التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
305

نظمت ما رأيته منقولا* * * و الحمد للّه على ما أولى‏

ذرع ما بين مقام إبراهيم و بين الكعبة و ما حولها

لقد ذرعنا في أول جمادى الأولى سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف، ما بين شاذروان الكعبة و بين أول شباك مقام إبراهيم (عليه السلام) المقابل للكعبة و للحفرة التي عندها، فكان القياس أحد عشر مترا.

و أما قياس ما بين المقام و بين الكعبة و ما حولها بالأذرع، فقد جاء في الجزء الأول من تاريخ الفاسي المسمى" شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام" ما نصه:

روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم في تاريخه أنه قال: و ذرع ما بين الركن الأسود إلى مقام إبراهيم (عليه السلام) تسعة و عشرون ذراعا و تسعة أصابع، و ذرع ما بين الكعبة من وسطها إلى المقام سبع و عشرون ذراعا، و ذرع ما بين شاذروان الكعبة إلى المقام ست و عشرون ذراعا و نصف، و من الركن الشامي إلى المقام ثمانية و عشرون ذراعا و سبع عشرة إصبعا، ثم قال: و من المقام إلى حرف بئر زمزم أربع و عشرون ذراعا و عشرون إصبعا. انتهى.

ثم قال القاضي عز الدين بن جماعة فيما أخبرني به عند خالي: و من صدر الشباك الذي داخله المقام إلى شاذروان الكعبة عشرون ذراعا و ثلثا ذراع و ثمن ذراع يعني بذراع الحديد المتقدم ذكره، و قد حررنا بعض ما حرره الأزرقي في هذا المعنى فكان ما بين ركن الكعبة الذي فيه الحجر الأسود و بين الركن اليماني من أركان الصندوق الذي فيه المقام من داخل الشباك الذي فيه الصندوق أربعة و عشرون ذراعا إلا سدس ذراع، و كان ذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقي إلى وسط الصندوق المقابل له اثنين و عشرين ذراعا إلا ربع ذراع، و كان ما بين ركن الكعبة الشامي الذي يلي الحجر، بسكون الجيم و ركن الصندوق الشامي ثلاثة و عشرون ذراعا، و كان مما بين ركن الصندوق الشرقي إلى ركن البيت الذي فيه بئر زمزم المقابل له خمسة عشر ذراعا إلا ثلث ذراع، و كل ذلك بذراع الحديد المتقدم ذكره. و لم نجد شيئا مؤلفا عن مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام. و اللّه سبحانه و تعالى وفقنا لوضع كتاب عن ذلك اسمه" مقام إبراهيم (عليه السلام)" و هو مطبوع بمطبعة الحلبي بمصر.

306

صفة المقام‏

كنا نعتقد أن مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام الموجود في باطن الصندوق الخشبي و المغطى بستارة حريرية مكتوبة منقوشة، و الذي يحيط بجوانبه الأربعة شباك من الحديد المضروب باللون الأخضر المقابل لباب الكعبة المعظمة، هو حجر كبير لا يمكن أن يحمله أقل من بضعة رجال، و كنا نظن أن ما بقي من أثر قدمي خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام شي‏ء يسير بقدر ما يظهر أقدام الإنسان في الأرض الترابية، و لكن جاء الأمر بعكس ما كنا نعتقده و نظنه بعد مشاهدتنا له برؤية العين، و ذلك في اليوم السابع و العشرين من شهر شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و ستين هجرية، كما سنبين ذلك.

و قبل أن نذكر كلامنا يجب أن نسوق عبارات المؤرخين فيه لمقارنة عباراتنا بعباراتهم، و نسأل اللّه التوفيق و الهداية إلى الصواب، فإنه لا حول و لا قوة إلا باللّه.

قال الإمام الأزرقي المتوفى في حدود الأربعين بعد المائتين من الهجرة في كتابه القيم النفيس" أخبار مكة و ما جاء فيها من الآثار" في الجزء الثاني بصحيفة (29) عند ذكر ذرع المقام ما نصه: قال أبو الوليد- يعني نفسه- و ذرع المقام ذراع، و المقام مربع سعة أعلاه أربعة عشر إصبعا في أربعة عشر إصبعا من أسفله مثل ذلك، و في طرفيه من أعلاه و أسفله طوقا ذهب، و ما بين الطوقين من الحجر من المقام بارز بلا ذهب عليه، طوله من نواحيه كلها تسعة أصابع و عرضه عشرة أصابع عرضا في عشرة أصابع طولا، و ذلك قبل أن يجعل عليه هذا الذهب الذي هو عليه اليوم من عمل أمير المؤمنين المتوكل على اللّه، و عرض حجر المقام من نواحيه أحد و عشرون إصبعا، و وسطه مربع، و القدمان داخلتان في الحجر سبعة أصابع و دخولهما منحرفتان، و بين القدمين من الحجر إصبعان، و وسطه قد استدق من التمسح به، و المقام في حوض من ساج مربع حوله رصاص ملبس به، و على الحوض صفائح رصاص ملبس بها و من المقام في الحوض إصبعان، و على المقام صندوق ساج مسقف و من وراء المقام ملبس ساج من الأرض في طرفيه سلسلتان تدخلان في أسفل الصندوق و يقفل فيهما قفلان. انتهى كلام الإمام الأزرقي في تاريخه المذكور.

307

و قال ابن جبير الأندلسي في رحلته، و كان قد حج سنة ثمان و سبعين و خمسمائة ما نصه: و هذا المقام الكريم الذي داخل هذا القبو هو مقام إبراهيم (صلى الله عليه و سلم)، و هو حجر مغشى بالفضة و ارتفاعه مقدار ثلاثة أشبار، و سعته مقدار شبرين، و أعلاه أوسع من أسفله، و أثر القدمين و أثر الأصابع بين، ثم قال: لموضع المقام قبة مصنوعة من حديد موضوعة جانب قبة زمزم فإذا كان في أشهر الحج و كثر الناس رفعت القبة الخشب و وضعت قبة الحديد. انتهى كلام ابن جبير الأندلسي.

و روى التقي الفاسي في شفاء الغرام عن القاضي عز الدين بن جماعة أنه قال:

حررت لما كنت مجاورا بمكة سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة مقدار ارتفاع المقام عن الأرض فكان سبعة أثمان الذراع و أعلى المقام مربع من كل جهة ثلاثة أرباع الذراع، و موضع غوص القدمين ملبس بالفضة، و عمقه من فوق الفضة سبعة قراريط و نصف قيراط من ذراع القماش المستعمل بمصر. انتهى كلام ابن جماعة كما رواه الفاسي.

و قال الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة المتوفى في عصرنا في كتابه" تاريخ عمارة المسجد الحرام" بصحيفة (151) ما نصه: و أما صفة حجر المقام و مقاسه فهو حجر رخو من نوع حجر الماء و لم يكن من الحجر الصوان، و هو مربع على وجه الإجمال، و مساحته ذراع يد في ذراع يد طولا و عرضا و ارتفاعا أو نحو خمسين سنتيمترا في مثلها طولا و عرضا و ارتفاعا، و في وسطه أثر قدمي إبراهيم الخليل (صلى الله عليه و سلم)، و هي حفرتان على شكل بيضوي مستطيل قد حفرهما الناس بمسح الأيدي و وضع ماء زمزم فيهما مرات عديدة فنتج من كثرة مرور الأيدي محو أثر القدمين و استبدل موضعهما حفرتان كما دلت على ذلك الروايات المتقدمة في أول الباب، و قد رأيت حجر المقام بعيني سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة و ألف بصحبة المرحوم صاحب الفضيلة رئيس السدنة في تلك السنة الشيخ محمد صالح بن أحمد بن محمد الشيبي فوجدته مصفحا بالفضة و هو موضوع على قاعدة و شكله مربع كما وصفته و لونه بين البياض و السواد و الصفرة و رأيت أثر القدمين.

و هنا أذكر زيادة على ما تقدم ما ورد في أثر القدمين من الأخبار و الروايات، فروى الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عن ابن الجوزي أنه قال: و إن أثر قدميه يعني إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام في المقام كرقم الباني، و لم تزل‏

308

آثار قدمي إبراهيم حاضرة في المقام معروفة عند أهل مكة حتى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:

و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة* * * على قدميه حافيا غير ناعل‏

و في موطأ ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أنس قال: رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم و أخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم. و أخرج الطبري في تفسيره عن قتادة في هذه الآية: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ أنه قال:

إنما أمروا أن يصلوا عنده و لم يؤمروا بمسحه قال: و لقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه و أصابعه فيها فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق و انمحى. انتهى كلام الشيخ حسين باسلامة في تاريخه المذكور.

وصفنا ل مقام إبراهيم‏

هذا ما ذكره هؤلاء المؤرخون عن صفة مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام نقلناه بالحرف الواحد من غير أن نشرحه أو نعلق عليه بحاشية اكتفاء بذكاء أولي العلم و المعرفة، و اعتمادا على ما سنوضحه هنا من التفصيل التام و البيان الدقيق فنقول و باللّه التوفيق:

إننا لما شرعنا في تأليف كتابنا هذا عن مقام إبراهيم (عليه السلام) و ما كان أحد سبقنا إلى مثله من قبل، حصلت عندنا رغبة شديدة و ميل عظيم إلى مشاهدة نفس المقام الكريم، فالتمسنا فتح مقصورة المقام لنا من حضرة صاحب السمو الملكي ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير المعظم" سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل" حفظه اللّه فصدر أمر سموه الكريم بفتح مقصورة مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام الذي هو أمام الكعبة المشرفة لننظر إليه و نكتب عنه الحقيقة بالتفصيل التام خدمة للدين و العلم، ليعرف المسلمون حقيقة المقام الكريم الذي هو مستور عن أعينهم فنقول:

إنه في صباح يوم الأحد السابع و العشرين من شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و ستين هجرية جاء إلى المسجد الحرام السادن الثاني لبيت اللّه المعظم صاحب السعادة الشيخ عبد اللّه ابن المرحوم الشيخ عبد القادر الشيبي صحبة ابنه الفاضل الشيخ عبد العزيز لغسل الكعبة المشرفة حسب العادة و لفتح مقام إبراهيم (عليه السلام) لنا، فدخلنا أولا بيت اللّه الحرام و تشرفنا بغسل داخله بالزمزم بعطر،

309

و كان معنا صاحب السعادة الشيخ محمد صالح قزاز ابن المرحوم عبد الرحمن قزاز مدير شؤون الحج، و حضرات الأفاضل الكرام السيد هاشم نائب الحرم رئيس مجلس إدارة الحرم، و الشيخ عمر عبد الجبار رئيس شرطة الحرم، و الشيخ صالح باخطمة رئيس القسم الإداري بالأمن العام و السيد عبد اللّه ابن المرحوم السيد محمد علي الدباغ، و الشيخ عبد اللّه ابن الشيخ أحمد الباز، و بعض الخدمة الخاصة، ثم بعد انتهائنا من غسل الكعبة المعظمة توجه بنا سادنها سعادة الشيخ عبد اللّه الشيبي المذكور إلى مقصورة مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام ففتحها بحضور مندوب رئاسة القضاء الشيخ عبد العزيز العقيلي و حضور الشيخ عبد اللّه ابن المرحوم الشيخ أمين ميرداد و حضور الجماعة المذكورين و حضور جمع غفير من أهل مكة و الحجاج القادمين إليها.

و بعد تنظيف المقام من الأتربة و الغبار دخلت أنا محمد طاهر الكردي المكي الخطاط مؤلف هذا الكتاب إلى داخل الصندوق الذي فيه نفس حجر مقام إبراهيم (عليه السلام) لإجراء البحث الدقيق عليه و مكثت في داخل الصندوق نحو ساعة و نصف، أي تسعين دقيقة تقريبا و حجر المقام الشريف بهيئته بين يدي ثم طلبت من صديقنا الشيخ عمر عبد الجبار المذكور أن يجلس بجانبي داخل الصندوق ليساعدني في مسك الأوراق و ضبط القياسات فجلس بجواري ملتصقا بي لضيق الصندوق، و قد جلس أمامنا جمع كثير و من ذكرنا أسماءهم يشاهدون أبحاثنا الدقيقة حول المقام الكريم.

و إليكم بيان ذلك بالتفصيل التام و التحقيق الكامل بتوفيق اللّه تعالى:

لقد وجدنا حجر مقام إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام مثبتا فوق قاعدة صغيرة من الرخام المرمر بقدر قياس نفس المقام الشريف طولا و عرضا. و أما ارتفاعها فثلاثة عشر سنتيمترا، و قد استمسك المقام بهذه القاعدة، بواسطة الفضة التي تحيط بنفس المقام مع جزء من هذه القاعدة، حتى صار المقام ثابتا فيها ثبوتا قويا بحيث لا يمكن تحريكه قط.

انظر: صورة رقم 91 بالفوتوغرافيا لمقصورة مقام إبراهيم (عليه السلام) يوم فتحها

310

ثم إن هذه القاعدة الصغيرة ثابتة ثبوتا محكما جدا في وسط قاعدة كبيرة من الرخام المرمر أيضا تشبه البركة طول ضلعها من جميع الجهات متر واحد، و ارتفاعها من الأرض ستة و ثلاثون سنتيمترا و لون الرخامتين أبيض.

و يحيط بهذه القاعدة الكبيرة صندوق من الخشب كهيئة الهرم الرباعي ارتفاعه نحو القامة، و ليس به منافذ مطلقا سوى الباب الذي يرى منه المقام الكريم، و هو في الجهة الشرقية، و هذا الصندوق ملبس كله من الظاهر بصفائح الفضة مكتوب عليه من الجهة الشرقية فقط ما يأتي:

" بسم اللّه الرحمن الرحيم و به الهداية إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" كتبه الحافظ إسماعيل الزهدي أدرنوي خوجه، كتبه عام ألف و مائتين و ثمان و عشرين.

و باب الصندوق مصفح من الظاهر بالفضة أيضا، و قد كتبت عليه هذه العبارة: صاحب الخيرات و الحسنات سلطان البرين و فاتح الحرمين الغازي السلطان محمود خان بن عبد الحميد خان، دام ملكه سنة ألف و مائتين و ثمان و عشرين هجرية.

و الذي يظهر لنا من هذه العبارة: أن الذي أمر بتلبيس هذا الصندوق بصفائح الفضة هو السلطان محمود خان المذكور، و أما الصندوق من الداخل فهو خشب عادي بلونه الطبيعي لا أثر فيه لكتابة أو نقش.

و هذا الصندوق مغطى كله من قمته إلى الأرض بكسوة من الحرير مكتوب فيها بعض آيات قرآنية كتبها مؤلف هذا الكتاب سنة ألف و ثلاثمائة و ثمان و أربعين، و صنعت بدار الكسوة بمكة المشرفة في السنة المذكورة، و من هذه السنة إلى الآن لم تغير الكسوة، ثم يحيط بهذا الصندوق الشباك الحديد المضروب باللون الأخضر من الجهات الأربع.

أما مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام: فهو حجر ليس بصوان لونه ما بين الصفرة و الحمرة، و هو إلى البياض أقرب، و يمكن أن يحمله أضعف الرجال.

فقد روى الإمام الأزرقي في الجزء الثاني من تاريخه صحيفة (28) أن أمير المؤمنين المهدي حج سنة ستين و مائة فنزل دار الندوة، فجاء عبيد اللّه بن عثمان بن‏

311

إبراهيم الحجبي بالمقام مقام إبراهيم في ساعة خالية نصف النهار مشتملا عليه، فقال للحاجب: ائذن لي على أمير المؤمنين فإن معي شيئا لم يدخل به على أحد قبله و هو يسر أمير المؤمنين. فأدخله عليه فكشف عن المقام فسر بذلك و تمسح به و سكب فيه ماء ثم شربه و قال له: اخرج و أرسل إلى بعض أهله فشربوا منه و تمسحوا به ثم أدخل فاحتمله و رده مكانه و أمر له بجوائز عظيمة و أقطعه خيفا بنخله يقال له ذات القوبع فباعه من منيرة مولاة المهدي بعد ذلك بسبعة آلاف دينار. اه.

و أما حجم حجر المقام الكريم: فهو يشبه المكعب، ارتفاعه عشرون سنتيمترا، و طول كل ضلع من أضلاعه الثلاثة من جهة سطحه ستة و ثلاثون سنتيمترا و طول ضلعه الرابع ثمانية و ثلاثون سنتيمترا، فيكون مقدار محيطه من جهة السطح مائة و ستة و أربعين سنتيمترا.

و أسفل المقام أوسع بقليل من أعلاه، فيكون مقدار محيطه من جهة القاعدة نحو: مائة و خمسين سنتيمترا.

و في هذا الحجر الشريف غاصت قدما خليل اللّه تعالى سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام مقدارا كبيرا إلى نصف ارتفاع الحجر، فعمق إحدى القدمين عشرة سنتيمترات، و عمق الثانية تسعة سنتيمترات، و لم نشاهد أثرا لأصابع القدمين مطلقا فقد انمحى من طول الزمن و مسح الناس بأيديهم، و أما موضع العقبين: فلا يتضح إلا لمن دقق النظر و تأمل، و حافة القدمين الملبستين بالفضة أوسع من بطنهما من كثرة مسح الناس بأيديهم.

و طول كل واحدة من القدمين من سطح الحجر و الفضة سبعة و عشرون سنتيمترا، و عرض كل واحدة منهما أربعة عشر سنتيمترا، أما قياسهما من باطن القدمين من أسفل الفضة النازلة فيهما، فطول كل واحدة منهما اثنان و عشرون سنتيمترا، و عرض كل واحدة منهما أحد عشر سنتيمترا.

و ما بين القدمين فاصل مستدق نحو سنتيمتر واحد و قد استدق هذا الفاصل من أثر مسح الناس له بأيديهم للتبرك، و كذلك اتسع طول القدمين و عرضهما من أعلاهما بسبب المسح أيضا و مع أنه قد مر على حجر المقام الشريف أكثر من أربعة آلاف سنة، فإن معالمه و هيئة القدمين واضحة لم تتغير و لم تتبدل، و تبقى كذلك إلى يوم القيامة، مصداقا لقوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏.

312

و حجر المقام كله ملبس بالفضة الخالصة، فلا تظهر حقيقة الحجر إلا من باطن حفرة القدمين و جوانبهما، و أن باطنهما غير مستو، بل فيهما بعض نتوءات صغيرة، و قد كتب على الفضة حول القدمين من سطح المقام آية الكرسي بخط الثلث الواضح الجميل، و كتب عليها من الجوانب بخط الثلث أيضا ما يأتي: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ‏. ثم كتب بعد ذلك:" أمر بتجديد صحيفة القدم الشريف ابتغاء لمرضاة اللّه تعالى، و محبة لصاحبه مولانا السلطان مصطفى خان ابن السلطان محمد خان دام عزه و نصره سنة (1113) سنة ألف و مائة و ثلاثة عشر" و يوجد على الفضة شي‏ء من النقش أما ما نزل من الفضة في حفرة القدمين، فليس عليه شي‏ء لا من الكتابة و لا من النقش.

و لما كان المقام الشريف ملبسا كله بالفضة و ثابتا ثبوتا قويا لا يتحرك لم يظهر لنا هل فيه شطب و كسر أم لا و نحمد اللّه تعالى أن وفق سلاطين المسلمين و ملوكهم للعناية و الاهتمام بهذا المقام الإبراهيمي الشريف، و يحق للمسلمين و العرب أن يفخروا بهذا المقام الأثري القديم المقدس.

و الذي نستنتج من رؤيتنا للقدمين الشريفين أن سيدنا إبراهيم لم يكن يلبس نعلا في رجليه حال بناء البيت، بل كان حافيا لأن الأرض كانت نظيفة طاهرة لا توجب لبس النعل و نحوه، حيث لم يكن بمكة في زمنه عليه الصلاة و السلام سوى جماعة قليلة من قبيلة جرهم.

و لقد كان طول سيدنا إبراهيم الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه) كطول الرجل العادي في زماننا، لا بالطويل و لا بالقصير، و لذلك كان نبينا محمد يشبه جده إبراهيم صلى اللّه و سلم عليهما و على جميع الأنبياء و المرسلين فقد ورد في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق عند وصف موسى و إبراهيم (عليهما السلام) صريح قول نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) ضمن الأحاديث مرارا (فمنها) قال:" و رأيت إبراهيم و أنا أشبه ولده به ... الخ"، (و منها)" و أنا أشبه ولد إبراهيم به ... الخ"، (و منها):" أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم ... الخ" يعني نفسه (صلى الله عليه و سلم).

و لقد ذكر بعض العلماء: أن قدم نبينا محمد يشبه قدم إبراهيم الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليهما)، و إلى ذلك أشار ناظم عمود النسب بقوله:

313

و كلما طال البناء ارتفعا* * * به المقام في الهوا و رفعا

به القواعد و فيه القدم‏* * * تشبهها للهاشمي قدم‏

و هو حق لا شك فيه لما تقدم من الأحاديث الصحيحة، و لما يدل عليه شكل القدمين اللتين على المقام الكريم. و كان أبو جهم بن حذيفة القرشي الذي حضر بناء الكعبة المعظمة مرتين: في بناء قريش، و في بناء ابن الزبير يقول: ما رأيت شبها كشبه قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) بقدم إبراهيم التي كنا نجدها في المقام. اه.

و قال قوم من بني مدلج و هم من أشهر العرب معرفة بالقيافة بالآثار و العلامات لعبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه و سلم) حينما كفله بعد وفاة أمه آمنة: احتفظ بمحمد فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في مقام إبراهيم منه. فكان عبد المطلب يحبه حبا شديدا لا يأكل طعاما إلا يقول: علي بابني (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على آله و أصحابه و أنصاره و أزواجه و ذريته. نقول: و يا ليتنا كنا في زمانه (صلوات اللّه و سلامه عليه) حتى نكون من جملة خدمه و حملة نعله الشريف و الحمد للّه الذي أسعدنا بالإيمان به و بمحبته و محبة آله و أصحابه كلهم.

موضع المقام‏

اختلف العلماء في موضع المقام، فقد أخرج البيهقي في سننه عن عائشة رضي اللّه عنها أن المقام كان في زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و زمان أبي بكر ملصقا بالبيت ثم أخره عمر بن الخطاب، و نقل المحب الطبري عن الإمام مالك في المدونة أنه قال:

كان المقام في عهد إبراهيم (عليه السلام) في مكانه اليوم، و كان أهل الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل فكان كذلك في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر فلما ولي عمر رده. و روى الأزرقي عن ابن أبي مليكة أن موضع المقام الآن هو موضعه في الجاهلية و في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و الخليفتين بعده إلى أن السيل ذهب به في خلافة عمر رضي اللّه عنه فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده إلى مكانه بمحضر من الصحابة رضي اللّه عنهم. و روى السنجاري في كتابه" منائح الكرم عن الإمام النووي" أنه قال: هذا الموضع الذي فيه المقام اليوم هو الموضع الذي كان فيه في‏

314

الجاهلية و في زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و بعده إلى عصرنا لم يتغير. إلا أنه جاء السيل زمن عمر رضي اللّه عنه- و ذكر القصة- ثم قال: و هو الآن في الموضع الذي كان فيه.

و قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: و كان المقام في عهد إبراهيم (عليه السلام) لزق البيت إلى أن أخره عمر رضي اللّه عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن عطاء و غيره و عن مجاهد أيضا و قد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال: كان المقام في صقع البيت في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فحوله عمر فجاء سيل فذهب به فرده عمر إليه.

قال سفيان: لا أدري أكان لا صقا بالبيت أم لا. قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر ما تقدم: و لم ينكر الصحابة فعل عمر و لا من جاء بعدهم فصار إجماعا، و كان عمر رأى أن بقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين و المصلين فوضعه في مكان يرتفع به الحرج و تهيأ له ذلك لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلى. و قال الحافظ عماد الدين بن كثير في تفسيره في سورة البقرة عند قوله تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ما نصه: و قد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما و مكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، و كان الخليل (عليه السلام) لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك و لهذا- و اللّه أعلم- أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف و ناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، إنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أحد الأئمة المهديين و الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم و هو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر" و هو الذي نزل القرآن بوفاته في الصلاة عنده، و لهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضي اللّه عنهم أجمعين. و جاء في تفسير ابن كثير أيضا في سورة النساء عند آية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها أن ابن مردويه روى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية" أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لما فتح مكة و أخذ من عثمان بن أبي طلحة مفتاح الكعبة و فتح بابها و غمس بالماء التماتيل التي كانت فيها أخرج مقام إبراهيم و كان في الكعبة فألزقه في حائط الكعبة ثم قال: يا أيها الناس هذه القبلة ..." الخ و الرواية مذكورة بكاملها في المجلد الثاني من التفسير بصحيفة (492) فليراجعه من شاء

315

فإننا نقلنا منه هذه الجملة بصورة مختصرة لنستشهد بأن المقام كان في الكعبة.

و ذكر العمري في مسالك الأبصار أن موضع المقام كان موضع الخلوق، أي الحفرة الملاصقة للكعبة. ثم قال: و صلى (صلى الله عليه و سلم) عنده حين فرغ من طوافه ركعتين و أنزل اللّه تعالى عليه: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ثم نقله (صلى الله عليه و سلم) إلى الموضع الذي هو فيه الآن و ذلك على عشرين ذراعا من الكعبة ... الخ، و ذكر ابن سراقة ما نصه: أن ما بين الباب يعني باب الكعبة و مصلى آدم عليه و على نبينا الصلاة و السلام حين فرغ من طوافه و أنزل اللّه عليه التوبة أرجح من تسعة أذرع، و هناك كان موضع مقام إبراهيم، و صلى النبي (صلى الله عليه و سلم) عنده حين فرغ من طوافه ركعتين و أنزل عليه: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ثم نقله (صلى الله عليه و سلم) إلى الموضع الذي هو فيه الآن و ذلك على عشرين ذراعا من الكعبة لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه ثم ذهب به السيل في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى أسفل مكة فأتى به و أمر عمر برده إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم). اه من تاريخ عمارة المسجد الحرام.

أرجح الأقوال في موضع المقام‏

لقد ذكرنا هذه الأقوال في موضع المقام بنصها و لفظها من غير تعليق عليها، ثم رأينا أن نأتي هنا بأرجح الأقوال على رأينا و ما نميل إليه فنقول و باللّه العون و التوفيق.

إذا لا حظت ما تقدم عن حد المسجد الحرام قديما، و أن مكان البيت كان ربوة مرتفعة عن الأرض ذات الرمال و الحصى، و أن إبراهيم (عليه السلام) ما بنى الكعبة بالطين و لا بالجص و إنما رضمها رضما و لم يسقفها، و تصورت أن أهل الجاهلية كانوا يجلسون في ظل الكعبة و يقعدون حولها يتذاكرون شؤونهم العامة، و أنه لم يكن جينئذ للمسجد الحرام على صغره سور و لا حائط حتى بنى عمر بن الخطاب جدارا قصيرا بعد أن زاد فيه و وسعه.

ظهر لك أن أرجح الأقوال المتقدمة و أقربها إلى الصواب هو ما رواه البيهقي في سننه من أن المقام كان في زمن النبي (صلى الله عليه و سلم) و زمن أبي بكر ملصقا بالبيت حتى أخره عمر بن الخطاب و ما ذكره أيضا ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بأن المقام كان في عهد إبراهيم (عليه السلام) لزق البيت إلى أن أخره عمر إلى المكان‏

316

الذي هو فيه الآن، و ما قاله أيضا ابن كثير في تفسيره بأن المقام كان ملصقا بجدار الكعبة قديما و مكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر، و كان الخليل (عليه السلام) لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك، و أنه أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ... الخ كلامه المتقدم و هو كلام حسن جيد للغاية، و ما ذكره ابن كثير أيضا في تفسيره من رواية ابن مردويه أن مقام إبراهيم كان في الكعبة فأخرجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فألزقه في حائط الكعبة و ذلك حينما دخل الكعبة يوم فتح مكة.

و لقد رجحنا هذه الأقوال الأربعة مما تقدم، لأن المعقول أن إبراهيم (عليه السلام) لا بد أن يضع الحجر الذي قام عليه في بناء البيت الحرام بلزقه و جواره لا أن يضعه بعيدا عن البيت حينما اتفق و هو ياقوتة من يواقيت الجنة و مقامه الذي كان يقوم عليه و أيضا لا بد أن اللّه تعالى أمره بحفظه و عدم التفريط فيه حيث يأتي في آخر الزمان خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه و سلم) فيؤمر هو و أمته بالصلاة عنده و قبلتهم البيت المعظم. و يؤيد كلامنا هذا ما جاء في الجزء الثاني من تاريخ الأزرقي أن إبراهيم (عليه السلام) قام على المقام حينما أذن في الناس بالحج، فلما فرغ من التأذين أمر بالمقام فوضعه قبلة فكان يصلي إليه مستقبل الباب ثم كان إسماعيل بعده يصلي إليه إلى باب الكعبة ... الخ.

فلدى التأمل في هذه النقطة يظهر جليا أن إبراهيم (عليه السلام) جعل الحجر الذي قام عليه لبناء الكعبة بلصقها و لا يبعده عنها بمسافة أذرع مخصوصة إلا لسبب و أي سبب لذلك في أيامه و أيضا أن أهل الجاهلية كانوا ألصقوا المقام بالبيت خيفة السيل بل وضعوه في جوف الكعبة حتى أخرجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منها فألزقه في حائطها كما تقدم بيان ذلك، فما الذي يدعو أهل الجاهلية إلى إبعاد ذلك الحجر الأثري المحترم عن الكعبة و وضعه في هذا المحل الذي هو عليه الآن كما في رواية السنجاري المتقدمة و لا أحد منهم يتعبد عنده، بل لو أبعدوه عن البيت لكان المعنى أنهم لم يعتبروه و لم يحترموه حيث رموه في آخر ساحته عند أبواب بيوتهم المحيطة بالبيت، و كيف يقع ذلك منهم و هم الذين يعتقدون أنه ذلك الحجر المقدس الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل (عليه السلام)، و قد قال أبو طالب فيه و في الحجر الأسود:

و بالحجر المسود إذ يمسحونه‏* * * إذا اكتنفوه بالضحى و الأصائل‏

317

و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة* * * على قدميه حافيا غير ناعل‏

فلما جاء الإسلام أكد احترامهما و جعل لهما مغزى خاصا و رمزا تعبديا و إن كان الحجر الأسود أعظم حرمة من المقام، فإنه يمين اللّه في الأرض و إنه يبعث يوم القيامة و له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يشهد لمن استلمه بالحق كما ورد ذلك. و قد تقدم أن الحجر الأسود و المقام هما من ياقوت الجنة.

و في الأزرقي عن مجاهد أنه قال: يأتي يوم القيامة الركن و المقام كل واحد منهما مثل أبي قبيس يشهدان لمن وافاهما بالموافاة. اه.

فيكون الحجر الأسود و المقام من أقدم الأحجار الأثرية الدينية المحترمة، حيث مر عليهما آلاف السنين و الأعوام، و سيبقيان في موضعهما بإذن اللّه حتى قيام الساعة، ففي الأزرقي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): (أكثروا استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا و قد فقدوه، إن اللّه عز و جل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة).

و في الأزرقي أيضا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال:" إن اللّه تعالى يرفع القرآن من صدور الرجال و الحجر الأسود قبل يوم القيامة".

ما ورد في كتاب شفاء الغرام عن موضع المقام في الجاهلية و الإسلام‏

نحب أن نذكر هنا زيادة في الإيضاح ما ذكره الفاسي في كتابه" شفاء الغرام" مفصلا عن موضع المقام في الجاهلية و الإسلام، فقد جاء في الجزء الأول منه ما نصه:

روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار ابن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هو هذا الذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية و في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتى قدم عمر فرده بمحضر من الناس.

318

و ذكر الأزرقي ما يوافق قول ابن أبي مليكة في موضع المقام عن عمرو بن دينار و سفيان بن عيينة و روى الفاكهي عن عمرو بن دينار و سفيان بن عيينة مثل ما حكاه عنهما الأزرقي بالمعنى.

و نقل المحب الطبري في القرى عن مالك ما يخالف ذلك لأنه قال: و قال مالك في المدونة: كان المقام في عهد إبراهيم (صلى الله عليه و سلم) في مكانه اليوم و كان أهل الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و عهد أبي بكر، فلما ولي عمر رده بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قيس بها حين أخروه.

انتهى.

ثم قال المحب: و في هذا مناقضة ظاهرة لما ذكره الأزرقي عن ابن أبي مليكة و سياق لفظ حديث جابر الصحيح الطويل و ما روى نحوه شهد لترجيح قول ابن أبي مليكة، و ذلك قوله: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم و قرأ: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏، فجعل المقام بينه و بين الكعبة، و المتبادر إلى الفهم منه عند سماع هذا اللفظ أنه لم يكن حينئذ ملصقا بالبيت، لأنه لا يقال في الصرف تقدم إلى كذا فجعله بينه و بين كذا إلا فيما يمكن أن يقدمه أمامه و أن يخلفه خلفه، و إن كان ملصقا تعين التقديم لا غير. انتهى باختصار.

و قد ذكرنا في أصل هذا الكتاب بقية كلام المحب و كلاما لمالك في المعنى و بينا ما فيه الصواب و اللّه أعلم.

و ذكر موسى بن عقبة في مغازيه، و أبو عروبة في الأوائل له و الفاكهي في كتابه ما يوافق ما ذكره مالك في أن المقام كان في وجه الكعبة لاصقا في الجاهلية، قال موسى بن عقبة: فإن قال فيما رويناه عنه و كان زعموا أن المقام لاصق في الكعبة فأخره رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في مكانه هذا. انتهى.

و ذكر ذلك في خبر فتح مكة، و أما أبو عروبة فإن قال فيما رويناه عنه حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال:

كان المقام إلى جنب البيت و كانوا يخافون عليه من السيول و كان الناس يصلون خلفه. انتهى باختصار لقصة رد عمر للمقام إلى موضعه الآن و ما كان بينه و بين المطلب ابن أبي وداعة السهمي في موضعه الذي حرره المطلب، و قال أبو عروبة أيضا: حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد الرزاق قال: إن ابن جريج قال: سمعت عطاء

319

و غيره من أصحابنا يزعمون أن عمر رضي اللّه عنه أول من رفع المقام فوضعه في موضعه الآن و إنما كان من قبل الكعبة. انتهى.

و أما الفاكهي فقال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سلمة قال: حدثنا عبد الجبار بن سعيد عن ابن أبي سبرة عن موسى ابن سعيد عن نوفل بن معاوية الديلي قال:

رأيت المقام في عهد عبد المطلب ملصقا بالبيت مثل البهار، و روى الفاكهي بسنده إلى عبد اللّه بن سلام خبرا فيه أذان إبراهيم على المقام للناس بالحج فلما فرغ أمر بالمقام فوضعه قبلته فكان يصلي إليه مستقبل الباب، و فيه أن النبي (صلى الله عليه و سلم) قدم مكة من المدينة فكان يصلي إلى المقام و هو ملصق بالكعبة حتى توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم).

و قال الفاكهي حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثنا يحيى بن محرر بن توبان عن سليم عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير أنه قال:

كان المقام في وجه الكعبة و إنما قام إبراهيم عليه حين ارتفع البنيان فأراد أن يشرف على البناء، قال: فلما كثر الناس خشي عمر ابن الخطاب أن يطؤوه بأقدامهم فأخره إلى موضعه الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان قدام الكعبة.

و قال الفاكهي: حدثنا يعقوب بن حميد ابن كاسب قال: حدثنا عبد العزيز بن محرر عن هشام بن عروة عن أبيه قال عبد العزيز: أراه عن عائشة أن المقام كان في زمن النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى سقع البيت. قال الفاكهي: و قال المكيون: كان بين المقام و بين الكعبة ممر العنز. انتهى.

و ليس فيما ذكره مالك و ابن عقبة و أبو عروبة و الفاكهي من كون المقام كان عند الكعبة بيان موضعه عند الكعبة، إلا أن في الخبر الذي رواه الفاكهي عن سعيد بن جبير مما يفهم منه تقريب بيان موضع المقام عند الكعبة، إلا أن فيه ما يقتضي أن موضعه الآن هذا موضعه الذي كان به قدام الكعبة، و المقام الآن في جوف الصندوق الذي في جوف الشبابيك الأربعة المتقدم ذكرها، و يحاذي الصندوق الذي فيه المقام من وجه الكعبة ذراعان بالحديد و نحو خمسة قراريط بذراع الحديد أيضا المقدم ذكره، و الذراعان هما نصف الحفرة المرخمة الملاصقة لشاذروان الكعبة و نصف الحفرة المشار إليه هنا هو النصف الذي يلي الحجر، بسكون الجيم، و ما زاد على الذراعين من القراريط التي هي كمال ما يحاذي الصندوق الذي فيه المقام و هي إلى طرف الحفرة مما يلي الحجر، بسكون الجيم، و إذا كان كذلك فيكون موضع المقام عند الكعبة تخمينا. و اللّه أعلم.

320

و فيما بين نصف الحفرة مما يلي الحجر، بسكون الجيم و القراريط الزائدة على الذراعين، لأن ذلك يحاذي الصندوق الذي فيه المقام الآن، و إذا كان كذلك فهو يوافق قول من قال أن موضع المقام الآن حذاء موضعه عند الكعبة. و اللّه أعلم.

و ذكر الفقيه محمد بن سراقة العامري في كتابه دلائل القبلة في موضع المقام عند الكعبة ما يخالف قول من قال: إن موضعه الذي بحذاء موضعه عند الكعبة، و نص ما ذكره ابن سراقة و من الباب يعني باب البيت إلى مصلى آدم (عليه السلام) حين فرغ من طوافه و أنزل اللّه عليه التوبة و هو موضع الخلوق من إزار الكعبة أرجح من تسعة أذرع، و هناك كان موضع مقام إبراهيم (عليه السلام) و صلى (صلى الله عليه و سلم) عنده حين فرغ من طوافه ركعتين و أنزل اللّه عليه: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ثم نقله (صلى الله عليه و سلم) إلى الموضع الذي هو فيه الآن و ذلك على عشرين ذراعا من الكعبة لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه أو يترك الصلاة خلفه لأجل الطواف حين كثر الناس و ليدور الصف حول الكعبة و يرى الإمام من كل وجه. ثم حمله السيل في أيام عمر و أخرجه من المسجد فأمر عمر رضي اللّه عنه برده إلى موضعه الذي وضعه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فيه و بين موضع الخلوق و هو مصلى آدم و بين الركن الشامي ثمانية أذرع. انتهى.

و قد سبق بعض ما ذكرناه عن ابن سراقة في الباب الثامن من هذا الكتاب عند بيان مصلى آدم (عليه السلام)، و هذا يقتضي اتخاذ موضع مصلى آدم و موضع الخلوق و موضع المقام عند الكعبة و هو على مقتضى ما ذكر ابن سراقة في ذرع ما بينه و بين ركن الكعبة الذي يلي الحجر، بسكون الجيم، يكون على ذراعين و ثلثي ذراع بالحديد من طرف الحفرة إلى جهة الحجر، بسكون الجيم، و على هذا فيكون موضع المقام عند الكعبة خارجا عن الحفرة في مقدار ذراعين و ثلثي ذراع، و على مقتضى ما قيل من أن موضعه اليوم حذاء موضعه عند الكعبة، يكون موضعه عند الكعبة في مقدار نصف الحفرة التي تلي الحجر، بسكون الجيم، و اللّه أعلم بالصواب.

و أما الموضع الذي ربط فيه المقام عند الكعبة لما ذهب به السيل فقد بينه الفاكهي لأنه قال: فصل و ذكر عن بعض المكيين، أن الموضع الذي ربط عنده المقام في وجهه الكعبة بأستارها إلى أن حج عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فرده و ذلك أن يقصد الطائف من الحجر الشامي في حجارة شاذروان الكعبة إلى أن يبلغ‏

321

الحجر السابع فإذا بلغ الحجر السابع فهو موضعه و إلا فهو التاسع من حجارة الشاذروان أيضا. انتهى.

و ذكر الفاكهي في موضع آخر من كتابه ما يقتضي أن هذا علامة للموضع الذي ذكر عبد اللّه بن السائب المخزومي أنه رأى النبي (صلى الله عليه و سلم) يصلي عنده يوم فتح مكة و ذكر الأزرقي مثل ذلك و اللّه أعلم. و ما ذكره ابن سراقة من أن النبي (صلى الله عليه و سلم) رد المقام إلى موضعه الآن يشهد له ما ذكره ابن عقبة، و ما سأذكره مخالف لما ذكره سعيد بن جبير و عطاء و غيرهم من أن عمر رضي اللّه عنه أول من رده إلى موضعه الآن و ذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن الولاة حولته إلى مكانه هذا، و هذا يفهم أن الذي رده غير عمر رضي اللّه عنه.

فيتحصل فيمن رده إلى موضعه الآن ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النبي (صلى الله عليه و سلم)، و الثاني: أنه عمر، و الثالث: غير عمر و اللّه أعلم. و المشهور أنه عمر ورد الخبر الذي ذكره الفاكهي عن سعيد بن جبير ما يفهم أن رد عمر للمقام إلى موضعه الآن لئلا تطؤه الناس و المعروف أن رد عمر له إلى موضعه الآن لكون السيل المعروف بسيل أم نهشل، أزاله عن موضعه الأول و اللّه أعلم. و ذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن رجلا من آل عابدين عبد اللّه بن مخزوم قال: قال لعمر: أنه يعلم موضع المقام الأول و المعروف أن الذي قال ذلك لعمر هو المطلب بن أبي وداعة السهمي كما ذكر الأزرقي و الفاكهي و غيرهما. و اللّه أعلم.

و ما ذكره ابن سراقة في ذرع ما بين موضع المقام الآن و وجه الكعبة لا يستقيم لنقص ما ذكره ابن سراقة في ذلك عما ذكره الأزرقي فيه نقصا كثيرا و الذراع الذي حرر به ابن سراقة ذراع اليد، و كذلك الأزرقي و فيما ذكره ابن سراقة نظر من غير هذا الوجه، و ذكر ابن جبير في أخبار رحلته ما يقتضي أن الحفرة المرخمة في وجه الكعبة علامة موضع المقام في عهد الخليل (عليه السلام)، إلى أن رده النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى الموضع الذي هو الآن مصلى و في هذا نظر لأن موضع المقام الآن هو موضعه في عهد الخليل (عليه السلام) من غير خلاف علم في ذلك، و أما الخلاف ففي موضعه اليوم هل هو موضعه في زمن النبي (صلى الله عليه و سلم) كما ذكر ابن أبي مليكة أو لا كما قال مالك. و اللّه أعلم.

و في كلام ابن جبير نظر من وجه بيناه في أصل هذا الكتاب و اللّه أعلم، و لم أر في تاريخ الأزرقي ذكر السنة التي رد فيها عمر المقام إلى موضعه هذا لما غيره‏

322

عنه السيل، و هو سنة سبع عشرة من الهجرة على ما ذكره ابن جرير و كذا ابن الأثير في كامله، و قيل: سنة ثمان عشرة. ذكره ابن حمدون في تذكرته. و اللّه أعلم بالصواب. انتهى كل ذلك من شفاء الغرام.

وضع المقام في مكانه الحالي‏

كان وضع مقام إبراهيم (عليه السلام) في مكانه الذي هو فيه الآن من عمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و ذلك أنه جاء سيل أم نهشل في خلافته سنة سبع عشرة من الهجرة إلى مكة من أعلاها، فدخل المسجد الحرام و كان سيلا عظيما بحيث اقتلع المقام من موضعه و ذهب به، فلما جف الماء و جدوه بأسفل مكة، فأتى به و ألصق في وجه الكعبة و ربط بأستارها، و كان عمر يومئذ بالمدينة، فلما بلغه ذلك هاله الأمر و ركب من ساعته فزعا إلى مكة، فدخلها بعمرة في رمضان من السنة المذكورة، فلما دخل المسجد الحرام و وقف على حجر المقام قال: أنشد اللّه عبدا عنده علم في هذا المقام. فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي اللّه عنه: أنا يا أمير المؤمنين عندي علم بذلك، فقد كنت أخشى عليه مثل هذا الأمر، فأخذت قدره من موضعه إلى الركن و من موضعه إلى باب الحجر، و من موضعه إلى زمزم بمقاط و هو عندي في البيت، فقال له عمر: فاجلس عندي، و أرسل إليها، فأتى بها فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس و شاورهم، فقالوا: نعم هذا موضعه، فلما استثبت ذلك عمر رضي اللّه عنه أمر به، فأعلم ببناء تحت المقام ثم وضعه، فهو في مكانه هذا إلى اليوم. اه من الأزرقي باختصار.

و المقاط بالكسر: حبل مثل القماط فهو مقلوب منه، و القماط: حبل يشد به قوائم الشاة عند الذبح و كذا ما يشد به الصبي في المهد. اه من مختار الصحاح.

و لقد أمر عمر بن الخطاب المطلب بن أبي وداعة بالجلوس عنده زيادة في الاحتياط و التثبت، و لأن ذلك أدعى للتصديق و نفي الشبهة و إن كان المطلب بن أبي وداعة لا يتهم في كلامه.

323

ترجمة عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه‏

قال صاحب كتاب" زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري و مسلم" في الجزء الخامس عن ترجمته رضي اللّه تعالى عنه ما نصه:

و أما عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقد ألفت التآليف في ترجمته، و لنتبرك بقليل منها فأقول: هو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد اللّه بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب القرشي العدوي أبو حفص، و أمه خنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر ابن مخزوم. قال الزبير: كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه من أشراف قريش و إليه كانت السفارة في الجاهلية و ذلك أن قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب أو بينهم و بين غيرهم بعثوه سفيرا و إن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر رضوا به و بعثوه منافرا و مفاخرا. أسلم بعد أربعين رجلا و إحدى عشرة امرأة فكان إسلامه عزا ظهر به الإسلام بدعوة النبي (صلى الله عليه و سلم) فقد أخرج أبو يعلى من طريق أبي عامر العقدي عن خارجة عن نافع عن ابن عمر قال: إن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل ابن هشام و كان أحبهما إلى اللّه عمر بن الخطاب. و أخرجه عبد بن حميد و أخرجه الدارقطني عن أنس رفعه:

اللهم أعز الدين بعمر أو بعمرو بن هشام في حديث طويل فأجاب اللّه تعالى دعاءه في عمر رضي اللّه عنه. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: و شهد عمر بدرا و بيعة الرضوان و كل مشهد شهده رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو عنه راض. و قال ابن الأثير في أسد الغابة: شهد عمر بن الخطاب مع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بدرا واحدا و الخندق و بيعة الرضوان و خيبر و الفتح و حنينا و غيرها من المشاهد و كان أشد الناس على الكفار فلما أسلم كان إسلامه فتحا على المسلمين و فرجا لهم من الضيق، قال عبد اللّه بن مسعود: و ما عبدنا اللّه جهرة حتى أسلم عمر.

و أخرج أحمد من رواية صفوان ابن عمرو عن شريح بن عبيد قال: قال عمر:

خرجت أتعرض لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فوجدته سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت: هذا و اللّه شاعر كما قالت قريش قال: فقرأ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ‏ فقلت: كاهن قال: وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ‏ حتى ختم السورة قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. و هو رضي اللّه عنه أحد فقهاء

324

الصحابة و ثاني الخلفاء الراشدين و أحد العشرة المشهود لهم بالجنة و أول من سمي أمير المؤمنين و ولي الخلافة بعد أبي بكر بويع له بها يوم مات أبو بكر رضي اللّه عنه باستخلافه له سنة ثلاث عشرة فسار بأحسن سيرة أنزل نفسه من مال اللّه منزلة رجل من الناس و فتح اللّه له الفتوح بالشام و العراق و مصر، و دون الدواوين في العطاء و رتب الناس فيه على سوابقهم و كان لا يخاف في اللّه لومة لائم، و هو الذي نور شهر الصوم بصلاة الإشفاع فيه و أرخ التاريخ من الهجرة الذي بأيدي الناس إلى اليوم و هو أول من اتخذ الدرة و كان نقش خاتمه" كفى بالموت واعظا يا عمر" و كان آدم شديد الأدمة طوالا كث اللحية أصلع أعسر أيسر يخضب بالحناء و الكتم هكذا ذكره زر بن حبيش، و مكث في الخلافة عشر سنين و نصفا حتى قتل شهيدا قتله غلام المغيرة بن شعبة العلج، له خمسمائة و تسعة و ثلاثون حديثا اتفق البخاري و مسلم على عشرة منها و انفرد البخاري بتسعة و مسلم بخمسة عشر. روى عنه أبناؤه عبد اللّه و عاصم و عبيد اللّه و علقمة بن وقاص، و عن ابن عمر مرفوعا أن اللّه جعل الحق على لسان عمر و قلبه، و لما دفن قال ابن مسعود:

ذهب اليوم بتسعة أعشار العلم. استشهد في آخر سنة ثلاث و عشرين و دفن في الحجرة النبوية في أول سنة أربع و عشرين و هو ابن ثلاث و ستين و صلى عليه صهيب، و كان رضي اللّه عنه من المحدثين أي الملهمين ففي الصحيحين من رواية عائشة و أبي هريرة عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر. و قد تقدم هذا الحديث في حرف اللام في الجزء الثاني من متن زاد المسلم. و موافقاته رضي اللّه عنه للوحي كثيرة جمعها الجلال السيوطي في منظومة سماها قطف الثمر في موافقات عمر و هاهي بتمامها:

الحمد للّه و صلى اللّه‏* * * على نبيه الذي اجتباه‏

يا سائلي و الحادثات تكثر* * * عن الذي وافق فيه عمر

و ما يرى أنزل في الكتاب‏* * * موافقا لرأيه الصواب‏

خذ ما سألت عنه في أبيات‏* * * منظومة تأمن من شتات‏

ففي المقام و أسارى بدر* * * و آيتي تظاهر و ستر

و ذكر جبريل لأهل الغدر* * * و آيتين أنزلا في الخمر

و آية الصيام في حل الرفث‏* * * و قوله نساؤكم حرث يبث‏

و قوله لا يؤمنون حتى‏* * * يحكموك إذ بقتل أفتى‏

325

و آية فيها لبدر أو به‏* * * و لا تصل آية في التوبة

و آية في النور هذا بهتان‏* * * و آية فيها بها الاستئذان‏

و في ختام آية في المؤمنين‏* * * تبارك اللّه بحفظ المتقنين‏

و ثلة من في صفات السابقين‏* * * و في سواء آية المنافقين‏

و عددوا من ذاك نسخ الرسم‏* * * لآية قد نزلت في الرجم‏

و قال قولا هو في التوراة قد* * * نبهه كعب عليه فسجد

و في الأذان الذكر للرسول‏* * * رأيته في خبر موصول‏

و في القرآن جاء بالتحقيق‏* * * ما هو من موافق الصديق‏

كقوله هو الذي يصلي‏* * * عليكم أعظم به من فضل‏

و قوله في آخر المجادلة* * * لا تجد الآية في المخالله‏

نظمت ما رأيته منقولا* * * و الحمد للّه على ما أولى اه

أقول: و مما هو صريح منها في موافقة ما أنزل في القرآن ما أخرجه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه في تفسير سورة البقرة في باب: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ عن أنس قال: قال عمر: وافقت اللّه في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول اللّه لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، زاد في كتاب الصلاة في باب ما جاء في القبلة فنزلت: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ و قلت: يا رسول اللّه يدخل عليك البر و الفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل اللّه آية الحجاب قال: و بلغني معاتبة النبي (صلى الله عليه و سلم) بعض نسائه فدخلت عليهن قلت:

إن انتهيتن أو ليبدلن اللّه رسوله (صلى الله عليه و سلم) خيرا منكن حتى أتيت إحدى نسائه قالت: يا عمر أما في رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فأنزل اللّه: عَسى‏ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ‏ الآية، و نزل القرآن بموافقته أيضا في أسارى بدر و في تحريم الخمر و من حديث ابن عمر أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ضرب صدر عمر بن الخطاب لعنه اللّه عنه حين أسلم ثلاث مرات و هو يقول:

اللهم أخرج ما في صدره من غل و أبدله إيمانا يقولها ثلاثا. و من حديثه أيضا قال:

قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن اللّه جعل الحق على لسان عمر و قلبه. و روي من حديث عقبة بن عامر و أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و سلم) أنه قال: لو كان بعدي نبي لكان عمر.

326

و قصة إسلامه رضي اللّه تعالى عنه على يد أخته فاطمة بنت الخطاب المكناة أم جميل و لقبها أميمة رضي اللّه تعالى عنها زوج سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة خبرها عجيب، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في تاريخه أبو نعيم في طريقه و من طريق إسحاق بن عبد اللّه عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس قال: سألت عمر عن إسلامه قال:

خرجت بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فإذا فلان بن فلان المخزومي فقلت له: أرغبت عن دين آباءك إلى دين محمد قال: قد فعل ذلك من هو أعظم عليك حقا مني قال: قلت: و من هو؟ قال: أختك و ختنك قال: فانطلقت فوجدت الباب مغلقا و سمعت همهمة قال: ففتح لي الباب فدخلت فقلت: ما هذا الذي أسمع؟ قالت:

ما سمعت شيئا فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأسها فقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك، قال: فاستحييت حين رأيت الدم و قلت: أروني الكتاب فذكر القصة بطولها. و روى الواقدي عن فاطمة بنت مسلم الأشجعية عن فاطمة الخزاعية عن فاطمة بنت الخطاب أنها سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:" لا تزال أمتي بخير ما لم يظهر فيهم حب الدنيا في علماء فساق و قراء جهال و جبابرة فإذا ظهرت خشيت أن يعمهم اللّه بعقاب" فنسأله تعالى أن لا يعمنا و جميع من نحبه بذلك العقاب.

و مناقبه رضي اللّه عنه جمة و الحكايات عنه في عبادته و سيرته و زهده و شدته في الدين ممتعة لو ذكرناها لطال بنا الحديث و خرجنا عن المقصود. و باللّه تعالى التوفيق و هو الهادي إلى سواء الطريق. انتهى من الكتاب المذكور.

فضل عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه‏

و لقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة في فضل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، في الصحيحين و غيرهما نقتصر على بعضها على سبيل التبرك لا على سبيل الحصر و التعداد:

فقد جاء في صحيح البخاري في باب فضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) في باب مناقب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و عنده نسوة من قريش يكلمنه و يستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن‏

327

فبادرن الحجاب، فأذن له رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فدخل عمر و رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يضحك فقال عمر: أضحك اللّه سنك يا رسول اللّه. فقال النبي (صلى الله عليه و سلم): عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول اللّه ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن أتهبنني و لا تهبن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقلن: نعم أنت أفظ و أغلظ من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إيها يا ابن الخطاب و الذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك. انتهى منه.

و في البخاري أيضا: عن ابن أبي مليكة أنه سمع ابن عباس يقول: وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون و يصلون قبل أن يرفع و أنا فيهم فلم يرعني إلا رجل أخذ منكبي فإذا علي فترحم على عمر و قال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى اللّه بمثل عمله منك، و ايم اللّه إن كنت لأظن أن يجعلك اللّه مع صاحبيك، و حسبت أني كنت كثيرا أسمع النبي (صلى الله عليه و سلم) يقول: ذهبت أنا و أبو بكر و عمر، و دخلت أنا و أبو بكر و عمر. و خرجت أنا و أبو بكر و عمر.

و فيه أيضا: عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: صعد النبي (صلى الله عليه و سلم) إلى أحد و معه أبو بكر و عمر و عثمان فرجف بهم فضربه برجله قال: اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان.

و فيه أيضا: عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر، زاد زكرياء بن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي (صلى الله عليه و سلم): لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر. انتهى منه.

و فيه أيضا: عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر جعل يألم، فقال له ابن عباس و كأنه يجزعه: يا أمير المؤمنين و لئن كان ذاك لقد صحبت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فأحسنت صحبته، ثم فارقته و هو عنك راض، ثم صحبت أبو بكر فأحسنت صحبته ثم فارقته و هو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، و لئن فارقتهم لتفارقهم و هم عنك راضون قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رضاه فإنما ذاك من اللّه تعالى منّ به علي، و أما ما ذكرت من صحبة أبي بكر و رضاه فإنما ذاك من اللّه جل ذكره منّ به علي و أما ما ترى‏

328

من جزعي، فهو من أجلك، و أجل أصحابك، و اللّه لو أن لي طلاع الأرض ذهبا، لافتديت به من عذاب اللّه عز و جل قبل أن أراه. انتهى من البخاري.

و نكتفي بهذا القدر، ففضل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) معروف، و ما من مسلم إلا و هو يحبهم محبة عظيمة أكثر من نفسه و أولاده، كيف و هم قد فازوا بمشاهدة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و سعدوا بخدمته و خدمة هذا الدين السمح الحنيف.

اللهم صل على عبدك و نبيك" محمد" و على آله الأطهار و صحابته الأخيار، و أزواجه المصونات الطاهرات أمهات المؤمنين، و سلم تسليما كثيرا.

عمر بن الخطاب و بعض أعماله‏

روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه استعمل على حمص عمير بن سعد، فلما مضت السنة، كتب إليه عمر أن أقدم علينا، فلم يشعر عمر إلا و قد قدم عليه ماشيا حافيا عكازته بيده و أدواته و مزودة و قصعته على ظهره فلما نظر إليه عمر قال له: يا عمير أجدبنا أم البلاد بلاد سوء فقال: و لمه يا أمير المؤمنين و قد جئت إليك بالدنيا أجرها بقرابها، فقال له: و ما معك من الدنيا قال: عكازة أتوكأ عليها و أدفع بها عدوا إن لقيته و مزود أحمل فيه طعامي و أداوة أحمل فيها ماء لشرابي و لطهوري، فو اللّه يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي فقام عمر من مجلسه إلى قبر رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبي بكر رضي اللّه عنهما فبكى و دعا ثم عاد إلى مجلسه فقال: ما صنعت في عملك يا عمير؟ فقال: أخذت الإبل من أهل الإبل و الجزية من أهل الذمة عن يد و هم صاغرون ثم قسمتها بين الفقراء و المساكين و أبناء السبيل فو اللّه يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شي‏ء لآتيتك به.

فقال عمر: عد إلى عملك يا عمير قال: أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تردني إلى أهلي فأذن له فأتى أهله فبعث عمر رجلا يقال له حبيب بمائة دينار و قال له:

اختبر لي عميرا و أنزل عليه ثلاثة أيام حتى ترى حاله أهو في سعة أم في ضيق فإن كان في ضيق فادفع إليه الدنانير فأتاه حبيب فنزل عليه ثلاثة أيام فلم ير له عيشا إلا الشعير و الزيت فلما مضت الثلاثة الأيام دفع إليه الدنانير و قال: قد بعث بها أمير المؤمنين إليك فدعى بفرو خلق لامرأته فجعل يصر منها الخمسة الدنانير و الستة و السبعة و يبعث بها إلى إخوانه من الفقراء إلى أن أنفدها فقدم حبيب على عمر

329

و قال: جئتك يا أمير المؤمنين من عند أزهد الناس و ما عنده من الدنيا قليل و لا كثير و لما رجع عمير من عند أهله أمر له عمر بوسقين من طعام و ثوبين فقال: يا أمير المؤمنين أما الثوبان فأقبلهما و أما الوسقان فلا حاجة لي بهما فعند أهلي صاع من بر و هو كافيهم حتى أرجع إليهم.

و روي أن عمر رضي اللّه عنه صر أربعمائة دينار و قال لغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تربص عنده في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع فذهب بها الغلام إليه و قال له: يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: اجعل هذه في بعض حوائجك فقال: وصله اللّه و رحمته ثم دعا بجارية و قال لها: اذهبي بهذه السبعة إلى فلان و بهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفدها فرجع الغلام إلى عمر و أخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل فقال: انطلق بها إلى معاذ بن جبل و انظر ما يكون من أمره، فمضى إليه و قال له كما قال لأبي عبيدة بن الجراح ففعل معاذ كما فعل أبو عبيدة فرجع الغلام و أخبر عمر فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض رضي اللّه عنهم أجمعين.

قتل عمر رضي اللّه عنه و ما قاله عند موته‏

جاء في صحيح البخاري في فضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه و سلم) في باب مناقب عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن حصين عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان و عثمان بن حنيف، قال: كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق، قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قال: قالا:

لا، فقال عمر: لئن سلمني اللّه لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني و بينه إلا عبد اللّه بن عباس غداة أصيب، و كان إذا مر بين الصفين قال استووا، حتى إذا لم ير فيهن خلل تقدم فكبر، و ربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا و لا شمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك‏

330

رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، و تناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، و أما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر و هم يقولون:

سبحان اللّه، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع، قال: نعم، قال: قاتله اللّه لقد أمرت به معروفا الحمد للّه الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت و أبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، و كان أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبت بعد ما تكلموا بلسانكم و صلوا قبلتكم و حجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه و كأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، و قائل يقول:

أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه فعلموا أنه ميت فدخلنا عليه و جاء الناس يثنون عليه، و جاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى اللّه لك من صحبة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قدم في الإسلام ما قد علمته، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي و لا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال: ردوا علي الغلام، قال: ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك، و أتقى لربك، يا عبد اللّه بن عمر انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة و ثمانين ألفا أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم، و إلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، و لا تعدهم إلا غيرهم، فأدعني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، و لا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، و قل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم و استأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام و يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، و لأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد اللّه بن عمر قد جاء، قال:

ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال: الحمد للّه ما كان مني شي‏ء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني، و إن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين، و جاءت أم المؤمنين حفصة و النساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، و استأذن الرجال فولجت‏

331

داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوصي يا أمير المؤمنين استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هو عنهم راض، فسمى عليا و عثمان و الزبير و طلحة و سعدا و عبد الرحمن، و قال يشهدكم عبد اللّه بن عمر، و ليس له من الأمر شي‏ء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الأمرة سعدا فهو ذاك، و إلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز و لا خيانة، و قال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، و يحفظ لهم حرمتهم، و أوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوؤا الدار و الإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، و أن يعفى عن مسيئهم، و أوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام و جباة المال و غيظ العدو، و أن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، و أوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب و مادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم و يرد على فقرائهم، و أوصيه بذمة اللّه و ذمة رسوله (صلى الله عليه و سلم) أن يوفي لهم بعهدهم، و أن يقاتل من وراءهم و لا يكلف إلا طاقتهم، فما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي، فسلم عبد اللّه بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قلت: ادخلوه. فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، و قال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرءا من هذا الأمر فنجعله إليه و اللّه عليه و الإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي و اللّه عليّ أن لا آلو عن فضلكم قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و القدم في الإسلام ما قد علمت، فاللّه عليك، لأن أمرتك لتعدلن، لأن و أمرت عثمان لتسمعن و لتطيعن، ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي، و ولج أهل الدار فبايعوه. انتهى من البخاري.

332

ترجمة المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي اللّه تعالى عنه‏

المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي اللّه تعالى عنه الذي أخذ قياس موضع مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام من موضعه إلى الركن الأسود، و من موضعه إلى باب الحجر، و من موضعه إلى بئر زمزم كما تقدمت قصته.

أخذ هذا القياس" بالمقاط" بكسر الميم، حبل مثل القماط فهو مقلوب منه، و القماط، بكسر القاف حبل يشد به قوائم الشاة عند الذبح، و كذا ما يشد به الصبي في المهد، كما جاء في مختار الصحاح.

و المطلب السهمي صحابي جليل روى عن النبي (صلى الله عليه و سلم) بعض أحاديث و ذكره ابن سعد في مسلمة الفتح. و قال الواقدي: نزل المدينة و له بها دارا و بقي دهرا.

و قال أبو عبيد: له صحبة و روى عن النبي (صلى الله عليه و سلم) و حديثه في مسند أحمد بسند صحيح إلى عكرمة بن خالد عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي (صلى الله عليه و سلم) يسجد في النجم ... الحديث، و في آخره قال المطلب: فلا أدع السجود فيها أبدا. انتهى ملخصا عن الإصابة في تمييز الصحابة.

قال الإمام الأزرقي في تاريخه عند الكلام على ما جاء في القيام في الطواف ما نصه:

حدثنا أبو الوليد، حدثني أحمد بن ميسرة المكي، قال: حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد قال: سألت أبي عن القيام في الطواف فقال: كان عبد الكريم بن أبي المخارق أول من نهاني عن ذلك، قال: أخذت بيده فاحتبسته لأسأله عن شي‏ء فأنكر عليّ ذلك نكرة شديدة و وعظني فيه بأشياء قال: فبعثني ذلك على مسألته، فأخبرت أن المطلب بن أبي وداعة خرج نحو البادية ثم قدم فرأى ناسا قياما في الطواف يتحدثون فأنكر ذلك ثم قال:" اتخذتم الطواف أندية. قال أبي: ثم سألت نافعا مولى ابن عمر، فقلت: هل كان ابن عمر يقوم في الطواف؟ فقال:

لا رأيته قائما فيه حتى يفرغ منه، إلا عند الحجر و الركن اليماني فإنه كان لا يدعهما أن يستلمهما في كل طواف طاف. انتهى من الأزرقي.

نقول: يكفي المطلب بن أبي وداعة السهمي شرفا أن أمير المؤمنين عمر رضي اللّه تعالى عنهما وضع مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام في موضعه على القياس الذي أخذه المطلب السهمي رضي اللّه عنه.

333

و انظر إلى حكمة الباري جل جلاله، في إلهام المطلب بن أبي وداعة ليأخذ قياس موضع المقام قياسا محررا تاما بحبل احتفظ به عنده في بيته، و ذلك خوفا أن يذهب به السيل فلا يعرف موضعه بالضبط كما أخبر هو بذلك عن نفسه عندما تحدث مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما. فتأمل رحمك اللّه في قوله تعالى:

فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ لترى الحكمة الربانية جلية واضحة كالشمس المشرقة.

اهتمام عمر رضي اللّه عنه بأمر المقام‏

فإن قيل: لماذا لما بلغ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه و هو بالمدينة أن السيل المسمى" بسيل أم نهشل" اقتلع المقام من محله و ذهب به إلى أسفل مكة، ركب من ساعته فزعا و أتى مكة.

نقول: إن مقام إبراهيم (عليه السلام) شأنه خطير، أليس اللّه تعالى قال في حقه: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ و قال: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ فهو مقام مقدس لا يستهان بأمره، و هو كالحجر الأسود يرتبط أمرهما بالكعبة المشرفة إلى أن تقوم الساعة، فخليق بعمر رضي اللّه تعالى عنه أن يحضر من المدينة إلى مكة سريعا عندما بلغه خبر السيل الذي اقتلع المقام من محله و ذهب به إلى أسفل مكة أليس أن عمر رضي اللّه عنه كان يتمنى أن يجعلوا المقام مصلى قبل نزول آية: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏، فكيف لا يبادر بالحضور إلى مكة لينظر بنفسه في أمره.

حدث جابر عن حجة النبي (صلى الله عليه و سلم) و قال: لما طاف النبي (صلى الله عليه و سلم) قال له عمر: هذا مقام أبينا. قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل اللّه عز و جل‏ وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏.

و في رواية: أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) مر بالمقام و معه عمر، فقال: يا رسول اللّه أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى. قال: لم أؤمر بذلك. فلم تغب الشمس حتى نزلت الآية.

و في البخاري عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث. قلت: يا رسول اللّه لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ... إلى آخر الحديث.

334

و الذي جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه يهتم بشأن المقام فيركب من ساعته فزعا قاصدا مكة أربعة أمور:

الأمر الأول: خوفه على المقام الكريم هل حدث فيه خدش أو كسر من أثر السيل الذي جره إلى أسفل مكة أم لا، و هو المقام المقدس المحترم، مقام باني الكعبة خليل اللّه" إبراهيم" عليه الصلاة و السلام.

الأمر الثاني: لا بد من وقوف ولي أمر المسلمين و أمامهم بنفسه على هذا الأمر الخطير، فلو أرسل مندوبا من طرفه من المدينة ليأتيه بخبر المقام، لكان عليه أن ينتظر مندوبه نحو عشرين يوما بالدواب ذهابا و إيابا حتى يرجع إليه من مكة فيخبره عن أمر المقام، لأن المسافة بين مكة و المدينة بسير الإبل نحو عشرة أيام.

و هذا مما لا يشفي غليله، و لم يكن في أيامه رضي اللّه تعالى عنه" لا سلكي" حتى يتخابر مع مكة برقيا بالتلغراف.

الأمر الثالث: لو فرضنا أنه أرسل من طرفه مندوبا إلى مكة، و انتظر رجوعه بالخبر اليقين، ثم يرسله ثانيا إلى مكة ليبلغ عامله عليها أوامره التي يجب اتباعها في شأن المقام، لاستلزم ذلك مدة لا تقل عن ثلاثين يوما في حالة الإسراع. ففي كل هذه الأيام قد تنقطع الصلاة خلف المقام، و قد أمرنا اللّه تعالى بالصلاة خلفه، فإن لم تنقطع الصلاة فلا بد من حصول التشويش بين المصلين خلفه و الطائفين حول البيت حيث أن المقام لما أتوا به من جهة المسفلة جعلوه في وجه البيت و ربطوه بأستاره. فعليه رأى عمر رضي اللّه عنه اختصارا للوقت المبادرة بالسفر بنفسه إلى مكة ليرجع كل شي‏ء على ما كان عليه قبل هجوم السيل و اقتلاعه للمقام.

الأمر الرابع: أن اقتلاع السيل للمقام و ذهابه إلى أسفل مكة لأمر يوجب التشويش و الاهتمام العظيم، لأن محله كان من عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و عهد خليفته أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، و عمر قد لا يعرف بالضبط نقطة محله و موضعه، و قد لا يعرفها بالضبط أيضا أحد من أهل مكة، و هو رضي اللّه عنه الحريص كل الحرص على اتباع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خطوة خطوة، و المحافظة على كل شي‏ء كان في زمنه عليه الصلاة و السلام، فلا يدري هل يجد عند أحد الصحابة بمكة علما تاما و قياسا محررا عن محل المقام أم لا.

335

كل هذا كان يشغل ذهن عمر و فكر عمر رضي اللّه تعالى عنه و أكرمه بواسع فضله و إحسانه، و كل هذا دفع عمر دفعا ليبادر بالسفر فزعا من ساعة ما بلغه خبر السيل الذي هجم على المسجد الحرام فاقتلع المقام من محله و ذهب به.

وصل عمر رضي اللّه عنه إلى مكة في رمضان سنة سبع عشرة من الهجرة محرما بعمرة، و قد نزل في دار ابن سباع، فلما دخل المسجد الحرام و قد غبي موضع المقام و عفاه السيل، دعا عمر بالناس فقال: أنشد اللّه عبدا عنده علم في هذا المقام فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي علم بذلك، فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن ... إلى آخر القصة المتقدمة.

فلما استوثق عمر من خبر المطلب بن أبي وداعة، و استثبت ذلك بعد سؤاله الناس أيضا و مشاورتهم أمر بالمقام فوضع في محله المضبوط المحرر بإجماع الصحابة و على مرأى و مشهد منهم.

روى الأزرقي في تاريخه عن عبد اللّه بن صفوان أنه قال: أمر عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عبد اللّه بن السائب العابدي و عمر نازل في دار ابن سباع، بتحويل المقام إلى موضعه الذي هو فيه اليوم، قال: فحوله ثم صلى المغرب، و كان عمر قد اشتكى رأسه، قال: فلما صليت ركعة جاء عمر فصلى ورائي.

قال: فلما قضى صلاته قال عمر: أحسنت. فكنت أول من صلى خلف المقام حين حول إلى موضعه. و روى الأزرقي أيضا عن عبد اللّه بن السائب و كان يصلي بأهل مكة: قال: أنا أول من صلى خلف المقام حين رد في موضعه هذا، ثم دخل عمر و أنا في الصلاة فصلى خلفي صلاة المغرب. انتهى.

نقول: لقد استنتجنا مما تقدم ما يأتي:

(1) أن سيل أم نهشل الذي اقتلع المقام من محله، كان إما في شهر رمضان أو في أواخر شعبان، حيث أنه بعد مجي‏ء السيل مباشرة كتبوا إلى عمر رضي اللّه تعالى عنه عن أمر اقتلاع المقام، فوصول الكتاب إليه مع الرسول حامل الكتاب يحتاج إلى نحو عشرة أيام بسير الدواب، و وصول عمر إلى مكة يحتاج إلى عشرة أيام أيضا، فصار ما بين مجي‏ء السيل إلى المسجد الحرام و وصول عمر رضي اللّه عنه إلى مكة عشرون يوما، و كان وصوله في شهر رمضان سنة (17) من‏

336

الهجرة، و مع الأسف لم يذكر في التاريخ يوم مجي‏ء السيل و لا يوم دخول عمر مكة.

(2) لم يذكر في التاريخ هل عند وصول عمر رضي اللّه عنه محرما بالعمرة طاف و سعي أو لا أم أنه قدم أمر المقام على ذلك و نحن نرى أنه رضي اللّه تعالى عنه قدم الطواف و السعي أولا حتى يتحلل من إحرامه أولا ثم ينظر في أمر المقام، لأن تحية المسجد الحرام الطواف و الطواف للمحرم يعقبه السعي، و لا يعقل أن عمر رضي اللّه عنه يدخل المسجد الحرام و هو محرم فيترك الطواف و السعي و يبدأ بأمر المقام.

(3) أن اجتماع عمر رضي اللّه تعالى عنه بالناس في المسجد الحرام بشأن المقام و التثبت من محله كان بعد صلاة العصر أو قبل المغرب بنحو ساعة أو أقل، بدليل ما ذكره الأزرقي من قول عبد اللّه بن صفوان.

(4) أن عمر رضي اللّه تعالى عنه لم يضع بنفسه المقام في موضعه، و إنما أمر عبد اللّه بن السائب العابدي الذي كان يصلي بأهل مكة بتحويل المقام إلى موضعه فحوله المذكور ثم صلى المغرب بالناس، فكان هو أول من صلى خلف المقام حين رده إلى موضعه، فلما صلى ابن السائب ركعة جاء عمر فصلى وراءه، و تأخر عمر عن اللحاق بالإمام ابن السائب في أول الصلاة كان لعذر من شكاية رأسه، و هذا أيضا هو السبب في عدم وضعه المقام بنفسه في محله، كما هو صريح عبارة الأزرقي.

(5) معنى قول عمر رضي اللّه تعالى عنه لعبد اللّه بن السائب العابدي أمام أهل مكة: أحسنت، و ذلك بعد الفراغ من الصلاة، أي لقد أحسنت في الإحرام بالصلاة بدون أن تنتظر حضوري.

و يؤخذ من إقرار عمر بهذا الأمر و رضائه به، أن الإمام الراتب للصلاة أولى بالتقدم للصلاة بالناس من ولي المسلمين.

نعم لو أحب ولي الأمر التقدم للصلاة بالناس فهو عندئذ أحق بالتقدم من الإمام الراتب، لأن الولاية و العزل راجع إليه. و اللّه تعالى أعلم.

فإن قيل: لم أمر عمر رضي اللّه عنه عبد اللّه بن السائب بوضع المقام إلى محله بعد التثبت و التحري عن موضعه و لم يأمر غيره بذلك؟.

337

نقول: لأن عبد اللّه بن السائب صحابي جليل و قد كان شريك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الجاهلية.

و لأنه كان من قراء القرآن المهرة و عنه أخذ أهل مكة القراءة كما سيأتي ذلك في ترجمته.

فكانوا في صدر الإسلام يفضلون أهل القرآن لأنهم كانوا يعملون بما يعلمون قال عمر رضي اللّه عنه:" أما إن نبيكم (صلى الله عليه و سلم) قال: إن اللّه سبحانه يرفع بهذا القرآن أقواما و يضع به آخرين" رواه الأزرقي في تاريخه و رواه مسلم في صحيحه.

(6) أن عمر رضي اللّه تعالى عنه لما عرف محل المقام و ثبت عنده ذلك بحضور الصحابة العدول رضي اللّه تعالى عنهم أمر ببناء تحت المقام ثم وضعه عليه كما تقدم بيان ذلك، فلا يزال المقام مرتفعا فوق رخامة بيضاء إلى يومنا هذا، و مقدار ارتفاعه عن الأرض نحو نصف متر تقريبا.

فيكون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه هو أول من وضع المقام على بناء مرتفع عن الأرض و قد أحسن صنعا بذلك أثابه اللّه تعالى عليه، لأن حجر المقام مقدس مكرم، و لأن اللّه تعالى أمرنا بالصلاة عنده، فينبغي رفعه عن الأرض نحو ذراع أو أكثر فلا يلقي به على الأرض، و على ذلك جرت العادة إلى يومنا هذا. فرضي اللّه عن عمر بن الخطاب الذي قال في حقه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" إن اللّه جعل الحق على لسان عمر و قلبه" رواه أحمد و الترمذي و غيرهما.

و قال أيضا:" لقد كان فيما قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" رواه البخاري و مسلم، و محدثون بفتح الدال المشددة أي ملهمون.

ترجمة عبد اللّه بن السائب العابدي رضي اللّه عنه‏

نذكر هنا ترجمته ملخصا من كتاب الإصابة في تمييز الصحابة، و من كتاب الاستيعاب في أسماء الأصحاب، و هي كما يأتي:

هو عبد اللّه بن السائب بن أبي السائب، و اسم أبي السائب صيفي بن عائذ ابن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي القارئ. كان عبد اللّه من قراء القرآن، أخذ عنه أهل مكة القراءة، و عليه قرأ مجاهد و غيره من قراء أهل مكة،

338

فلهذا كان يصلي بأهل مكة و لهذا أمره أمير المؤمنين عمر رضي اللّه تعالى عنه بتحويل المقام إلى موضعه كما تقدمت الإشارة إليه.

و قد روى مسلم لعبد اللّه بن السائب حديثا من رواية محمد بن عباد ابن جعفر عنه أنه شهد النبي (صلى الله عليه و سلم) في الفتح قرأ في صلاة الصبح سورة المؤمنين ...

الحديث، و علقه البخاري لعبد اللّه بن السائب و أسنده في التاريخ، و أسند البخاري بسند صحيح من طريق ابن أبي مليكة رأيت عبد اللّه بن عباس وقف على قبر عبد اللّه بن السائب.

و أخرج له أبو داود و النسائي من رواية عطاء عنه شهدت العيد مع النبي (صلى الله عليه و سلم) ... الحديث، و حديث: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول بين الركنين: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ... الآية. اه.

و من حديث عبد اللّه بن السائب هذا قال: شهدت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) صلى الصبح بمكة فافتتح بسورة المؤمنين فلما أتى على ذكر موسى و هارون أخذته سعلة فركع.

قال هشام بن محمد الكلبي: و كان شريك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الجاهلية عبد اللّه بن السائب.

و قال الواقدي: كان شريك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الجاهلية السائب بن أبي السائب.

و قال غيرهما: كان شريك رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في الجاهلية قيس بن السائب و قد جاء بذلك كله الأثر.

و كان عبد اللّه بن السائب يسكن مكة و توفي بها قبل قتل ابن الزبير بيسير كما في الاستيعاب.

و قال في الإصابة: مات عبد اللّه بن السائب بمكة في إمارة ابن الزبير و صلى عليه ابن عباس رضي اللّه تعالى عن الجميع.

انتهى ذلك ملخصا من الكتابين المذكورين بتصرف و زيادة.

فيفهم من الرواية السابقة: أن المقام كان في موضعه الآن قبل سيل أم نهشل، و عمر رضي اللّه عنه ما وضعه إلا موضعه الأول، و هذا يوافق قول ابن أبي مليكة، و قول العمري، و قول ابن سراقة، و قد تقدمت أقوالهم، و سواء كان المقام‏

339

قبل السيل في مكانه الآن أم لا، فقد وضعه أحد الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بعد السيل المذكور في المكان الذي هو فيه الآن بعد مشاورة الصحابة رضي اللّه عنهم و إجماعهم على موافقته، فنحن مأمورون باتباعهم و التمسك بطريقتهم.

و لئن كان عمر أخر المقام إلى هذا المكان الذي هو فيه الآن مخافة التضييق على الطائفين و المصلين كما ذكره ابن حجر العسقلاني في قوله المتقدم، فقد أصاب عمر عين الحق، و وفق أعظم توفيق، و هذا يعد من مناقبه العظمى، فلو لم يؤخر المقام إلى موضعه هذا كيف كان اليوم حال الطائفين مع المصلين وراء المقام و هو بجوار الكعبة. و لو كان عمر في زماننا و رأى هذا الازدحام العظيم في المطاف، و المسجد الحرام على اتساعه الكبير يموج بآلاف الحجاج موج البحر، لأمر بتأخير المقام إلى أبعد من ذلك. و اللّه تعالى أعلم.

و الحقيقة أن فضائل عمر رضي اللّه عنه لا تعد، و مناقبه لا تحصى و من الذي يحصي مناقب رجل ينزل القرآن وفق رأيه حتى هنا في اتخاذ المقام مصلى. و كفاه شرفا قوله (صلى الله عليه و سلم):" لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر"، و قوله عليه الصلاة و السلام:" إن اللّه جعل الحق على لسان عمر و قلبه"، و معنى: جعل هنا: أجرى، فجزاه اللّه و جميع صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء، و وفقنا لاتباعهم، و حشرنا في زمرتهم آمين.

ذرع مقام إبراهيم‏

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: قال أبو الوليد: و ذرع المقام ذراع، و المقام مربع سعة أعلاه أربعة عشر إصبعا في أربعة عشر إصبعا و من أسفله مثل ذلك و في طرفيه من أعلاه و أسفله طوقا ذهب و ما بين الطوقين من الحجر من المقام بارز بلا ذهب عليه، طوله من نواحيه كلها تسع أصابع و عرضه عشر أصابع عرضا في عشر أصابع طولا و ذلك قبل أن يجعل عليه هذا الذهب الذي هو عليه اليوم من عمل أمير المؤمنين المتوكل على اللّه و عرض حجر المقام من نواحيه إحدى و عشرون إصبعا، و وسطه مربع و القدمان داخلتان في الحجر سبع أصابع و دخولهما منحرفتان، و بين القدمين في الحجر إصبعان و وسطه قد استدق من التمسح به و المقام في حوض من ساج مربع حوله رصاص ملبس به و على الحوض صفائح‏

340

رصاص ملبس بها و من المقام في الحوض إصبعان و على المقام صندوق ساج مسقف و من وراء المقام ملبن ساج في الأرض في طرفيه سلسلتان تدخلان في أسفل الصندوق و يقفل فيهما بقفلان. انتهى من تاريخ الأزرقي.

الذهب الذي على مقام إبراهيم‏

قال الإمام الأزرقي في تاريخه: حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال:

سمعت عبد اللّه بن شعيب بن شيبة بن جبير بن شيبة يقول: ذهبنا نرفع المقام في خلافة المهدي فانثلم قال: و هو من حجر رخو يشبه السنان فخشينا أن يتفتت أو قال يتداعى فكتبنا في ذلك إلى المهدي فبعث إلينا بألف دينار فضببنا بها المقام أسفله و أعلاه و هو الذهب الذي عليه اليوم، قال: سمعت يوسف بن محمد العطار يحدث عن عبد اللّه بن شعيب نحوه، قال: و لم يزل ذلك الذهب عليه حتى ولي أمير المؤمنين جعفر المتوكل على اللّه فجعل عليه ذهبا فوق ذلك الذهب أحسن من ذلك العمل فعمل في مصدر الحج سنة ست و ثلاثين و مائتين فهو الذهب الذي عليه اليوم و جعل فوق ذلك الذهب الذي كان عمله المهدي و لم يقلع عنه، و أخبرني غير واحد من مشيخة أهل مكة قالوا: حج المهدي أمير المؤمنين سنة ستين و مائة فنزل دار الندوة فجاء عبد اللّه بن عثمان بن إبراهيم الحجبي بالمقام مقام إبراهيم في ساعة خالية نصف النهار فستحل عليه فقال للحاجب: ائذن لي على أمير المؤمنين فإن معي شيئا لم يدخل به على أحد قبله و هو يسر أمير المؤمنين فأدخله عليه فكشف عن المقام فسر بذلك و تمسح به و سكب فيه ماء ثم شربه و قال له: أخرج و أرسل إلى بعض أهله فشربوا منه و تمسحوا به ثم أدخل فاحتمله ورده مكانه و أمر له بجوائز عظيمة و أقطعه خيفا بنخله يقال له: ذات القوبع فباعه من منيرة مولاة المهدي بعد ذلك بسبعة آلاف دينار. انتهى من الأزرقي.

تطويق المقام بالذهب و الفضة

أول من طوق مقام إبراهيم (عليه السلام)، أي الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت الحرام بالذهب، أمير المؤمنين محمد المهدي العباسي، و ذلك سنة مائة و إحدى و ستين، فإنه لما بلغه أن المقام قد مر عليه زمان طويل، و يخشى عليه أن يتفتت أو يتداعى بعث بألف دينار فضببوه بها، ثم في سنة مائة و تسع و سبعين‏

341

رأى هارون الرشيد أن الفضة التي ضبب بها الحجر تخلخلت، فأمر بضبطه و إصلاحه فثقب الحجر بالماس و سكب فيه فضة، ثم إن أمير المؤمنين جعفر المتوكل أمر أن يجعل فوق ذلك الذهب ذهب أحسن منه، فضببوه به و أحكموا شده و ضبطه، و ذلك سنة ست و ثلاثين و مائتين، ثم إن الحجبة سدنة البيت الحرام ذكروا لعامل مكة علي بن الحسن العباسي أن المقام تسللت أحجاره و يخشى عليه، فأمر أن يعمل له طوقان طوق من ذهب و طوق من فضة، و ذلك في المحرم سنة ست و خمسين و مائتين فأحضر المقام إلى دار الإمارة و أذيبت له العقاقير بالزئبق و شد بها شدا جيدا حتى التصق، و كان قبل ذلك سبع قطع، و كان الذي شده بيده في السنة المذكورة بشر الخادم مولى أمير المؤمنين المعتمد العباسي ثم حمل المقام بعد تركيب الطوقين عليه و لصقه و شده إلى موضعه و كان ذلك يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول سنة ست و خمسين و مائتين. قال الفاسي: و هذا ملخص ما ذكره الفاكهي.

و روى صاحب كتاب إتحاف فضلاء الزمن: أن إبراهيم بيك عمّر المقام و جدد ما كان محتويا على موضع قدم إبراهيم عليه الصلاة و السلام بالفضة المطلية بالذهب، و صب الرصاص بين الفضة و الحجر، حتى أحكموا الفضة، و شدوا أحجار القدم، و ذلك في سنة ألف و مائة و اثنتي عشرة هجرية.

ما ذكره إبراهيم رفعت باشا في كتابه مرآة الحرمين عن مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام و ما كتب عليه‏

1- مقام إبراهيم. هو مقامه المعروف بالمسجد الحرام و هو أقوى الأقوال.

قال تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ و نرى أن الآية صريحة في أن المصلى بعض المقام، أي موضع القيام و الحجر لا يصلح أن يكون مصلى لصغره فالمقام مكان غيره أكبر منه و لعل الحجر المعروف الآن بمقام إبراهيم كان موضوعا في مكان قيامه علامة عليه ملخص من الفقرة الأولى ص 242 و 243 مرآة الحرمين.

342

2- قياس المقام، الحجر و تحليته. قال القاضي عز الدين بن جماعة: حررت لما كنت مجاورا بمكة سنة 753 مقدار ارتفاع المقام عن الأرض فكان 8/ 7 الذراع و أعلى المقام مربع من كل جهة 4/ 3 الذراع و موضع غوص القدمين ملبس بالفضة و عمقه من فوق الفضة سبع قراريط و نصف من ذراع القماش المستعمل في مصر. اه.

و أول ما حلي المقام في خلافة المهدي العباسي لأنه رفع فانثلم لرخاوة حجره فكتب الحجبة إلى المهدي يعرفونه بذلك و أنهم يخشون عليه أن يتفتت فبعث المهدي في سنة 161 بألف دينار أو أكثر فضببوا بذلك المقام من أعلاه و أسفله فلما كان في خلافة المتوكل زاد في تضبيب المقام سنة 236 و مقدار ما زاده 8000 مثقال من الذهب و 70000 درهم من الفضة و كان ذلك فوق حليته الأولى. ثم إن جعفر بن الفضل عامل مكة و محمد بن جاثم قلعا حلية المتوكل و ضرباها دنانير ليستعينا بها على ما قيل في حرب إسماعيل بن يوسف العلوي الذي خرج و أفسد بمكة و الحجاز في سنة 251 و لم تزل حلية المهدي على المقام إلى أن قلعت عنه في محرم سنة 256 لأجل إصلاحه لأن الحجبة ذكروا لعامل مكة علي بن الحسن العباسي أن المقام و هي و تسللت أحجاره و يخشى عليه و سألوه في تجديد عمله و تضبيبه حتى يشتد فأجابهم لسؤالهم و زادهم ذهبا و فضة إلى حليته الأولى فعمل له طوقان من ذهب فيهما 1992 مثقال و طوق من فضة و أحضر المقام إلى دار الأمان و أذيبت له العقاقير بالزئبق و شد بها شدا جيدا حتى التصق و كان قبل ذلك سبع قطع زال عنها الالتصاق لما قلعت الحلية عنه سنة 255 أو 256 لأجل إصلاحه و كان الذي شده بيده في هذه السنة بشر الخادم مولى أمير المؤمنين المعتمد العباسي و حمل المقام بعد لصقه و تركيب الحلية عليه لشده إلى موضعه و كان ذلك في يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 256. اه الفقرة الثانية مرآة الحرمين.

3- موضع المقام و المصلى خلفه. قال التقي الفاسي: روى الأزرقي عن ابن أبي مليكة أن موضع المقام الآن هو موضعه في الجاهلية و في عهد النبي (صلى الله عليه و سلم) و الخليفتين رضي اللّه عنهما بعده إلا أن السيل سيل أم نهشل سنة 17 ه ذهب به في خلافة عمر رضي اللّه عنه فجعل في وجه الكعبة الجهة الشرقية إلى منها الباب الخ ... منقول من تاريخ الأزرقي.

343

قال التقي الفاسي: المقام الآن تحت قبة عالية من خشب قائمة على أربعة أعمدة دقيقة من حجارة منحوتة بينها أربعة شبابيك من حديد بين كل عمودين شباك و من الجهة الشرقية يدخل إلى المقام و القبة مزخرفة من باطنها بالذهب، و مما يلي السماء مبيضة بالنورة. و أما المصلى الذي هو خلف المقام فعليه ظلة قائمة على أربعة أعمدة، منها عمودان عليهما القبة إذ هي متصلة بالقبة و الظلة مزخرف سقفها من الباطن بالذهب و مبيض أعلاه بالنورة و أحدث وقت صنع فيه ذلك شهر رجب سنة 810 ه و اسم الملك الناصر فرج صاحب الديار المصرية و الشامية مكتوب فيه بسبب هذه العمارة، و اسم الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر مكتوب في الشباك الشرقي بسبب عمارته له في سنة 728 ه و مقام إبراهيم في وسط القبة بين شبابيكها الأربعة الحديدية و يحيط بالمقام قبة من الحديد مقصورة مثبتة في الأرض برصاص مصبوب بحيث لا يستطاع قلع القبة التي فوقه إلا بالمعاول و شبهها و لعل هذه القبة الحديدية هي التي كانت توضع فوقه عند قدوم الحجاج إلى مكة صونا له لكونها أشد تحملا للازدحام و الاستلام على ما ذكره ابن جبير في رحلته سنة 579 ه و قد ذكر ما يدل على أن المقام لم يكن ثابتا بل كان تارة يجعل في الكعبة و تارة في موضعه الآن في قبة من خشب فإذا كان الموسم أبدل بها القبة الحديدية.

قال التقي الفاسي: و ما عرفت حتى جعل المقام ثابتا في القبة على صفته التي هو عليها الآن و أما القبة التي فوق القبة الحديدية التي في جوفها المقام، فأظن أن الملك المسعود صاحب اليمن و مكة أول من بناها. اه.

و قد جددت قبة المقام في سنة 900 ه و كذلك في سنة 1049 ه و نقشها بالذهب في 1072 ه سليمان بك والي جدة و مكة من قبل السلطان محمد كزلار سلطان مصر و قد رأيت مكتوبا على القبة من الجهة الجنوبية أمر بتجديد هذا المقام الشريف- كلام كثير- الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري عن نصره في 15 رجب سنة 900 ه و مكتوبا عليها في الجهة الغربية المقابلة لباب الكعبة أمر بتجديد هذا المقام المعظم، السلطان سليم خان ابن السلطان بايزيد خان و على الجهة الشمالية بقية أجداده سنة 1049 ه و قد قست المسافة التي بين المقصورة التي على المقام و جدار الكعبة الذي فيه الباب من الوسط فإذا هي 15/ 40 مترا و دخلت المقصورة مع المطوف فوضع من ماء زمزم على أثر القدمين و شربنا منه في‏

344

حجتنا هذه سنة 1318 ه و كان خليقا بي و بالمطوف أن نتجنب التبرك بالآثار و الشرب من مواطئ الأقدام و أن ندع هذه البدعة جانبا و لا نفعل عند هذا الأثر سوى ما فعله رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) من الصلاة عنده امتثالا لأمر اللّه تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ و لكن كنت في هذا الوقت لما تنضج معلوماتي الدينية في الحج و مشاعره و لم أكن وقفت تمام الوقوف على تأثير البدع السي‏ء في الدين و قد دعاني الإنصاف إلى ذكر الواقع و دعاني البصر بالدين إلى إنكار ما حصل.

الأحجار الأثرية المفروشة خلف مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

جاء في تاريخ الغازي ص 220 من الجزء الأول:

و نقل العلامة ابن خليل في منسكه الكبير أن الحجرين الكبيرين المفروشين خلف المقام الذي يقف المصلي عليهما قد صلى عليهما بعض الصحابة.

و في منائح الكرم و في سنة (1088) ورد بعض المغاربة من البحر في أواسط شعبان المعظم بحجر سماق طوله ذراعين و شي‏ء، و طلعوه إلى مكة على عجل زعموا أنهم أخذوه من بعض كنائس النصارى، و أنهم بذلوا للمغاربة دراهم لها صورة فامتنعوا من ذلك و أرسلوه ليجعلوه في الحرم، و أرادوا وضعه خلف مقام سيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام).

و رفع أحد الحجرين الموضوعين هناك في مصلى الإمام الشافعي، فرفع في ذلك سؤال إلى مفتي مكة في هذا العصر و هو الشيخ عبد اللّه بن المنلا فروخ الحنفي، فذكر لي أنه أجابهم بما ذكر المنلا رحمة اللّه السندي عن بعض من أدركه من أئمة المقام أن الحجرين المفروشين خلف المقام اللذين يقف المصلي عليهما قد صلى عليهما بعض الصحابة، انتهى كلام المنلا، فأمر نائب الحرم الشريف فدفن ذلك الحجر في المسجد فدفن خلف مقام الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه. ثم في سنة 1098 يوم الثلاثاء ثاني محرم أمر أحمد باشا بإصلاح نصوص اختلت في الشاذروان و أمر بالحجر السماق المدفون بإخراجه فوضعه تحت الركن الأسود مما يلي الأرض و دفن ما كان في ذلك الموضع من الرخام بعد قلعه. انتهى. انتهى من تاريخ الغازي.

345

التحقيق التام عن موضع المقام‏

لقد تقدم من الكلام ما فيه الكفاية عن مقام خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، غير أن اللّه سبحانه و تعالى فتح علينا فهم مسألة دقيقة عنه و هي:

أن المشهور لدى المؤرخين و جميع الناس أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه هو الذي وضع المقام في هذا المحل الآن الذي هو أمام باب الكعبة بجوار بئر زمزم، و ذلك عند ما ذهب سيل أم نهشل بالمقام. و هذا كلام صحيح لا شك فيه.

غير أن عمر رضي اللّه عنه ما وضع المقام إلا في نفس المحل الذي كان فيه قبل أن يذهب به سيل أم نهشل، أي وضعه في الموضع الذي كان المقام فيه في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و في عهد خليفته أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه بدليل ما رواه الإمام الأزرقي أن عمر لما حضر من المدينة إلى مكة لأجل وضع المقام في محله و دخل المسجد الحرام وقف عنده و قال:" أنشد اللّه عبدا عنده علم في هذا المقام" فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي اللّه عنه: أنا يا أمير المؤمنين عندي علم بذلك، فقد كنت أخشى عليه مثل هذا الأمر، فأخذت قدره من موضعه إلى الركن و من موضعه إلى باب الحجر و من موضعه إلى زمزم بمقاط و هو عندي في البيت. فقال له عمر: فاجلس عندي و أرسل إليها، فأتى بها فمدها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس و شاورهم فقالوا: نعم هذا موضعه، فلما استثبت ذلك عمر أمر به فأعلم ببناء تحت المقام ثم وضعه فهو في مكانه هذا إلى اليوم. اه.

فظاهر كلام الأزرقي و صريح عبارته أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه لم يضع المقام في محله الذي هو فيه اليوم باجتهاد من نفسه، و إنما وضعه في محله الأول بعد السؤال ممن يعرف محله تمام المعرفة، و بعد أن أحضر الصحابي الجليل المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي اللّه عنه الحبل الذي قاس به موضع المقام من كل جهة قبل أن يذهب به سيل أم نهشل و قد ألهم اللّه تعالى المطلب بن أبي وداعة أن يأخذ القياس فربما يحتاجون إليه في مثل هذا اليوم و قد وقع تخمينه.

346

فعمر رضي اللّه تعالى عنه و أرضاه بعد أن عرف محل المقام على قياس المطلب بن أبي وداعة، سأل أيضا الصحابة العدول الحاضرين معه عند الكعبة المشرفة فشهدوا بأن هذا هو موضع المقام، فعندئذ أمر ببناء تحت المقام ثم وضعه في محله على هذا البناء.

فإن قيل: لم يسأل عمر الصحابة رضي اللّه عنهم جميعا عن موضع المقام و محله الأصلي، و هو الذي يعرف محله حق المعرفة فإنه ليس بغريب عن مكة، بل هو الذي قال:" يا رسول اللّه لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى" فنزلت آية:

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ فجاء أمر اللّه تعالى على حسب ما كان يرجو و يتمنى، فغير معقول أن لا يعرف عمر محل المقام بالضبط؟

نقول: نعم إن عمر رضي اللّه تعالى عنه يعرف موضع المقام حق المعرفة ما في ذلك شك، و لكنه أراد بسؤال أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أمرين مهمين دقيقين:

الأمر الأول: تكريمهم باستشارتهم و محافظته على اعتبارهم و مقامهم، و حتى لا يقال إنه يقطع الأمور بدون أخذ رأيهم و موافقتهم، و الاستشارة سنة مؤكدة في جميع الأمور، و هي في الأمور المهمة الدينية أشد طلبا و آكد.

و الأمر الثاني: أن عمر رضي اللّه عنه سأل صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في المسجد الحرام عن موضع المقام و محله و هو أعرف منهم بذلك، حتى يتثبت من الأمر بشهادة غيره و يظهر ذلك كالشمس في رابعة النهار لمن حضر من الصحابة الكرام في المسجد الحرام، فلا يتهمه أحد من المنافقين و الأعداء أنه وضع المقام هنا بدون أخذ رأي الصحابة و لا استشهاد أحد منهم.

فعمله هذا رضي اللّه تعالى عنه هو عين الصواب و عين الحكمة، و لقد وافق الحاضرون من أجلاء الصحابة رضي اللّه عنهم ممن شهد بدرا و أحدا و غيرهما من المشاهد، على أن موضع المقام و محله هو ما ذكره المطلب بن أبي وداعة السهمي رضي اللّه تعالى عنه، فأمضى عمر شهادتهم و وافق على رأيهم و حكمهم، فكان ذلك إجماعا تاما منهم رضي اللّه عنهم أجمعين، فنحن مأمورون باتباعهم و التمسك بطريقتهم.

و انظر أيها القارئ الكريم رحمنا اللّه و إياك، كيف خدم صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ديننا الحنيف السليم من كل شائبة، و كيف أنهم حافظوا على أصوله و فروعه‏

347

و مسائله و أموره، فرضي اللّه عنهم و أرضاهم و وفقنا لاتباع سنتهم، فكلهم كالنجوم الزاهرة بأيهم اقتدينا اهتدينا.

و انظر إليهم رضي اللّه عنهم كيف جمعوا القرآن العظيم لأول مرة في التاريخ و قد كان مفرقا في الألواح و العظام و صدور الرجال، ما جمعوه اعتمادا على أن أحدهم يقول: عندي آية كذا أو سورة كذا و كلهم أتقياء عدول، بل جمعوه آية آية بشهادة الشهود، فلقد كان زيد بن ثابت رضي اللّه عنه لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان.

أخرج ابن أشتة في المصاحف عن الليث بن سعد قال: أول من جمع القرآن أبو بكر و كتبه زيد، و كان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل ... الخ، و أخرج ابن أبي داود من طريق هشام ابن عروة عن أبيه:

أن أبا بكر قال لعمر و لزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاء كما بشاهدين على شي‏ء من كتاب اللّه فاكتباه. اه. انظر كتابنا المطبوع" تاريخ القرآن و غرائب رسمه و حكمه".

هكذا كانت الصحابة رضي اللّه عنهم يحتاطون في كل شي‏ء من أمور ديننا الحنيف الذي اختاره اللّه تعالى لنا كما هو صريح قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فالحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه.

بقيت علينا مسألة دقيقة يجب أن نعرفها بصورة واضحة، و هذه المسألة تشتمل على ثلاث أحوال:

الحالة الأولى: أين كان المقام في عهد إبراهيم عليه الصلاة و السلام؟

الحالة الثانية: أين كان المقام في الجاهلية؟

الحالة الثالثة: أين كان المقام في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)؟

(أما في الحالة الأولى) فالذي نراه أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام بعد أن فرغ من بناء البيت وضعه إما داخل الكعبة أي في الحفرة التي حفرها في بطنها على يمين الداخل و كان عمقها ثلاثة أذرع لتكون بمثابة الخزانة يوضع فيها ما يهدى للكعبة، و إما وضعه لزق الكعبة عند بابها، فلا يعقل أنه وضعه في محله اليوم بقرب زمزم‏

348

بعيدا عن الكعبة بمسافة أذرع بدون سبب، و أي سبب لذلك و لم يأمره اللّه تعالى بالتوجه إليه حين الصلاة كما أمر الأمة المحمدية بذلك.

فإذا علمنا أن حجر المقام ياقوتة من يواقيت الجنة كالحجر الأسود، و أن خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام قام عليه حين بناء الكعبة، و قام عليه أيضا حينما أذن في الناس بالحج كما أمره اللّه تعالى، و أن قدميه راسختان على هذا المقام و أنه من الآيات البينات كما في صريح الآية.

علمنا أن إبراهيم لا يفرط في هذا المقام المكرم و يبعده عن الكعبة إلى جهة زمزم، بل إنه بعد أن انتهى من غرضه منه حفظه في الحفرة التي في باطن الكعبة أي في الجب، ليبقى دهرا طويلا حتى يأتي نبي آخر الزمان سيدنا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) حيث يأمره اللّه تعالى بالصلاة عنده، هكذا أطلع اللّه تعالى خليله إبراهيم (عليه السلام) بعد أن بنى البيت ما سيكون في شأن المقام في آخر الزمان، و هكذا حفظ لنا إبراهيم مقامه الكريم المقدس الذي فيه أثره الخالد كما أمره اللّه تعالى، فإن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا يفعلون شيئا في أمور الدين إلا بوحي و إلهام من اللّه الملك العزيز العلام.

ثم إن إسماعيل عليه الصلاة و السلام لم يحرك المقام و لم يخرجه من جوف الكعبة، لأنه يعرفه حق المعرفة فلماذا يخرجه من موضعه و هو لم يؤمر بالصلاة خلفه، و إنما حافظ عليه محافظة تامة و كذلك أولاده من بعده.

(أما في الحالة الثانية) فإنه لما مر على بناء إبراهيم (عليه السلام) للبيت نحو ألفي سنة تقريبا و اشتهر أمر المقام و وجود أثر القدمين فيه و كثر الناس بمكة و أطرافها، صار أهل الجاهلية في شوق عظيم لرؤية هذا المقام المقدس كما أن المسلمين اليوم في شديد الشوق لرؤيته و هو محجوب تحت الصندوق و الستارة الكثيفة، فكانوا أحيانا يخرجونه من جوف الكعبة فيضعونه بلزقها عند الباب، أي في محل الحفرة الموجودة بالجانب الأيمن من الباب، فيشاهدونه جميعا و يحترمونه أشد الاحترام، كيف لا، و هو التراث العربي المقدس الباقي لهم من باني الكعبة الأول إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، و أحيانا يرجعونه إلى جوف الكعبة أيضا بحسب ما تقتضيه المصلحة و خوفا عليه من السيول.

و لا يعقل أنهم إذا أخرجوا المقام من جوف الكعبة أن يضعوه في محله اليوم بقرب زمزم، أي في آخر حدود المسجد الحرام في ذلك العهد قبل الإسلام، و ما

349

الداعي لإبعاده عن الكعبة و هم لا يصلون عنده، بل إنهم لا يعرفون الصلاة و كيفيتها، فعبادتهم كانت للأصنام، و الأصنام بكثرة عند الكعبة و ما حولها.

و من المعجزات الباهرات أن أهل الجاهلية مع عبادتهم للأوثان و الأصنام بمختلف أنواعها، لم يسمع قط أنهم عبدوا حجر المقام أو الحجر الأسود أو الكعبة، و هذا سر من الأسرار الدقيقة لا يخفى على العلماء العاملين و ذوي الألباب.

(و أما الحالة الثالثة) فقد قيل كان المقام في أول عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) أي قبل فرض الصلوات الخمس بلزق البيت عند الباب أي في محل الحفرة، و قيل: كان المقام في داخل الكعبة فلما كان يوم فتح مكة أخرجه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منها فوضعه بلزق الكعبة أي في محل الحفرة أيضا، فلما أنزل اللّه تعالى عليه: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ نقله (صلى الله عليه و سلم) إلى الموضع الذي هو فيه الآن بقرب زمزم، لئلا ينقطع الطواف بالمصلين، و حتى لا يحصل ضيق على الطائفين و المصلين.

فبقي المقام في محله الذي هو فيه اليوم في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و في عهد أبي بكر و في عهد عمر رضي اللّه تعالى عنهما، فلما جاء سيل أم نهشل في عهد عمر ذهب بالمقام إلى أسفل مكة، فأتوا به و ربطوه بأستار الكعبة عند الحفرة المذكورة، و أرسلوا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يخبرونه بذلك، فركب من ساعته فزعا و أتى مكة فوضع المقام في محله هذا الذي هو فيه اليوم بعد أخذ رأي صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و التثبت التام عن محله و موضعه و لم ينكر أحد منهم فعل عمر و لا من جاء بعدهم فصار ذلك إجماعا.

فعلم من كل ما تقدم أن محل المقام الذي هو فيه الآن عند زمزم، هو محله الأصلي الذي كان في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و في عهد أبي بكر و في عهد عمر رضي اللّه تعالى عنهم أجمعين، و جزاهما اللّه تعالى عن الأمة المحمدية خير الجزاء، و إلى عهدنا هذا لم يتغير موضعه و لن يتغير إلى أن تقوم الساعة إن شاء اللّه تعالى.

فإن قيل: إن المقام بعد الإسلام كان ينقل من محله فيوضع أحيانا في جوف الكعبة؟

نقول: نعم حصل ذلك مرتين:

الأول: في زمن القرامطة سنة (317) للهجرة.

350

و الثاني: في زمن ابن جبير كما ذكره في رحلته حينما وصل مكة للحج سنة (579) للهجرة، كما سنذكر ذلك الآن.

و لكن إذا أخرج المقام من الكعبة فإنه لا يوضع إلا في موضعه الأصلي الأول، و لم يسمع قط أن المقام إذا أخرج من الكعبة يوضع في غير محله و يصلى عنده فلو حصل هذا لذكره أصحاب التواريخ بدون شك.

و إليك تفصيل الحالتين المذكورتين:

فالمرة الأولى: أنه لما كانت فتنة القرامطة و وصلوا إلى مكة في اليوم السابع أو اليوم الثاني من ذي الحجة سنة (317) سبع عشرة و ثلاثمائة، و حملوا معهم الحجر الأسود إلى بلادهم حين رجوعهم، أرادوا أيضا أن يحملوا معهم" مقام إبراهيم" عليه الصلاة و السلام، فغيبه حجبة الكعبة و سدنتها في بعض شعاب مكة، فلما سكنت فتنتهم و رجعوا إلى بلادهم، أحضرته السدنة فوضعوه في محله الأصلي المعروف لدى كافة الناس.

و المرة الثانية: لما كان المقام في القرن السادس لم يكن ثابتا في موضعه الأصلي الذي هو بجوار بئر زمزم، فإنهم كانوا يرفعونه أحيانا لسبب من الأسباب فيضعونه في جوف الكعبة في مدخل درجتها الموصلة إلى سطحها و يقفون عليه باب الدرجة. فإذا أحضروه منها وضعوه في محله الأصلي و لا يضعونه في محل آخر مطلقا.

و كان للمقام قبتان:

إحداهما: قبة من الخشب توضع عليه في غير أوقات الحج.

و ثانيتهما: قبة من الحديد توضع عليه في وقت موسم الحج، لكون هذه القبة الحديدية أحمل و أقوى للازدحام و الاستلام، كما ذكره ابن جبير (رحمه اللّه تعالى) في رحلته و ذلك حسبما رآه عند وصوله إلى مكة للحج في شهر رجب سنة (579) تسع و سبعين و خمسمائة هجرية.

فمهما رفعوا المقام في جوف الكعبة فإنه عند إخراجه منها يضعونه في محله الأصلي، و لم يذكر في التاريخ قط أن المقام وضع في مكان غير مكانه الأصلي، فموضعه هو المحل الذي وضعه فيه رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و إلى عهدنا هذا لم يتغير محله هذا و لن يتغير إن شاء اللّه تعالى حتى قيام الساعة.

351

و اعلم أيها القارئ الكريم رحمنا اللّه تعالى و إياك و جعل الجنة مأوانا و مأواك، أن هذا المبحث النفيس الفريد لا تجده في كتاب غير هذا الكتاب، فالحمد للّه الذي ألهمنا لكتابته بفضله العظيم الواسع، و ذلك في اليوم الثالث عشر و الرابع عشر من شهر رجب سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، و صلى اللّه و سلم على خاتم الأنبياء نبينا" محمد" كما صلى و سلم على أبي الأنبياء" إبراهيم" و على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل منهم و صحابته أجمعين، و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

كسوة المقام‏

يظهر و اللّه تعالى أعلم أن وضع الكسوة على المقام من اختراع دولة آل عثمان فقد كان من عادة سلاطينهم أن يكسوا مقام إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام الذي هو بجوار الكعبة بكسوة سوداء مطرزة بأسلاك الفضة المموهة بالذهب على شكل ستارة باب الكعبة المعظمة و توضع هذه الكسوة على التابوت الخشبي الذي هو داخل الشباك الحديد فوق حجر المقام، و كانت هذه الكسوة تأتي سنويا مع كسوة الكعبة من مصر زمن الدولة العثمانية، و أحيانا كانت تأتي كسوة المقام في كل خمس سنين مرة، ثم انقطعت كسوة المقام منذ سنوات عديدة إلى اليوم، و الكسوة التي على المقام الآن هي قديمة لها أكثر من سبعة عشر سنة.

و الحقيقة أن وضع كسوة فوق المقام تحجب الحجر المكرم بدعة منكرة ما فعلتها الصحابة و لا التابعون و لا من بعدهم، و إنما حدث ذلك في زمن الدولة العثمانية، على أنه لو كان تحتها ضريح لقلنا تلك عادة جارية، و لو كان تحتها سر من الأسرار، أو كان المقام يتأثر من ضوء الشمس و القمر لقلنا: يجب ستره حتى لا ينكشف السر و لا يتضرر المقام من الضوء.

أما و حيث كان تحتها ذلك الحجر المكرم المحترم الذي قال اللّه تعالى في حقه:

وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏، و قال جل جلاله: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏ فإنه يجب رفع الستارة عنه لينظر المسلمون إلى هذا المقام المقدس الذي أمرهم اللّه تعالى بالصلاة خلفه، و ليعرفوا أنه حجر لا غير، فتغطية المقام بالكسوة توقع الناس في الجهل بحقيقته، و توجب لهم الوسواس و انشغال البال في تصور شكله و هيئته.

352

فحبذا لو رفعت الستارة عن المقام و رفع التابوت الخشبي الذي فوقه، ثم يعمل صندوق من الزجاج الشفاف القوي، و يوضع فوق المقام و يربط ربطا جيدا، حتى لا يحركه السيل إذا دخل إليه، و بذلك يصير المقام ظاهرا للناس، محفوظا من وصول الأيدي و الأتربة إليه، و لا شك أن هذا عمل جليل يحمده كافة المسلمين.

و يستحسن أيضا إحاطة المقصورة من الداخل من جهاتها الأربع بألواح الزجاج و إنارتها ليلا بالمصابيح الكهربائية ليكون منظرها جميلا جدا خصوصا في وقت الحج، و لتكون المقصورة نظيفة من الغبار و محفوظة من وصول الخطابات و الأوراق التي يرميها العوام و الجهلة من الحجاج فيها.

الكسوة العراقية للكعبة

جاء في كتاب مدارس مكة للأستاذ ناجي معروف البغدادي ما نصه:

ذكر أن ابن جبير في رحلته كسوة الكعبة يوم النحر سنة (579) هجرية فقال: سبقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير العراقي إلى مكة على أربعة جمال، تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية و الرايات على رأسه، و الطبول تهز وراءه. فوضعت الكسوة على السطح المكرم أعلى الكعبة، فلما كان يوم الثلاثاء ثالث عشر من الشهر المبارك المذكور، اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة، تقيد الأبصار حسنا، في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح إلى المقام الكريم حيث الباب المكرم و هو وجهها المبارك بعد البسملة، إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ... الآية.

و في سائر الصفحات اسم الخليفة و الدعاء له، و تحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صفار بيض، فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن و ذكر الخليفة أيضا، فكملت كسوتها و شمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم و شدة اجتذابها و قوة تهافتهم و انكبابهم عليها، فلاح للناظرين منها أجمل منظر، كأنها عروس جليت في السندس الأخضر. اه منه.

353

وجوب صون المقام‏

منذ أن أمر اللّه عز و جل بالصلاة خلف المقام في قوله: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ وجب علينا أن نتعهده بالحفظ و الوقاية بكل الوسائل المصونة له كما نحافظ على الحجر الأسود، و لنا في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أسوة حسنة، فقد اهتم و فزع و هو بالمدينة حينما بلغه أن السيل اقتلع المقام من موضعه، و ركب من ساعته حتى قدم مكة و أصلح من شأن المقام كما تقدمت الإشارة إليه، و أن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما حين هدم البيت جعل الحجر الأسود في ديباجة و أدخله في تابوت و أقفل عليه و وضعه عنده في دار الندوة، فلما بلغ البناء موضع الركن أمر بوضعه فيه كما ذكره الأزرقي في تاريخه، و ما ذاك إلا محافظة عليه و حرصا على صيانته، فالمقام مثله يجب صونه، و هؤلاء أهل الجاهلية كانوا وضعوه في جوف الكعبة حرمة له و حرصا عليه كما تقدم بيان ذلك، بل حتى بعد الإسلام كان المقام يجعل أحيانا في جوف الكعبة كما ذكره الفاسي في شفاء الغرام عن ابن جبير الأندلسي.

و لئن كان المقام في صدر الإسلام موضوعا على الأرض ظاهرا للناس فقد كان ذلك العصر المبارك عصر دين و علم و أمانة و شرف و أخوة و ائتلاف فلا خوف على المقام و لا على غير المقام، أما في عصورنا المظلمة التي فسد فيها الزمن و ظهرت الفتن و قلت الأمانات و كثرت الخيانات و انتشر الدجالون و المحتالون فكيف لا يخاف على المقام و غير المقام؟ فكم من مرة تعدى أهل الخبال و الإجرام على الحجر الأسود فضربوه بالحديد حتى خرج منه بعض القطع فليس ببعيد إذا أن يتعدى على المقام بعض أهل الجرأة و الإفساد ممن أغواهم الشيطان بسرقته أو تكسيره إذا لم يكن في حرز مكين.

وضع المقام في مقصورة

كان المقام في أرض المطاف من أيام إبراهيم (عليه السلام) إلى ما بعد الإسلام معروضا في أرض المطاف تأتي عليه السيول و الأمطار و معرضا للمس و اللمس فلا بد بمرور هذه الأحقاب الطويلة و العصور البعيدة أن يتغير نوعا ما و أن تتسع فتحتا القدمين و أن تمّحا آثار أصابع الخليل إبراهيم (عليه السلام) خصوصا و قد أظهر

354

الإسلام فضله و ازدحم الناس على استلامه و إن لم يؤمروا بذلك ما لم يحفظ في مكان لا تصل إليه الأيدي، لذلك عملت له مقصورة عليها قبة و وضعت فوق المقام فبذلك صار في حرز مكين مأمون العاقبة، و لقد كان حجر المقام موضوعا على كرسي ملبس بصفائح الرصاص، ثم في سنة إحدى و أربعين و مائتين أمر أمير المؤمنين محمد المستنصر باللّه بإبدال صفائح الرصاص بصفائح فضة، كما ذكر ذلك الإمام الأزرقي في تاريخه أخبار مكة.

و لم يعرف بالضبط أول من وضع له تابوتا، غير أنه قيل: إن أقرب وقت صنع فيه ذلك سنة عشر و ثمانمائة، بمعنى أنه صنعت للمقام مقصورة ثابتة لا تنتقل و لا تتحرك، و إلا فقد كانت للمقام قبة قبل هذا التاريخ، فقد ذكر ابن جبير الأندلسي في رحلته- و قد حج سنة خمسمائة و ثمانية و سبعين للهجرة- صفة المقام، ثم قال: لموضع المقام قبة مصنوعة من حديد موضوعة إلى جانب زمزم، فإذا جاءت أشهر الحج و كثرت الناس رفعت القبة الخشب و وضعت القبة الحديد. اه.

ثم إننا رأينا على أحد أعمدة المقام كتابة تدل على تجديد عمارته سنة ثمان و خمسين و ثمانمائة، و ذكر ابن فهد في تاريخه: أنه في سنة ثمان و عشرين و سبعمائة عمّر ابن هلال الدولة الشبابيك الحديد المطيفة بالمقام. اه، ثم تجدد سقف المقام و قبته سنة تسعمائة ثم تجدد تعمير المقام سنة تسعمائة و خمسة عشر، و قام بتعميره محمد بن عبد اللّه الرومي بأمر الملك الأشرف قانصوه الغوري، ثم تجدد تعمير المقام بأمر الملك سليمان خان ابن السلطان سليم خان كما هو مكتوب في أعلى المقام المواجه لباب الكعبة و الملك سليمان هذا هو الذي أهدى للمسجد الحرام المنبر الرخام الموجود به الآن، ثم تجدد تعميره سنة إحدى و ألف، ثم تجدد تعميره بأمر السلطان مراد بن أحمد خان سنة ألف و تسع و أربعين، ثم إن الآغا محمد كزلار السلطان محمد بن إبراهيم خان أنفق على نقش قبته بالذهب و الألوان، و ذلك سنة ألف و اثنتين و سبعين، و لما حصل خلل في رفرف المقام جدده محمد بيك سنة ألف و تسع و تسعين ثم إبراهيم بيك قام بتعمير جميع المقام و بنى أرضه بالرخام، و غير القبة و نقشها بالذهب، و شد حجر المقام و أحكمه بالفضة، و جدد موضع قدم إبراهيم (عليه السلام) بالفضة المطلية بالذهب، و ذلك سنة ألف و مائة و اثنتي عشرة، ثم إن محمد أفندي المعمار غير صندوق حجر المقام و أبدله بخشب و جلى صفائحه‏