التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
205

عقول البشر و قد تتيه فيها. ففي نتيجة الحكومة المصرية رسم يبين اتجاه القبلة في مدينة القاهرة مع بيان درجة انحراف القبلة من الجنوب نحو الشرق و درجة سمتها من الشمال نحو الشرق أيضا، كما في مصلحة المساحة المصرية خبراء يعرفون اتجاه القبلة في أي مكان بالديار المصرية.

و هذا هرم الجيزة الأكبر بمصر، فإن الذين بنوه أقاموا بنيانه على أساس عجيب و دقة متناهية، فقد ذكر علماء الآثار أن الهرم الأكبر الذي هو البناء الوحيد في العالم من نوعه هو أدق بناء في العالم من حيث توجيه زواياه نحو الجهات الأصلية، و مما يزيد في شأنه من هذه الناحية أن زوايا قاعدته تواجه بالضبط الشمال و الشرق و الجنوب و الغرب، و أن انعكاسات الشمس عن أوجه الهرم تشير بالدقة إلى الأيام التي يحدث فيها الانقلاب الشتوي و الاعتدال الربيعي و الانقلاب الصيفي و الاعتدال الخريفي، و قد قام في السنوات الأخيرة كثير من العلماء بدراسات وافية عن تاريخ الهرم و هندسة بنائه لا نرى لازما لسرد ما توصلوا إليه و إنما ذكرنا ما تقدم تنبيها للوعي العلمي و استنهاضا لهمم العلماء في النظر إلى ما وضعه اللّه تعالى من خفايا الأمور و الأسرار في مخلوقاته كما قال عز شأنه في محكم كتابه العزيز: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ* فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ إلى غير ذلك من الآيات، نسأل اللّه الهداية و التوفيق آمين.

انتهى نص مقالتنا في الجريدة، و لنذكر الآن إجابة مصلحة المساحة المصرية عليها، و هذا نصها:

«حضرة الأستاذ محمد طاهر الكردي الخطاط بالمعارف العامة بمكة المكرمة، السلام عليكم و رحمة اللّه. بالإشارة إلى خطابكم المؤرخ 21 رجب سنة (1371) الموافق 16 أبريل سنة (1952) نرجو الإحاطة بأننا قمنا بدراسة موضوع الأسئلة الواردة في مقالكم عن تاريخ الكعبة الشريفة و هندستها من واقع الأعمال التي قامت بها مصلحة المساحة أخيرا بمكة المكرمة، و فيما يلي الرد عما يدخل في اختصاص هذه المصلحة:

1- تبين من الأعمال المساحية التي عملت أخيرا أن أركان الكعبة الشريفة لا تتجه إلى اتجاه معين، و أن حوائطها ليست متعامدة تماما، و تختلف أطوالها عن بعضها البعض، كما تميل هذه الحوائط عن الجهات الأربع بحوالي (57) درجة.

206

2- يقع غار حراء في الشمال الشرقي من نقطة وسط الكعبة، و ينحرف اتجاهه عنها بنحو (42) درجة من الشمال و هو على خط عرض 22 27 21 شمالا، و خط طول 30 51 39 درجة شرقا. و يقع جبل الرحمة في الجنوب الشرقي من نقطة وسط الكعبة و ينحرف اتجاهه عنها بنحو 64 درجة من الجنوب نحو الشرق و هو على خط عرض 8 21 21 درجة شمالا و خط الطول 27 58 39 درجة شرقا. و أما نقطة وسط الكعبة و هي نقطة تقابل قطريها فتقع على خط عرض 15 25 21 درجة شمالا، و خط الطول 31 49 39 شرقا.

و مرفق بهذا لوحة مكة مقياس 000، 1/ 100 مبنيا عليها مواقع الأمكنة المذكورة مؤشرا عليها بالخط الأحمر.

3- و قد قمنا بتبيان الاتجاه نحو الكعبة من الشمال الحقيقي نحو الشرق بالدرج على حافة لوحة المسجد الحرام و ما حوله مقياس 1/ 500 المرفقة بهذا بحيث يمكن تعيين الاتجاه نحو الكعبة في أي مكان و ذلك بتوصيل خط من نقطة منتصف الكعبة إلى هذا المكان و مده حتى يقابل حافة اللوحة فيكون الدرج المبين بها عند نقطة التقابل هو مقدار انحراف الكعبة في هذا المكان من الشمال نحو الشرق. و ينحرف الشمال المغناطيسي عن الشمال الحقيقي في مكة المكرمة بدرجتين نحو الشرق، فإذا أريد استعمال البوصلة يطرح هذا المقدار من الانحراف الحقيقي المستخرج من اللوحة فيكون الناتج هو مقدار انحراف الكعبة عن الشمال المغناطيسي للمكان المطلوب.

4- و نظرا لأن المسافة بين نقطة منتصف الكعبة و كل من الباب أو الميزاب أو أي مكان آخر بها صغيرة جدا تكاد لا تذكر إذا ما قورنت ببعد المسافة بين الكعبة و أي بلد من البلدان الأخرى التي تقام بها الصلاة فإن هذه المسافة لا تؤثر في اتجاه المصلي، و على ذلك تصبح الكعبة كلها كأنها نقطة واحدة بالنسبة للمصلي في أي بلد آخر.

هذا هو نص إجابة مصلحة المساحة المصرية، و حيث أن هذه الإجابة هي من الأهمية بمكان بالنسبة لكل مسلم فقد رأينا من اللازم أن نضعها في مؤلفاتنا كلها و باللّه التوفيق. انتهى من كتاب إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة.

207

اختلاف بنايات الكعبة و تعميرها

لقد تقدم أن الكعبة المعظمة بنيت إحدى عشرة مرة، منذ بناء الملائكة و آدم (عليه السلام) إلى بناء السلطان مراد بن السلطان أحمد عام ألف و أربعين من الهجرة، فإذا دققنا النظر رأينا أن ما وقع لبيت اللّه الحرام من البنايات الإحدى عشرة منذ آلاف السنين و الأعوام ليس بشي‏ء يذكر، و إن مكثه سليما قائما دهرا طويلا ما هو إلا كرامة له، و سر اختصه اللّه به فلو كثر خرابه و تعميره كل وقت لأدى ذلك إلى تهاون الناس باحترامه و تعظيمه.

أما اختلاف البنايات فيه بالصفة التي ذكرناها فيما تقدم فليس في ذلك بأس ما دام البناء لم يخرج عن الأساس الأول و لم يتحول عن قواعد إبراهيم (عليه السلام)، فاتباع الأساس هو الشرط الأول، أما البناء على صفة مخصوصة فإنه لم يرد من الشارع، فهذه قريش نقصت من طوله من جهة الحجر لقلة النفقة الحلال التي جمعوها لبنيانه و طولت من ارتفاعه و رفعت بابه عن الأرض و سقفته و لم يكن له سقف، و قد كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يشتغل معهم في بنائه و هو حينئذ في الخامسة و الثلاثين من عمره الشريف.

ثم نقض عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما بناء قريش و بنى الكعبة على الصفة التي تمناها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فإنه قال لعائشة رضي اللّه عنها: «يا عائشة لو لا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه و ألزقته بالأرض و جعلت له بابين بابا شرقيا و بابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم» رواه البخاري في صحيحه، فبموجب هذا الحديث الذي سمعه ابن الزبير من خالته عائشة بنى الكعبة بعد احتراقها تحقيقا لأمنية النبي (صلى الله عليه و سلم) و رغبته و جعل له بابين لاصقين بالأرض أحدهما للدخول و الآخر للخروج، و جعل لها أربعة أركان بعد أن كان لها ركنان فقط و كان إذا طاف استلم الأركان الأربعة جميعا و قال: إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامي و الغربي لأن البيت لم يكن تاما «أي أن جداره الذي من جهة الحجر كان مدورا من غير أركان» فلم تزل الأركان الأربعة حتى قتل رضي اللّه عنه و جعل في بطنه درجة من خشب يصعد منها إلى سطحها و جعل ارتفاعها من الأرض للسماء سبعة و عشرين ذراعا.

208

قال الأزرقي في تاريخه: و كانت الكعبة يوم هدمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعا في السماء، و لما أن بلغ ابن الزبير بالبناء ثمانية عشر ذراعا قصرت بحال الزيادة التي زاد من الحجر فيها و استسمج ذلك إذ صارت عريضة لا طول لها فقال: قد كانت قبل قريش تسعة أذرع حتى زادت قريش فيها تسعة أذرع طولا في السماء فأنا أزيد تسعة أذرع أخرى فبناها سبعة و عشرين ذراعا في السماء.

اه.

و الحقيقة أن ابن الزبير قد أحسن في زيادة ارتفاعها للسماء و حتى يكون ارتفاعها ملائما لطولها و عرضها و بذلك يكون شكل الكعبة جميلا، و لا حرج في الزيادات المستحسنة اللائقة ما دام البناء على قواعد إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام.

و لما قتل ابن الزبير و دخل الحجاج الثقفي مكة استأذن من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان أن يرد الكعبة على ما كانت عليه في الجاهلية فأمره عبد الملك أن يهدم ما زاده ابن الزبير و أن يسد بابها الغربي، و يجعلها كسابق عهدها ظنا منه أن ابن الزبير إنما بناها على حسب رغبته و اجتهاده، فلما تبين له أنه بناها للحديث السابق الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه عنها، ندم على هدمها وردها على البنيان الأول و جعل ينكت منكسا بقضيب في يده ساعة طويلة ثم قال: وددت و اللّه لو أني تركت ابن الزبير و ما تحمل من ذلك.

فأنت ترى أن هذه البنايات كلها مبنية على أساس إبراهيم (عليه السلام) أما الزيادات التي حصلت فيها فإنما هي زيادات في صفة البناء لا في الأساس و القواعد.

أما بناء الكعبة لخراب أصابها فإنه يجب بناؤها و تعميرها و إصلاحها إذ لا يعقل تركها على خرابها و هي قبلة المسلمين و بيت اللّه المعظم، و فيما يأتي من قول عبد اللّه بن الزبير دليل واضح على هذا، و ناهيك بعبد اللّه بن الزبير الذي أبوه من العشرة المبشرين بالجنة و أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عن الصحابة أجمعين، فقد روى الأزرقي في تاريخه: أن ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة و بينيها دعا وجوه الناس و أشرافهم و شاورهم في هدمها فأشار عليه ناس غير كثير بهدمها و أبى أكثر الناس هدمها، و كان أشدهم عليه إباء عبد اللّه بن عباس فقد قال له: دعها على ما أقرها عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فإني أخشى أن يأتي‏

209

بعدك من يهدمها فلا تزال تهدم و تبنى فيتهاون الناس في حرمتها و لكن أرقعها، فقال ابن الزبير: و اللّه ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه و أمه فكيف أرقع بيت اللّه سبحانه و أنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله حتى أن الحمام ليقع عليه فتتناثر حجارته، ثم أجمع على هدمها و كان يحب أن يكون هو الذي يردها على ما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على قواعد إبراهيم و على ما وصفه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لعائشة رضي اللّه عنها. اه.

و لما عزم على هدمها خرج أهل مكة منها إلى منى فأقاموا بها ثلاثة أيام خوفا من أن ينزل عليهم عذاب لهدمها، و لم يقرب ابن عباس مكة حين هدمت حتى فرغ منها و أرسل إلى ابن الزبير يقول له: لا تدع الناس بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب و اجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها و يصلون إليها ففعل ابن الزبير ذلك.

و لقد أراد أمير المؤمنين هارون الرشيد أو أبوه المهدي أو جده المنصور أن يهدم الكعبة و يردها إلى بناء ابن الزبير لكنه حينما سأل إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي اللّه عنه عن ذلك منعه و قال له: ناشدتك اللّه يا أمير المؤمنين أن لا تجعل بيت اللّه ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمه إلا هدمه و بناه فتذهب هيبته من صدور الناس.

و لقد أراد أيضا السلطان أحمد بن السلطان محمد بن مراد بن سليم الثاني من سلاطين آل عثمان أن يهدم الكعبة حين تصدع جدارها الشرقي و جدارها الغربي و بينيها و يجعل حجارتها ملبسة واحدا بالذهب و واحدا بالفضة فمنعه العلماء من ذلك و قالوا يمكن حفظ هذه الجدران بنطاق يلم هذا الشعث فعمل لها نطاقا من النحاس الأصفر مغلفا بالذهب و أنفق عليه نحو ثمانين ألف دينار و جرى تركيبه عليها في أواخر عام العشرين بعد الألف و أوائل العام الذي بعده كما جاء ذلك في الملحقات التي بآخر الجزء الأول من تاريخ الأزرقي المسمى «أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار» المطبوع بالمطبعة الماجدية بمكة المكرمة سنة (1352) هجرية و الذي منع السلطان محمدا من ذلك هو شيخ الإسلام المولى محمد بن سعد الدين و قال له: هذا يزيل حرمة البيت و لو أراد اللّه سبحانه و تعالى لجعله قطعة من الياقوت، فكف السلطان عن ذلك، كما ذكره الغازي نقلا عن السالنامة الحجازية.

210

فالكعبة المشرفة إذا حدث فيها خلل أو صدع أو حرق أو وقوع بعض جدرانها و حجارتها، فإنه تجب المبادرة إلى تعميرها و إصلاحها إصلاحا تاما محكما من المال الحلال و بشتى مواد البناء الطاهرة من حجارة و طين و نورة و إسمنت و حديد و غير ذلك، فإن اللّه تعالى يحسن إلى المصلحين و يأجرهم على أعمالهم، و هذا الوليد بن المغيرة قال لقريش حينما أرادوا بناء الكعبة و لكنهم هابوا هدمها:

أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل نريد الإصلاح، قال: فإن اللّه لا يهلك المصلحين، ثم ارتقى الوليد على جدار البيت و معه الفأس فقال: اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح ثم هدم و هدمت قريش معه.

و لو أراد اللّه تعالى أن لا يمسها مخلوق بالتعمير و الإصلاح لجعلها قطعة واحدة من الجواهر الثمينة و الأحجار الكريمة، لا تزحزحها الرياح و لا يؤثر فيها حدثان الزمان، حتى يرث اللّه الأرض و من عليها و هو خير الوارثين، و لكنه جل جلاله و تقدست أسماؤه وضع بيته الحرام بمكة و خص من شاء من عباده برفع قواعده و تعميره، و توجه بالهيبة و الجلال حتى يطوف به السعداء من أهل الأرض كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

و لقد خص اللّه تعالى بيته الحرام بالمهابة و التعظيم، و الإجلال و التكريم، و أحاطه بالأسرار القدسية، و الأنوار الإلهية، يقف عنده الزائر خاشعا خاضعا، و يطوف به الجبار ذليلا متواضعا، و يقوم لديه المذنب منكسرا باكيا، و يبتهل المضطر إلى اللّه أمامه راجيا داعيا فعندها تستجاب الدعوات و تقال العثرات و تسكب العبرات. قال بعض الفضلاء:

في البيت أنواع فضل لست أحصرها* * * و صاحب البيت أدرى بالذي فيه‏

من جاءه خائفا من سوء زلته‏* * * فإن للبيت ربا سوف يحميه‏

و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إذا رأى البيت يقول: «اللهم زد هذا البيت تشريفا و تعظيما و تكريما و مهابة و زد من شرفه و كرمه ممن حجه و اعتمره تشريفا و تعظيما و تكريما و برا». و كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا رأى البيت قال: اللهم أنت السلام و منك السلام فحينا ربنا بالسلام.

211

صفة أشهر بنايات الكعبة المعظمة كيفية بناء إبراهيم (عليه السلام)

بنى إبراهيم عليه الصلاة و السلام الكعبة بحجارة بعضها فوق بعض من غير طين و لا جص، و حفر في باطنها على يمين من دخلها حفرة عميقة كالبئر يلقى فيها ما يهدى إليها تكون خزانة لها، و كان عمقها ثلاثة أذرع كما ذكره الأزرقي، و لم يجعل للكعبة سقفا و لا بابا من خشب أو غيره و إنما ترك لمكان الباب فتحة في جدارها الشرقي للدلالة على وجه البيت.

فأول من جعل للكعبة بابا يغلق أسعد الحميري، و هو من تبع أحد ملوك اليمن قبل البعثة بزمن بعيد، و هو أول من كساها كسوة كاملة و نحر عندها.

و السبب في بنائها بتلك الكيفية أنهم كانوا على الفطرة لا يعرفون الخيانة و لا السرقة، و ما كان عندهم من الأموال و الذهب و الفضة ما يسرق، و ما كانوا يسكنون في تلك العصور الأولى كما نسكن نحن في البيوت المنيعة و القصور المشيدة.

و قد كان بناء إبراهيم للكعبة من خمسة جبال من طور سيناء و طور زيتاء و لبنان و الجودي و حراء.

فطور زيتاء و طور تيناء: هما جبلان ببيت المقدس قاله الثعالبي. أما لبنان:

فجبل بالشام و يقال له جبل الأولياء. اه من شرح عامود النسب و هو مخطوط غير مطبوع.

و كانت الملائكة تأتيه بالحجارة من تلك الجبال، فكان هو بيني و إسماعيل يناوله الحجارة، فبناها على أساس آدم و هذا الأساس حجارته من جبل حراء كانت الملائكة تأتي بها و تقذف فيه و هو المسمى بالقواعد، و قد جعل إبراهيم (عليه السلام) للكعبة ركنين فقط: الركن الأسود و الركن اليماني و لم يجعل لها أركانا من جهة الحجر بل جعلها مدورة على هيئة نصف دائرة كجدار الحجر، و جعل الحجر إلى جنبها عريشا من أراك تقتحمه غنم إسماعيل فكان زربا لغنمه، و جعل الباب لاصقا بالأرض و غير مبوب، و جعل ارتفاعها من الأرض في السماء تسعة أذرع، و جعل عرض جدار وجهها الذي فيه الباب اثنين و ثلاثين ذراعا، و عرض‏

212

الجدار المقابل له إحدى و ثلاثين ذراعا، و عرض الجدار الذي فيه الميزاب جهة الحجر اثنين و عشرين ذراعا و عرض الجدار المقابل له عشرين ذراعا. و ما ذكره صاحب كتاب تاريخ الكعبة المعظمة بأن إبراهيم (عليه السلام) جعل لها بابين هو و هم منه، و الصواب أنه جعل لها بابا واحدا فقط كما يظهر ذلك عند التأمل في كتب التاريخ.

و قد يتساءل بعضهم: لم بنى سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام الكعبة المعظمة بالرضم من غير طين و لا جص و لم لم يجعل لها سقفا من الخشب أو غيره، و لم لم يجعل لها بابين أحدهما للدخول و الآخر للخروج، و لم جعل حجر إسماعيل مدورا، و جعله من شجر الأراك و لم بينه بالرضم، و لماذا ما كسى البيت الحرام بعد الفراغ من بنائه؟.

(فالجواب) و اللّه تعالى أعلم بالصواب: هو أن إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليه) بنى الكعبة الغراء بالرضم من غير طين و لا جص و من غير سقف و لا باب لأن ذلك العصر القديم لم يكن فيه شي‏ء من وسائل البناء و أسباب الحضارة فمن أين يأتي بالأدوات الحديدية المختلفة لحفر الأرض و خلط الطين و نشر الخشب و دق المسامير؟

و ما دام لم يكن بمكة سوى إبراهيم و ابنه عليهما الصلاة و السلام، و نفر من قبيلة جرهم، و ما دام باطن الكعبة ترابا و جدرانها من حجارة الصخور، فلا لزوم لعمل سقف لها و لا لعمل باب يغلق عليها، كما لا لزوم لعمل مدخلين فيها للدخول و للخروج لقلة السكان بمكة.

و أما جعله حجر إسماعيل مدورا كما هو الآن فليتناسب شكله شكل جدار الكعبة المقابل للحجر الذي كان مدورا أيضا و لينتهي إليه حدود البيت. و أما جعله من شجر الأراك من غير أن يجعله مبنيا بالرضم فليعلم أنه تابع للبيت و من حدوده من غير أن يدخل في ذات بنائه.

و لم يكس البيت لأنه لم يؤمر بذلك، ثم لم تكن مكة عامرة بالناس إنما بها نفر من جرهم و ما كانوا يعرفون صناعة النسيج في ذلك الزمن حتى يخيطوا له ثوبا.

و على كل حال فالأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا يعملون شيئا مما له مساس في الدين إلا بأمر اللّه تعالى. هذا ما ظهر لنا و اللّه أعلم بالغيب.

213

كيفية بناء قريش‏

و أما قريش فقد بنت الكعبة قبل بعثة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بخمس سنين على الأشهر، أي سنة خمس و ثلاثين من ولادته عليه الصلاة و السلام.

و لقد اشترك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مع قريش في بناء بيت اللّه المعظم فكان يحمل الحجارة على كتفه و لما وصل البناء إلى محل الحجر الأسود اختلفوا فيما بينهم على من يضعه في مكانه ثم اتفقوا على أن يضعه النبي الأمي الأمين فوضعه (صلى الله عليه و سلم) بيده الشريفة و أحكم محله كما هو مفصل في كتب السير، ثم إن قريشا نقصوا من عرض الكعبة من جهة الحجر ستة أذرع و شبرا لقلة النفقة الحلال التي جمعوها لعمارتها و أداروا على الحجر جدارا قصيرا يطوف الناس من ورائه، و جعلوا بابها مرتفعا عن الأرض و كبسوه بالحجارة حتى لا تدخل السيول فيها و حتى يدخلوا فيها من شاءوا و يمنعوا من أرادوا، و جعلوا الباب مصراعا واحدا و أبقوا فيها جب الكعبة: أي خزانتها التي يلقى فيها ما يهدى إليها، و جعلوا في داخلها ست دعائم في صفين في كل صف ثلاث دعائم، و جعلوا لها سقفا و ميزابا من الجهة الشمالية مصبه على حجر إسماعيل (عليه السلام)، و كانت قبل ذلك بلا سقف و جعلوا ارتفاعها من الأرض إلى السماء ثمانية عشر ذراعا، و جعلوا لها ركنين و لم يجعلوا لها أركانا من جهة الحجر بل جعلوها مدورة على صفة بناء إبراهيم (عليه السلام)، و كان الناس كذلك يبنون بيوتهم مدورة تعظيما للكعبة، فأول من بنى بيتا مربعا حميد بن زهير فقالت قريش: ربع حميد بيتا إما حياة و إما موتا، و بعد أن تم بناؤها كسوها كسوة معتبرة.

و لقد كان أول من جعل للكعبة سقفا بعد إبراهيم (عليه السلام)، قصي بن كلاب فإنه سقفها بخشب الدوم الجيد و جريد النخل حين بناها، ثم صارت بعده بلا سقف إلى أن بنتها قريش فسقفتها بخشب الدوم و جريد النخل أيضا، و قصي بن كلاب هو الجد الرابع للنبي (صلى الله عليه و سلم).

و كان سبب بناء قريش للكعبة أن امرأة منهم أجمرت الكعبة، أي بخرتها، و المجمرة المبخرة، فطارت شرارة من مجمرتها في كسوتها فاحترقت و تصدعت و توهنت جدرانها من كل جانب، و كانت الكعبة قبل بناء قريش مبنية برضم‏

214

يابس ليس بمدر تدلى الكسوة على الجدر من خارج و تربط من أعلى الجدر من باطنها فبنتها قريش بالطين و الذي بناها لهم اسمه «باقوم الرومي».

كيفية بناء ابن الزبير

أما عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما فإنه بعد أن استخار اللّه تعالى ثلاثة أيام هدم الكعبة كلها حتى ألصقها و سواها بالأرض و كشف عن أساس إبراهيم (عليه السلام) فوجده داخلا في حجر إسماعيل نحوا من ستة أذرع و شبر فبناها على أساسه و على ذرعه لدليل استند عليه و هو الحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه عنها، و هو جاء في صحيح مسلم في كتاب الحج في باب نقض الكعبة و بنائها عن سعيد بن ميناء قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير يقول: حدثتني خالتي- يعني عائشة- قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): يا عائشة لو لا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض و جعلت لها بابين، بابا شرقيا و بابا غربيا، و زدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة. فلما بناها ابن الزبير زاد في طولها إلى السماء حتى صار سبعا و عشرين ذراعا ليتناسب مع عرضها، و جعل لها بابين لاصقين بالأرض من جهتي الشرق و الغرب أحدهما يدخل منه و الآخر يخرج منه، و جعل طول كل منهما أحد عشر ذراعا و جعل لكل منهما مصراعين، و جعل للكعبة أربعة أركان و قد كان لها ركنان فقط الركن الأسود و الركن اليماني، فكانت أركانها الأربعة تستلم في زمانه حتى قتل رضي اللّه تعالى عنه، و جعل لها درجة في بطنها في الركن الشامي من خشب معرجة يصعد فيها إلى ظهرها و حلاها بالذهب، و جعل في سطحها ميزابا يسكب في الحجر، قيل إن ابن الزبير بنى الكعبة بالقصة، بفتح القاف، أي الجص أتى بها من صنعاء، و قيل إنه بناها بالرصاص المذاب المخلوط بالورس: و هو نبت أصفر يزرع باليمن و يصبغ به.

(فإن قيل): لم كانت أركان الكعبة الأربعة تستلم في زمانه، و لم تكن تستلم قبل ذلك و لا بعد وفاته؟

(فنقول و اللّه تعالى أعلم): لما كان بناء قريش لم يتمم على قواعد إبراهيم (عليه السلام) حيث نقصوا من عرض الكعبة من جهة الحجر نحو ستة أذرع لم يستلم‏

215

رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الركنين اللذين من جهة الحجر فلم يستلمها أحد من الصحابة اقتداء به (صلى الله عليه و سلم).

فلما بنى عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما الكعبة على أساس إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليه) رأى باجتهاده و اجتهاد بعض كبار الصحابة الموجودين في زمانه أن يستلموا جميع أركان الكعبة ما دامت أقيمت على قواعد إبراهيم كما كان يتمنى النبي (صلى الله عليه و سلم) بناءها على قواعده.

فلما قتل ابن الزبير رضي اللّه عنهما و هدم الحجاج ما زاده ابن الزبير من الكعبة فبناها على أساس قريش ترك الناس استلام أركانها الأربعة و لازموا استلام الركنين فقط الأسود و اليماني كما كان ذلك في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و لا يزال الناس كذلك إلى أن تقوم الساعة.

هذا ما فهمناه مما ورد في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق بعد قصة مجي‏ء إبراهيم (عليه السلام) بهاجر و إسماعيل إلى مكة و بنائه للبيت الحرام.

فقد جاء فيه أن ابن أبي بكر أخبر عبد اللّه بن عمر عن عائشة رضي اللّه عنهم زوج النبي (صلى الله عليه و سلم) أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: ألم تري أن قومك بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول اللّه ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: لو لا حدثان قومك بالكفر، فقال عبد اللّه بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما أرى أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. اه. فمن قول ابن عمر رضي اللّه عنهما استنتجنا ما ذكر و اللّه تعالى أعلم. و هذا الحديث في صحيح مسلم أيضا في كتاب الحج.

هذا فلما فرغ عبد اللّه بن الزبير من بناء الكعبة خلق جوفها بالعنبر و المسك و لطخ جدارها بالمسك من الخارج من أعلاها إلى أسفلها و سترها بالديباج و قيل بالقباطي، و هي ثياب من كتان تعمل بمصر و كان ذلك اليوم يوما مشهودا لم ير يوم كان أكثر عتقا و لا أكثر بدنة منحورة و لا شاة مذبوحة من ذلك اليوم، و خرج ابن الزبير ماشيا حافيا و خرج معه كثير من قريش مشاة حتى وصلوا إلى مسجد عائشة بالتنعيم فأحرموا بالعمرة شكرا للّه تعالى على ما وفقهم لبناء بيته الحرام على الصفة التي بناها إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

216

و سبب بناء ابن الزبير الكعبة أن رجلا في أيام الحصار أوقد نارا في بعض الخيام المضروبة في المسجد الحرام فطارت شرارة في الخيمة فمشى الحريق حتى أخذ في كسوة الكعبة فاحترقت و احترق الركن الأسود أيضا و ذلك سنة أربع و ستين هجرية.

كيفية بناء الحجاج الثقفي‏

أما الحجاج بن يوسف الثقفي فإنه بعد محاصرة ابن الزبير و قتله كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها و أحدث فيها بابا آخر و استأذنه في رد ذلك على ما كان عليه في الجاهلية فكتب إليه عبد الملك أن يسد بابها الغربي و يهدم ما زاد فيها ابن الزبير من الحجر و يكبسها على ما كانت عليه، ففعل الحجاج ذلك و هدم من الكعبة ستة أذرع و شبرا مما يلي الحجر فقط و بناها على أساس قريش و ترك سائرها لم يحرك منها شيئا و بذلك اتسع الحجر و جعل لها أربعة أركان على هيئة بناء ابن الزبير و سد الباب الغربي الذي في ظهرها و نقص من طول الباب أربعة أذرع و شبرا فصار طوله ستة أذرع و شبرا، و رفع الباب الشرقي عن الأرض و ذلك سنة أربع و سبعين هجرية.

و لا تظنن أن الحجاج حسد ابن الزبير على بنائه الكعبة أو أراد محو آثار بنائه لأنه وقف في وجهه و حاربه كلا، فإن امتداد الأيدي بالتلاعب ببيت اللّه تعالى لن يكون من أحد من المسلمين لغرض نفساني و معاندة لخصم، و إنما إخباره عن بناء ابن الزبير رضي اللّه عنهما للكعبة لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان واجب لأنه نائبه في الحجاز فلا بد أن يخبره بكل ما حدث من الأمور، و يدل على ما ذكر ما جاء في صحيح مسلم في كتاب الحج فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك و يخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك أنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شي‏ء الخ .. فهذه الجملة من الحجاج تدل على حكمه بصواب بناء ابن الزبير الكعبة لكن عبد الملك بن مروان لم يرض بذلك.

فكل شي‏ء فيها من بناء ابن الزبير رضي اللّه عنه إلا الجدار الذي في الحجر فإنه من بناء الحجاج و كذلك ما تحت عتبة الباب الشرقي إلى الأرض و الدرجة الموصلة لسقف الكعبة من داخلها و البابان اللذان عليها هما أيضا من بناء و عمل‏

217

الحجاج، و لقد بقيت الكعبة على عمارة الحجاج إلى زمن السلطان مراد كما سيأتي.

و كان حجر إسماعيل في بناء إبراهيم (عليهما السلام)، و في بناء ابن الزبير صغيرا و مقداره فيهما واحدا أما في بناء قريش و في بناء الحجاج فكان واسعا و مقداره فيهما واحدا بالصفة التي هو عليها اليوم، لأن الحجاج بنى الكعبة بالصفة التي بنتها قريش و هي كانت نقصت من الكعبة من جهة الحجر ستة أذرع و شبرا و بذلك اتسع الحجر.

سبب بناء الحجاج الكعبة

يظن بعضهم أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لم يأمر الحجاج بهدم ما زاده ابن الزبير في الكعبة إلا للخصومة التي كانت بينهما، و لكن هذا الظن ليس في محله، و يبعد على جميع المسلمين و بالأخص أهل القرن الأول الذين هم خير القرون أن تمتد أيديهم إلى بيت اللّه الحرام بالهدم و البناء اتباعا لهوى النفس و نكالا بالخصم، بل إنهم لا يجرؤون على بنائه و تعميره إلا في حالة الاضطرار و النهاية القصوى و بعد الاستشارة و استفتاء العلماء.

و حقيقة الأمر: أن عبد الملك بن مروان ما أمر الحجاج بذلك إلا ظنا منه أن ابن الزبير لما احترقت الكعبة في أيام حصاره هدمها و بناها على حسب رغبته و اجتهاده و يدل على ذلك ما ذكره الإمام الأزرقي في تاريخه فإنه قال: فلما فرغ الحجاج من هذا كله، أي بناء الكعبة وفد بعد ذلك الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي على عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب، يعني ابن الزبير سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها في أمر الكعبة، فقال الحارث: أنا سمعته من عائشة، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول:

قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «إن قومك استقصروا في بناء البيت و لو لا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا منه فإن بدا لقومك أن بينوه فهلمي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة أذرع، و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): و جعلت لها بابين موضوعين على الأرض: بابا شرقيا يدخل الناس منه و بابا غربيا يخرج الناس منه» قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أنا

218

سمعت هذا منها. قال: فجعل ينكت منكسا بقضيب في يده ساعة طويلة ثم قال: وددت و اللّه أني تركت ابن الزبير و ما تحمل من ذلك. انتهى من الأزرقي.

فهذا دليل واضح أن عبد الملك ما كان يعلم أن ابن الزبير بنى الكعبة بموجب الحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي اللّه عنها، فلما ثبت ذلك عنده و تحقق لديه ندم على فعله، فإذا تأملت في الحديث المذكور لمع لك بارق المعجزة النبوية، ففي قوله (صلى الله عليه و سلم) لعائشة: «فإن بدا لقومك أن بينوه فهلمي لأريك الخ ...» معجزة باهرة على أن الكعبة ستبنى بعد وفاته، و في إخباره لها بذلك بالأخص إشارة إلى أن بناءها يكون في حياتها و أن الذي سيبنيها هو من أقاربها فإن عبد اللّه بن الزبير هو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنه و قد تحقق كل ذلك، و كلتا الإشارتين تحققتا بعد موته (صلى الله عليه و سلم) بثلاث و خمسين سنة.

كيفية عمارة السلطان مراد الرابع‏

أما عمارة السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد من سلاطين آل عثمان، فسببها أنه في الساعة الثانية العربية من صباح يوم الأربعاء التاسع عشر من شهر شعبان عام ألف و تسع و ثلاثين نزل مطر عظيم بمكة المكرمة و ضواحيها لم يسبق له نظير، فدخل السيل المسجد الحرام و وصل إلى ارتفاع مترين عن قفل باب الكعبة، و في عصر اليوم التالي أي يوم الخميس سقط الجدار الشامي من الكعبة بوجهيه و انجذب معه من الجدار الشرقي إلى حد الباب الشامي و لم يبق سواه و عليه قوام الباب، و من الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس و من هذا الوجه الظاهر فقط منه نحو الثلثين و بعض السقف و هو الموالي للجدار الشامي.

و يقول محبنا و جارنا المؤرخ الثقة الشيخ عبد اللّه الغازي الهندي المكي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه: و هذا الذي سقط من الجانب الشامي هو الذي بناه الحجاج الثقفي و سقطت أيضا درجة السطح. اه كلامه، فقوله هذا صحيح مطابق للحقيقة.

ثم أمر السلطان مراد (رحمه اللّه تعالى) ببناء الكعبة المشرفة فتم بناؤها في شهر رمضان سنة أربعين و ألف على صفة بناء الحجاج (رحمه اللّه تعالى)، فعمارة السلطان مراد للكعبة هي العمارة الأخيرة إلى يومنا هذا.

219

و اعلم أن بين بناء إبراهيم (عليه السلام) الكعبة و بين بناء قريش (2645) ألفي سنة و ستمائة و خمسا و أربعين سنة، كما نقله البخاري في تاريخه عن الحلبي.

أما بين بناء قريش و بين بناء ابن الزبير، فاثنتان و ثمانون سنة، و بين بناء ابن الزبير و عمارة الحجاج الثقفي عشر سنين، و بين عمارة الحجاج و عمارة السلطان مراد تسعمائة و ست و ستون سنة.

و من أراد الوقوف على تفاصيل عمارات الكعبة كلها فليراجع كتب التاريخ، فإننا لم نذكر هذه الخلاصات لبعض العمارات إلا للمناسبة.

220

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين (و بعد) فيقول محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود الكردي المكي الخطاط كاتب مصحف مكة المكرمة و واضع التفسير المكي غفر اللّه تعالى له و لوالديه و للمسلمين كافة، أنه لما كانت الأنفس المهذبة تميل عادة إلى الشعر، و تستحلي سماع القريض و إنشاده خصوصا ما كان منه سهلا مستملحا فقد عملنا منظومة لطيفة في صفة أشهر البنايات للكعبة المعظمة، و أشهرها خمسة و هي:

1- بناية خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام.

2- بناية قريش.

3- بناية عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما.

4- بناية الحجاج بن يوسف الثقفي.

5- بناية السلطان مراد خان الرابع من سلاطين آل عثمان.

ثم أضفنا إليها ما وقع في زماننا هذا من تجديد سقفي الكعبة المعظمة «الأعلى و الأدنى» و ترميمها من الداخل و الخارج، و كان ابتداء العمل في بيت اللّه الحرام في اليوم الثامن عشر من شهر رجب سنة (1377) ه ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، و ذلك تنفيذا لأمر حضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم، الملك سعود بن عبد العزيز الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية وفقه اللّه تعالى و أعزه، حيث بلغه حصول تصدع في سقفي الكعبة المشرفة و خلل في أعواد السقفين، فأمر بتشكيل هيئة علمية مضافا إليها بعض المهندسين المعمارين، و بعد رفع القرار منهم لجلالته بضرورة المبادرة للإصلاح و آرائهم في طريقة العمل.

أمر جلالته حفظه اللّه تعالى وزير الدولة الشيخ محمد عوض بن لادن بتنفيذ القرار المشار إليه بجد و إخلاص، فباشرنا هذا العمل المبرور بهمة و نشاط ليلا و نهارا، و قد كان الناس من أهل مكة و غيرهم من المقيمين بها يبادرون في خدمة بيت اللّه الحرام بنقل الحجارة و رفع التراب و الأخشاب، بإخلاص عظيم و فرح كبير، مسبحين و مهللين و مكبرين في غدوهم و رواحهم.

و لقد تشرف صاحب هذه المنظومة محمد طاهر الكردي الخطاط و ولده عبد الرحمن الكردي بالخدمة و البناء قليلا في الكعبة المطهرة، و بالوقوف على العمل‏

221

فيها يوما فيوما حتى انتهاء العمارة، كما فصلنا بيان كل ذلك في كتابنا «التاريخ القويم لمكة و بيت اللّه الكريم» الذي سنطبعه قريبا إن شاء اللّه تعالى.

و كان انتهاء العمل في الكعبة المشرفة تماما في اليوم الثامن و العشرين من شهر شعبان من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية. و بمناسبة الانتهاء من عمارة سقفي الكعبة المشرفة، ما عدا بعض الأعمال الخفيفة، دعا مليكنا «سعود» حفظه اللّه تعالى، سفراء و وزراء الدول العربية و الإسلامية لحضور الاحتفال بانتهاء العمل في الكعبة المعظمة.

و في صباح يوم الأحد الثاني عشر من شعبان من السنة المذكورة حضر إلى المسجد الحرام مليكنا المعظم «سعود» و بصحبته جمع كبير من العلماء و الأمراء و الوزراء و السفراء و كثير من أهل مكة و غيرهم، فدخلوا الكعبة المعظمة وصلوا فيها و كل واحد دعا ربه بما أراد و أحب، و قد عطر مليكنا، حفظه اللّه تعالى، و الحاضرون جدران الكعبة بالعطر الأصلي الغالي، ثم ألقى مليكنا أدام اللّه توفيقه خطبة قصيرة من جوف الكعبة حمد اللّه و أثنى عليه على ما وفقه لعمارة بيته الحرام، و قد تشرف صاحب هذه المنظومة و مؤلفها بتعطير جدار الكعبة، شرفها اللّه تعالى، و كان يقرأ في جوف الكعبة مدة وجود الناس بها في هذا اليوم في ميكروفون الإذاعة بعض الآيات القرآنية المناسبة للمقام مع التسبيح و التهليل و التكبير. و الحمد للّه رب العالمين.

و يظن بعض الناس أنه حصل في جدران الكعبة المشرفة تصدع و تشقق و خلل، كلا إن جدران الكعبة مبنية بالحجارة القوية الصماء المأخوذة من جبال مكة المشرفة، قد يبلغ طول بعض حجارتها مترا واحدا مع العرض المناسب، و بعضها أقل من المتر، كما بينا ذلك في تاريخنا المذكور، بل لقد بينا عدد ما يوجد في بناء جدران الكعبة من الحجارات من الجهات الأربعة. إن بناء جدران الكعبة المعظمة قوية متينة إلى أقصى حد، إن بناءها سيبقى و يدوم، إن شاء اللّه تعالى، إلى ألف سنة. و هذا البناء الحالي الموجود اليوم هو بناء السلطان مراد خان الرابع أحد سلاطين آل عثمان الأتراك، (رحمه اللّه تعالى) و أجزل أجره و ثوابه، بناها في سنة (1040) ألف و أربعين هجرية حينما سقطت الكعبة بسبب السيل العظيم الذي دخل المسجد الحرام، كما بينا كل ذلك بالتفصيل التام في تاريخنا المذكور.

إن بناية الكعبة الحالية لا يؤثر فيها ضرب المدافع.

222

نسأل اللّه تعالى أن يتقبل من جلالة مليكنا المعظم هذا العمل الجليل و أن يعمر قلبه بالإيمان و التقوى، كما نسأله عز شأنه أن يجعل هذا العمل المبرور فاتحة خير و يمن و أمن و رخاء علينا و على كافة البلاد الإسلامية بفضله و رحمته آمين.

و نسأله و هو أكرم مسؤول أن لا يشقينا بعد أن أسعدنا بخدمة بيته المطهر، و أن يجعلنا مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا، بفضله و عظيم رحمته آمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد أبي القاسم الأمين و على آله و صحبه أجمعين.

في 18 شعبان سنة 1386 ه.

أول كانون الأول سنة 1966 م‏

المؤلف محمد طاهر الكردي المكي الخطاط بوزارة المعارف و عضو اللجنة التنفيذية لعمارة الكعبة و توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة

منظومة في صفة أشهر بنايات الكعبة

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي هدانا* * * حمدا يوافي نعما أولانا

نشكره شكر الذليل المفتقر* * * إلى العزيز و الغني المقتدر

سبحانه جل تعالى اللّه‏* * * من التجا إليه لا ينساه‏

ثم صلاته مع السلام‏* * * على النبي و آله الكرام‏

(و بعد) هذي نبذة لطيفه‏* * * و طرفة بديعة ظريفه‏

في صفة البنا لبيت اللّه‏* * * تعظيمه فرض بلا تناهي‏

كنا طبعنا هذه المنظومه‏* * * ثم أعدنا طبعها منظومه‏

من بعد أن زدنا عليها نظما* * * ببعض أبيات تزيد الفهما

و قد جعلنا حجمها صغيرا* * * لكن حوت من أمرها كثيرا

و ما رأينا في بناء الكعبة* * * منظومة تكون كالقلادة

223

فنحمد اللّه على التوفيق‏* * * فقد أرانا مسلك الطريق‏

***

إيماننا أقوى من الصخر الأصم‏* * * يعجز عن تعبيره جري القلم‏

فالقلب عامر بذكر اللّه‏* * * و الفكر سابح بآي اللّه‏

تحدثا بنعمة اللّه لنا* * * لقد ذكرنا ما تراه علنا

و نستعيذ اللّه من شر الحسد* * * و غمز ناقد و نافث العقد

نسأله زيادة التوفيق‏* * * حتى نجوز كامل الطريق‏

أعني الصراط المستقيم إذ ورد* * * في أول القرآن نعم ما ورد

فمن هداه اللّه للصراط* * * كان سعيدا وافر النشاط

ما أحسن الإيمان و التوفيقا* * * و العلم و اليقين و التحقيقا

فالعالم العامل مجلى الظلم‏* * * و العلم نور من أجلّ النعم‏

و أن نكون في نشاط مستمر* * * لطاعة اللّه العزيز المقتدر

و قوة خارقة للعاده‏* * * حتى نؤدي واجب العباده‏

عساه أن يقبلنا بفضله‏* * * و أن يثيبنا بجود بذله‏

فإنه رب عظيم الشان‏* * * كثير عفو واسع الإحسان‏

فكيف لا نحسن ظننا به‏* * * و اللّه عند ظن عبده به‏

و هل لنا رب سواه نلجأ* * * إليه- كلا- إليه نلجأ

سبحان من أطعم عبده و لا* * * يطعمه العبد، فجل و علا

فهو الذي أنفق ما أنفقه‏* * * مذ خلق الكون، فما أخلقه‏

ما نقص الإنفاق شيئا منه‏* * * و الخير و الرزق جميعا منه‏

هل يعقل النقص لمن يقول‏* * * للشي‏ء «كن» فجل من يقول‏

سبحانه المهيمن الرزاق‏* * * الملك العظيم و الخلاق‏

فالحمد اللّه الذي هدانا* * * لدينه الحق، فقد أنجانا

من ظلمات الجهل و الضلال‏* * * و زادنا في العلم و النوال‏

*** أسماء من بنى الكعبة

لقد بنى بيت الإله الأكرم‏* * * عشر و واحد مضوا من قدم‏

ملائك الرحمن، ثم آدم‏* * * ثم ابنه شيث، كما قد يعلم‏

ثم خليل اللّه إبراهيم‏* * * صلاتنا عليه و التسليم‏

224

كذا العماليق، و أيضا جرهم‏* * * ثم قصي، فقريش، يفهم‏

و ابن الزبير، و كذا الحجاج‏* * * و في مراد الرابع، انبلاج‏

لم يبن بيت اللّه غير من ذكر* * * أسماؤهم معروفة لم تستتر

هذا الذي روى لنا التاريخ‏* * * و نحن نروي ما روى التاريخ‏

و العلم عند اللّه سبحان الذي‏* * * نعم النصير و هو خير منقذ

***

لقد ذكرنا نحن في تاريخنا* * * بيان وصف ما بنوه من بنا

مفصلا بناء كل منهم‏* * * فانظره فيه فهو حقا مغنم‏

لأنه «تاريخنا قويم»* * * محرر منقح فخيم‏

لكن هنا اقتصرنا الوصفا* * * لخمسة من البناء قطفا

لأنها شهيرة في الكتب‏* * * فائقة الوصف بغير حجب‏

ثم أضفنا حادث التجديد* * * لسقف بيت ربنا الحميد

في عصرنا هذا و شاهدناه‏* * * و قد خدمناه، تعالى اللّه‏

فخذ إليك وصف ما ذكرنا* * * من البنايات لتروى عنا

صفة بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام الكعبة

قد أمر اللّه الخليل بالسفر* * * من زوجه «سارة» دفعا للضرر

سافر إبراهيم بإسماعيلا* * * و أمه «هاجر» كن نبيلا

أتى إلى مكة من بلاده‏* * * و ذا قضاء اللّه في مراده‏

على البراق ركبوا يدلهم‏* * * جبريل للطريق إذ يؤمهم‏

وضعهم مكان بيت اللّه‏* * * ممتثلا دوما لأمر اللّه‏

يقول ربي إنني أسكنت‏* * * ذريتي و ههنا وضعت‏

فالطف بهم و أجمعهم بالناس‏* * * لتذهب الوحشة باستئناس‏

و ارزقهم من ثمرات الروض‏* * * ليشكروا رب السما و الأرض‏

و بعد ذا عاد إلى بلاده‏* * * يرشده اللّه إلى سداده‏

لم يكتشف قبل خليل اللّه‏* * * مكة فافهم يا رفيع الجاه‏

***

ترك هاجر و إسماعيلا* * * بمكة قاما بها نزيلا

و كان عندهم جراب تمر* * * و قربة الماء بهذا القفر

و ليس في مكة أنس و بشر* * * في ذلك العصر و لا فيها أثر

225

لماء أو بناء أو حيوان‏* * * و ذاك تقدير من الرحمن‏

إلا عضاة الشوك في واديها* * * تسقى من الأمطار في ناديها

و الشوك و السعدان فيها يكثر* * * ليومنا هذا بها منتشر

و حيث أن الماء منها قد نفد* * * و عطش إسماعيل حتى ما رقد

و وصلت حالته للموت‏* * * و أمه قد حكمت بالفوت‏

فقد سعت بين الصفا و المروه‏* * * لسبع مرات، لها من حكمه‏

عسى ترى شخصا لديه الماء* * * أو مطرا يأتي به السماء

فسمعت صوتا فقالت أسمع‏* * * صوتك فأدركني عساك تنفع‏

فجاء جبريل لها و ضربا* * * برجله الأرض لكيما تشربا

فنبعت زمزم فوق الترب‏* * * ثم أحاطتها بجمع الترب‏

خوف انسياب الماء فوق الأرض‏* * * فوقفت مكانها «كالحوض»

لو أنها قد تركتها تجري‏* * * كانت معينا كالعيون تجري‏

كما أتى ذلك في الحديث‏* * * من قول خير الرسل المبعوث‏

فشربت مع ابنها و رويت‏* * * و شكرت خالقها و قويت‏

و بعث اللّه إليها نفرا* * * من جرهم كيما يقيموا زمرا

نشأ إسماعيل فيما بينهم‏* * * يخرج للصيد دواما معهم‏

ثم تزوج لديهم فافهم‏* * * برعلة بنت مضاض الجرهمي‏

جاءته باثني عشر ابنا و هم‏* * * تناسلوا و كثروا و حكموا

فعمرت مكة من ذاك الزمن‏* * * و أصبحت «أم القرى» نعم الوطن‏

صارت شهيرة لدى الأجناس‏* * * يؤمها للحج كل الناس‏

فيها من الخيرات و الأرزاق‏* * * و النعم العظمى من الرزاق‏

و كل ذا من دعوة الخليل‏* * * كما هو الصريح في التنزيل‏

***

ثم أتى إبراهيم للزيارة* * * عدة مرات فخذ أخباره‏

كيما يرى ولده الحبيبا* * * إن النجيب ينجب النجيبا

ثم أتى إليه أمر اللّه‏* * * أن يبني الكعبة بيت اللّه‏

قد بوأ اللّه له مكانه‏* * * فقر عينا إذ رأى إحسانه‏

فقام بيني بيته الحراما* * * ثم دعا لحجه الأناما

ساعده في ذاك إسماعيل‏* * * و هو النبي الصادق النبيل‏

226

و الحجر الأسود فيه وضعا* * * في ركنه المعروف خيرا صنعا

حتى إذا طال به الجدران‏* * * و ما أتم حده البنيان‏

قام على المقام و هو ارتفعا* * * به، فأكمل البنا و أبدعا

و رسخت قدمه على الحجر* * * ليومنا هذا يرى فيه الأثر

و كل ذا معجزة الخليل‏* * * مكرمة من ربنا الجليل‏

لم يبن بالطين و لا بالجص‏* * * و إنما بالرضم جافي القص‏

***

و بعد أن تم له البناء* * * و قد بدا للكعبة البهاء

و النور و الطهر مع الجلال‏* * * طافوا به كأمر ذي الجلال‏

أذن في الناس أذان الحج‏* * * فالمسلمون بادروا للحج‏

ليشهدوا منافعا و ليوفوا* * * نذورهم و حوله يطوفوا

و من يعظم حرمات اللّه‏* * * فإن ذاك من تقي الإله‏

و إن جبريل الأمين ذهبا* * * مع الخليل إبراهيم المجتبى‏

إلى المشاعر العظام كي يرى‏* * * مناسك الحج فيتبعه الورى‏

و في البخاري جاء بالتفصيل‏* * * بناء بيت ربنا الجليل‏

تراه في كتاب بدء الخلق‏* * * فانظره و اتبع طريق الحق‏

بناه حسب ما بناه آدم‏* * * فكم به طافت قديما أمم‏

بناه بالرضم بغير طين‏* * * و قد أتى تعظيمه في الدين‏

حفر في باطنه خزانه‏* * * لكل ما يهدى له صيانه‏

و جعل الحجر إلى جانبه‏* * * مدورا كما هو الآن به‏

و جعل الباب بلصق الأرض‏* * * و قاسه بالطول ثم العرض‏

و ما له سقف و لا ميزاب‏* * * و لا له باب و لا بواب‏

***

و اعلم بأن اللّه جل شأنه‏* * * أكرم بيته و أعلا شأنه‏

من سالف العصور و الأزمان‏* * * حتى تقوم ساعة الزمان‏

أحاطه بأروع الأسرار* * * و حفه بالعز و الإكبار

و خصه بهيبة و عظمه‏* * * ما للملوك مثله من عظمه‏

و جاء في الحديث ما معناه‏* * * ينزل اللّه تعالى اللّه‏

لبيته المحفوف بالكرامه‏* * * في كل يوم بل و كل ليله‏

227

عشرين رحمة مضافا لمائه‏* * * ينالها قوم هم خير فئه‏

منقسم للطائفين نصفها* * * و للمصلين يخص ثلثها

و الناظرون البيت يأخذونا* * * عشرين و هو سدسها يقينا

فكيف و هو قبلة الأنام‏* * * و مركز الإيمان و الإسلام‏

فبيت ربي قائم العماد* * * إليه ترنوا أعين العباد

*** انظر: صورة رقم 79، باب غرفة بئر زمزم‏

و صورة رقم 80، الحجر الأسود حينما قلعنا عنه الطوق الفضي القديم‏

و صورة رقم 81، المؤلف يريد تقبيل الحجر الأسود

و صورة رقم 82، مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

صفة بناء قريش الكعبة قبل بعثة النبي (صلى الله عليه و سلم) بخمس سنين‏

و قبل بعثة النبي قد بنت‏* * * قريش الكعبة حين و هنت‏

فجمعوا من أطيب الأموال‏* * * حتى يقيموها من الحلال‏

و جنبوها كل مال خبثا* * * من شبهة أو غيرها ملوثا

فلا ربا فيه و لا ما جمعا* * * من ميسر أو مهر بغي وضعا

فانظر إلى فعل قريش و هي في‏* * * جهالة ففضلهم لا يختفي‏

و بعد جمعهم لمال طيب‏* * * من خير كسب و حلال طيب‏

قاموا إلى بنائها و شمروا* * * عن ساعد الجد بخير ظفروا

فنقّصوا من الأساس الأول‏* * * جدارها الشامي بغير جدل‏

فاتسع الحجر بذاك النقص‏* * * و كان قبل ضيقا كالخرص‏

و جعلوا ارتفاعها إلى السما* * * و رفعوه ضعف ما تقدما

و عملوا أيضا لها ركنين‏* * * كسابق العهد بغير مين‏

و قد أداروا حائطا بالحجر* * * مدورا مكللا بالطهر

و سقّفوها خشبا ملائما* * * و وضعوا داخلها دعائما

ست دعائم على صفين‏* * * مذكورة حقا بدون مين‏

و عملوا الدرج من داخلها* * * ليصعد الناس بها لسطحها

و ركّبوا الميزاب فوق السطح‏* * * مصبه في الحجر خوف النضح‏

228

و رفعوا الباب عن الأرض كما* * * تراه في زماننا معلما

و كان مصراعا بدون شك‏* * * فافهم و قاك اللّه عيش الضنك‏

ثم كسوها كسوة جميله‏* * * لائقة فازوا بذي الفضيله‏

و حضر البناء سيد البشر* * * مستسهلا في كتفه حمل الحجر

فرفع الركن إلى محله‏* * * بيده و قد رضوا بحله‏

صلى عليه ربنا و سلما* * * ما دامت الأرض و ما دام السما

و في البخاري و مسلم ورد* * * بنا قريش فاحفظن ما ورد

*** صفة بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما الكعبة

و ابن الزبير بعدهم بناها* * * حين وهت وضعفت قواها

على أساس ما بنى الخليل‏* * * حيث له قد ثبت الدليل‏

في عام أربع و ستين بنى‏* * * و شكر اللّه على هذا البنا

و ستر الكعبة بالأخشاب‏* * * عند البنا فجاء بالصواب‏

فزادها طولا إلى السماء* * * سبعا و عشرين بلا امتراء

و جعل الأركان فيها أربعه‏* * * كانت إلى مماته مستلمه‏

و وضع الميزاب فوق سطحها* * * موضعها الأول من مصبها

يصعد فوق سطحها بالدرجة* * * عملها من خشب معرجه‏

و جعل البابين مصراعين‏* * * كليهما بالأرض لاصقين‏

***

فبابها الشرقي للدخول‏* * * و بابها الغربي للأفول‏

و أنه جعل في باطنها* * * أعمدة ثلاثة تحملنها

فلا تزال هذه داخلها* * * ليومنا هذا على محلها

عطرها بعنبر و مسك‏* * * داخلها و خارجا بالمسك‏

ثم كساها كسوة معتبرة* * * لائقة بالكعبة المطهره‏

و هللوا و كبروا تكبيرا* * * و أعتقوا و نحروا كثيرا

و خرجوا لمسجد التنعيم‏* * * لعمرة تكملة النعيم‏

هذا البنا ثم بناء الثقفي‏* * * قد وردا في (مسلم) فاستكشف‏

ففي «كتاب الحج» جا وصفهما* * * و جاء في التاريخ أيضا فافهما

***

229

صفة بناء الحجاج بن يوسف الثقفي الكعبة

ثم بناها الثقفي الحجاج‏* * * بينهما قد وقع اللجاج‏

بأمر عبد الملك المروان‏* * * فقام بينيها بلا توان‏

فهدم الجدار صوب الحجر* * * ثم بناها كقريش فادر

فاتسع الحجر كما قد كانا* * * و وسع الناس به مكانا

و سد بابها الذي في ظهرها* * * و رفع الباب الذي في وجهها

أبقى لها الأركان لم يغيرا* * * أربعة كانت و ما زالت ترى‏

و قد بنى في بطنها ذاك الدرج‏* * * بحجر و ليس فيه من حرج‏

بنيانه كان لعام أربع‏* * * من بعد سبعين فأرخ و اسمع‏

ثم ابن مروان لهدمها ندم‏* * * بعد دليل ابن الزبير أن علم‏

صفة بناء السلطان مراد خان الرابع الكعبة و هو البناء الحالي الموجود اليوم‏

و آخر البناء جاء بالوصف‏* * * في عام أربعين بعد الألف‏

بسبب السيل الذي قد دخلا* * * للمسجد الحرام حتى وصلا

لقفل باب الكعبة المشرفة* * * فوقعت منها الجدار متلفه‏

فقام بالتعمير سلطان الورى‏* * * مراد بن أحمد فحررا

من آل عثمان الكرام النجبا* * * فقد روى التاريخ عنهم عجبا

و ستروها بستارة الخشب‏* * * عن أعين الناس و ذا عين الأدب‏

حتى إذا ما تمت العماره‏* * * قاموا برفع خشب الستاره‏

فكان ما بناه وفق ما بنى‏* * * الثقفي الحجاج فازا بالمنى‏

من غير ما زيادة أو نقص‏* * * روى لنا التاريخ ذا بالنص‏

و منذ ذاك العصر حتى يومنا* * * ما قد جرى شي‏ء لبيت ربنا

إلا باصلاح و بالترميم‏* * * يا فوز من عمر بالتكريم‏

أحاطه اللّه بثوب العظمه‏* * * و قد حمى حدوده و حرمه‏

فهذه خلاصة مختصره‏* * * جاءتك في منظومة مسطره‏

تنبيك عن بناء بيت اللّه‏* * * قرة عين المؤمن الأواه‏

و من أراد أن يرى التفصيلا* * * بنفسه و يحفظ المنقولا

230

فليقرأ التاريخ حتى ينظرا* * * بعينه على الذي قد غبرا

***

و الحمد للّه الذي وفقنا* * * لوضع «تاريخ قويم» حسنا

تاريخ «مكة و بيت اللّه»* * * محرر الضبط به نباهي‏

فلم يؤلف مثله تاريخ‏* * * منقح فيا له تاريخ‏

فيه من الأبحاث و الأخبار* * * ما فيه فاشكر نعمة الغفار

تحدثا نقول هذا بالنعم‏* * * فالشكر للّه يزيد في النعم‏

***

فالبلد الأمين أعني «مكه»* * * أم القرى و قد يقال «بكة»

أجدر ما يخدم من بلاد* * * لأنها شريفة التلاد

قد اعتنى بها كثير الناس‏* * * من خلفا و من ملوك الناس‏

و كيف لا، و من أتاها أمنا* * * و من أقام مخلصا نال المنى‏

فبيت ربنا عظيم القدر* * * و نوره سار كضوء البدر

قد وضع اللّه من الأسرار* * * فيه فلا تخفى على الأبرار

أحاطه بالبر و الإجلال‏* * * و كيف و هو بيت ذي الجلال‏

من جاءه و كان حقا مؤمنا* * * باللّه و الرسول كان آمنا

و الحسنات عنده بالضعف‏* * * و اللّه يعطي من يشاء بالألف‏

فهو الكريم الواسع الإحسان‏* * * ذو الطول و الفضل عظيم الشان‏

لا يقنط المذنب من رحمته‏* * * لا يكتفي الغني من نعمته‏

سبحانه من خالق عظيم‏* * * جل تعالى اللّه من حليم‏

من سلم الأمر إليه سلما* * * و من دعاه مخلصا ما ندما

*** انظر: صورة رقم 83، الكعبة المشرفة و حولها ألوف المصلين‏

بيان ما وقع من العمارة في الكعبة المشرفة في عصرنا الحاضر و ذلك في عام (1377) من الهجرة

باسم الإله الخالق العظيم‏* * * تبارك اسم ربنا الكريم‏

من استوى في عرشه كما استوى‏* * * من غير بحث لا و لا كيف استوى‏

ثم صلاة اللّه و السلام‏* * * على الذي أرسله السلام‏

نبينا «محمد» ما ساء قط* * * من الذي عليه جبريل هبط

231

و آله و صحبه الكرام‏* * * ذوي التقى و قادة الأنام‏

***

(و بعد) هذا رجز منظوم‏* * * موضح بيانه مفهوم‏

يبحث عن مسألة التجديد* * * لسطح بيت ربنا المجيد

بيت عتيق طاهر الأركان‏* * * بناه إبراهيم خير بان‏

صلى عليه اللّه ما دام البنا* * * و طاف طائف حوالي البنا

و حيثما كان البنا من البشر* * * بالطين و النورة و الما و الحجر

لا بد أن يحدث فيه الخلل‏* * * و الضعف فالاصلاح حتما أفضل‏

فلو أراد اللّه ذو الجلال‏* * * لبيته المحفوف بالجلال‏

أن لا تمسه أيادي البشر* * * و لا تضره سيول المطر

جعله من معدن تخين‏* * * أو لؤلؤ أو جوهر ثمين‏

لكنما عادات دنيانا لها* * * قواعد تسير في نظامها

***

فبيت ربي حف بالأسرار* * * و بالبها و وافر الأنوار

قد ابتناه أمم و عمروا* * * و أصلحوا خرابه و اعتمروا

عدة مرات كما تقدما* * * بيانها فاحفظه كيما تغنما

من ذاك ما وقع في زماننا* * * تجديد سقف البيت حيث و هنا

فاجتمع الناس مع العمال‏* * * و صعدوا فوق السطوح العالي‏

لبيت رب العزة العظيم‏* * * الملك القدوس، الرحيم‏

بعد صدور الأمر بالتعمير* * * بوافر الأجرة للأجير

من المليك الصالح الكريم‏* * * (سعود) ذي الخيرات و التفخيم‏

فنفذ الأمر الكريم العالي‏* * * «محمد بن لادن» المفضال‏

في صبح يوم الجمعة الثامن عشر* * * من رجب الفرد و في عام أغر

سبع و سبعين و ثلثمائة* * * و ألف عام عدها و أثبت‏

فبعد وضعهم ستارة الخشب‏* * * على جوانب البيت و ذاك في رجب‏

حالا أتى «الأمير فيصل» الذي‏* * * ولي عهد للبلاد الجهبذ

بدأ بالهدم قليلا فنزل‏* * * و ترك الناس يتمون العمل‏

فأهل مكة و أهل مصر* * * و غيرهم فاعلم بدون حصر

قاموا بكشف السقف و الأطراف‏* * * مما يلي جدرانه اللطاف‏

232

و قلعوا حجارة الرخام‏* * * و كشفوا الأخشاب بالتمام‏

و اشتغلوا بهمة و عزم‏* * * و نية صادقة و حزم‏

و ذكرهم كلمة الشهادة* * * بأدب فنعم هذي العاده‏

***

و بعد ذاك وضعوا الأعواد* * * للسقف الأعلى راقبوا السداد

تعداده إحدى و عشرون أتى‏* * * عودان أيضا في الجدار ثبتا

تمتد بين الجدر الشرقي‏* * * و بين جدر الكعبة الغربي‏

ثم أتوا بخشب الألواح‏* * * و فرشوا فوقها يا صاح‏

و سمك كل لوحة من الخشب‏* * * مقدار بوصتين يا أخا العرب‏

و فوق ذاك فرشوا المشمعا* * * و فوقه قماش قلع وضعا

و فوق هذا القلع رمل مختلط* * * بنورة محبوكة و منضبط

و فوق هذا وضعوا الآجرا* * * قوالبا قوالبا محصورا

أتوا بطوبه من «العاقول»* * * مما يلي مدينة «الرسول»

و فوق الآجر أتوا بالطين‏* * * مختلطا بالنورة الثخين‏

و فوقه حجارة الرخام‏* * * ناصعة البياض كالغمام‏

وصب بينها الرصاص الذائب‏* * * يبقى كما شاء الإله الغالب‏

***

و السقف الآخر أزالوا خشبه‏* * * حيث رأوا قدمه و عطبه‏

أعواده ثلاثة غلاظ* * * نذكرها ليفهم الحفاظ

عودان منها صالحان للبقا* * * و الثالث التالف إذ تشققا

و ذا هو العود الذي في الوسط* * * فاعرف مكانه بدون غلط

فأبدلوا هذا بعود صلب‏* * * عود غليظ و قوي صعب‏

تمتد هذي كامتداد الأولى‏* * * بين الجدارين ترى موصولا

و فوقها قد فرشوه بالخشب‏* * * نظيفة مرصوفة جنبا لجنب‏

و ليس في خشب هذا السقف‏* * * طين و لا طوب فهذا وصفي‏

سببه وقوع ماء المطر* * * للسقف الأعلى لا لهذا فأشكر

و دهنوا السقفين بالقطران‏* * * للحفظ من سوس و من ديدان‏

ثم أعادوا دهنه بالبوية* * * بيضاء مثل القطن أو كالشمعة

233

في يوم الاثنين لعشرين رجب‏* * * وزده واحدا ترى فيه العجب‏

اشتغل العمال بالتنقيل‏* * * حبا لبيت ربنا الجليل‏

فعملوا من الجهات الأربعه‏* * * طائفة طائفة موزعه‏

من خارج البيت من الجدران‏* * * من سطحه للأرض خذ بياني‏

فنقبوا بين الحجار ما و هى‏* * * من التراب و الحصا حتى استوى‏

فملأوا الفراغ باللاقونه‏* * * و الجص و الرمل كذاك النوره‏

حتى أتموا سائر الجهات‏* * * فرجعوا بوافر الهبات‏

***

ثم أتوا بعد صلاة الجمعة* * * ثالث شعبان لجوف الكعبة

قاموا يزيلون من الجدران‏* * * الجص و النورة بالإحسان‏

و أخرجوا كل الرخام الدائر* * * بالجدران إذ لها كالساتر

ثم أعادوه كما قد كانا* * * ما غيروا لحجر مكانا

لأن كل ما من البيت خرج‏* * * يصان حتما ليس فيه من حرج‏

و الارتفاع للرخام فأدر* * * ثلاث أمتار و نصف متر

و بعدها إلى علو السقف‏* * * منقل بنورة كالعرف‏

تسع رخامات بها كتابه‏* * * و الباقي موضوع بلا خلابه‏

أما رخام نفس أرض البيت‏* * * ما قلعوه لاستواء السمت‏

لكنهم قد وضعوا رخاما* * * فوق رخام الأرض «استلهاما»

و أصلحوا درجه إصلاحا* * * كيما ينالوا الفوز و الفلاحا

و اشتغلوا بالليل و النهار* * * لسرعة الانجاز و العمار

و دهنوا أخشاب هذا السقف‏* * * ببوية الزيت اعتمد لوصفي‏

و بعد الانتهاء أعادوا كسوته‏* * * من داخل و خارج مثبته‏

و قد أناروا داخلا بالكهربا* * * و الكهربا حديث عهد نصبا

كيما يروا في ضوئها و يعملوا* * * بالجد و النشاط حيث اشتغلوا

فبيت ربي ليس فيه منفذ* * * للضوء غير الباب، نعم المنفذ

و البيت زاهر البها و النور* * * لذكر رب العزة الغفور

و الحق أنه بني بنيانا* * * تقبل اللّه لنا البنيانا

و كان يوم انتهاء الكعبه‏* * * أمنن علينا ربنا بالتوبه‏

ثامن و العشرين من شعبان‏* * * لا تيأسن من رحمة الرحمن‏

234

من بعد ألف و ثلاثمائه‏* * * سبع و سبعين مضت للهجره‏

و جاء للكعبة حتى ينظرا* * * مليكنا و الأمرا و الوزرا

صلوا بها و حمدوا الوهابا* * * و قد دعوا ربهم التوابا

و سبحوا و هللوا و كبروا* * * في جوفها و الجدران عطروا

و خرجوا مستبشرين فرحا* * * كل يهنئ أخاه مرحا

فكان هذا أعظم الأعياد* * * قد عمت الأفراح في البلاد

أقامت الحكومة السنيه‏* * * للناس جمعا حفلة بهيه‏

و أكرمت كل الذين اشتغلوا* * * في بيت رب البيت فيه عملوا

و أجزلت عطاء كل السدنه‏* * * حجاب بيت اللّه نعم السدنه‏

تقبل اللّه الكبير المتعال‏* * * بفضله العظيم خالص الفعال‏

(ختام المنظومة بالدعاء)

يا رب من أخلص للبلاد* * * و خدمة العباد في ذا الوادي‏

وفقه و انصره و شد أزره‏* * * و من نوى الشر احتمله وزره‏

و كل من بغى و من تزندقا* * * حوّله عنا مغربا و مشرقا

و انصر ملوك المسلمين كلهم‏* * * و رؤساءهم و من واصلهم‏

و اهلك طغاة المشركين الكفره‏* * * و من يريدهم فأهلك عسكره‏

يا رب و ارفع راية الإسلام‏* * * على ربوع الأرض بالسلام‏

و انشر على بلادنا الأمانا* * * و الخير و الرخاء و الإحسانا

يا رب أنت المحسن العظيم‏* * * و إنك الرحمن و الرحيم‏

لقد دعوناك و أنت المرتجى‏* * * فاقبل دعا الذي أتاك و ارتجا

و لنختم المنظوم بالصلاة* * * على نبينا الشريف الذات‏

«محمد» من كان يرفع الحجر* * * في كتفيه حجرا بعد حجر

عند بناء البيت في زمانه‏* * * كذا خليل اللّه في أوانه‏

عليهما الصلاة و السلام‏* * * و الأنبياء و هم الكرام‏

و آلهم و صحبهم جميعا* * * و كل من تابعهم مطيعا

انظر: صورة رقم 84، قطعة خطية كتبها مؤلف هذه المنظومة سنة 1357 ه

(ناظم هذه القصيدة)

(و بعد) هذا رجز منظوم‏* * * مستملح مستظرف مفهوم‏

235

في صفة البناء و التعمير* * * لبيت رب العزة الكبير

و إنه نظم عظيم الشان‏* * * بلا مثيل ما له من ثان‏

نظمه طاهر الكردي‏* * * لقبه الخطاط و المكي‏

كتبها بخطه الجميل‏* * * حفظ من حاسده الثقيل‏

يا رب و اغفر لمحمد طاهر* * * و لأبيه و هو عبد القادر

و اغفر لأمه و لبنيه‏* * * و امنحه من فضلك ما يغنيه‏

و استره يا رب و وسع رزقه‏* * * من غير طغيان و حقق عتقه‏

و افتح عليه في العلوم و العمل‏* * * حتى ترى عليه آثار العمل‏

و اجعله ممن قد أقام الشرعا* * * و قد أقام الصلوات جمعا

يا رب من برك لا يستغنى‏* * * أفض على عبدك يا ذا المن‏

من كل خير باطنا و ظاهرا* * * و اجعله في الدارين حقا طاهرا

أعماله من الهوى مجرده‏* * * يرجو من اللّه بلوغ مقصده‏

و العفو و الراحة عند الموت‏* * * و الرزق و الخير و حسن البخت‏

و الستر و الصحة ثم العافيه‏* * * و نعما و ابلة و وافيه‏

يسأله الثبات جوف القبر* * * و الفوز بالجنة يوم الحشر

و الأمن و الأمان في الدارين‏* * * و اليسر في أموره بالهين‏

و أن يكون قلبه و نفسه‏* * * كاسمه و أن يدوم أنسه‏

و ستر اللّه له عيوبه‏* * * و والديه و عفا ذنوبه‏

و جعل الباقي من حياته‏* * * أحسن ما مر إلى مماته‏

و اختم حياته بخير حال‏* * * يا حي يا قيوم ذا الجلال‏

و اغفر لكل المسلمين ذنبهم‏* * * «يا ربنا» و أصلح لهم أحوالهم‏

فأنت «يا رب» غني عنا* * * و عن جميع الخلق فاعف عنا

و الحمد للّه في البدء و في الختام‏* * * و الشكر للّه على الدوام‏

فكم له من نعم لا تحصى‏* * * تزداد بالشكر كما جا نصا

فهو الكريم المحسن العظيم‏* * * خالقنا الرحمن و الرحيم‏

الملك القدوس و السلام‏* * * المؤمن المهيمن العلام‏

236

و أشرف الصلاة و السلام‏* * * على النبي و آله الكرام‏

«محمد» من لا نبي بعده‏* * * أيده اللّه تعالى وحده‏

فهو الذي أشرقت الدنيا به‏* * * و فاح في الأرجاء عرف طيبه‏

***

قد تمت الرسالة اللطيفه‏* * * منظومة في الكعبة الشريفه‏

نكرر الصلاة و التسليما* * * على النبي و آله تكريما

و الحمد للّه جزيل الحمد* * * رب العباد ذي الثنا و المجد

قد كان نظم هذه «الرساله»* * * بمكة التي بها «الرساله»

في عام ألف و ثلاثمائه‏* * * سبع و سبعين مضت للهجره‏

أبياتها خمس و خمسون و زد* * * فيها ثلاثمائة عدا تجد

إلى هنا منظومتي قد انتهت‏* * * و صححت أبياتها فانتظمت‏

*** نظم هذه الأرجوزة اللطيفة، محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود الكردي المكي الخطاط كاتب مصحف مكة المكرمة و مؤلف «التفسير المكي» غفر اللّه تعالى له و لوالديه و لجميع المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات آمين.

نظمها بمكة المشرفة في رمضان المبارك بعد الانتهاء من تجديد سقف الكعبة المشرفة. سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين سنة 1380 ه.

الحجر الأسود

الحجر الأسود و يقال له «الركن» باعتبار أنه موضوع في الركن الأهم من البيت الحرام، و هو الركن الذي يبتدئ الطواف منه، و هو الركن الشرقي، و ارتفاعه من أرض المطاف متر واحد و نصف المتر ليتمكن كل إنسان من تقبيله ما عدا الطفل الصغير، و لونه أبيض ما عدا ما يظهر منه فإنه مسود من أثر الحريق الذي وقع في الكعبة في عهد قريش و ابن الزبير، و الذي يظهر منه بعض قطع صغيرة و هو محاط بطوق من الفضة الخالصة السميكة. و طوله نحو ذراع داخل في بنيان الكعبة فما كان داخل البنيان فهو أبيض مورد، و ما ظهر منه من القطع‏

237

المتكسر فهو مسود من الحريق المتقدم. هكذا جاء وصفه في كتاب «الإشاعة لأشراط الساعة» عن محمد بن نافع الذي رآه حينما قلعه القرمطي في سابع ذي الحجة سنة سبع عشرة و ثلاثمائة. بل ذكروا في التاريخ أن مقدار طول الحجر الأسود نصف ذراع بذراع العمل و عرضه ثلث ذراع و نقص منه قيراط في بعضه قالوا لتآكل ذلك منه و سمكه أربعة قراريط و عليه سيور من فضة و في عرضه ثلاثة شطوب مستطيلة. انتهى.

و جاء في تاريخ الأزرقي عند الكلام على بناء ابن الزبير للكعبة، قال عكرمة:

فرأيت الحجر الأسود فإذا هو ذراع أو يزيد. انتهى منه و هذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها.

و جاء فيه أيضا بصحيفة 136 و طول الركن ذراعان قد أخذ عرض جدار الكعبة و مؤخر الركن داخله في الجدر مضرس على ثلاثة رؤوس. قال ابن جريج:

فسمعت من يصف لون مؤخره الذي في الجدر قال بعضهم: هو مورد و قال بعضهم: هو أبيض. اه.

نقول: و الذي يظهر منه الآن في زماننا و نستلمه و نقبله ثماني قطع صغار مختلفة الحجم أكبرها بقدر التمرة الواحدة، تساقطت منه حين الاعتداءات عليه من بعض الجهال و المهووسين في الأزمان السابقة، و قد كان عدد القطع الظاهرة منه خمسة عشر قطعة و ذلك منذ خمسين سنة أي أوائل القرن الرابع عشر للهجرة، ثم نقصت هذه القطع بسبب الإصلاحات التي تحدث في إطار الحجر الأسود، فما صغر ورق حجمه عجن بالشمع و المسك و العنبر و وضع أيضا على الحجر الكريم نفسه، و لقد زاد سواد هذه القطع من كثرة وضع العطورات و الخلوق عليه دائما و أبدا و اللّه تعالى أعلم.

و في زمن ابن جبير الأندلسي أي في سنة (578) كان في الحجر الأسود الكريم أربع قطع ملصقة بسبب قلع القرامطة له و كسره، هكذا مذكور في رحلة ابن جبير.

و أمر الحجر الأسود يرجع إلى عهد إبراهيم الخليل، عليه الصلاة و السلام، فإنه لما كان بيني البيت المعظم و ابنه إسماعيل ينقل له الحجارة على رقبته و يناوله و وصل إلى موضع الركن الأسود، قال إبراهيم لإسماعيل: أبغني حجرا أضعه هاهنا يكون للناس علما يبتدؤون منه الطواف، فذهب إسماعيل يطلب له حجرا و رجع و قد

238

جاءه جبريل بالحجر الأسود، و كان اللّه عز و جل استودع الركن أبا قبيس حين أغرق اللّه الأرض زمن نوح، و قال: إذا رأيت خليلي بيني بيتي فأخرجه له، فقال إسماعيل: يا أبي من أين لك هذا؟ قال: جاءني به من لم يكلني إلى حجرك جاء به جبريل، فلما وضع جبريل الحجر في مكانه بنى عليه و هو حينئذ يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه، فأضاء نوره شرقا و غربا، و يمنا و شاما، فكان نوره يضي‏ء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحي الحرم، و إنما شدة سواده لأنه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية و الإسلام، فإنه احترق باحتراق الكعبة حتى اسود، و توهنت من ذلك الكعبة زمن قريش فقاموا على هدمها و بنائها، ثم احترق أيضا في عصر ابن الزبير رضي اللّه عنهما، باحتراق الكعبة فتفلق ثلاث فلق، فشده ابن الزبير بالفضة حينما بنى الكعبة، فسواده كان من الحريق.

هذا ما ذكره الأزرقي في تاريخه، فيفهم من هذا أن الحجر الأسود لم يكن من جنس حجارة البيت، بل و لا من جنس باقي الحجارات، كما يفهم أيضا مما ذكر من أن اللّه تعالى استودع الحجر الأسود جبل أبي قبيس حينما عم الطوفان الأرض في زمن نوح، عليه الصلاة و السلام. إن الحجر الأسود كان في الكعبة في بناياتها السابقة لبناء إبراهيم، أي في بناء الملائكة و في بناء آدم و في بناء ابنه شيث، عليهم الصلاة و السلام، و على كل حال سواء ثبتت البنايات السابقة المذكورة أم لم تثبت فقد أتى به جبريل عليه الصلاة و السلام من حيث كان.

أصل الحجر الأسود من الجنة

جاء في أول تاريخ الأزرقي عن وهب بن منبه: أن اللّه تعالى لما تاب على آدم عليه الصلاة و السلام، أمره أن يسير إلى مكة فطوى له الأرض و قبض له المفاوز فصار كل مفازة يمر بها خطوة، و قبض له ما كان فيها من مخاض ماء أو بحر، فجعله له خطوة، فلم يضع قدمه في شي‏ء من الأرض إلا صار عمرانا و بركة حتى انتهى إلى مكة، و كان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه و حزنه لما كان فيه من عظيم المصيبة، حتى أن كانت الملائكة لتحزن لحزنه و لتبكي لبكائه، فعزاه اللّه تعالى بخيمة من خيام الجنة و وضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة،

239

و تلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة فيها ثلاثة قناديل من ذهب من تبر الجنة فيها نور يلتهب من نور الجنة و نزل معها «الركن» و هو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة ... إلى آخر كلامه، أي من أرض الجنة.

و جاء فيه من رواية عبد اللّه بن لبيد أنه قال: بلغني أن ابن عباس قال: لما أهبط اللّه سبحانه آدم (عليه السلام) إلى الأرض أهبطه إلى موضع البيت الحرام، و هو مثل الفلك من رعدته، ثم أنزل عليه الحجر الأسود- يعني الركن- و هو يتلألأ من شدة بياضه، فأخذه آدم (عليه السلام)، فضمه إليه أنسا به، ثم نزلت عليه العصا فقيل له: تخط يا آدم، فتخطا فإذا هو بأرض الهند و السند فمكث بذلك ما شاء اللّه، ثم استوحش إلى الركن، فقيل له: احجج، قال: فحج فلقيته الملائكة، فقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. انتهى من تاريخ الإمام الأزرقي.

و قد جاء فيه جملة روايات بهذا المعنى، اكتفينا بما ذكر خوف الإطالة.

و لقد ورد في نزول الركن من الجنة بعض أحاديث نسردها هنا و هو: روى الترمذي و أحمد و الحاكم و ابن حبان أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، قال: «إن الركن و المقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس اللّه تعالى نورهما و لو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق و المغرب».

و روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك و النساء عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «الحجر الأسود من الجنة»، و روى أحمد و غيره: «الحجر الأسود من الجنة و كان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك» و روى الطبراني في معجمه الكبير عن ابن عباس «الحجر الأسود من حجارة الجنة و ما في الأرض من الجنة غيره و كان أبيض كالماء و لو لا ما مسه من رجس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا برئ». و روى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عباس «الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة و إنما سودته خطايا المشركين يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه و قبله من أهل الدنيا».

و روى الخطيب بإسناد ضعيف «الحجر يمين اللّه في الأرض يصافح بها عباده». و جاء في تاريخ الأزرقي عن مجاهد أنه قال: «الركن من الجنة و لو لم يكن من الجنة لفني». و جاء فيه أيضا عن عطاء عن ابن عباس، رضي اللّه عنهما، أنه قال: ليس في الأرض من الجنة إلا الركن الأسود و المقام فإنهما جوهرتان من‏

240

جوهر الجنة، و لو لا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه اللّه عز و جل.

و جاء فيه أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: إن اللّه عز و جل يبعث الركن الأسود له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق. و جاء فيه أيضا: عن عبد الملك بن جريج عن أبيه أنه قال: كان سلمان الفارسي قاعدا بين الركن و زمزم و الناس يزدحمون على الركن فقال لجلسائه: هل تدرون ما هو؟ قالوا: هذا الحجر، قال: قد أرى و لكنه من حجارة الجنة أما و اللّه نفس سلمان بيده ليجيئن يوم القيامة له عينان و لسان و شفتان يشهد لمن استلمه بالحق.

و جاء فيه أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

أكثروا من استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا و قد فقدوه إن اللّه عز و جل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة.

و جاء فيه أيضا عن عكرمة قال: إن الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض فمن لم يدرك بيعة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمسح الحجر فقد بايع اللّه و رسوله.

و جاء فيه أيضا عن يوسف بن ماهك قال: قال عبد اللّه بن عمرو: إن جبريل (عليه السلام) نزل بالحجر من الجنة و أنه وضعه حيث رأيتم و إنكم لم تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم فتمسكوا به ما استطعتم فإنه يوشك أن يجي‏ء فيرجع به من حيث جاء به. و في كتاب الإشاعة في أشراط الساعة عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، قال: لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن و المقام و رؤيا النبي في المنام. إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في الركن الأسود.

قال في الجامع اللطيف: معنى كون الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض: أن من صافحه كان له عند اللّه عهد، و قال فيه: و نقل عن المحب الطبري أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبل يمينه فنزل الحجر منزلة يمين الملك و للّه المثل الأعلى.

اه.

على أنه لو لم يرد في الحجر الأسود شي‏ء من الأحاديث، لكفى له شرفا كونه في ركن بيت اللّه المعظم، و إجماع الناس على احترامه و تعظيمه آناء الليل و أطراف النهار جاهلية و إسلاما، و فيه يقول أبو طالب:

241

و بالحجر المسود إذ يمسحونه‏* * * إذا اكتنفوه بالضحى و الأصائل‏

انظر: صورة رقم 85، الحجر الأسود خاليا من الطوق الفضي القديم 1375 ه

فحجر في بيت اللّه الحرام، جاء به جبريل و وضعه إبراهيم الخليل، ثم وضعه خاتم الأنبياء نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) بيده فيه أيضا، و قبله هو و الأنبياء و المرسلون، و الأصفياء و المتقون، و يتمسح به عامة الناس من جميع الأجناس منذ وجوده بالبيت إلى أن تقوم الساعة، لجدير بكل احترام و تعظيم، و تقبيل و تسليم.

على أن هذا الركن الكريم سواء كان من الجنة أو من الأرض، فهو حجر لا يضر و لا ينفع، و ما اكتسب هذا الشرف و الإحترام إلا من الأديان السماوية، و انظر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، كيف يخاطب هذا الحجر الكريم حين تقبيله و يقول: «و اللّه إني لأعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع و لو لا أني رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقبلك ما قبلتك» و في رواية «كان عمر بن الخطاب إذا بلغ موضع الركن قال: أشهد أنك حجر لا تضر و لا تنفع و أن ربي اللّه الذي لا إله إلا هو، و لو لا أني رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يمسحك و يقبلك ما قبلتك و لا مسحتك».

و من الأسرار الدقيقة: أن أهل الجاهلية على كثرة عبادتهم للأحجار و الأصنام لم يرد قط في التاريخ أنهم عبدوا الحجر الأسود أو حجر المقام أو نفس الكعبة.

و نرى و اللّه تعالى أعلم أن ذلك كان لحكمة إلهية جليلة و هي: أن اللّه تعالى لم يقدر في سابق الأزل عبادة هذه الأشياء المقدسة حتى لا تدخل ضمن قوله عز شأنه في آخر سورة الأنبياء: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ* لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ‏ فتأمل.

ثم إن في تقبيل المسلمين و استلامهم للحجر الأسود نقطة دقيقة أخرى و هي:

أن تقع أفواههم موضع فم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و فم الأنبياء الذين قبله، عليهم الصلاة و السلام، و أن تلمس أيديهم ما لمسته أيديهم الشريفة من هذا الحجر المكرم، و أي مسلم إذا خطرت بباله هذه النقطة لا يبادر بتقبيله و استلامه.

قال بعض العلماء المحدثين في هذا المعنى و قد قبل الحجر الأسود مرارا:

242

لدى الحجر المقبل في طواف‏* * * ببيت اللّه نلت لدى دخولي‏

من التقبيل ما أرجو لنفسي‏* * * به أمنا يدوم مع الوصول‏

لتقبيل الرسول له فأعظم‏* * * بشي‏ء مسه بدن الرسول‏

صلاة دائمة عليه‏* * * بها أعطى الفلاح مع القبول‏

ثم للحجر الأسود مغزى خاص و رمز تعبدي، ذلك أن المسلمين إذا أتوا من كل فج عميق لأداء فريضة الحج، فطافوا ببيت اللّه الحرام و اجتمعوا على تقبيل هذا الحجر الأسود، فكأنهم بذلك يبايعون اللّه و رسوله و يقدمون لهما الطاعة و الإيمان بهما، و في هذا نهاية الخضوع و الامتثال.

و أيضا أن في الطواف بالبيت و استلام الركن الأسود، إشعار بالوحدة الإسلامية و استمساك بالرابطة المحمدية، فالمسلمون في حالة البعد يتوجهون في صلاتهم إلى هذا البيت الحرام، و في حالة القرب و الوصول يطوفون حوله يعوذون برب هذا البيت، و يلتفون حول ركنه المنيع، القائم في السلام مقام الراية في الحرب، و لسان حالهم يقول: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏. و ما أجمل و أبهى منظر الطائفين حول البيت الحرام و هم يهللون و يكبرون و يدعون ربهم بنية خالصة و قلب خاشع خاضع، فإنهم و الحالة هذه يشبهون الملائكة الذين يطوفون حول العرش يسبحون بحمد ربهم. فالحمد للّه على نعمة الإيمان و الإسلام و كفى بها من نعمة.

و من أدق الأسرار التي قد تغيب عن الكثيرين: أن بقعة الكعبة و ما حولها من المطاف طاهرا نقيا لا تخلوا لحظة واحدة من ليل أو نهار من العبادة، لا أثر للعصيان و ارتكاب الذنوب في هذه البقعة منذ قديم الزمان جاهلية و إسلاما إلى قيام الساعة، لذلك تفضل على جميع البقاع، فهنيئا لأهلها و لمن وصل إليها و لمن عرف مكانتها و قدسيتها و طهارتها.

243

لون الحجر الأسود

لا يمكن أن نصف لون الحجر الأسود الكريم عن مشاهدة بسبب دخوله الآن في بناء نفس الكعبة المشرفة اللهم إلا ما يظهر لنا اليوم من بعض قطعه و هي سوداء بسبب الحريق الذي أصابه و لكن نصف لونه من الأحاديث الواردة و من ما جاء في التاريخ. أما طوله فقد تقدم عن عكرمة أنه رأى الحجر الأسود في بناء ابن الزبير الكعبة فإذا هو ذراع أو يزيد كما جاء في تاريخ الأزرقي.

أما الأحاديث فقد تقدم جملة منها، و نأتي هنا بحديث واحد فقط و هو يكفي. فقد روى الإمام أحمد و غيره أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: «الحجر الأسود من الجنة و كان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك».

و لا يخفى أنه (صلى الله عليه و سلم) قد رأى نفس الحجر الأسود بأكمله حينما كان يحمل الحجارة على كتفه الشريف عند بناء قريش الكعبة، و هو الذي وضعه في محله بيده الشريفة حينما حكمته قريش في شأن وضعه و رفعه لمحله فحكم بما أرضى الجميع.

و أما التاريخ، فقد جاء في تاريخ الإمام الأزرقي عند بناء ابن الزبير الكعبة عن شرحبيل عن أبي عون عن أبيه قال: رأيت الحجر الأسود قد انفلق و اسود من الحريق فأنظر إلى جوفه أبيض كأنه الفضة. اه. و جاء فيه أيضا عند هذا البناء عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه قالت: كان الحجر الأسود قبل الحريق مثل لون المقام، فلما احترق اسودّ. قال: فلما احترقت الكعبة تصدع بثلاث فرق فشده ابن الزبير بالفضة. انتهى.

و نقول أيضا: أما في زماننا هذا الذي نكتب هذا التاريخ فيه و هو عام (1376) فليس في الحجر الأسود، أي في القطع الصغيرة الظاهرة منه شي‏ء من البياض مطلقا و لا مثقال ذرة، أما ما كان من الحجر الكريم الداخل في بناء الكعبة فهو كله أبيض لا شك فيه ما عدا رأسه فقد اسود من الحريق المتقدم كما هو مذكور هنا. و اللّه تعالى أعلم.

و قال ابن جبير في رحلته التي كانت سنة ثمان و سبعين و خمسمائة عن مشاهدته للحجر الأسود حينما وصل إلى مكة في السنة المذكورة ما يأتي:

و في القطعة الصحيحة من الحجر الأسود مما يلي جانبه الذي يلي يمين المستلم له إذا وقف مستقبله نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة

244

المباركة و في هذه الشامة البيضاء أثر أن النظر إليها يجلو البصر. انتهى كلام ابن جبير (رحمه اللّه تعالى).

و جاء في كتاب «الإشاعة لأشراط الساعة» عند الكلام على قلع القرامطة الحجر الأسود في سنة (317) من الهجرة ما يأتي:

و قال محمد بن نافع الخزاعي: تأملت الحجر الأسود و هو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط و سائره أبيض، و طوله قدر عظم الذراع. اه.

و جاء في الجامع اللطيف لابن ظهيرة القرشي ما يأتي:

قال القاضي عز الدين بن جماعة: و قد رأيته أول حجاتي سنة ثمان و سبعمائة و به نقطة بيضاء ظاهرة لكل أحد، ثم رأيت البياض بعد ذلك قد نقص نقصا بينا.

انتهى.

و قال العلامة ابن خليل المتوفى في منسكه الكبير: و قد أدركت في الحجر الأسود ثلاث مواضع بيضاء نقية في الناحية التي إلى باب الكعبة المعظمة إحداها و هي أكبرهن قدر حبة الذرة الكبيرة، و الأخرى إلى جنبها و هي أصغر منها، و الثالثة إلى جنب الثانية و هي أصغر من الثانية تأتي قدر حبة الدخن ثم إني أتلمح تلك النقط فإذا هي كل وقت في نقص. انتهى بنصه. انتهى من الجامع اللطيف.

نقول: لا يبعد أن يكون نقص بياض النقط التي كان بالحجر الأسود في قول ابن جماعة و ابن خليل تفسيرا لكلامه (صلى الله عليه و سلم) المتقدم «... و كان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك» و اللّه تعالى أعلم.

ذكر صاحب كتاب «تاريخ الكعبة المعظمة» قال: قال ابن علان: و لون ما استتر من الحجر الأسود بالعمارة في جدر الكعبة أبيض بياض المقام يعني مقام الخليل إبراهيم (صلى الله عليه و سلم) و ذرع طوله نصف ذراع بذراع العمل و عرضه ثلث ذراع و نقص منه قيراط في بعضه و سمكه أربعة قراريط و عليه سيور من الفضة واحد من أول ما غاب من رأسه من جهة الباب مستديرا إلى مثله مما يلي الجانب اليماني في وسط سمكه و عليه سيران من فضة محيطان بعرضه إلى طرف السير من الوجه الثاني ... إلى آخر كلامه.

و ابن علان المذكور هو العلامة الشيخ محمد بن علان الصديقي، و كان حاضرا بمكة في عمارة السلطان مراد الرابع للكعبة سنة (1040) أربعين و ألف من‏

245

الهجرة، فعليه يكون قد شاهد نفس الحجر الأسود في هذه العمارة فهو يخبر هنا عن مشاهدة، و قوله: «أن ما استتر من الحجر الأسود بالعمارة في جدر الكعبة أبيض بياض مقام إبراهيم الخليل» هو معقول و صحيح و مطابق للحقيقة، لأن الحجر الأسود طويل نحو ذراع، و هو داخل في بناية ركن الكعبة و ما كان ظاهرا منه في صدر الإسلام إلا رأسه، كما لا يظهر منه في عصرنا هذا إلا بعض قطع صغيرة و قد اسود رأسه من أثر حريق الكعبة في عهد قريش و في عهد ابن الزبير، فهذه القطع الصغيرة الظاهرة اليوم كسرت من رأسه المحترق، فيكون ما دخل من الحجر الأسود في بناية الكعبة أبيض بياضا يشبه بياض حجر مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام الموجود أمام الكعبة المشرفة بجوار بئر زمزم، لم يتأثر المستتر منه بالاحتراق و لا بالشمس و الهواء و لا بغير ذلك، لأنه مستور و محفوظ غير ظاهر.

فقول ابن علان عن لون الحجر الأسود مطابق لما رواه الإمام الأزرقي في تاريخه: عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه قالت: كان الحجر الأسود قبل الحريق مثل لون المقام فلما احترق اسود، قال: فلما احترقت الكعبة تصدع بثلاث فرق فشده ابن الزبير بالفضة. انتهى من الأزرقي.

و لا يمكن الإخبار بلون ما كان مستورا من الحجر الأسود إلا عن مشاهدة، و لا تمكن المشاهدة إلا إذا هدم من الكعبة مكان الحجر لا سمح اللّه، و هذا لا يكون إلا نادرا بعد مرور مئات السنين و الأعوام، فالعلامة الشيخ محمد بن علان أخبر بذلك عند مشاهدته للحجر الأسود في العمارة الكبيرة للكعبة عندما هدمها السيل في زمن السلطان مراد الرابع. و كان يحضر على الدوام عند الكعبة لمشاهدة بنائها و كتابة مذكراته و يومياته عن بنائها و عندما وصل الإصلاح في مكان الحجر الأسود كان يقف عنده مع الأمير رضوان و ناظر الحرم، و أن المذكور قرأ جزءا من صحيح البخاري في جوف الكعبة عند انتهاء بنائها و عمارتها التي حصلت في زمنه.

و للعلامة ابن علان المذكور تآليف قيمة، منها: كتاب «القول الحق و النقل الصريح بجواز أن يقرأ في جوف الكعبة الحديث الصحيح» و منها: «العمل المفرد في فضل و تاريخ الحجر الأسود» و منها «أنباء المؤيد الجليل مراد ببناء بيت الوهاب الجواد» و منها «شرح رياض الصالحين» و هو أربع مجلدات، و منها «شرح كتاب‏

246

الأذكار» و هو أربع مجلدات أيضا، و غير ذلك من المؤلفات (رحمه اللّه تعالى) و أحسن جزاءه.

علة تسمية الركن ب الحجر الأسود

تقدم أن لون الركن الشريف أبيض مورد، و كان في عهد إبراهيم (عليه السلام) يتلألأ من شدة بياضه و قد أضاء نوره الجهات الأربع، ثم طمس اللّه نوره ليمكن التقرب منه.

و لم نر أحدا ذكر علة لتسميته بالحجر الأسود، و نحن نذكر هنا ما قد فتح اللّه به علينا بفضله الواسع فنقول:

1- قد يكون سمي بذلك من باب أسماء الأضداد، أو من سيادته على جميع الأحجار.

2- و قد يكون بسبب اسوداد رأسه من أثر الحريق الذي حصل للكعبة في الجاهلية و الإسلام.

3- و قد يكون تسميته بذلك بسبب خطايا بني آدم و ما مسه من رجس الجاهلية. كما جاء ذلك صريحا في بعض الأحاديث المتقدمة، لكن هذا أمر معنوي لا يمكن إدراكه بالعقل، فيكون من قبيل الفسق و الفجور يذهبان بنور الإيمان من وجه الإنسان.

4- سمي الركن «بالحجر الأسود» من ابتداء الأمر من قديم الزمان، بدون نظر إلى علة، على قاعدة الأسماء لا تعلل. و اللّه تعالى أعلم.

تقبيل الأيدي عند استلام الركن‏

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال: رأيت عبد اللّه بن عمر و أبا هريرة و أبا سعيد الخدري و جابر بن عبد اللّه إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قال ابن جريج: قلت له: و ابن عباس؟ قال: و ابن عباس حسبت كثيرا.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا عبد اللّه بن يحيى السهمي قال:

رأيت عطاء بن أبي رباح و عكرمة بن خالد و ابن أبي مليكة يطوفون بعد العصر

247

و يصلون و رأيتهم يستلمون الركن الأسود و اليماني و يقبلون أيديهم و يمسحون بها وجوههم و ربما استلموا و لا يمسحون بها أفواههم و لا وجوههم.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن عبد اللّه ابن أبي زياد قال: رأيت عطاء و مجاهدا و سعيد بن جبير إذا استلموا الركن قبلوا أيديهم.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي عن الزنجي عن ابن جريج قال: قال عمرو بن دينار: جفا من استلم الركن و لم يقبل يده، قال ابن جريج: و أخبرت أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا طاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه ثم يقبل طرف المحجن.

حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي حدثنا سفيان أنه سمع حميد بن حيان قال: رأيت سالم بن عبد اللّه إذا استلم يضع يده على خده أو جبهته قال سفيان:

و رأيت أيوب بن موسى إذا استلم الركن يضع يده على جبهته أو على خده.

حدثنا أبو الوليد قال حدثني جدي عن سفيان عن عبد الكريم عن مجاهد قال:

لا بأس أن تستلم الحجر من قبل الباب. انتهى من تاريخ الأزرقي.

نقول: و من عادة أهل مكة إلى يومنا هذا أن بعضهم إذا صافح إنسانا قبل يد نفسه، و الظاهر أن هذه العادة قديمة العهد ناشئة من تقبيل الأيدي إذا استلموا الحجر الأسود كما تقدم. و اللّه تعالى أعلم.

جاء في كتابنا «إرشاد الزمرة لمناسك الحج و العمرة» عند الكلام على سنن الطواف ما نصه:

و سنن الطواف كثيرة منها أن يستقبل الطائف الحجر الأسود قبل البدء بالطواف إذا كان المطاف خاليا، و أن يستلمه بيده اليمنى ثم يقبله بفمه قبلة خفيفة ثم يضع جبهته عليه و يفعل ذلك في كل مرة، فإن عجز عن التقبيل بيده اليمنى فباليسرى، فإن عجز عن استلامه استلمه بنحو عود ثم قبل ما استلم به، فإن عجز عن استلامه أشار إليه بيده أو بشي‏ء فيها ثم قبل ما أشار به، و لا يشير بالفم إلى التقبيل، و لا يزاحم للتقبيل بل تحرم المزاحمة و الاستلام إن آذى غيره أو تأذى بغيره، و لا يستحب للنساء في الطواف استلام و لا تقبيل للحجر السود و الركن اليماني إلا عند خلو المطاف.

248

(و منها) أن يستلم الركن اليماني بيده و يقبل يده بعد استلامه، فإن عجز عن استلامه أشار إليه بيده أو بشي‏ء فيها لكن لا يقبل ما أشار به للركن اليماني، و ظاهر كلام النووي و غيره تقبيل ما أشار به إليه أيضا، أما الركن الشامي و الركن العراقي فلا يسن تقبيلهما و لا استلامهما.

قال البجيرمي في حاشيته: و قد ثبت أنه (صلى الله عليه و سلم) قبل الحجر الأسود و ثبت أنه استلمه بيده ثم قبلها، و ثبت أنه استلمه بمحجنه فقبل المحجن، و لم يثبت أنه (صلى الله عليه و سلم) قبل الركن اليماني و لا قبل يده حين استلمه، و لم يستلم الركنين المقابلين للحجر، أي الركن الشامي و الركن العراقي، اه. فالركن العراقي جهة باب العمرة و الشامي جهة باب الزيادة كما هو ظاهر في رسم الكعبة، اه.

ثم ذكرنا هناك في كتابنا المذكور بقية سنن الطواف و لم نأت بها لعدم تعلقها بهذا المبحث.

بقاء الحجر الأسود إلى يوم القيامة

يتعلق أمر هذا الحجر الأسود الكريم ببيت اللّه الحرام، فإنه منذ بنائه الأول أتى بهذا الحجر فوضعه في ركنه، إذن فهو مرتبط به و يبقى ببقائه إلى يوم القيامة، و يدل على ذلك ما يأتي: روى الأزرقي في تاريخه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «أول ما يرفع الركن و المقام و رؤيا النبي في المنام» و فيه أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «أكثروا استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا و قد فقدوه، إن اللّه عز و جل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة». و فيه أيضا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: «إن اللّه تعالى يرفع القرآن من صدور الرجال و الحجر الأسود قبل يوم القيامة».

و جاء في كتاب الإشاعة لأشراط الساعة عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال:

«لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن» و جاء فيه أيضا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» رواه الشيخان و أخرج أحمد عن ابن عمر نحوه و زاد «و يسلبها حليها و يجردها من كسوتها، فلكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته أو معوله» و معنى السويقتين: تصغير الساقين‏

249

أي دقيق الساقين، و الأصيلع تصغير أصلع و هو صغير الرأس، و الأفيدع تصغير الأفدع و هو من في يديه اعوجاج.

و في تاريخ الأزرقي أيضا عن رجل من أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: «أترك الحبشة ما تركتكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة».

إلى غير ذلك مما ورد من الأحاديث التي سننشرها أيضا في المناسبة الآتية إن شاء اللّه تعالى.

و هذه الأحاديث و إن كان أكثرها في تخريب الكعبة فإنها تشمل الحجر الأسود أيضا لتعلقه بها تعلقا شديدا فهو معها منذ بنائها الأول و يكون فيها إلى قيام الساعة، و الظاهر من الأحاديث المتقدمة أن الحجر الأسود يرفع من الكعبة قبل تخريبها، و رفعه علامة لقيام الساعة، و اللّه تعالى أعلم.

نقول: و من مميزات الحجر الأسود أنه مهما قبلته الأفواه و مسحته الأيدي لا يتغير شكله و صورته و لا ينحت منه شي‏ء مطلقا، فهو أصلب من الحديد بآلاف المرات، إنه ليس كالأحجار العادية، بل فيه سر إلهي يشرفه عن جميع الأحجار حسا و معنى، و لو كان قابلا للإنحات و التفتت لرأيناه متغير الصورة و الشكل، و كيف لا يكون الحجر الأسود كذلك و قد أتى به جبريل (عليه السلام) و وضعه في محله المعلوم خليل اللّه إبراهيم عليه أفضل الصلاة و التسليم، و قبله الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و الأولياء الكرام، و الصالحون العظام، كما قبله ملايين الملايين من البشر، و لمسوه و مسحوه بأيديهم، من العهد الإبراهيمي إلى عهدنا هذا، و يكون كذلك إلى قيام الساعة. فالحمد للّه رب العالمين الذي من علينا بالإيمان و العلم و التوفيق.

الرد على من يقول بأن الحجر الأسود من النيازك‏

لم نسمع مطلقا أن أحدا في العصور الغابرة و الأزمان السابقة قال إن الحجر الأسود من النيازك أي يشبه الصواعق أو النجوم المتبلورة الساقطة من السماء، و إنما سمعنا في عصرنا هذا من يتوهم ذلك و يذهب هذا المذهب، و منهم أستاذنا الكبير الفاضل الأستاذ يوسف أحمد مفتش الآثار العربية سابقا بمصر و محيي الخط الكوفي هناك في عصرنا الحاضر، فإنه يقول في كتابه «المحمل و الحج» بصحيفة 103 ما نصه:

250

«و لا ندري إن كان الحجر الأسود وصل إلى العرب من طريق النيازك أي:

ما يرى في السماء كنجوم متساقطة كما في المنجد، أو من طريق آخر». اه.

و يقول أيضا في صحيفة 104 ما خلاصته:

«إن إبراهيم عليه الصلاة و السلام وضع الحجر الأسود إما أن يكون تذكارا لصدعه بأمر ربه ببناء البيت المعظم، و إما أن يكون للعهد الذي أخذه على نفسه و ولده بجعل هذا البيت مثابة للناس، و إما أن يكون قد أقامه حجة عليه و على ولده بأن هذا البيت قد انتقل من ملكيتهم إلى اللّه تعالى، و جعل لونه أسود لسهولة تعيينه و تحديد مكانه». انتهى كلامه.

هكذا يقول الأستاذ يوسف أحمد (رحمه اللّه تعالى) عن الحجر الأسود و قوله غير صحيح كما سنبين ذلك، و المذكور نعرفه حق المعرفة و أنه من خيار الناس و أفاضلهم و لا يتهم بزيغ أو فساد رأي، و لا يقدح في حقه إذا أخطأ في هذه المسألة فإنه لم يطلع على ما ورد من الأحاديث في حق الحجر الأسود، كما أنه لم يطلع على ما رواه المؤرخون عن بناء إبراهيم الخليل الكعبة و وضع الحجر الأسود فيه أو اطلع و لم يقتنع بقولهم، فلو اطلع على كل ذلك لما قال عنه ما قال، فالأستاذ يوسف (رحمه اللّه تعالى) نظر إلى الحجر الأسود كما ينظر إلى بعض الآثار القديمة، فكتب عنه ما بدا له عن طريق الاستنتاج، فنفسه متشبعة بالأبحاث الأثرية، فكم تقلبت بين يديه مئات الأحجار القديمة عندما كان مفتشا للآثار بمصر ليبدي رأيه فيها و يقيد ملاحظاته عليها.

لكن لما كان الحجر الأسود المبارك الميمون غير تلك الأحجار العادية، وجب علينا أن نبين الحقيقة حتى لا يبقى أدنى شبه لدى أحد من الناس، و ليرتفع عمن توهم ذلك الشك و الالتباس فنقول و باللّه التوفيق:

إننا نرد قول الأستاذ الذي جاء بصحيفة 104 من كتابه المذكور «من أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لم يضع الحجر الأسود في البيت إما تذكارا لقيامه ببنائه، و إما للعهد الذي أخذه على نفسه و ولده بجعل هذا البيت مثابة للناس، و إما لإقامة الحجة عليهم بأن هذا البيت قد انتقل من ملكهم إلى اللّه تعالى».

فنقول: إن كل ذلك ليس بصحيح و غير معقول و لا يليق أن يصدر منه كأستاذ كبير، فما معنى أن يضع الحجر الأسود في البيت كتذكار لبنائه، أو جعله فيه ليكون مثابة للناس، فهل إذا لم يضعه لا يكون مثابة لهم، مع أن اللّه سبحانه‏

251

و تعالى هو الذي جعله كذلك كما في الآية الكريمة: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً فكيف غابت عنه هذه الآية الصريحة، و أما قوله جعله لانتقال البيت من ملكهم إلى ملك اللّه تعالى فهذه أسمج مما تقدم، ألم يقرأ قوله تعالى: وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ فبيت اللّه بينيه خليل اللّه بأمر اللّه، كيف يعقل أن يدعي ملكيته، ثم يقول: «و قد جعل إبراهيم لون الحجر أسود لسهولة تعيينه و تحديد مكانه» هذا القول لا أصل له مطلقا، فالحجر الأسود كان أشد بياضا من الثلج حينما وضعه إبراهيم عليه الصلاة و السلام في البيت و أنه كان يتلألأ نورا حتى أضاء مسافات الحرم البعيدة من كل الجهات كما هو مذكور في الأحاديث المتقدمة، و أنه لم يسود إلا من حريق البيت الذي وقع في الجاهلية و الإسلام.

و لا يخفى أن خليل اللّه إبراهيم ما بنى البيت الحرام إلا بأمر اللّه و ما وضع الحجر الأسود إلا بأمره تعالى أيضا و من هنا جاء الأمر بتقبيل الحجر الأسود و استلامه، و لم يطلب منا استلام حجارة الكعبة المشرفة، ثم إن حجارتها قد تتغير و تتبدل كلما هدمت و بنيت و لكن الحجر الأسود لم يتبدل و لن يتبدل إلى يوم القيامة، فتأمل فمسألة دينية كهذه أما كان الأجدر بالأستاذ المذكور أن يرجع إلى الكتاب و السنة بدل أن يسترسل في وهمه و تخيلاته؟

و أما ما جاء بصحيفة 103 من كتابه المذكور من قوله: «و لا ندري إن كان الحجر الأسود وصل إلى العرب من طريق النيازك أو من طريق آخر» فقوله هذا خلط و خطأ محض، فالحجر الأسود جاء به جبريل لإبراهيم عليهما الصلاة و السلام حين بناء البيت و أنه نزل من الجنة كما هو مذكور في الأحاديث المتقدمة، فأين حرمة حجر جاء به جبريل أمين الوحي من حجر يؤخذ من الأرض؟

و من قال أن الحجر الأسود من النيازك فقوله مردود بالأدلة التالية:

1- ما ورد فيه من الأحاديث بأنه من الجنة، و قد تقدم ذكرها.

2- أنه لم يسمع قط من يقول بذلك لا في الجاهلية و لا في الإسلام.

3- لو لم تكن ميزة خاصة للحجر الأسود لما وضعه إبراهيم (عليه السلام) في بيت اللّه الحرام، و تلك الميزة هي كونه من الجنة أتى به جبريل الأمين و وضعه في بيت اللّه بأمر اللّه.

252

4- لو كان الحجر الأسود من النيازك كالصواعق الحديدية لذاب و فني من كثرة لمس الناس له هذه الآلاف السنين، كما هو الشأن في المواد الحديدية كما روى الأزرقي عن مجاهد أنه قال: «الركن من الجنة و لو لم يكن من الجنة لفني».

بهذه الأدلة القوية يبطل قول القائل أن الحجر الأسود أصله من النيازك.

ثم من أين لإبراهيم عليه الصلاة و السلام أن يفتش في وقت البناء في البراري و القفار و السهول و الصخار على حجر نزل من النيازك كالصاعقة ليضعه في «بيت اللّه الحرام المعظم» و ليس بمكة كلها في أيامه غير نفر من قبيلة جرهم، ثم لماذا يضع في الكعبة المشرفة حجر أصله من الصواعق و هل له حرمة تبرر أن يستلمها الأنبياء و جميع الناس هذه الآلاف السنين؟ كلا ثم كلا.

و إنما المعقول أن يكون للحجر الأسود ميزة خاصة بأن يكون نزل من الجنة حتى يستحق أن يوضع في بيت اللّه الحرام المطهر، و ليكون بمثابة يمين اللّه في الأرض يقبله المؤمنون إخلاصا و طاعة و إيمانا برب العالمين.

و لئن افتخر الغربيون بما لديهم من الآثار القديمة، فإنه يحق للعرب بل للمسلمين قاطبة أن يفتخروا بهذا الحجر الأسود المبارك الذي مرت عليه آلاف السنين و قبله و استلمه الأنبياء و المرسلين، و عموم المسلمين و عامة الناس من كافة الطبقات و الأمم.

و فيما تقدم كفاية للمنصف العادل و المؤمن الصادق و اللّه الهادي إلى سواء الطريق.

و إننا نكرر القول بأن الأستاذ يوسف أحمد الذي يقول في كتابه المتقدم أن الحجر الأسود ربما كان من النيازك الساقطة من السماء رجل صاحب دين و استقامة و فضل و كرم لا يتهم بالزيغ و الإلحاد، فإني أعرفه حق المعرفة و اجتمعت به كثيرا بمصر و أعرف ابنه المحترم أيضا، و لكنه قال ذلك عن حسن قصد و نية حسنة فقد غلبت عليه في هذه المسألة مهنة الاشتغال بالآثار القديمة ففاته أن يتحقق منها من الوجهة العلمية و الدينية، و قد قيل في المثل: «لكل جواد كبوة و لكل عالم هفوة» ف(رحمه اللّه) رحمة واسعة و أسكنه فردوس جناته و غفر لنا و له ألحقنا به على حسن الخاتمة و صالح الأعمال إنه بعباده لطيف خبير.

253

و بمناسبة ذكر النيازك الساقطة من السماء، نذكر الحكاية التي أوردها ابن بطوطة في رحلته و هذا نصها: و سألني السلطان «أي سلطان بركي» في هذا المجلس فقال لي: هل رأيت قط حجرا نزل من السماء؟ فقلت: ما رأيت ذلك و لا سمعت به، فقال لي: إنه قد نزل بخارج بلدنا هذا حجر من السماء ثم دعا رجالا و أمرهم أن يأتوا بالحجر فأتوا بحجر أسود أصم شديد الصلابة له بريق قدرت أن زنته تبلغ قنطارا، و أمر السلطان بإحضار القطاعين فحضر أربعة منهم، فأمرهم أن يضربوه، فضربوا عليه ضربة رجل واحد أربع مرات بمطارق الحديد فلم يؤثروا فيه شيئا من أمره، ثم أمر برد الحجر إلى حيث كان. انتهى من ابن بطوطة.

و مثل هذا ما جاء في الجزء الثاني من تاريخ الخميس: أنه في سنة اثنتين و ثلاثين و أربعمائة وقع ببلاد خوزستان قطعة حديد من الهواء وزنها مائة و خمسون طنا فكان لها دوي عظيم أسقط منها الحوامل، فأخذها السلطان و أراد أن يعمل منها سيفا فكانت الآلات لا تعمل فيها و كل آلة ضربوها بها تكسرت. انتهى من الكتاب المذكور.

الزحام على تقبيل الحجر الأسود

يسن تقبيل الحجر الأسود اقتداء برسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لكن بشرط أن لا يؤذي المستلم غيره فإن حصل ذلك حرم تقبيله لحدوث الضرر له أو لغيره، و عندئذ يكفي أن يشير إلى الحجر الأسود بيده و يقبل يده.

جاء في تاريخ الأزرقي أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لعمر بن الخطاب: «يا عمر إنك رجل قوي و إنك تؤذي الضعيف فإذا رأيت خلوة فاستلمه و إلا فكبر و امض». و جاء فيه أيضا عن هشام بن عروة أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان يستلم إذا وجد فجوة فإذا اشتد الزحام كبر كلما حاذاه. و جاء فيه أيضا عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: إذا وجدت على الركن زحاما فلا تؤذ و لا تؤذى.

و جاء فيه أيضا: كان طاووس قل ما استلم الركنين إذا رأى عليهما زحاما. قال ابن عباس: لا تؤذ مسلما و لا يؤذيك إن رأيت منه خلوة فقبله أو استلمه و إلا فامض.

254

و أما ما يكون من الحجاج في موسم الحج من ازدحامهم الشديد على تقبيل الحجر الأسود، و أنهم لا يبالون بحصول الأذى لهم أو لغيرهم، فإنا نرى لهم نوع عذر في ذلك فإنهم قد أتوا من بلاد بعيدة يقصدون هذا البيت المقدس أفلا يحق لهم أن يقبلوا الحجر الأسود و لو مرة واحدة لكل فرد منهم حتى تلمس شفتاه موضع شفتي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و حتى لا تبقى حسرة في قلب من رجع إلى بلده و لم يستلم الحجر الأسود المبارك و لم يعرف شكله.

و الذي نذهب إليه و اللّه تعالى أعلم أنه بدأ التزاحم على الركن منذ ظهور الإسلام من عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما ورد في تقبيله من الأحاديث، و قد أفرد الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه فصلا لذلك فقال: (الزحام على استلام الركن الأسود و الركن اليماني) فجاء فيه عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه كان لا يدع الركن الأسود و الركن اليماني أن يستلمهما في كل طواف أتى عليهما قال:

و كان لا يستلم الآخرين. اه.

نقول و اللّه تعالى أعلم: إن عدم استلام الركنين الآخرين «العراقي و الشامي» كان لعدم وجودهما في بناء قريش الكعبة فإنها بنت جدارها المقابل لحجر إسماعيل مدورا ليس فيه الركنان المذكوران كما كان ذلك في عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام أيضا، فلما بنى ابن الزبير رضي اللّه عنهما الكعبة جعل لهذا الجدار ركنين «العراقي و الشامي» فصار للكعبة أربعة أركان فلما بناها الحجاج جعلها كذلك.

و جاء فيه أيضا: أن ابن عمر رضي اللّه عنهما كان لا يدع الركنين «أي الركن الأسود و الركن اليماني» في كل طواف طاف بهما حتى يستلمهما، لقد زاحم على الركن مرة في شدة الزحام حتى رعف فخرج فغسل عنه ثم رجع فعاد يزاحم فلم يصل إليه حتى رعف الثانية فخرج فغسل عنه، ثم رجع فما تركه حتى استلمه.

و جاء فيه أيضا: عن سالم بن عبد اللّه يقول: إن عبد اللّه بن عمر كان لا يترك استلام الركنين في زحام و لا غيره حتى رأيته زاحمنا عنه يوم النحر و أصابه دم فقال: قد أخطأنا هذه المرة، و جاء فيه أيضا: عن طلحة بن يحيى قال: سألت القاسم بن محمد عن استلام الركن فقال: استلمه و زاحم عليه يا ابن أخي فقد رأيت ابن عمر يزاحم عليه حتى يدمى، و جاء فيه أيضا: عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لعبد الرحمن ابن عوف: كيف صنعت يا أبا محمد في‏