التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
355

الأولى ثم أعاده، و ذلك سنة ألف و مائة و ثلاث و ثلاثين، ثم إن السلطان عبد العزيز العثماني زاد في ارتفاع قبة المقام نحو ذراع و نصف، و أمر بترميم المسجد الحرام، و ذلك سنة ألف و مائتين و تسع و سبعين، و لا ندري هل عمل فيه أحد بعده شيئا أم لا؟.

جاء في هامش تاريخ الأزرقي المطبوع بالمطبعة الماجدية بمكة المشرفة سنة 1375 ه سبع و خمسين و ثلاثمائة و ألف من الجزء الثاني عند ذكر ذرع المقام ما نصه: و في عام ألف و مائتين و خمس و عشرين للهجرة حج سعود عبد العزيز الحجة السابعة، قال ابن بشر: و في تلك الحجة كشف سعود القبة التي فوق صخرة مقام إبراهيم، و صارت الصخرة و القدمان الشريفتان بارزتين، و رآها الناس من أهل مكة و غيرهم، و رأيتها و هي صخرة بيضاء مربعة، طولها نحو الذراع و عليها سبيكة صفراء لا أدري أذهب أم صفر مستديرة بالصخرة مكتوب في السبيكة:

إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ* ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏ و على القدمين الشريفين تراب، و لا رأيت ما حواليهما، و بين السبيكة و رأس الصخرة التي فيها القدمان نحو أربع أصابع. اه. باللفظ من هامش تاريخ الأزرقي.

و في زماننا هذا، و نحن في القرن الرابع عشر للهجرة، المقام موجود في داخل تابوت خشبي عليه ستارة من الحرير مكتوب فيها آيات قرآنية و يحيط بالتابوت شبابيك نحاسية مثبتة على أربعة أعمدة بغاية الضبط و الإحكام، و على السقف قبة صغيرة ظريفة.

و لا ندري من بنى هذه المقصورة بشكلها الحاضر هل هي من تعميرات إبراهيم بك التي أجراها سنة ألف و مائة و اثنتي عشرة، أم من إصلاحات السلطان عبد العزيز من سلاطين آل عثمان في زيادة ارتفاع قبة المقام كما ذكرناه؟ أم بنيت فيما بعد ذلك؟ و الظاهر أن سعود عبد العزيز المتقدم ذكره حينما كشف قبة المقام سنة (1225) خمس و عشرين و مائتين و ألف لم يهدم مقصورة المقام كلها و لم يتعرض للشبابيك الحديدية، و إنما أزال القبة و سقف المقام و رفع الستارة و التابوت‏

356

الخشبي الذي فوق حجر المقام فقط كما يعلم ذلك لدى التأمل. و اللّه تعالى أعلم.

فوائد وضع المقام في مقصورة

لوضع المقام في مقصورة أو نحوها لا تصل إليه أيدي الناس ثلاث فوائد:

الأولى: وقايته من التلف و التغيير بسبب احتكاك الناس به و مسحهم له، و بسبب الأمطار و الأتربة و الأهوية و غيرها، و لو كان محفوظا أيام الجاهلية داخل شي‏ء لما تكسر و لما احتاج إلى إصلاح و شد كما تقدم بيان ذلك عند تطويق المقام بالذهب أو الفضة.

الثانية: حفظه من سرقته أو تكسيره ممن لا ديانة له و لا عقل كما حدث للحجر الأسود مرارا. و أشهر الحوادث في ذلك حادثة القرامطة الذين استولوا على مكة سنة ثلاثمائة و سبعة عشر هجرية و قتلوا فيها يوم التروية ثامن ذي الحجة الحجاج قتلا و طرحوهم في بئر زمزم ثم أرادوا أخذ المقام فلم يظفروا به، لأن سدنة الكعبة أخفوه في شعاب مكة فاغتاظوا من ذلك و قلعوا الحجر الأسود و أخذوه معهم إلى بلدتهم (هجر) بالبحرين ثم في سنة (339) تسع و ثلاثين و ثلاثمائة ردوا الحجر الأسود إلى مكة، و ذلك في خلافة المطيع للّه الفضل بن المقتدر. و قال العلامة ابن ظهيرة القرشي (رحمه اللّه) في كتابه (الجامع اللطيف) ما نصه: و يروى أن رجلا يهوديا أو نصرانيا كان بمكة يقال له جريج فأسلم ففقد المقام في ذات ليلة فوجد عنده و كان أراد أن يرسله إلى ملك الروم فأخذ منه و قتل.

الثالثة: حفظ الناس من الوقوع في البدعة إذا استلموه أو مسحوه بأيديهم فإن مسح المقام أو تقبيله و كذلك الأعتاب و الأبواب و الشبابيك و إدخال الأيدي في حلقاتها بدعة لم يأت به الدين الحنيف و لم يفعلها أحد من الصحابة و التابعين و لا من العلماء و الصالحين، و إنما السنة الصلاة خلف المقام فقط من غير مسحه أو تقبيله، اللهم إلا الركن الأسود و الركن اليماني فإنه يسن مسحهما و استلامهما.

فقد روى الأزرقي في تاريخه أن عبيد بن عمير قال لابن عمر: إني أراك تزاحم على هذين الركنين، فقال: إني سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: (إن استلامهما يحط الخطايا حطا) و روي فيه أيضا عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه و سلم) (أنه كان لا يدع‏

357

الركن الأسود و الركن اليماني أن يستلمهما في كل طواف أتى عليهما، قال:

و كان لا يستلم الآخرين) و روي فيه أيضا عن عكرمة قال: (كان عمر بن الخطاب إذا بلغ موضع الركن قال: أشهد أنك حجر لا تضر و لا تنفع و أن ربي اللّه الذي لا إله إلا هو، و لو لا أني رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يمسحك و يقبلك ما قبلتك و لا مسحتك).

على أنه يشترط في مسحهما و تقبيلهما عدم حصول الأذية و الضرر، فقد روى الأزرقي في تاريخه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال لعمر بن الخطاب: (يا عمر إنك رجل قوي و إنك تؤذي الضعيف فإذا رأيت خلوة فاستلمه، و إلا فكبر و امضي) و روي فيه أيضا عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: إذا وجدت على الركن زحام فلا تؤذ و لا تؤذ.

فينبغي للمسلم أن يكون على بصيرة من أمر دينه القويم، و أن يتبع منهج السلف الصالح الذين مشوا على الصراط المستقيم، حتى لا يقع فيما يقع فيه العوام و الجهلة، و إذا أمكنه إرشاد أحد بالتي هي أحسن لم يحرم من الأجر و الثواب، فالدال على الخير كفاعله.

فإن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إذا كان باللطف و اللين كان أسرع إلى القبول و الامتثال، و إذا كان بالعنف و الغلظة كان أدعى إلى النفور و العناد، قال اللّه تعالى: ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏.

الرد على من يقول: أن المقام كان مدفونا

يقول الأستاذ محمد لبيب البتنوني في كتابه" الرحلة الحجازية" بصحيفة 125 من الطبعة الثانية عن حجر مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام ما نصه:

" و كان هذا الحجر قبل الإسلام موضوعا بالمعجن إلى جوار الكعبة ثم أبعد عنها بعد الفتح حتى لا يكون هناك أثر للوثنية بالمرة، و دفن بمكانه الحالي، و بني عليه فيما بعد القبة الحالية. و يقولون إن تحته آلة البناء التي كان يعمل بها إبراهيم في الكعبة". اه.

358

نقول: المعجن هو الحفرة الواقعة في أرض المطاف على يمين باب الكعبة المشرفة و كان حجر المقام في هذه الحفرة، لكن قوله:" ثم أبعد عنها بعد الفتح حتى لا يكون هناك أثر للوثنية بالمرة" غير صحيح مطلقا، فالمقام لم يبعد عن الحفرة لمحو آثار الوثنية، و البعد بين الحفرة التي كان فيه المقام و مكانه الحالي الذي هو فيه إلى اليوم لا يتجاوز أحد عشر مترا، فالذي يعبده في الحفرة يعبده هنا أيضا فهذه المسافة القصيرة لا تطرد العابد عن وثنه، لكن لم يسمع في التاريخ قط أن العرب في جاهليتها عبدوا حجر المقام أو الحجر الأسود أو الكعبة مع أنهم كانوا يعبدون الأحجار، و هذا سر من الأسرار الإلهية و كرامة واضحة للحجرين الشريفين و الكعبة المقدسة، على أنهم كانوا يحترمون كل ذلك و يقدسونه بدون عبادة لأحد منها.

و أما قوله:" و دفن بمكانه الحالي" غير صحيح أيضا، فإن حجر المقام لم يدفن تحت الأرض مطلقا لا في الجاهلية و لا في الإسلام، بل كان موضوعا في أرض المطاف أحيانا و في جوف الكعبة أحيانا أخرى، ثم في مكانه الحالي.

و أما قوله:" و يقولون أن تحته آلة البناء التي كان يعمل بها إبراهيم في الكعبة" هذا القول أيضا لا صحة له أبدا، لأن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لم يبن الكعبة بالطين و لا بالنورة و الجص، و إنما بناه بالرضم أي بحجارة بعضها فوق بعض كما أوضحنا ذلك في محله، فمثل هذا البناء لا يحتاج إلى آلات و أدوات كما لا يخفى.

فما هذا القول إلا وهم و خيال لا حقيقة لهما، و انظر كيف جعل اللّه عز شأنه هذه الأحجار و هذا البناء البسيط محرمة مقدسة لدى جميع العالم، و جعل لها في قلوب المؤمنين مكانة سامية، فسبحانه من إله عظيم الشأن واسع الفضل و الإحسان لا إله إلا هو العزيز الغفار.

اقتراح المؤلف في مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

لقد كان مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام في الجاهلية و صدر الإسلام مكشوفا بدون غطاء يراه الخاص و العام، و منذ نحو خمسة قرون عندما كان الحجاز و جميع الممالك الإسلامية تحت حكم الدولة التركية العثمانية، و من هذا التاريخ جعلت الحكومة التركية صندوقا خشبيا على نفس مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام و جعلت على هذا الصندوق ستارة من الحرير الجيد منقوشة

359

بالذهب و الفضة عليها بعض الآيات القرآنية فأصبح هذا الشكل كأنه تابوت وضع على مقبرة.

فنقترح رفع هذا الصندوق الخشبي و ما عليه من الستارة ليكون المقام الكريم مكشوفا يراه جميع الناس من أهل البلاد و الحجاج و أن يجعل في داخل مقصورة المقام زجاج سميك يحيط بالمقصورة من جميع الجهات بحيث لا يكون له منفذ لدخول الغبار و رمي الأوراق فيه ليحفظ هذا المقام الكريم من كل شي‏ء، و أن تجعل في داخل المقصورة لمبات كهربائية قوية تنير هذا المقام الكريم ليلا، و بذلك يكون المقام تحت أنظار المسلمين كافة، فإنه لا معنى لحجبه و ستره عن أعين الناس.

الأحجار الثلاثة التي صارت معجزة لرسل اللّه الثلاثة

بمناسبة الكلام على حجر المقام الذي صار معجزة خالدة لإبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، نذكر هنا على سبيل الاستطراد الحجر الذي فر بثوب موسى كليم اللّه و صار معجزة له أيضا (صلى الله عليه و سلم)، و كذلك نذكر الحجر الذي كان يسلم على نبينا محمد (صلوات اللّه و سلامه عليه) و على آله و صحبه و سلم فنقول:

جعل اللّه عز و جل معجزات أنبيائه دلالة و برهانا على صدق دعواهم حتى يستسلم قومهم للإيمان بهم، و سخّر لهم ما شاء من أنواع الجمادات حتى يفهم العقلاء و خواص البشر ما لهم من المكانة السامية و المنزلة العليا عند اللّه عز و جل.

فإن الإنسان إذا كان في شك من أمر ثم رأى آية من الآيات اطمئن إليها و صدق من جاء بها.

و لقد خص اللّه تعالى نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) بكثير من المعجزات و أنواع شتى من خوارق العادات مما لا يعد و لا يحصى، فلقد وقع من الأمور شي‏ء كثير و سيقع جميع ما أخبرنا به واحدة فواحدة حتى تقوم الساعة.

فكم من المغيبات ذكرا* * * فبعضها مضى و بعض سيرى‏

و معجزات المصطفى ليست تعد* * * و في الشفا منها كثير قد ورد

و نحن هنا لا نريد بيان معجزات الأنبياء، و لكن نريد ذكر الأحجار الثلاثة التي كانت معجزة للأنبياء الثلاثة الذين ذكرناهم عليهم الصلاة و السلام.

360

فأما حجر مقام إبراهيم خليل اللّه فقد ذكره اللّه تعالى بقوله: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ و هو واقع أمام الكعبة المشرفة بقرب بئر زمزم، و هو حجر مربع الشكل طوله نحو ذراع و سيأتي وصفه بالتفصيل قريبا إن شاء اللّه تعالى.

و أما حجر موسى كليم اللّه فقد ذكره اللّه تعالى بقوله: وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ‏.

و هذا الحجر طوله نحو ذراع و مربع الشكل أيضا، و معنى مربع أي مكعب له أربعة أوجه و هو الحجر الذي فر بثوب موسى عليه الصلاة و السلام حينما وضعه عليه و أراد الغسل، فقد روى البخاري في كتاب بدء الخلق عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شي‏ء استحياء منه فآذا من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص و إما أدرة و إما آفة و إن اللّه أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها و أن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه و طلب الحجر فجعل يقول:

ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق اللّه و أبرأه مما يقولون و قام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه و طفق بالحجر ضربا بعصاه فو اللّه إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا فذلك قوله:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً انتهى.

فتأمل أن النبي (صلى الله عليه و سلم) ليحلف بأن الحجر لندبا من أثر ضربه و هذه معجزة أخرى فإن المعروف أن الحجر يكسر العصا لأنها لينة و لكن هنا عصا موسى أثر في الحجر و تركت فيه علامات الضرب كما أن ارتفاع حجر المقام بإبراهيم لبناء البيت معجزة و أثر قدميه فيه معجزة ثانية، و لا نتكلم عن معجزة عصا موسى لأننا نحن في صدد معجزة الحجارات فقط.

و أما سلام الحجر على نبينا محمد (صلى الله عليه و سلم) فهو ثابت كما في قوله:" إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث" رواه مسلم و أحمد و الترمذي.

361

قال العلماء: سلام هذا الحجر على رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) كان خاصا بقبل البعثة كما هو صريح الحديث، و أما بعد البعثة فإن كثيرا من الأحجار كانت تسلم عليه.

و لم يحفظ من هذه الأحجار الثلاثة شي‏ء سوى حجر المقام ليكون آية خاصة لإبراهيم (عليه السلام) و ذلك مصداقا لقوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ‏.

و إذا تأملنا أيضا قوله: وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ‏ نجد أن كل ذلك منقبة لجنس الأحجار فإنها لما تشرفت بخدمة أنبياء اللّه تعالى حصل لها شرف القبول و التكريم، فكيف إذا بالمؤمنين الذين آمنوا بهم و آزروهم و نصروهم لا شك أن لهم شرفا كبيرا و قدرا رفيعا.

(و اعلم) أن سلام الأحجار على النبي (صلى الله عليه و سلم) سلام حقيقي و قدرة اللّه تعالى صالحة على ذلك. و مثله ارتفاع المقام و نزوله و مشيه بإبراهيم في الهواء حول الكعبة. و مثله هروب حجر موسى بثوبه ثم وقوفه أمام الملأ من بني إسرائيل ثم نداء موسى للحجر و طلبه ثوبه منه بقوله: ثوبي حجر ثوبي حجر ثم تأديبه للحجر بأن ضربه بعصاه حتى ظهر فيه أثر العصا، كل ذلك وقع من هذه الحجارة على الحقيقة معجزة و كرامة للأنبياء عليهم الصلاة و السلام.

و ما حنين الجذع إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ببعيد حينما جعلوا له منبرا فقد كان الجذع يصيح صياح الصبي و يئن أنينه بل يقول جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما:

سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي (صلى الله عليه و سلم) فوضع يده عليها فسكنت. و انظر حديثه في حنين الجذع من صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق في باب علامات النبوة في الإسلام.

و مما يلحق بما تقدم ما رواه البخاري في كتاب بدء الخلق في الباب المذكور أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول: تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم ثم يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله، و جاء في صحيح مسلم حديث بهذا المعنى أيضا فالحديث الثابت يدل صراحة أن الحجر يتكلم بكلام يسمعه الناس و يفهمونه.

362

و في صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق في الباب المذكور أيضا عن علقمة عن عبد اللّه قال: كنا نعد الآيات بركة و أنتم تعدونها تخويفا ... إلى أن قال:

فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لقد كنا نسمع تسبيح الطعام و هو يؤكل.

فمعجزات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام لا تنحصر، و في ما تقدم كفاية للمؤمن العاقل، فلا تسمعن إلى قول من يؤول ذلك نسأل اللّه السلامة من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، فثبت اللهم قلوبنا على دينك و اشرح صدورنا لطاعتك و عبادتك آمين يا رب العالمين.

أول تفكير في تاريخ الإسلام لنقل مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام عن موضعه الأصلي‏

لقد فكرت حكومتنا السعودية في نقل مقام إبراهيم عليه الصلاة و التسليم عن موضعه الأصلي الذي يبعد عن باب الكعبة المعظمة بمقدار اثني عشر مترا، و تأخيره عن موضعه الأول إلى ما يقابله بمقدار الأمتار المذكورة تقريبا لتوسعة المطاف، و ذلك في سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية بعد الانتهاء من تجديد سقف الكعبة المعظمة.

لقد عزمت الحكومة في نقل هذا المقام الكريم عزما أكيدا حتى أنها بنت مقصورة جديدة عند باب بني شيبة بمقدار المقصورة الأولى التي في داخلها حجر المقام، ثم رجعت و أبطلت هذه الفكرة و هدمت هذه المقصورة الجديدة في أسرع وقت بعد أيام من بنائها و ذلك في يوم الأحد الموافق 25 شوال سنة (1377) هجرية تنازلا على الرأي العام، فإن جميع الناس في داخل المملكة و في خارجها لم يرتضوا ذلك، قائلين: إن هذا المقام الكريم وضعه نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) في هذا المحل المعروف أو وضعه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه فيه، لا يجوز نقله من محله الأصلي و وضعه في مكان آخر، و لا ينبغي لنا ذلك و نحن في آخر الزمان مغمورين في بحر الفتن و الشرور و الفساد.

ثم إن بعض العلماء في المملكة السعودية رأى أنه لا بأس بنقل مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام من محله الأصلي و تأخيره إلى محل آخر توسعة للناس في حال‏

363

الطواف، و رأى بعضهم عدم جواز نقله من محله الأصلي مطلقا، فألف بعضهم في جواز نقله مؤلفا، كما ألف بعضهم في عدم جواز نقله مؤلفا أيضا، فظهر في محرم سنة (1378) هجرية رسالة صغيرة مطبوعة اسمها" مقام إبراهيم" عليه الصلاة و السلام و هل يجوز تأخيره عن موضعه عند الحاجة لتوسيع المطاف. ألفها الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني مدير مكتبة الحرم المكي، حكم في رسالته هذه بجواز نقل المقام عن موضعه.

ثم إن فضيلة الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان، قام فألف كتابا في الرد على رسالة المعلمي اليماني المذكور، و سماه (نقض المباني من فتوى اليماني و تحقيق المرام فيما يتعلق بالمقام) و قد طبع هذا الكتاب في محرم سنة (1383) هجرية بالقاهرة.

ثم إن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية ألف كتابا في الرد على كتاب الشيخ سليمان بن عبد الرحمن المذكور، سماه (نصيحة الإخوان ببيان بعض ما في نقض المباني لابن حمدان من الخبط و الخلط و الجهل و البهتان) و في آخر هذا الكتاب تلي رسالة أخرى اسمها (الجواب المستقيم في جواز نقل مقام إبراهيم) لسماحة المفتي المذكور أيضا.

ثم ظهر كتاب رابع اسمه (سبيل السلام في إبقاء المقام) لفضيلة الشيخ إبراهيم نياس الكاولخي شيخ الإسلام بجمهورية السنغال، برهن فيه على وجوب إبقاء المقام الكريم في محله الأصلي كما هو ظاهر من عنوان كتابه.

هذه هي الكتب التي ظهرت عن شأن نقل مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام في زماننا هذا عند توسعة المطاف لأول مرة في هذا التاريخ، و لم يكن في العصور الماضية من يخوضون في هذه المسألة مطلقا منذ ظهور الإسلام إلى اليوم، و مما يجدر بالذكر أن حكومتنا السعودية إلى وقت طبع هذا التاريخ القويم، لم تبد رأيا حاسما في مسألة نقل مقام إبراهيم عليه الصلاة و التسليم من محله، و الظاهر أنها صرفت النظر عنه و خيرا ما فعلت، فإنه و إن رأى بعضهم جواز نقل المقام الكريم من محله إلى محل آخر توسعة للناس، فبقاؤه في محله الأصلي أولى و أفضل، لمرور أربعة عشر قرنا عليه، و لئلا نثير تبلبل أفكار المسلمين في جميع الأقطار، و نحن في زمان الفتن و الشرور.

364

نسأل اللّه تعالى أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، و أن يؤلف بين المسلمين و ينصرهم على أعدائهم، و أن يختم حياتنا على الإيمان التام و اليقين الكامل و العمل الصالح، و نحن على طهارة و نظافة، براحة تامة، في أبرك الأوقات و أشرق الساعات، و في بلده الطاهر الأمين، بفضله و رحمته آمين.

وضع زجاج على مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام و رفع المقصورة الحديدية التي كانت عليه‏

لقد قررت رابطة العالم الإسلامي التي تعقد في موسم الحج من كل عام رفع المقصورة الحديدية التي كانت موضوعة فوق مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام منذ مئات السنين، و بوضع بدلا عنها زجاج قوي جميل على نفس المقام الكريم مع بقائه في محله الأصلي من غير تحريكه و لا زحزحته عن موضعه أبدا، و نرى أن هذا القرار هو نعم القرار، فيه راحة المسلمين بتوسعة المطاف، مع بقاء المقام الكريم في محله الأصلي القديم.

و لقد نشر هذا القرار في الصحف المحلية، فقد ذكرت جريدة المدينة المنورة الصادرة بتاريخ 8 صفر سنة 1385 هجرية عن قرار المجلس ما يأتي:

أعلنت الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة أن المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي قد اتخذ في جلسته الحادية عشرة المنعقدة بتاريخ 25 ذي الحجة 1384 قرارا خاصا بمقام إبراهيم (عليه السلام)، و فيما يلي نصه:

تفاديا لخطر الزحام أيام موسم الحج و حرصا على الأرواح البريئة التي تذهب في كل سنة تحت أقدام الطائفين الأمر الذي ينافي سماحة الشريعة الإسلامية و يسرها و عدم تكليفها النفس البشرية أكثر مما في وسعها يقرر المجلس الموافقة على المشروع الآتي و رفعه إلى الجهات السعودية المختصة ...

الحمد للّه وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فبناء على ما منّ اللّه تعالى به على حكومة هذه المملكة العربية السعودية من التوفيق لتوسعة الحرمين الشريفين توسعة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإسلامي و بناء على ما أفاء اللّه على هذه البلاد المقدسة في عهد هذه الحكومة الرشيدة من الخير العظيم و الفضل العميم و ما يسره من توطيد الأمن في ربوع هذه الديار الإسلامية و تيسير

365

السبل لأداء فريضة اللّه على عباده في الحج إلى بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس و أمنا فقد أصبح عدد من يؤم البيت الحرام لأداء هذه الفريضة أضعافا مضاعفة عن ما كان عليه في الماضي حتى صار المسجد الحرام رغم هذه التوسعة العظيمة يضيق بالوافدين إليه و من المأمول إن شاء اللّه أن يزداد عدد الحجيج في المستقبل عاما بعد عام، و إن أشد ما يقع الزحام و الضيق الآن بعد توسعة المطاف هذه التوسعة الكبيرة التي شكرها المسلمون جميعا لحكومة هذه البلاد في الجزء من المطاف الذي يقع بين الركن الذي فيه الحجر الأسود، و بين مقام إبراهيم و يحصل بسبب ذلك الزحام للطائفين على اختلاف أنواعهم، من الحرج و المشقة ما اللّه تعالى به عليم. كما يقع الخلل في هذه العبادة الشريفة و هي الطواف الذي هو أحد أركان الحج التي لا يتم الحج إلا بها، لفقدان ما يطلب به في هذه العبادة من الخشوع و الخضوع و التذلل للّه تعالى و صدق التوجه إليه حتى أن المرء لينسى من شدة الزحام و المضايقة، أن في عبادة اللّه عز و جل لا يهتم إلا بتخليص نفسه و تخليص من معه إن كان معه من يحتاج إلى التخليص من الضعفة و الخصام و المشاتمة و العراك و المضاربة بالأيدي، بل لقد زاد الأمر على ذلك و أدى إلى الموت الزؤام و إزهاق بعض الأرواح من الضعفة و الشيوخ و النساء دهسا بالأرجل كما حصل ذلك في السنوات الأخيرة و في هذه السنة بالذات حيث قد مات في المطاف بسبب الزحام عدد من الأنفس، و قد ارتفعت هذه الشكوى إلى اللّه تعالى ثم إلى ولاة الأمور في هذه المملكة من كل من شاهد بعيني رأسه هذه الأخطار العظيمة و المضار الجسمية التي تلحق الطائفين في هذا الجزء من المطاف مطالبين و ملحين بوجوب إيجاد حل سريع لهذه المشكلة التي هي على جانب كبير من الأهمية و الخطورة و على ضوء هذه الحوادث البالغة الخطورة و التي لا يجوز لأهل العلم و حماة الشريعة الإسلامية السكوت عليها، و التغاضي عنها لأن من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم فقد طلب سماحة رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ طرح هذه القضية على بساط البحث في جلسة المجلس المنعقدة في مساء يوم الاثنين الموافق (24- 12- 1384) هجرية أن يبدي حضرات أصحاب الفضيلة أعضاء المجلس التأسيسي آراءهم فيه على هدى نصوص كتاب اللّه تعالى و سنة رسوله (صلى الله عليه و سلم) و أحكام الشريعة السمحة التي جاءت بالخير و الرحمة و رفع الضيق و الحرج عن هذه الأمة الإسلامية. و بعد البحث و المذاكرة و تداول الرأي بين الجميع تقررت الموافقة بإجماع الآراء على ما يأتي:

366

1- بالنظر لما تدعو إليه الضرورة في أيام مواسم الحج من توسعة المطاف في الجزء الذي بين الحجر الأسود و مقام إبراهيم فإنه يجب على الفور حلا لهذه المشكلة العظيمة إزالة جميع الزوائد الموجودة حاليا في هذا الجزء من المطاف كالهيكل القائم على مقام إبراهيم (عليه السلام) و كالعقد المسمى بباب بني شيبة لأن جميع هذه الزوائد لا تمت إلى مقام إبراهيم بأي صلة، كما أن الهيكل الموجود حاليا فوق مقام إبراهيم لم يكن موجودا في صدر الإسلام إنما هو من المحدثات التي أحدثت في القرون الوسطى كما هو مدون في كتب التاريخ و معظم الزحام إنما ينشأ من وجود هذه الزوائد التي لا ضرورة لبقائها بل بإزالتها يزول عن الطائفين و القائمين و الركع السجود الكثير من الضيق و الحرج و المشقة و ذلك عملا بمقتضى قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ و قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ و قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً و حديث: (يسروا و لا تعسروا) و غيره من الأحاديث الشريفة الواردة في هذا المعنى.

2- و أن يجعل مقام إبراهيم (عليه السلام) بدلا من الهيكل الحالي بعد إزالته صندوق من البلور السميك القوي على قدر الحاجة فقط، و يكون مدورا و بارتفاع مناسب لئلا يتعثر به الطائفون، و بذلك تحصل التوسعة لهذا الجزء من المطاف و يزول كثير من الحرج و المشقة و الضيق كما يتسنى للكثير من العامة رؤية مقام إبراهيم من غير أن تصل أيديهم إليه و معرفة المقام على حقيقته و أن الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم عند رفع القواعد من البيت لأن كثير من العوام يظنون أن بداخل الهيكل الموجود حاليا قبرا لإبراهيم (عليه السلام).

3- أن يتقدم بالتماس باسم رابطة العالم الإسلامي إلى حكومة جلالة الملك فيصل المعظم رجاء تنفيذ جميع ما ذكر على الفور و قبل حلول موسم الحج القادم، و باللّه التوفيق.

انتهى من الجريدة المذكورة.

هذا ما قررته رابطة العالم الإسلامي بشأن مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام الذي هو أمام باب الكعبة المعظمة، و إننا نأمل أن نضع صورة القاعدة الزجاجية البلورية في آخر هذا الكتاب إذا تمكنا من أخذ صورتها، إن شاء اللّه تعالى.

367

تجديد مقصورة مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام‏

كنا اقترحنا في كتابنا" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام" المطبوع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي و أولاده بمصر في سنة (1368) هجرية لأول مرة، و ذلك بصحيفة 131 بأن ترفع الحكومة السعودية الستارة و التابوت الخشبي من فوق المقام الكريم، و تغطيه بغطاء زجاجي قوي سميك، و تقدمنا أيضا بهذا الاقتراح إلى الجهات المختصة.

ثم قام مشروع توسعة المسجد الحرام بعد ذلك أي في سنة (1375) هجرية إلى وقتنا هذا و قد أوشك على الانتهاء، و الآن و ما زال المشروع قائما عزمت حكومتنا السعودية على كشف مقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام و رفع الستارة و التابوت الخشبي أي الصندوق من فوق، و إزالة المقصورة الحديدية عنه توسعة للمطاف لراحة الطائفين، و وضع غطاء زجاجي عليه، ليظهر هذا المقام الشريف الكريم لكافة الناس مدى الأيام و الأعوام.

و بالفعل فقد نجح اقتراحنا و للّه الحمد، و ذلك بعد تسعة عشر عاما من طبع كتابنا المذكور، فلكل أجل كتاب، و لكل شي‏ء وقت معلوم، لقد بقي هذا المقام الكريم بجوار الكعبة المعظمة منذ آلاف السنين معجزة ظاهرة خالدة، و كرامة و ذكرى لخليل اللّه تعالى سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و زيادة في تكريمه و تشريفه أمرنا اللّه تبارك و تعالى أن نصلي عند مقامه الشريف، كما جاء ذلك صريحا في سورة البقرة في قوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ و هو واقع أمام باب الكعبة المعظمة، فالناس يصلون عنده منذ نزول هذه الآية الكريمة إلى قيام الساعة فما أعظم هذه المنقبة و ما أعظم هذه الذكرى لخليل اللّه تعالى (صلى الله عليه و سلم)، و إذا تأملت في قوله تعالى في سورة آل عمران: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ظهر لك فضل البيت الحرام و مقام إبراهيم (عليه السلام)، فما أكرم خليل اللّه تعالى على ربه عز و جل.

إذا تأملت في هاتين الآيتين الكريمتين تسبح في آفاق بعيدة من ملكوت اللّه تعالى، و يظهر لك كثير من دقائق الأمور الخافية على غيرك.

368

فلقد أحسنت حكومتنا السعودية في كشف هذا المقام الكريم، و وضع غطاء زجاجي عليه، مع المحافظة على محله الأصلي و عدم زحزحته عنه، ليظهر للعالم الإسلامي حقيقة هذا المقام الكريم، فإن العوام يظنون هذا المقام عبارة عن موضع قبر خليل اللّه إبراهيم عليه أفضل الصلاة و السلام و التسليم، و بعضهم يظن أن موضع صلاته و عبادته، و ليس الأمر كذلك بل إنه عبارة عن حجر من جنس الرخام، طلع فوقه سيدنا إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليه)، ليبني عليه بيت اللّه الكريم بعد أن ارتفع جدرانه، فإنه ما كان يستطيع البناء و هو واقف على الأرض فكان هذا المقام بمثابة السلم و السقالة الخشبية التي يعملها البناؤون للوقوف عليه عند البناء، و لم يكن في وقته (صلى الله عليه و سلم) بمكة من يعرف صنع السلالم و السقالات، لقلة الناس و قرب عهدهم بالإقامة و السكنى بها، و المعيشة البدائية و عدم معرفتهم لأمور الحضارة و المدنية. فكان هذا المقام الكريم إذا صعد عليه سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و التسليم للبناء، ينتقل به بأمر اللّه تعالى يمينا و شمالا، و يرتفع به إلى الأعلى و ينزل به إلى الأرض حسب طلبه و رغبته. فلما أكمل (صلى الله عليه و سلم) بناء الكعبة المعظمة، أمر اللّه تعالى أن يؤذن في الناس بالحج، فقام (صلى الله عليه و سلم) مرة أخرى على هذا المقام الكريم فأذن في الناس بالحج، أي نادي في الناس بالحج إلى هذا البيت الحرام، كما جاء ذلك صريحا في قوله تعالى في أوائل سورة الحج: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لما أمره اللّه تعالى بالأذان قال عليه الصلاة و السلام: يا رب كيف أبلغ الناس و صوتي لا ينفذهم، فقال له جل جلاله: ناد و علينا البلاغ، فقام على حجر المقام فقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فبلغ صوته أرجاء الأرض و أسمع من في الأرحام و الأصلاب، و أجابه كل من كتب اللّه تعالى له أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك." و اللّه على كل شي‏ء قدير" فمعجزات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام كثيرة لا تعد و لا تحصى، و إلى بناء البيت الحرام و الأذان على المقام، أشار صاحب عمود النسب (رحمه اللّه تعالى) بقوله:

و كلما طال البناء ارتفعا* * * به المقام في الهوا و رفعا

به القواعد و فيه القدم‏* * * تشبهها للهاشمي قدم‏

و حين بالحج الخليل أذّنا* * * و في كلا أذنيه إصبعا ثنى‏

أيضا كأطوال الجبال ارتفعا* * * به و كل من يحج أسمعا

369

فلما قام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام على حجر مقامه غاصت قدماه الشريفتان فيه غوصا عميقا بمقدار نصف ارتفاع الحجر تقريبا، ليبقى هذا الأثر المبارك الشريف إلى قيام الساعة، و لقد حافظ سيدنا إبراهيم الخليل (صلوات اللّه و سلامه عليه) على حجر المقام بعد انتهائه من بيت اللّه الحرام و أذانه في الناس بالحج، فوضعه في أشرف مكان و أكثره أمنا، وضعه عند بيت اللّه الحرام الذي لا تمتد إليه يد بسوء، فكان في داخل الكعبة المعظمة، و أحيانا كانت قريش تضعه بجوارها ملاصقا لها، آلاف السنين حتى جاء الإسلام فلما أمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بالصلاة عنده، أخروه إلى منتهى المطاف من جهة باب الكعبة، حتى يتمكن المصلون عنده من الصلاة بدون تشويش و يتمكن الطائفون أيضا من الطواف بدون التعثر بالمصلين، فرضي اللّه تعالى عمن كان السبب في تأخيره إلى محله اليوم، فلو بقي المقام بجوار الكعبة إلى اليوم فكيف كانت حالة الطائفين و المصلين عنده، و نحن نرى هذا الازدحام العظيم في المطاف في مواسم الحج في زماننا هذا.

و اعلم أن قدمي خليل اللّه إبراهيم تشبهان تماما قدمي نبينا" محمد" صلوات اللّه تعالى و سلامه عليهما و على جميع الأنبياء و المرسلين و آل كل واحد منهم و صحابتهم أجمعين، كما أثبته العلماء الأعلام، و كما تقدم هنا من قول القائل:

به القواعد و فيه القدم‏* * * تشبهها للهاشمي قدم‏

أما ما يرى من توسع فتحتي القدمين في حجر المقام الكريم، فقد حصل ذلك من كثرة مسح الناس له بأيديهم للتبرك منذ آلاف السنين. و قد كانت آثار أصابع قدمي الخليل عليه الصلاة و السلام ظاهرة واضحة على المقام الكريم حتى بعد ظهور الإسلام، فقد جاء في موطأ ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم و أخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم. اه. و لقد أشار أبو طالب عم نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) إلى هذا المقام و الحجر الأسود الشريفين، في قصيدته اللامية المشهورة التي أولها:

و لما رأيت القوم لا ودّ عندهم‏* * * و قد قطعوا كل العرى و الوصائل‏

قال هذه القصيدة حين تحالفت قريش على بني هاشم في أمر النبي (صلى الله عليه و سلم)، و أشار أبو طالب إلى الحجر الأسود و المقام في قصيدته المذكورة بقوله:

و بالحجر المسود إذ يمسحونه‏* * * إذا اكتنفوه بالضحى و الأصائل‏

370

و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة* * * على قدميه حافيا غير ناعل‏

و اعلم أن سيدنا إبراهيم خليل اللّه تعالى باني البيت الحرام، لم يكن عند بنائه الكعبة المعظمة و قيامه على هذا المقام، يلبس في رجليه نعلا، لأنه في أقدس بقعه مباركة و أطهر مكان، إذ كانت أرض مكة و ما حولها من حدود الحرم و ما بعدها أيضا، طاهرة نظيفة تغسلها الأمطار من الغبار و أوراق الأشجار البرية، فلم يكن بمكة في أيامه (صلى الله عليه و سلم) تلك الأيام الغابرة أناس، إلا نحو ثلاثين بيتا متباعدة في الجبال و المغارات حول الكعبة المشرفة، و لم تكن لديهم من الحيوانات إلا القليل من الغنم لا تتجاوز الخمسين رأسا، و كلها كانت لقبيلة جرهم، فكيف تتنجس الأرض فلا روث و لا نجاسة. ثم بعد سنوات من إقامة سيدنا إسماعيل بن خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة و السلام ازداد سكان مكة بلد اللّه الأمين، شيئا فشيئا بالتدريج، من بلاد اليمن أولا لقربها من مكة، ثم من غيرها من جميع أطراف الأرض بمرور الأيام و الأعوام خصوصا بعد انتشار الإسلام، حتى امتلأت مكة المكرمة شرفها اللّه تعالى في عصرنا هذا من جميع الأجناس، و نحن بيننا و بين زمان سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام أكثر من أربعة آلاف سنة.

و الذي يدلنا أن سيدنا إبراهيم عليه أفضل الصلاة و التسليم، كان عند بنائه للبيت الحرام حافيا لا يلبس نعلا، هو وجود آثار أصابعه (صلى الله عليه و سلم) و أخمص قدميه في حجر مقامه الكريم، و قد كانت ظاهرة واضحة فيه إلى ما بعد ظهور الإسلام، كما يدل عليه الرواية المتقدمة عن أنس رضي اللّه تعالى عنه، و كما يدل عليه أيضا قول أبي طالب في قصيدته اللامية و قد تقدم ذكره و هو:

و موطئ إبراهيم في الصخرة رطبة* * * على قدميه حافيا غير ناعل‏

فقوله:" حافيا غير ناعل" صريح بذلك من غير شك، و أبو طالب هو عم نبينا" محمد" (صلى الله عليه و سلم) و هو من سادات العرب و وجهاء مكة، بيننا و بينه اليوم ألفان من الأعوام، و بينه و بين سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام مثل ذلك بل أكثر.

و اعلم أيضا أن الحجر الأسود و المقام هما ياقوتتان من يواقيت الجنة، أنزلهما اللّه تعالى إلى الأرض تكرمة لبيته الحرام، و لخليله (عليه السلام)، و لعباده المؤمنين الكرام، بعد أن أخفى سرهما و نورهما عن الناس، و لو لا ذلك لملآ الدنيا نورا و بهاء، و لما تمكن الناس من النظر إليهما تماما لشدة صفاء نورهما و لقوة و هج إشعاعهما، فسبحان الذي جعل لبعض الأشياء فضلا و كرامة. و يفهم هذا جليا

371

من معنى قوله (صلى الله عليه و سلم):" لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرفت إلى الأرض لملأت الأرض من ريح المسك و لأذهبت ضوء الشمس و القمر" رواه الطبراني، هذا ما نعتقده و اللّه سبحانه و تعالى أعلم، فقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" إن الركن و المقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس اللّه تعالى نورهما و لو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق و المغرب" رواه الترمذي و أحمد و الحاكم و ابن حبان رحمهم اللّه تعالى.

و إليك البيان بالتفصيل عن إزالة المقصورة الحديدية القديمة لمقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و رفع الستارة و الصندوق الخشبي من فوقه، و وضع الزجاج القوي عليه، مع شباك حديدي جديد، أي مقصورة حديدية جديدة بدلا عن الأولى:

و لقد أنيط هذا العمل بمكتب مشروع توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة برئاسة سعادة الشيخ محمد صالح القزاز، فابتدؤوا في العمل من صباح يوم السبت الموافق الحادي عشر من شهر رجب سنة (1387) ألف و ثلاثمائة و سبع و ثمانين هجرية، فأحاطوا مقصورة المقام الكريم بالأخشاب من جميع الجهات الأربعة و جعلوا فيها بابا للدخول و الخروج، و هذه الإحاطة بالأخشاب تمكن العمال من الاشتغال في المقام بدون تشويش من الناس الذين يجتمعون عنده، فلا يدخل عليهم من باب الأخشاب إلا العمال و الخدم، و بعض الأشخاص من الموظفين الكبار، و الفضلاء من العلماء و الوجهاء، و لقد دخلناه مع الداخلين و للّه الحمد، لنكتب عنه هذا المبحث الفريد في كتابنا هذا الذي يطبع الآن في بيروت، و في كتابنا الآخر أيضا المطبوع بمصر و هو كتاب" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام" عند إعادة طبعه قريبا للمرة الثانية إن شاء اللّه تعالى، و هذه هي المرة الثانية في حياتنا ندخل هذا المقام الكريم، و أما المرة الأولى فقد دخلناه منذ عشرين عاما أي في سنة (1367) ألف و ثلاثمائة و سبع و ستين هجرية، و ذلك بأمر ملكي عندما بدأنا في تأليف كتابنا" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام" فالحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه و سلم على جميع الأنبياء و المرسلين.

و بمناسبة إحاطة المقام الكريم بالأخشاب نقول: إن سيدنا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما هو أول من أحاط الكعبة المعظمة بالأخشاب عند بنائه لها، و ذلك سنة (64) أربع و ستين من الهجرة، حرمة للكعبة المعظمة أولا، و ليتمكن‏

372

العمال من الاشتغال في البناء براحة تامة بدون تشويش عليهم من الناس المجتمعين، فصار الناس يتبعون سنته في البنايات المحترمة المهمة إلى يومنا هذا، فنعمت البدعة هذه البدعة الحسنة، و رضي اللّه تعالى عن صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليهم أجمعين.

ثم إنه في اليوم المذكور و هو يوم السبت 11 رجب من السنة المذكورة أزالوا باب بني شيبة و هو العقد القائم خلف مقام إبراهيم عليه أفضل الصلاة و التسليم، و بجوار بئر زمزم و المنبر، و هو الذي كان يسمى قديما منذ صدر الإسلام بباب السلام، و الذي يسن الدخول منه إلى المسجد الحرام، فقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يدخل منه إلى المسجد الحرام و يخرج منه أيضا، و قد كان باب بني شيبة حد المسجد الحرام من الجهات الثلاثة، في زمن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و زمن أبي بكر رضي اللّه عنه، و ما وراء ذلك هو من زيادات الخلفاء أمراء المؤمنين، رضي اللّه تعالى عنهم، و سمي هذا الباب بباب بني شيبة لوقوع دورهم في مواجهته، و كذلك دخول و خروج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منه إلى المسجد الحرام لوقوع داره في جهته أيضا، فمحل باب بني شيبة الذي أزيل اليوم هو حد المسجد الحرام و حد المطاف القديم أيضا، و مرادنا بالقديم هو الذي حصل فيه الزيادة اليوم في زماننا لأن المسجد الحرام كان هو المطاف القديم سواء بسواء، فلما زاد الخلفاء في المسجد الحرام عملوا حدا للمطاف القديم، و في زماننا هذا زادوا في المطاف القديم و وسعوه لكثرة الناس. بينا ذلك بالتفصيل التام في هذا الكتاب، و لقد تكلمنا عن باب بني شيبة في غير هذا المحل من هذا الكتاب (و بعد إزالة باب بني شيبة وضع مكانه رخام أسود إشارة إلى محله).

ثم إنه في يوم الأحد 12 رجب سنة 1387 هجرية قاموا بإزالة المقصورة الحديدية المحيطة بالمقام الكريم على صاحبها أفضل الصلاة و التسليم، و هذه المقصورة القديمة أي نفس الشباك الحديدي طولها ثلاثة أمتار و عرضها مثل ذلك، و ارتفاعها مثل ذلك، و مساحة المصلّى الذي يلي المقصورة مثل ذلك أيضا أي ثلاثة أمتار.

ثم في يوم الاثنين 13 رجب من السنة المذكورة قاموا برفع ما بقي من الأنقاض و الأحجار و الأتربة حتى بلغوا الأساس القديم، و لقد وجدوا أن المقام الشريف مركب على قاعدة من الحجر المربع طوله خمسون سنتيمترا و عرضه مثل‏

373

ذلك، قد جس هذا الحجر بأربعة أسافين من الحجارة الضخمة، تثبيتا له حتى لا يتزحزح عن مكانه، فلم يمس العمال هذا الحجر بسوء بل لم يزل في مكانه و هذا الحجر ينزل عن سطح أرض المطاف بنصف متر، و يظن الذي رأى هذا الحجر أنه من وضع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه و اللّه تعالى أعلم.

فقولنا:" حتى بلغوا الأساس القديم" أي: بلغوا جوانب الأساس من غير أن يمسوا نفس الأساس، و من غير أن يحركوا نفس حجر المقام الكريم، فكل شي‏ء قديم بقي على ما هو عليه.

و لقد وجدوا في هذا المحل قطعة من خشب الساج القوي طولها 27 سنتيمترا و عرضها 16 سنتيمترا و سمكها، أي غلظها اثنين من السنتيمترات مكتوب فيها حفرا بالحديد ما يأتي:

" سلطان عبد العزيز خان حضرتلري زمان سلطنلري إمارة مكة مكرمة الشريف عبد اللّه باشا حضرتلري، حقي باشا زاده أحمد عزت باشا حضرتلري.

جدد ... مهندس عبد العزيز نظارت معماري محمد صديق كابلي معرفتلر خليل إبراهيم ... معلمي رصاص مصري محمد بن إبراهيم سنة 1281 ه صفر".

انتهى ما كان مكتوبا على القطعة الخشبية، و هذا النوع من الخشب يقال له" الساج" و هو نوع لا يوجد أقوى منه من الأخشاب، فلا يدخل فيه السوس و لا يأكله التراب، فإذا نظرنا إلى تاريخ وضع هذه القطعة الخشبية في المقام الكريم و هو سنة (1281 ه) و إلى هذه السنة التي وقع فيها إصلاح المقام الكريم، و هي سنة (1387 ه) رأينا أنه قد مر على هذه القطعة الخشبية أكثر من مائة عام، و هي سليمة سالمة من السوس و التآكل كما رأيناها بأنفسنا.

و الكلمات التي لم نتمكن من قراءتها في هذه القطعة الخشبية وضعنا بدلا عنها بعض النقط كما تراها هنا، لأن هذه الكتابة مكتوبة باللغة التركية و بحروف عربية، بخلاف اللغة التركية في عصرنا اليوم فإنهم يكتبونها بالحروف اللاتينية، فلقد استبدلت الأتراك الحروف العربية بالحروف اللاتينية بعد الحرب الأولى، أي:

من سنة (1341) ألف و ثلاثمائة و إحدى و أربعين هجرية تقريبا، أي بعد سقوط الخلافة الإسلامية من أيديهم.

(و اعلم) أن القطعة الخشبية من الساج التي وجدت في داخل المقام الكريم، لم توضع هناك منذ يوم وضع المقصورة الحديدية القديمة فوق المقام الشريف، و إنما

374

وضعت فيه في زمن حكم السلطان عبد العزيز خان من آل عثمان الأتراك سنة (1281) هجرية كما هو مذكور صريحا في القطعة الخشبية، فالسلطان عبد العزيز خان (رحمه اللّه تعالى) و أحسن إليه، أمر في هذه السنة المذكورة بتطويق الحجر الأسود بالفضة، كما أمر بترميم المسجد الحرام، و أمر أيضا بزيادة رفع قبة مقصورة المقام الكريم، فرفعوها نحو ذراع و نصف، حتى لا تمس الرفارف التي حول المقصورة من الأعلى رؤوس الناس فأراد القائم على هذه الأعمال في المسجد الحرام تسجيل هذا العمل للسلطان المذكور، فوضع القطعة الخشبية المذكورة بعد أن كتب عليها التاريخ مع الجملة المذكورة، في أشرف مكان و آمنه و هو داخل مقام سيدنا إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة و السلام. و اللّه تعالى أعلم، فرحم اللّه تعالى المتقدمين منا و رحمنا إذا عدنا إليهم بفضله و كرمه آمين.

ثم في يوم الثلاثاء 14 رجب من السنة المذكورة رفعوا الغطاء الداخلي الذي كان موضوعا فوق المقام الشريف، و هو صندوق خشبي عليه ستارة من الحرير المكتوب، ثم عملوا حول المقام الكريم من الأرض إلى أعلاه، قاعدة من الرخام تحيط به، و هي على شكل سداسي تقريبا، طوله مائة و ستون سنتيمترا، و عرضه مائه و عشرة سنتيمترا، و ارتفاعه خمسة و سبعون سنتيمترا، و الصندوق المذكور كله ملبس بالفضة، و قد كتب عليها بعض آيات قرآنية، و نحن ذكرناها بالتفصيل في كتابنا المطبوع بمصر و هو كتاب" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام" و فيه بيانات كثيرة عن هذا المقام الكريم فليرجع إليه من شاء.

ثم في يوم الأربعاء 15 رجب من السنة المذكورة، صار يشتغل العمال بتكميل تركيب القاعدة الرخامية الجديدة المذكورة، و الرخام لونه أسود مأخوذ من جبال تبعد عن مكة المشرفة بنحو مائة كيلومتر.

ثم في يوم الخميس 16 رجب من السنة المذكورة وضعوا قاعدة نحاسية مدورة مثقوبة من وسطها زنتها ستمائة كيلو، و الثقب على قدر ما يظهر المقام الكريم فقط، و قطر الثقب أربعون سنتيمترا، و فوق القاعدة النحاسية وضعوا الغطاء الزجاجي على نفس المقام الكريم، ثم ركبوا عليه المقصورة الحديدية الجديدة و هي الشبابيك، و هي أصغر حجما من المقصورة القديمة الأولى، فطولها متر واحد و ستون سنتيمترا، و عرضها متر واحد و عشرة سنتيمترات، و ارتفاعها إلى هلالها ثلاثة أمتار، أي أن حجم المقصورة الجديدة أصغر من المقصورة القديمة

375

لتوسعة المطاف، و قد اشتغلوا يوم الخميس إلى منتصف ليلة الجمعة في العمل في الإصلاح و تثبيت المقصورة في الأرض.

ثم في يوم الجمعة 17 رجب من السنة المذكورة، عملوا في تنظيف ما حول المقام الكريم مما بقي من آثار العمل و الشغل، حتى صار المكان في نظافة تامة ليس فيه أثر للأتربة و الغبار، و الحمد للّه رب العالمين.

ثم في يوم السبت 18 رجب من السنة المذكورة، رفعوا الأخشاب التي أحاطوا بها مقصورة المقام الكريم في ابتداء العمل، ثم بعد عصر هذا اليوم المذكور صار الاحتفال برفع الستارة عن مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و ذلك بحضور جلالة الملك المعظم فيصل بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، و بحضور السادة الأمراء و العلماء و الوزراء، و أعضاء المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، و أعيان البلاد و فضلائها و جمع غفير من الناس. ثم قبل غروب الشمس من اليوم المذكور بنحو ساعة، حضر إلى المسجد الحرام جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود سعود فطاف بالبيت الحرام ثم قصد المقام فصلى عنده ركعتي الطواف، ثم قام يكشف الستارة عن غطاء هذا المقام الكريم إيذانا بانتهاء العمل فيه، و ترك الناس يوالون الصلاة عند هذا المقام الكريم كما كانوا، عملا بقوله تعالى: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏ ثم أعطى جلالته مفتاح المقصورة الجديدة لآل الشيبي سدنة الكعبة المعظمة و قد عملوا للمقصورة الجديدة قفلا جديدا، فالحمد للّه الذي أرانا هذه التجديدات و التوسيعات العظيمة في المسجد الحرام و في البلد الحرام، و وفقنا لتأليف أعظم تاريخ لمكة المكرمة و أصح تاريخ لمقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، و الكتابان مطبوعان بفضله و رحمته و إحسانه و منته.

انظر: صورة رقم 92، الكعبة المعظمة

انظر: صورة رقم 93، المقصورة الجديدة لمقام إبراهيم (عليه السلام)

انظر: صورة رقم 94، المقصورة الحديدية الجديدة لمقام إبراهيم (عليه السلام)

و إليك بعض البيانات أيضا عن تجديد مقصورة المقام الكريم و الغطاء الزجاجي بالتفصيل:

لقد قام مشروع توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة، بعمل الغطاء الزجاجي لمقام سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام، في فرنسا في مصنع خاص هناك لعمل‏

376

الكريستال" أي لصنع البللور" فصنعوا هذا الغطاء بصفة خاصة تناسب لهذا المقام الشريف، و قد استغرق صنع هذا الغطاء ستة آلاف ساعة، و إليك وصف هذا الغطاء:

(1) شكله كالقبة نصف كرة، في أعلاها في الوسط حلية جميلة كالسدادة من نفس البللور.

(2) وزنه ألف و سبعمائة و خمسون كيلو جراما.

(3) و ارتفاعه متر واحد و ثلاثون سنتيمترا.

(4) و سمكه و غلظه عشرون سنتيمترا من كل الجهات.

(5) و قطره من أسفله من الداخل أربعون سنتيمترا.

(6) و قطره من أسفله من الخارج ثمانون سنتيمترا.

(7) محيط دائرته من أسفله متران و واحد و خمسون سنتيمترا.

(8) و القاعدة النحاسية التي فوقها الغطاء البللوري زنتها ستمائة كيلو جراما.

(9) و لهذا الغطاء الزجاجي البللوري قاعدة نحاسية خاصة مخروقة من الوسط، موضوعة على القاعدة الرخامية السوداء للمقام الكريم، ثم وضع هذا الغطاء البللوري فوق القاعدة النحاسية زيادة في تثبيته و تقويته، فصار المقام الكريم له منظر جميل و هو يرى بوضوح من الغطاء البللوري.

إننا أخذنا جميع هذه المعلومات مع الشكر من سعادة الشيخ صالح باخطمة مساعد المدير العام لمكتب مشروع توسعة المسجد الحرام، كلل اللّه تعالى أعمالنا و أعمالهم بالنجاح و التوفيق التام بفضله و إحسانه آمين، و الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه و سلم على سيدنا" محمد" و على آله و أصحابه أجمعين.

(و لنختم) هذا المبحث الفريد بما يأتي:

إن أهل مكة الكرام يحق لهم أن يحتفلوا اليوم بتجديد مقصورة مقام سيدنا خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة و السلام، يحق لهم أن يحترموا و يعظموا هذا المقام الكريم، و أن يفتخروا ببقاء هذا الأثر العظيم الخالد في بلدهم المقدس منذ آلاف السنين.

إن إبراهيم (صلوات اللّه و سلامه عليه)، هو الذي بنى في بلدهم الأمين بيت اللّه الحرام، و هو الذي اكتشف بلدهم" مكة" و أسكن فيها من ذريته ابنه إسماعيل و أمه هاجر عليهما الصلاة و السلام، و لأجلهما نبع ماء زمزم في بلدتهم و ما يزال‏

377

موجودا عندهم إلى قيام الساعة، فكأن سيدنا إسماعيل عليه الصلاة و السلام أب العرب قاطبة.

فلما بنى سيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام الكعبة المعظمة، قام فوقف على مقامه المذكور فارتفع به في الهواء، فصار يؤذن في الناس بالحج، فصار الناس من تلك العصور البعيدة يقصدون من كل فج عميق بلدتهم الطاهرة" مكة" للحج و العمرة، في أيام معلومات في مواسم الحج من كل عام، و أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام حرم مكة في حدودها المعروف إلى اليوم، و صيرها بلدا آمنا، و هو الذي دعا بالخير و الرزق و البركة كما جاء ذلك صريحا في الكتاب و السنة. فقد قال اللّه تعالى في محكم كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، في سورة البقرة: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ* وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏.

و قال عز و جل في سورة إبراهيم: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ‏.

إلى غير ذلك مما لو ذكرناه لطال بنا المقام، فأنت إذا تأملت هذه الآيات المباركة علمت أن اللّه تعالى لم يعامل كفار أهل مكة كمعاملته لكفار غيرهم في دار الدنيا، بل إنه عز و جل بمحض فضله و رحمته يمتعهم في الدنيا ثم يعذبهم بما يستحقون في الآخرة، كما هو مبرع قوله تعالى هنا في هذه الآيات: قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ.

هكذا ميّز اللّه تبارك و تعالى أهل بيته الحرام و أهل بلده الأمين" مكة المكرمة" عن جميع الأجناس، أفلا يحق لهم أن يحتفلوا بآثار الأنبياء عليهم الصلاة و السلام‏

378

التي لديهم في بلدتهم المقدسة، و أن يفتخروا بتواضع بهذه الأمور التي شرفهم اللّه تعالى بها، و أن يكونوا سادة الناس و أفضل الأجناس؟ بلى و اللّه إنه ليحق لهم كل ذلك رغم أنف الحسدة، الذين ينكرون الحق و لا يقرون بالفضل لغيرهم. نسأل اللّه تبارك و تعالى لهم و لكافة المسلمين القبول و التوفيق و الرحمة و الإحسان، إنه تعالى واسع الفضل و عميم الإحسان، و أن يجعل مكة و المدينة و سائر بلاد المسلمين، في أمن و أمان و خير و رخاء، و أن يعاملنا بما هو أهله لا بما نحن أهله، إنه سبحانه و تعالى مجيب الدعاء آمين.

ثم بعد كتابة ما تقدم شرح اللّه تعالى صدرنا لعمل منظومة مختصرة في تجديد مقصورة المقام الكريم، و إليك هذه الأرجوزة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه كثير الحمد* * * و الشكر للّه بغير عدّ

ثم الصلاة و السلام السرمدي‏* * * على نبينا الحبيب" أحمد"

خير البرية نبي الرحمه‏* * * و خير شافع لهذي الأمّه‏

و آله و صحبه الكرام‏* * * قادتنا في حالك الظلام‏

(و بعد) هذه نبذة منظومه‏* * * لطيفة رائعة مفهومه‏

تبحث عن تجديد شباك المقام‏* * * أعني مقام من له خير مقام‏

و هو خليل اللّه إبراهيم‏* * * صلى عليه ربنا الكريم‏

مقامه هذا أمام الكعبة* * * إذ كان حقا بانيا للكعبة

هذا المقام في الكتاب ذكرا* * * و منذ أعصر تراه سترا

قد وضعوه داخل الصندوق‏* * * و فوقه الشباك بالتحقيق‏

فلا يرى المقام في المقصوره‏* * * لأنه كالطّرفة المحصوره‏

مرت عليه حقب من الزمن‏* * * و هو بداخل الستور قد سكن‏

لا يعرف الناس عن المقام‏* * * غير قليل من ذوي الأفهام‏

ثم بدا للملك السعودي‏* * *" الفيصل" المحنّك المجدود

أن يكشف المقام للأنام‏* * * ليعرفوا حقيقة المقام‏

فأصدر الأمر و بذل العطا* * * ليعملوا من الزجاج كالغطا

379

يوضع فوق حجر المقام‏* * * و فوق الشباك بانتظام‏

يظهر للناس و يبقى سالما* * * لا تصل الأيدي إليه دائما

و حضر المليك يوم السبت‏* * * و إنه شهم كبير البخت‏

للمسجد الحرام في الأصيل‏* * * ثامن عشر رجب الجزيل‏

من عام سبع و ثمانين يلي‏* * * ألف و ثلثمائة مكمل‏

و شاهد المقصورة الجديده‏* * * موضوعة محكمة سديده‏

فوق المقام للمقام منظر* * * له جمال الشكل و هو بهر

فحمد الناس له هذا العمل‏* * * و اللّه لا يضيع للعبد العمل‏

قد حفل الناس بهذا اليوم‏* * * فيا له من مشهد و يوم‏

فالحمد للّه على التمام‏* * * و الشكر للتوفيق و الإنعام‏

هذي خلاصة عن المقام‏* * * و قد ذكرنا وافر الكلام‏

نثرا قبيل هذه المنظومه‏* * * بكلمات دائما مفهومه‏

ثم الصلاة و السلام العاطر* * * على النبي و هو حقا طاهر

و آله و صحبه الأبرار* * * و التابعين منهج الأخيار

و كل من مشى على آثارهم‏* * * و إنني أمشي على أقدامهم‏

يا رب و اختم لي بخير العمل‏* * * عند الممات و بخير الأمل‏

و آخر الدعا لنا يا ربنا* * * الحمد للّه فقد زال العنا

المصلى الجديد بالمسجد الحرام‏

لقد ذكرنا في هذا الكتاب إزالة المقامات الأربعة التي كانت للشافعية و الحنفية و المالكية و الحنابلة، و كل مقام عبارة عن مصلى، أزيلت و انتهى الأمر. ثم إنه في سنة (1386) ألف و ثلاثمائة و ست و ثمانين هجرية، بنت الحكومة السعودية مصلى واحدة فقط في المسجد الحرام، بجوار بئر زمزم و المنبر و بقرب المقام، ليصلي تحتها بعض الناس في وقت الظهيرة، فطول هذه المصلى ستة أمتار و نصف متر، و عرضها ثلاثة أمتار و 65 سنتيمترا، و ارتفاعها ثلاثة أمتار و عشرة سنتيمترات، و هي تحتوي على اثني عشر من الأعمدة.

380

فحبذا لو بني في كل جهة من جهات المسجد الحرام مصلى مثل هذه المصلى، ليصلي الناس تحتها اتقاء لحرارة الشمس.

قدم أبينا آدم (عليه السلام)

و بمناسبة الكلام على حجر مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام الذي غاصت فيه قدماه، نقول: ذكر ابن بطوطة في رحلته التي كانت سنة (725) خمس و عشرين و سبعمائة من الهجرة أنه يوجد في أعلى جبل سرنديب بالهند قدم أبينا آدم عليه الصلاة و السلام فقد قال فيها ما نصه: و بمغارة الخضر يترك الزوار ما عندهم و يصعدون منها ميلين إلى أعلا الجبل حيث القدم، و أثر القدم الكريمة قدم أبينا آدم (صلى الله عليه و سلم) في صخرة سوداء مرتفعة بموضع فسيح و قد غاصت القدم الكريمة في الصخرة حتى عاد موضعها منخفضا و طولها أحد عشر شبرا، و أتى إليها أهل الصين قديما فقطعوا من الصخرة موضع الإبهام و ما يليه و جعلوه في كنيسة بمدينة الزيتون و يقصدونها من أقصى البلاد، و في الصخرة حيث القدم تسع حفر منحوتة يجعل الزوار من الكفار فيها الذهب و اليواقيت و الجواهر فترى الفقراء إذا وصلوا مغارة الخضر يتسابقون منها لأخذ ما بالحفر و لم نجد نحن بها إلا يسير حجيرات و ذهب أعطيناها الدليل، و العادة أن يقيم الزوار بمغارة الخضر ثلاثة أيام يأتون فيها إلى القدم غدوة و عشيا و كذلك فعلنا. انتهى كلام ابن بطوطة.

نقول: إن ما ذكره ابن بطوطة في رحلته من أن طول قدم أبينا آدم عليه الصلاة و السلام أحد عشر شبرا هو معقول ليست فيه مبالغة، فقد روى الشيخان و الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) قال:" خلق اللّه آدم على صورته و طوله ستون ذراعا ثم قال: اذهب فسلم على أولئك النفر و هم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك و تحية ذريتك فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك و رحمة اللّه فزادوه و رحمة اللّه فكل من يدخل الجنة على صورة آدم في طول ستين ذراعا فلم تزل الخلق تنقص بعده حتى الآن".

فإذا قارنا طول قامة آدم عليه الصلاة و السلام و هو ستون ذراعا كما في هذا الحديث الصحيح مع طول قدمه و هو أحد عشر شبرا نجد بينهما نسبة معقولة و تناسبا مقبولا. و اللّه تعالى أعلم بالغيب.

381

و نقول أيضا: إننا لا نجزم بصحة غوص قدم أبينا آدم عليه الصلاة و السلام في الصخرة إلا إذا كان هناك نص صريح به و لا ننفيه أيضا فإن ذلك من الجائز. و أما ما يشاع من أن نبينا محمدا (صلى الله عليه و سلم) إذا مشى غاصت قدماه في الصخرة فليس له أصل، فقد قال العزيزي في شرحه على الجامع الصغير في الجزء الثالث عند حديث:" كان (صلى الله عليه و سلم) أحسن الناس صفة و أجملها ... الخ" ما نصه: قال العلقمي:

تنبيه، قال صاحبنا العلامة محمد بن يوسف الدمشقي: ذكر كثير من المدّاح أن النبي (صلى الله عليه و سلم) كان إذا مشى على الصخر غاصت قدماه فيه، و لا وجود لذلك في كتب الحديث البتة. انتهى منه، جاء في كتاب" تاريخ المساجد الأثرية" للأستاذ حسن عبد الوهاب بصحيفة" 256" من الجزء الأول عند الكلام على مدرسة قايتباي بالقرافة الشرقية ما نصه: و يجاور قبر قايتباي قبة صغيرة نحاسية مذهبة تحتها حجر أسود به أثر قدمين يقال أنهما للنبي (صلى الله عليه و سلم)، كما يوجد بجوار القبر الآخر قبة أخرى خشبية على شكل مسلة بها حجر عليه أثر قدم يقال أنه قدم الخليل إبراهيم (عليه السلام). و كلاهما غير صحيح، لأنه يوجد بمصر أقدام أخرى متفاوتة المقاس، كما توجد أقدام منها في القدس و الطائف و القسطنطينية. و كذلك في الأقطار الإسلامية أقدام منسوبة إلى آدم بالهند، و الخليل بالحرم المكي، و موسى بظاهر دمشق، و عيسى ببيت المقدس.

و قد نص جماعة من حفاظ المحدثين على ما استفاض و اشتهر خصوصا على ألسنة الشعراء و المداح من أن قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) غاصت في الحجر لا أصل له، كما أن للإمام السيوطي إجابة على سؤال رفع إليه عن هذه الأقدام بأنه لم يقف في ذلك على أصل و لا سند و لا رأى من خرجه في شي‏ء من كتب الحديث، كما أنكره كثير من العلماء و أثبته بعضهم، و قيل عن هذه الأحجار: إن السلطان قايتباي اشتراها و أوصى بجعلها عند قبره. انتهى من الكتاب المذكور.

و حيث لم يثبت غوص قدم النبي (صلى الله عليه و سلم) لم يثبت أيضا ما يقال إنه بلحف مسجد الخيف بمنى في غار المرسلات حجر به أثر رأس النبي (صلى الله عليه و سلم)، كما في صحيفة 366 من تاريخ القطبي و لم يثبت أيضا ما يقال أنه بقرب دار أبي بكر أو دكانه بمكة حجر مبني في الجدار في وسطه حفرة مثل محل المرفق يزعمون أن النبي (صلى الله عليه و سلم) اتكأ عليه فغاص مرفقه الشريف في ذلك الحجر كما في صحيفة (361) من التاريخ المذكور على أن غوص أقدام الأنبياء عليهم الصلاة و السلام من أهون معجزاتهم‏

382

و أسهلها و لكن لا يمكن إثباته إلا بدليل واضح، و لم يثبت ذلك إلا لأبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، حيث غاصت قدماه عند الكعبة المعظمة إلى اليوم و الذي أمرنا اللّه تعالى بالصلاة عنده كما في صريح آية: وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى‏.

و إن شاء اللّه تعالى سيأتي الكلام عن أبينا آدم و أمنا حواء عليهما الصلاة و السلام ربما عند الكلام على مدينة جدة فراجعه إن شئت.

أقدام إدريس و عيسى عليهما الصلاة و السلام‏

يقول مؤلف" الرحلة الحجازية" فيها عند الكلام على المسجد الأقصى بصحيفة (165) ما يأتي:

و على ظهر الصخرة من جهة الشرق آثار اثني عشر قدما كان النصارى في القرون الوسطى ينسبونها إلى عيسى (عليه السلام)، فلما تغلب المسلمون على بيت المقدس قالوا إنها آثار قدمي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) حين سار عليها ليلة الإسراء، و مع ما هي عليه من عدم النظام و أنها على خط مستقيم تقريبا و هو ما لا يمكن السير عليه لفتحة ما بين الرجلين، فإنها تكاد يكون شكلها واحدا و هو ما لا ينطبق على شكل القدمين، خصوصا و أنها أصغر بكثير من الأقدام المنسوبة له (صلى الله عليه و سلم) مما ذكرناه في صحيفة (125) من هذا الكتاب. و من هذا و ذاك ترى أنها كلها موضوعة لا أثر لها من الصحة، يؤيد ذلك أنه لم يرد في ديننا الحنيف ما يشير إلى شي‏ء من ذلك بالمرة، و بجوار هذه الأقدام أثر قدم آخر ينسبونه إلى إدريس (عليه السلام)، و يوجد بجانب الصخرة من الجهة الغربية بجوار الدرابزين خزانة من الفضة فيها قطعة من الحجر عليها أثر قدم ينسبونه أيضا إلى نبينا (صلوات اللّه و سلامه عليه) و فيها أيضا بعض شعرات من لحيته الشريفة. انتهى من الكتاب المذكور.

و إليك ما ذكره مؤلف الكتاب المذكور بصحيفة (125) التي أشار إليها فإنه قال فيها: و يزعم النصارى أنه" أي القدم الذي بقبة الصعود بجبل الزيتون بالقدس الشريف" لعيسى (عليه السلام) و هم يقدسونه و يحترمونه، و من ذاك أتى احترام المسلمين لآثار تلك الأقدام التي ينسبونها إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، كما نراه في قبة السيد البدوي بطنطا، و في جامع المؤيد و مسجد قايتباي بالقاهرة، و في قبة الآثار النبوية في الآستانة، و في خزانة الآثار النبوية بقبة الصخرة ببيت المقدس، و في مسجد

383

إبراهيم بحبرون، و على صخرة بيت المقدس آثار أقدام غير منتظمة يدعون أنها آثار أقدام الرسول (صلى الله عليه و سلم) عندما أسري، و إلى جوارها أثر قدم ينسبونه إلى سيدنا إدريس (عليه السلام)، و المسلمون هناك يقدسونها جميعا كما يقدسون أثر قدم عيسى (عليه السلام) التي تراها في محراب على يمين منبر المسجد الأقصى، و يقول النصارى: إن المسلمين فصلوها عن أختها التي في قبة الصعود و وضعوها بمكانها هذا، و يقال أن في (محطة قدم) التي في جنوب دمشق أثر أقدام غائصة في الصخرة ينسبونها إلى موسى (عليه السلام) و ذكرها ابن جبير في رحلته، و قد رأيت في الفصل الرابع و الثلاثين من كتاب محاضرة الأوائل للسكتواري أن أول موضع أهبط اللّه فيه آدم جبل سرنديب و فيه أثر قدم آدم (عليه السلام) غائص في الصخرة طوله سبعون شبرا الخ ... انتهى من الرحلة الحجازية.

تغيير سقف الكعبة و ترميمها في العهد السعودي في وقتنا الحاضر

في أول محرم الحرام سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين هجرية، حصل للسقف الأعلى لبيت اللّه الحرام خراب يحتاج إلى تغييره كله، و أن سقفه الأدنى الذي هو من الخشب فقط قد تلف من فعل الأرضة و السوس، و أن جدرانه تحتاج إلى ترميم، و كل ذلك يحتاج إلى المبادرة لإصلاحه.

فأمر الملك السابق سعود بن عبد العزيز بتشكيل هيئة علمية و هيئة فنية من المهندسين المعماريين، للنظر فيما وقع بالكعبة المطهرة، و هم: الشيخ عبد الملك بن إبراهيم رئيس هيئات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الشيخ عبد اللّه بن جابر، و السيد علوي بن عباس المالكي المدرس بالمسجد الحرام، و الشيخ محمد بن علي الحر كان، و الشيخ محمد بن لادن مدير الإنشاءات العمومية، و الشيخ محمد صالح القزاز، و المعلم الشيخ حسين عجاج، و المهندسين الفنيين طارق الشواف و طه القرملي. فقاموا بالكشف الدقيق و دخلوا الكعبة المعظمة في صباح يوم السبت السابع من شهر المحرم من السنة المذكورة، و وجدوا الأمر كما ذكر، و رفعوا قرارهم بذلك و على الإثر صدر الأمر إلى مدير الإنشاءات العمومية صاحب المعالي الشيخ محمد بن عوض بن لادن الحضرمي، بالقيام بعمارة سقفي الكعبة المشرفة و تغييرهما و تجديدهما، و بترميم ما يحتاج إلى ترميمه من الداخل‏

384

و الخارج، بحيث تكون الكعبة كأنها عادت جديدة من قوة العمارة و متانة الشغل و العمل.

خلاصة الأمر الملكي للإصلاح‏

و خلاصة الأمر الملكي الصادر في أواخر شهر المحرم سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين هجرية، القاضي بعمارة سقفي الكعبة المطهرة و ترميمها و إصلاحها هي فيما يأتي:

1) رفع السقف الأعلى للكعبة المشرفة بتاتا و تجديد عمارته.

2) تجديد السقف الأدنى لقدم أخشابه و تآكلها.

3) عمل" ميدة"، بكسر الميم، بين السقفين تحيط بجميع جدرانها.

4) ترميم الجدران الأصلية ترميما جيدا.

5) إصلاح الرخام المحيط بجدران الكعبة من باطنها.

6) ترميم و إصلاح الدرج التي في باطن الكعبة المؤدية إلى سطحها.

7) يجب مراعاة عدم بروز شي‏ء من التعمير و الإصلاح عن الكعبة المشرفة و جدرانها و أطرافها.

8) عدم تذهيب أو تفضيض أو تمويه سقف الكعبة المطهرة.

9) جميع الترميم و التعمير يكون بالمواد البلدية.

10) جميع ما يصرف على الكعبة المعظمة يكون من الكسب الحلال الطيب.

هذه هي خلاصة الأمر الملكي، و بموجبه جرى العمل في الكعبة المشرفة كما يأتي تفصيله.

الأخذ في الأسباب لإصلاح الكعبة

و قد بدؤوا في ليلة السبت الحادي و العشرين من جمادى الثانية سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية، من بعد صلاة العشاء بساعة واحدة، أقاموا أخشابا حول الكعبة المشرفة لستر العمارة فيها عن أعين الناس، فما زالوا يشتغلون بإقامة الأخشاب حولها من هذه الليلة المذكورة إلى يوم الاثنين الثالث و العشرين من الشهر المذكور، حتى سترت الكعبة عن أعين الناس تماما من أرض المطاف إلى سطح الكعبة، بل إلى ما فوق السطح بنحو متر واحد و نصف المتر، ما عدا موضع‏

385

الحجر الأسود و موضع الركن اليماني فلم يطوقوهما بالأخشاب بل جعلوهما مكشوفين ليتمكن الناس من استلامهما، و أما جدار حجر إسماعيل (عليه السلام) فلم يحيطوه بالأخشاب، و إنما أحاطوا الكعبة من هذه الجهة من داخل الحجر أي من فتحتيه الشرقية و الغربية و جعلوا الممر الموصل إلى الكعبة و إلى السقايل التي عملوها من جهة الحجر للصعود منها إلى سطحها جسرا من الخشب عرضه نحو مترين، ممتدا من جانب منبر المسجد الحرام من يمينه على استقامة واحدة إلى جهة الجدار الشرقي للكعبة، و جعلوا باب الجسر بجانب باب المنبر، و أوقفوا على بابه طائفة من الجنود للمحافظة على نظاف الصعود إلى الكعبة، فلا يصعدها كل واحد حرصا على مصلحة العمل و الشغل، و جعلوا هذا الجسر الخشبي مرتفعا على أرض المطاف بنحو قامتين، فكان الطائفون يطوفون حول الستارة الخشبية المحيطة بالكعبة فإذا وصلوا عند المنبر، مروا تحت هذا الجسر ليتموا طوافهم.

مع العلم بأنهم قد أنزلوا ثوب الكعبة من فوقها و طووه و جعلوه أسفل المطاف، أي تحت الشاذروان حتى لا يتلف و لا يتسخ، فلما انتهت عمارة الكعبة جعلوه عليها. و لقد تكلمنا عن ستر الكعبة بالأخشاب حين عمارتها مفصلا تفصيلا تاما في مبحث آخر فراجعه إن شئت.

فتح الكعبة لأخذ القياسات‏

ثم إنه في صباح يوم السبت المذكور فتح سدنة الكعبة المشرفة بابها لأخذ قياس باطنها من جميع الجهات على الوجه المطلوب بواسطة المهندسين المصريين المنتدبين للعمل في الكعبة، فتشرف بالدخول فيها الشيخ محمد بن لادن مدير الإنشاءات العامة، و الشيخ محمد صالح باخطمة المدير المساعد لمكتب مشروع توسعة المسجد الحرام، و الشيخ عبد اللّه بن سعيد مدير العمل و العمال بالمكتب المذكور، و الشيخ عبد القادر نائب الحرم و كيل مدير إدارة الحرم، و مؤلف هذا الكتاب محمد طاهر بن عبد القادر الكردي عضو اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام و اثنان من المهندسين المصريين فقط.

فبعد صلاة ركعتين فيها و التضرع إلى اللّه سبحانه و تعالى، قاموا بالنظر إلى المواضع التي تحتاج إلى الإصلاح و الترميم، و أخذ قياس باطنها من جميع جهاتها الداخلية، و قياس بابها و ما بين الأعمدة الثلاثة التي وضعها عبد اللّه بن الزبير رضي‏

386

اللّه تعالى عنهما و غير ذلك، فلما أتموا عملهم بأدب و احترام لائقين ببيت اللّه الحرام، خرجوا منه لأخذ الاستعداد للإصلاح و التعمير، و لقد انتظروا إلى ما بعد النصف من رجب بعد أن أحضروا الأخشاب و الأعواد و البطحاء و النورة و جميع الأدوات و الآلات اللازمة للبناء و التعمير فوضعوها في المسجد الحرام، ثم بدؤوا في العمل و التعمير كما سيأتي بيانه.

و رب سائل يقول: ما سبب تأخير العمل في الكعبة المشرفة إلى هذا الوقت و قد صدر الأمر الملكي بالتعمير من شهر محرم من السنة المذكورة فنقول: سبب التأخير كان انتظارا لبرودة الجو و اعتدال الهواء و دخول فصل الشتاء، أما في الأشهر الأولى للعام الهجري المذكور فالحر عندنا شديد لا يمكن معه عمارة سقفي الكعبة و ليس هناك ساتر يقي العمال من الشمس. و إليك وصف العمارة المذكورة مع العلم بأن العمل كان في الكعبة المشرفة من المغرب إلى بعد نصف الليل، و لقد مدوا فوق الأخشاب التي تستر سطح الكعبة المشرفة عن أعين الناس أسلاك الكهرباء، ثم علقوا فوقها المصابيح الكهربائية للإضاءة ليلا وقت الشغل.

انظر: صورة رقم 95، الكعبة محاطة بالخشب لتجديد سقفها

البدء في تجديد السقف الأعلى ل لكعبة

فلما كان ضحى يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية، ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين الموافق للثامن عشر أيضا من شهر الدلو سنة (1336) ألف و ثلاثمائة و ست و ثلاثين شمسية، و الموافق للسابع من شهر فبراير سنة (1958) ألف و تسعمائة و ثمان و خمسين ميلادية، حضر إلى المسجد الحرام ولي عهد المملكة العربية السعودية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود- جلالة الملك حاليا-، نيابة عن أخيه الملك السابق سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن و قد كان غائبا في مدينة الرياض و لم يستطع الحضور بنفسه لمرض ألّم به و كان برفقة سمو الأمير فيصل و سمو الأمير الحسن بن محمد الخامس ولي عهد المملكة المغربية، يحف بهما الأمراء و العلماء و الوزراء، و بعد أن تشرف الجميع بدخول بيت اللّه الحرام و الصلاة و الدعاء في جوفه، صعدوا من السقالة الخشبية إلى سطح البيت الحرام، و ذلك في الساعة الرابعة العربية من صباح يوم الجمعة المذكورة أي قبل الصلاة بنحو ساعتين.

387

و كان في استقبال سموه على سطح الكعبة المشرفة الشيخ محمد بن لادن (بكسر الدال) المعجمة و سكون النون مدير الإنشاءات العمومية، و الشيخ محمد صالح القزاز مدير مكتب مشروع التوسعة، و الشيخ محمد صالح بن عبد اللّه باخطمة" بضم فسكون" المدير المساعد للمكتب المذكور، و الشيخ عبد اللّه بن سعيد مدير العمل و العمال بالمكتب المذكور أيضا، و الشيخ محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي" الخطاط" مؤلف هذا التاريخ و هو عضو في اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام، و كثير من الفضلاء الذين حضروا مبكرين.

ثم إن سمو الأمير" فيصل" حفظه اللّه تعالى و أدام توفيقه أخذ بيده مطرقة فسمى اللّه تعالى و أثنى عليه و بدأ بهدم جزء قليل من إفريز سطح الكعبة المشرفة إيذانا ببدء الهدم و الإصلاح، فتبعه كافة الحاضرين بالهدم و قلع رخام السطح، و هو يسبحون اللّه تعالى و يكبرونه و يحمدونه، و كان مؤلف هذا التاريخ يقرأ جهرا بعض الآيات القرآنية و يردد كثيرا هذه الجملة:" اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح و أنت تحب المصلحين".

ثم إن سمو الأمير" فيصل" نزل من سطح الكعبة المعظمة مع حاشيته و من حضر معه، و بقي الناس يرفعون أنقاض الهدم من حجارة و رخام و نورة و خلافها إلى أن قرب وقت صلاة الجمعة فنزل الجميع استعدادا للصلاة ثم عاودوا العمل من بعد صلاة العصر إلى قبيل المغرب و هم في حالة التسبيح و التكبير و التهليل، و قد تشرف مؤلف هذا الكتاب بالعمل مع الناس في رفع أنقاض السطح نسأل اللّه القبول و العفو و العافية و الستر في الدارين بفضله و رحمته.

هذا و لقد حضر إلى سطح الكعبة المعظمة مندوب دائرة الإذاعة العربية السعودية تلميذنا الفاضل النجيب الأستاذ عباس فائق الغزاوي، لتسجيل تسبيح الناس و تهليلهم حين العمل، و تسجيل مشاعرهم و فرحهم بعمارة بيت اللّه الحرام التي لا تقع إلا نادرا بعد مئات السنين، فسجل مندوب الإذاعة شيئا من كلمات بعض الفضلاء من فوق سطح الكعبة المشرفة، و قد سجل المذكور لمؤلف هذا الكتاب محمد طاهر بن عبد القادر الكردي كلمته التي ارتجلها على السطح إجابة على سؤاله هذا" ما هو تاريخ الإصلاحات التي أدخلت على الكعبة الشريفة؟"

388

فأجبناه إجابة مختصرة لأن الوقت لا يتسع للتطويل و صلاة الجمعة في انتظارنا، فأذاع عنا هذه الجملة الآتية:

لقد حصلت إصلاحات كثيرة في بناية الكعبة المشرفة منذ بنائها الأول في عهد خليل اللّه" إبراهيم" عليه الصلاة و السلام، لأنها من بناء البشر و عمل الإنسان، و هذا معرض للخراب و قابل للإصلاح، فلو أراد اللّه عز شأنه ألا تمتد إليها أيدي البشر لخلقها قطعة واحدة من الجوهر فلهذا فإنه كلما حصل في الكعبة شي‏ء من الخراب كما هو العادة في البنايات بادر الخلفاء و السلاطين و الملوك و ذووا الشأن في إصلاحه قبل أن يتفاقم، فإذا احتاج الأمر إلى تجديد بنائها كلها بادروا إلى ذلك، و أجروا الإصلاحات و العمارات بأنفسهم بكل أدب و احترام.

و لقد بنيت الكعبة المشرفة إحدى عشرة مرة، فأول من بناها على الأشهر خليل اللّه" إبراهيم" عليه الصلاة و السلام منذ أربعة آلاف سنة تقريبا، و آخر من بناها السلطان مراد خان الرابع (رحمه اللّه تعالى)، بعد أن هدمها السيل العظيم الذي دخل المسجد الحرام، و كان ذلك سنة ألف و أربعين من الهجرة، و هي هذه البناية الموجودة الآن، ثم حصلت بعده إصلاحات و ترميمات متعددة.

و أما إصلاحها في هذا اليوم المبارك و في هذه اللحظة اللطيفة، فإنه لتغيير سقفها الأعلى و بعض ما يحتاج إلى الإصلاح من الداخل و الخارج، و ذلك بحضور سمو الأمير فيصل ولي العهد المعظم و رئيس مجلس الوزراء، و بصحبته ضيفه الكريم سمو الأمير الحسن بن محمد نجل جلالة ملك المغرب، و بوجود بعض الشخصيات البارزة و الجمهور الكريم و وجود المشرف العام على مشروع توسعة المسجد الحرام و عمارة الكعبة المشرفة، و وجود مدير مكتب التوسعة.

و إن شاء اللّه تعالى عما قريب سنطبع الكتاب الذي شرعنا في تأليفه عن تاريخ بلد اللّه الأمين و بيته المطهر و توسعة المسجد الحرام، و سينشر هذا الكتاب بحول اللّه تعالى في أنحاء العالم الإسلامي، ليقفوا على الحقيقة التامة و المعلومات الصحيحة الوافية، نسأل اللّه تعالى القبول و الرضا و الفوز بالجنة و النجاة من النار بفضله و رحمته.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، و صلى اللّه على سيدنا" محمد" و على آله و صحبه و سلم.

انتهت إجابتنا على سؤال مندوب الإذاعة السعودية.

389

و لقد كان الشغل ليلا و نهارا في الكعبة المشرفة منذ ابتداء العمارة فيها إلى انتهائها من داخلها و خارجها، و ذلك حتى انتهوا من العمل سريعا، و لهذا فقد مدوا أسلاك الكهرباء على سطح الكعبة و علقوا عليها المصابيح الكهربائية للإنارة على العمال في الليل، و بعد الانتهاء من العمارة من خارج الكعبة المشرفة و عند إرادة العمل في جوفها أدخلوا المصابيح الكهربائية أيضا في داخلها للإنارة على العمال ليلا و نهارا، لأنه ليس في الكعبة المعظمة منافذ لدخول الضوء غير بابها، و النور الذي يدخل من الباب لا يكفي لإنارة جميع الجهات في باطنها، لذلك كان العمال الذين يشتغلون في داخلها في حاجة شديدة لإيقاد المصابيح الكهربائية ليلا و نهارا. و هذه هي أول مرة توضع المصابيح الكهربائية في الكعبة المشرفة في التاريخ. و بعد انتهاء العمارة رفعت جميع المصابيح من الكعبة بتاتا لعدم الحاجة إليها، فإن الكعبة المعظمة لا تفتح ليلا مطلقا إلا للضرورة القصوى جدا و هي نادرة الوقوع، أما إذا فتحت في طرفي النهار فإن الضوء الذي يدخل من بابها يكفي الناس الذين يدخلونها للصلاة و الدعاء و التضرع.

و في ليلة السبت التاسع عشر من شهر رجب من السنة المذكورة اشتغل الناس أيضا إلى نصف الليل في رفع أنقاض السقف الأعلى، حتى لم يبق شي‏ء و كشف السقف كشفا تاما، و كانت الحجارة و النورة و الأخشاب القديمة التي تخرج من السقف ترمى في داخل حجر إسماعيل تحت الميزاب و هذه الجهة كما قلنا محاطة أيضا بالأخشاب لستر العمل عن أعين الناس.

و قد جرى رفع الأنقاض و كشف السقف في وقت قصير و بغاية السرعة لأن العمل كان من كافة الناس من أهل مكة و فضلائها و غيرهم ممن كان موجودا بها من جميع الأجناس، فكانوا جميعا يشتغلون في بيت اللّه الحرام بغاية الفرح و السرور و هم يسبحون اللّه تعالى و يذكرونه، و يحمدونه على ما أنعم عليهم من خدمة بيته المطهر، فلو كان الشغل من جانب العمال فقط الذين يأخذون أجرا يوميا على عملهم لما انتهى العمل بهذه السرعة.

ثم في صباح يوم السبت المذكور ابتدؤوا في تركيب الميدات على الحيطان الأربعة في كل جانب ميدة واحدة، و عملوا في تنظيف الأمكنة و الجدران، و باشر المهندسون في عمل وزن السقف بآلة هندسية خاصة لتكون جهة ميزاب الكعبة المشرفة مائلة و منخفضة قليلا عن الجهات الأخرى لنزول مياه الأمطار و سيلانها

390

من الميزاب إلى حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام، و قد عملوا الترتيبات اللازمة لتركيب أعواد السقف، و قد اشتغلوا في هذا العمل لغاية منتصف ليلة الأحد، و قد أحضروا جميع هذه الأعواد الطوال الغلاظ من مدينة جدة.

ثم في صباح يوم الأحد عشرين رجب من السنة المذكورة ابتدؤوا في تركيب أعواد السقف، و قرب المغرب انتهوا من تركيبها، ثم ابتدؤوا في ربط الأعواد بجدران الكعبة بالحجر و النورة البلدية.

و عدد أعواد هذا السقف أحد و عشرون عودا غليظة قوية، رؤوسها في الجدار الشرقي و في الجدار الغربي، و عودان آخران وضع عود تحت رؤوس هذه الأعواد في الجدار الشرقي، و عود وضع تحت رؤوسها الأخرى في الجدار الغربي، و بهذين العودين يكون جميع أعواد هذا السقف ثلاثة و عشرون عودا، طول كل واحدة من هذه الأعواد عشرة أمتار و أربعين سنتيمترا و بعضها عشرة أمتار و عشرة سنتيمترا، بما في ذلك الركوز على الجدران، و تحت هذه الأعواد في الوسط كمرتان منفصلتان رأساهما في الجدار الشمالي و في الجدار الجنوبي، الكمرة الأولى لحمل السقف الأعلى و الكمرة الثانية لحمل السقف الأسفل، طول كل واحدة من الكمرتين اثنا عشر مترا و عشرين سنتيمترا، بما في ذلك مقدار الركوز و الركوب على الجدار.

أو بعبارة أخرى يفهمها المعلمون في البناء نقول: إن حامل السقف من الوسط هو حمال رئيسي من الخشب المسمى" دوجلس"، بضم الدال الممدودة و سكون الجيم عرض (26* 26) و محمل بالدكم على العمدان الأصلية الوسطى، و تحته فرش مثله على العمدان الراسية.

هذه العبارة كتبناها عن لسان المعلمين المصريين الذين اشتغلوا في بناء الكعبة المشرفة.

و في ليلة الاثنين الحادي و العشرين من رجب من السنة المذكورة فرشوا فوق أعواد السقف ألواح الخشب الطويلة التي سمك الواحدة منها بوصتان، و قد تم في هذه الليلة تطبيق جميع هذه الألواح الخشبية فوق الأعواد على أحسن ما يرام.

ثم بدأوا في صباح هذا اليوم ببناء الحائط القصير المحيط بالسطح، و يسمى" بالإفريز" كما يسمى أيضا" بالطنف" و هو يرتفع عن رخام السطح بنحو ثمانين سنتيمترا، و قد أحكموا بناءه إحكاما جيدا بالإسمنت و النورة البلدية و الحجارات،

391

و قد تشرف أيضا بالبناء في هذا المحل محمد طاهر بن عبد القادر الكردي مؤلف هذا التاريخ مع ولده" عبد الرحمن الكردي" أنبته اللّه نباتا حسنا و أسعده في الدنيا و الآخرة بفضله و رحمته، كما بدأوا أيضا في صباح هذا اليوم بتنقيل جدران الكعبة المشرفة بعمال آخرين كما سنفصل ذلك إن شاء اللّه تعالى قريبا.

و في ليلة الثلاثاء الثاني و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة، أتموا بناء الحائط القصير المحيط بالسطح المسمى" بالإفريز" و أحكموا بناءه تماما.

ثم بدأوا في صباح هذا اليوم بأخذ الاستعداد اللازم لتجديد السقف الثاني للكعبة المقابل لأرضها كما سيأتي تفصيله. لذلك فإنهم لم يشتغلوا في السقف الأعلى" أي السطح" في هذا اليوم الذي هو يوم الثلاثاء الثاني و العشرين من رجب، و لا في يوم الأربعاء و لا في يوم الخميس أيضا.

و كان بناء الحائط الدائر بالسطح المسمى" بالطنف" و" بالإفريز" بالطوب الأحمر" الآجر" الذي أتوا به من مصنع العاقول بالمدينة المنورة، و هو مصنع عظيم مجهز بالآلات الميكانيكية و الأدوات الحديثة، يخرج القوالب الطوب الممتازة الجيدة القوية، فبنوا هذا الإفريز من هذا الطوب و الآجر الممتاز بالنورة البلدية و الإسمنت، و قد وضعوا هذا الطوب مرصوصة بجانب بعض، لكن بين كل طوبة و طوبة فجوة صغيرة حشوها بالنورة.

و طول الواحدة من هذا الآجر 22 سنتيمترا، و عرضها 11 سنتيمترا، و سمكها 6 سنتيمترات.

و لا ندري بالضبط كم وضعوا من هذا الطوب" الآجر" في إفريز السطح، و نعتقد أنه لا يزيد عن خمسمائة طوبة، و في غرة شعبان وضعوا أسفل هذا الإفريز الرخامات كما سيأتي بيانه.

استبدال المرابيع الخشبية التي بسطح الكعبة بالحديد

كانت كسوة الكعبة المشرفة الخارجية تربط بأعلى سطحها في مرابيع خشبية عددها أربعة، في كل جهة من السطح خشبة واحدة مثبتة في طنف السطح، أي في الإفريز، و المرابيع هي أربعة أعواد مربعة الشكل طول كل منها بطول السطح‏

392

فالكسوة تربط على هذه الأعواد ثم تسدل على الكعبة. هذه هي العادة في ربط الكسوة من قديم الزمان.

فلما كانت عمارة سقفي الكعبة في العهد السعودي استبدلت هذه المرابيع الخشبية القديمة التي بسطح الكعبة بأسياخ حديدية قوية، و كيفية ذلك كما يأتي:

أنهم لما بدأوا في صباح يوم الاثنين الحادي و العشرين من شهر رجب سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، في بناء الحائط القصير المحيط بسطح الكعبة المشرفة المسمى" بالطنف" كما يسمى أيضا" بالإفريز" وضعوا في الليلة التالية و هي ليلة" الثلاثاء" الثاني و العشرين من رجب، الأسياخ الحديدية لتعليق أستار الكعبة عليها بدلا عن المرابيع الخشبية التي كانت تستعمل لهذا الغرض، و عدد هذه الأسياخ ثماني قطع، في كل جهة من الجهات الأربعة للسطح قطعتان من الأسياخ، قد غرز طرفا كل واحدة منهما في باطن الإفريز حتى خرجا من الجهة الأخرى و عكفا عليها، و محيط كل قطعة من هذه الأسياخ الثمانية 10 سنتيمترات، و زيادة في تقوية هذه الأسياخ ربطوها بقطع من الأسياخ الصغيرة تسمى" كانات"، أي حاملات، قياس (14 ملي) و عدد هذه الكانات ثمانية و أربعون قطعة، كل قطعة مغروزة في جدار الإفريز تحمل الأسياخ الثخينة و ممسكة لها حتى لا تنثني من ثقل الكسوة ثم في يوم الجمعة الخامس و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة و هي سنة (1377) هجرية، دهنوا أولا، ألواح خشب السطح بالبوية الحمراء الممزوجة بالسلقون الذي يمنع وصول الأرضة و السوس للخشب، ثم فرشوا فوق البوية الحمراء قماش القلع" بكسر القاف و سكون اللام" المسمى" بالمشمع" و لونه أخضر و هو قماش يعمل منه الخيام لمتانته و قوته، فرشوا هذا القماش على جميع السطح من فوق ألواح الخشب، ثم فرشوا فوق هذا القماش القلع طبقة من الجبس الأبيض، ثم وضعوا فوق الجبس الأبيض طبقة واحدة من قوالب الطوب الأحمر القوي و هو" الآجر" و قد أحضروه من مصنع العاقول الذي يبعد عن المدينة المنورة بنحو نصف ساعة أو أقل بالسيارة، و قد أنشئ هذا المصنع من بضعة أعوام.

ثم في يوم السبت السادس و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة، وضعوا فوق قوالب الطوب أي الآجر الخلطة و هي الطين المخلوط بالنورة البلدية الممتازة بصفة محكمة و قاعدة هندسية.

393

ثم في يوم الأحد السابع و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة فرشوا فوق هذه الخلطة حجارة الرخام أي المرمر الأبيض الممتاز، و قد انتهوا من فرش الرخام على السطح ليلة الثلاثاء التاسع و العشرين من رجب من السنة المذكورة.

وضع الرخام على سطح الكعبة

قلنا أنهم وضعوا في يوم الأحد السابع و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية حجارات الرخام أي المرمر الأبيض فوق سطح الكعبة المشرفة، و نذكر هنا الآن صنعة هذه الرخامات و عددها و هي كما يلي:

فرش سطح الكعبة المعظمة بنفس الرخام الأبيض الذي كان عليه سابقا، و ذلك بعد تنظيفه و إصلاح أطرافه لكن بعضهم أخذ من هذه الرخامات القديمة شيئا للتبرك فنقص بذلك رخام السطح، لهذا فإنهم بعد وضعهم الرخام القديم فوق السطح ثانيا وضعوا رخاما جديدا بدلا عما نقص منه.

و عدد رخامات السطح القديمة و الجديدة هو (224) مائتان و أربعة و عشرون رخامة، و هذا غير رخامات إفريز السطح التي سيأتي بيانها، و جميع رخامات السطح مربعة الشكل، ما عدا أربعة و أربعين رخامة فمستطيلة و هي التي تحيط بالمربعات في أواخر السطح، و الرخامات المربعة طول بعضها (66) سنتيمترا في عرض (56) سنتيمترا، و طول بعضها (71) سنتيمترا في عرض 60 سنتيمترا.

فيكون عدد جميع رخامات السطح ما بين صغير و كبير، مع جميع رخامات إفريز السطح التي سيأتي بيانها هو (282) مائتان و اثنتان و ثمانون رخامة.

صب الرصاص بين رخام سطح الكعبة

ثم في يوم الاثنين الثامن و العشرين من رجب من السنة المذكورة، ابتدؤوا يشتغلون في صب الرصاص بين فجوات رخام السطح لشدة الاستمساك و الثبوت، مع اشتغالهم أيضا في جهات أخرى من السطح فأحضروا جميع الأدوات اللازمة لصب الرصاص فوق سطح الكعبة المشرفة، و أوقدوا" دافور الكاز" فلما اشتغل وضعوا فوقه الإناء الذي بداخله قطع الرصاص النظيف، فلما ذاب الرصاص صاروا يأخذون منه في وعاء خاص شيئا فشيئا و يصبونه بحذر و عناية في‏

394

أطراف الرخامات، أي في الفجوات التي تركوها بينها لصب الرصاص، و لا بد أن تكون هذه الفجوات بين الرخام ناشفة يابسة ليس بها رطوبة الماء، لأن الرصاص المذاب إذا وصل إليه شي‏ء من الماء يتطاير فيحدث لمن حوله أضرارا بليغة من الحروق.

و قد أحكموا صب الرصاص بين رخامات سطح الكعبة إحكاما تاما لئلا تتسرب مياه الأمطار إلى باطنها، و كان صب الرصاص بواسطة المعلمين من أهل مكة.

وضع الرخام في طنف السطح‏

ثم في ليلة الأربعاء الأول من شهر شعبان من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية، ابتدؤوا في وضع الرخام في أسفل الإفريز المحيط بالسطح، أي أنهم وضعوا هذا الرخام ملصقا برخام السطح مرتفعا عنه على جدار الإفريز" الطنف" بمقدار خمسة و عشرين سنتيمترا في الجهات الأربعة، ثم من فوق هذه الرخامات إلى أعلى الطنف" الإفريز" عملوه بالنورة.

و قد قلنا فيما تقدم أن هذا الإفريز قد بني بالطوب الأحمر" الآجر" قبل وضع هذه الرخامات عليه، فالذي عملوه في غرة شعبان هو وضع هذا الرخام في أسفله فقط، لجمال منظر رخام السطح من جميع جهاته.

و عدد الرخامات الموضوعة على إفريز السطح" الطنف" فقط من الجهات الأربعة هو (58) ثمانية و خمسون رخامة و هذه الرخامات كلها مستطيلة الشكل، و طول بعضها (56) سنتيمترا، و بعضها (60) سنتيمترا، و بعضها (70) سنتيمترا.

أما عرضها فلا يختلف مطلقا فكلها متساوية العرض و مقداره (25) سنتيمترا.

فإذا جمعنا عدد رخامات هذا الإفريز مع عدد رخامات نفس السطح التي تقدم الكلام عنها، كان مجموع الرخامات فوق سطح الكعبة هو (282) مائتان و اثنتان و ثمانون رخامة.

395

إصلاح فتحة باب الدرج الذي بالسطح‏

ثم عندما فرشوا ألواح الخشب فوق أعواد السطح الأعلى في يوم الاثنين الحادي و العشرين من رجب من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية، أصلحوا فتحة باب الدرج الذي بأعلى السطح، أصلحوها من نفس خشب الكعبة القديم الصالح الذي لم يطرأ عليه السوس و الأرضة، و فتحة الباب واقعه في الركن الشامي من السطح أي فوق الدرج الذي بباطن الكعبة تماما، تبعد عن الجدار الشرقي بمتر واحد، و عن الجدار الشامي الذي فيه الميزاب بعشرين سنتيمترا.

و أبدلوا غطاء هذه الفتحة القديم بغطاء من الخشب السميك، و جعلوا عليه تلبيسة جديدة من المعدن، و طول هذا الغطاء (185) مائة و خمسة و ثمانون سنتيمترا و عرضه (110) مائة و عشرة سنتيمترات، أما طول نفس فتحة الدرجة فهو (127) مائة و سبعة و عشرون سنتيمترا، و عرضها (104) مائة و أربعة سنتيمترات، أي أن قياس الغطاء أكبر من نفس الفتحة و هذا هو المعقول، حتى لا تجد المياه منفذا لتسربها إلى باطن الكعبة.

فإذا أقفلت فتحة الدرج بهذا الغطاء فلا تنزل من مياه الأمطار إلى جوف الكعبة قطرة واحدة.

تجديد السقف الثاني للكعبة مما يلي الأرض‏

و في صبح يوم الثلاثاء الثاني و العشرين من شهر رجب سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، فتح سدنة الكعبة بابها، فأدخل العمال في جوفها الأعواد الطوال لتركيبها بعضها ببعض، أي لعمل السقايل حتى تصل من أرض الكعبة إلى السقف الخشبي، أي السقف الثاني المقابل لأرض الكعبة، و ذلك لإصلاح ما عطب و تآكل من أخشابه، بعد أن رفعوا قناديل الكعبة المعلقة، و بعد أن رفعوا ستارتها الداخلية الحمراء.

ثم في يوم الأربعاء الثالث و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة نظروا إلى أخشاب هذا السقف فوجدوها كلها تالفة تحتاج إلى تغييرها و استبدالها بأخشاب جديدة قوية، أما أعواد هذا السقف التي تحمل هذه الأخشاب و عددها ثلاثة أعواد، فقد وجدوها صالحة جيدة ما عدا العود الثاني الذي بالوسط فقد

396

كان مكسورا، فأخرجوا هذا العود المكسور بعد أن نشروه بالمنشار إلى ثلاث قطع، ثم استبدلوا هذا العود بعود مثله، قوي غليظ فوضعوا مكانه، و العودان الآخران القديمان بقيا على حالهما لم يغيرا مطلقا لقوتهما و صلابتهما.

و هذه الأعواد الثلاثة كلها قوية صلبة و غليظة جدا، طول كل واحدة منها عشرة أمتار و خمسة عشر سنتيمترا، و قطر كل منها أربعين سنتيمترا، و تمتد رؤوس هذه الأعواد الثلاثة من الجدار الشرقي للكعبة إلى الجدار الغربي، أي كامتداد رؤوس أعواد السقف الأول. و في صباح يوم الخميس الرابع و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة قاموا بكنس داخل الكعبة المشرفة و تنظيفها و إخراج ما تساقط فيها من الأخشاب القديمة و المسامير و الأحجار و الأتربة، و رموا كل ذلك في داخل حجر إسماعيل (عليه السلام) في جهة الميزاب.

ثم بعد تركيب العود الجديد الذي وضع في مكان العود المكسور، قاموا بتطبيق ألواح الخشب الجديدة المتينة فوق هذه الأعواد الثلاثة و سمروها عليها بعد مسحها و تنظيفها حتى صارت ناعمة، و سمك كل لوحة من هذه الأخشاب الجديدة بوصة واحدة أو بوصتان (نحن نشك في ذلك) و لم يوضع فوق هذه الأخشاب شي‏ء من الطين أو الرخام غير أنهم ضربوه بالبوية الزيتية كما سيأتي تفصيله إن شاء اللّه تعالى. و بهذا ينتهي تجديد هذا السقف الثاني، و انتهاء العمل فيه كان في ليلة الجمعة الخامس و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة، و لهذا السقف بابان صغيران، أحدهما من الجهة الشرقية و ثانيهما من الجهة الجنوبية، يتوصل إليهما من باطن درج الكعبة الداخلية.

و السبب في عدم وضع طين أو حجر أو رخام فوق خشب هذا السقف، هو عدم الاحتياج إلى ذلك لأنه ليس سطحها للبيت الحرام، فسطحه هو السقف الأول الذي يلي السماء، فلا تدخل مياه الأمطار إلى هذا السقف الثاني، فالسطح هو الذي يتلقى المياه، و إنما عملوا هذا السقف محافظة على الوضع القديم منذ صدر الإسلام من وجود سقفين للكعبة مع العلم بأنه لا يوضع في هذا السقف شي‏ء أبدا. و اللّه تعالى وحده الذي يعلم حكمة حدوث هذا السقف الثاني، فهو علام الغيوب لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء.

397

دهن ما بين السقف بالبوية

ثم ابتدؤوا في يوم الاثنين الثامن و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة في دهن ما بين السقفين أي على الأعواد و الأخشاب بالقطران الأسود لحفظها من السوس و الأرضة، و بعد الانتهاء من ذلك تركوه حتى يجمد القطران و ينشف.

ثم في اليوم السادس من شهر شعبان من السنة المذكورة، دهنوا من بين السقفين خشب السقف العلوي بالبوية البيضاء.

تنقيل جدران الكعبة من الخارج‏

لم يحصل و للّه الحمد تصدع و تشقق في جدران الكعبة المشرفة مطلقا لا من الخارج و لا من الداخل، و إنما الذي حصل هو و هن في النورة التي بين حجاراتها من خارجها، فظهر بينها مفاجأة بعرض الإصبع، و هذا هو الذي يحتاج إلى التنقيل و هو إصلاح ما بينها و ملئها بالنورة و الجص، و أما ما حصل من داخل الكعبة فهو و هن أيضا في بعض الرخامات المكسوة بها الجدران، و هذا أيضا يحتاج إلى إصلاح و ترميم، خصوصا ما حدث الآن عند تعمير السقفين من الخدوشات.

و أما السقفان" الأعلى و الأدنى" فقد تصدعا و ظهر فيهما التلف و التآكل و الحمد للّه الذي هدانا لتجديدهما تجديدا تاما كاملا. أما نفس جدران الكعبة المعظمة فقوية و متينة و ضخمة البناء و للّه الحمد، و نعتقد أنها تمكث سليمة صحيحة كما هي عليه الآن نحو ألف عام، و كيف لا تكون كذلك و عرض بنائها، أي" سمك جدرانها" متر واحد، و حجاراتها من الصخور الصماء القوية، يبلغ طول بعضها مترين و مترا و ما بين ذلك، و قد بنيت بإخلاص و حسن نية و من المال الحلال مع التكبير و التهليل و التسبيح و التقديس.

ففي صباح يوم الاثنين الحادي و العشرين من رجب من السنة المذكورة، باشر المعلمون و العمال في تنقيل جدران الكعبة من الخارج من جهاتها الأربعة من أعلى السطح إلى الشاذروان بأرض المطاف مع استمرار الشغل و التعمير في السطح بواسطة عمال آخرين، و التنقيل كلمة عربية. قال في مختار الصحاح في مادة" نقل": و قد نقل ثوبه من باب نصر أي رقعه، و أنقل خفه أي أصلحه، و نقله أيضا تنقيلا. اه.

398

و جميع هؤلاء المعلمين و العمال من أهل مكة ليس فيهم غريب مطلقا، لأنهم أعرف من غيرهم بصنعة التنقيل يتقنونه إتقانا تاما من سابق العصور، و عددهم تسعة و عشرين شخصا أسماؤهم كما يأتي:

(1) عبد القادر مجلد، (2) سعيد درويش، (3) سليمان لبان، (4) عبد الكريم مجلد، (5) عبد الشكور خيمي، (6) إبراهيم مجلد، (7) محمد حنفي، (8) عبد السلام خيمي، (9) معتوق خياط، (10) محمود صابر، (11) جمال فارسي، (12) عبد الرحمن علي، (13) أحمد حريري، (14) سراج بنون، (15) عبد اللّه حريري، (16) محمد عبد الرحمن، (17) عبد الجبار منشي، (18) محمد رفيع، (19) عبد اللّه أبو عصيدة، (20) سعيد نتو، (21) عبد المطلب عبد اللّه، (22) عبد الجليل عصلوب، (23) سليم هبو، (24) عبد الوهاب خيمي، (25) محمد صابور، (26) سليمان حمزة جلال، (27) أحمد مده، (28) يحيى عبد الشكور، (29) حسن إسماعيل.

هؤلاء هم المنقلون المكيون الذين اشتغلوا في تنقيل جدران الكعبة المطهرة زادها اللّه تعالى شرفا و تعظيما.

و التنقيل عبارة عن تملية ما بين حجارات الكعبة المشرفة من الفراغ و الفجوات بمعجون" اللاقونة" أولا ثم يحشونه من الظاهر بالجص و النورة البلدية و الإسمنت.

و اللاقونة هي معجون يصنع من النورة و القطن مخلوطا بزيت السمسم، يدقون الجميع دقا ناعما عدة ساعات حتى يختلط الجميع بعضه ببعض خلطا جيدا، و يمتزج مزجا تاما حتى يصير كالمعجون، فعندئذ يأخذون منه بأصابعهم و يحشون الفراغ و الفجوات التي بين الحجارات، و يضعون أيضا مع اللاقونة غلاظ المسامير لشدة التماسك، و بعد تملية الفراغات و الفجوات باللاقونة، يضعون عليها معجون الجص و النورة و الإسمنت، ثم يملسونه تمليسا جيدا ناعما حتى يتساوى التنقيل بمستوى الحجارات، بهذه الصفة كانت التنقيل في جدران الكعبة المشرفة.

و قد وجدنا في الجدار الشرقي للكعبة الذي فيه الباب ثلاث فتحات دائرية و مثلها في الجدار المقابل له، قطر دائرة كل فتحة نحو أربعين سنتيمترا، و كل واحدة منها متباعدة عن أختها بنحو مترين، و كلها تبعد عن السطح بمقدار مترين تقريبا، يعني أن هذه الفتحات موضع رؤوس أعواد السقف الثاني، و كانت هذه‏

399

الفتحات مسدودة بصفائح الرصاص، فعند التنقيل أخرجت هذه الصفائح من الفتحات و سدت بالحجارة و النورة.

هذا و لقد انتهوا من عمل تنقيل جدران الكعبة المشرفة في يوم الأحد خامس شعبان سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، و كان ابتداء عملهم فيه كما قلنا يوم الاثنين الحادي و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة، و الحمد للّه رب العالمين.

العمل في داخل الكعبة و ترميمها

ثم بدؤوا في العمل داخل الكعبة المشرفة من الترميم و الإصلاح بعد صلاة الجمعة في اليوم الثالث من شهر شعبان سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية.

و كان قبل ذلك أي عند عمارة السقف الثاني للكعبة قد رفعوا ستارتها الحريرية الحمراء التي بداخلها، كما رفعوا جميع القناديل و الطاسات المعلقة في جوفها محافظة عليها، و كان ذلك في يوم الاثنين الحادي و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة، بعد أن عملوا في هذا اليوم أيضا السقايل الخشبية في جوف الكعبة للصعود عليها وقت الشغل، و هذه السقايل تبدأ من أرض الكعبة إلى أن تصل إلى السقف.

و كان قد عملوا صندوقين كبيرين طول كل منهما مترا واحدا و نصف متر، و عرضه ثمانون سنتيمترا، و ارتفاعه كذلك، عملوا هذين الصندوقين لحفظ قناديل الكعبة و ستارتها الداخلية فيهما، و كان عدد هذه القناديل و الطاسات المعلقة في جوفها ما بين صغير و كبير نحو ثمانون قنديلا كما عددناها بأنفسنا، على أن هذه القناديل الثمينة لا تسرج و لا تستعمل، و إنما هي هدايا للكعبة تجب المحافظة عليها.

و الشغل في جوف الكعبة المعظمة يكون فيما يأتي:

(1) إخراج الجبس و النورة القديمة من أعلى جدران الكعبة إلى أسفل ثم إصلاحها.

(2) إخراج الرخامات المحيطة بجدرانها إلى ارتفاع ثلاثة أمتار و نصف متر ثم وضعها في أماكنها بعد تنظيفها و إصلاحها.

400

(3) إصلاح المدرج التي بداخل الكعبة الموصلة إلى سطحها من أن تخرج درجة واحدة عن موضعها.

(4) إصلاح عتبة الكعبة من داخلها مع الباب.

هذه هي الأعمال التي تحتاج إلى الإصلاح و الترميم في داخل الكعبة المشرفة، مع أنه لم يمس حجارات بناء الكعبة المشرفة بشي‏ء من الترميم و الإصلاح مطلقا، لا من الجدران الخارجية و لا من الجدران الداخلية، لقوة ذات البناء و متانته، فلم يخرج حجر واحد من محله للإصلاح و الترميم.

فبدؤوا بالعمل في جوف الكعبة المطهرة أولا بإخراج الرخامات التي كسيت بها جدران الكعبة من الجهات الأربعة إلى ارتفاع ثلاثة أمتار و نصف متر و جميع هذه الرخامات منقوشة نقشا خفيفا لا يلهي الناظرين إليها، و غالبها منقوش بشي‏ء من أنواع الثمار، كالعنب و الموز و التين، و بين هذه الرخامات ثمانية رخامات عليها كتابات بيناها في مبحث خاص فراجعه إن شئت.

فأخرجوا جميع هذه الرخامات و وضعوها بجهة الركن اليماني لا في أرض المطاف، و إنما وضعوها فوق الممر الخشبي الدائر بالكعبة من الجهات الأربعة و المرتفع عن أرض المطاف إلى باب الكعبة في جميع الجهات ليسهل الدخول و الخروج إليها، بل يوجد مثله ثلاث ممرات أو أربعة، كل واحد فوق الآخر إلى علو السطح، عملوا ذلك حينما عملوا السقايل الخشبية من خارج الكعبة جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام الموصلة إلى سطحها، و ذلك في أوائل شهر رجب سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية كما تقدم بيانه.

ثم بدؤوا بعد إخراج الرخامات التي بجوف الكعبة، في إخراج الجبس و النورة القديمة، من أعلا جدرانها إلى أسفلها من الجهات الأربع، ثم أدخلوا جميع أدوات العمارة و آلات الشغل في جوف الكعبة، فقاموا بوضع الرخامات القديمة التي أخرجوها من جدرانها في نفس أماكنها و محلاتها، و كذلك الرخامات المكتوبة فقد وضعوا كل رخامة منها في موضعها تماما بدون تغيير، فثبتوا كل ذلك في الجدران تثبيتا تاما، و قد زادوا رخامة واحدة كبيرة كتبوا عليها تاريخ هذه العمارة و وضعوها في الجدار الجنوبي الذي هو بين الركنين، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى نص ما كتب على هذه الرخامة عند مبحث الرخامات المكتوبة التي بداخل الكعبة.

401

كما قاموا بترميم الحيطان، أي الجدران، و تنقيلها بالمونة البلدية النظيفة الممتازة بالجبس و النورة، فكانوا يشتغلون بأدب و احترام و إخلاص و صدق نية، تقريبا إلى رب هذا البيت الكريم و رب العرش العظيم، و كانوا في حالة ذكر و تسبيح و تهليل طول الوقت، لا يتكلمون بكلام الدنيا إلا ما هو ضروري بقدر اللزوم و ما هو في مصلحة العمل، و كان كثير من الفضلاء و الكبراء يحملون أواني الطين و النورة و الحجارة و الماء بأنفسهم إلى البنائين، و لقد تشرف و سعد إن شاء اللّه تعالى بخدمة الكعبة المعظمة مؤلف هذا التاريخ، محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الخطاط كاتب مصحف مكة المكرمة مع ولده" عبد الرحمن" فاشتغلنا بحمل الحجارة و النورة و بنينا شيئا قليلا فيها على سبيل التبرك بالخدمة، مع التشرف بحضورنا يوميا في الكعبة المشرفة للوقوف على العمل، فالحمد للّه الذي وفقنا لهذا و هو تعالى أكرم من أن يردنا خائبين، و لقد انتهى المهم من الأعمال في داخل الكعبة في يوم السبت الحادي عشر من شعبان من السنة المذكورة و في أثناء هذه المدة، أي في السادس من شعبان من السنة المذكورة، دهنوا خشب السقف الثاني من داخل الكعبة بالبوية السلقون البرتغالي و هم على السقايل الخشبية، و السلقون هو بوية بين الأحمر و الأصفر و الزرنيخي. أما الأشغال الكثيرة فقد دام فيها إلى نهاية شعبان من السنة المذكورة كما سنبين ذلك فيما يأتي.

حضور جلالة الملك السابق سعود إلى الكعبة المشرفة

قلنا أن الأعمال المهمة الكبيرة كوضع الرخامات كلها في أماكنها و إصلاح جدران الكعبة من داخلها، قد انتهت في يوم السبت الحادي عشر من شهر شعبان من السنة المذكورة و هي سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، و لم يبق إلا الأشياء الصغيرة و هي ستنتهي شيئا فشيئا كما سيأتي بيان كل ذلك.

لهذا فقد اعتبروا هذا اليوم هو يوم الانتهاء من عمارة سقفي الكعبة المشرفة و من إصلاح و ترميم باطنها، لذلك فقد حضر جلالة الملك السابق" سعود بن عبد العزيز آل سعود" من الرياض إلى مكة المكرمة و دخل الكعبة المطهرة في آخر اليوم المذكور قبل المغرب بنصف ساعة للإشراف على وضع آخر حجر من الرخام في جدار الكعبة المشرفة و هو الحجر الذي نقش فيه اسمه و تاريخ هذه العمارة، و حتى ينظر بنفسه إلى هذه العمارة التي كان هو الآمر بها، و كان مؤلف هذا

402

الكتاب" محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي" في مدة مكث جلالته في الكعبة يهلل و يكبر و يسبح اللّه تعالى في ميكرفون الإذاعة السعودية الذي وضعوه في داخل الكعبة عند بابها، فكانت هذه التهليلات و التسبيحات تذاع على العالم الإسلامي في كافة الأرجاء.

ثم إنه بعد صلاة المغرب من ليلة الأحد الثاني عشر من شهر شعبان من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية قاموا يزيلون الأخشاب و السقايل التي حول الكعبة من الخارج و التي ركبوها عند ابتداء العمل في تجديد سقفي الكعبة، فاشتغلوا في إزالتها من بعد صلاة المغرب حتى الفجر فأزالوها كلها من حول الكعبة المشرفة، ما عدا الممر الخشبي الذي يبتدئ من عند المنبر و ينتهي إلى باب الكعبة، مع الطريق الخشبي الممتد أمام باب الكعبة إلى ركن الحجر الأسود، فبقيت الستارة الخشبية في هذه الجهة فقط، لكن لا إلى سطح الكعبة و إنما إلى علو قامة واحدة، و ذلك لحجب أعين الناس عن إتمام الشغل الباقي داخل الكعبة، فبقيت الكعبة المشرفة مكشوفة بدون ستارة ظاهرة بحجارتها أمام الناس من فجر يوم الأحد إلى وقت الضحى العالي من هذا اليوم، ثم إنه قبل الظهر بساعتين من هذا اليوم ألبسوا الكعبة ثوبها من الخارج حسب العادة، و بهذا يعد العمل في الكعبة الشريفة منتهيا تقريبا.

ثم في صباح يوم الأحد المذكور الثاني عشر من شعبان من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية، الذي يعد فيه انتهاء العمل من الكعبة، حضر جلالة الملك" سعود بن عبد العزيز" إلى المسجد الحرام و طاف بالكعبة ثم دخل فيها و صلى ركعتين بعد أن فرش مؤلف هذا الكتاب سجادته لجلالته ليصلي عليها، و كان معه الأمراء و الوزراء و العلماء و السفراء و الأعيان، و بعد أن صلوا في الكعبة و دعوا و تضرعوا إلى اللّه تعالى قام جلالة الملك و من بمعيته بتعطير جدران الكعبة المشرفة و قد بدى في وجوههم الفرح و السرور، ثم إن جلالته ألقى كلمة من جوف الكعبة عند بابها بواسطة الإذاعة السعودية، موجهة لشعبه الكريم و العالم الإسلامي يبشرهم فيها بتعمير بيت اللّه الحرام و الانتهاء منه و هذا نصها:

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و من والاه.

403

(أما بعد) فإنا نحمد اللّه سبحانه و تعالى على ما أنعم به علينا من عمارة بيته الحرام هذا البيت الذي جعله اللّه مثابة للناس و أمنا، و نسأله القبول و المزيد من فضله و التوفيق، و ندعوه بدعوة الخليل إبراهيم (عليه السلام) (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) و نزف هذه البشرى من موقفنا هذا من جوف الكعبة المطهرة إلى عموم المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها، و نسأله تعالى أن يهدينا و يلهمنا رشدنا و يتقبل منا، و أن يجمع كلمة المسلمين و العرب على ما يصلح دينهم و دنياهم إنه سميع مجيب.

ثم بعد أن انتهى جلالته من خطابه الكريم من ميكروفون الإذاعة و هو واقف عند باب الكعبة المشرفة من الداخل استأذن من جلالته أحد سدنة الكعبة الفضلاء و هو الشيخ طلحة الشيبي في إلقاء كلمة نيابة عن جميع سدنة الكعبة بمناسبة الانتهاء من عمارتها، فأذن له جلالته فألقى خطبة قصيرة لطيفة تناسب هذا المقام الكريم.

و بعد ذلك خرج جلالته و من حضر بمعيته من الكعبة المشرفة إلى القصر الملكي العامر بمكة المكرمة، فأمر أن تقام حفلة كبرى بعد ظهر هذا اليوم، و هو يوم الأحد، الثاني عشر من شهر شعبان من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية، فحضر هذه المأدبة الكبرى جمع كبير من الأمراء و الوزراء و العلماء و السفراء و من وجهاء البلاد و أعيانها، بمناسبة الانتهاء من تعمير الكعبة المشرفة.

ثم أمر جلالته بإقامة مأدبة أخرى في اليوم التالي، و هو يوم الاثنين الثالث عشر من شعبان، خاصة للمعلمين و العمال و البنائين و المباشرين و كل من ساهم في عمارة الكعبة المشرفة و المسجد الحرام، ابتهاجا بتعمير بيت اللّه الحرام فأقيمت هذه المأدبة بالطابق الثاني من عمارة المسعى، و قد نحروا لهذه المأدبة عشرة من الإبل و ذبحوا خمسين شاة، مع بضعة أكياس من الرز.

ثم أمر جلالته بطبع نشرة صغيرة عن ذكرى عمارة الكعبة المشرفة و انتهائها في اليوم الثاني عشر من شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين هجرية، فطبعت هذه النشرة بمطابع دار الأصفهاني و شركاه بجدة، بإشراف مؤلف هذا التاريخ محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الخطاط غفر اللّه تعالى له و لوالديه و لعموم المسلمين آمين.

404

و لقد حضر جلالة الملك السابق في الكعبة المشرفة قبل وضع كسوتها الداخلية عليها ليرى الشغل في ترميمها و إصلاحها، و لم توضع الكسوة الداخلية الحمراء في سقف الكعبة و جدرانها الداخلية إلا في مساء يوم الثلاثاء الرابع عشر من شعبان من السنة المذكورة و هي سنة" 1377" هجرية، و انتهوا من وضعها في يوم الأربعاء الخامس عشر من شعبان، بعد أن خاطوا منها ما يحتاج إلى الخياط.

إصلاح ميزاب الكعبة

و في يوم الخميس التاسع من شعبان سنة" 1377" ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين للهجرة، قاموا بإصلاح ميزاب الكعبة المشرفة الذي عمله السلطان عبد المجيد خان بن السلطان محمود خان أحد سلاطين آل عثمان (رحمه اللّه تعالى)، عمله في سنة (1273) ألف و مائتين و ثلاث و سبعين هجرية، و هو الميزاب الموجود على الكعبة في عصرنا الحاضر، و من قدمه يرى كأنه جديد و هو متين و قوي للغاية، و هذا الميزاب هو من الذهب الخالص النظيف، مبطن من الداخل بالفضة الخالصة السميكة، يعني أن الذهب محيط بالفضة من بطنه و جانبيه، أما علو الميزاب فهو مفتوح لا غطاء عليه، و بين الذهب و الفضة خشب سميك من جانبيه و بطنه الأسفل، و كل ذلك مسمر بمسامير من الذهب الخالص.

و هذا الميزاب على شكل المستطيل، على وجهه قطعة من الذهب الخالص مدلاة متحركة إلى الأمام و الخلف و تسمى هذه القطعة" باللسان" و تسمى أيضا" بالبرقع" و قياس هذا الميزاب كما يأتي:

طول الميزاب 258 سنتيمترا- مائتان و ثمانية و خمسين سنتيمترا- بما هو داخل في جدار الكعبة و عرض بطنه 26 سنتيمترا- ست و عشرون سنتيمترا- و ارتفاع كل من جانبيه 23 سنتيمترا- ثلاثة و عشرون سنتيمترا- و دخوله في جدار السطح 58 سنتيمترا- ثمانية و خمسون سنتيمترا- و المقدار الذي دخل في جدار الكعبة عليه حجر كبير غليظ طوله خمسة أشبار و عرضه شبران- أي طوله متر واحد و عشرون سنتيمترا تقريبا، و عرضه نصف متر تقريبا- و مثبت في الجدار ثبوتا جيدا قويا لا يتزحزح شعرة واحدة مطلقا كأنه جبل راسخ كما جربناه ذلك بأنفسنا، فرحم اللّه من عمله و من وضعه و من أصلحه.