التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
255

استلام الحجر، و كان قد استأذنه في العمرة فقال: كلا قد فعلت استلمت و تركت، فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): أصبت. انتهى كل ذلك من الأزرقي.

فعليه نرجو اللّه سبحانه و تعالى العفو و الغفران في ازدحام الحجاج و غيرهم على تقبيل الحجر الأسود خصوصا و أنهم يرضون بطيب خاطر بحصول الأذى لهم في سبيل ذلك، و أنهم يعدون أنفسهم سعداء إذا فازوا بتقبيله و هو كذلك إن شاء اللّه، ففضل اللّه عظيم و رحمته واسعة.

(تنبيه) إن ما عمله عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما من محافظته على استلام الركنين في كل طوفة طاف بهما و أنه لا يتركهما حتى في شدة الزحام، هذه خصوصية له لا يطلب من أحد أن يزاحم على الركنين اقتداء به، فهو رضي اللّه عنه من أجلاء الصحابة له اجتهاده و عمله فإنه كان شديد المحافظة على كل ما سمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و تتبع أفعاله. فقد جاء في زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم عند حديث «نعم الرجل عبد اللّه لو كان يصلي من الليل» أن الزبير بن بكار قال: كان ابن عمر يحفظ ما سمع من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و يسأل من حضر إذا غاب عن قوله و فعله و كان يتتبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، و كان يعترض براحلته في طريق رأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عرض ناقته فيه و كان لا يترك الحج، و كان إذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و في الزهد للبيهقي بسند صحيح عن عمر ابن محمد بن يزيد بن عبد اللّه بن عمر سمعت أبي يقول: ما ذكر ابن عمر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) إلا بكى و لا مر على ربعهم إلا غمض عينيه. انتهى من زاد مسلم من الجزء الرابع. فرجل هذا حاله يجب أن نعتبر بحاله رضي اللّه عنه و عن جميع الصحابة.

الترغيب في استلام الركنين‏

يستحب أن يستقبل الإنسان الحجر الأسود بوجهه فيستلمه بيمينه أولا أي يمسحه بها ثم يقبله قبلة خفيفة من غير صوت و يسجد عليه بوضع الجبهة، فإن عجز عن التقبيل لزحمة أو غيرها اقتصر على استلامه بيده اليمنى أي يمسحه بيده ثم يقبلها، فإن عجز عن الاستلام أشار بيده أو أشار بما فيها من نحو خشبة أو عصا ثم يقبل ما أشار به من يده أو غيره.

256

جاء في تاريخ الأزرقي عن ابن جريج أنه قال: و أخبرت أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا طاف على راحلته يستلم الركن بمحجنه ثم يقبل طرف المحجن، و المحجن العصا المنعطفة الرأس، هذا بالنسبة للحجر الأسود.

و في الأزرقي أيضا عن عباد بن جعفر قال: رأيت ابن عباس رضي اللّه عنهما جاء يوم التروية و عليه حلة مرجلا رأسه فقبل الركن الأسود و سجد عليه، ثم قبله و سجد عليه ثلاثا. اه.

ذكر الغازي في تاريخه عند الكلام على بناء السلطان مراد أنه في يوم الاثنين غرة رجب الحرام سنة (1040) وضعوا الحجر الذي بطرفه محل استلام الطائفين من الركن اليماني و كان طرف الحجر الذي تحته انكسر من أعلاه فوضع في محل ذلك من الرصاص المذاب ما يساوي به مع باقي الأحجار سمتا و كان تمام وضع الحجر و تسويته عند العصر من اليوم المذكور و جاء الفاتح بقليل من الصندل المذاب و ضمخ به محل الاستلام و ما يقاربه. انتهى من الغازي.

أما إلصاق قطع الركن اليماني و تسميرها الذي ذكره ابن جبير في رحلته، فقد كان في عهد الفاطميين في سنة (559) تسع و خمسين و خمسمائة عندما تضعضع الركن، كما جاء ذلك في تاريخ مكة للسباعي بصحيفة 147.

و جاء فيه أيضا بصحيفة 151 نقلا عن الدحلان في وقائع سنة (592) اثنتين و تسعين و خمسمائة أن ريحا سوداء عظيمة عصفت بمكة عند خروج الحجاج منها و كان فيها رمل أحمر أصاب الناس و سقطت أحجار من ركن الكعبة اليماني، و ينقل أبو شامة في ذيل الروضتين أن الذي سقط من الركن قطعة واحدة، و أن الكعبة تحركت مرارا و أن ذلك لم يعهد من قبل. انتهى منه.

و جاء في شفاء الغرام للفاسي: قال ابن الأثير في أخبار سنة (515) خمس عشرة و خمسمائة، فيها تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام، زاده اللّه شرفا و انهدم بعضه، و ذكر مثل ذلك المؤيد صاحب حماه في أخبار سنة خمس عشرة و خمسمائة.

و قال أبو عبيد البكري في كتابه المسالك و الممالك: و حدث جماعة أن في سنة (433) ثلاث و ثلاثين و أربعمائة انكسرت من الركن اليماني فلقة قدر إصبع و غفل الناس عن سدها فصارت عند قوم من أهل مكة من الحسنيين فوقع و باء

257

عظيم بمكة عام و موت و كان لا يلبث المريض فوق ثلاثة أيام، و هلك في أهل الدار الذي اتهم أن الفلقة فيها ثمانية عشر إنسانا، فرأى بعض الصالحين المجاورين من أهل خراسان في نومه أن يتفقد ما ذهب من الكعبة و يرد فيرفع اللّه عنهم الوباء فردت إلى موضعها فارتفع الوباء. انتهى من شفاء الغرام.

نقول: الظاهر مما تقدم أن حجر الركن اليماني الذي يقع فيه الاستلام قديم يرجع عهده إلى بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، فهو الذي نقض البيت كله ثم بناه بناء جديدا، أما الحجاج الثقفي فإنه هدم من جداره الذي في حجر إسماعيل ستة أذرع و شبرا ثم بناه و ترك سائر جدرانه، فبقي الركن اليماني كما هو لم يحصل فيه شي‏ء.

و قد بقيت هذه البناية على ما هي عليه إلى زمن السلطان مراد الرابع الذي بنى الكعبة من جديد سنة (1040) أربعين و ألف من الهجرة و اضطروا إلى نقل حجر الركن اليماني من موضعه للإصلاح و البناء.

فعلى ما تقدم يكون حجر الركن اليماني يقع فيه الاستلام يرجع عهده إلى بناء ابن الزبير فلذلك و لحرمة نفس الركن إذا وقعت منه قطعة أرجعوها إلى محلها و أحكموا إصلاحها بالمسامير و الرصاص زيادة في التحفظ. و اللّه تعالى أعلم.

ما يقال عند استلام الحجر الأسود

قال العلامة محب الدين الطبري في كتابه «القرى لقاصد أم القرى» فيما يقال عند استلام الركن الأسود ما نصه:

عن ابن جريج قال: أخبرت أن بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: يا رسول اللّه كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: قولوا: باسم اللّه و اللّه أكبر إيمانا باللّه و تصديقا لإجابة محمد (صلى الله عليه و سلم). أخرجه الشافعي.

و عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه كان إذا استلم الركن قال: بسم اللّه و اللّه أكبر، أخرجه أبو ذر و الأزرقي. و عنه أنه كان إذا استلم الحجر قال: اللهم إيمانا بك، و وفاء بعهدك و تصديقا بكتابك و سنة نبيك، و يصلي على النبي (صلى الله عليه و سلم) و يستلمه. و عن علي (عليه السلام) أنه كان إذا استلم الحجر قال: اللّه أكبر اللهم إيمانا بك و تصديقا بكتابك و اتباعا لسنتك و سنة نبيك. أخرجهما أبو ذر.

258

و عن عبد الكريم بن أبي أمية قال: يقال عند استلام الركن اليماني: اللهم إجابة دعوة نبيك و اتباع رضوانك و على سنة نبيك (صلى الله عليه و سلم).

و عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كان يقول إذا كبر لاستلام الحجر: باسم اللّه و اللّه أكبر على ما هدانا اللّه لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له آمنت باللّه و كفرت بالطاغوت و اللات و العزى، و ما يدعى من دون اللّه، إن وليي اللّه الذي نزل الكتاب و هو يتولى الصالحين. أخرجهما الأزرقي. انتهى من كتاب الطبري المذكور.

قال العلامة الشيخ ابن علان في يومياته المذكورة في الجزء الأول من تاريخ الغازي و في آخر الجزء الأول من تاريخ الأزرقي ما نصه:

و في يوم الأحد 29 جمادى الثانية سنة (1040) ألف و أربعين هجرية شرعوا في وضع المدماك الثاني و سمكه 22 قيراطا ثم صبوا الرصاص على وجه أسفل الجدار اليماني ليساوي المتآكل منه باقي الجدار في سمته.

و في يوم الاثنين غرة رجب من السنة المذكورة وضعوا الحجر الذي بطرفه محل استلام الطائف من الركن اليماني، و كان طرف الحجر الذي تحته انكسر من أعلاه فوضع في محل ذلك من الرصاص المذاب ما يساوي به باقي الأحجار سمتا، و وضعوا حجر الركن الغربي الشامي و نصبوا أحجار الجدار الشامي. انتهى المراد منه.

أما الركن اليماني فيستحب أن يستلمه بيده ثم يقبل يده، و لا يستحب تقبيل الركن المذكور، و لا يخفى أنه فرق بين الركنين، ففضل الركن الأسود أعظم من الركن اليماني، لأن الركن اليماني ليس في مزية سوى أنه ركن البيت الثاني من عهد إبراهيم، عليه الصلاة و السلام، و أما الركن الأسود فهو الركن الأول من ذلك العهد أيضا، و فيه مزية أخرى و هي وجود الحجر الأسود فيه، يقول ابن جبير في رحلته التي كانت سنة (578) من الهجرة أنه انصدعت قطعة من الركن اليماني فسمرت بمسامير فضة و أعيدت كأحسن ما كانت عليه و المسامير فيها ظاهرة. اه.

نقول: إن مسامير الفضة لا زالت إلى عصرنا هذا موجودة، فإننا ذهبنا إلى الكعبة المشرفة لرؤية مسامير الركن اليماني، صباح يوم الأربعاء التاسع عشر من ربيع الأول عام ستة و سبعين و ثلاثمائة و ألف فوجدنا فيه أكثر من ثلاثين مسمارا

259

من الفضة رأس أكبرها كحدقة عين الإنسان و أصغرها كحبة العدس، و في الركن اليماني عدة قطع انكسرت من حجارته الأصلية القديمة فأعيدت إلى محلاتها و ألصقت فيها إلصاقا محكما بالمسامير الفضة و الرصاص.

روى الأزرقي عن سالم بن عبد اللّه عن أبيه قال: على الركن اليماني ملكان موكلان يؤمنان على دعاء من يمر بهما و أن على الأسود ما لا يحصى. أخرج الحاكم أنه (صلى الله عليه و سلم) قال: ما انتهيت إلى الركن اليماني قط إلا وجدت جبريل (عليه السلام)، عنده فقال: قل يا محمد قلت: و ما أقول؟ قال: قل: اللهم إني أعوذ بك من الكفر و الفاقة و مواقف الخزي في الدنيا و الآخرة، ثم قال جبريل (عليه السلام):

إن بينهما سبعين ألف ملك فإذا قال العبد هذا قالوا آمين. و أخرج أبو داود: ما مررت بالركن اليماني إلا و عنده ملك ينادي يقول: آمين آمين، فإذا مررتم به فقولوا: اللهم آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار. و جاء في تاريخ الأزرقي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): ما مررت بالركن اليماني إلا وجدت جبريل عليه قائما. و جاء في أيضا عن عثمان «ابن ساج» قال: و بلغني عن عطاء قال: قيل يا رسول اللّه رأيناك تكثر استلام الركن اليماني، قال: فقال إن كان قاله ما أتيت عليه قط إلا و جبريل قائم عنده يستغفر لمن استلمه. و جاء فيه أيضا عن مجاهد أنه قال: من وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له قال: قلت له: قم بنا يا أبا الحجاج فلنفعل ذلك ففعلنا ذلك.

و في تاريخ الأزرقي أن عبيد بن عمير قال لابن عمر رضي اللّه عنهما: إني أراك تزاحم على هذين الركنين، فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: إن استلامهما يحط الخطايا حطا. و أخرج الترمذي حديثا عن عبد اللّه بن عمر بهذا المعنى أيضا. و أخرج الإمام أحمد و ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر أيضا عن النبي، (صلى الله عليه و سلم) قال: مسح الحجر الأسود و الركن اليماني يحط الخطايا حطا. و أخرج القاضي عياض في الشفاء أن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: ما من أحد يدعو عند هذا الركن الأسود إلا استجاب اللّه له. و روى ابن ماجة و الحاكم عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال: استقبل النبي (صلى الله عليه و سلم) الحجر ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي فقال: يا عمر ههنا تسكب العبرات.

و روى الأزرقي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي (صلى الله عليه و سلم) قال: إن اللّه عز

260

و جل يبعث الركن الأسود له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق.

فضل الملتزم و الدعاء فيه‏

الملتزم: هو ما بين الحجر الأسود و باب الكعبة، قال ابن عباس: الملتزم و المدعى و المتعوذ ما بين الحجر و الباب، قال الأزرقي: ذرع الملتزم و هو ما بين باب الكعبة و حد الركن الأسود أربعة أذرع.

و المستجاب: هو ما بين الركن اليماني و الباب المسدود الذي في ظهر الكعبة. قال مجاهد: قال معاوية بن أبي سفيان: من قام عند ظهر البيت فدعا استجيب له و خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

روى القاضي عياض في الشفاء عن ابن عباس، رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: «ما دعا أحد بشي‏ء في هذا الملتزم إلا استجيب له». قال مجاهد: رأيت ابن عباس و هو يستعيذ ما بين الركن و الباب، و قال أيضا: ما بين الركن و الباب يدعى الملتزم و لا يقوم عبد ثم فيدعو اللّه، عز و جل بشي‏ء إلا استجاب له، و عن عطاء عن ابن عباس قال: من التزم الكعبة ثم دعا استجيب له، فقيل له: و إن كانت استلامة واحدة؟ قال: و إن كانت أوشك من برق الخلب. و معنى الخلب بضم الخاء و فتح اللام المشددة الذي لا مطر فيه. و عن مجاهد ألصق خديك بالكعبة و لا تضع جبهتك، و عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد اللّه بن عمرو فلما جئنا دبر الكعبة قلت: ألا تتعوذ؟ قال:

أعوذ باللّه من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن و الباب ثم وضع صدره و وجهه و ذراعيه و كفيه بسطا و قال: هكذا رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يفعل.

انظر: صورة رقم 86، و يشير السهم إلى الملتزم و هو حائط الكعبة.

نقول: مما لا شك فيه أن اللّه تعالى يستجيب دعاء المضطر أينما كان و لو في رؤوس الجبال أو في وسط البحار، فإنه تعالى أمر بالدعاء بصريح آية: وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ و آية: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً فإن الدعاء هو عين العبادة، فإذا دعا العبد ربه في أي موضع كان بذلة و انكسار، فقد أقر بوحدانيته و قدرته و فضله و إحسانه، و كرمه و حلمه و عفوه و غفرانه، و من أقر

261

بكل ذلك لربه كان إليه أقرب و بنيل مطالبه و زوال بلائه حقيق و أجدر، فإنه تعالى وحده هو المرتجى و الملتجا، و أنه كاشف الهم و الكرب، و أنه أرحم الراحمين.

فمن التجأ إلى اللّه الكبير المتعال بقلب خالص و عزم صادق، في أي مكان كان، صار جديرا باستجابة دعائه و قبول تضرعه و كشف غمته، فكيف بالإنسان إذا دعا ربه و هو عند بيته الحرام، و بين الركن و المقام و المشاعر العظام، أنه أولى باستجابة دعوته و الفوز بعفوه و رحمته. اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا و رحمتك أرجى من أعمالنا. رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ.

الحوادث التي مرت على الحجر الأسود

لا نريد أن نأتي هنا عن أصل الحجر الأسود و لا عن وضعه في البيت الحرام و لا عن تقبيله و استلامه و فضله و احترامه لأن كل ذلك تقدم بيانه، و إنما نحب أن نذكر هنا باختصار ما مر عليه من الحوادث من حريقه و قلعه و التعدي عليه بكسر جزء منه للاحتفاظ به للتبرك أو للتذكار.

و لنبدأ من صدر الإسلام، أما ما كان قبله من أن جرهما أو بني إياد بن نزار حين أخرجوا من مكة أخذوا الحجر الأسود فدفنوه في بئر زمزم أو غيره فدلتهم على موضع دفنه جدة امرأة قصي بن كلاب، فإنا لم نطمئن إلى هذا الخبر الذي رواه بعضهم، و لئن كان هذا الخبر صحيحا فتكون هذه الواقعة هي الأولى و الأخيرة للحجر الأسود، قبل الإسلام و اللّه تعالى أعلم فنقول و باللّه تعالى التوفيق و هو حسبي و نعم الوكيل و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

1- أن الحجر الأسود حدث فيه تصدع بسبب حريق الكعبة الذي وقع في عهد ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما سنة أربع و ستين من الهجرة، لأن الحجر احترق معها حتى تشطب ثلاث فرق، و لذلك ربطه و شده ابن الزبير بالفضة فيكون هو أول من ربطه بها، و هذه أول حادثة وقعت للحجر الأسود.

أما حريق الكعبة في زمن قريش فلم يكن الحريق قويا شديدا كما وقع في عهد ابن الزبير، بسبب أن الكعبة قبل بناء قريش كانت مبنية بالرضم فقط، فكانت الثياب التي هي بمثابة الكسوة توضع عليها تسدل سدلا على جدارها و لم يكن لها سقف حتى يكون فيها أخشاب تزيد النار التهابا.

262

لذلك لم يحدث على الحجر الأسود في هذا الحريق شي‏ء مطلقا و لو حدث فيه شي‏ء لجاء ذكره فقد كان الحجر الكريم في بناء قريش ظاهرا لجميع الناس، و ذلك لما بنت قريش الكعبة و اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في محله، جاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لم يبعث بعد فبسط رداء ثم وضع الركن بيده فوقه و قال لهم: «لتأخذ كل قبيلة بناحية الثوب، ثم قال: ارفعوه جميعا» ثم ارتقى النبي (صلى الله عليه و سلم) على جدار الكعبة و رفع القوم إليه الركن فوضعه (صلى الله عليه و سلم) بيده الشريفة في موضعه.

فمن هنا نستنتج أنه لو كان في الحجر شي‏ء لكان ظاهرا لجميع الناس و لبادروا بإصلاحه و لذكر ذلك في التاريخ.

2- ثم في زمن هارون الرشيد كانت الفضة التي ربط بها ابن الزبير الحجر الأسود قد تزلزلت و تخلخلت، فأمر هارون الرشيد (رحمه اللّه تعالى) سنة (189) تسع و ثمانين و مائة بالحجارة التي بينها الحجر الأسود أن تثقب بالماس فثقبت من فوقها و من تحتها ثم أفرغ فيها الفضة.

3- ثم لما جاء أبو طاهر القرمطي مكة و عمل فيها هو و أصحابه أمورا منكرة ضرب بعضهم الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه و ذهبوا به معهم إلى بلادهم هجر و هي قرية مشهورة من أعمال البحرين، و ذلك سنة (317) سبع عشرة و مائة من الهجرة فمكث عندهم حتى آخر سنة (339) تسع و ثلاثين و ثلاثمائة فأتى به سنبر بن الحسن القرمطي إلى مكة فوضعه بيده في محله من الكعبة يوم النحر من السنة المذكورة قبل حضور الناس من منى للطواف و السعي، و قال سنبر بعد رد الحجر الأسود: أخذناه بقدرة اللّه ورددناه بمشيئة اللّه، و نظر الناس إلى الحجر فتبينوه و قبلوه و استلموه و حمدوا اللّه تعالى على ذلك، و قد عمل القرامطة على الحجر ضبة من الفضة تضبط الشقوق التي حدثت عليه يوم قلعه، فكانت مدة مكثه عند القرامطة بالأحساء اثنتين و عشرين سنة إلا أربعة أيام، قال الفاسي: و قد بذل بحكم التركي مدبر الخلافة ببغداد للقرامطة على رد الحجر الأسود خمسين ألف دينار فأبوا و قالوا: أخذناه بأمر و لا نرده إلا بأمر، و قيل: إن المطيع العباسي اشتراه بثلاثين ألف دينار من القرامطة، و قال ابن فهد: إن أبا القاسم المسناني ذكر أن المقتدر العباسي اشتراه من أبي سعيد الجنابي بثلاثين ألف دينار ورد هذه الرواية، هذا ما جاء في كتاب تاريخ الكعبة المعظمة.

263

و نحن نقول و اللّه تعالى أعلم بالغيب: أن مسألة شراء الحجر الأسود بثلاثين ألف دينار أو أكثر أو أقل غير صحيح في رأينا، و الصحيح عندنا ما قاله القرامطة لبحكم التركي حينما بذل لهم خمسين ألف دينار «أخذناه بأمر و لا نرده إلا بأمر» و الدليل على صحة رأينا: هو أن سنبرا بن الحسن القرمطي هو الذي أتى بالحجر الأسود إلى مكة و وضعه بيده في محله الأصلي من الكعبة بحضور أمير مكة يومئذ، فلو أنه حصل شراء الحجر الأسود لدفعه القرامطة إلى من اشتراه، و كان الذي اشتراه منهم هو الذي يأتي به إلى مكة و يضعه بنفسه في موضعه من الكعبة. هو رأينا و اللّه تعالى أعلم بغيبه.

و سبب أخذ القرامطة الحجر الأسود ثم رده ثانيا إلى الكعبة: هو أنهم عزموا على تحويل الحج إلى بلادهم «هجر» و صرف الناس عن الكعبة إليهم لذلك حافظوا على الحجر الأسود لديهم و ضببوه بالفضة، فلما مكث عندهم اثنتين و عشرين سنة بدون فائدة و مات أبو طاهر القرمطي رئيس القرامطة ردوا الحجر الأسود إلى مكة و وضعوه في محله من الكعبة.

و لزيادة الإيضاح نذكر ما قاله البتنوني (رحمه اللّه) في كتابه «الرحلة الحجازية» عن القرامطة و أخذهم الحجر الأسود و هو: و في أيام المقتدر العباسي ظهرت في العراق طائفة القرامطة و هم قوم ينسبون إلى موالاة محمد ابن الحنفية بن علي (كرم اللّه وجهه)، و يكفرون من لم يكن على مذهبهم. و أول من ظهر منهم أبو طاهر القرمطي و قد بنى دارا في هجر «بفتحتين» و هي قرية مشهورة من أعمال البحرين، سماها دار الهجرة، و أراد أن ينقل الحج إليها، لذلك كان يقصد الطرق الموصلة إلى مكة و يفتك بحجاج بيت اللّه الحرام، فانقطع الحج في أيامه خشية منه، و سار القرمطي إلى مكة في عسكر كثيف أيام الحج و دخل بخيله و رجله إلى الحرم و وضع السيف في الطائفين و العاكفين و الركع السجود على بغتة منهم، و قتل في مكة و شعابها نحو ثلاثين ألفا و اقتلع باب الكعبة و جرده مما كان عليه من صفائح الذهب و أخذ جميع ما في خزينة بيت اللّه الحرام من المجوهرات الثمينة، و اقتلع الحجر الأسود من مكانه و انصرف به إلى بلاده بعد أن هدم قبة زمزم، و بقي مكان الحجر خاليا يتبرك الناس بمحله.

و بعد موت أبي طاهر رأى قومه أن من المستحيل تحويل الحج عن الكعبة إلى بلادهم، فقام سنبر بن الحسن القرمطي بالحجر إلى مكة و كان يحيط به برواز من‏

264

الفضة يضبط بعض القطع التي تكسر منه حين قلعه فوضع في مكانه على الحالة التي تراه عليها الآن. انتهى من كتاب الرحلة الحجازية. فهذه نبذة وافية عن أخذ القرامطة الحجر الأسود المكرم.

فالحمد للّه على هدايته لنا للإسلام و الشكر له على جعله لنا من سكان بلده الأمين و بيته الحرام، و صلى اللّه و سلم على رسوله النبي الأمي و على آله المطهرين الكرام و صحابته البررة الفخام.

4- ثم إن حجبة البيت الشريف قلعوا الحجر الأسود منه الذي أتى به سنبر القرمطي ليجعلوا له طوقا جديدا من الفضة، فعملوا له ذلك و شدوه به شدا محكما كما كان قديما حينما عمله ابن الزبير، رضي اللّه عنهما فكان فيه من الفضة ثلاثة آلاف و سبعة و تسعون درهما و نصف درهم و ذلك بعد إرجاع سنبر الحجر ببضعة أشهر، أي في سنة (340) أربعين و ثلاثمائة.

5- أخذ داود بن عيسى بن فليته أمير مكة طوق الحجر الأسود الذي كان به و ذلك قبيل عزله سنة (585) خمس و ثمانين و خمسمائة.

6- و في سنة (363) ثلاث و ستين و ثلاثمائة بينما الناس في وقت القيلولة و شدة الحر و ما يطوف إلا رجل أو رجلان، إذ جاء رجل عليه طمران مشتمل على رأسه فدنا من الركن الأسود و ضربه بالمعول ضربة شديدة حتى خفته الخفتة التي فيه ثم رفع يده ثانيا يريد ضربه فابتدره رجل من أهل اليمن رآه و هو يطوف فطعنه طعنة عظيمة بالخنجر حتى أسقطه فأقبل الناس من نواحي المسجد فنظروه فإذا هو رجل رومي جاء من أرض الروم، و قد جعل له مال عظيم على إخراج الركن و إحضاره معه، ثم أخرجوه من المسجد الحرام و جمعوا حطبا كثيرا فأحرقوه بالنار. اه. ذكره ابن فهد القرشي في إتحاف الورى.

7- و في سنة (413) ثلاث عشرة و أربعمائة قام رجل فقصد الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بدبوس و تبخش وجه الحجر من تلك الضربات و تساقطت منه شظايا مثل الأظفار و تشقق و خرج أسمر يضرب إلى صفرة محببا مثل الخشخاش، ثم جمع بنوا شيبة الفتات و عجنوه بالمسك و الشمع و حشوا الشقوق و طلوها من ذلك. اه. ذكره الفاسي، قال الشيخ باسلامة (رحمه اللّه تعالى) في كتابه «تاريخ الكعبة»: و ذكر ابن الأثير هذه القصة في إخبار سنة (414) و ساق القصة بتمامها و قال: كان هذا الرجل من ملاحدة المصريين الذين استغواهم‏

265

الحاكم العبيدي قال: و بعد أن ضرب الرجل الحجر الأسود بالدبوس قال: إلى متى يعبد هذا الحجر و لا محمد و لا علي يمنعني عما أفعله فإني أريد اليوم أن أهدم هذا البيت.

قال: و خافه الحاضرون و تراجعوا عنه و كاد أن يفلت، و كان على باب المسجد عشرة من الفرسان على أن ينصروه، فاحتسب رجل من أهل مكة و ثار به فوجأه بخنجر و احتوشه الناس فقتله ثم تكاثروا عليه فقطعوه و أحرقوه بالنار و قتل جماعة ممن شاركوه و عاونوه و أحرقوا بالنار، و كان الظاهر منهم عشرين رجلا غير ما خفي منهم فثارت الفتنة فأطفأها أمير مكة يومئذ أبو الفتوح، ثم إن بني شيبة جمعوا ما سقط من الحجر الأسود و عجنوه بالمسك و اللك و حشوا الشقوق و طليت من ذلك. انتهى. و اللك بضم اللام هو ما يسمى بمصر الشمع الأحمر و هو الشمع الذي يختم به على الظروف و الطرود البريدية. ذكر البتنوني في كتابه «الرحلة الحجازية» عن هذه الحكاية أنها وقعت في سنة (411) ثم قال:

و يزعمون أن الحاكم بأمر اللّه الفاطمي هو الذي كان أرسل ذلك الرجل حتى إذا كسر الحجر الأسود أمكنه تحويل وجهة المسلمين عن الكعبة إلى مسجده بجوار باب الفتوح بالقاهرة. اه.

8- و في منائح الكرم: أنه في عشر التسعين و تسعمائة جاء رجل أعجمي بدبوس في يده فضرب الحجر الأسود، و كان حاضرا الأمير ناصر جاوش فوجا ذلك الأعجمي بالخنجر فقتله.

9- و في تاريخ مكة للأستاذ السباعي بصحيفة 343 عند الكلام على بناء السلطان مراد للكعبة سنة (1040) أنه في أثناء عملهم فيما يحيط بالحجر الأسود انفلق الحجر إلى أربع شظايا فهالهم ذلك و أزعجهم فبادروا إلى جمع الشظايا بمركب عجنوه بالعنبر و اللادن فتماسك إلى أمد غير طويل ثم تكك فعالجوه بمركب من قلفونية و اسبيداج و سندروس و مسك فتماسك أمدا ثم عاد إلى التفكك فجي‏ء بالمعلم محمود الدهان فاتخذ له مركبا خاصا تماسكت به القطع تماسكا تاما.

10- و في آخر شهر محرم سنة (1351) إحدى و خمسين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة في عصرنا الحاضر جاء رجل فارسي من بلاد الأفغان فاقتلع قطعة من الحجر الأسود و سرق قطعة من ستارة الكعبة و قطعة فضة من مدرج الكعبة الذي‏

266

هو بين بئر زمزم و باب بني شيبة، فشعر به حرس المسجد الحرام فاعتقلوه ثم أعدم عقوبة له، كما أعدم من تجرأ قبله على الحجر الأسود بقلع أو تكسير أو سرقة حيث أصبح حكم الإعدام على أمثال هؤلاء سنة متبعة.

ثم إنه في آخر ربيع الثاني حضر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ملك المملكة العربية السعودية (رحمه اللّه تعالى)، من الطائف إلى مكة لوضع تلك القطعة موضعها من الحجر الأسود فعمل الأخصائيون معجونا لتثبيت تلك القطعة ثم أخذها جلالته و وضعها بيده في محلها. انتهى كل ذلك مختصرا من تاريخ الكعبة المعظمة.

فيعلم مما تقدم سبب ظهور القطع الصغيرة من الحجر الأسود الكريم، و الحمد للّه بعد الحادث الأخير إلى عامنا هذا لم يقع عليه شي‏ء، و قد وضعت حكومتنا الموفقة على الحجر الأسود جنديا خاصا لحراسته يقف بجواره فلا يفارقه، كما وضعت أيضا جنديا على مقام إبراهيم (عليه السلام)، فكل جندي يقف على الحراسة ساعة واحدة أو ساعة و نصف ثم يأتي غيره فيقف هذه المدة ثم يأتي غيره و هكذا ليلا و نهارا.

الرد على من يقول أن القرامطة استبدلوا الحجر الأسود

من المعروف في التاريخ أن أبا طاهر القرمطي وافى مكة في سابع ذي الحجة سنة سبع عشرة و ثلاثمائة، و فعل فيها هو وقومه أمورا منكرة، و أمر أبو طاهر جعفر بن أبي علاج البنّاء بقلع الحجر الأسود فقلعه لأربع عشرة خلت من ذي الحجة من السنة المذكورة، و ذهب به معه إلى بلاده هجر و بقي موضعه من الكعبة المعظمة خاليا يضع الناس فيه أيديهم للتبرك ثم إن سنبر بن الحسن القرمطي وافى مكة بالحجر الأسود سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة فوضعه بيده في موضعه من الكعبة و قال: أخذناه بقدر اللّه و رددناه بمشيئة اللّه، و ذلك يوم النحر من السنة المذكورة الخ ...

فبعض المغفلين يظن أن القرامطة استبدلوا الحجر الأسود بحجر آخر حينما ردوه إلى الكعبة، فهذا الظن في غير محله، و هو مردود بأمرين تاريخي و ديني، فالأمر التاريخي: أن التقي الفاسي ذكر في شفاء الغرام بعد أن ساق قصة القرامطة، ورد سنبر القرمطي الحجر الأسود، و وضعه بيده في موضعه بالكعبة ما نصه:

267

«و نظر الناس إلى الحجر فتبينوه و قبلوه و استلموه و حمدوا اللّه تعالى، و كان رد الحجر الأسود في موضعه قبل حضور الناس لزيارة الكعبة يوم النحر، و كانت مدة كينونته عند القرمطي و أصحابه اثنتين و عشرين سنة إلا أربعة أيام، هذا معنى كلام المسبحي. اه».

فقوله: و نظر الناس إلى الحجر فتبينوه و قبلوه الخ .. صريح في أن الناس لم يستلموه إلا بعد التحقق منه و التثبت من عدم تغييره و تبديله، و لا يخفى أن مدة إقامة الحجر الأسود عند القرامطة هي اثنتان و عشرون سنة، و هذه المدة لا تحتمل موت جميع أهل مكة الذين أخذ الحجر الأسود أمام أعينهم، ثم إن الحجر الأسود له مميزات خاصة ما كانت خافية على أهل ذلك العصر، و إن خفي علينا الآن بسبب الطوق الفضي العظيم المضروب عليه حتى إنه لا يظهر منه اليوم إلا بعض قطع صغار و هي ثمانية قطع.

جاء في كتاب الإشاعة لأشراط الساعة أن محمد بن نافع الخزاعي قال:

تأملت الحجر و هو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط و سائره أبيض و طوله قدر عظم الذراع. اه. و رؤيته للحجر كانت حينما قلعه القرمطي، و انظر في صحيفة (126) كيف يصفه بعضهم أيضا.

و أما الأمر الديني: فقد روى الأزرقي عن عائشة رضي اللّه عنها، أنها قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): «أكثروا استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا و قد فقدوه إن اللّه عز و جل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة».

و روي أيضا عن عثمان أنه قال: و حدثت عن مجاهد أنه قال: «كيف بكم إذا أسري بالقرآن و رفع من صدوركم و نسخ من قلوبكم و رفع الركن»، قال عثمان: و بلغني عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «أول ما يرفع الركن و القرآن و رؤيا النبي (صلى الله عليه و سلم) في المنام». و روي أيضا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: «إن اللّه تعالى يرفع القرآن من صدور الرجال و الحجر الأسود قبل يوم القيامة».

و روي أيضا عن يوسف بن ماهك أنه قال: «إن اللّه تعالى جعل الركن عيد أهل هذه القبلة، كما كانت المائدة عيدا لبني إسرائيل و إنكم لن تزالوا بخير ما دام بين ظهرانيكم، و إن جبريل وضعه في مكانه يأتيه فيأخذه من مكانه».

268

و جاء في كتاب «القرى لقاصد أم القرى» للإمام الطبري عن ابن مسعود أنه قال: أكثروا من زيارة هذا البيت قبل أن يرفع و ينسى الناس مكانه، و أكثروا من تلاوة القرآن قبل أن يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليها ليلا فتصبح صفرا أو قفرا حتى ينسوا لا إله إلا اللّه فيقولون كما نقول قولا و نتكلم به، و يرجعون إلى شعار الجاهليلة و كلامهم.

أخرجه الأزرقي. انتهى من الطبري.

و جاء في الإشاعة في أشراط الساعة: عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال:

«لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن و المقام و رؤيا النبي في المنام». أخرجه السجزي. و قد تقدم بعض الأحاديث في هذا المعنى.

فيعلم من كلام النبي (صلى الله عليه و سلم) المتقدم: أن الحجر الأسود نفسه يبقى في موضعه من الكعبة إلى يوم القيامة، فيرفع عندئذ بواسطة الملائكة، فلا يفقد بطريقة السرقة و لا بالاعتداء.

هذا ما يؤمن به المسلمون و هم أدرى بأمور دينهم، و لا عبرة بكلام غيرهم من أهل الشك و الشرك و من أهل النفاق و الشقاق.

بقي علينا من بحث الحجر الأسود نقطة مهمة يجب ذكرها، و هي: أن الأستاذ يوسف أحمد مفتش الآثار العربية سابقا بالديار المصرية و محيي الخط الكوفي هناك في عصرنا الحاضر، (رحمه اللّه)، يقول في كتابه المحمل و الحج بصحيفة (103) ما نصه: «و لا ندري إن كان الحجر الأسود وصل إلى العرب من طريق النيازك أو من طريق آخر» و يقول في صحيفة (104) من الكتاب المذكور ما ملخصه: «إن إبراهيم عليه الصلاة و السلام وضع الحجر الأسود إما أن يكون تذكارا لصدعه بأمر ربه ببناء البيت المعظم، و إما أن يكون للعهد الذي أخذه على نفسه و ولده بجعل هذا البيت مثابة للناس، و إما أن يكون قد أقامه حجة عليه و على ولده بأن هذا البيت قد انتقل من ملكيتهم إلى اللّه تعالى، و جعل لونه أسود لسهولة تعيينه و تحديد مكانه». اه. هكذا يقول الأستاذ يوسف أحمد (رحمه اللّه تعالى) عن الحجر الأسود في كتابه المذكور.

و نحن مع احترامنا للأستاذ يوسف أحمد (رحمه اللّه) كأحد مشايخنا الذين أخذنا عنهم الخط العربي حين إقامتنا بمصر، و أنه رجل من خيار الناس و أفاضلهم، لا؟؟؟ نا إلا أن نرد قوله بيانا للحقيقة فنقول: يظهر لنا أن الأستاذ يوسف أحمد لم‏

269

يطلع على ما ورد من الأحاديث في حق الحجر الأسود، و أنه لم يقتنع بما رواه المؤرخون عن كيفية وضع إبراهيم (عليه السلام) له و إلا لما قال ما قال عنه في كتابه، بل إنه نظر إلى الحجر الأسود كما ينظر إلى بعض الآثار القديمة فكتب عنه ما بدا له على طريقة الاستنتاج، و نحن لا نتهمه قط، و هو رجل الاستقامة و الفضل و الذكاء، و إنما نلتمس له العذر لأن نفسه متشبعة بالأبحاث الأثرية، فكم تقلبت بين يديه مئات الأحجار القديمة عندما كان مفتشا للآثار بمصر ليبدي رأيه فيها و يقيد ملاحظاته عليها، لكن لما كان الحجر الأسود المبارك غير تلك الأحجار، وجب علينا أن نبين حقيقته حتى لا يبقى أدنى شبهة لدى أحد من الناس فنقول:

لما بلغ إبراهيم عليه الصلاة و السلام في بناء البيت إلى موضع الحجر الأسود جاء به جبريل (عليه السلام)، فوضعه في مكانه و بنى عليه إبراهيم و هو حينئذ يتلألأ تلألؤا من شدة بياضه فأضاء نوره شرقا و غربا و يمنا و شاما فكان نوره يضي‏ء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية من نواحي الحرم، و إنما كان سواده من خطايا بني آدم، كما جاء في الحديث و هذا أمر معنوي لا يدركه كل فرد، و قد اسود أيضا من إصابته بالحريق مرة بعد مرة في الجاهلية و الإسلام كما تقدم بيانه في بناء قريش و بناء ابن الزبير الكعبة.

فالحجر الأسود ليس من النيازك كما يظنه الأستاذ يوسف أحمد، و إنما هو و المقام ياقوتتان من يواقيت الجنة نزل بهما جبريل (عليه السلام)، و لو لا أن اللّه تعالى أطفأ نورهما لأضاءا ما بين السماء و الأرض كما جاء ذلك صريحا في بعض الأحاديث، قال ابن عباس: «و لو لا أن اللّه طمس ضوء الحجر الأسود لما استطاع أحد أن ينظر إليه». و قال مجاهد: «الركن من الجنة و لو لم يكن من الجنة لفني».

و كما أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام، رفع قواعد البيت بأمر اللّه، فقد وضع الحجر الأسود فيه بأمره عز شأنه أيضا، لا للعل التي ذكرها الأستاذ يوسف أحمد، قال عكرمة: «إن الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمسح الحجر فقد بايع اللّه و رسوله». و قال ابن عباس: «الركن يمين اللّه في الأرض يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه».

270

و لقد جاء في فضل الحجر و استلامه أحاديث كثيرة لا لزوم لسردها حتى لا يطول الكلام، نسأل اللّه التوفيق و الهداية للصواب.

انظر: صورة رقم 87، الحجر الأسود و تظهر منه ثماني قطع في زماننا اليوم‏

أصل القرامطة و مذهبهم‏

حيث أن هؤلاء الطائفة لهم ذكر في كتابنا هذا عند اقتلاعهم الحجر الأسود و انتهاكهم لحرمة مكة و البيت الحرام، نذكر هنا طرفا عن أصلهم و أخبارهم.

فقد جاء في تاريخ الخميس عن القرامطة عند الكلام على خلافة المقتدر باللّه ما يأتي:

و في المواقف: لقبوا بالقرامطة لأن أولهم الذي دعا الناس إلى مذهبهم رجل يقال له حمدان قرمطة، و هي إحدى قرى واسط، لقبوا بسبعة ألقاب:

(1) بالقرامطة لما مر، (2) و بالباطنية لقولهم بباطن الكتاب دون ظاهره، فإنهم قالوا للقرآن ظاهر و باطن و المراد منه باطنه لا ظاهره المعلوم من اللغة و نسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر، (3) و بالحرمية لإباحتهم الحرمات و المحارم، (4) و بالسبيعة لأنهم زعموا أن النطقاء بالشرائع أي الرسل سبعة آدم و نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد و محمد المهدي سابع النطقاء، (5) و بالبابكية إذ تبع طائفة منهم بابك بن عبد الكريم الحرمي في الخروج بأذربيجان، (6) و بالمحمرة للبسهم الحمرة في أيام بابك، (7) و بالإسماعيلية لإثباتهم الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق و هو أكبر أبنائه.

و في الملل و النحل لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني لهم ألقاب كثيرة على لسان كل قوم، فبالعراق يسمون الباطنية و القرامطة و المزدكية، و بخرسان التعليمة و الملحدة و هم يقولون: نحن إسماعيلية لأنا نميز عن فرق الشيعة بهذا الاسم و بهذا الشخص. انتهى من تاريخ الخميس.

و لقد تكلم الخضري (رحمه اللّه تعالى) في كتابه «محاضرات الخضري» عن بعض الطوائف و منهم القرامطة، نذكر هنا طرفا من أخبارهم نقلا عن الكتاب المذكور باختصار فنقول:

271

ظهر في أواخر دولة المعتمد باللّه بن المتوكل بن المعتصم المتوفى لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة (279) تسع و سبعين و مائتين من الهجرة، رجل بسواد الكوفة قدم إليها من نواحي خوزستان و كان يظهر الزهد و التقشف و يأكل من كسبه و يكثر الصلاة، فأقام على ذلك مدة و أعلم الناس أنه يدعو إلى إمام من أهل البيت، و كان يزداد في أعين الناس نبلا بما يظهره من الزهد ثم مرض.

و كان في القرية رجل يلقبونه «بكرميته» لحمرة عينيه و هو بالنبطية أحمر العين فحمل هذا المريض إلى منزله و وصى أهله بالإشراف عليه و العناية به فلم يزل مقيما عنده حتى برئ فكان «كرميته» يدعو الناس إلى مذهبه حتى أجابه جمع كثير من الأكرة (جمع آكار بالتشديد و هو الحراث) و كان يأخذ من كل من دخل في مذهبه دينارا بزعم أنه للإمام، و اتخذ من أهل القرية نقباء اثني عشر، فاشتغل الزراع هناك عن أعمالهم بما رسم لهم من الصلوات الكثيرة التي أخبرهم أنها مفروضة عليهم.

و كان للهيصم في تلك النواحي ضياع فوقف على تقصير أكرته في العمارة، فسأل عن ذلك فعلم بخبر الرجل فوجه في طلبه فأخذ و جي‏ء به إليه فحبسه و اشتغل بشربه فرقت إحدى جوار الهيصم للرجل فأخذت مفتاح الحجرة التي حبس فيها من تحت رأس الهيصم و فتحت الباب و أخرجته ثم أعادت المفتاح إلى مكانه، فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتل الرجل فلم يجده، و شاعت تلك الحادثة في الناس فافتتنوا به و قالوا رفع ثم ظهر في ناحية أخرى، و أشيع بين الناس أنه لا يمكن أحدا أن يناله بسوء فعظم في أعينهم و مع ذلك فإنه خاف على نفسه و خرج إلى الشام و أطلق على نفسه اسم الرجل الذي آواه و هو «كرميته» ثم خفف فقيل قرمط و لمن تبعه القرامطة ثم إنه فشا مذهب القرامطة في سواد الكوفة و السلطان لاه عنهم، لا يفكر في تغيير شي‏ء مما هم عليه حتى كان منهم ما كان من الكوارث العظمى التي حلت بالأمة الإسلامية و حتى أخيفت السبل و قطع طريق الحاج.

ثم ظهر بالبحرين رجل يقال له أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، و جنابة من ساحل فارس يدخل إليها في المراكب في خليج من البحر الفارسي و بين المدينة و البحر ثلاثة أميال، و قبالتها في وسط البحرين جزيرة خارك، نشأ بها أبو سعيد هذا و كان رقاقا فنفي عن جنابة فخرج إلى البحرين فأقام بها تاجرا و جعل يستميل‏

272

العرب إلى نحلته فاستجاب له أهل البحرين و ما والاها و قوي أمره فقتل ما حوله من أهل القرى و فعل كذلك بالقطيف و أظهر أنه يريد البصرة و أقبل إليها بجموعه في سنة (287) سبع و ثمانين و مائتين، فأرسل إليه المعتضد جيشا فهزمه أبو سعيد الجنابي و قتل الأسرى، ثم سار الجنابي بعد الواقعة إلى «هجر».

و أيضا أرسل المعتضد باللّه العباسي جيشا يقوده مولاه شبل غلام أحمد بن محمد الطائي إلى الكوفة لمحاربة هؤلاء المارقين الذين انتشر مذهبهم و كثر أتباعهم، فظفر بهم شبل غلام أحمد الطائي، و أسر رئيسا لهم يقال له أبو الفوارس و قدم به على المعتضد، فسأله المعتضد: هل تزعمون أن روح اللّه تعالى و أرواح أنبيائه تحل في أجسادكم فتعصمكم من الزلل و توفقكم لصالح العمل؟ فقال: يا هذا إن حلت روح اللّه فينا فما يضرك و إن حلت روح إبليس فما ينفعك فلا تسأل عما لا يعنيك و سل عما يخصك. فقال المعتضد: ما تقول فيما يخصني؟ قال: أقول إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مات و أبوكم العباس حي فهل طلب بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك، ثم مات أبو بكر فاستخلف عمر و هو يرى موضع العباس و لم يوص إليه، ثم مات عمر و جعلها شورى في ستة أنفس و لم يوص إليه و لا أدخله فيهم. فبما تستحقون أنتم الخلافة و قد اتفق الصحابة على دفع جدك عنهم؟ فأمر به المعتضد فقتل.

و لما تتابع جيش المعتضد إلى من بسواد الكوفة سعى داعية قرمط زكرويه بن مهرويه في استغواء كلب بن وبرة بواسطة أولاده فأجابه بعض بطونهم و بايعوا سنة (291) ابن زكرويه المسمى يحيى و المكنى بأبي القاسم و لقبوه الشيخ و زعموا أنه محمد بن عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق و زعم لهم أن له بالبلاد مائة ألف تابع و سمى أتباعه الفاطميين. فقصدهم شبل مولى المعتضد المذكور من ناحية الرصافة فاغتروه و قتلوه و أحرقوا مسجد الرصافة و اعترضوا كل قرية اجتازوا به حتى بلغوا بلاد الشام و كانت إذ ذاك في حوزة خمارويه بن أحمد بن طولون و ينوب عنه فيها طغج بن جف فقاتلهم مرارا فهزموه.

هذا ما كان من أمر هؤلاء القرامطة في حياة المعتضد باللّه، فقد ظهروا في ثلاثة مواضع، بالبحرين و العراق و الشام، و قد توفي المعتضد لثمان بقين من ربيع الآخر سنة (289) و كان ولي عهده ابنه المكتفي.

273

و في أيام المقتدر باللّه بن المعتضد الذي بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه المكتفي في ذي القعدة سنة (295) خمس و تسعين و مائتين، كان رئيس القرامطة أبو طاهر سليمان الجنابي بن أبي سعيد الحسن الجنابي الذي تقدم ذكره و الذي قتل سنة (301) إحدى و ثلاثمائة، و كان قد استولوا على هجر و الأحساء و القطيف و سائر بلاد البحرين، فلما تولى أبو طاهر تتابعت غزواته إلى جهة البصرة و كانت أشد غزواته لها سنة (311) فإنه سار إليها في ألف و سبعمائة من القرامطة و دخلها و قتل حاميتها و وضع السيف في أهلها و أقام بها سبعة عشر يوما يحمل منها ما يقدر عليه من المال و الأمتعة و النساء و الصبيان ثم عاد إلى بلده، و توجه منها إلى طريق الحاج ليلقاهم عند رجوعهم إلى مكة، فأوقع بالقافلة العظمى من الحجاج القتل و النهب و أخذوا جمالهم و أمتعتهم و أموالهم و النساء و الصبيان و من نجا منهم مات من الجوع و العطش في موضعه ثم عاد أبو طاهر إلى هجر، فطلب أمير المؤمنين المقتدر باللّه من أبي طاهر أن يطلق من عنده من أسرى الحاج فأطلقهم، و طلب ولاية البصرة و الأهوار فلم يجبه المقتدر.

ثم خرج الحجاج من بغداد يريدون الحج فسار معهم جعفر بن ورقاء الشيباني و كان على أعمال الكوفة و طريق مكة و معه ألف رجل من بني شيبان و سار معهم أيضا قواد السلطان بستة آلاف رجل، فلقيهم أبو طاهر القرمطي فهزمهم فرجعوا إلى الكوفة فتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة ثم دخلها و أقام بها ستة أيام ثم عاد إلى «هجر» بعد أن حمل معه ما قدر على حمله من الأموال فخاف أهل بغداد أن يهجم عليهم أبو طاهر.

و في سنة (315) سار أبو طاهر نحو الكوفة أيضا و استولى عليها، ثم قصد الأنبار و استولى عليها أيضا و هزم جيش المقتدر، و جاء شخص إلى علي بن عيسى الوزير و أخبره أن في جيرانه رجلا من شيراز على مذهب القرامطة يكاتب أبا طاهر بالأخبار، فأحضره و سأله فاعترف و قال: ما صحبت أبا طاهر إلا لما صح عندي أنه على الحق و أنت و صاحبك كفار تأخذون ما ليس لكم و لا بد للّه من حجة في أرضه و إمامنا محمد بن فلان بن فلان بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق المقيم ببلاد المغرب و لسنا كالرافضة و الاثني عشرية الذين يقولون بجهلهم أن لهم إماما ينتظرونه و يكذب بعضهم لبعض فيقول قد رأيته و سمعته و هو يقرأ و لا ينكرون بجهلهم و غباوتهم أنه لا يجوز أن يعطى من العمر ما يظنونه فقال له الوزير: قد

274

خالطت عسكرنا و عرفتهم فمن فيهم على مذهبك؟ فقال: و أنت بهذا العقل تدبر الوزارة كيف تطمع مني أن أسلم قوما مؤمنين إلى قوم كافرين يقتلونهم؟ لا أفعل ذلك فأمر به فضرب ضربا شديدا و منع الطعام و الشراب فمات بعد ثلاثة أيام.

ثم سار أبو طاهر و عثى في أرض الجزيرة نهبا و قتلا إلا من اعتصم منه بالأمان و الفدية و جيوش السلطان لا تؤثر فيها أثرا و تخاف أن تقدم عليه فلما تم له ما أراد من الجزيرة عاد إلى الكوفة و منها دخل هو و أصحابه البرية بعد أن خافوا السبل و أهلكوا العدد الجم.

و كانت هذه الانتصارات سببا في ظهور من كان بالسواد ممن يعتقد مذهب القرامطة و يكتم اعتقاده خوفا فأظهروا اعتقادهم و اجتمع منهم بسواد الكوفة أكثر من عشرة آلاف رجل و ولوا أمرهم رجلا يعرف بحريث بن مسعود و اجتمعت طائفة أخرى بعين التمر و نواحيها في جمع كثير و ولوا أمرهم رجلا يعرف بعيسى بن موسى و كانوا يدعون إلى المهدي و سار عيسى إلى الكوفة و نزل بظاهرها و جبى الخراج و صرف عمال السلطان على السواد و سار حريث إلى أعمال الموفقى و بنى بها دارا سماها دار الهجرة و استولى على تلك الناحية فكان أصحابه ينهبون و يقتلون و يسبون.

فأرسل المقتدر إلى حريث بن مسعود و من معه هارون بن غريب و إلى عيسى بن موسى و من معه بالكوفة صافيا البصري فأوقع كل منهما بمن أرسل إليه من القرامطة و أسر منهم خلق كثير و قتل أكثر ممن أسر و أخذت أعلامهم و كانت بيضاء كتب عليها «و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين» فأدخلت بغداد منكوسة و اضمحل أمر من السواد منهم و كفى اللّه الناس شرهم و إن كان ذلك مما يعجل بخراب القرى و إتلاف المزارع.

و في سنة (317) سبع عشرة و ثلاثمائة فعل أبو طاهر ما هو أشنع و أدهى و ذلك أنه سار بجنده إلى مكة فوافاها يوم التروية فلم يرع حرمة البيت الحرام بل نهب هو و أصحابه أموال الحجاج و قتلوهم حتى في المسجد الحرام و في البيت نفسه و قلع الحجر الأسود و أنفذه إلى هجر فخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم فقاتلوه فقتلهم أجمعين و قلع باب البيت و طرح القتلى في بئر زمزم و دفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير غسل و لا كفن‏

275

و لا صلى على أحد منهم، و أخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه و نهب دور مكة. و لم يحصل في التاريخ أن انتهكت حرمة هذا البيت إلى هذا الحد حتى أن المهدي عبيد اللّه العلوي لما علم ذلك كتب إلى أبي طاهر ينكر عليه ذلك و يلومه و يلعنه و يقيم عليه القيامة يقول: قد حققت على شيعتنا و دعاة دولتنا اسم الكفر و الإلحاد بما فعلت، و إن لم ترد على أهل مكة و على الحجاج و غيرهم ما أخذت منهم و ترد الحجر الأسود إلى مكانه و ترد كسوة الكعبة فأنا بري‏ء منك في الدنيا و الآخرة فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود و استعاد ما أمكنه من أموال أهل مكة فرده و قال: إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة و أموال الحجاج و لا أقدر على منعهم. انتهى كل ذلك من كتاب محاضرات الخضري.

و قصة قتل أبي سعيد الجنابي الذي تقدم ذكره مذكورة في تاريخ الخميس فقد جاء فيه ما نصه: و في سنة (301) قتل أبو سعيد الجنابي رأس القرامطة قتله مملوك له صقلبي راوده في الحمام ثم خرج فاستدعى قائدا من أصحاب الجنابي فقال:

السيد يطلبك فلما دخل قتله و خرج فطلب آخر فقتله حتى قتل أربعة من رؤسائهم و استدعى الخامس فلما دخل فطن لذلك فأمسك بيد الخادم و صاح الناس و صاح النساء فقتلوه. انتهى منه. و جاء فيه أيضا أنه في سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة مات الطاغية القرمطي أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي في هجر بالجدري لا (رحمه اللّه). انتهى.

بقيت هنا مسألة صغيرة عنهم و هي: لماذا تمادت القرامطة في طغيانهم و أغوائهم بدون أن تقضي عليهم جيوش أمير المؤمنين الذي كان في زمنهم نقول:

إن أمير المؤمنين أو من ينوب عنه في البلدان ما قصروا في محاربتهم و لكن لم يكن في ذلك الزمن الأسلحة الحديثة و لا الطائرات و لا الأوتومبيلات و لا أساطيل البحر و البر، كما لم يكن لديهم الراديو و التلغراف و التليفون و وسائل المخابرات السريعة ليقمعوا المارقين و الخارجين سريعا قبل استفحال أمرهم. فإلى أن يرسلوا رسولا إلى جهة ليأتي بالخبر اليقين و الأمر الحازم و الإمدادات من مال و أسلحة و جيش و طعام يسرع الباغون و الخارجون عن الطاعة بتنفيذ خططهم التي رسموها فيستولوا على بعض البلدان و يتقووا بما يأخذونه منها من المال و الأمتعة و الرجال، ثم إذا التقى هؤلاء بجيش الخليفة فالحرب سجال و النصر بيد اللّه ينصر من يشاء و هو القوي العزيز. هذا رأينا و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

276

اللهم أعز الاسلام و المسلمين و اجمع كلمتهم و شتات أمرهم، و وفقهم لاتباع دينك القويم و صراطك المستقيم، و أهلك الكفرة و المشركين، و اخذلهم أينما كانوا، و اضرب عليهم الذلة و المسكنة و الضعف و الهوان، وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏.

آمين، و صلى اللّه و سلم على النبي الأمي و على آله و صحبه أجمعين.

بعد أن كتبنا جميع ما تقدم، عثرنا على كتاب مطبوع بمصر اسمه «كشف أسرار الباطنية و أخبار القرامطة» لمؤلفه العلامة محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي اليماني من أهل القرن الخامس للهجرة، عن الباطنية و القرامطة، فرأينا أن ننقل منه بعض الصحائف المهمة، ليطلع المسلمون كيف تكون الدسائس من أعداء الإسلام، و كيف يغوي الدخلاء و المنافقون الجهلاء ضعاف العقول، حتى أنهم مهما أتوا من الحيل و الطرق الشيطانية، فلا يقدرون أن ينالوا من الدين الإسلامي الحنيف شيئا، لأنه دين قوي متين، تكفل اللّه العزيز الحميد بحفظه إلى قيام الساعة، كما هو صريح قوله: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏.

و إليك ما جاء في الكتاب المذكور:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، قال محمد بن مالك رحمة اللّه عليه: اعلموا أيها الناس المسلمون، عصمكم اللّه بالإسلام و جنبنا و إياكم طرق الآثام، و أصلحكم و أرشدكم، و وفقكم لمرضاته و سددكم إني كنت أسمع ما يقال عن هذا الرجل الصليحي كما يسمعون، و ما يتكلم به عليه من سي‏ء الإذاعة و قبح الشناعة، فإذا قال القائل: هو يفعل و يصنع، قلت: أنت تشهد عليه غدا، فيقول: ما شهدت و لا عاينت بل أقول كما يقول الناس.

فكنت أتعجب من هذا أولا، و لا أكاد أصدق و لا أكذب، ما قد أجمع عليه الناس و نطقت به الألسن، فتارة أقول هذا ما لا يفعله أحد من العرب و العجم، و لا سمع به فيما تقدم من سالف الأمم، إنما هذه عداوة له من الناس للمآل الذي بلغه من غير أصل و لا أساس، و كنت كثيرا ما أسمعه يقول: «حكم اللّه لنا على من يظلمنا و يرمينا بما ليس فينا». فرأيت أن أدخل في مذهبه، لأتيقن صدق ما قيل فيه من كذبه، و لأطلع على سرائره و كتبه، فلما تصفحت جميع ما فيها و عرفت معانيها رأيت أن أبرهن على ذلك ليعلم المسلمون عمدة مقالته، و أكشف‏

277

لهم عن كفره و ضلالته، نصيحة للّه و للمسلمين، و تحذيرا ممن يحاول بغض هذا الدين، و اللّه موهن كيد الكافرين.

فأول ما أشهد به و أشرحه، و أبينه للمسلمين و أوضحه أن له نوابا يسميهم الدعاة المأذونين، و آخرين يلقبهم المكلبين تشبيها لهم لكلاب الصيد، لأنهم ينصبون للناس الحبائل، و يكيدونهم بالغوائل، و ينقبضون عن كل عاقل، و يلبسون على كل جاهل، بكلمة حق يراد بها الباطل، يحضونه على شرائع الإسلام من الصلاة و الزكاة و الصيام، كالذي ينثر الحب للطير ليقع في شركه، فيقيم أكثر من سنة يمعنون به و ينظرون صبره و يتصفحون أمره، و يخدعونه بروايات عن النبي (صلى الله عليه و سلم) محرفة، و أقوال مزخرفة، و يتلون عليه القرآن على غير وجهه، و يحرفون الكلم عن مواضعه، فإذا رأوا منه الانهماك و الركون و القبول و الإعجاب بجميع ما يعلمونه و الانقياد بما يأمرونه، قالوا حينئذ: اكشف عن السرائر، و لا ترض لنفسك و لا تقنع بما قد قنع به العوام من الظواهر، و تدير القرآن و رموزه، و اعرف مثله و ممثلوه، و اعرف معاني الصلاة و الطهارة، و ما روي عن النبي (صلى الله عليه و سلم) بالرموز و الإشارة، دون التصريح في ذلك و العبارة، فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة، لممثولات محجوبة، فاعرف الصلاة و ما فيها، وقف على باطنها و معانيها، فإن العمل بغير علم لا ينتفع به صاحبه.

فيقول: عم أسأل؟ فيقولون: قال اللّه تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ فالزكاة مفروضة في كل عام مرة، و كذلك الصلاة من صلاها مرة في السنة، فقد أقام الصلاة بغير تكرار، و أيضا فالصلاة و الزكاة لهما باطن، لأن الصلاة صلاتان، و الزكاة زكاتان، و الصوم صومان، و الحج حجان، و ما خلق اللّه سبحانه من ظاهر إلا و له باطن، يدل على ذلك‏ وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ‏، و قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏.

ألا ترى أن البيضة لها ظاهر و باطن، فالظاهر ما تساوى به الناس و عرفه الخاص و العام، و أما الباطن فقصر علم الناس به عن العلم به، فلا يعرفه إلا القليل، من ذلك قوله: وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ‏ و قوله: وَ قَلِيلٌ ما هُمْ‏ و قوله:

وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فالأقل من الأكثر الذين لا عقول لهم و الصلاة و الزكاة سبعة أحرف، دليل على محمد و علي صلى اللّه عليهما، لأنهما سبعة

278

أحرف، فالمعنى بالصلاة و الزكاة ولاية محمد و علي، فمن تولاهما فقد أقام الصلاة و آتى الزكاة.

فيوهمون على من لا يعرف لزوم الشريعة و القرآن و سنن النبي (صلى الله عليه و سلم) فيقع هذا من ذلك المخدوع بموقع الاتفاق و الموافقة، لأنه مذهب الراحة و الإباحة، يريحهم مما تلزمهم الشرائع من طاعة اللّه، و يبيح لهم ما حظر عليهم من محارم اللّه، فإذا قبل منهم ذلك المغرور هذا، قالوا له: قرب قربانا يكون لك سلما و نجوى، و نسأل مولانا يحط عنك الصلاة و يضع عنك هذا الإصر فيدفع اثني عشر دينارا، فيقول ذلك الداعي: يا مولانا! إن عبدك فلان قد عرف الصلاة و معانيها فاطرح عنه الصلاة وضع عنه هذا الإصر، و هذا نجواه اثنا عشر دينارا، فيقول: اشهدوا أني قد وضعت عنه الصلاة و يقرأ له: وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ‏ فعند ذلك يقبل إليه أهل هذه الدعوة يهنئونه، و يقولون: الحمد للّه الذي وضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك.

ثم يقول له ذلك الداعي الملعون بعد مدة: قد عرفت الصلاة و هي أول درجة، و أنا أرجوا أن يبلغك اللّه إلى أعلى الدرجات، فاسأل و ابحث فيقول: عم أسأل؟ فيقول له: سل عن الخمر و الميسر اللذين نهى اللّه تعالى عنهما أبو بكر و عمر لمخالفتهما على علي و أخذهما الخلافة دونه، فأما ما يعمل من العنب و الزبيب و الحنطة و غير ذلك فليس بحرام، لأنه مما أنبتت الأرض و يتلو عليه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ إلى آخر الآية، و يتلو عليه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إلى آخر الآية.

و الصوم الكتمان فيتلو عليه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ يريد كتمان الأئمة في وقت استتارهم خوفا من الظالمين و يتلو عليه: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا فلو كان عنى بالصيام ترك الطعام، لقال فلن أطعم اليوم شيئا فدل على أن الصيام الصموت فحينئذ يزداد ذلك المخدوع طغيانا و كفرا و ينهمك إلى قول ذلك الداعي الملعون لأنه أتاه بما يوافق هواه و النفس أمارة بالسوء.

ثم يقول له: ادفع النجوى تكون لك سلما و وسيلة حتى نسأل مولانا يضع عنك الصوم فيدفع اثني عشر دينارا فيمضي به إليه فيقول: يا مولانا! عبدك فلان‏

279

قد عرف معنى الصوم على الحقيقة فأبح له الأكل برمضان، فيقول له: قد وثقته و أمنته على سرائرنا؟ فيقول له: نعم، فيقول: قد وضعت عنه ذلك.

ثم يقيم بعد ذلك مدة فيأتيه ذلك الداعي الملعون، فيقول له: قد عرفت ثلاث درجات فاعرف الطهارة ما هي، و معنى الجنابة ما هي في التأويل، فيقول: فسر لي ذلك، فيقول له: اعلم أن معنى الطهارة طهارة القلب، و أن المؤمن طاهر بذاته، و الكافر نجس لا يطهره الماء و لا غيره، و أن الجنابة هي موالاة الأضداد أضداد الأنبياء و الأئمة، فأما المني فليس بنجس، منه خلق اللّه الأنبياء و الأولياء و أهل طاعته، و كيف يكون نجسا و هو مبدأ خلق الإنسان، و عليه يكون أساس البنيان فلو كان التطهير منه من أمر الدين لكان الغسل من الغائط و البول أوجب لأنهما نجسان، و إنما معنى: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا معناه: فإن كنتم جهلة بالعلم الباطن فتعلموا و اعرفوا العلم الذي هو حياة الأرواح كالماء الذي هو حياة الأبدان قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏. و قوله: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ‏ فلما سماه اللّه بهذا دل على طهارته، و يوهمون ذلك المخدوع بهذه المقالة، ثم يأمره ذلك الداعي أن يدفع اثني عشر دينارا و يقول: يا مولانا! عبدك فلان قد عرف معنى الطهارة حقيقة و هذا قربانه إليك فيقول: اشهدوا أني قد حللت له ترك الغسل من الجنابة.

ثم يقيم مدة فيقول له هذا الداعي الملعون: قد عرفت أربع درجات و بقي عليك الخامسة، فاكشف عنها فإنها منتهى أمرك و غاية سعادتك و يتلو عليه:

فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ‏ فيقول له: ألهمني إياها و دلني عليها، فيتلو عليه: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ. ثم يقول له: أتحب أن تدخل الجنة في الحياة الدنيا فيقول: و كيف لي بذلك؟ فيتلو عليه: وَ إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَ الْأُولى‏ و يتلو عليه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ.

و الزينة هاهنا ما خفي على الناس من أسرار النساء التي لا يطلع عليها إلا المخصوصون بذلك، و ذلك قوله: وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ‏ و الزينة مستورة غير مشهورة ثم يتلو عليه: وَ حُورٌ عِينٌ* كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ‏ فمن لم ينل الجنة في الدنيا لم ينلها في الآخرة، لأن الجنة مخصوص بها ذوو الألباب،

280

و أهل العقول دون الجهال، لأن المستحسن من الأشياء ما خفي، و لذلك سميت الجنة جنة لأنها مستجنة، و سميت الجن جنا لاختفائهم عن الناس، و الجنة المقبرة لأنها تستر من فيها، و الترس المجن لأنه يستتر به، فالجنة هاهنا ما استتر عن هذا الخلق المنكوس، الذين لا علم لهم و لا عقول فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكا و يقول لذلك الداعي الملعون: تلطف في حالي، و بلغني إلى ما شوقتني إليه، فيقول: ادفع النجوى اثني عشر دينارا تكون لك قربانا و سلما، فيمضي به فيقول: يا مولانا! إن عبدك فلان قد صحت سريرته و صفت حبرته، و هو يريد أن تدخله الجنة، و تبلغه حد الأحكام، و تزوجه الحور العين، فيقول له: قد وثقته و أمنته؟ فيقول: يا مولانا! قد وثقته و أمنته و خبرته، فوجدته على الحق صابرا و لأنعمك شاكرا.

فيقول: علمنا صعب مستصعب، لا يحمله إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب، أو عبد امتحن اللّه قلبه بالإيمان، فإذا صح عندك حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه و بينها، فيقول سمعا و طاعة للّه و لمولانا، فيمضي به إلى بيته فيبيت مع زوجته حتى إذا كان الصباح قرع عليهما الباب و قال: قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس، فيشكر ذلك المخدوع و يدعو له، فيقول له: ليس هذا من فضلي هذا من فضل مولانا، فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة فلا يبقى منهم أحد إلا بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعي الملعون.

ثم يقول له: لا بد لك أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا فادفع قربانك فيدفع اثني عشر دينارا و يصل به، و يقول: يا مولانا! إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم و هذا قربانه، حتى إذا جن الليل و دارت الكؤوس و حميت الرؤوس و طابت النفوس أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم، فيدخلن عليهم من كل باب و أطفأوا السرج و الشموع و أخذ كل واحد منهم ما وقع عليه في يده ثم يأمر المقتدي زوجته أن تفعل كفعل الداعي الملعون و جميع المستجيبين، فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل له، فيقول له: ليس هذا من فضلي، هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين فاشكروه و لا تكفروه، على ما أطلق من وثاقكم، و وضع عنكم أوزاركم، و حط عنكم آصاركم، و وضع عنكم أثقالكم، و أحل لكم بعض الذي عليكم جهالكم‏ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ‏.

281

قال محمد بن مالك (رحمه اللّه تعالى): هذا ما اطلعت عليه من كفرهم و ضلالتهم، و اللّه تعالى لهم بالمرصاد، و اللّه تعالى علي شهيد بجميع ما ذكرته، مما اطلعت عليه من فعلهم و كفرهم و جهلهم، و اللّه يشهد علي بجميع ما ذكرته عالم به، و من تكلم عليهم بباطل فعليه لعنة اللّه و لعنة اللاعنين و الملائكة و الناس أجمعين، و أخزى اللّه من كذب عليهم، و أعد له جهنم و ساءت مصيرا، و من حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حول اللّه و قوته إلى حول الشيطان و قوته، فأديت هذه النصيحة إلى المسلمين حسب ما أوجبه اللّه علي من حفظ هذه الشهادة، فإن اللّه سبحانه أمر بحفظ الشهادة و مراعاتها و أدائها إلى من لم يسمعها، قال اللّه سبحانه و تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ‏ و اللّه أسأله أن يتوفانا مسلمين، و لا ينزع عنا الإسلام بعد إذ آتانا اللّه بمنه و رحمته.

المقالة في أصل هذه الدعوة الملعونة و مبدئها

و قد رأيت أيها الناس وفقنا اللّه و إياكم للصواب، و جنبنا و إياكم طرق الكفر و الارتياب، أن أذكر أحبال هذه الدعوة الملعونة لئلا يميل إلى مذهبهم مائل، و لا يصبوا إلى مقالتهم لبيب عاقل، و يكون في هذا القدر من الكلام في هذا الكتاب إنذارا لمن نظره، و أعذارا لمن وقف عليه و اعتبره.

(باب) اعلموا يا إخواني في الإسلام أن لكل شي‏ء من أسباب الخير و الشر و النفع و الضر و الداء و الدواء أصولا، و للأصول فروعا، و أصل هذه الدعوة الملعونة التي استهوى به الشيطان أهل الكفر و الشقوة، ظهور «عبد اللّه بن ميمون القداح» في الكوفة، و ما كان له من الأخبار المعروفة، و المنكرات المشهورة الموصوفة، و دخوله في طريق الفلسفة و استعماله الكتب المزخرفة، و تمشيته إياها على الطغام، و مكيدته لأهل الإسلام.

و كان ظهوره في سنة ست و سبعين و مائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل، و بغى لهم الغوائل، و لبس الحق بالباطل، و مكر أولئك هو يبور و جعل لكل آية من كتاب اللّه تفسيرا، و لكل حديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) تأويلا، و زخرف الأقوال، و ضرب الأمثال، و جعل لآي القرآن شكلا يوازيه، و مثلا يضاهيه، و كان الملعون عارفا بالنجوم متضلعا بجميع العلوم يريدون ليطفئوا نور اللّه بأفواههم و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون فجعل أصل دعوته‏

282

التي دعاها، و أساس بنيته التي بناها، الدعاء إلى اللّه و إلى رسوله و يحتج بكتاب اللّه و معرفة مثله و ممثوله، و الاختصاص لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بالتقديم و الإمامة و الطعن على جميع الصحابة، بالسب و الأذى و قد روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: «لعن اللّه من سب أصحابي» و قال (عليه السلام): «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» و قال (صلى الله عليه و سلم): «من سب أصحابي فقد سبني، و من سبني فقد سب اللّه، و من سب اللّه كبه اللّه على وجهه في النار» فأفسد بتمويه قلوب الجهال، و زين لهم الكفر و الضلال، و له شرح يطول فيه الخطاب غير أني أختصر و فيما أشرحه كفاية و اعتبار لأولي الألباب و الأبصار.

و كان هذا الملعون يعتقد اليهودية و يظهر الإسلام، و هو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة بالشام يقال لها سلمية، و كان من أحبار اليهود و أهل الفلسفة الذين عرفوا جميع المذاهب، و كان صائغا يخدم (شيعة) إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، و كان حريصا على هدم الشريعة المحمدية، لما ركب اللّه في اليهود من عداوة الإسلام و أهله، و البغضاء لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فلم ير وجها يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و كان قد خرج في أيام قرمط البقار، و كان اسمه أو لقبه لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى، و لذلك نسب أهل مذهبه و مذهب ابن ميمون إلى قرمط، لأنهما اجتمعا و عملا ناموسا يدعوان إليه، و كانا يعرفان بالنجوم و أحكام الأزمان، فدلهما الوقت على تأسيس ما عملاه، فخرج ميمون إلى الكوفة و أقام بها مدة، و له أخبار يطول شرحها، مما كان منه و من علي بن فضل و المنصور صاحب مسور و أبي سعيد الجنابي و أنا أشرح ذلك عند انتهائي إليه إن شاء اللّه تعالى، و أما قرمط البقار فإنه خرج إلى بغداد فقتل هنالك لا (رحمه اللّه).

(باب) ذكر ما كان من القداح و عقبه لعنه اللّه و من تعلق بسببه و دخل في ضلالته و مذهبه، و كان أول أولاده عبيد و هو المهدي ثم «محمد» و هو القائم ثم «الطاهر» إسماعيل المنصور ثم «المعز» ثم «العزيز» ثم «الحاكم» ثم «الظاهر» ثم «معد المستنصر» هؤلاء الذين ينسبون إليه إلى عصرنا هذا، فانتسبوا إلى ولد الحسين بن علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)، و انتحالهم إليه انتحال كاذب، و ليس لهم في ذلك برهان، و أهل الشرف ينكرون ذلك فإنهم لم يجدوا لهم في‏

283

الشرف أصلا مذكورا، و لا عرفوا لهم في كتاب الشجرة نسبا مشهورا، بل الكل يقصيهم عن الشرف و ينفيهم عن النسب، إلا من دخل معهم في كفرهم و ضلالتهم، فإنه يشهد لهم الزور، و يساعدهم في جميع الأمور، و قد زعموا أنهم من ولد محمد إسماعيل بن جعفر الصادق و حاش للّه ما كان لمحمد إسماعيل من ولد، و لا عرف ذلك من الناس أحد، بل هم كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

الدليل على ذلك و على بطلان ما ذكروه أنهم يقولون معدا المستنصر بن الظاهر ابن الحاكم ابن العزيز ابن المعز ابن المنصور ابن القائم ابن المهدي و هو عبيد بن ميمون، ثم يقولون ابن الأئمة المستورين من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، فإذا سألهم سائل عن هؤلاء المستورين حادوا عن الجواب، و كان للسائل لهم الارتياب، و قالوا هم أئمة قهروا فتستروا، و لم يؤمروا بإظهارهم و لا ذكرهم لأحد، و هذا من أعظم الشواهد على بطلان ما ذكروه و انتسبوا إليه.

و الدليل على أنهم من ولد اليهود، استعمالهم اليهود في الوزارة و الرئاسة، و تفويضهم إليهم تدبير السياسة ما زالوا يحكمون اليهود في دماء المسلمين و أموالهم، و ذلك مشهور عنهم يشهد بذلك كل أحد.

(باب) خروج ميمون القداح من سلمية إلى الكوفة و قد ولد عبيد و هو الذي يسمونه عبيد اللّه المهدي فأقاما بالكوفة مدة طويلة حتى تهيأ لهما ما كانا يطلبان، و إلى أن أجابهما إلى ذلك تسعة رهط يفسدون في الأرض و لا يصلحون، منهم علي بن فضل الجدني اليماني، و أبو القاسم بن زاذان الكوفي المسمى المنصور عند كونه في اليمن في مسور، و أبو سعيد الجنابي صاحب الأحساء و البحرين، و أبو عبد اللّه الشيعي صاحب كتامة في الغرب، و الحسن بن مهران المسمى بالمقنع الخارج فيما وراء النهر من خراسان، و محمد بن زكريا الخارج في الكوفة، و لا بد أن أذكر أصح خبر كل واحد منهم مختصرا إن شاء اللّه تعالى.

(باب) ذكر أبي سعيد الجنابي لعنه اللّه كان فيلسوفا ملعونا ملك البحرين و اليمامة و الأحساء، و ادعى فيها أنه المهدي القائم بدين اللّه، فاستفتح .. و دخل مكة، و قتل الناس في المسجد الحرام، و منع الناس من الحج، و اقتلع الركن و راح به إلى الأحساء، و قال في ذلك شعرا:

و لو كان هذا البيت للّه ربنا* * * لصب علينا النار من فوقنا صبا

284

لأنا حججنا حجة جاهلية* * * مجللة لم نبق شرقا و لا غربا

و إنا تركنا بين زمزم و الصفا* * * جنائز لا تبغي سوى ربها ربا

و له لعنه اللّه أشعار بالقدر في ذلك تركتها اختصارا، و كان دخوله مكة سنة سبع عشرة و ثلاثمائة و قتل فيها ثلاثة عشر ألفا عليه لعنة اللّه.

انتهى من كتاب كشف الأسرار الباطنية و أخبار القرامطة، المطبوع بمصر 1357 على حساب ناشره و مصححه السيد عزت العطار، و هو كتاب يقع في أربع و أربعين صحيفة، و نحن نقلنا من صحيفة 11 إلى صحيفة 21 و تركنا الباقي حتى لا يطول بنا الكلام.

وضع الأطواق على الحجر الأسود

سبب وضع الأطواق الفضية على الحجر الأسود و ربطه بالفضة الخالصة، هو حصول تصدع و تشطيب فيه و كان أول حدوث ذلك في أيام خلافة ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما بسبب حريق الكعبة المعظمة الذي حصل في أيام الحصار، و ذلك أن رجلا أوقد نارا في بعض الخيام المضروبة في المسجد الحرام فطارت شرارة في الخيمة فمشى الحريق حتى أخذ في كسوة الكعبة فاحترقت و احترق الركن الأسود أيضا و ذلك سنة (64) أربع و ستين هجرية، فتصدع الحجر الأسود بثلاث فرق، فربطه ابن الزبير بالفضة، ثم وقع على الركن جملة حوادث مما تقدم ذكرها زادت من تصدعه و تفلقه، لذلك كان أمراء المؤمنين و السلاطين الأقدمون لا يلمسون الحجر الكريم في عمارتهم للكعبة إلا برفق و حذر، حتى أنه في عمارة السلطان مراد الرابع التي حصلت سنة (1040) تركوا الحجر الأسود في محله خوفا من تفرق أجزائه و أحكموا البنيان حوله إحكاما.

هذا سبب وضع أطواق الفضة على الحجر الأسود، و لنذكر هنا عدد ما وضع عليه من الأطواق و اسم واضعها غير ناظرين إلى اختلاف أشكالها و وزن أحجامها فنقول و باللّه التوفيق:

1- عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه: و هو أول من ربط الحجر بالفضة لما أصابه الحريق في عهده سنة (64) أربع و ستين من الهجرة.

285

2- هارون الرشيد: و ذلك عندما اعتمر سنة (189) تسع و ثمانين و مائة من الهجرة حيث تزلزلت الفضة التي حول الركن، فأمر بالحجارة التي بينها الحجر الأسود أن تنقب فنقبت بالماس من فوقها و من تحتها ثم أفرغ فيها الفضة.

3- القرامطة: فإنهم لما أتوا مكة في سابع ذي الحجة سنة (317) سبع عشرة و ثلاثمائة و فعلوا بها أمورا منكرة عظيمة، قلعوا الحجر الأسود من موضعه، ضربه أحدهم بدبوس فقلعه من محله لأربع عشر خلت من ذي الحجة من السنة المذكورة فذهبوا به إلى بلادهم، ثم في يوم النحر سنة (339) تسع و ثلاثين و ثلاثمائة ردوه إلى محله، وافى به سنبر بن الحسن القرمطي، فإنه لما جاء بفناء الكعبة و معه أمير مكة أظهر الحجر الأسود من سفط (و هو وعاء كالقفة) و عليه ضبة فضة قد عملت من طوله و عرضه تضبط الشقوق التي حدثت عليه بعد اقتلاعه، فوضع سنبر الحجر بيده في محله و شده الصانع بالجص الذي أحضره معه لهذا الغرض، ثم قال سنبر: أخذناه بقدرة اللّه ورددناه بمشيئة اللّه.

4- سدنة الكعبة: ثم في سنة (340) ثلاثمائة و أربعين من الهجرة أي بعد إرجاع سنبر الحجر الأسود ببضعة أشهر قلعه الحجبة آل الشيي و عملوا له طوقا من فضة أحكموه عليه إحكاما و كان فيه ثلاثة آلاف و سبعة و تسعون درهما و نصف من الفضة.

5- و في سنة (585) خمس و ثمانين و خمسمائة أخذ أمير مكة داود بن عيسى بن فليته الحسني طوق الحجر الأسود قبيل عزله من مكة و لم نقف نحن على من وضع بدله طوقا آخر.

6- و في سنة (1097) سبع و تسعين و ألف في أوائل ربيع جعل شيخ الحرم «و لم نعرف اسمه» على الحجر الأسود طوقا من الفضة، و الظاهر أن أحمد باشا الذي أصلح الشاذروان و أمر بالحجر السماق فوضع تحت الركن الأسود مما يلي الأرض كما جاء بصحيفة 147 من تاريخ الكعبة.

7- السلطان عبد المجيد خان: أرسل في سنة (1268) ثمان و ستين و مائتين و ألف طوقا من الذهب الخالص للحجر الأسود وزنه نحو عشر أقات فجعلوه عليه بعد أن قلعوا الطوق القديم، و قد كان في غاية الإتقان من النقش و الزخرفة و كتب عليه آية الكرسي و غيرها من الآيات و هذه أول مرة طوق الحجر الأسود بالذهب.

286

8- السلطان عبد العزيز خان: أرسل في سنة (1281) إحدى و ثمانين و مائتين و ألف طوقا من الفضة فجعل على الحجر الأسود بعد أن قلع الطوق الذهب المذكور.

9- السلطان محمد رشاد خان: أرسل في سنة (1331) إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة طوقا من الفضة فجعل على الحجر الأسود، و قد بقي هذا الطوق على الحجر إلى سنة (1375) هجرية.

10- مليكنا المعظم، الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية: أمر حفظه اللّه تعالى بعمل طوق جديد من الفضة الخالصة، ففي يوم الأربعاء الثاني و العشرين من شهر شعبان قبيل صلاة المغرب وضع هذا الطوق الملك سعود المذكور بيده الكريمة على الحجر الأسود و قد كنت أنا محمد طاهر الكردي مؤلف هذا الكتاب واقفا بجواره ممسكا بالطوق الجديد لتثبيته على الركن الأسود بعد أن قلعنا الطوق الفضي القديم الذي كان وضعه السلطان محمد رشاد خان المذكور.

و لا يفوتنا أن نسجل في تاريخنا هذا أن والد الملك سعود المذكور الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية (رحمه اللّه تعالى) و أحسن مثواه، كان قد أصلح جزءا في طوق الحجر الأسود القديم الذي قلعناه و ذلك سنة (1366) هجرية و بالدعاء بالرحمة و الغفران لهذا الملك الراحل الصالح المصلح، و بالتوفيق و العز و التأييد لابنه العظيم مليكنا الملك سعود نختم هذا الفصل، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

تطويق الحجر الأسود بالذهب و الفضة

أول من طوق الحجر الأسود بالفضة عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه و سببه أن الكعبة احترقت في أيامه، فاحترق الركن الأسود معها، و انصدع ثلاث فرق، فشده ابن الزبير بالفضة. روى أبو عون عن أبيه قال: رأيت الحجر قد انفلق و اسود من الحريق فأنظر إلى جوفه أبيض كأنه الفضة، قال ابن جريج: فسمعت من يصف لون مؤخره الذي في الجدر، قال بعضهم: هو مورد، و قال بعضهم:

هو أبيض، ثم في سنة ألف و مائتين و ثمان و ستين هجرية طوقه بالذهب السلطان‏

287

عبد المجيد خان، و هي أول مرة طوق الحجر الأسود بالذهب، ثم في سنة ألف و مائتين و إحدى و ثمانين طوقه بالفضة السلطان عبد العزيز خان، ثم في سنة ألف و ثلاثمائة و إحدى و ثلاثين غيرت تلك الفضة بالفضة التي هي عليه الآن و ذلك في زمن السلطان محمد رشاد خان، (رحمه اللّه تعالى) ثم جرى إصلاح في طوق الحجر، و ذلك سنة ألف و ثلاثمائة و ست و ستين هجرية، و إليك صورة الحجر الأسود و هو مطوق بالفضة، و هو عدة قطع كما هو ظاهر في الرسم.

انظر: صورة رقم 88، للحجر الأسود أخذت منذ أربعين سنة تقريبا

و قد تكسر لاعتداء بعض المجرمين عليه عدة مرات كما جاء ذلك في التواريخ، و قد ظهرت منه في هذه الصورة خمسة عشر قطعة، و لكن الذي هو ظاهر منه في أيامنا هذا قطع قليلة و سببه اعتداء بعضهم عليه في عصرنا الحاضر أيضا فتطايرت منه شظايا عندئذ. ثم جمع ما تكسر و خلط ببعض الأجزاء من نحو الشمع و أعيد إلى موضعه، بعد أن لقي المعتدي الجزاء الصارم. لهذا أحيط هذا الحجر الكريم بالفضة صونا له و لم يترك منه إلا بعض قطع صغار يقبله الناس. على أن نفس الحجر الأسود بأكمله داخل في بناء الكعبة المشرفة.

نقول: و للحجر الأسود مغزى خاص و رمز تعبدي و حكمة بالغة، ذلك أن المسلمين الذين يأتون لأداء فريضة الحج و شهود المنافع في تلك البقاع الطاهرة، إذا طافوا ببيت اللّه الحرام و قبلوا هذا الحجر الأسود و استلموه بأيديهم، فكأنهم بذلك يصافحون اللّه عز و جل، و يقدمون له الطاعة و الإيمان به و برسوله. و قد قال عكرمة: «إن الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فمسح الحجر فقد بايع اللّه و رسوله» و في هذا نهاية الخضوع و الامتثال لأمر اللّه تعالى.

و في الطواف بالبيت و استلام الحجر الأسود إشعار بالوحدة الإسلامية و استمساك بالرابطة المحمدية فالمسلمون في حالة البعد يتوجهون في صلاتهم إلى هذه القبلة الحرمية، و في حالة القرب و الوصول يطوفون حولها يعوذون برب هذا البيت و يلتفون حول ركنه الأسود القائم في السلام مقام الراية في الحرب و لسان حالهم يقول: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ* وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ‏

288

أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏.

و في تقبيل المسلمين و استلامهم للحجر الأسود نقطة دقيقة، و هي أن تقع أفواههم موضع فم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أن تلمس أيديهم ما لمسته يده الشريفة من هذا الحجر المكرم، و أي مسلم إذا خطرت بباله هذه النقطة لا يبادر بتقبيله و استلامه؟ ...

المحافظة التامة على قطع الحجر الأسود إن كسر منه شي‏ء

(و اعلم) بأنه لو اعتدى سفيه أو مخبول على الحجر الأسود المكرم، فضربه بشي‏ء حتى انكسر منه بعضه، فإنهم يحافظون على تلك الأجزاء و الفتات تمام المحافظة، بأن يعجنوه بمواد من الشمع الأحمر و العطر و بعض الأجزاء فيضعونه في محله أيضا، فما كان منه متفتتا أو قطعا صغيرة كالنواة مثلا يعجن و لا يظهر منه شي‏ء ثم يلصق بمحل الحجر الأسود فيرجع إليه، و ما كان منه قطعا كبيرة كالليمونة مثلا فيعجن و يوضع في محله أيضا لكنهم يبرزون منه جزءا ليكون ظاهرا للناس ليقبلونه، فهذا هو سبب ظهور بعض القطع من الحجر الأسود، مع العلم بأن جرم الحجر الأسود كله داخل في باطن ركن الكعبة المعظمة، و لذلك يختلف ظهور أجزاء الحجر الأسود المتكسرة في بعض الأزمنة.

شاذروان الكعبة

قال في المصباح المنير ما نصه:

الشاذروان (بفتح الذال) من جدار البيت الحرام و هو الذي ترك من عرض الأساس خارجا و يسمى تأزيرا لأنه كالإزار للبيت. انتهى منه.

فالشاذروان الموجود الآن في داخل بناء الكعبة المشرفة هو من بناء السلطان مراد الرابع عند بنائه الكعبة سنة (1040) ألف و أربعين هجرية كما تقدم تفصيل ذلك، و ليس مرادنا أن السلطان المذكور هو الذي اخترع وضع الشاذروان في الكعبة، بل إن الشاذروان كان موجودا منذ القدم في البناية السابقة كما سيأتي بيان ذلك مفصلا في هذا المبحث إن شاء اللّه تعالى.

289

فالشاذروان: هو الحجارة المائلة الملتصقة بأسفل الكعبة المحيطة بها من جوانبها الثلاثة، أما الجانب المقابل لحجر إسماعيل ففيه كدرجة واحدة مسطحة يقف عليها بعضهم للتضرع و الدعاء ملصقا بطنه بالكعبة و رافعا يديه فوق رأسه، و هي بطول جدار الكعبة و ارتفاعها عن الأرض أحد عشر سنتيمترا و عرضها أربعون سنتيمترا.

و اختلف في الشاذروان هل هو من البيت أم لا كما سيأتي الكلام عنه.

و السبب الذي لم يوضع الشاذروان في هذه الجهة هو أن هذه الجهة من جدار الكعبة إلى نحو منتصف حجر إسماعيل هي حدودها حينما بناها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام فنقصتها قريش حين بنائها. و كذلك لم يوضع الشاذروان أسفل باب الكعبة بل فيه كدرجة واحدة مسطحة أيضا يقف عليها الناس للتضرع في الملتزم و طول هذه الدرجة ثلاثة أمتار و خمس و أربعون سنتيمترا.

و نحن لم نر في التاريخ شيئا مذكورا عن أول من عمل الشاذروان للكعبة المشرفة، و لكن الأستاذ البتنوني ذكر في" رحلته الحجازية" عند الكلام على شكل الكعبة بصحيفة 105 شيئا عن الشاذروان ننقله هنا بنصه، قال (رحمه اللّه تعالى):

" و الشاذروان معناه ما يحيط بالسلسبيل، و كانوا يطلقونه في العمارات المصرية القديمة على محيط النافورات التي كانت في وسط القاعات الكبرى، و على ظني أنه هنا من أثر عمارة الحجاج، أقامه ليقي جدار البيت المعظم من تأثير الأمطار و السيول التي كانت و لا تزال تنزل بكثرة إلى المطاف، و دليلنا على ذلك إنما هو لفظه الفارسي الذي لا بد أن يكون من وضع عملة من الفرس استحضرهم الحجاج بن يوسف لعمارتها. و لا يبعد أن يكون ذلك من عهد ابن الزبير، و يؤيده ما ورد في الأغاني من أن ابن سريج سئل عمن تعلم الغناء على القاعدة التي كان يغني عليها مع أنها ما كانت معروفة عند العرب، فقال: إنه تعلمها من عملة الفرس كان ابن الزبير استحضرهم لبناء الكعبة، و كانوا يتغنون بأغنية لطيفة فأخذها عنهم و أضاف نغماتها على النغمات العربية و غنى بها. و على كل حال فالشاذروان و الميزاب لفظان أعجميان، و لم يرد ذكرهما على مدته (صلى الله عليه و سلم)". انتهى ما أورد الأستاذ محمد لبيب البتنوني في الرحلة الحجازية.

قال العلامة ابن خلدون في مقدمته عن الشاذروان، عند الكلام على المساجد و البيوت العظيمة في العالم ما يأتي:

290

و يعرض هنا إشكال قوي، لمنافاته لما يقوله الفقهاء في أمر الطواف، و يحذر الطائف أن يميل على الشاذروان الدائر على أساس الجدر من أسفلها، فيقع طوافه داخل البيت بناء على أن الجدر إنما قامت على بعض الأساس و ترك بعضه و هو مكان الشاذروان، و كذا قالوا في تقبيل الحجر الأسود لا بد من رجوع الطائف من التقبيل حتى يستوي قائما لئلا يقع بعض طوافه داخل البيت، و إذا كانت الجدران كلها من بناء ابن الزبير و هو إنما بنى على أساس إبراهيم، فكيف يقع هذا الذي قالواه؟

و لا مخلص من هذا إلا بأحد أمرين: إما أن يكون الحجاج هدم جميعه و أعاده و قد نقل ذلك جماعة، إلا أن العيان في شواهد البناء بالتحام ما بين البناءين و تحيير أحد الشقين من أعلاه عن الآخر في الصناعة يرد ذلك، و إما أن يكون ابن الزبير لم يردّ البيت على أساس إبراهيم من جميع جهاته، و إنما فعل ذلك في الحجر فقط ليدخله فهي الآن مع كونها من بناء ابن الزبير ليست على قواعد إبراهيم، و هذا بعيد و لا محيص من هذين و اللّه تعالى أعلم. انتهى من مقدمة ابن خلدون.

أما بناء الشاذروان و أنه من نفس البيت: فلم نر من تكلم عنه الكلام الشافي من العلماء و المؤرخين، فبعضهم قال أنه من الكعبة، و بعضهم قال ليس من الكعبة كما سيظهر فيما سيأتي.

و الذي نجنح إليه أن الشاذروان من الكعبة، و نستدل على هذا بما جاء في تاريخ الإمام الأزرقي المتوفى في النصف الأول من القرن الثالث للهجرة، فقد قال عند ذكر بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما ما نصه: فلما هدم ابن الزبير الكعبة و سواها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم فوجدوه داخلا في الحجر نحوا من ستة أذرع و شبر كأنها أعناق الإبل آخذ بعضها بعضا كتشبيك الأصابع بعضها ببعض يحرك الحجر من القواعد فتتحرك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس و أشرافهم و أشهدهم على ذلك الأساس، قال:

فأدخل رجل من القوم يقال له عبد اللّه بن مطيع العدوي عتلة كانت في يده في ركن من أركان البيت فتزعزعت الأركان جميعا، و يقال: أن مكة كلها رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس و خاف الناس خوفا شديدا حتى ندم كل من كان أشار على ابن الزبير بهدمها و أعظموا ذلك إعظاما شديدا و أسقط في أيديهم. فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا. ثم وضع البناء على ذلك الأساس و وضع‏

291

حدات الباب باب الكعبة على مدماك على الشاذروان اللاصق بالأرض و جعل الباب الآخر بإزائه في ظهر الكعبة مقابله و جعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذي في الشاذروان الذي في ظهر الكعبة قريبا من الركن اليماني و كان البناؤون يبنون من وراء الستر و الناس يطوفون من خارج، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن ... إلى آخر الكلام. اه.

و قال في تاريخه أيضا عند الكلام على سيول وادي مكة في الجاهلية ما نصه:

عن محمد بن عبد العزيز أن وادي مكة سال في الجاهلية سيلا عظيما و خزاعة تلي الكعبة و أن ذلك السيل هجم على أهل مكة فدخل المسجد الحرام و أحاط بالكعبة و رمى بالشجر بأسفل مكة و جاء برجل و امرأة ميتين فعرفت المرأة كانت تكون بأعلا مكة يقال لها" فارة" و لم يعرف الرجل، فبنت خزاعة حول البيت بناء أداروه عليه و أدخلوا الحجر فيه ليحصنوا البيت من السيل، فلم يزل ذلك البناء على حاله حتى بنت قريش الكعبة، فسمي ذلك السيل سيل فارة و سمعت أنها امرأة من بني بكر. اه.

فعلى هذا يكون أصل الشاذروان من عمل خزاعة و حذت قريش حذوها فأبقت الشاذروان حين بنائها الكعبة. و اللّه تعالى أعلم.

انتهى كل ذلك من تاريخ الإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) و جزاه عنا خير الجزاء لتأليفه هذا التاريخ المهم عن أخبار مكة الذي أصبح عمدة لدى العلماء و المؤرخين.

و نستنتج من كلام الأزرقي جملة أمور، منها:

(1) أن أصل الشاذروان هو من عمل خزاعة حينما كان أمر الكعبة إليها، بنته حولها ليحصنوها من السيل و أن هذا البناء بقي على حاله حتى بناء قريش للكعبة.

(2) أن الشاذروان كان في بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما، بدون شك، و أن الشاذروان اللاصق بالأرض هو على نفس الأساس الأول الذي كشفه ابن الزبير، و إن لم يأت ذكره في بناء قريش للكعبة، و الحجاج الثقفي لم يتعرض للشاذروان مطلقا حينما هدم الكعبة، فإنه هدم منها ما زاده فيها ابن الزبير و هو الجانب الذي من جهة حجر إسماعيل و سد الباب الغربي، و رفع‏

292

الباب الشرقي عن الأرض كما كان في بناء قريش، و ترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير.

(3) أن عتبة الباب الشرقي و عتبة الباب الغربي كانتا مرفوعتين عن الأرض بنحو شبر و لم تكونا متساويتين بالأرض، كما هو ظاهر من صريح عبارة الأزرقي المتقدمة.

(4) تأكد ابن الزبير من ظهور أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام و دعوته خمسين رجلا من أشراف الناس و أعيانهم ليشهدوا على ذلك، و هو ما يطلب شرعا في كل أمر مهم، نفيا عن التهمة و الشك.

(5) حجب البناء عن أعين الناس بوضع الستارة حول الكعبة و الناس يطوفون من خارجها، و في ذلك فائدتان: ستر البناء من فضول أعين الناس حتى لا يحصل تهاون بحرمة الكعبة، و قيام البناء على هدوء و سكينة بدون تشويش و اعتراض.

و مثل هذا يحدث في عصرنا في البلدان الأخرى عند إقامة التماثيل و بناء الصور الرمزية و نحوهما.

(6) اختيارهم عند بناء الكعبة الأحجار الثمينة الجميلة لوضعها فيها كما جاء في صريح العبارة" و جعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذي في الشاذروان" و هم أهل القرون الثلاثة الأولى خير القرون، و منها أخذ الولاة و السلاطين أن يضعوا الأحجار الكريمة الثمينة على الكعبة و ما حولها، كالرخامة الخضراء تحت ميزاب الكعبة الموضوعة في سنة إحدى و أربعين و مائتين، و كالرخامات الصفر الموضوعة بأعلى الشاذروان الذي فوق الحفرة التي عند باب الكعبة حين عمارة المطاف سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة كما هو مكتوب على الحجر الأزرق الذي تحت الرخامات الصفر، و كالحجر الأحمر الصغير الموضوع في باطن الحفرة المذكورة، فمثل هذه الأشياء لم توضع إلا لقيمتها الثمينة و لندرة وجودها. و سنتكلم عنها إن شاء اللّه تعالى بعد هذا الفصل.

هذا ما ظهر لنا عن الشاذروان و اللّه تعالى أعلم بالصواب، و لا نظن أن أحدا كتب عنه بمثل ما كتبنا فالحمد للّه على توفيقاته و نعمائه.

293

حكم الشاذروان بالنسبة للطواف‏

بقي علينا أن نذكر ما قاله العلماء و المؤرخون عن الشاذروان تكملة للبحث من جميع الوجوه:

فقد جاء في كتاب" الفقه على المذاهب الأربعة" للعلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري عند الكلام على تعريف القبلة ما نصه:

و ليس من الكعبة الحجر و لا الشاذروان و هما معروفان لمن كان بمكة و سيأتي بيانهما في كتاب الحج إن شاء اللّه تعالى، فمن كان بمكة و استقبل الحجر أو الشاذروان فأن صلاته لا تصح عند ثلاثة من الأئمة و خالف الحنابلة فانظر مذهبهم تحت الخط (ثم ذكر مذهبهم فقال): الحنابلة قالوا أن الشاذروان و ستة أذرع من الحجر و بعض ذراع فوق ذلك من الكعبة، فمن استقبل شيئا من ذلك صحت صلاته.

انتهى من كتاب الفقه المذكور، و لم يذكر في كتاب الحج عن الحجر و الشاذروان إلا بيان حكم الطواف بالنسبة إليهما فلم نر ما يوجب نقل كلامه هنالك.

أما قول المؤرخين عن الشاذروان، فهو يتلخص فيما ذكره المؤرخ الكبير الشيخ عبد اللّه الغازي في تاريخه، و هذا نصه.

(الفائدة الخامسة) في ذكر شاذروان الكعبة: قال الفاسي في شفاء الغرام أما شاذروان الكعبة فهو الأحجار الملاصقة بالكعبة التي عليها البناء المسنم المرخم في جوانبها الثلاثة الشرقي و الغربي و اليماني و بعض حجارة الجانب الشرقي لا بناء عليه و هو شاذروان أيضا.

و أما الحجارة الملاصقة بجدار الكعبة الذي يلي الحجر فليست شاذروانا لأن موضعها من الكعبة بلا ريب.

و الشاذروان هو ما نقصته قريش من عرض جدر أساس الكعبة حتى ظهر على الأرض كما هو عادة الناس في الأبنية أشار إلى ذلك الشيخ أبو حامد الإسفرائيني و ابن الصلاح و النووي و نقل ذلك عن جماعة من الشافعية و غيرهم كالمحب الطبري‏

294

و ذكر أن الشافعي أشار إلى ذلك في الأم و نقل عنه أنه قال: إن طاف عليه أعاد الطواف. انتهى.

و قد اختلف العلماء في حكم الشاذروان فذهب الشافعي و أصحابه إلى وجوب الاحتراز منه و عدم إجزاء طواف من لم يحترز منه و هو مقتضى مالك على ما ذكر ابن شاش و ابن الحاجب و شارحه الشيخ خليل و تلميذه صاحب الشامل و غيرهم من متأخري المالكية و أنكر ذلك بعض متأخري المالكية و لم يثبته في المذهب.

و مذهب الحنابلة أن الاحتراز منه مطلوب إلا أن عدم الاحتراز لا يفسد الطواف.

و مذهب أبي حنيفة أنه ليس من البيت على مقتضى ما نقل القاضي شمس الدين السروجي من الحنفية عنهم و هو اختيار جماعة من محققي العلماء على ما ذكر القاضي عز الدين بن جماعة.

قال الفاسي: قلت: ينبغي الاحتراز منه لأنه إن كان من البيت كما قيل فالاحتراز منه واجب و إلا فلا محذور في ذلك كيف و الخروج من الخلاف مطلوب و هو هنا قوي. و اللّه أعلم.

قال: و لم أدر متى كان ابتداء البناء في الشاذروان و لم بين مرة واحدة و إنما بني دفعات منها في سنة اثنين و أربعين و خمسمائة و لم أدر ما بني منه في هذه السنة، و منها في نيف و ثلاثين و ستمائة على ما ذكر ابن خليل في منسكه و منها في آخر عشر الستين و ستمائة أو في أوائل عشر السبعين و ستمائة لأن القاضي بدر الدين بن جماعة ذكر أنه رأى الشاذروان في سنة ست و خمسين و ستمائة و هي مصطبة يطوف عليها بعض العوام ورآه في سنة إحدى و ستين و قد بني عليه ما يمنع من الطواف عليه على هيئته اليوم هكذا نقل عنه ولده عز الدين فيما أخبرني به عنه خالي.

و ذكر القاضي عز الدين بن جماعة فيما أخبرني عنه خالي أيضا أن ارتفاع الشاذروان عن أرض المطاف في جهة باب الكعبة ربع ذراع و ثمن ذراع، و عرضه في هذه الجهة نصف و ربع، و ذكر الأزرقي أن طول الشاذروان في السماء ستة عشر إصبعا و عرضه ذراع و قد نقص عرضه كما ذكر الأزرقي في بعض الجهات، و أفتى المحب الطبري عالم الحجاز في وقته بوجوب إعادة مقداره على ما ذكره‏

295

الأزرقي و له في ذلك تأليف نحو نصف كراس سماه استقصاء البيان في مسألة الشاذروان. انتهى ما ذكره الفاسي.

و في تحصيل المرام: و أخرج عبد اللّه بن الزبير لما بنى الكعبة الشاذروان و قيل:

أخرجته قريش لأجل استمساك البناء و ثباته. قال: فعلى هذا القول يكون الشاذروان من البيت و هو قول جمهور الشافعية و جمهور المالكية. و قال أبو حنيفة:

إنه ليس من البيت لأنه لم يرد حديث صحيح أنه من البيت إلا من عموم قوله (صلى الله عليه و سلم) لعائشة: إن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم فقال الجمهور: إن الاقتصار شامل للحجر و الشاذروان و خص أبو حنيفة الحجر دون الشاذروان.

انتهى ما في تاريخ الغازي، و مما تقدم يظهر للقارئ الكريم أصل الشاذروان و حقيقته.

عدد مرات بناء الشاذروان و إصلاحه‏

تقدم أن الشاذروان كان في بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنه، و اللّه تعالى أعلم كم مرة حصل في الشاذروان بناء أو إصلاح إلى زمن الإمام الأزرقي، و من زمنه إلى زمن التقي الفاسي و بينهما نحو ستمائة سنة كما قاله الشيخ حسين باسلامة صاحب تاريخ الكعبة المعظمة رحمهم اللّه جميعا، فيكون عدد مرات بناء الشاذروان و إصلاحه بعضه أو كله كما يأتي تقريبا:

1) كان الشاذروان في بناء عبد اللّه بن الزبير سنة أربع و ستين هجرية.

2) طلي على الشاذروان الجص و المرمر في أيام جد الأزرقي كما صرح بذلك في تاريخه في نهاية الجزء الأول.

3) بني بعض الشاذروان في سنة (542) كما قاله الفاسي.

4) و قد بني أيضا في سنة (636) كما ذكره الفاسي أيضا.

5) و قد بني أيضا في سنة (661) كما ذكره الفاسي أيضا.

6) و قد بني أيضا في سنة (670) تقريبا كما ذكره الفاسي أيضا.

7) و قد بني أيضا في سنة (838) عمّره سودون المحمدي كما ذكره ابن فهد.

8) و قد بني أيضا في سنة (846) في شهر محرم كما ذكره ابن فهد أيضا.

9) و قد بني أيضا في سنة (1040) مع بناء الكعبة المشرفة زمن السلطان مراد (رحمه اللّه تعالى) و جزاه خير الجزاء، و قد شرعوا في بناء الشاذروان في اليوم‏

296

الحادي عشر من شعبان من السنة المذكورة، و أتموا بناءه في اليوم الثالث من رمضان من السنة المذكورة أيضا.

10) و قد بني أيضا في سنة (1098) أصلحه أحمد باشا و أمر بالحجر السماق فوضع تحت الركن الأسود مما يلي الأرض، كما ذكره السنجاري.

هذا مختصر ما وقفنا عليه في بناء و إصلاح شاذروان الكعبة سواء كان ذلك الجزء منه أو لجميعه، و قد عددنا ذلك بالأرقام حتى الرقم العاشر، و لكن ليس المراد أنه حصل البناء و الإصلاح في الشاذروان عشر مرات- كلا- فربما كان أكثر من ذلك، و إنما نحن لم نقف فيه على أكثر مما ذكرناه. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

و لا يخفى أن صفة البناء تختلف في كل عصر و زمان، و صفة بناء الشاذروان على الكعبة في زماننا هي معروفة و مشاهدة لأعيننا، و أما صفته فيما مضى من عصر الصحابة فاللّه تعالى أعلم بها، و على أي صفة كان بناؤه فهو شاذروان، و ما ذكره الفاسي عند بنائه في أوائل عشر السبعين و ستمائة بقوله: هي مصطبة يطوف عليها بعض العوام ثم بني عليه ما يمنع الطواف عليه على هيئة اليوم، دليل على أن صفة بنائه كانت تختلف.

و نحن إلى يومنا هذا نستعمل عمل الشاذروان في غالب المنازل و البيوت الكبيرة من الخارج أي من الشارع صونا لها من مياه الأمطار و عجلات العربات، بل إننا نستعمله في جميع أماكن الوضوء المبلطة بالطبطاب و في جميع الأحواض و الحنفيات و هو الذي نسميه بلغة البنائين" الإفريز" بكسر الهمزة و الراء و إسكان الفاء و الزاي، و طول هذا الإفريز في أماكن الوضوء و نحوها شبر واحد أو أقل، و قد يكون أطول في بعض المحلات، و هذا العمل شائع من قديم الزمان في الحجاز و في غير الحجاز، و هو موجود بمصر في زماننا هذا في جميع المساجد و الجوامع عند أماكن الوضوء فهو كما يقول صاحب الرحلة الحجازية كان مستعملا في العمارات المصرية القديمة على محيط النافورات.

مقاس الشاذروان و عدد حجارته و عدد الحلقات به‏

قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء و اللغات: الشاذروان هو بناء لطيف جدا ملصق بحائط الكعبة، و ارتفاعه عن الأرض في بعض المواضع نحو شبرين و في‏

297

بعضها نحو شبر و نصف، و عرضها في بعضها نحو شبرين و نصف و في بعضها نحو شبر و نصف. انتهى من تاريخ الكعبة.

و جاء فيه: و ذكر إبراهيم رفعت باشا في مرآة الحرمين أن ارتفاع الشاذروان في الجهة الشمالية (50) سنتيما في عرض (39) و من الجهة الغربية ارتفاعه (27) سنتيما في عرض (80) و من الجهة الجنوبية ارتفاع (24) سنتيما في عرض (87) و من الجهة الشرقية ارتفاعه (22) سنتيما في عرض (66). انتهى من تاريخ الكعبة.

قال مؤلف مرآة الحرمين المذكور: و قد حققته بالمقاس من حجاتي الأربع" أي سنة 1318 و 1320 و 1321 و 1325 هجرية".

و حجارة الشاذروان في عصرنا الحاضر كلها من حجر الرخام الأبيض القوي الصلب، و هي متفاوتة الحجم منها الصغير و الكبير و المتوسط، و قد بني الشاذروان على دفعات مرارا عديدة و على صفات مختلفة كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

أما عدد حجارة الشاذروان التي حول الكعبة في القرن الثالث من الهجرة أي:

في عهد الإمام الأزرقي فهو ثمانية و ستون حجرا في ثلاثة من جوانبها كما ذكره في تاريخه" أخبار مكة" و قد بين بالتفصيل كل ذلك (رحمه اللّه تعالى) و جزاه عن المسلمين خيرا.

و أما عدد حجارته في عهدنا هذا فهو أربعة و ستون حجرا بجعل الرخامات الصفر التي عددها ثمانية أحجار حجرا واحدا باعتبار أنها متلاصقة بجوار بعضها فحسبناها كالحجر الواحد، أما لو جعلناها كما هي ثمانية أحجار فإنه يكون عدد حجارة الشاذروان حينئذ واحدا و سبعين حجرا، و هذه الحجارات الصفر موضوعة بأعلى الحفرة التي عند باب الكعبة و سنتكلم عنها إن شاء اللّه تعالى بعد هذا الكلام و قد ذكرناها أيضا في كتابنا" مقام إبراهيم (عليه السلام)" المطبوع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و شركاه بمصر القاهرة.

و أما حلقات الشاذروان فهي حلقات مثبتة قوية من النحاس الأصفر جعلت لربط كسوة الكعبة الخارجية فيها حتى لا تتحرك و ترتفع بفعل الهواء، و عدد هذه الحلقات حول الكعبة في الشاذروان ثمانية و أربعون حلقة كما قاله المرحوم إبراهيم رفعت باشا في كتابه" مرآة الحرمين" و المذكور توفي في عهدنا هذا قربيا (رحمه اللّه تعالى).

298

أما عدد هذه الحلقات في أيامنا فهو إحدى و أربعون حلقة و قد نقصت هذه الحلقات عن أيام مؤلف مرآة الحرمين المذكور لتقادم العهد عليها فتتخلخل عن أماكنها ثم تخرج و لا يوضع بدلها، و محلات الحلقات الخارجة ثابتة واضحة في حجارة الشاذروان.

و قد وفقنا اللّه لعد حجارة الشاذروان وعد الحلقات الموجودة بها، في يوم السبت حادي عشر محرم الحرام عام ألف و ثلاثمائة و ستة و سبعين من الهجرة فنحمد اللّه على توفيقاته المتوالية و نعمائه المتتالية و نسأله المزيد من كل ذلك بفضله و منه و رحمته و إحسانه إنه حليم كريم و بر رحيم.

الرخامات الصفر التي ب الشذروان‏

موضوع على شاذروان الكعبة بأعلى الحفرة التي عند باب الكعبة، رخامات صفر نفيسة جدا، نادرة الشكل و المثال، لونها لا يضرب إلى الصفرة الخالصة و إنما هو أصفر مائل إلى الحمرة قليلا، تتخللها نقوش بديعة جدا، لونها أصفر فاقع أكسب الرخامات حسنا و جمالا، كل ذلك من أصل الخلقة.

و هذه الرخامات ثمانية أحجار، متقاربة الأحجام، متلاصقة ببعضها كل حجر منها مستطيل الشكل أكبرها طوله 33 سنتيمترا، و عرضه 21 سنتيمترا، و كلها مرصوصة و موضوعة بأعلى الشاذروان في محل على هيئة المربع، طوله 74 سنتيمترا و كذلك عرضه.

و الظاهر أنها وضعت في محلها فوق الشاذروان حين عمارة المطاف التي كانت سنة إحدى و ثلاثين و ستمائة حسبما هو مكتوب بالنقر على الحجر الأزرق الذي تحت الرخامات الصفر و هو حجر ثمين من الرخام الأزرق الصافي، طوله 69 سنتيمترا، و عرضه 32 سنتيمترا فيكون قد مضى على هذه الرخامات الصفر و الرخامة الزرقاء إلى عامنا هذا، عام 1387 من الهجرة (756) سنة. و اللّه تعالى أعلم.

انظر: صورة رقم 89، للثمانية الأحجار الصفر الظاهرة

فهذه الرخامات الصفر التي على الشاذروان تكون من أفخم الآثار العربية و أغلاها و أندرها، فلو لم تكن من القدر و القيمة بمكان لما وضعها ولاة الأمر

299

الأقدمون في أشرف بقعة عند الكعبة المعظمة، و هم أهل القرون الثلاثة الأولى، فكانوا أعرف منا بنفائس الأشياء و جواهرها و اختيار الأمكنة لحفظها و صيانتها و كانت أعمالهم الجليلة في غاية من الجودة و الإتقان تمر عليها مئات السنين و الأعوام، و هي على حالها ما أصابها تلف و لا خراب و لا تتزحزح عن مكانها.

و نحن لم نقم بالكشف عما يوجد بالحجر و المطاف من الرخام النادر الوجود، فلو قمنا و بحثنا لعثرنا على أشياء ثمينة جدا مما يدلنا على عناية الملوك و السلاطين الأقدمين بهذا المكان المقدس و البقعة الطاهرة المباركة، و ما ذكرنا هذه الرخامات الصفر إلا للمناسبة.

و قبل أن نختم هذا الفصل نشير إلى قيمة الرخامات الصفر عند ذوي الخبرة من رجال الآثار القديمة، فإننا لا نبالغ إن قلنا: أن قيمة بعضها قد تبلغ نحوا من ألف جنيه مصري بل أكثر.

و لا نعتقد أن أحدا ممن كان قبلنا و لا ممن هو في عصرنا التفت إلى هذه الرخامات، و لا توصل إلى ملاحظاتنا فيها، هذه الملاحظات الدقيقة الفنية فالحمد للّه على التوفيق.

و اعلم أنه كان بعض رخامات صفراء و خضراء و حمراء و غيرها من الرخامات الثمينة النادرة الوجود في الدنيا موجودة في داخل الكعبة المشرفة، على أرضها و على جدرانها إلى سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية. فلما كان في هذه السنة حصل تجديد سقف الكعبة المشرفة كما حصل فرش أرض الكعبة المشرفة من الداخل بالرخام فهذا الفرش غطى على بعض الرخامات الثمينة في أرض الكعبة المشرفة، مع العلم بأن جميع أحجار الشاذروان الرخامية البيضاء الصلبة القوية النادرة الوجود هو من عمل و بناء السلطان مراد الرابع من سلاطين آل عثمان الأتراك.

فإنه (رحمه اللّه تعالى) بنى الشاذروان عندما بنى الكعبة المعظمة سنة (1040) ألف و أربعين هجرية. (رحمه اللّه تعالى) و رضي عنه و جعل الجنة مسكنه و مأواه بفضله و رحمته آمين.

و نرى أن الحكمة من وجود الشاذروان بأسفل الكعبة المعظمة، و اللّه تعالى أعلم، أولا أن تكون بناية بيت اللّه الحرام بكيفية خاصة تمتاز عن بقية بناء بيوت البشر، و ثانيا أن وجود الشاذروان بأسفل الكعبة يمنع من التصاق الطائفين بالبيت‏

300

الحرام، و هذا هو الأدب اللائق بالطائفين الكرام، و لو لم يكن الشاذروان موجودا بالكعبة لالتصق الطائفون بها و احتكوا بكسوتها أشد الاحتكاك، عند كثرة الزحام وقت الطواف، و هذا يؤدي حتما إلى تمزق كسوتها تمزقا بالغا، و ليس ذلك من اللائق ببيت اللّه الحرام.

هذا ما نراه من الحكمة، و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

مع العلم بأن حجارات هذا الشاذروان هي من حجارة المرمر الأصلية القوية و المتينة جدا و في هذا الشاذروان بعض قطع من حجاراته الصفراء تعد تحفة نادرة لا يوجد مثلها لدى الملوك مطلقا، لأنها منقوشة نقشا طبيعيا و مزخرفة زخرفة خلقية من وسطها و أعماقها، و عدد هذه الحجارة ثمانية و هي واقعة فوق الشاذروان بجوار باب الكعبة. و قد تكلمنا عنها بالتفصيل في الجزء الثالث من هذا الكتاب (صفحة 17) كما تكلمنا عنها في كتابنا المطبوع" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام".

قال اللّه سبحانه و تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏، قال بعضهم عند هذه الآية: يحتمل أن تكون من تبعيضية أو زائدة في الإثبات على مذهب الأخفش أو بمعنى في، و كل بعيد، و الأقرب أنها بمعنى عند. اه. و المقام هو بفتح الميم من قام يقوم: موضع القيام، و أما المقام بالضم فهو من أقام يقيم.

و اختلفوا في المراد بالمقام فقيل: المسجد كله مقام إبراهيم، و قيل: الحرم كله مقام إبراهيم و قيل: جميع مشاهد الحج كمنى و مزدلفة و عرفة، و قيل: المقام هو الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم (عليه السلام) حين غسلت رأسه، و قيل: مقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم (عليه السلام) عند بناء الكعبة، و كان يرتفع به كلما ارتفع البناء و إلى هذا أشار صاحب نظم عمود النسب بقوله:

و كلما طال البناء ارتفعا* * * به المقام في الهوا و رفعا

به القواعد و فيه قدم‏* * * تشبهها للهاشمي قدم‏

و حين بالحج الخليل أذنا* * * و في كلا أذنيه إصبعا ثنى‏

أيضا كأطوال الجبال ارتفعا* * * به و كل من يحج أسمعا

301

فهذا القول الأخير هو الصحيح المعول عليه حيث يفهم من الآية أنه مقام مخصوص و ذلك بالنظر إلى الأمر بالصلاة عنده، أما بالنظر إلى معناه اللغوي فإنه يصدق بجميع الأماكن التي قام عليها إبراهيم (عليه السلام)، و من تأمل قوله تعالى:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ و قوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ظهر له ذلك جليا.

و يؤيد صحة هذا القول الأخير: ما حدث جابر عن حجة النبي (صلى الله عليه و سلم) قال:" لما طاف النبي عليه الصلاة و السلام قال له عمر: هذا مقام أبينا قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل اللّه عز و جل: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏. و في رواية:" أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مر بالمقام و معه عمر، فقال: يا رسول اللّه أليس هذا مقام أبينا إبراهيم قال: بلى، أفلا نتخذه مصلى؟ قال: لم أؤمر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت الآية". و في البخاري عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب:" وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت: يا رسول اللّه لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فنزلت: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ... الخ الحديث". و عن جابر أنه قال:" استلم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) الركن، فرسل ثلاثا و مشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ فجعل المقام بينه و بين البيت فصلى ركعتين".

قال ابن كثير في تفسيره: و هذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل.

فالخلاصة: أن مقام إبراهيم (عليه السلام) هو الحجر الذي كان يقوم عليه لبناء البيت الحرام لما ارتفع جداره، و كان إسماعيل يناوله الحجارة فيضعها بيده و كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة و هو واقف عليه حتى انتهى إلى وجه البيت.

و نحن نجزم بهذا القول جزما أكيدا لأمرين:

(الأمر الأول): لقد أجمعت الأمة المحمدية أن المراد بآية: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ أن يكون حجر المقام الموجود الآن بقرب بئر زمزم أمام الكعبة بين المصلى و بين الكعبة و هذا المقام هو الذي غاصت فيه قدما إبراهيم الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه) كما هو ظاهر عند رفع الستارة التي تغطيه.

302

(و الأمر الثاني): أن حجر المقام هذا هو الذي كان يرتفع بإبراهيم (صلى الله عليه و سلم) حين بنائه الكعبة كما جاء ذلك صريحا في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق بعد باب قصة يأجوج و مأجوج و هو أمر معقول و معجزة واقعة في محلها، و ذلك أن طول إبراهيم الخليل كان كأمثالنا فلو لم يجعل اللّه له هذا المقام المقدس معجزة يرتفع و يمشي به في الهواء كيفما شاء سيدنا إبراهيم حين البناء فكيف كان يكمل بناء البيت إذا ارتفع جدرانه عن القامة و ليس عنده سلم يقف عليه و لا أخشاب أو أدوات النجارة ليعمل له كرسيا أو مصعدا يصعد عليه و بيني فإن الدنيا كانت في أوائل عهدها لم تتقدم في وسائل العمران بعد.

فما دام البيت بيت اللّه عز و جل فهو ييسر لخليله سبيل البناء و قد جعل له هذا المقام بمنزلة سقالة البنائين يتوصل به إلى ما ارتفع عنه من الجدار ليتمم بناءه تكرمة و معجزة لخليله و صفيه و قد ألان له حجر المقام حتى غاصت فيه قدماه معجزة أخرى و ليكون ذلك آية و دلالة تبقى إلى يوم القيامة في محله الأول عند بيته المحرم و نستدل من أثر القدمين في المقام أن سيدنا إبراهيم لم يكن يلبس نعلا في رجليه عند بناء البيت و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

فعلم مما ذكر أن المراد بالمقام الحجر الذي قام عليه إبراهيم عليه الصلاة و السلام لبناء البيت لا الحجر الذي وضعته زوجة ابنه إسماعيل تحت قدمه حين غسلت رأسه.

فالسنة: أن تكون الصلاة خلف المقام بأن يكون المقام بين المصلي و الكعبة، و لا تشترط مقابلة عينه و محاذاته، لأن حجم المقام الذي هو الحجر صغير نحو ذراع لا يكفي أن يكون مصلى لشخص واحد، فمن صلى وراء المقام فقد أتى بالسنة و إن لم يقف خلف الحجر بالتمام، لأن ما قارب الشي‏ء يعطى حكمه، فهذا كالإمام و المأمومين فهؤلاء و هم جمع كبير يطلق عليهم أنهم صلوا كلهم وراء الإمام. فلو اشترطنا على المصلي مقابلة عين الحجر للزم أن يصلي الناس خلفه فردا فردا لصغره، و في ذلك من الحرج و المشقة ما لا يخفى.

انظر: صورة رقم 90، مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

و لقد نزل المقام و الركن مع أبينا آدم (عليه السلام) من الجنة و هما ياقوتتان من يواقيتها، فقد روى الترمذي و أحمد و الحاكم و ابن حبان أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:

303

" إن الركن و المقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس اللّه تعالى نورهما، و لو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق و المغرب".

و لقد كان من معجزات إبراهيم (عليه السلام) أن صار الحجر تحت قدميه رطبا فغاصت فيه قدماه، و قد بقي أثر قدميه ظاهرا فيه من ذلك العصر إلى يومنا هذا و إن تغير عن هيئته الأصلية بمسح الناس بأيديهم قبل وضع الحجر في المقصورة النحاسية، و العرب تعرف ذلك في جاهليتها قال أبو طالب عم النبي (صلى الله عليه و سلم) في قصيدته اللامية المشهورة التي قالها حين تحالفت قريش على بني هاشم في أمر النبي عليه الصلاة و السلام و أول هذه القصيدة:

و لما رأيت القوم لا ودّ عندهم‏* * * و قد قطعوا كل العرى و الوصائل‏

و ثور و من أرسى تبيرا مكانه‏* * * و راق لبر في حراء و نازل‏

و بالبيت حق البيت من بطن مكة* * * و باللّه إن اللّه ليس بغافل‏

و بالحجر المسود إذ يمسحونه‏* * * إذا اكتنفوه بالضحى و الأصائل‏

و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة* * * على قدميه حافيا غير ناعل‏

فيكون هذا الحجر المقام، و الحجر الأسود أقدم أثر محترم لدى المسلمين بالاتفاق، إذ بيننا و بين إبراهيم (عليه السلام) نحو أربعة آلاف سنة.

و مما هو جدير بالذكر و الالتفات: أن العرب في جاهليتها مع عبادتهم الأحجار و بالأخص حجارة مكة و الحرم، لم يسمع عنهم أن أحدا عبد الحجر الأسود، أو حجر المقام مع عظيم احترامهم لهما و محافظتهم عليهما.

و لقد تأملنا في سر ذلك و سببه، فظهر لنا أن ذلك من عصمة اللّه تعالى فإنهما لو عبدا من دون اللّه في الجاهلية، ثم جاء الإسلام بتعظيمهما باستلام الركن الأسود، و الصلاة خلف المقام، لقال المنافقون و أعداء الدين أن الإسلام أقر احترام بعض الأصنام، و أنه لم يخلص من شائبة الشرك، و لتمسك بعبادتهما من كان يعبد أحدهما من قبل.

فلهذا حفظ اللّه تعالى هذين الحجرين الكريمين من أيام إبراهيم (عليه السلام) إلى يوم القيامة من عبادة أهل الجاهلية لهما، كما حفظ بيته الحرام من عبادتهم أيضا، و لا يخفى أن هذه نقطة دقيقة لا يتنبه لها كل أحد.

304

منظومة السيوطي في موافقات عمر رضي اللّه عنه‏

بمناسبة ما قاله عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن اتخاذ المقام مصلى نقول: فأمر اللّه سبحانه و تعالى باتخاذه مصلى و نزل في ذلك آية: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏.

إن موافقات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه للوحي كثيرة جمعها الجلال السيوطي في منظومة سماها" قطف الثمر في موافقات عمر" و هي منظومة مطبوعة وحدها، و هي أيضا موجودة في كتاب" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" بالجزء الخامس و نحن ننقلها منه و هي هذه بأكملها:

الحمد للّه و صلى اللّه‏* * * على نبيه الذي اجتباه‏

يا سائلي و الحادثات تكثر* * * عن الذي وافق فيه عمر

و ما يرى أنزل في الكتاب‏* * * موافقا لرأيه الصواب‏

خذ ما سألت عنه في أبيات‏* * * منظومة تأمن من شتاب‏

ففي المقام و أسارى بدر* * * و آيتي تظاهر و ستر

و ذكر جبريل لأهل الغدر* * * و آيتين أنزلا في الخمر

و آية الصيام في حل الرفث‏* * * و قوله نساؤكم حرث يبث‏

و قوله لا يؤمنون حتى‏* * * يحكموك إذ بقتل أفتى‏

و آية فيها لبدر أو به‏* * * و لا تصل آية في التوبة

و آية في النور هذا بهتان‏* * * و آية فيها بها الاستئذان‏

و في ختام آية في المؤمنين‏* * * تبارك اللّه بحفظ المتقنين‏

و ثلة من في صفات السابقين‏* * * و في سواء آية المنافقين‏

و عددوا من ذاك نسخ الرسم‏* * * لآية قد نزلت في الرجم‏

و قال قولا هو في التوراة قد* * * نبهه كعب عليه فسجد

و في الأذان الذكر للرسول‏* * * رأيته في خبر موصول‏

و في القرآن جاء بالتحقيق‏* * * ما هو من موافق الصديق‏

كقوله هو الذي يصلي‏* * * عليكم أعظم به من فضل‏

و قوله في آخر المجادلة* * * لا تجد الآية في المخالله‏