أمر الأمير رضوان بتنظيف المصنع السلطاني و هو بلصق بركة الشامي في المعلاة، و أن يهيأ ليوضع فيه الحطب و الفحم و حجر النورة و تصليح مصانعها و دفع لكل من أصحاب حجر النورة و الحطب و الفحم ثمنا عينه في قنطار كل بإشارة علي بن شمس الدين المهندس فاستقلوه و لم يرضوا به.

و جئت للأمير رضوان إلى منزله و أعطيته رسالتي (فتح القدير في الأعمال التي يحتاج إليها من جعل له الملك على البيت ولاية التعمير) و سألني الأمير رضوان عن حكم الحطب و الفحم و حجر النورة و آلات عمارة الكعبة إذا امتنع أصحابها من الثمن الذي عينه ابن شمس الدين أيجوز أن يؤخذ بتثمينه و إن لم يرضوا به؟ فقلت:

لا يجوز مال المسلم إلا برضاه و أخذ شي‏ء على الوجه المذكور حرام و ما طلب فيه صاحبه مما ذكر ثمنا معينا إن لم يرض إلا به و لم يرض بما دفعتموه له ففي غيره عنه غنى و المنفق في الخير لا ينبغي فيه المماحكة خصوصا البيت السعيد و أخذ ما لم يرض صاحبه بما يدفع له حرام و واجب تنزيه بيت اللّه من الحرام تعظيما لحرمات اللّه و من يعظم حرمات اللّه فهو خير له عند ربه، و انصرفت عنه، و بلغني أنه ألزم أصحاب الآلات المذكورة بالحكم أن يرضوا بما يدفع لهم مما قال ابن شمس الدين فالتزموا بذلك و الحكم للّه.

و في يوم الثلاثاء (21) من ربيع الثاني وصل الخبر بدخول غراب ابن سويدان جدة المحروسة و فيه من آلات العمارة كما أملاه على كاتب جدة المحروسة الشهاب القباني خمسمائة لوح دبسي و مائة زنار و خمسة عشر كريك عشيم و ثلاثمائة لاطه و أربعة تراكه و تسعون سواحي مجوز و سوحي مفرد و قرايا واحد و مائتا تمساح رصاص و خمسة عشر قنطارا حديدا خاما و عشرة قناطير مسمار و ثمانية سحل ليف و ألف و أربعمائة عصى شون و مائة و أربعون قتب جمال و خمسة قناطير صلب و ثلاثمائة طست و سطل من النحاس.

و في يوم الأربعاء شرع النجارون في شغل الأخشاب التي يطيفون بها من الطواف على قدر حاجتهم و يكون أخذه من الطواف نحو ستة أذرع من جدار البيت إلى الطواف من جهاته كلها و قطعوا أطراف رؤوس الخشب كما تقدم في عمل ما سد به الكعبة و استمر في هذا الداير القرافي و يجعل عليه من صفائح الخشب ما يمنع من وصول الناس للعملة و شرعوا في هذا العمل في زيادة باب إبراهيم أمام رباط الخوزي و عملوا أيضا تحت الرواق بين الزيادة المذكورة و صحن المسجد

145

و نشروا أيضا لاطات من الأخشاب ألواحا تحت الرابط المذكور مما يلي وجه الكعبة.

و في يوم السبت سد فم العتبة من تحت ربع الملك الأشرف قانصوه الغوري بعد أن نظفت بإفراج التراب الذي جمعه السيل فيها منذ نظفها حسن باشا عام عشرين و ألف لما وضع حزام البيت و ميزابه و أخرج منها حسن باشا فيما قيل عشرين ألف حمار و كان ابتداء فتحها من جهة باب الزيادة تحت الشيخ عبد الكريم القطبي مفتي الحنفية سابقا و نظفوا أيضا من تحت باب العنبة من ربع الغوري ما يليه من الدبل الذي يجري فيه الماء المجتمعة من العنبة من جهة الغلق و أعمالها و هو دبل ينصب آخره بقرب حوش خدام المسجد في رأس الزقاق الذي ينفذ على مقبرة الشبيكة و يحاذي باب دبل العنبة البازان السفلي و كان يستقى منه ثم دمر من السيل الواقع عام 39 و اللّه يعمر من يعمره و يجري فيه الماء كما كان ينتفع به فقراء ذلك المكان.

و في 27 ربيع الثاني وصلوا بأول الأحجار الكبار التي اقتطعوها للكعبة الشريفة من جبل الشبيكة قرب الشيخ محمود و طول الحجر نحو ذراع و نصف و سمكه نحو ذراع فجي‏ء بثلاثة منه و وضعت بقرب باب العمرة.

و في يوم الأربعاء حضر مولانا السيد محمد الناظر على العمارة و الأمير رضوان و شيخ الحرم المكي مولانا شمس الدين عتاق و المهندس علي بن شمس الدين و أطافوا بالكعبة و علي بن شمس الدين يحسن هدم ما بقي من الجدر و يقول إن أحجارها تكلس بعضها و كان من كلام السيد أن لا يرفع من أحجارها حجرا إلا بعد ظهور اضطراره للهدم و احتياجه الحاجة التامة و بالتحليف مع ذلك لمدعى ذلك في شي‏ء من أحجارها تعظيما لبيت اللّه تعالى و احتراما له، و تفتت بعض الأحجار و تأكل أطرافه لا يضر إذا كان البناء ثابتا و انصرفوا على ذلك.

و في يوم الجمعة هلال جمادى الأولى شرع العملة في تبريح أحجار الكعبة فرصوا الصغار منها فيما بين صف الحنفية الأول و حاشية المطاف و نقل العتالون الأحجار الكبار و فرقوها في صحن المسجد و نقلوا الجباب إلى ما تحت السليمانية من الأروقة الغربية، و هكذا إلى قرب باب الزيادة. و شرع الحجارون في نحت الأحجار الجدد التي قطعوها لإكمال البناء بها و كان نحتهم تحت المدرسة الباسطية وراء مقام الحنفي.

146

و في ضحوة اليوم المذكور دعي فاتح البيت و سئل عن قائمة قناديل البيت فقال: لا قائمة لها عندي أصلا و أحضر كتبة الحرم فقال كل منهم ما حضرنا ذلك و لا عندنا فيه شي‏ء فدعى عبد الرحمن بن أبي البقا فأحضر دفترا بخط أخيه عقيل فيه ضبطها في عام تسعة عشر و ألف أيام قضاء السيد محمد أفندي بمكة و دفتر آخر بخط عبد الرحمن نفسه فيه ضبطها في موسم سنة (1037) سبع و ثلاثين و ألف على عهد ولاية شريف مكة الشريف أحمد بن عبد المطلب و حاصله أن عدة قناديل الذهب تسعة عشر و أن قناديل الفضة ثلاثة و ثلاثون، فقال الفاتح: ما أطالب إلا بما تضمنه الخط الثاني دون الأول لأن البيت كان بيد السادن قبلي و قال الثلاثة و الثلاثون الفضة ليست كذلك كلها بل معظمها هكذا و فيها نحاس مموه بالفضة و فيها زجاج و تكسر بعضه فاقتضى رأي المذكورين تأخير البحث فيها إلى الاجتماع على صاحب البلاد الشريف و يبرز فيها رأيه المنيف.

و في يوم الاثنين صعد السيد محمد بن السيد محمود الحسين قاضي المدينة المنورة و ناظر العمارة الشريفة و الأمير و قاضي مكة المكرمة و شيخ حرمها و فاتح البيت و آغا جدة إلى صاحب مكة و طلبت القناديل فأحضرت من بيت الفاتح و قرئ الدفتر المكتوب على عهد الشريف أحمد بن عبد المطلب و فيه عدة القناديل و ضبط وزن كل و مجموع قناديل الذهب منها تسعة عشرة قنديلا فوجدت في العدد كذلك من غير نقص و وجدت قناديل الفضة كذلك أي ثلاثة و ثلاثون كما هو مكتوب و تسلم القناديل كلها بالديوان الشريف بحضور من ذكر مولانا شيخ الحرم و ناظره و انصرفوا.

ثم اجتمعت بالمهندس فرأيته والها والعا بهدم الجدار اليماني الباقي بعد الهدم بالسيل و أنه لا يحسن عملا إلا بذلك فخوفته من انتهاك الحرمة و أنه لا يجوز أن يهدم منه إلا ما دعت الضرورة إليه أو الحاجة الحاقة و السلطان إنما أناب في عمل ما تهدم دون هدم القائم، و أمر عمل الكعبة هدما و بناء موقوف على ما يصدر من رأي السلطان و رأيته مصرا على هدم الجدار المذكور و جميع ما بقي من جدر الكعبة و بنيتها على خيط عمله، ثم اجتمعت على السيد محمد الناظر على العمارة فبعد أن ذكرت له ما ذكر و نقولا آخر في منع ما لم تثبت الضرورة أو الحاجة الحاقة إلى هدمه و قلت له: إن بناء الكعبة تابع لهندسة جبريل و ظل السكينة الذي بنى عليه الخليل و أعانه عليه إسماعيل لا خيط العملة، فقال: الأمر كما ترون و لا

147

نهدم منها إن شاء اللّه تعالى إلا ما ثبت بالضرورة ضرورية هدمه أو حاق الحاجة إليه و ما بقي ندعه على ما هو عليه حتى يسقط فيهي‏ء اللّه له من يقوم بعمارته و ألفت رسالة سميتها إيضاح تلخيص بديع المعاني في بيان منع هدم جدار الكعبة اليماني أعطيت نسخة منها للسيد محمد ناظر العمارة و أخرى لقاضي مكة المكرمة و أخرى لشيخ حرمها.

و في عاشر جمادى الأولى شرعوا في كشط الحصى عن وجه الأرض من محاذاة الوقادين إلى محاذاة دكة الفقيه النزيلي و قد أعدوا ذلك لوضع النورة و تخميرها فيها و أسفل منها و أداروا عليها أخشابا أقاموها ثم سمروها في خشب معترض بها و قد شرعوا في وقيد النورة في المصانع من 18 شهر ربيع الثاني.

و في خامس عشر جمادى عمل النشارون في نشر الخشب و الحجّارون في قطع الأحجار من جبل الشبيكة و النحاتون في نحتها و إصلاحها و الحمارة في نقل النورة على ظهور الحمير إلى المحل المهيأ لها و ينقلونها و هي حجارة و يصفونها في المحل المذكور من المسجد.

و في يوم الثلاثاء ثامن عشر جمادى الأولى اجتمع بالمسجد الحرام الأمير رضوان على مولانا السيد محمد و دار الكلام بينهما في الشروع في عمارة الكعبة فقال السيد: ننتظر المعمارية و العملة الواصلين لذلك من مصر و رأى رضوان البدار من غير انتظار و انفض المجلس على أن يشرعوا يوم السبت (22) من الشهر المذكور في وضع الأخشاب المطيفة بالبيت الآخذة بقدر ستة أذرع من الطواف ثم رأوا تأخير العمل للأخشاب إلى يوم الأحد لأنه يوم شريف كان فيه بدء العالم.

و في صبيحة (23) يوم الأحد اجتمع على صاحب بلد اللّه الحرام السيد و الأمير و جمع من الشرفاء و ناس من الفقهاء و حضر قاضي بلد اللّه الحرام مولانا حسين أفندي و ناظر المسجد الحرام مولانا شمس الدين عتاق و استؤذن الشريف في مباشرة عمارة الكعبة الشريفة فأذن فيها و في أن يطاف من الدائر بها بأخشاب قدر ستة أذرع و سمكه نحو قامته الأولى فأذن به و عينوا لمباشرة العمل علي بن شمس الدين و محمد زين فقالا: نتولى عمل البيت و عمارته لكن بشرط إطاعة الناظرين بتوسعة أجر العمال فقال رضوان: نفعل ذلك، فأحضروا ثلاث خلع واحدة لرئيس النجارين المعلم سليمان الصحراوي المصري و واحدة لابن شمس الدين و أخرى لابن زين، و تفرق الجمع و حمل جماعة الأمير آلات العمارة من الحبال‏

148

و المسامير و السطول و الحلل إلى سقاية العباس و ذبحوا أغناما يسيرة على بعض الأبواب و شرعوا في وضع الأخشاب المطيفة و تسميرها.

و في اليوم المذكور شرع النجارون أيضا في عمل سقالة من الخشب يصعد عليها البنا إلى جدر الكعبة و جعلوا مبدأها مما يسامت الباب الغربي للكعبة و ذلك بأن تقام أخشاب و يسمر بينها عوارض و ترمى عليها أخشاب طوال يوضع طرفها الثاني على عوارض أخرى على قوائم تحتها و هكذا إلى جدر سطح الكعبة، و بعد انتهائها تسمر في الطول خشب عوارض بعرض السقالة و مجموع ما سمر (72) منه و صعد عليها العتالة فأنزلوا بعض الأحجار ثم في الحال صعدوا عليها بالأحجار و كل من الحجارين في نحتهم و النشارين في نشرهم على حالهم.

و في يوم الثلاثاء شرعوا في إصلاح الأحجار الساقطة من البيت و نحت ما يحتاج للإصلاح منها.

و في عصر يوم الأحد هلال جمادى الآخرة صعد السيد و رضوان فرأيا سطح البيت و جداره الباقية و ألقى عندهم علي بن شمس الدين أنه لا بد من هدمها و السيد و كل أمر ذلك إلى اللّه تعالى.

و في صبيحة يوم الاثنين اجتمع كل من مولانا السيد و الأمير بالحطيم و حضر السيد علي بن بركات فصعد معه الأمير إلى سطح الكعبة و أراه المكان و أرسل إلى مولانا السيد محمد و أنا بقبة الشراب المعروفة بقبة الفراشين و أشار إلي بأن أصعد إلى سطح الكعبة و أرى ما هنالك و توجهت لذلك فأشار علي الأمير و السيد علي بانتظار وصولي فجلسوا فوصلت فرأيت سقف البيت مفارقة لجدار اليماني نحو خمسة أصابع و رأيت انصداعا في الجدار الذي يحذو الباب و بمحاذيه من الجدار الغربي فقال لي الأمير و نحن على السطح: ماذا ترون؟ فقلت: هذه الأحجار المفارقة و الخربة و الشعثة تزال لتحقق الضرر فيها و يقتصر على الأمر الضروري فقال المهندس: هذا الذي بأعلاها إنما حدث من انبعاج أسفلها فتأثر هذا منه، ثم عدنا إلى السيد فسألني، فأخبرته بما رأيت و بما قلت و زدت حينئذ أن هدم باقي الجدار يتوقف على ثبوت أن ذلك الأمر عن انبعاج الأسفل، فقال الأمير: وزن بعض البناة الجدار من محل الحزام فرأى خروجا على أن ما تحت الحجر الأسود تحتاج إلى الإصلاح. و تكلم رضوان، فقلت له: أنا رجل من أهل العلم و أتكلم‏

149

بمقتضى العلم و لا أبالي مما يلحقني في ذلك من الأعراض الدنيوية و الحق على النفوس ثقيل، و انصرفت.

و في يوم الجمعة اجتمع في الحطيم ملك البلاد و السيد عبد اللّه و ولده محمد و أحمد و أشراف آخرون و ناظر العمارة مولانا السيد محمد الحسين الأنقوري النائب في ذلك مناب السلطان الأعظم و مولانا الأفندي حسين الشهير بمتولي زاده، و مولانا ناظر المسجد الحرام شمس الدين عتاقي و الأمير رضوان، و حضر جمع من فقهاء البلد الحرام و أعيانه منهم خالد المالكي و عبد العزيز الزمزمي و القاضي أحمد بن آق شمس الدين المدرس بالمرادية المفتي الحنفي و تاج الدين المالكي و أحمد بن جعفر الواعظ و الفقير إلى اللّه تعالى. فدار الكلام في جواز هدم باقي الجدار الباقية بعدما انهدم من السيل و المنع منه، فمال جمع إلى ما قال المهندس من هدمه و ملت إلى تحريم هدم ما لم تدع ضرورة أو حاجة حاقة و نحوت منحى ابن عباس في المنع من ذلك، و دخلوا البيت الحرام و خرجوا و طال الكلام و الجدال بين قاضي مكة المكرمة و بين الأمير فقال مولانا السيد الناظر على العمارة لابن شمس الدين و لابن زين: إن كنتم صادقين في دعواكما خراب هذه الجدار و أنها لا صلاحية فيها للبقاء فاحلفا على وفق دعواكما و أيد ذلك قاضي مكة و قام و مشى إلى الحجر الأسود و قال: تقدما إلى الحجر فامتنعا عن الحلف و قالا: إن هدمتم فاهدموا و إلا فاتركوا، نحن لا نحلف ثم اقتضى رأي مولانا السيد أحمد و الحاضرين من أن نهدم ما بقي من الجدار الشرقي و من الجدار الغربي و يبقى اليماني و يصمد بما يحرسه من السقوط من دراية و إمامة و بينى الساقط و المهدوم ثم ينظر بعد لحال الجدار اليماني فيعامل بما يبدو فيه، و رضوا كلهم بذلك و حكم به القاضي الشرعي و انفصل المجلس عليه و كتب صورته القاضي أحمد بن عيسى بن مرشد نائب أفندي مكة بأمره و انصرفوا على ذلك.

و في يوم السبت شرع العملة في إخراج باقي خشب السقف و في ضحوة النهار شرعوا في هدم الجدار الشرقي مما يحاذي البيت.

و في يوم الأحد شرعوا في هدم الجدار الغربي و نقض الأخشاب التي عملت في محل الجدار الساقطة بالسيل و فيه عزم البناة على هدم الجدار اليماني و زعموا أنه ضروري الهدم و نظموا في ذلك سؤالا كتب لهم عليه بالجواز خالد المالكي‏

150

و عبد العزيز الزمزمي و القاضي أحمد المدرس و عبد اللّه الحنبلي و قالوا: المفتي أسير السؤال.

و في يوم الأحد المذكور نصبوا البكرات و أخرجوا بها عمودين من العمد الثلاثة التي عليها بساتل أخشاب السقف و وضعوهما عند محل الحجارين أمام الباسطية و هما سالمان سوى يسير من رأس أحدهما الذي يلي الأرض تآكل بالمياه عند غسل البيت و عند دخول بعض السيول لجوفه و أما البساتل التي عليها فمنها ما رأوه منكسرا فألقوه مع رث خشب البيت بين سقاية العباس و فيه الشراب و منها ما ليس كذلك فوضعوه في حاشية المطاف مما يقارب مقام الحنفي إلى محاذاة ما بين اليمانيين. و فيه هدموا بعض الجدار الشرقي و رموا أحجاره من أعلا الجدار إلى ما أطاف به الخشب من الطواف و تركوا حمل العتالين له من أعلا الجدار و حملوه من وجه الأرض.

و في يوم الاثنين شرعوا في هدم الجدار اليماني الذي أفتاهم بجواز هدمه من ذكرنا و الأمر للّه الواحد القهار.

و في يوم الثلاثاء أخذوا في هدم باقي الجدار. و في يوم السبت نصبوا أخشابا بطول شبابيك مقام إبراهيم (عليه السلام)، من الجوانب ما عدا جانب الباب و سمروها و نقلوا إلى ذلك الكسوة الحمراء و السوداء فجعلوا حزمتين أسفل و عليهما البرقع و من فوقهما حزمتان أخريان. و فيه وصلوا بالهدم إلى ما فوق عتبة الباب العليا و تعسر عليهم إخراج بعض أحجار الهدم حتى عالجوا بالمعاول و الصفايح الحديد في حجر من الجدار اليماني من الظهر فما تم خروجه إلا بين صلاتي العصر و المغرب، و كان للعملة عند إلقائه من محله جلبة ملأت المسجد صراخا.

و في يوم الأحد قلعوا العتبة التي على أعلى الباب و وضعوها عند العمد بمحل نحاتي الأحجار و أخرجوا درفتي باب الكعبة الشريفة و حملوها على الرؤوس واحدة بعد الأخرى و وضعوهما في الخلوة التي تحت بيت مرزا مخدوم مسكن ناظر العمارة و كان ذلك ضحوة النهار.

و فيه قلعوا أحجار الشاذروان و هي رخام فيها حلق نحاس مموهة بالذهب لإدخال البريم فيها، و هو بموحدة فراء فتحية بوزن فعيل، الحبل المبروم الذي يحيط به أسفل كسوة الكعبة و فيها مسامير لإلصاقها بما تحتها و كان ذلك من عمل مولانا السلطان أحمد خان بمباشرة حسن بن مراد شيخ الحرم المكي حينئذ.

151

و فيه رفعوا الحجر الذي فيه الركن اليماني الذي هو محل الاستلام للطائف و ألقوا حجر الركن في داخل ما أطاف عليه الأخشاب من الطواف و هدموا باقي أحجار الأركان و ما بينهما و ما أبقوا سوى الحجر الأسود و ما فوقه و ما تحته و ما بجانبيه و نصبوا أخشابا على ظهر الحجر الأسود و سمروا طرفها الأعلى و كأنه لمنع أن يرقى أحد من ذلك المحل إلى العملة.

و فيه ابتدءوا في طحن الجص في المصنع السلطاني عند بركة الشامي و تم أيضا مطابخ الجير للأعمال السلطانية، و قد كان الجير يؤتى به أحجارا على ظهر الحمير إلى داخل المسجد و تطفى عند باب القبلة، ثم تركوا ذلك و صاروا يطفونه عند مطبخه و يأتون به دقيقا.

و في يوم الخميس نظفوا أسفل الجدر و وجهها لصحة أساسها و كمال أحكامه بحيث منع البنائين مما أرادوا من هدمه و قربوا بعض الأحجار إلى محل البناء.

و في يوم الخميس نظفوا أسفل الجدر و وجهها لصحة أساسها و كمال أحكامه بحيث منع البنائين مما أرادوا من هدمه و قربوا بعض الأحجار إلى محل البناء.

و في يوم الجمعة اجتمعا على السيد محمد ناظر العمارة الشريفة فأكرمنا على عادته بالطيب و غيره أكرمه اللّه و ذكر لنا أنه وقع في سره أن انقلاب ماء زمزم عما كان فيه من المرارة إلى الحلاوة علامة على أن ما صنع بالبيت من الهدم حسن و فيه التفاؤل بصلاح الحال و بالحلاوة بعد المرارة، و كان (صلى الله عليه و سلم) يحب الفال الحسن.

و أشرت على مولانا السيد محمد ناظر العمارة بأن يأمر البناة بغسل الأحجار قبل البناء بها لاحتمال عروض ما ينجسها من هذه المدة من هر أو كلب أو طير، و قد صرح الفقهاء بندب غسل حصا الحمار لذلك، و أيضا فقد قال تعالى:

وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ‏ فاستحسن ذلك و أشار به عليهم ففعلوا لكن في كبار الأحجار المنحوتة دون أحجار الوجه الثاني و الحشو و كأنهم استثقلوا ذلك و غسلوها بالماء الحلو دون ماء زمزم لأنهم زعموا أنه يؤثر في إضعاف الجص و الجير.

و في يوم السبت نحت الحجارون من محل استلام الناس للركن اليماني قدر أصابع قالوا لأن من فوقه كان قد انفلقت منه قديما فلقة، فنحتوا في بطن الحجر ما يساوي تلك الفلقة المفقودة، و إن فات لذلك لمس ما تشرف بأيدي الأنبياء و الصحابة و التابعين و العلماء و الصالحين من وجه ذلك الركن.

و في يوم الأحد 23 جمادى الآخرة شرعوا في وضع الأحجار في بناء الكعبة، وضعوها على الأساس من بعض الأطراف، و حملت فيه أحجارا على كاهلي‏

152

تشرفا بذلك و اتباعا لسيد الخلائق (صلى الله عليه و سلم) و رأيت البناة يعملون في الجانب الشامي و هذا المدماك غير معدود من مداميك الكعبة المعدودة، لأنه وراء الشاذروان وعدة المداميك فوقه إلى منتهى سمكها في بناء ابن الزبير (25) مدماكا، و قد بنيت في هذا البناء كذلك.

و في التاريخ المذكور سئلت عن الخشب البارز من الكعبة: أيجوز أن يتخذ منه مسابح أم لا؟ فأجبت بأن ما صلح منه لإعادته إليها وجب ذلك فيه على الوجه الممكن و لو بأن تجعل نشارته مع الطين و الخشبة فيه مكان اللبن في جدارها و ما لا تقع فيه البتة دفن في موضع منها أو في المسجد صونا له عن الابتذال و قياسا على دفنه (صلى الله عليه و سلم) للجذع الذي يخطب عنده ثم تركه للمنبر، و أيضا ففي عمل ذلك منه تعريض للامتهان فإنه إذا انقطع سلك تعرض للابتذال. و اللّه أعلم.

و في يوم الاثنين وضعت العتبة السفلى التي بسمت الشاذروان و في أسفل جدار البيت من وجهه دبل صغير، قال علي بن شمس الدين أنه رأى ذلك من الجانب الشامي و ما وقف على منتهاه و لا عرف منهاه فدك في هذا البناء و قال: إن الخلل الذي لحق الجدار منه.

و في يوم الثلاثاء جاءوا بالأحجار التي اقتطعوها من الجبل الشبيكي وراء مشهد العارف باللّه الشيخ محمود بن إبراهيم بن أدهم نفع اللّه بهما و نحتوها و أصلحوها عند مقام المالكي و حملوها العتالة إلى قرب جدار الكعبة و هذا المدماك هو الذي يستره الشاذروان.

ثم اجتمع الناس في الحطيم للدعاء، و جاء مولانا الشريف و معه أولاده و ناظر المسجد الحرام و رضوان فدعى لمولانا السلطان مراد على العادة ثم لمولانا الشريف ثم لبقية المسلمين و كان رضوان أمر بعض أتباعه أن يعد في عشرين حلة نورة، و في عشرين مكتلا حجارة، فلما أتم الدعاء توجه الشريف و من ذكر أجمع إلى الكعبة الشريفة و حمل المذكورون ما ذكر تبركا و اتباعا، و دعوا لمولانا السلطان و عادوا إلى محمل الدعاء من الحطيم فأخرج الأمير رضوان من جيبه رقعة صغيرة فيها أسماء من يريد إلباسهم الأثواب و هم: مولانا الشريف صاحب مكة، و قاضي الشرع و ناظر المسجد الحرام و حاكم البلد السياسي القائد جوهر بن ياقوت الحسني و فاتح البيت الحرام كل خلعة خلعة، و ألبسوا من أفتاهم بجواز هدم الكعبة من الجدر القائمة أثوابا، فالحنبلي أخذوا منه قطنية بيضاء و الحنفي أخذوا منه صوفا

153

له و ألبسوهما و وضعوا كلا منهما بدل الثوب عشرة غروش، و أما الشافعي و المالكي فلما طلب منهما كاللذين قبلهما لم يجدا شيئا فأخذ لكل منهما صوفا أحمر و ألبس الشافعي و لم يحضر المالكي فقبضه له أحمد بن جعفر الرومي ثم أعاد أبو السرور العجيمي الدعاء لمن ذكر أولا و انصرفوا، و أمر عند كل مقام من المقامات الأربعة أن يقرأ جماعة القرآن، فلما أتم كل ما عليه أدخلوا جوف الكعبة و ختموا فيما بقي من وسطها القرآن الشريف و دعوا لمولانا السلطان و أعطى كل قارئ نحو الثلاثين محلقا و فيه ذبحوا أربعة ثيران و بعض الغنم. و في وقت الضحى تشرفت بنقل الأحجار الشريفة على كاهلي إلى البنية المنيفة ودك بها البناة باطن الجدر.

و في يوم الأحد شرعوا في المدماك الثاني و سمكه (22) قيراطا من ذراع العمل، و بدءوا فيه من الجانب الشرقي و فيه صبوا رصاصا على وجه أسفل الجدار اليماني ليساوي المتآكل منه باقي الجدار في سمته.

و في يوم الاثنين غرة رجب الحرام وضعوا الحجر الذي بطرفه محل استلام الطائفين من الركن اليماني و كان طرف الحجر الذي تحته انكسر من أعلاه فوضع محل ذلك من الرصاص المذاب ما يساوي به مع باقي الأحجار سمتا، و كان تمام وضع الحجر و تسويته عند العصر من اليوم المذكور و جاء الفاتح بقليل من الصندل المذاب في زبدية و صمخ به محل الاستلام و ما يقاربه، و فيه وضعوا حجر الركن الغربي الشامي و نصبوا أحجار الجدار الشامي، و فيه قال مراد آغا ناظر العمارة للبناء عبد الرحمن بن زين: أتقن بناءك فإن هؤلاء البناة يذهبون و لا يبقى من البناة بمكة إلا أنت و ينسب إليك كل ما يظهر في البناء من خلل. و دعاه لهذا القول أنه رأى الحجارة المنحوتة ليست في التلاحم على غايته بخلافها في بناء ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه، فإنه لا يكاد بين الحجرين فيه.

و في عملهم هذا بين الحجرين نحو نصف إصبع و ذلك مظنة لدخول ماء السيل منه و إن كحل وجهه بالجص فقد ينحل عند مكث السيل مع أن جدار ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه كان ذا وجهين.

و في يوم الثلاثاء كمل نصب أحجار المدماك الثاني من جوانبه الأربعة و شرعوا في دك ما وراء ذلك.

154

و في يوم الأربعاء كنت واقفا مع مولانا السيد محمد الناظر على العمارة المطهرة على سقايل البناة مما يلي جهة اليمن فأخبرته أني شرعت في قراءة صحيح البخاري رواية بعد صلاة العصر من أوائل شهر جمادى الآخرة فأشار بأن يختم في داخل البيت و ندعو عقب ختمه لمولانا سلطان الإسلام و المسلمين فيكون ختم في البيت كل من القرآن و صحيح البخاري، و دعى لمولانا السلطان عقب كل منهما. و فيه حملت النورة و الأحجار ودك بها الجدار اليماني. و فيه عملوا حديدة نحو ذراع على هيئة الخطاف قالوا ليحكموا له الغلاف الذي يريدونه الحجر الأسود.

و في يوم الخميس وضعت عتبة الباب الشريف بمحلها و في الحجر نقب مستدير من ظاهرها إلى نحو نصفها ثم بعد ذلك هو مشقوق إلى آخر الحجر على صورة نصف الدائرة نقر ذلك ليخرج ما قد يتحصل في داخل الكعبة من السيل عن و كف السقف أو نحوه.

و في يوم الخميس بعد الظهر نقلت العتالة العمد الثلاثة من محلها السابق و ردف.

باب الكعبة العليا إلى وسط الكعبة و جعلت بعضها على بعض في منتصف الكعبة و جعلت طرفا مما يلي الجدار اليماني و آخر مما يلي الشامي قالوا ليتمكن من العمد عند الوصول إلى محلها من غير تعب و وضعوا عليها يوم السبت صفائح الخشب و ستموا أطرافها حفظا لها من نجاسة طير و وسخ عمارة.

و في يوم السبت عمل البناة الأحجار على المدماك الثالث و زرع سمك أحجاره عشرون قيراطا و فيه الباب الشريف الشرقي، و فيه رسموا باب الكعبة الغربي و هو بحذاء الباب الشرقي في الجدار الغربي.

و في يوم الأحد أكمل نصب الأحجار المنحوتة في المدماك الثالث من جميع جهاته ما عدا محل الحجر الأسود. و فيه نجر النجارون الأخشاب الصحيحة من البيت و أصلحوها، فعادت حسنة المظهر في غاية الجدة. و فيه موه الصايغ الفضة المصفح بها النحاس المجعول غلافا للحجر الأسود.

و في يوم الاثنين انتهى الدك ما كان بين الجدار و ما في أصل الكعبة من الرضم و على وجهه الرخام المفروش من جانب اليمن. و فيه أدخلوا الحجرين الشبيكيين المنقور ما بينهما بقدر موضع الحجر الأسود، و أحدهما راكب على الثاني، فدخلوا بهما على العتالة إلى محاذاة الحجر الأسود من المحيط به الخشب، و أدخلوا