التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
155

بين الحجرين ما أعدوه للحجر الأسود و قاسوه و عرفوا عملهم و أمروا الصائغ بإتمام تمويه الذهب في باقي اليوم، فقال: ما يتيسر إلا في غد و شرع البناة في المدماك الرابع و زرع سمكه ثمانية عشر قيراطا بدؤوا فيه من الجانب الشامي.

و في يوم الثلاثاء بعد الإشراق جاء السيد محمد الناظر على العمارة و ولده و الأمير رضوان و معهم ما أعدوه للحجر الأسود من المصفح بالفضة المموهة بالذهب فجاءوا بصفائح من خشب مسمر بعضها إلى بعض في أعواد من ورائها، فسدوا بذلك ما كان مفتوحا بحذاء الحجر الأسود لتقبيله و قلع الحجر الذي على الحجر الأسود المطيق على أعلاه و المطيف به طرفه من الجانب اليماني، فوضعوا أخشابا على طرف جدر الكعبة و دحرجوا عليها ذلك الحجر حتى نزل إلى حذاء الكعبة، فحمله العتالة و أبرزوه، ثم وصل الشيخ عبد العزيز الزمزمي مع فاتح البيت ثم مولانا العلامة شيخ الحرم المكي و قاضي مكة حسين أفندي، و كان حاضرا مصطفى آغا جدة و كاتب البندر المذكور الشهاب أحمد القباني، ثم حضر مولانا الشريف صاحب مكة و معه ولداه محمد و السيد أحمد و السيد علي بن بركات و آخرين من السادة الأشراف، فلما رفع الحجر الكبير الذي على ظهر الحجر الأسود و قصد ابن شمس الدين رفعه من محله و رفع الحجر تحته فأخذ عبد الرحمن بن الزين البنا إصبعا من حديد و صار يقلع به ما ظهر على الحجر الأسود من فضة و جير فقرص به في وسط الحجر و اتكأ، فإذا انقطع وجه الحجر الأسود و انقشر عما تحتها و تفارقت فيما بينها و كادت تسقط فسقط في أيدي القوم. و دعا السيد علي بن بركات فقال لهم: يا أمة الإسلام تحروا فإنكم إن أخرجتم الحجر الأسود من مكانه تفرقت أحجاره، و لا و اللّه تقدرون على جمعها و إعادة الحجر كما كان فيحصل ضرر شديد، و سكتنا في أمر هدم الجدران و وكلنا ذلك إلى ذممكم.

و أما هذا فلا نسكت عليه، و ابن شمس الدين و ابن زين يأبيان إلا في رفعه و رفع الحجر من تحته و لو جرى ما جرى، و يدعيان أن الحجر تحته خارج عن ميزان عمله، و أنه محل الركن و له اتصال بالباب، و هو محل التردد إلى البيت فلا يمكن بقاؤه. فقال السيد علي: بفرض ما يقول البناة المتقنون يعقدون العقود و بينون عليها القصور و يعتقون الجدر الخراب و يبنون ما يريدون. فلما رأى الأمير رضوان أن تفقش أجزاء الحجر أمرهما بما قال السيد علي و أطاعا ورد الحجر الذي تحته في الحال بعتبه إلى بيته، و أمرا أن يجعلا من فوق الحجر حجرا يعتقه و يكون عليه مدار العمل ثم و قد بسطت الكلام في هذا المقام في كتابي العمل المفرد من فضل و تاريخ‏

156

الحجر الأسود و لون ما يستتر من الحجر الأسود بالعمارة في قدر الكعبة أبيض بياض حجر المقام و ذرع طوله نصف ذراع بذراع العمل و عرضه ثلث ذراع و نقص منه قيراط في بعضه قالوا لتآكل المحل منه و سمكه أربعة قراريط و عليه سيور من فضة واحد من أول ما غاب من رأسه من جهة الباب مستدير إلى مثله مما يلي الجانب اليماني في وسط سمكه و عليه سيران من فضة محيطان بعرضه إلى طرف السير من الوجه الثاني، و في عرض الحجر ثلاثة شطوب مستطلية واحد من جهة الباب و آخر من جهة الركن اليماني و سرى إلى آخر الحجر من هذا الجانب.

و الثالث في الوسط سوا و بعد الاتفاق على بقائه عمل مركب يلصق به ما تفرق عنه من أجزائه، فطبخوا عنبرا و لاذنا فقلت لهم: ضعوا فيه لسكا فمنع من ذلك ابن شمس الدين و طبخوا ذلك طبختين مرتين و أعادوا به الفتات من الحجر إليه، و غسلوه بعده بالماورد الأزدي. و باشر في ذلك مولانا الشريف و ولده و السيد علي و باقي الأكابر الحاضرين. و بعد إتمام اللصاق جاءوا بالطوق الذي صنعوه للحجر الأسود و قاسوا إذا كان يمكن عمله على الحجر مع بقائه، فرأوا إمكانه ثم أعرضوا عنه بالمرة، ثم قرأت الفاتحة لمولانا السلطان و انصرف القوم. و قبيل صلاة العصر دخلت حذاء الحجر الأسود عند السيد الناظر و الأمير رضوان فأخبروا أن الأحجار ما التصقت بما لصقت به و أن اللصاق ذاب من حر الشمس و أن معلما وعدهم أن يصلح ذلك بالليل ففرحوا.

و في ليلة الأربعاء سرجوا شموعا كثيرة بعضها على جدر الكعبة و ثلاث مركبيات منها أمام الحجر الأسود. و جاء الجمال محمد بن يوسف الحكاك أحد الوقادين بالمسجد الحرام و بوابيه و معه ابن بهاء الدين الملتاني و كان أبوه نجار المسجد فغسل الوقاد الأحجار بعد قلعها بالزيت الطيب ثم بالماء الحار عن الإذن و العنبر الذي ألصق به أحجاره أولا و فعل ذلك و على حذاء الحجر ستارة تمنع رؤية العمل و ركب قلنفونية و اسبيذاجا بعلبكيا و سندورسا و أضاف إليه مسكا و عنبرا لطيب العرف و قليل من الفحم للسواد.

و أخبرني الوقاد أن عدة فلق الحجر الكبار نحو ثلاثة عشر، و الكبار منها أربعة، و الباقين صغار بالنسبة إليها و شرع في الإلصاق بذلك المركب بعد نحو سدس الليل و أتم العمل عند مضي نصف الليل.

157

و في صبيحة الأربعاء، دخلت فرأيت الأحجار عادت بحسن اللصاق إلى ما كانت عليه في الجملة، إلا أنه حدث الآن نتوء في بعض الأحجار حال وضعه فصار خارجا عن سطح الحجر فيؤلم من يسجد على الحجر سيما من غير ترو.

و أخبرني الجمال الوقاد أن لون ما انكشفت عنه الأحجار من الحجر الأسود أخضر زيتي، و قال غيره: فيه شوب صغيرة كالمحبب بالزعفران.

و في صبيحة اليوم المذكور قاس سليمان النجار ما بقي بين أعلا الحجر الأسود و الحجر الذي فوقه و قطع ذلك ليأخذ النحاس بقدره من الطوق الذي أرادوه فيصفح بالفضة و يموه بعده بالذهب.

و فيه بنى البناة في المدماك الثالث من الجانب اليماني و الجانب الغربي، و أتم البناة المدماك الثاني بأعلى دكة البيت سوى الحجر الذي في حذاء الحجر الأسود.

و في ليلة الخميس جاءوا بحرف لسد ما بين الحجر الأسود و الذي فوقه و سمكه ذلك نحو أربع أصابع و عليها فضة و أرادوا إلحام طرف الفضة بطرف الحجر الأسود و أن يكون ذلك لمصب مذاب الفضة على أطراف الحجر فأبى الذي عمل اللصاق منه، و قال: إن فعلنا ذلك تفككت الأحجار الملصقة و لا يقدر على إعادتها فتركوا ذلك و أخذوا في حك الفضة بالمبرد عن أطراف الحجر.

و من عجيب آيات الحجر أنه يؤتى بالمبرد صحيحا قويا فما هو إلا أن يبرد به قليلا تلف و أثر ذلك في يد العامل فتركوا البرد و قطعوا تلك الفضة بالقدوم، و أخبرت أن المتحصل من الفضة ليلتئذ نحو ثلاثة دراهم، و كذا المتحصل قدر ذلك أول يوم من قلعه.

و في يوم الخميس شرعوا أيضا في العمل المذكور في الحجر و أخذ البناة في بناء الأحجار التي فوق الحجر الأسود و بجوانبه، و أتموا بها المداميك الموازية لها و شرع باقي البناة من الركن الغربي إلى اليماني فبنوا باقي الجدار و دكوا باطنه.

و في ليلة الجمعة حضر كل من مولانا السيد و الأمير إلى فناء البيت و أسرجوا الشموع و حضر الوجيه ابن زين لسد ما بين الحجر الأسود و الحجر الذي من فوقه فأخذ خشبة سمكها أربعة أصابع بطول ذلك و عرضه وضعها بداخل ذلك المكان، بعد أن ملأه بالجص فأحكم عملها فيه ثم ضرب النجارون مسامير الفضة في الصفيحة الفضة المموهة بالذهب على وجه الخشبة و بقيت فضة من طوقه الأول من أسفل الحجر نحو ثلثه و عمل بالفضة المموهة بالذهب ما عدا من ذلك، و تم‏

158

عملهم بعد مضي نحو ثلث الليل و حضره شيخ الحرم و السيد علي بن بركات و السيد أحمد بن مولانا الشريف و استحسنوا ذلك و رفع الحجاب للطائفين عن تقبيل الحجر عند نصف الليل، فقبل الناس الحجر و حمدوا اللّه تعالى. و بعد صلاة الحنفي الصبح أعاد النجارون سد ما فتحوه من المطيف من الخشب إلى هذا المكان لعمله، فعاد كما كان و تم عملهم ذلك عند طلوع الشمس، و ألبس كل من الصايغ و هو علي اليماني صبي قاسم بن مهار و من الصايغ في إلصاق أجزاء الحجر و هو ابن بهاء الدين الملتاني خلعة و امتنع عن ذلك محمد الحكاك فيما قال لي. و قد حكيت هذه القضية و جعلت لها تاريخا من قولي:

الحجر الأسود ما* * * زال سناه نورا

و فضله و مجده‏* * * عن النبي مأثورا

شاهد صدق للذي‏* * * قبله لا زورا

يأتي قيامة له‏* * * عينان خذ مسطورا

محمدا قبله‏* * * فاسأل به خبيرا

فزاد في تشريفه‏* * * و زاده تشهيرا

و هو يمين اللّه في‏* * * أرض له مشهورا

و كم لوآ رفعة* * * أتاحه منشورا

لما بنوا البيت الذي‏* * * به أنلنا النورا

و جددوه كله‏* * * و عمروا تعميرا

و رمموا بعنبر* * * و أكثروا العبيرا

مع لاذن به أصلحوا* * * الحجر المذكورا

فألصقوا أحجاره‏* * * و حبروا تحبيرا

لما بدا الصدع بدا* * * من إصبع مدورا

دار على جوانب‏* * * مذهب منها الجيرا

و فضة دارت به‏* * * من قدم تدويرا

شدا بن زيد يده‏* * * عليه إذا ديرا

تفتتت أحجاره‏* * * عن بعضه تكسيرا

و بعد إلصاق لها* * * و أتقنوا الأمورا

ساج عبير عنبر* * * و قد ذكا عبيرا

و كان ما قد جبروا* * * يفارق التحبيرا

159

أتاهم معلمكم‏* * * بصنع ذا مخبورا

فقال لا بأس و ذا* * * أعيده مجبورا

ألم صدعه بما* * * يذهب التكسيرا

سر بهذا سيد* * * زاد به سرورا

كذاك رضوان الأمير* * * أكرم به أميرا

لأن في ذا خدمة* * * للّه يعطي النورا

فواعداه أن يجبى‏* * * و تابعا مذكورا

قبيل عتمة فجا* * * مغتنما أجورا

و المير و الأمير قد* * * بالنور زاد النورا

جاؤوا بشمع عدة* * * و نوروا التنويرا

و حجرا قد ستروا* * * بثوبهم تستيرا

وقت اصطناع صانع‏* * * قد أتتن الجبورا

جا بآلات بها* * * قد لصق المكسورا

أجزاؤه كأنها* * * ما قد شكت تكسيرا

عادت كما كانت سوا* * * فاسأل فتى بصيرا

كأنه الآن و قد* * * لم به الكسورا

هو قبل صدع ما ترى‏* * * صدعا و لا فطورا

فانصر إلهي سيدي‏* * * سلطاننا المنصورا

مراد خان لم يزل‏* * * بعزه مشهورا

و لا يزال ملكه‏* * * في عزه محبورا

عمر بيت ربنا* * * فزاده تعميرا

و الحجر الأسود قد* * * جبره تجبيرا

أن تبغ عام صنعه‏* * * و يومه المبرورا

صبح الثلاثاء تاسع‏* * * من رجب شهورا

و ختم أمر صنعه‏* * * في جمعة مبرورا

ثاني عشر رجب‏* * * و اليد رضاء النورا

عند انتصاف ليله‏* * * ثم عطا سرورا

و عامه لا يا أخي‏* * * تاريخه المسطورا

و كان أمر اللّه قد* * * رأيا أخي مقدورا

160

ذي أنه أرخ لها* * * ذا العمل المذكورا

ثم الصلاة أبدا* * * تنور الديجورا

على النبي محمد* * * من أسس الخيورا

و آله و صحبه‏* * * من ألبسوا الحيورا

و وارث و تابع‏* * * و من أنيل نورا

ما زال بيت اللّه في‏* * * أعلا السنا معمورا

و في يوم السبت شرعوا في وضع أحجار المدماك الخامس و ذرع سمكه ثمانية عشر قيراطا و ابتدأوا فيه من الجانب الشامي و أتموا نصب أحجار الجانب كلها فيه و باقي الجهات في اليوم بعده.

و فيه جاؤوا بالقبان لتقبين ما يحتاجون إلى إدخاله في البناء من الحديد فإنهم جعلوا في طرف كل ركن حديدة معكوسة الرأس من الطرفين و نقروا لرأسيها في الأحجار و أدخلوها في ذلك و صبوا عليها الآتك و من هذا المدماك عملوا الحديد دون ما تحته من المداميك.

و فيه شرع النجارون في نجر أخشاب الدفن و هي أربعة أدوار بقدر بناء البيت أجمع فنقروا أطراف الخشب و ألصقوا البعض بالبعض و جعلوا لكل دفين طوقين واحد وراء آخر و هو من الداخل من وراء الحجر الشبيكي المنحوت الموجه به وجه الجدار من الخارج من فوق الباب فأخذوا لذلك ما صلح من دفنها التي كانت فيها و كملوا الباقي بما كان في سقف البيت.

و في يوم الأحد و فيما قبله وصلت أخشاب ساج أخذت من بيوت جدة المعمورة لسقف البيت الشريف.

و في يوم الاثنين نحت الحجارون الحجر الكبير الذي على طرفه الحجر الأسود و هو الذي أراد ابن شمس الدين تنحيته عن مكانه و أبى اللّه إلا إبقاءه فبقي.

و فيه جاءت أخشاب من ساج من جدة. و فيه شرعوا في المدماك السادس و ذرع سمكه ثمانية عشر قيراطا من الجانب الشرقي من جهة الباب و تم نصب أحجاره و عملوا في الغربي و دكوا ما وراء الوجه من الجدار اليماني. و فيه و فيما قبله عمل النجارون قواعد لتوضع على العمد من أعلاها تحت السقف.

و في هذه الأيام صارت الحمر تدخل في المسجد إلى محل تخمير النورة عند مقام الحنبلي و على ظهورها النورة و البطحاء و إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها

161

المسجد بغير ضرورة حرام و بها مكروه صرح به أصحابنا و ما ذكر ليس من الضرورة في شي‏ء لإمكان وضعها عن البهائم عند باب المسجد و حمل العملة له من ثم، و لكن الأمر للّه.

و في يوم الأربعاء شرعوا في المدماك السابع و ذرع سمكه سبعة عشر قيراطا و فيه صعد السيد نائب السلطان في العمارة الشريفة و الأمير رضوان إلى سطح المسجد و رأيا ما يحتاج للبياض من قببه فعزموا على الشروع فيه يوم السبت.

و في يوم الخميس بنوا من المدماك السابع الجدار الغربي و شرعوا في اليماني منه و ابتدؤوا منه بما يحاذي أعلى الركن الأسود و فيه أتم الحجارون نحت الحجر الذي عليه الحجر الأسود.

و في يوم السبت عمل المبيضون في بياض قبب سطح المسجد و كان قد بيضه حسن باشا لما جاء بالحزام من قبل مولانا السلطان أحمد بن محمد فيما أحب.

فعملوا في هذا اليوم أربع قبب بدأوا مما يلي باب العمرة، و أخبرت بأن كل قبة تبيض بثلاثة أرادب من الجص و قد بلغني أن جملة ما أنفق في ثمن الجص في عمارة الكعبة و تبييض المنائر و القبب فوق أربعة آلاف دينار و في الخشب فوق سبعة آلاف.

و فيه شرع البناة في المدماك الثامن و ذرع سمكه سبعة عشر قيراطا أيضا و نصف قيراط و بدأوا فيه من الجانب الشامي.

و في يوم الأحد أتموا المدماك الثامن و كان انتهاء دكه بعد الظهر.

و في يوم الاثنين ألصقوا باب الكعبة الخشب المصفح بالفضة المصطنعة بالتحلية صورة و آلات متلاصقة و أنه من عمل السلطان عليه الرحمة و الرضوان، و كذلك الخشبة التي في أعلاها الباب الشريف فيها و بها مكتوب بسم اللّه الرحمن الرحيم.

و جاؤا بالباب الشريف الذي كان أولا و هو من عمل السلطان سليمان فأوقفوا الدرفتين و تركوا وضع درف الباب العليا عليها إلى وقت ضحوة النهار حتى عمل الحدادون سكرجات حديد لأعلى الباب و أسفله و حضر وقت إقامته مع الناظر على العمارة مولانا السيد و الأمير رضوان و أفندي مكة حسين و شيخ الحرم و مؤلف هذا التاريخ و فاتح البيت و بعض خدام البيت.

162

و فيه شرع البناة في المدماك التاسع و ذرع سمكه سبعة عشر قيراطا و بدأوا فيه من الركن العراقي ثم من الغربي. و الفقير و للّه الحمد و المنة يحمل الأحجار و النورة في هذا العمل من الضحوة الكبرى إلى الظهر كل يوم طالبا ثواب اللّه تعالى حققه لنا بمنه.

و في يوم الثلاثاء أتم الحدادون السكرجات فوضعت التحتيتان في محلهما من عتبة الباب السفلي بعد أن بنيت بالنورة و صغار الأحجار ثم بالأقونة و وضع الرخام الذي على وجهة الباب عليها و نقر في الرخام لمحل السكرجتين بقدرهما حتى لا يتحرك الباب منها من مكانه و وضعوا درف الباب العليا و فتحوا الباب الشريف فانفتح كما كان و وضع على الباب الشريف قفله و كان وضعه مع أذان الظهر.

و في يوم الأربعاء شرعوا في المدماك العاشر و ذرع سمكه ستة عشر قيراطا و نصف قيراط.

و في صبح الخميس نظف العملة ما على أمام البيت من الجباب و غيره و رفع العتالة كبار الأحجار الباقية فيه و ذلك إلى حد المعجنة فرفعوا الأخشاب التي كانت مطيفة بذلك المكان و جعل منتهى الأخشاب إلى حد المعجنة و أحكم سدها بما يمنع الوصول إلى ما ورائها من ذلك المكان. و فيه شرعوا في المدماك الحادي عشر و ذرع سمكه ثمانية عشر قيراطا و ابتدأوا فيه من جهة الحجر.

و بعد العصر نظفت أرض الكعبة مما يلي بابها الشرقي من وراء العمد المجعولة بنسق الكعبة و ذلك مما بها من خشب و آلات و ذلك ليختم في صبيحة النهار بعده صحيح البخاري فإنه قارب التمام و أن الختم يكون تمه حينئذ.

فلما كان بعد فراغي من درس التفسير بعد العشاء أرسل إلى مولانا السيد محمد الناظر على العمارة و قال: إن الأمير رضوان أرسل إلي عند صلاة العشاء أن جمعا من فقهاء مكة أنكروا ختم صحيح البخاري بالكعبة بأنه لم يسبق إلى ذلك فأرسل إليه السيد أيقولون بحرمة ذلك أم بكراهته؟ فقال: سألتهم فقالوا: لا و إنما هذا أمر ما سبقت به عادة، فقال السيد: هذا لا يمنع فهلم رجلا منكم يقرأ الصحيح و يختمه عن جوف الكعبة و ما في الخير إلا خير و ترك فعل الشي‏ء فيما سلف لا يقتضي المنع منه إذا لم يقم للمنع وجه، ثم التقى السيد معه بعد صلاة ركعتي الطواف عند المقام و طال بينهما الكلام قال السيد: إن الحامل له على‏

163

موافقتهم ما في نفسه من أفتاكم بالحق أنه لا يجوز هدم جدار الكعبة القائمة الصحيحة قال: و انفصل الأمير معه على إرسال المفتاح صبيحة و افترقنا و ذهبت إلى منزلي و راجعت المواد فإذا هي شاهدة عدل بجواز قراءة السنة في جوف الكعبة و لا سند لمن غير من وجه الحق إلا الحسد فنمت و قمت عند السحر و كتبت سؤالا في ذلك و أنه هل يمنع من أراد من أهل العلم بالحديث من ختم صحيح البخاري بالبيت الحرام و الدعاء بعده لمولانا السلطان بالنصر و لمولانا الشريف بالتأييد و للمسلمين أجمعين؟ فكتب حينئذ على ضوء الشمعة صاحبنا الفهامة أحمد بن محمد الخطيب الحضرمي الشافعي ما حاصله لا شبهة أن علم الحديث النبوي أفضل العلوم بعد علم التفسير و قراءته قربة و أفضل أماكن القرب الكعبة و لا مساغ لإنكار ذلك بعدما علم أنه من أفضل العلوم. و كتب أيضا حينئذ كذلك الشيخ الحاسب الفرضي محمد بيري الحنفي و زاد: و إن كنا لم نسمع بمثله. و كتب مولانا القاضي شهاب الدين أحمد بن شمس الدين المدرس الحنفي المفتي و زاد: و غير جميل المنع من قراءة ألفاظ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في بيت اللّه تعالى. و توجهت بعد صلاة الشافعي الصبح إلى مولانا السيد و أريته كتابة الباقين على نور العلم السالمين من ظلمة الحسد فأشار بأن أعود له بعد صلاة الحنفي ففعلت فأرسل إلى الأمير رضوان و طلب مفتاح ما أطاف بالبيت فأرسل به مع بعض أتباعه و قال: هذا المفتاح، فقال السيد: نحن ما نريد نتحدث في جوف الكعبة بكلام الناس و لا بسيرة الملوك و أخبارهم بل نقرأ كلام سيد المرسلين و حبيب رب العالمين (صلى الله عليه و سلم) و ندعو عقب ذلك لمولانا السلطان و الشريف و المسلمين، فنزل السيد و ولده و نزلت صحبتهم فلما كنا عند منتهى الدرجة لمنزله إذا بالمنتصبين في منع ذلك حسدا و هم خالد و عبد العزيز و تاج الدين المالكي و أحمد بن جعفر الرومي و علي بن خالد واقفون ثم سألهم السيد عن حاجتهم بعد أن بدأهم بالسلام فأعلموه أنها إنكار عليه و على هذا الخير الذي خصصنا به فتكلم عليهم السيد و أثخن و قال لهم: إنكم متعصبون و انقلبوا و لم ينالوا من مرادهم شيئا وردهم اللّه بغيظهم فدخلنا الكعبة الشريفة وصلينا ركعتين فحضر مولانا العارف باللّه تعالى الشيخ تاج الدين النقشبندي و مولانا الأفندي الأعظم حسين و نائبه مفتي الحنفية و مولانا شيخ الحرم عتاقي زاده و جمع كثير من العلماء و عدد من الأتقياء الفلحاء و جلسنا فيما يلي الباب عند حذا مجتمع درفتيه من وراء العمد و دخل كثير من الناس و شرعت في صحيح البخاري من باب ما يجوز في تفسير النورية و كتب اللّه‏

164

بالعربية و غيرها إلى آخر الكتاب، و دعونا أجمعين بالنصر لسلطان الإسلام و المسلمين و بعد تمام القراءة و الدعاء خرجنا إلى خارج البيت مما أطاف به الأخشاب من الجانب الغربي فقسمنا فيه الطيب و البخور و الريحان و كان يوما مشهودا، و ألفت مؤلفا سميته القول الحق و النقل الصريح بجواز أن يقرأ في جوف الكعبة الحديث الصحيح.

و في يوم السبت يوم عيد المعراج أصبح ابن شمس الدين من جدة و قد عين لسقف الكعبة من خشب الساج من بيوت جدة و ارتكب في جمعه ما يجازيه اللّه عليه في عرصات القيامة فكم أخرب بيتا و هدم وقفا و البيت في غنى عن ذلك، و قد كان بغير سقف في بناء إبراهيم (عليه السلام) و قد ألهم اللّه قريشا و هم في الجاهلية أن لا يدخلوا في البيت شيئا غصبيا و أن إخراج أذرع منها إلى الحجر أهون من إدخالهم ذلك فيه فانتبه أيها النبيه.

و فيه شرعوا في المدماك الثاني عشر و ذرع سمكه ستة عشر قيراطا.

و في يوم الأحد شرعوا في عمل خشب السقف و نشر صفائحه و أخبرني شيخ المعلمين للنجارة أنه أربع فجوات كل فجوة اثنان و عشرون عودا فيكون مجموع أعواده ثمانية و ثمانين عودا عدد ما كان فيها أولا و على الأعواد صفائح أخشاب مسمرة عليها من ظهرها.

و في يوم الاثنين شرعوا في المدماك الثالث عشر و ذرع سمكه ستة عشر قيراطا أيضا. و فيه شرعوا في بسط رخام السطح على وجه الأرض ليأخذوا قياسه و رقموا ما بين الحجر و ما يليه كما فعل نظيره في الأحجار المنحوتة من أحجار المداميك.

و في يوم الثلاثاء رفعوا السرادق الذي كان على أحجار الكعبة. و فيه أتموا المدماك الثالث عشر و منه الشروع في النصف الثاني من مداميك الكعبة.

و في يوم الأربعاء هلال شعبان رفعوا الستارة عن الأخشاب التحتية و طووها إلى نحو نصفها من أسفلها فظهرت غرة وجه البيت الشريف و حمد اللّه الناس على كشف ما ستر عنهم. و فيه عمل النجارون للقواعد على العمد من أعلاها ما أحسنوا في صنعه و نقروا في كل منها ما سعته عشرة قراريط. و فيه أشار على مولانا السيد محمد الناظر على العمارة أن أصنع تاريخا يكون فيه بناء البيت على وفق المراد فأنشأت في ذلك قولي:

165

خير بيت في البرايا و العباد* * * كعبة للّه في أم البلاد

ما لها بعد ضريح المصطفى‏* * * من شبيه في كمال و انفراد

عمر السلطان سلطان الورى‏* * * ناصر للشرع مولانا مراد

عمر الكعبة كلا يرتجى‏* * * فيه برا من كريم خير هاد

عمر البيت و أحياه بنى‏* * * كله للّه مولانا مراد

قام في الخدمة في ذا سيد* * * حاكم الشرع على وفق السداد

في بلاد المصطفى و اسم له‏* * * كسمى جداله خير العباد

إن ترم تاريخ عام كملت‏* * * بحروف كعقود للجياد

مع جواد قد أتى تاريخه‏* * * جدد البيت على وفق المراد

و في يوم الجمعة بسط المرخمون باقي النصف الثاني من رخام السطح للكعبة.

و في يوم السبت رفعوا باقي النصف الثاني من الستارة و طووها إلى منتهاها و صارت الكعبة بادية من غير سترة يمنع عن رؤية محياها. و فيه شرعوا في المدماك السابع عشر و ذرع سمكه و سمك السادس عشر خمسة عشر قيراطا كما أن ذرع سمك كل من الرابع عشر و الخامس عشر أربعة عشر قيراطا و نصف.

و في يوم الأحد عادوا لتبييض قبب سطح المسجد بعد تركهم لذلك ثلاثة أيام.

و في يوم الثلاثاء وصلوا إلى المدماك الذي عليه بساتل أخشاب السقف الأول و هي ثلاثة و فيه وصل كاتب جدة المحروسة الشهاب أحمد القباني و معه بعض أخشاب السقف الباقي و وصل بالبستل قطعة من دقل مركب نحو ثلثه حمل من جدة على عجلتين مقدمين و مثلهما مؤخرين و جرت باثني عشر جملا و أدخلت القطعة من باب الصفا حملها اثنا عشر رجلا و وضعوها أمام مقام المالكي.

و فيه شرع المبيضون في بياض منارة باب الحزورة و ربطوا أعواد الحبال بدور المنارة و أرخوا حبالا على قدر سمت عملهم حتى أتموا بياضها في نحو خمسة أيام.

و في يوم الأربعاء رجع الشهاب القباني إلى جدة لباقي الدقل و هما قطعتان منه وصلت إحداهما إلى الرغامة في طريق جدة و الأخرى بجدة مظنة وصولهما لمكة إلى بعد مضي جمعة من نزوله.

166

و بقي من مداميك البيت نحو ستة، و ذرع سمك كل من المدماك الثامن عشر و التاسع عشر خمسة عشر قيراطا.

و في يوم الخميس ركبوا أربع بكرات بحبالها لتطليع أخشاب البساتل لسقف الكعبة.

و في يوم الجمعة عاشر شعبان شرع المرخمون في ترصيص رخام الوزرة من الكعبة من جهاتها كما في نظيره من رخام سطح الكعبة.

و في يوم السبت أصعدوا بالدوار على البكرة الخشبية الكبيرة التي جاءت من جدة و وضعوا طرفها على الجدرين الشرقي و الغربي و فيه شرعوا في بناء الشاذروان بدأوا فيه من تحت الحجر الأسود. و فيه عند العصر أقاموا واحدا من العمد للكعبة بالدوار و أجلسوه على القاعدة من الحجر و جعلوا على الحجر الذي تحته طوقا من حديد صبوا فيه الرصاص المذاب ليربط بينه و بين العمود الخشبي.

و في يوم الأحد أقاموا العمود الثاني و الثالث بما أقيم به العمود الأول.

و في يوم الاثنين وصلت الخشبتان الباقيتان بجدة و طريقها، فإحداهما حملت على خمسة عشر جملا و ألقيتا عند باب إبراهيم، و دخل بها الحمال فأصعدهما العملة و الناس بالدوار إلى طرف الجدار للكعبة.

و في يوم الثلاثاء وضعوا البستل الأول من البساتل للسقف الأول في محله من الجدر ثم الآخرين منها و بنوا على المدماك المحيط بها و هو المدماك العشرون و ذرع سمكه تسعة قراريط و هو أصغرها ذرعا.

و في يوم الأربعاء تم بناء المدماك العشرين و تم الشاذروان من الجدار اليماني و من الجدار الشرقي.

و في يوم الخميس بني المدماك الحادي و العشرون.

و في يوم السبت دهنوا عمد الكعبة الثلاثة بالجير و الزعفران و طلوا ذلك بغر الجلود و أنكره شيخ الحرم بأن غر الجلود يصنع من فضلات جلود الميتة و أعضائها و ربما يكون فيه شي‏ء من أجزاء الخنزير و لصاق الدهان ممكن بالطيب الطاهر من الصمغ و السندورس. و قال كذلك إسماعيل الدهان و كان دهان العمد في أيام، و أخبرني المباشر بعمل ذلك محمود الهندي أنه عمل في ذلك بخمسة و عشرين رطلا

167

من غر الجلود و بعشرة أرطال من الأشراس الشامي ألصق به ست طاقات بفته على العمد ثم صبغها بلون العمد ثم دهنها بستة أرطال سندورس و رطل دهن نفط.

و فيه بني المدماك الثاني و العشرون خشب الأول التحتي سوى شقة منه من جهة الحجر، بكسر المهملة منها يكون رأس درجة السطح.

و فيه بني المدماك الثالث و العشرون و ذرع سمك كل من المدماك الحادي و العشرون إلى الرابع و العشرون أربعة عشر قيراطا.

و فيه رفعوا الستارة الخضراء بعد أن طووها بأعالي الخشب المستدير ببناء الكعبة.

و في يوم الثلاثاء وضعوا البساتل الثلاثة للسقف الثاني على أعلى البساتل بحزم خشب على حذاء العمد جوف الكعبة.

و فيه بنوا المدماك الرابع و العشرين الذي فيه البساتل العليا و عند غروب الشمس صعد السقا و على ظهره الوعل إلى ظهر الكعبة فصب من الوعل الماء على أخشاب السقف التحتي لتنظيفه.

و في يوم الأربعاء أتموا المدماك الرابع و العشرين و فيه عمل المرخمون عملهم و النشارون في صفائح السقف الثاني و النجارون في عمل خشبه و عدة خشبه كالسقف تحته.

و فيه ابتدؤوا وضع الأهلة النحاس المموهة بالذهب على قبب سطح المسجد قيل و كلفة كل واحدة عملا و غيره سبعة ذهب و عدتها نحو الثلاثين، و حوضوا حوضا من النورة لما يدك به الآجر على خشب سقف البيت و جاءوا بآجر لذلك و لا يخفى ما فيه، فإنه يصطنع بالسرجين و النار لا تطهر عند الأئمة الثلاثة، و إنما تطهر عند الإمام أبي حنيفة في رواية عنه فينبغي تنزيه بيت اللّه تعالى و أن لا يدك إلا بالطاهر المتفق على طهره من صغار الأحجار كما كان، و كان الأولى لو وضعوا لذلك آجرا طاهرا خالصا من الشبهة، و من يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب.

و في يوم الخميس شرعوا في المدماك الخامس و العشرين و ذرع سمكه ثلاثة عشر قيراطا.

168

و في يوم السبت نقل النجارون خشب السقف الثاني و شرع البناة في وضعها فوضعها و عمل النجارون في شغل قطع درج السطح للكعبة و هي ست مرات تدور دوران درج المنارة، و لما ركبوها حاروا في أمرها حتى أرشدهم لوضعها مهندس مصر عبد الرحمن.

و في يوم الأحد دكوا السطح بالآجر المذكور و الحكم للّه على ظهر خشب السقف و تم السقف الثاني فأخرج الأمير الكسوة الحمراء من المقام الإبراهيمي فنشرت عند باب أجياد بصحن المسجد و خيط متقطعها و أخرجت الكسوة السوداء من المقام و وضعت في سبيل المؤيد شيخ و بعد العصر أدخلت الكسوة الحمراء التي لسقفه و وضعت فيه في حلق صغار حددت في هذه العمارة و ركبت لتغني عن دق المسامير بجوانب الكسوة و بطنها.

و في يوم الاثنين خيط باقي الكسوة الحمراء فيه دك البناة السطح بعد أن تركوا عملها مدة و عملوا في الجانب اليماني.

و في يوم الثلاثاء ترك المبيضون بياض قبب السطح و بيضوا داخل البيت من تحت سقفه إلى محل الوزرة عوض الرخام الذي كان فيه أولا و طبقوا بأحجار شبيكية ما كانوا تركوه من المداميك العليا طريقا للعملة في صعودهم إلى سطح البيت و أتموا دك المداميك إلى محاذاة الحجر الشبيكي.

و في يوم الأربعاء طنف بالآجر المذكور الجدر من الجوانب الأربع و في وقت الضحى منه جاء العملة بالميزاب و هو من خشب في ذرع نحو ثلاثة أذرع و نصف البارز منه مصفح بالفضة المملأة بالذهب و اللازورد مكتوب فيه اسم مهديه مولانا السلطان أحمد خان، عليه الرحمة و الرضوان، و كان وصوله لمكة عام عشرين و ألف مع حزام البيت، فجاؤوا يحملونه من بيت رضوان، فلما وصلت الحملة إلى أسفل السقالة نزل مولانا السيد محمد ناظر العمارة فتلقاه و حمله على مقدم رأسه و نزل لذلك شيخ الحرم و الأمير رضوان، فحملوه حتى أوصلوه لمحله من الجدار و أسلموه للبناة، و بعد تمام عمله و بنائه دعى لمولانا السلطان بالتأييد و النصر و لصاحب مكة بالإعانة و انصرف القوم و ما تصدق عند ذلك بدافق و قد كان حسن باشا لما وضعه في عمارته لمولانا السلطان أحمد كشح الذهب و الفضة على؟؟؟ شكر اللّه على هذه المنة.

169

و في يوم الخميس صعد المبيضون إلى سطح الكعبة فبيضوا الطنف الآجر أجمع بدأوا فيه بالجانب الشرقي من الحجر- بالفتح- إلى الحجر- بكسر الحاء-، ثم من اليماني حتى أتموا بياضه أجمع في عصر ذلك اليوم، و ذلك قدر أحد و ثمانين ذراعا.

و في يوم الجمعة هلال رمضان عند طلوع الشمس أخرجت الكسوة السوداء و نشرت أمام باب الصفا و ما يقاربه ثم حمل كل ربع في حمله و صعد بها إلى السطح ثم فتح الفاتح المقام الإبراهيمي و أخرج منه البرقع فصعد به الأمير رضوان إلى أعلى السطح و أرسلت شقو الكسوة من الجوانب الأربع بدئ بالشرق منها و أرسل البرقع إلى حذاء الباب من أعلاه، ثم شمرت الكسوة من باقي الأركان و نزل الأمير و أحضرت عشر خلع لمولانا صاحب مكة اثنتان ثم للحاكم السياسي القائد جوهر بن ياقوت، ثم لفاتح البيت، ثم لاثنين من شواويش الأمير رضوان، ثم لواحد من جماعة السيد، ثم لابن زين و أخيه، ثم لابن شمس الدين، ثم لسليمان شيخ النجارين. و بعد انفضاض المجلس عاد فاتح البيت إلى السيد محمد الناظر و هو بالحطيم و عاد الأمير رضوان فجاؤوا بخلعة ألبسوها شيخ خدام الكعبة و بعد عصر اليوم ألبسوا شيخ الحجارين المصارية خلعة.

و في يوم السبت فرشوا رخام سطح البيت عليه من وقت الضحى.

و في يوم الأحد أتموا عمل الشاذروان من الجهة الغربية و هي آخر جهات عمله و كان قد تكسر من رخامه عشرة فأبدلوها برخام جديد وضعوه في الجانب الغربي.

و في يوم الثلاثاء صعد جمع من المرخمين إلى سطح الكعبة و معهم لاقونة، و شرع النجارون في تفكيك أخشاب السقايل.

و فيه شرع البناة في تهيئة أحجار لبناء مقدم مقام الحنبلي و محرابه لعتق الأول جدا، و تم عمل المبيضين لداخل الكعبة، و شرع المرخمون في نصب رخام الوزرة و ابتدأ عملهم من الجانب اليماني من جهة الحجر الأسود.

و في يوم الأربعاء شرع مهندس مصر في هدم الجدر القبلي من مقام الحنبلي، و كان حجره شميسيا فأبدل بالشبيكي و أتموا فيه معظم العمل.

170

و في يوم السبت عاد المبيضون إلى قبب سطح المسجد و توجه كل من السيد و الأمير و المهندس المصري و ابن شمس الدين إلى دار أم المؤمنين خديجة، رضي اللّه عنها، فعرفوا ما يحتاج منها للعمارة، و قد ذكرت أعمالها كلها في كتابي النضحات الأريحية في متعلقات بيت أم المؤمنين السيدة خديجة، و فيه هدموا مقدم المقام المالكي و كان حجر شميسيا فأبدلوه بالشبيكي.

و فيه تم نصب درجة السطح للكعبة. و في يوم الأحد نظفوا باطن الحجر و جوانبه عما كان فيه، و شرعوا في بناء جداره و باشره المهندس عبد الرحمن المصري و معه فالح الطباطي و ابتدأوا في عمله من الجانب العراقي فهدموا منه أربع تركيبات إلى الأرض و انكشف تحت الرخام حجر صوان شبيكي لعله من أحجار الكعبة التي أخرجت من بناء ابن الزبير لها في عمل الحجاج فإن الأزرقي ذكر أنه دفن ذلك في جوف الكعبة و الذي وجد في باطنها أحجار صغار مرضومة.

و في يوم الثلاثاء عمل البناة في الحجر و هدم جداره شيئا فشيئا كلما هدموا شيئا بنوا ما وراءه.

و فيه زادوا من سمك الجدار القبلي لمقام الحنبلي فزادوا مسافة، و كذا أزادوا مثل ذلك في مقام المالكي و كان تمام بناء وجه جدار الحجر يوم الخميس.

و في يوم السبت وضعوا أحجار رفرفة عليه بمكانها و هي منقورة فيها أسماء من له في الحجر عمارة من خليفة أو ملك، و كل ذلك من عمارة الملك الأشرف قانصوه الغوري في أوائل القرن العاشر، و قد بسطت ذلك في كتابي تنبيه ذوي النهى و الحجر على فضائل و أعمال الحجر، و فقدت منه رخامة فأبدلت برخامة ملساء.

و في يوم الأحد شرع البناة في هدم وجه الجدار الباطني المحاذي للكعبة و بدأوا فيه من الجانب الغربي ليتصل العمل بعضه ببعض.

و فيه عمل المرخمون في الوزرة و قد جاودوا على ترخيم كل ذراع منه بثلاثين محلقا.

و في يوم الاثنين شرعوا في بناء جدار قدر قامة من أسفل درجة سطح الكعبة و تم وجه الجدار للحجر الباطن.

171

و في يوم الأربعاء شرع المرخمون في ترخيم وزرة الجدار الشرقي و عمل الحدادون لدرجة باب السطح بابا.

و في يوم الخميس كمل المهندس المصري ما بين مسافات جدار الحجر عند الظهر. و أحضر المعلم محمود الهندي إلى الحجر الأسود و جعلت ستارة و أقطع من الحجر فيما قال لي ثلاثة عشر قطعة كبارا و الصغار جدا كثير فجمع بعضها ببعض بمركبه الذي صنعه لذلك و جعلها في باطنه و ألصق الكبار على وجه الحجر و يقال:

أنه فقد من الحجر ثلاثة أحجار و العلم عند اللّه.

و في يوم الجمعة عمل المرخمون في جوف الكعبة عملهم، و عند العصر كتبوا محضرا أرسلوه إلى عزيز مصر فيه شهادة المكيين بحسن عمارة البيت المعادة.

و في يوم السبت سدوا الباب الغربي بحجارة شبيكية و تمت عند الغروب و بقي من وجهه الباطن و من دكه قليل و فتحوا من حينئذ الباب الشرقي و قد قارب الترخيم التمام.

و في يوم الأحد تم دك الباب الغربي و ترخيم الوزرة و ما بقي إلا ترخيم أرضها فإن رخامها و إن لم يقلع من محله إلا أنه تأثر في الجملة فشرع فيه المرخمون.

و في يوم الأربعاء فتحوا باب الكعبة لباقي الترخيم و فيه زاد البناؤون من سمك مقام المالكي مدماك و كان تمام عمله عند العصر من هذا اليوم.

و فيه جدّ المرخمون في عملهم و بعد صلاة العصر أتموا ذلك.

و في يوم السبت الثامن من شوال حضر المرخمون إلى الحجر فنصبوا خشبتين في عرض باب الحجر و نصبوا خيمة وسطه فرخموا وجه جدار الحجر على أتم الوجوه و شرعوا في ترميم المتكسر من رخام الطواف بإخراج القطع المتكسرة و إبدالها بسالم من ذلك.

و في يوم الأحد بنى البناة ما بين السليمانية و بيت مرزا مخدوم جدارا مستقيلة بالحجر الغشيم و أعلاه بالشبيكي المنحوت و عجنوا النورة لعملهم ذلك تحت أروقة باب الزيادة التي بين المصحفين.

و فيه شرع المنقلون في تكحيل صفة المطاف و ممشى باب السلام و باب الزيادة و باب العمرة و باب إبراهيم و باب الحزورة و باب الصفا و فرشات الأبواب في أيام عديدة عيت في أصله.

172

و في يوم الأحد دخلت الحمر على ظهورها الحصى الذي يفرش به المسجد الحرام و كبته عند مقام الحنبلي و ما يحاذيه و دخولها مع عدم أمن تلويثها المسجد بالبول و الروث حرام لا سيما و لا ضرورة إليه و ترك فرش الحصى عليه كله أهون من تنجيسه و إبقاء أثر النجس فيه فإنهم لم يتبعوا ذلك و لا غسلوا أثره و الأمر للّه.

و فيه عاد المعلم محمود الهندي فأصلح في الحجر الأسود كما فعل في رمضان قال لأن أجزاء الحجر لا تمكث مع المركب فلا بد من تفقدها و إلا تذهب أجزاء الحجر و كان عمله المذكور عند صلاة الظهر و تم عمله ثاني يوم في الوقت المذكور من اليوم قبله.

و في يوم الأربعاء أتم المبيضون بياض قبب الجانب الشامي من قبب السطح و لم يبق سوى قبب زيادة باب الزيادة الشامية و بيضوا منارة باب العمرة في يوم و نصف.

و فيه أصلح النجارون خلل درجة الكعبة بإبدال الخشبتين و بإبدال درجة من درجها.

و فيه أصلح المرخمون باب الحجر الشرقي بقلعه و إبدال الخراب بالصالح و قلعوا الرخام المتكسر في المعجنة.

و في يوم السبت تم إصلاح درجة الكعبة و جرت بعد العصر إلى محلها.

و في يوم الأحد غرة ذي القعدة الحرام فتحت الكعبة و صعد المرخمون لجلاء رخام الوزرة. و فيه بيضوا قبب زيادة باب الزيادة.

و في يوم الجمعة شرع المرخم ينقر في حجر من رخام الكعبة تاريخا لعمارة الكعبة، صاغ ألفاظه مولانا السيد محمد بن السيد محمد الحسين الأنقوري نائب السلطان في عمارة البيت الشريف و صورته «بسم اللّه الرحمن الرحيم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، تقرب بتجديد هذا البيت العتيق إلى اللّه سبحانه و تعالى خادم الحرمين المحترمين و سائق الحجاج بين البرين و البحرين السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان خلد اللّه ملكه و أيد سلطنته في أواخر شهر رمضان المبارك المنتظم في سلك شهور سنة أربعين و ألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية».

173

و في يوم الأربعاء أخذوا الأقونة جعلوها تحت جدر طنف السطح لئلا يدخل ماء المطر فيها إلى الخشب تحتها فتعمل فيه الأرضة.

و فيه جدد النجارون أخشابا للمحكمة الشرعية.

و في يوم السبت تم تبييض منارة باب الزيادة و عمل المرخمون في جلاء رخام الشاذروان.

و فيه أدخلوا الحمر المسجد لنقل بعض أوساخ طاهرات منه و صارت تروث فيه و تبول و الحكم للّه و ما ندري ما نقول.

و فيه شرعوا في بياض منارة الملك الأشرف قايتبائي و أتموها في يومين و قليل.

و في يوم الخميس تم نقر التاريخ.

و في يوم الجمعة جي‏ء به إلى بيت السيد الناظر على العمارة و فيه عمل النجارون كرسيا ليصعد منه للكعبة و يعقد عليه الخدمة حال خياطة شيخهم لثوبها.

و في يوم السبت أعطي الحجر المنقور فيه التاريخ للدهان فحلاه بالذهب و أتم عمله.

و في يوم الاثنين حضر مولانا الشريف و مولانا السيد محمد و السيد حسين و ولداه و مولانا السيد محمد الناظر على العمارة و مولانا الأفندي و شيخ الحرم و الأمير و جي‏ء من بيت شيخ الحرم بنحو سخانتين و بعد الدعاء فتحت الأولى فأقمنا منها عشرون قنديلا من الذهب العين واحد مصطنع باللؤلؤ و الثانية أخرج منها ثلاثون قنديلا من الفضة فدعاء الأمير فاتح البيت محمد الشيي و أسلمه ذلك بحضرة الجمع و أشهد عليه أنه تسلم ذلك و صار في ضمانه ثم دعا شيخ الوقادين فجاء ليعلقها في أماكنها ثم جرت الدرجة إلى الباب و صعد مولانا الشريف و أولاده و الأمير.

و فيه بنى المرخمون الحجر الذي نقر فيه التاريخ قبالة الباب الشرقي.

و في يوم السبت حضر شيخ الحرم و أولاده مولانا الشريف و الأمير و الفاتح و بعض الخدام للبيت فأصعدوا سطولا من ماء زمزم و غسلوا بذلك الكعبة و بخروها و انصرفوا في ضحوة النهار.

174

و في يوم الاثنين جلا المرخمون من وجه الحجر- بكسر الحاء- ما عليه من الزيت الحلو و الغبار و كذا أعادوا الجلاية في آخر النهار.

و في يوم الخامس و العشرين من ذي القعدة جاء ابن شمس الدين و فالح فكحلوا بالنورة ما بين الفضة المصفح بها الخشب في خذي الباب و كحلوا كل ما كان يحتاج إلى التكحيل.

و في يوم هلال ذي الحجة أصلحوا الحجر الأسود و دهنوه بسواد و سندروس.

و في ثاني الشهر عملوا محل شعل النار عند الأهلة و الأعياد من أعلا مقام الشافعي و كان قد سقط في أثناء السنة فأصلح في هذا اليوم و هو آخر عملهم في هذا البيت الحرام و المسجد المحرم زيد من الإجلال و الإحترام. انتهى ما نقل من رسالة الشيخ ابن علان الصديقي.

قال في تحصيل المرام: و هذا البناء هو الباقي لعصرنا و هو من أجل مفاخر بني عثمان جمل اللّه بدولتهم الزمان، و نظم الفاسي في شفاء الغرام:

بنى الكعبة الغراء عشر ذكرتهم‏* * * و رتبتهم حسب الذي أخبر الثقة

ملائكة الرحمن آدم ابنه‏* * * كذاك خليل اللّه ثم العمالقة

و جرهم يتلوهم قصي قريشهم‏* * * كذا ابن زبير، ثم حاج لاحقة

و ذيله بعضهم بقوله:

و خاتمهم من آل عثمان بدرهم‏* * * مراد المعالي أسعد اللّه شارقه‏

و بيت آخر:

و من بعدهم من آل عثمان قد بنى‏* * * مراد حماه اللّه من كل طارقة

و قال العلامة علي بن عبد القادر الطبري في الأرج المسكي و قد كنت نظمت أسماء من عمّر البيت الشريف فقلت:

بنى البيت خلق و بيت الإله‏* * * مدى الدهر من سابق يكرم‏

ملائكة، آدم، ولده‏* * * خليل، عمالقه، جرهم‏

قصي، قريش، و نجل الزبير* * * و حجاج بعدهم يعلم‏

و سلطاننا الملك المرتضى‏* * * مراد هو الماجد المكرم المنعم‏

أدام الإله لنا ملكه‏* * * و أبقاه خالقنا الأعظم‏

175

و نظم العلامة محمد علي بن علان الصديقي ثلاثة أبيات جمع فيها بناء الكعبة المعظمة و هي هذه:

بنى الكعبة الأملاك، آدم، ولده‏* * * شيث، فإبراهيم، ثم العمالقة

و جرهم قصي مع قريش و تلوهم‏* * * هو ابن زبير، ثم حجاج لاحقه‏

و من بعد هذا قد بنى البيت كله‏* * * مراد بن عثمان فشيد رونقه‏

ذكر السيد أحمد دحلان في سالنامته و للقاضي تاج الدين المالكي مؤرخا لعمارتها و ممتدحا معمرها بقوله:

هنيئا لملك خصه اللّه و اجتبى‏* * * و صداه للبيت العتيق مجده‏

بنى البيت بعد ابن الزبير و لم يفز* * * سواه بهذا الفخر لا زال سعده‏

مليك أقام اللّه أيام ملكه‏* * * و لا زال خفاقا مدى الدهر بنده‏

مليك ملوك الأرض طرا عبيده‏* * * تدين له شرقا و غربا و جنده‏

مليك حباه اللّه فخرا و سؤددا* * * وصيتا مداه لا ينال وحده‏

بتعمير بيت الإله على يدي‏* * * من اختاره رب العلى دام رشده‏

فدونك تاريخا لعام بنائه‏* * * وفيا بضبط العام حين تعده‏

مراد بنى بيت الإله و زاده‏* * * سناء بهاء يزدهي زيد مجده‏

و له (رحمه اللّه) تاريخها نثرا أسس بنيانه على تقوى من اللّه و هدى ثم نظمه فقال:

تاريخه أسس بنيانه‏* * * على هدى تقوى من اللّه‏

ذكره العلامة نور الدين الموسوي في كتاب نزهة المجالس.

فوائد تتعلق بهذا الباب:

الفائدة الأولى: قال السنجاري في منائح الكرم: لطيفة بل منقبة شريفة مما تفرد به شيخ مشايخنا العلامة خاتمة المحققين الشيخ محمد بن علان الصديقي المكي (رحمه اللّه) أنه قرأ البخاري في جوف الكعبة بطرفه في مدة هذه العمارة كما رأيته بخطه و هو مما لا يتفق لغيره من الأئمة. انتهى.

أقول: ذكر الشيخ أحمد الشماع في ترجمة الشيخ عبد اللّه البصري أنه أقرأ في جوف الكعبة الشريفة صحيح البخاري سنة تسع و مائة و ألف، و كان في داخلها عمارة و كذلك أقرأه في داخلها مرة أخرى سنة تسع عشرة و مائة و ألف، و كان أمر بتجديد بابها مولانا السلطان أحمد و القائم بذلك صاحب جدة و شيخ الحرم‏

176

الشريف و كذلك أقرأ مسند الإمام أحمد بن حنبل، (رحمه اللّه) جميعه في الروضة الشريفة عند رأس الجناب المعظم (صلى الله عليه و سلم)، في ست و خمسين مجلسا و ذلك في سنة ألف و مائة و إحدى و ثلاثين.

مما قيل في تاريخ هدم السيل للكعبة المشرفة، و بناء السلطان مراد الرابع لها ما يأتي:

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ هذه الآية تتضمن بحساب الأبجد على تاريخ وقوع هدم الكعبة و هو سنة (1039) ألف و تسعة و ثلاثين هجرية، و في تاريخ الهدم قال الإمام فضل الطبري:

سئلت عن سيل أتى‏* * * و البيت منه قد سقط

متى أتى قلت لهم‏* * * تاريخه كان غلط

(1039) ه

و قال بعضهم في هدم الكعبة أيضا:

لا غرو أن الذنب أوجب ما* * * مما أرى و رأيته مني فقط

فأخذت من تاريخه من هجرة* * * و حسبته فوجدت صحته غلط

(1039) ه

و قيل في تاريخ بناء السلطان مراد المذكور للكعبة بعد السيل المذكور:

مراد بنى بيت الإله و زاده‏* * * سناء بهاء يزدهي زيد

و قيل أيضا في ذلك:

تاريخه أسس بنيانه‏* * * على هدى تقوى من اللّه‏

عدد حجارات الكعبة الظاهرة في هذا البناء

بناء الكعبة المشرفة بهذا الشكل الحالي هو من بناء السلطان مراد الرابع من سلاطين آل عثمان، بناها (رحمه اللّه تعالى) و أحسن إليه سنة (1040) أربعين و ألف من الهجرة بسبب السيل الكبير الذي دخل المسجد الحرام فهدمها، و لم تزل هذه البناية قائمة إلى اليوم على أحسن حال، فهي بناية قوية متينة ثابتة الأركان و البنيان و للّه الحمد، و هي مبنية بالحجارات الكبيرة السوداء المشوبة بالزرقة، المأخوذة من نفس جبال مكة القوية الصخرية الصماء.

177

و مثل هذه الحجارة يسمونها عندنا بمكة «الحجر الشبيكي» نسبة إلى جبل الشبيكة بقرب الشيخ محمود بجرول الذي كانوا يقتطعون الحجارة منه للكعبة، و نعتقد أن جبل الشبيكة هو الذي نسمية الآن بجبل الكعبة لأن حجارتها تقطع منه لصلابتها.

و حجارات الكعبة فيها الكبير و الصغير، فأكبر حجاراتها طوله (190) مائة و تسعون سنتيمترا، و عرضه (50) خمسون سنتيمترا، و رأسه (28) ثمانية و عشرون سنتيمترا، و يطلق البناؤون بمكة على رأس الحجر «مخ الحدة» بفتح الحاء المهملة. و أصغر حجاراتها طوله نحو (50) خمسون سنتيمترا، و عرضه (40) أربعون سنتيمترا تقريبا.

و لقد انتهزنا فرصة تجريد الكعبة كلها من كسوتها عند تجديد و عمارة سقفها، فأحصينا جميع حجاراتها الشبيكية الجبلية صغيرها و كبيرها، الظاهرة من خارجها فقط مما يلي ثوبها و كسوتها، و ذلك في يوم الاثنين الثامن و العشرين من شهر رجب سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة، فوجدنا عدد حجاراتها الظاهرة فقط من أعلى السطح إلى نفس الشاذروان في أرض المطاف كما يأتي في هذا الجدول:

عدد الحجارة بالأرقام/ عدد الحجارة بالكتابة/ ملحوظات‏

419/ أربعمائة و تسعة عشر/ في جميع الجدار الشرقي للكعبة الذي فيه الباب.

449/ أربعمائة و تسعة و أربعون/ في جميع الجدار الغربي للكعبة الذي بظهرها.

428/ أربعمائة و ثمانية و عشرون/ في جميع الجدار الجنوبي الذي هو بين الركن الأسود و الركن اليماني.

318/ ثلاثمائة و ثمانية عشر/ في جميع الجدار الشمالي الذي فيه الميزاب على حجر إسماعيل.

فتكون جملة الحجارة الشبيكية الجبلية الظاهرة من خارج الكعبة المشرفة من أعلاها إلى أسفلها ما عدا حجارة الشاذروان هي (1614) ألف و ستمائة و أربعة عشر حجرا، من الحجارات الشبيكية الجبلية السوداء.

178

و اعلم: أن هذا العدد هي للحجارات الظاهرة من خارج جدران الكعبة التي هي من وراء كسوتها السوداء، أما الحجارات التي هي مبنية مع نفس الجدران فلا يمكن عدها مطلقا لعدم ظهور شي‏ء منها، و الذي يغلب على ظننا أنه يوجد في بناء الكعبة أضعاف هذا العدد من الحجارة، لأن عرض جدارها تسعون سنتيمترا- أي ما يقارب مترا واحدا- فبناء عرض جداره بهذا القياس لا بد أن يحتوي على شي‏ء كثير من الحجارة. أما حجارة الشاذروان البيضاء فقد ذكرنا عددها عند الكلام على مبحث الشاذروان فراجعه في محله.

قوة بناية السلطان مراد الرابع للكعبة

لقد ذكرنا فيما تقدم أن خليل اللّه إبراهيم عليه أفضل الصلاة و التسليم كان بنى الكعبة بالرضم أي حجارة بعضها فوق بعض من غير طين و لا نورة ثم بنتها كذلك من أتى من بعده، فلما كانت بناية قريش بنتها بالطين و الحجارة الصغيرة و كذلك كان بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، و بناية الحجاج الثقفي غفر اللّه تعالى لنا و له و عفا عنا و عنه.

أما بناية السلطان مراد خان الرابع فلقد كانت بالحجارة الصماء الطويلة و بالجص و النورة البلدية التي من مكة المكرمة، و كانت الحجارة التي بنيت بها من الجبال الشديدة الصلابة التي بمكة، و كان بعض الحجارة طولها مترا واحدا و بعضها نصف متر و بعضها أقل و بعضها أطول كما بينا و أحصينا عدد حجارتها، و كما هذه البناية المحكمة ظاهرة للعيان أمام أنظار الناس.

إنه إلى عامنا هذا عام (1384) ألف و ثلاثمائة و أربع و ثمانين قد مر على بنايته للكعبة (344) ثلاثمائة و أربع و أربعين سنة لم تخرج منها قطعة صغيرة من الحجارة لا من أسفلها و لا من أعلاها من جهة السقف، و لو لا أن سقف الكعبة محمل على أعواد خشبية لم يحتج السقف إلى تجديد في زماننا هذا، لذلك نعتقد أن هذه البناية ستدوم إلى نحو ألفي سنة أيضا أي إلى قيام الساعة إن شاء اللّه تعالى و اللّه تعالى أعلم.

اللهم زد بيتك هذا تشريفا و تعظيما و مهابة و تكريما و اجعل بلدك الأمين في أمن و أمان و رضاء و اطمئنان و اجعل أهله من المغفورين المقبولين لديك و اجعلهم‏

179

من الآمنين يوم الفزع الأكبر من غضبك و النار آمين يا رب العالمين، و صلى اللّه تعالى و سلم على النبي الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

انظر: صورة رقم 77، للكعبة المشرفة الموجودة اليوم، بناية السلطان مراد الرابع‏

انظر: صورة رقم 78، السلطان مراد الرابع أحد مجددي بعض بناء الكعبة المشرفة

ترجمة السلطان مراد الرابع‏

ولد الغازي السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد ابن السلطان محمد سنة ألف و ثمانية عشرة هجرية، و قيل سنة ألف و إحدى و عشرين، تولى السلطنة و بويع له باتفاق الآراء من العلماء و الوزراء في يوم الأحد رابع عشر ذي القعدة سنة اثنتين و ثلاثين و ألف، و كان عمره يومئذ إحدى عشر سنة و سبعة أشهر، و قيل أربعة عشرة سنة و هو السابع عشر من سلاطين آل عثمان، و أعظمهم شجاعة و قوة و همة و يلقب بفاتح بغداد، و هو الذي غزا بلاد العجم لأن سلطانها الشاه عباسا كان قد أخذ كثيرا من البلدان التابعة لآل عثمان حتى أخذ بغداد أيضا فجرد السلطان مراد جيشا عظيما لمحاربته و توجه هو بنفسه لقتاله و ذلك سنة ألف و أربع و أربعين ففتح بلاد العجم، ثم توجه بنفسه أيضا لفتح بغداد سنة ثمان و أربعين و ألف ففتحها بعد أن حاصرها أربعين يوما و دخلها العسكر ثم دخلها السلطان في أثرهم و قتلوا من العجم نحو ثلاثين ألفا و أسروا من رؤسائهم كثيرا و بذلك ضعفت شوكت العجم و زالت قوتهم.

و كان السلطان مراد (رحمه اللّه تعالى) كثير الإحسان لأهل الحرمين و أمر مصر و غيرها من الجهات بإجراء حبوبهم و إرسال غلات أوقافهم و كان يحثهم بذلك على الدوام. و كان أيضا كثير الالتفات إلى أخبار الرعية مطلقا، و كان كثير البحث عن أحوال ولاة البلدان لا يغفل عنهم بحيث صار الولاة لا يجاوزون حدا، و في زمانه وقع السيل العظيم بمكة المشرفة سنة تسع و ثلاثين و ألف و دخل المسجد الحرام و بسببه انهدمت الكعبة المعظمة، فقام بتعميرها و بنائها سنة أربعين و ألف هجرية، و هذا من أعظم مناقبه و أفخر أعماله، و هو الذي أمر بإبطال القهاوي في جميع ممالكه و منع شرب الدخان و استعمال النشوق، و كان يجازي على ذلك.

و لقد كان بطلا من الأبطال قوي الجأش متين الساعد، ذكر أنه أرسل إلى مصر درقة نحو إحدى عشرة طبقة ضربها بعود فثبت فيها و أصدر أمره إلى‏

180

العساكر المصرية بإخراج العود منها و أن من أخرجه يزاد في علوفته فحاولوا إخراجه فعجزوا عن ذلك، ثم إنه أرسل أيضا قوسا إلى مصر و أصدر أمره إلى العساكر بجر هذا القوس و زيادة علوفة من يفعل ذلك فحاولت العساكر جره فلم يقدروا، ثم علقت الدرقة بالديوان السلطاني بمصر و علق القوس بباب زويلة.

توفي السلطان مراد (رحمه اللّه تعالى) في شوال سنة ألف و تسع و أربعين هجرية، و عمره ثمانية و عشرون عاما، و قيل إحدى و ثلاثون، و مدة ولايته سبعة عشر سنة، و دفن في تربة والده السلطان أحمد خان رحمهما اللّه تعالى.

انتهى ملخصا من خلاصة الأثر بصحيفة (336) و من الفتوحات الاسلامية بصحيفة (130) في الجزء الثاني، و من قاموس الأعلام بصحيفة (4254) في الجزء السادس تأليف شمس الدين سامي و هو باللغة التركية، و لقد جاءت ترجمته أيضا في صحيفة (548) من كتاب نقد التواريخ باللغة التركية.

و جاء في كتاب تحفة الخطاطين باللغة التركية أن السلطان المذكور (رحمه اللّه تعالى) كان شاعرا و كان خطاطا يكتب الخط الحسن حتى اشتهر بذلك، و أن السيد إبراهيم زاده أفندي الذي كان في زمانه نظم قصيدة ذكر فيها كثيرا من آثاره الخطية و ما له من البراعة التامة في الخط.

و نحن لهذه المناسبة ذكرنا ترجمة صغيرة لهذا السلطان و وضعنا صورته في صحيفة 275 من كتابنا تاريخ الخط العربي و آدابه المطبوع بمصر.

و لقد جاء ترجمة السلطان مراد المذكور في كتاب «تلخيص التاريخ العثماني المصور» و هو كتاب صغير به بعض رسوم السلاطين، فنحن نذكر هنا منه نبذة تضاف إلى ترجمته هنا و هي: جلس السلطان مراد الرابع المذكور على تخت الملك سنة (1032)، و هو في الثانية عشرة من عمره، فأصبحت إدارة الملك في يد والدته «ماه بيكر» الملقبة بكوسم سلطان، فلما بلغ أشده أخذ زمام السلطنة بيده و صار يتجول بنفسه في الليل متنكرا و منع الفحش و شرب الخمر و ضرب على أيدي الظالمين و العابثين بالفساد، و في سنة (1049) توفي السلطان مراد المذكور بعلة النقريس و هو في سن الثلاثين، فكانت مدة سلطنته ستة عشر عاما. انتهى من الكتاب المذكور.

فكأنه عمر الكعبة المشرفة و هو في سن العشرين بنفسه لا بواسطة والدته، فسبحان واهب المكرمات لمن يشاء (رحمه اللّه تعالى) رحمة الأبرار و جزاه عن أعماله‏

181

العظيمة خير الجزاء. و بعد أن انتهى من عمارة الكعبة المشرفة في سنة (1040) ألف و أربعين هجرية جدد في هذه السنة المذكورة أيضا عمارة مسجد مزدلفة كما هو مكتوب في محرابه و قد قرأناه بأنفسنا حينما ذهبنا إلى مزدلفة في شهر صفر سنة (1384) هجرية و هي العمارة الموجودة في زماننا هذا، لكن في سنة (1377) هجرية زادوا في ارتفاع مسجد مزدلفة بمقدار قامة واحدة تقريبا، و يا ليتهم ما زادوا في ارتفاعه شيئا ليرى الحاضرون في المشعر الحرام الحجاج الذاهبون إلى عرفات و الراجعون منها.

بيان بأسماء السلاطين من آل عثمان الذين قاموا بتعمير الحرمين الشريفين‏

1- السلطان سليمان خان الأول بن السلطان سليم.

2- السلطان سليم خان الثاني بن السلطان سليمان.

3- السلطان مراد خان الثالث بن السلطان سليم.

4- السلطان محمد خان الثالث بن السلطان مراد خان.

5- السلطان أحمد خان الأول بن السلطان محمد.

6- السلطان مراد خان الرابع بن السلطان أحمد.

7- السلطان مصطفى خان الثاني بن السلطان محمد.

8- السلطان عبد الحميد خان الأول بن السلطان أحمد.

9- السلطان محمود خان الثاني بن السلطان عبد الحميد.

10- السلطان عبد المجيد خان بن السلطان محمود.

11- السلطان عبد العزيز خان بن السلطان محمود.

12- السلطان عبد الحميد خان الثاني بن السلطان عبد المجيد.

13- السلطان محمد رشاد خان الخامس.

182

رفع الراية على قلاع الحرمين‏

منذ قيام سلاطين آل عثمان العظام بخدمة الحرمين المحترمين المستوجبة للافتخار و استمرار إجراء الأحكام الشرعية باسم السلطنة السنية فيها و قيام الجنود العثمانيين بالمحافظة على أرواح و أموال سكان البلدتين المذكورتين لم ترفع الراية العثمانية لا على القلاع و لا على الثكنات العسكرية إلى تاريخ اليوم (1296).

إن عدم رفع الراية على القلاع الشاهانية بالحرمين الشريفين في الواقع كان من مقتضيات مراسم الاحترام للبلاد المقدسة. و لكن نظرا لعدم وجود أي علامة تدل على الحكومة التي تحكم فيها و هي قبلة كافة الموحدين و نظرا لأن هذا موجب لمحاذير عديدة في المستقبل قررت الحكومة العثمانية رفع الراية على القلاع و الثكنات بمكة المكرمة و المدينة المنورة بعد أن اقترن هذا القرار بتصويب من السلطان عبد العزيز خان. انتهى مترجما من كتاب مرآة مكة المكرمة لأيوب صبري من المجلد الأول صحيفة (50).

و لا يستبعد من سلاطين آل عثمان شدة احترامهم للحرمين الشريفين، فإن الناظر اليوم إلى بناية المسجد الحرام القديمة الموجودة في زماننا هذا، يجد أن جميع أروقة المسجد الحرام و قبابها أقل ارتفاعا من ارتفاع الكعبة المشرفة، و ذلك احتراما لها، رحمهم اللّه تعالى جميعا.

و انظر إلى الحكاية الآتية: فلقد أراد أيضا السلطان أحمد بن السلطان محمد بن مراد بن سليم الثاني من سلاطين آل عثمان أن يهدم الكعبة حين تصدع جدارها الشرقي و جدارها الغربي و يبنيها و يجعل حجارتها ملبسة واحدا بالذهب و واحدا بالفضة فمنعه العلماء من ذلك و قالوا: يمكن حفظ هذه الجدران بنطاق يلم هذا الشعث فعمل لها نطاقا من النحاس الأصفر مغلفا بالذهب، و أنفق عليه نحو ثمانين ألف دينار، و جرى تركيبه عليها في أواخر عام العشرين بعد الألف و أوائل العام الذي بعده كما جاء ذلك في الملحقات التي بآخر الجزء الأول من تاريخ الأزرقي المسمى «أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار» المطبوع بالمطبعة الماجدية بمكة المكرمة سنة (1352) هجرية و الذي منع السلطان أحمد المذكور من عمل ذلك هو شيخ الإسلام محمد بن سعد الدين، و قال له: إن هذا يزيل حرمة البيت، و لو أراد اللّه سبحانه و تعالى لجعل بيته الحرام قطعة من الياقوت. فكف السلطان عن‏

183

ذلك. انتهى من كتابنا" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام" المطبوع بمطبعة الحلبي بمصر.

و مما يروى عن أحد سلاطين آل عثمان الأتراك: أنه لما ذهب لينام في غرفة نومه ليلا وجد فيها مصحفا معلقا على جدارها، فوقف عند المصحف بأدب و احترام و لم ينم إلى أن أصبح، و قد نسينا اسم هذا السلطان. إن جميع سلاطين آل عثمان، رحمهم اللّه تعالى كان إيمانهم قويا راسخا لا يميلون إلى سفاسف الأمور و إلى الفسق و الفجور، و كانوا يحترمون العلم و أهله و الصالحين و الفضلاء، لذلك تولاهم اللّه بعنايته و رعايته ففتح لهم الفتوحات و نصرهم على أعدائهم نصرا مبينا.

الزمن الذي بين بنايات الكعبة

لا نريد الخوض في بيان السنوات التي كانت بين كل بناية من البنايات السابقة للكعبة المعظمة بيت اللّه الحرام، من بناء آدم (عليه السلام) إلى آخر البنايات التي مضى الكلام عليها، لأن ذلك يرجع إلى العصور الأولى البعيدة التي لا تدرك، فمن يعلم كم مضى ما بيننا و بين آدم من آلاف السنين أو ملايين السنين، إلا اللّه جل جلاله خالق الأرض و السموات، فهو تعالى وحده علام الغيوب، يعلم ما كان و ما يكون، هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شي‏ء عليم، يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم أينما كنتم و اللّه بما تعملون بصير.

و إنما نذكر ما بين أشهر البنايات الخمسة من السنوات و هي: بناء إبراهيم (عليه السلام)، و بناء قريش، و بناء ابن الزبير، و بناء الحجاج، و بناء السلطان مراد الرابع فنقول:

اعلم أن بين بناء إبراهيم (عليه السلام) لبيت المقدس، أي تجديده له و بين بنائه للكعبة أربعين سنة كما هو الحديث الصحيح، و بين بنائه للكعبة و بين بناء قريش لها (2645) سنة خمس و أربعين و ستمائة و ألفين من السنين، كما نقله البخاري في تاريخه عن الحلبي، و بين بناء قريش و بين بناء ابن الزبير اثنتان و ثمانين سنة، و بين بناء ابن الزبير و عمارة الحجاج الثقفي عشر سنين، و بين عمارة الحجاج و عمارة السلطان مراد الرابع تسعمائة و ست و ستين سنة.

184

الجبال التي أخذت منها الحجارة لبناء الكعبة

حينما بنى آدم (عليه السلام) الكعبة ضرب جبريل بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السفلى فقذفت فيه الملائكة من الصخر ما لا يطيق حمل الصخرة ثلاثون رجلا.

فبناه من خمسة أجبل من: لبنان، و طور زيتاء، و طور سيناء، و الجودي، و حراء حتى استوى على وجه الأرض كما في الأزرقي.

قال الثعالبي: طور زيتاء و طور تيناء هما جبلان ببيت المقدس. اه. أما لبنان فجبل بقرب الشام و يقال له جبل الأولياء. انتهى من شرح عامود النسب و هو كتاب مخطوط غير مطبوع.

قال في مختار الصحاح: و الجودي جبل بأرض الجزيرة استوت عليه سفينة نوح (عليه السلام). انتهى. و أما طور سيناء فبمصر، و حراء بمكة.

جاء في نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري أن عبد اللّه بن عمر قال: أربعة أجبال مقدسة بين يدي اللّه تعالى: طور تيناء، و طور زيتاء، و طور سيناء، و طور تيماناء. فأما طور تيناء فدمشق، و أما طور زيتاء فبيت المقدس، و أما طور سيناء فهو الذي كان عليه موسى (عليه السلام)، و أما طور تيماناء فمكة اه.

نقول: (إن قيل): كيف أمكن إتيان الصخور من تلك البلاد إلى مكة؟

(فالجواب): أنه ما دام النقل كان بواسطة الملائكة فلا يستحيل ذلك عليهم، و هذا قوم لوط (عليه السلام) لما لم يؤمنوا به و لم يسمعوا إلى نصيحته رفع جبريل قراهم على جناحيه و كانت خمس مدائن إلى السماء ثم أسقطها مقلوبة على الأرض.

(و إن قيل): إذا كان جبريل (عليه السلام) ضرب الأرض بجناحه حتى ظهر أساس الكعبة على الأرض السفلى في بناء آدم (عليه السلام) ثم قذفت الملائكة بالصخر فيه، فكيف بقيت هذه الجبال على حالتها و لم تفن من قذف الملائكة صخورها في أساس البيت الواصل إلى تخوم الأرض السفلى؟

185

(فالجواب): علم ذلك عند ربي فهو علام الغيوب، فمن يعلم كيف كانت حالة الأرض و الجبال في بدء خلقها و في عهد آدم (عليه السلام)، فلا يعلم بحقيقة كل شي‏ء إلا اللّه سبحانه و تعالى.

(و إن قيل): ما سبب حفر الملائكة لأساس بيت اللّه الحرام في عهد آدم عليه الصلاة و السلام إلى الأرض السفلى مع أن العادة جرت أن يجعل أساس البيوت تحت الأرض إلى نحو مترين أو ثلاثة أو خمسة؟

(فالجواب): اللّه أعلم بكل ذلك أيضا ليس لنا أن نحكم بالعقل و التخمين، لكن لا يبعد أن يكون ذلك لتشريف كل أرض من الأرضين السبعة، كما لا يبعد أن يكون ذلك لا تجاه السكان المؤمنين من كل طبقة من الأرض إلى الكعبة في صلاتهم سواء كانوا من الجن أو من غيرهم من المخلوقات التي لا يعلم بهم إلا الخلاق العظيم. و اللّه تعالى أعلم.

و في ما ذكره الإمام الأزرقي في تاريخه ما يؤيد كلامنا هذا، فإنه روى عن مجاهد قال: إن هذا الحرم حرم ما حذاؤه من السموات السبع و الأرضين السبع، و إن هذا البيت رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت و في كل أرض بيت، و لو وقعن وقع بعضهن على بعض. اه.

(و إن قيل): ما سبب أخذ الحجارة لبناء الكعبة من جبال البلدان المذكورة مع أن الحجاز فيها من الجبال ما لا يعد و لا يحصى، بل إن نفس مكة و ما حولها كلها جبال؟

(فالجواب): ليكون لهذه البلدان و الجبال شرف المساهمة في بناء بيت اللّه الحرام، و لتعود ذلك بالبركة إليها من دون البلدان الأخرى.

(و إن قيل): لما ذا لم تؤخذ الصخور و الأحجار لأساس الكعبة و بنائها من جبل أبي قبيس كما أخذت من الجبال المذكورة مع أنه أول جبل وضع على وجه الأرض و أنه جبل عظيم صلب الحجارة؟

(فالجواب): اللّه تعالى أعلم بذلك فإنه لم يتكلم أحد على هذه المسألة لا من العلماء و لا من المؤرخين. هذا ما ظهر لنا من المعاني في هذا المبحث. و اللّه تعالى أعلم بحقيقة كل ذلك فهو جل جلاله لا تخفى عليه خافية.

186

و أما الجبال التي أخذت منها الحجارة لبناء الكعبة في عهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام فخمسة أيضا: حراء، و تبير، و لبنان، و طور سينا، و الجبل الأحمر.

و قيل هي الخمسة الجبال التي أخذت منها الصخر في عهد آدم (عليه السلام) و قد تقدم ذكرها.

(فإن قيل): كيف أخذت الملائكة من هذه الجبال الخمسة لبناء أساس الكعبة في عهد إبراهيم (عليه السلام) بينما أنهم قد ملأوا أساسها في عهد آدم (عليه السلام) بصخور هذه الجبال؟

(فالجواب): أن قذف الصخور في الأساس الأول في عهد آدم كان إلى الأرض السفلى، و لما جاء طوفان نوح رفعت الكعبة و محى أثر محلها، و لا يبعد أن تكون الأرض ارتفعت أيضا من الطوفان إلى زمن إبراهيم الخليل، و كان قذف الصخور عند بنائه للبيت حينما بوأ اللّه له مكانه إلى ظهور أساس آدم على وجه الأرض، و ربما كان عمق هذا الأساس الثاني أساس إبراهيم نحو مائة متر. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

و أما الجبال التي أخذت منها الصخور لبناء الكعبة في عهد قريش، و في عهد ابن الزبير، فهي من نفس جبال مكة لا غير كما جاء في تاريخ الأزرقي أن قريشا أخذت حجارة الكعبة حين بنتها من سبعة جبال و هي: حراء، و تبير، و المقطع، و قافية الخندمة، و جبل عند الثنية البيضاء التي في طريق جدة، و جبل مقلع الكعبة، و من المفجر بين منى و مزدلفة و كل هذه الجبال داخل حدود الحرم.

قال الأزرقي: فهذه الجبال السبعة التي يعرفها أهل العلم من أهل مكة أنها مقلع الكعبة: قال مسلم بن خالد: و لم يثبت عندنا أنها بنيت من غير هذه الأجبل. انتهى.

فقوله: و لم يثبت عندنا أنها بنيت من غير هذه الأجبل، أي في بناء قريش و ابن الزبير فقط.

و من أراد بيان مواقع هذه الجبال فليراجع تاريخ الأزرقي عند الكلام على ما جاء في مقلع الكعبة.

(فإن قيل): لماذا لم تبن قريش الكعبة و لم بينها ابن الزبير من نفس الجبال التي بناها منها آدم و إبراهيم، عليهما الصلاة و السلام؟

187

(فالجواب): إن وضع الأساس الأول لآدم و وضع الأساس الثاني لإبراهيم من جبال بعض البلدان كان بواسطة الملائكة للنبيين الكريمين، فلا صعوبة عليهم في نقل الصخور الكبار من البلاد البعيدة الى مكة المشرفة، مع إمكان رؤية الملائكة و التحدث معهم للأنبياء، عليهم الصلاة و السلام.

أما في بناء قريش و ابن الزبير فلا يحتاج الأساس إلى قذف الصخور فيه، لأنه ثابت و ظاهر أمام أعينهم فهم يركزون بناءهم عليه، فلا يحتاجون إلا إلى الحجارة العادية في بناء البيوت فأتوا بها من جبال مكة القربية إليهم، و هؤلاء لم يكونوا أنبياء حتى تخدمهم الملائكة و حتى يمكن التفاهم بينهم.

فقريش أخذت الحجارة لبناء الكعبة من الجبال السبعة المذكورة كما نفهم، و اللّه تعالى أعلم لصلابة أحجارها فما كل جبل تصلح حجاراته للبناء و هم بالخيار من أي جبل شاءوا أخذوا الحجارة منه.

أما ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، فقد أحب أن يبني الكعبة من حيث بنتها قريش كما هو صريح عبارة الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) فإنه يروي عن ابن جريج: أنه لما أراد ابن الزبير هدم الكعبة سأل رجالا من أهل العلم من أهل مكة من أين كانت قريش أخذت حجارة الكعبة حين بنتها فأخبر أنهم بنوها من الجبال السبعة المتقدم ذكرها، و هذه الجبال السبعة لا تخرج عن حدود الحرم.

هذا ما فتح اللّه به علينا في هذا المبحث فالحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا. و نسأله الهداية و التوفيق و الرحمة و الإحسان، و العفو و الغفران، و العفو و العافية آمين يا أرحم الراحمين، و صلى اللّه على النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم.

بقاء الكعبة إلى قيام الساعة

إذا تأملت و تفكرت وجدت أن هذه الكعبة المشرفة أعظم دليل على وجود اللّه و وحدانيته و قدرته و عظمته و قهره و سلطانه حيث أنها منذ الآف السنين و الأعوام قائمة محاطة بالتعظيم و الإجلال من جميع أجناس البشر و ستبقى كذلك حتى قيام الساعة كما أخبرنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). فقد روى الشيخان و النسائي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة. و أخرج أحمد عن ابن عمرو نحوه و زاد و يسلبها حليها و يجردها من كسوتها فلكأني أنظر

188

إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته أو معوله. و روى الأزرقي عن أبي هريرة يحدث أبا قتادة أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: يبايع للرجل بين الركن و المقام و لن يستحل هذا البيت إلا أهله فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب تأتي الحبش فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا و هم الذين يستخرجون كنزه.

جاء في تاريخ الأزرقي ما خلاصته: عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة. و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي أنه كان يقول: كأني به أصيلع أفيدع قائما عليها يهدمها بمسحاته، قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة جئت أنظر هل أرى الصنعة التي قال عبد اللّه بن عمرو: فلم أرها. و عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم و بينه فكأني أنظر إليه حبشيا أصيلع أصيمع قائما عليهما يهدمها بمسحاته. و عن حفصة رضي اللّه عنها أنها قالت: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: ليؤمن هذا البيت حبش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأوسطهم و ينادي أولهم آخرهم فخسف بهم فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم، فقال رجل لجدي: أشهد ما كذبت على حفصة و لا كذبت حفصة على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال أمية: فلما جاء جيش الحجاج لم نشك أنهم هم حبش، و قال (صلى الله عليه و سلم): اتركوا الحبشة ما تركتكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة. انتهى من الأزرقي.

قال شيخنا المحدث الشهير الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطي (رحمه اللّه تعالى) في شرحه على كتابه «زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم» في الجزء الخامس عند الكلام على حديث «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» ما يأتي:

قال ابن الجوزي: (فإن قيل): ما السر في حراسة الكعبة من الفيل و لم تحرس في الإسلام مما صنع بها الحجاج و القرامطة و ذو السويقتين؟

(فالجواب): أن حبس الفيل كان من أعلام النبوة لسيدنا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و دلائل رسالته لتأكد الحجة عليهم بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر. اه.

قال شيخنا (رحمه اللّه تعالى): و قد تقدم ما هو كالجواب لما أشار إليه ابن الجوزي في هذا الكلام و هو ما سقناه من أن عدم أمن الحرم في قرب الساعة إنما

189

وقع لإرادة اللّه تعالى خراب الدنيا و لا بد منه لمصير أهل الجنة دار الكرامة، جعلنا اللّه و من نحبه من أهلها و متعنا فيها بالنظر إلى ربنا جل و علا، و مصير أهل الكفر إلى النار دار الإهانة، أعاذنا اللّه تعالى منها و من الكفر و كلما يجر إليه. انتهى المراد من الشرح المذكور.

و قوله هنا: «و قد تقدم ما هو كالجواب الخ ...» يشير إلى كلامه الذي ذكره قبل هذه الجملة و هو: و لا ينافي تخريب ذي السويقتين الكعبة قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ... الخ لأن الأمن باق للحرم إلى قرب القيامة و خراب الدنيا، فحينئذ يأتي ذو السويقتين فيخربها. انتهى.

نقول: إن من أعظم الأسرار الإلهية أنه لم يرد في التاريخ قط و لم يسمع أبدا منذ بدء الخليقة أن أحدا من الجبابرة أو الملوك ادعى أن الكعبة الشريفة و ما حولها من المطاف ملكه أو ملك أجداده بل إن المشركين مع ما نصبوا حولها من الأصنام كانوا يقرون بأنها بيت اللّه الحرام و يطوفون بها و يعظمونها.

و ليس في قدرة أحد أن بيني بيتا مثله يخلد إلى الأبد و يبقى أساسه من أول الدنيا إلى آخرها، و لقد بنى بعضهم مثله فكان ما له سرعة الخراب و الزوال و كان جزاؤه الهلاك و الوبال. فإن أبرهة بنى بيتا في صنعاء اليمن لم يبن مثله سماه القليس، طوله في السماء ستون ذراعا و أنفق عليه من الأموال ما لا يقدر، يريد بذلك جرف حاج العرب عن بيت اللّه الحرام إلى القليس، فجاءه رجلان من العرب فتغوطا فيه فغضب أبرهة من ذلك و قال: لا أنتهي حتى أهدم بيتهم الذي بمكة. فساق الفيل إلى بيت اللّه الحرام ليهدمه فمنعه اللّه تعالى و سلط عليهم طيرا أبابيل حتى هلك هو و جميع جيشه و قصته مشهورة، ثم إن العباس بن الربيع الحارثي الذي ولاه أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور اليمن هدم القليس فأصاب منه مالا كثيرا و كنزا عظيما، و قد جاء وصف القليس و قصة أبرهة في تاريخ الأزرقي فراجعه إن شئت.

و ذكر الغازي في تاريخه: أن أحد أجداد خالد بن برمك بنى بيتا عارض به الكعبة و جعل حول أروقته ثلاثمائة و ستين مقصورة يسكنها خدامه و قوامه و كان من يليه يسمى برمكا يعني والي مكة فكان أهل مملكته يحجونه و يطوفون به.

و ذكر أيضا أن ظالم بن أسعد بنى لغطفان بيتا على قدر الكعبة فكانوا يحجونه إليه، فأغار عليهم زهير بن جناب الكلبي فقتل ظالما و هدم بناءه. اه ملخصا من‏

190

تاريخ الغازي فسبحان الذي جعل بيته الحرام في بلده الأمين، و غمره بالبركات و الخيرات، و أحاطه بالأنوار و الأسرار، و الحمد للّه الذي من أهله و جيرانه و حفنا بلطفه و عفوه و غفرانه.

الحجارات الرخام المكتوبة داخل الكعبة

توجد في داخل الكعبة تسعة أحجار من الرخام مكتوبة بالخط الثلث بالحفر على الحجر إلا حجرا واحدا فإنه مكتوب بالخط الكوفي لا بالحفر على الحجر، و إنما كل حرف و كل كلمة تتكوّن من عدة قطع من الرخام الملون الثمين ملصقة بعضها إلى جانب بعض على قاعدة الخط الكوفي المربع، و كل هذه الأحجار مكتوبة بعد القرن السادس للهجرة، كما يظهر في تواريخها الآتية، ثم وضع في داخلها في وقتنا هذا حجر واحد كتب فيه تاريخ عمارة سقفي الكعبة و ترميمها، التي وقع في عصرنا كما ذكرنا ذلك مفصلا في هذا الكتاب، و بذلك صار عدد الأحجار المكتوبات في باطن الكعبة المشرفة تسع أحجار كلها من الرخام الأبيض، و قد أحصيناها بحسب ترتيب وضعها في جدار الكعبة، مبتدئين في عدها و ذكرها من يمين الداخل من الباب، و كل هذه الرخامات مرتفعة عن رخام أرض الكعبة بمقدار (144) مائة و أربعة و أربعين سنتيمترا، ما عدا الحجر العاشر الموضوع فوق عقد باب الكعبة من الداخل فإنه يرتفع بأكثر من مترين. و إليك نص الكتابة الموجودة في كل حجر منها كما يأتي و هو:

(الحجر الأول) يقع في الجدار الشرقي على يمين الداخل من باب الكعبة، و ليس في هذا الجدار الشرقي حجر مكتوب غير هذا الحجر، و طوله تسعون سنتيمترا، و قد كتب فيه ما يأتي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، أمر بتجديد ترخيم داخل البيت مولانا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي خلد اللّه ملكه يا رب العالمين، بتاريخ مستهل رجب الفرد عام أربع و ثمانين و ثمانمائة من الهجرة».

(و الحجر الثاني) يقع في وجه جدار باب الدرجة الداخلية للكعبة الموصلة إلى سطحها، و هذه الدرجة في الركن الذي على يمين الداخل و يسمى «بالركن الشمالي» و ليس في جدار الكعبة الشامي حجر مكتوب غير هذا الحجر، و طول‏

191

هذا الحجر تسعة و خمسون سنتيمترا، و عرضه ستة و أربعون سنتيمترا، و قد كتب فيه ما يأتي:

قد بدا التعمير في بيت الإله‏* * * قبلة الإسلام و البيت الحرام‏

أم خاقان الورى مصطفى خان‏* * * دام بالنصر العزيز المستدام‏

بادرت صدقا إلى التعمير ذا* * * إنما كان بإلهام السلام‏

و ارتجت من فضله سبحانه‏* * * أن يجازيها به يوم القيام‏

قال تاريخا له قاضي البلد* * * عمرته أم سلطان الأنام‏

بمباشرة أحمد بيك شيخ الحرم المكي، في سنة تسع و مائة و ألف ه.

(و الحجر الثالث) يقع على يمين الجدار الغربي، أي الجدار الذي خلف الكعبة المقابل لبابها، و طول هذا الحجر تسعة و ثلاثون سنتيمترا، و عرضه ثلاثون سنتيمترا. و قد كتب فيه ما يأتي:

«أمر بعمارة البيت المعظم الإمام الأعظم أبو جعفر المنصور، المستنصر باللّه أمير المؤمنين بلغه اللّه أقصى آماله، و تقبل منه صالح أعماله في شهور سنة تسع و عشرين و ستمائة و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و سلم».

(و الحجر الرابع) يقع في الجدار الغربي أيضا، أي الجدار الذي خلف الكعبة، و هذا الحجر مربع تقريبا طوله مائة و اثنان سنتيمترا، و عرضه خمسة و تسعون سنتيمترا.

في وسط هذا الحجر مربع، و في وسط المربع دائرة كبيرة قطرها سبعون سنتيمترا، كتب فيها ما يأتي:

«أمر بتجديد رخام هذا البيت المعظم العبد المفتقر إلى رحمة ربه، يوسف بن عمر بن علي رسول. اللهم أيده بعزيز نصرك، و اغفر له ذنوبه برحمتك».

و كتب في زاوية المربع اليمنى من الأعلى كلمة «يا رحمن» و في اليسرى كلمة «يا رحيم». و كتب في زاويته اليمنى من تحت كلمة «يا كريم» و في اليسرى «يا غفار» و يدور بهذا المربع أربعة أسطر. كتب في السطر الأعلى «بسم اللّه الرحمن الرحيم رب أوزعني». و كتب في السطر الأيمن «أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي و على والدي». و كتب في السطر الأسفل «و أن أعمل صالحا ترضاه.

192

بتاريخ شوال سنة». و كتب في السطر الأيسر «ثمانين و ستمائة. و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله».

قال في تاريخ الكعبة روى الفاسي في شفاء الغرام: إن رخام الكعبة عمّر سنة (550) خمسين و خمسمائة، و هذه العمارة من جهة الوزير جمال الدين الأصبهاني المعروف بالجواد وزير صاحب الموصل. و من ذلك أنه جدد رخام الكعبة بأمر الملك المظفر صاحب اليمن، و اسمه مكتوب على رخامة في وسط الجدار الغربي من الكعبة و ذلك في شوال سنة (680) ثمانين و ستمائة. قال ابن فهد: و هو أول ملك كتب اسمه في الكعبة. انتهى من تاريخ الكعبة.

(و الحجر الخامس) يقع في الجدار الغربي أيضا، أي الجدار الذي خلف الكعبة، في مواجهة الداخل من الباب، و هذا الحجر مربع ضلعه اثنان و ستون سنتيمترا، و قد كتب فيه «لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» و ذلك بالخط الكوفي المربع، و لفظ الجلالة مكتوب في وسط المربع بالحجارات الحمراء الغامقة، و من عجيب أمر هذه الرخامة أنك إذا وقفت أمامها لا تعرف ما فيها من الكتابة، و إذا بعدت عنها قليلا قرأتها بوضوح تام. لكن اختلف هذا الأمر بعد رفعها من جدار الكعبة عند ترميمها في عصرنا الحاضر، فإنهم لما وضعوها في محلها ثانيا بالجدار لم توضع بصفة فنية كأول مرة لذلك لا يظهر فيها الآن ذلك السر العجيب، و صارت تقرأ من القرب كما تقرأ من البعد، كما أن لفظ الجلالة صار مكتوبا في الوسط بالحجارات السوداء أي بعكس المرة السابقة.

و هذا الحجر ليس قطعة واحدة و إنما هو يتألف من عدة قطع من الرخام الملون الممتاز النادر، فيوجد فيه من الرخامات البيضاء (82) قطعة، و من الرخامات السوداء (83) قطعة، و من الرخامات الخضراء (3) قطع، و من الرخامات الحمراء الغامقة (8) قطع، و قطعة واحدة بنية اللون، و كلها قطع صغيرة.

و لقد أردنا أخذ صورة هذه اللوحة الكوفية بعد رفعها من جدار الكعبة، لكن لم نتمكن من ذلك لتفرق قطع أحجارها الصغار، ثم بعد جمعها ثانية و وضعها في محلها بالجدار، لم نتجاسر بأخذ صورتها من داخل الكعبة تأدبا و احتراما و تعظيما.

و نحن لم نهتد في بادئ الأمر إلى هذه اللوحة العجيبة، فإننا عندما عددنا الأحجار المكتوبة في جدران الكعبة المعظمة كان عددها «كذا» فلما رجعنا لعدها بعد أيام صارت زائدة عن العدد الأول، فصرنا نكرر عدها فأحيانا تنقص لوحة

193

واحدة و أحيانا تزيد لوحة واحدة، حتى طرأ علينا الشك بل إن أحد أصدقائنا من سدنة الكعبة اتهمنا بالوسواس لكثرة عدنا لهذه الأحجار فقد عددناها أكثر من اثني عشر مرة. و أخيرا هدانا اللّه تعالى إلى الكتابة الموجودة في هذه اللوحة، ففي إحدى المرات أردت الخروج من الكعبة فعند وصولي قرب بابها التفت إلى الوراء لأكلم أحد العمال الموجودين بها، إذا ببصري يقع على هذه اللوحة و قد ظهرت الكتابة بها واضحة جليلة، فمشيت صوبها بدون أن أرفع بصري عنها، حتى قربت منها اختفت الكتابة، ثم بعدت عنها إلى موضعي الأول عند الباب إذا بالكتابة تظهر ظهورا تاما، ثم قربت منها فإذا بالكتابة تخفى، فتحقق لدينا أن الإنسان إذا بعد عن هذه اللوحة ظهرت الكتابة التى فيها، و إذا قرب منها اختفت الكتابة، ثم أريتها لبعض الإخوان فتعجبوا من هذا الأمر غاية العجب، و لما كنا واثقين بأن هذه اللوحة لو قلعت من موضعها فإن هذا السر الموجود فيها يذهب بتاتا، فقد حذرنا العامل المختص بقلع الرخامات و تنظيفها ثم وضعها في أماكنها، أن لا يمس هذه الرخامة و لا يقلعها من محلها مطلقا، فإن قلعها فإنه لن يقدر على إرجاعها كسابق وضعها فيختفي منها هذا السر العجيب الذي اكتشفنا في وقتنا هذا. و لكن مع الأسف الشديد كان هذا العامل معتدا بنفسه و مهارته، فقلع هذه اللوحة ثم أرجعها إلى مكانها الأول، لكن بغير الوضع السابق و الترتيب الأول، فاختفى عنها ذلك السر العجيب اختفاء تاما و صارت الكتابة التي فيها تقرأ من القرب و العبد على حد سواء، و كان أمر اللّه قدرا مقدورا.

و نحن نعتقد أنه لم ينتبه من السابق إلى أمر هذه الرخامة أحد مطلقا، حتى نفس سدنة الكعبة الذين بيدهم مفتاحها و يكثر دخولهم فيها، لا يعرفون عن هذه الرخامة أنها مكتوبة بل إن الشيخ حسين عبد اللّه باسلامة صاحب كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة» (رحمه اللّه تعالى) لم يكتشف الكتابة التي في هذه الرخامة، فإنه قال في كتابه المذكور عند الكلام على ألواح الرخام المكتوبة في داخل الكعبة إن عدد هذه الألواح سبعة، ثم ذكر نص ما هو مكتوب في كل لوحة منها، فلو أنه اهتدى إلى هذه اللوحة التي كتب فيها «لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» بالخط الكوفي المربع لذكرها و أشار إليها، بل لتكلم عنها قبل جميع الألواح لما لها من القيمة الفنية الممتازة و سر تركيبها العجيب فرحم اللّه من كتبها و ركبها و من قرأها بل و من قلعها أيضا فإنه قلعها بحسن نية. و الحمد للّه الذي وفقنا لاكتشافها و تسجيل سرها العجيب.

194

(و الحجر السادس) يقع في الجدار الغربي أيضا، أي الجدار الذي يقع خلف الكعبة، و هذا الحجر مربع ضلعه اثنان و سبعون سنتيمترا، و في هذا الحجر أربعة أسطر، كل سطر مقسم إلى قسمين، بينهما فاصل على صفة أبيات الشعر.

و إليك ما كتب على هذا الحجر:

ففي السطر الأول مكتوب: بسم اللّه الرحمن الرحيم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. تقرب بتجديد هذا البيت المعظم العتيق إلى اللّه.

و في السطر الثاني مكتوب: سبحانه و تعالى، خادم الحرمين و سائق الحجاج بين البحرين و البحرين السلطان بن السلطان مراد خان.

و في السطر الثالث مكتوب: ابن السلطان أحمد خان بن السلطان محمد خان، خلد اللّه تعالى ملكه و أيد سلطنته، في آخر شهر رمضان المبارك.

و في السطر الرابع مكتوب: المنظم في سلك شهور سنة أربعين بعد الألف من الهجرة النبوية عليه أفضل التحية.

(و الحجر السابع) يقع في الجدار الغربي أيضا، أي الجدار الذي خلف الكعبة، و طول هذا الحجر ثلاثة و سبعون سنتيمترا، و عرضه تسعة و ثلاثون سنتيمترا، و في هذا الحجر أربعة أسطر كتب فيها ما يأتي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، ربنا تقبل منا، أمر بتجديد سقف البيت الشريف، و جميع داخل الحرم و خارجه، مولانا السلطان ابن السلطان محمد خان، خلد اللّه خلافته، سنة سبعين و ألف».

(و الحجر الثامن) يقع في الجدار الغربي أيضا، أي الجدار الذي خلف الكعبة، و طول هذا الحجر ثمانية و سبعون سنتيمترا، و عرضه ستة و أربعون سنتيمترا، و قد كتب فيه ما يأتي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، تقرب إلى اللّه بتجديد رخام هذا البيت المعظم المشرف، العبد الفقير إلى اللّه تعالى السلطان الملك الأشرف أبو النصر برسباي، خادم الحرمين الشريفين، بلغه اللّه آماله، و زين بالصالحات أعماله، بتاريخ سنة ست و عشرين و ثمانمائة».

(و الحجر التاسع) يقع فوق عقد باب الكعبة من داخلها، مرتفع عن أرض الكعبة بأكثر من مترين، و طوله ثلاثة أمتار تقريبا، و عرضه نحو نصف متر.

195

و هو ليس بحجر واحد، بل إنه ثلاثة أحجار أو أربعة.

و قد كتب عليها بعض جمل صغيرة بالخط الكوفي لم نتمكن من قراءتها عند إخراجها من محلها و وضعها بالأرض، لكثرة أشغالنا، بحيث نسينا أمرها حتى رفعت ثانية فوضعت في محلها الأصلي فوق الباب من الداخل.

نقول: لقد انتهينا و للّه الحمد من نقل جميع الرخامات المكتوبة التي في داخل الكعبة المشرفة، في اليوم الثامن من شهر شعبان سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، بعد أن أخرجناها من داخل الكعبة عند تجديد سقفيها و ترميم داخلها في شهر شعبان من العام المذكور.

و لقد أخذنا صورتها الفوتو غرافية في التاريخ المذكور أيضا، بعد أن أخرجناها من الكعبة المشرفة و وضعناها بقرب منبر المسجد الحرام، ثم أرجعناها إلى داخل الكعبة لتوضع في محلاتها عند الترميم، و لو لا ذلك لما تجاسرنا بأخذ صورها من داخل بيت اللّه الحرام. فالحمد للّه على توفيقاته المتتالية و نعمائه المتوالية.

و هذه الصور موجودة في مكتب مشروع التوسعة لم نتمكن من أخذها مع الأسف، كما لم نتمكن من أخذ صور الأحجار في داخل الكعبة المشرفة لتعذر ذلك علينا.

الكتابة الموجودة على عقد باب الكعبة

و أما ما هو مكتوب فوق عقد باب الكعبة من الخارج فهو هذا: مكتوب بأعلى باب الكعبة سطران بخط الثلث الواضح الجميل على ألواح من الذهب الخالص.

(فالسطر الأول) مكتوب فيه قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

(و السطر الثاني) مكتوب فيه ثلاثة أبيات و هي:

لقد رقم الحنكار بابا لبيته‏* * * له كل مخلوق يصلي و يسجد

و خلف ذخر الأجر من بعد جده‏* * * بنى ملك عثمان أحمد يحمد

فقل فيه مدحا ما استطعت مؤرخا* * * «بتجديده بالبيت قد فاز أحمد»

196

أي أنه حصل تجديد خدور باب الكعبة في سنة (1118) ثمان عشرة و مائة و ألف في عهد السلطان أحمد خان الثالث أحد سلاطين آل عثمان.

و لم نر من أشار و وضح ما هو مكتوب بأعلى باب الكعبة، و قد وفقنا اللّه تعالى إلى قراءة كل ذلك بعد أن صعدنا على سلم طويل من الخشب حتى وصلنا فوق باب الكعبة و قرأنا كل ذلك و كتبناه، و ذلك في خامس يوم من شوال سنة (1376) ست و سبعين و ثلاثمائة و ألف، و قد تكلمنا على ذلك بتفصيل تام في مبحث «عمل باب للكعبة المشرفة» فراجعه إن شئت.

تحلية الكعبة

المكانة المشرقة السامية للكعبة المشرفة في قلوب الناس جاهلية و إسلاما لا لتحليتها بالذهب و الفضة بل هي لذاتها التي أودعها اللّه فيها سواء بنيت بالحجارة المرضومة أم بالإسمنت المسلح لأنها بيت اللّه و قبلة المسلمين و ما بنيت إلا بأمر اللّه سبحانه و تعالى الغني عن العالمين.

و أن ما نراه فيها من التحلية و الهدايا بالنقدين و نفيس الجواهر، إنما هو من قبيل التشرف بخدمتها و احترامها رجاء التقرب إلى اللّه تعالى و طلب رحمته و مغفرته، و ليس في ذلك من بأس فهذا خليل اللّه إبراهيم (صلوات اللّه عليه و سلامه) عليه و على نبينا و جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل منهم أجمعين، لما أمره اللّه عز و جل ببناء الكعبة المشرفة حفر في باطنها على يمين من دخلها حفرة كالبئر عمقها ثلاثة أذرع تكون خزانة لها يلقى فيها ما يهدى إليها، فالإهداء إليها مطلوب و الأجر عليها من اللّه ثابت مضمون.

و لئن كان مؤلف هذا الكتاب محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي كاتب مصحف مكة المكرمة عاجزا عن إهداء الذهب و الفضة للكعبة المشرفة، فإنه يسأل اللّه العظيم الحليم الكبير المتعال أن يتقبل منه خدماته لهذه الكعبة الطاهرة المقدسة من الناحية العلمية و التاريخية و أن يسعده و ذريته سعادة أبدية في الدنيا و الآخرة من كافة الوجوه و أن يختم حياته على الإيمان الكامل و على نظافة و طهارة و راحة تامة عند الموت و أن لا يميته حتى يقر عينه بأهله و أولاده و كافة أصدقائه و مشايخه و أن يغنيه و من يلوذ به عمن سواه بفضله الواسع إنه سميع مجيب الدعاء آمين. و صلى اللّه و سلم على النبي الأمي الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

197

فنقول و باللّه التوفيق:

1- أول من حلى الكعبة في الجاهلية بالذهب عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي (صلى الله عليه و سلم)، و ذلك أنه أمر في المنام أن يحفر زمزم في موضعها الذي هي فيه فجاء بالمعول و معه ابنه الحارث ليس له يومئذ ولد غيره فحفر حتى بدا له الطي طي البئر كبّر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب و هما الغزالان اللذان دفنتهما جرهم حين خرجت من مكة و وجد فيها أسيافا و دروعا و سلاحا ثم حفر حتى أنبط الماء في القرار ثم بحرها حتى لا ينزف ثم بنى عليها حوضا فكان هو و ابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشرب منه الحاج.

فضرب عبد المطلب الأسياف على باب الكعبة و ضرب فوقه أحد الغزالين و جعل الغزال الآخر في جب الكعبة الذي يجعل فيه ما يهدى إليها. هذا ما ذكره الأزرقي.

2- تحلية عبد اللّه بن الزبير، رضي اللّه عنهما، فإنه بعد أن أتم بناء الكعبة جعل عليها و على أساطينها صفائح الذهب و ذلك سنة أربع و ستين من الهجرة و هو أول من حلى الكعبة في الإسلام.

3- تحلية عبد الملك بن مروان باب الكعبة بالذهب كما ذكره الشيخ حسين باسلامة في مؤلفه نقلا عن الفاسي و ذلك في العمارة التي عملها بالمسجد الحرام سنة خمس و سبعين.

4- تحلية الوليد بن عبد الملك بن مروان. قال الغازي نقلا عن الأزرقي:

أرسل الوليد بستة و ثلاثين ألف دينار يضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب و على أساطينها و على الميزاب و على أركانها من الداخل. اه.

و قال أيضا نقلا عن شفاء الغرام: إن الوليد صرف في ميزاب الكعبة و سقفها ما كان في يد نبي اللّه سليمان عليه الصلاة و السلام، من ذهب و فضة و كان قد احتمل على بغل قوي فتفسخ تحتها فضرب منها الوليد حلية الكعبة و كانت قد احتملت إليه من طليطلة من جزيرة الأندلس و كانت لها أطواق من ياقوت و زبرجد. انتهى.

و الظاهر أن ذلك كان سنة إحدى و تسعين حينما أمر بتوسيع المسجد الحرام، و كان إذا عمل المساجد زخرفها.

198

5- تحلية الخليفة العباسي الأمين محمد بن هارون الرشيد فإنه أرسل بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح الذهب على باب الكعبة و جعل مساميرها و حلقتي الباب و أعتابه من الذهب كما ذكره الأزرقي، و لم نر في أي سنة أرسل تلك الدنانير لتحلية الكعبة، و الأمين محمد تولى الخلافة بعد موت أبيه في سنة إحدى و تسعين و مائة و اسمه محمد و لقبه الأمين.

6- تحلية المتوكل العباسي جعفر بن المعتصم بن الرشيد فإنه لما بلغه من حجبة الكعبة أن زاويتين من زواياها تآكل ذهبهما أرسل المتوكل إلى إسحاق بن سلمة الصايغ بذهب و أمره بعمل ذلك فكسر إسحاق تلك الزوايا و أعادها من الذهب و عمل منطقة من فضة ركبها فوق إزار الكعبة من الداخل عرضها ثلثا ذراع، و جعل لها طوقا من الذهب متصلا بهذه المنطقة، و ألبس عتبة الباب الخشب بالفضة. قال إسحاق: فكان مجموع الزوايا و الطوق الذهب ثمانية آلاف مثقال و منطقة الفضة و ما على الباب و ما حلي به المقام سبعين ألف درهم. انتهى ما ذكره الأزرقي.

بويع المتوكل بالخلافة في أواخر سنة (232) و قتل سنة سبع و أربعين و مائتين.

7- تحلية المعتضد العباسي أحمد المعتضد باللّه بن طلحة بن المتوكل المذكور كتب الحجبة إليه أن أحد الولاة بمكة قلع أيام الفتنة سنة (251) إحدى و خمسين و مائتين ما على عضادتي باب الكعبة من الذهب فضربه دنانير و صرفها على الفتنة فكانوا يسترون العضادتين بالديباج.

و أن عامل مكة سنة (268) ثمان و ستين و مائتين قلع أيضا أيام الفتنة مقدار الربع من الذهب من أسفل باب الكعبة و ما على أنف الباب من الذهب و استعان به على دفع تلك الفتنة و جعل بدل ما أخذه فضة مموهة بالذهب فإذا تمسح الحجاج به أيام الحج انكشفت الفضة فأمر المعتضد بإعادة جميع ذلك. ذكره الفاسي في شفاء الغرام.

و الخليفة المعتضد المذكور هو الذي زاد في المسجد الحرام بإدخال دار الندوة فيه جهة باب الزيادة و بنى عنده المنارة و ما يتبعه من الأروقة و السقوف و دامت عمارته ثلاث سنوات و كان ذلك سنة (281) إحدى و ثمانين و مائتين و قد توفي سنة (289).

199

8- تحلية المقتدر العباسي أبو محمد، علي المقتدر باللّه بن المعتضد باللّه، و ذلك أنه في سنة (310) عشر و ثلاثمائة أمر عامله على مكة أن يلبس جميع الأسطوانة الأولى التي تلي باب الكعبة الذهب لأن التي تليها ملبسة بصحائف الذهب و بقيتها مموها. ذكره ابن فهد.

و قال الغازي نقلا عن الفاسي: أن أم المقتدر العباسي هي التي أمرت غلامها (لؤلؤا) أن يتوجه إلى مكة و أن يلبس جميع أسطوانات البيت الشريف ذهبا ففعل ذلك في سنة عشر و ثلاثمائة. انتهى.

و المقتدر ولي الخلافة سنة (295) ثم خلع ثم أعيد ثم خلع ثانيا ثم أعيد ثالثا و استمر حتى قتل في شوال سنة (320).

9- تحلية الوزير جمال الدين المعروف بالجواد الأصبهاني وزير «مودود بن زنكي» صاحب الموصل أنفذ رجلا من جهينة يقال له الحاجب و ذلك سنة (549) تسع و أربعين و خمسمائة إلى مكة و معه خمسة آلاف دينار ليعمل بها صحائف الذهب و الفضة في أركان الكعبة من الداخل. اه.

بعض المؤرخين يقول: أنفذ الوزير جمال الدين حاجبه، و بعضهم يقول: أنفذ رجلا من جهينة يقال له الحاجب و هو ما ذكر الشيخ حسين باسلامة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه «تاريخ الكعبة».

قال أستاذنا المرحوم يوسف أحمد الخطاط الكوفي الشهير مفتش الآثار العربية بمصر في كتابه «المحمل و الحج» عن الوزير جمال الدين المذكور أنه هو الذي جدد مسجد الخيف بمنى، و بنى حجر إسماعيل و زخرف الكعبة و بنى المسجد الذي على عرفات و عمل بعرفات مصانع الماء و بنى سورا على المدينة إلى غير ذلك من الأعمال النافعة المجيدة.

و وصى إذا مات أن يدفن بالمدينة المنورة فمات سنة (559) تسع و خمسين و خمسمائة فحمل إليها عن طريق مكة و دفن بجوار قبر النبي (صلى الله عليه و سلم)، بينه و بين القبر الشريف نحو خمسة عشر ذراعا، و نودي في كل بلد نزلوه بالصلاة عليه و لما أرادوا الصلاة عليه بالحلة أنشد شاب:

سرى نعشه فوق الرقاب و طالما* * * سرى جوده فوق الركاب و نائله‏

يمر على الوادي فتثني رماله‏* * * عليه و بالوادي فتثني أرامله‏

200

و من أراد زيادة الاطلاع على أعمال الوزير المذكور فعليه بمراجعة صحيفة 68 من الجزء الثاني من كتاب ابن الوردي. انتهى ملخصا.

و الوزير جمال الدين المذكور، (رحمه اللّه تعالى)، هو الذي قام بعمل باب الكعبة مصفحا بالذهب و الفضة باسم الخليفة العباسي المقتفي لأمر اللّه سنة (551) و قد جعل الوزير جمال الدين باب الكعبة القديم بعد قلعه تابوتا لنفسه يدفن فيه كما ذكرنا ذلك عند الكلام على باب الكعبة المشرفة. فانظر رحمك اللّه إلى قوة إيمانه و اعتقاده و إلى إجماع الناس على حبه و الدعاء له حتى بعد موته.

اللهم وفقنا لما تحبه و ترضاه آمين.

10- تحلية الخليفة العباسي المقتفي لأمر اللّه، فقد عمل بابا للكعبة بالذهب و الفضة بواسطة الوزير جمال الدين المتقدم ذكره و ذلك سنة (551) إحدى و خمسين و خمسمائة.

11- تحلية الملك المظفر صاحب اليمن حلاها بستين رطلا من الفضة ضربها صفائح على باب الكعبة، و ذلك لما حج سنة (659) تسع و خمسين و ستمائة.

12- تحلية الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، فإنه عمل بابا للكعبة و حلّاه المعظمة بخمس و ثلاثين ألف درهم سنة (733) ثلاث و ثلاثين و سبعمائة.

13- تحلية الناصر حسن بن محمد بن قلاوون فإنه عمل بابا للكعبة و أصلحوا تحلية هذا الباب مرارا و ذلك سنة (761) إحدى و ستين و سبعمائة.

14- تحلية الملك الأشرف شعبان حفيد الملك محمد بن قلاوون صاحب مصر، فإنه حلى باب الكعبة في سنة (776) ست و سبعين و سبعمائة، ذكره الغازي نقلا عن الفاسي.

15- تحلية ناظر الحرم الشريف بيرم خوجه، فإنه حلى الكعبة بالفضة المطلية بالذهب، فمقدار الفضة التي طليت بها ألف و ستمائة قفلة، و مقدار الذهب الذي حلى بها سبعون أفلوريا. ذكره الغازي نقلا عن ابن فهد، و لم يبين السنة التي حصل ذلك فيها.

201

16- تحلية السلطان سليمان خان القانوني، فقد عمل بابا للكعبة و حلّاه بحلية كثيرة من الفضة و الذهب، كما عمل ميزاب الكعبة المحلّى بالذهب و ذلك سنة (964) أربع و ستين و تسعمائة. و قد تكلمنا عنه عند ميزاب الكعبة.

قال الغازي في تاريخه نقلا عن السنجاري: و قدر ما فيه من الذهب ألف و مائتين و ثمانين أشرفيا بعملة تاريخه، و من الفضة نحو أربعة قناطير تعجز قليلا.

اه.

17- تحلية السلطان مراد خان الرابع، فإنه عمل بابا للكعبة المشرفة و ذلك بعد بنائه لها بسبب السيل الذي هدمها بخمس سنين، و قد حلى الباب بالفضة و الذهب فكان وزن الفضة مائة و ستة و ستون رطلا، و وزن الذهب البندقي ألف دينار، و قد ركبوا الباب على الكعبة في ثلاثة أيام حتى صار محكما ثابتا، و كان عمله سنة (1045) خمس و أربعين و ألف.

18- تحلية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود مؤسس المملكة العربية السعودية، (رحمه اللّه تعالى)، فإنه أمر بتجديد باب الكعبة المشرفة مصفحا بالذهب و الفضة و بعد انتهاء عمل الباب ركب في الكعبة باحتفال عظيم و ذلك في 23 ذي القعدة سنة (1370) سبعين و ثلاثمائة و ألف و قلع الباب القديم الذي عمله السلطان مراد الرابع.

و نختم هذا الفصل بأن كل من حلى ميزاب الكعبة بالنقدين أو جعل منهما طوقا للحجر الأسود يعتبر أنه ممن عمل في تحلية الكعبة المشرفة.

الكراسي التي كانت موجودة في الكعبة

بمناسبة الكلام على الكرسي الذي كان في الكعبة المشرفة زمن عمر رضي اللّه تعالى عنه، نذكر هنا جلوس رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أحيانا على الكرسي، فلقد جاء في الجزء الأول من كتاب «التراتيب الإدارية و العمالات و الصناعات و المتاجر و الحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدينة الإسلامية في المدينة المنورة العلية» تأليف العلامة الحافظ المحدث الشهير الشيخ عبد الحي الكتاني الفاسي، المطبوع بالمطبعة الأهلية بدرب الفاسي بالرباط ببلاد المغرب الأقصى سنة (1346) هجرية.

202

جاء في هذا الكتاب بعنوان «اتخاذ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الكرسي» بصحيفة 97 من الجزء الأول ما نصه:

ذكر الدارقطني في العلل من حديث علي قال: كنت آتي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كل غداة إذا تنحنح دخلت، و إذا سكت لم أدخل، قال: فخرج إلي فقال: حدث البارحة أمر، سمعت خشخشة في الدار و ذكر قصة فيها، فإذا بجرو للحسن تحت كرسي لنا، و في المشرع الروي: الكرسي هو الذي يجلس عليه و قيل: لا يفضل عن مقعد القاعد.

ذكر جلوس النبي (صلى الله عليه و سلم) على الكرسي في صحيح مسلم و سنن النسائي و النص لمسلم عن حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة العدوي: انتهيت إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) و هو يخطب فقلت: يا رسول اللّه رجل غريب يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، قال:

فأقبل علي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و ترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتى بكرسي حسبت قوائمه حديدا، قال: فقعد عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و جعل يعلمني مما علمه اللّه ثم أتى خطبته فأتم آخرها.

(و قلت): الحديث المذكور غفل السيوطي في الجمع و الهندي في الكنى فاقتصرا على عزوه للطبراني في الكبير و أبي نعيم، مع أنه كما علمت في مسلم و أخرجه البخاري في الأدب المفرد، و فيه جلوسه (صلى الله عليه و سلم) على كرسي قوائمه من حديد حتى في المسجد و الناس ينظرون، ففيه جواز ذلك و أنه لا يعد مذموما و قد قربت مرة إلى رجل من الصالحين كرسيا لجلوسه فأبى و رأى أنه من التشبه المذموم.

و قد ترجم البخاري في الأدب المفرد باب الجلوس على السرير، فذكر قصة جلوس معاوية على سرير، و قول أبي قرة: جلست مع ابن عباس على سرير، و قول أبي جمرة: كنت أقعد مع ابن عباس فكان يقعدني على سريره فقال لي:

أقم عندي حتى أجعل لك سهما من مالي فأقمت عنده شهرين، و قصة جلوس أنس مع أمير البصرة الحكم على سرير، و قصة أبي رفاعة العدوي السابقة عن مسلم، و فيها فأتى بكرسي خلت قوائمه من حديد، قال حميد: و لكن زاد أراه خشبا أسود حسبته حديدا فقعد عليه.

203

و عن موسى بن دهقان قال: رأيت ابن عمر جالسا على سرير عروس عليه ثياب حمر، و عن عمران بن مسلم قال: رأيت أنسا جالسا على سرير واضعا إحدى رجليه على الأخرى. و اللّه أعلم.

و قد ذكر المبرد في الكامل في قصة حبس عمر بن الخطاب للحطيئة على هجوه للزبرقان قال: إن عمر دعا بكرسي فجلس عليه، و دعا بالحطيئة فأجلس بين يديه، و دعا بآلة القطع يوهمه أنه عامل على قطع لسانه الخ ... القصة.

و في سنن النسائي عن عبد خير قال: شهدت عليا دعا بكرسي فقعد عليه، ثم دعا بماء في تور فغسل يديه ثلاثا الخ .. القصة.

و في تاريخ الوزير جودت باشا التركي نقلا عن تاريخ واصف أفندي التركي:

أن سيدنا يوسف (عليه السلام) كان يجري الأحكام و هو جالس على كرسيه، و أن سيدنا سليمان (عليه السلام) كان ينفذ الأحكام أيضا و هو على كرسي مرتفع، و أن سيدنا معاوية اتخذ لنفسه دائرة خصوصية كان يجلس فيها على كرسي مثل التخت و يجري الأحكام. اه.

و أخرج أبو نعيم في الحلية عن يحيى بن أيوب عن الكناني رسول عمر إلى هرقل، و كان يقال له جثامة بن مساحق بن الربيع بن قيس الكناني قال: جلست فلم أدر ما تحتي فإذا تحتي كرسي من ذهب فلما رأيته نزلت عنه، فضحك فقال لي: لم نزلت عن هذا الذي أكرمناك به؟ فقلت: إني سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينهى عن مثل هذا.

انظر ترجمة جثامة بن مساحق من فضائل الصحابة من كنز العمال. فانظر كيف جلس على الكرسي أولا ثم نزل عنه، لا لأنه كرسي، بل لما رآه من ذهب، فلو وجده من غيره مما بياح استعماله لاسترسل جالسا عليه. و اللّه أعلم.

انتهى من الكتاب المذكور.

الكعبة المشرفة و هندستها

لقد نشرنا مقالة مهمة عن اتجاه المسلمين إلى الكعبة المعظمة في صلواتهم أينما كانوا في جريدة البلاد السعودية التي تصدر بمكة المكرمة و ذلك بتاريخ 20 جمادى الثانية سنة (1371) للحجرة بعنوان (الكعبة المشرفة و هندستها) و لما كانت هذه‏

204

المقالة فريدة في بابها دقيقة في معناها، أحببنا ذكرها و إعادة نشرها مع ما جاءنا من الجواب عليها من مصلحة المساحة المصرية، حبا في نشر العلم و تنويرا للأذهان، فلنذكر أولا نص مقالتنا في الجريدة المذكورة و هو:

الكعبة المعظمة: هي قبلة المسلمين يتجهون إليها في صلاتهم أينما كانوا من بقاع الكرة الأرضية، قال اللّه تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ‏ و قال أيضا: قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏، و قال (صلى الله عليه و سلم): «ينزل اللّه عز و جل على هذا البيت كل يوم و ليلة عشرين و مائة رحمة، ستون منها للطائفين، و أربعون للمصلين و عشرون للناظرين».

و لما كانت لهذه الكعبة التي بناها خليل اللّه إبراهيم (عليه السلام) منزلة سامية في قلوب كافة المسلمين كان حقا علينا أن ندرسها من كافة النواحي الدينية و التاريخية. و لقد خطرت في بالنا نقطة دقيقة مهمة أحببنا عرضها على أنظار إخواننا المسلمين و هي: أن إبراهيم الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على جميع الأنبياء و المرسلين بنى هذه الكعبة الغراء على الأساس الذي عرفه اللّه تعالى أن بينيها عليه فبناها حسب الأمر الإلهي «فهل يدل اتجاه أركانها و موضع بابها على نفس الجهات الأربع و هي الشرق و الغرب و الجنوب و الشمال» أم لا؟.

نرجو من حضرات العلماء الأجلاء و أرباب الهندسة و الفلك «إفادة دقيقة مبنية على القواعد العلمية و الآلات الفلكية العصرية على وجه الضبط و اليقين لا على الحدس و التخمين، كما نرجو منهم بيان موقع جبل حراء و جبل الرحمة بعرفات من الكعبة المشرفة بالضبط و بيان مواقع الحارات و الشوارع بمكة المكرمة بالنسبة لجهة الكعبة المشرفة، بمعنى إلى أي درجة يكون ميل كل حارة إلى الجهات الأربع و موقع الكعبة من الجهات أيضا».

و لقد ذكر بعض العلماء «أن بعض البلدان يصلون إلى جهة باب الكعبة، و بعض البلدان يصلون إلى الجهة المقابلة للباب، و بعض البلدان يصلون إلى جهة الميزاب، و بعض البلدان يصلون إلى الجهة المقابلة للميزاب» و لكن لا ندري هل ذكروا ذلك في باب الظن أو اليقين و من رأينا أن ذلك راجع إلى أهل الهندسة و أهل الفلك، فعسى أن نطلع على إفادتهم المبنية على القواعد و الأصول المرعية، و ليس ذلك بمستنكر فإن للّه عز و جل حكما دقيقة قد تهتدي إلى شي‏ء منها