التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم‏ - ج3

- محمد طاهر الكردي المزيد...
596 /
405

و لقد كتب على جوانب الميزاب و لسانه على الذهب تاريخ عمله و تجديده بخط الثلث الجميل البديع ما يأتي:

كتب على لسان الميزاب المعلق بوجهه ما يأتي:" بسم اللّه الرحمن الرحيم" و تحت البسملة كلمة" يا اللّه". و كتب على يمين الميزاب ما يأتي:" جدد هذا الميزاب المنير لوجه اللّه الكريم الخبير، سلطان البرين و البحرين، المفتخر بخدمة الحرمين الشريفين، السلطان الغازي عبد المجيد خان بن السلطان الغازي ...".

و كتب على شمال الميزاب ما يأتي" محمود خان بن السلطان عبد الحميد خان، بعدما و هن الميزاب الذي جدده جده السلطان الأعلى أحمد خان عليه رحمة المنان سنة (1021) ه اللهم رب هذا ...".

و كتب تحت الميزاب ما يأتي:" البيت الحرام، أيد ببقاء دولته الإسلام، ما طاف ببيتك الأنام، و احفظه من جميع الآلام، بجاه نبينا" محمد" عليه الصلاة و السلام، و هذا التجديد سنة ثلاث و سبعين و مائتين و ألف هجرية".

هذا ما كتب على الميزاب نقلناه بأنفسنا من الميزاب، في صبح يوم السبت التاسع عشر من رجب سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين هجرية، و ذلك عند تجديد سقفي الكعبة، و كنا نقف عند الميزاب على الممر الخشبي الذي عمل مع السقايل الخشبية التي حول الكعبة عند ابتداء هذه العمارة، و لو ذلك لما تمكنا من الوقوف على ما كتب على هذا الميزاب، و بهذه الكيفية أيضا أمكن إصلاح هذا الميزاب كما سنبين موضع إصلاحه فيما يأتي:

و هذا الميزاب كما قلنا إنه قوي متين للغاية ليس في ذاته أي خراب، و لكن ما يحتاج فيه للإصلاح هو المسامير التي هي من الفضة الخالصة الواقفة على أطراف الميزاب من الأعلى لمنع جلوس الحمام عليها، فقد اعوجت من طول الزمان فأخرجوها و عملوا مسامير مثلها من الفضة أيضا و وضعوها في محلها الأصلي من الميزاب و أخرجوا أيضا الخشب الذي على قاعدة الميزاب و بطنه، لأنه تلف من طول الزمان و استبدلوه بخشب قوي جديد، و لم يعملوا في الميزاب من الإصلاح شيئا غير ما ذكرناه من استبدال الخشب و المسامير و ذلك في اليوم التاسع من شهر شعبان من السنة المذكورة سنة" 1377" هجرية و الذي قام بإصلاح الميزاب صائغ محترم من أهل مكة اسمه الشيخ محمد نشار، أحسن اللّه إليه و إلينا بوابل نعمه و خيراته، و فضله و إحسانه إنه بعباده لطيف خبير آمين.

406

إصلاح جانبي جدار باب الكعبة و عتبتها

ثم في ليلة الجمعة السابع عشر من شعبان سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، أخرجوا باب الكعبة أي المصراعين الذين يسميان في عرفنا" بالدرفتين" فأصلحوا الجدار الذي وراءهما، و بعبارة أخرى يفهمها المعلمون أصلحوا أكتاف الباب من الجانبين، و جددوا تجليد العتبة العليا التي فوق الباب من داخل الكعبة بخشب من النوع الجيد السميك.

كما أخرجوا الأبيات المكتوبة على ألواح من الذهب الخالص و المثبتة على الخشب الذي فوق عتبة الباب العليا من خارج الكعبة، فأصلحوا هذه الألواح الذهبية و سمروها ثانيا في مكانها الأول، و لقد أخذنا لهذه الأبيات صورة فوتوغرافية بعد أن أخرجنا الألواح الذهبية و وضعناها عند منبر المسجد الحرام و بعد أن أخذنا لها الصورة أرجعناها في محلها.

ثم في يوم الأحد التاسع عشر من شعبان من السنة المذكورة، عملوا عتبة باب الكعبة السفلية، أي البسطه التي عند مدخل الباب و فرشوها بالرخام الأبيض الذي أخرج من جدار داخل الكعبة، و وضعوا فوق هذا الرخام قضيبين من الحديد على شكل نصف دائرة، لتمشي عليهما عجلتا مصراعي الباب ليسهل فتحهما و قفلهما.

إصلاح درج الكعبة التي في داخلها

و في يوم الأحد التاسع عشر من شعبان من السنة المذكورة سنة (1377) هجرية أصلحوا الدرج إلى داخل الكعبة الموصل إلى سطحها، و هذا الدرج نصفه الأسفل من الرخام أي إلى علو ثلاثة أمتار و نصف متر، ثم ما كان من الدرج بعد هذا فهو من ألواح الخشب السميك الثخين إلى أن تصل إلى السطح.

فرموا الدرجات الرخامية بالنورة و الإسمنت، و أصلحوا من الدرجات الخشبية و الساتر الخشبي الذي وراءها ما يحتاج إلى إصلاح، مع العلم بأنهم لم يغيروا درجة واحدة و لم يرفعوا شيئا عن مكانه، لا من الدرجات الرخامية و لا من الدرجات الخشبية، و إنما أصلحوا ما يحتاج إلى إصلاحه فقط لا غير.

و نحن قد تكلمنا في مبحث آخر عن هذا الدرج فلا نكرر الكلام هنا.

407

دهن أعمدة ابن الزبير التي بجوف الكعبة و وصفها

لقد تكلمنا في مبحث آخر عن الأعمدة الثلاثة التي هي من خشب الساج القوي المتين، و التي وضعها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما في جوف الكعبة حين عمارته لها ليحمل سقفها، و الباقية في داخلها إلى يومنا هذا. و هنا نتكلم عنها من جهة شكلها و صفتها بالتحقيق التام، حيث رأيناها من أسفلها إلى أعلاها، بواسطة السقايل التي عملت في وقتنا الحاضر لعمارة سقفي الكعبة المشرفة و ترميم باطنها، فوصفنا لها يكون عن مشاهدة بأعيننا و التحقيقات التامة التي عملناها عنها بأنفسنا. فالحمد للّه على هذه التوفيقات العظيمة المتتالية علينا من فضله الواسع، كما أننا نتكلم عنها فيما جرى فيها من ترميمها و دهانها و هو كما يأتي:

إنه في يوم السبت الخامس و العشرين من شعبان سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، بدؤوا في تنظيف هذه الأعمدة الثلاثة التي وضعها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما في داخل الكعبة لحمل السقف، فنظفوها من أعلاها إلى أسفلها، ثم في المواضع المتآكلة و الأخراق الظاهرة فيها، بسبب مرور أكثر من ألف و ثلاثمائة عام عليها، معجون الجبس المختلط بالزيت أو السبيداج يعجن بالزيت المغلي و هو زيت الكتان و يوضع عليه قليل من السلقون لينشف سريعا، ثم يسد به الأخراق و الأشطاب و الفجوات التي على الأخشاب، ثم يسوى بسطح الخشب و يصنفر حتى يكون ناعما في الشكل ثم يدهن بعد ذلك بأي لون كان. ثم إنهم في يوم الأحد السادس و العشرين من شهر شعبان من السنة المذكورة، دهنوا هذه الأعمدة الثلاثة بالبوية الزيتية البنية.

هذا ما حصل في هذه الأعمدة الثلاثة المباركة الأثرية القيمة، من دهنها بالبوية بعد معجون السبيداج و لم يكن فيها غير ذلك، و إليك فيما يأتي وصف هذه الأعمدة:

طول هذه الأعمدة الثلاثة التي وضعها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما في الكعبة هو كما يأتي:

س/ متر

3/ 7/ طول العمود الأول الذي هو مما يلي حجر إسماعيل عليه الصلاة

408

و السلام.

0/ 7/ طول العمود الثاني بالوسط.

12/ 7/ طول العمود الثالث المقابل لباب الكعبة مما يلي الحجر الأسود.

44/ 0/ قطر كل عامود من هذه الأعمدة الثلاثة المذكورة.

مع العلم بأن هذا القياس هو من رخام أرض الكعبة إلى رأس كل عمود، أما مقدار ما هو مغروز على أرض الكعبة فلم نطلع عليه، ربما كانت هذه الأعمدة مغروزة نحو نصف متر أو أقل أو أكثر اللّه تعالى أعلم به، و تحت أسفل كل عمود من هذه الأعمدة الثلاثة قاعدة مربعة منقوشة ضلعها (75) سنتيمترا، و يوجد على رأس كل عمود من هذه الأعمدة الثلاثة جلبة" بضم الجيم": من الحديد الثخين، سمك بوصة واحدة في عرض أربع بوصات. و معنى الجلبة في عرفنا الطوق من الحديد، رأينا كل ذلك بأعيننا و قسنا كل ذلك بأنفسنا.

و اعلم بأن فوق كل عمود من هذه الأعمدة الثلاثة تاج من الخشب الجيد، و فوق كل تاج كابولي طوله متران و 40* 25 سنتي، و الكابولي عبارة عن ألواح من الساج الهندي. و مركب على هذا الكابولي العود الذي تحت الأعواد الثلاثة للسقف الثاني، الذي أحد طرفيه في الجدار الشمالي جهة حجر إسماعيل، و طرفه الثاني في الجدار الذي بين الركنين، و هذا العود موضوع فوق الكابولي على صورة الارتكاز لا على صورة الحمل، و قياس التيجان الثلاثة التي على الأعمدة الثلاثة هو كما يأتي:

س/ متر

50/ 0/ ارتفاع كل تاج من التيجان الثلاثة.

55/ 0/ عرض أعلى كل تاج.

40/ 0/ عرض أسفل كل تاج.

و هذه التيجان الثلاثة مزخرفة و هي تشبه التيجان الرخامية التي توضع على رؤوس الأعمدة الرخامية التي في المساجد و غيرها. و لقد استنتجنا من شكل هذه التيجان الخشبية أنها عملت بالهند، أو صنعها العمال الهنود بمكة المكرمة، في عمارة السلطان مراد الرابع (رحمه اللّه تعالى) للكعبة المشرفة سنة (1040) ألف و أربعين هجرية. و اللّه تعالى أعلم.

409

ثم إنه في يوم السبت الخامس و العشرين من شهر شوال من السنة المذكورة (1377) هجرية، وضعوا على كل عمود من هذه الأعمدة الثلاثة، ثلاثة أطواق من الفضة على قدر القامة فقط، ففي أسفل كل عمود طوق واحد، و فوق ذلك بقليل طوق ثاني، و فوق ذلك بقليل على قدر القامة طوق ثالث، و عرض كل طوق من هذه الأطواق التسعة سبعة سنتيمترات تقريبا، ما عدا الثلاثة الأطواق العليا فعرض كل منهما ضعف ذلك.

فرش أرض الكعبة بالرخام‏

ثم في يوم الأحد السادس و العشرين من شهر شعبان المعظم من السنة المذكورة (1377) هجرية، فرشوا أرض الكعبة الغراء بالرخام من غير أن يقلعوا من الرخام القديم شيئا، أي فرشوا في أرضها رخاما جديدا فوق الرخام القديم، فكان ارتفاع الرخام الجديد عن القديم بمقدار خمسة سنتيمترات تقريبا.

و يا ليت أنهم لم يفرشوا رخاما جديدا فوق الرخام القديم لثلاثة أمور:

(الأول): أن الرخام القديم هو من أجود الرخام و بعضها نادر الوجود.

(الثاني): عدم حصول أي خراب في الرخام القديم، بل إنه قوي و سليم و جميل للغاية.

(الثالث): أن أرض الكعبة من داخلها علت بمقدار خمسة سنتيمترات أو أكثر بسبب فرش الرخام الجديد فوق الرخام القديم، و لكن قد كان ذلك و لا حيلة لنا، و نحن ذكرنا هذا الأمر لتسجيل ما حصل في تاريخنا هذا.

الانتهاء التام من عمارة الكعبة

في ليلة الاثنين السابع و العشرين من شهر شعبان سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، رفعوا الجزء الصغير الباقي من الستارة الخشبية التي تقابل وجه الكعبة من خارجها، فرفعوا في هذه الليلة هذا الجزء من الستارة الخشبية، بحيث ما جاء الصباح إلا و لم يبق منها شي‏ء مطلقا، لانتهاء العمل من الكعبة المشرفة فلم تبق هناك حاجة للستارة.

410

ثم في صباح يوم الاثنين المذكور، علقوا قناديل الكعبة في مكانها الأول بين الأعمدة بجوف الكعبة المطهرة، ثم كنسوها و نظفوها من أثر الشغل و العمل و كان مؤلف هذا الكتاب يتشرف بالكنس و التنظيف أيضا. و بذلك انتهى العمل في الكعبة المشرفة داخلها و خارجها تمام الانتهاء، فلم يبق فيها شي‏ء يحتاج إلى الإصلاح مطلقا، فالحمد للّه رب العالمين.

ثم إنه في يوم الثلاثاء الثامن و العشرين من شعبان من السنة المذكورة، قام سدنة الكعبة المشرفة بغسلها غسلا جيدا بماء زمزم المعطر حسب العادة المتبعة في كل عام في مثل هذا اليوم من هذا الشهر و قد تشرف أيضا مؤلف هذا التاريخ محمد طاهر الكردي الخطاط بغسل الكعبة مع الحاضرين، نسأل اللّه رضاءه و عفوه و عافيته. و بهذا انتهينا من كل شي‏ء في الكعبة المطهرة زادها اللّه تعالى شرفا و تعظيما و مهابة و تكريما. و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

نقل ما في حجر إسماعيل من الأحجار و الأترية و الأخشاب‏

قلنا فيما تقدم أنهم كانوا يجمعون التراب و الأحجار و الأخشاب القديمة و غيرها، مما يخرج من سقفي الكعبة المشرفة و ما حولها و ما في داخلها، في حجر إسماعيل من جهة الميزاب، بعدما كانوا يضعونها في الزنابيل و هي القفاف المعمولة من الخوص، يوضع فيها التراب و الأحجار و نحوها ثم يحمل و يرمى في مكان ما، و احتراما للشغل في الكعبة المطهرة غلفوا كل قفة من ظاهرها بقماش أبيض.

و بعد أن تجمع الشي‏ء الكثير في حجر إسماعيل مما خرج من الكعبة و قد انتهت عمارتها، نقلوا كل ذلك إلى جهة الصفا موضع السعي أمام درج الصفا و على جانبها الأيمن، في أربعة مواضع أو ستة، كل موضع بني على شكل مستطيل أجوف قائم من الأرض إلى السماء في علو بضعة أمتار، نقلوه بواسطة أكياس من الخيش توضع فيها الأتربة و الأحجار و الأخشاب و النورة و المسامير القديمة التي خرجت من الكعبة في عمارتها، ثم يصلون بها إلى جهة درج الصفا فيطرحونها في المواضع المبنية المذكورة، و هذه المواضع ليس لها منافذ إلا من رؤوسها فكانوا يرمونها فيها من رؤوسها.

كل ذلك حرمة لما خرج من الكعبة و لئلا يفتتن بها العوام، كما كان يفعل الأقدمون ذلك عند عمارة الكعبة المشرفة، كعبد اللّه بن الزبير حينما وضع ما

411

خرج من الكعبة عند عمارته لها في باطنها و كبسه فيه، و كذلك السلطان مراد الرابع حينما عمّر الكعبة الغراء وضع ما خرج منها في نفس المسجد الحرام في الدكتين اللتين في باب الزيادة.

أسماء المشرفين على العمل و حضورهم يوميا في الكعبة

و مما يجب التنويه عنه ذكر الرجال المشرفين على هذه العمارة و حضورهم يوميا في الكعبة المشرفة ما عدا سدنة الكعبة المشرفة الفضلاء فهؤلاء كانوا يفتحون الكعبة المشرفة يوميا و يجلسون أمام بابها و أسماؤهم كما يأتي:

(1) المعلم الكبير وزير الدولة الشيخ محمد عوض بن لادن، بكسر الدال المهملة، مدير الإنشاءات العمومية.

(2) سعادة الشيخ عبد اللّه بن خثلان، أمين العاصمة و نائب رئيس اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام.

(3) سعادة الشيخ محمد صالح القزاز، مدير مكتب مشروع توسعة المسجد الحرام.

(4) سعادة الشيخ عبد اللّه بن سعيد، عضو اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام، و مدير العمل و العمال بمكتب مشروع التوسعة.

(5) مؤلف هذا التاريخ، محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي الخطاط عضو اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام، و مدير قسم التأليف و الآثار التاريخية بمكتب مشروع التوسعة.

هؤلاء كانوا يحضرون يوميا للإشراف على العمارة، و يجلسون أحيانا فوق سطحها إذا كان العمل في السطح، و أحيانا يجلسون في داخل الكعبة أو أمام بابها مع سدنتها الفضلاء إذا كان العمل في داخلها أو حولها.

أما سعادة الشيخ محمد صالح باخطمة المدير المساعد لمكتب مشروع التوسعة، فقد كان يحضر إلى الكعبة المشرفة بعض الأحيان، حيث لا يتمكن من الحضور يوميا لكثرة أشغاله بالمكتب المذكور.

و أما الذين يحضرون من أهل مكة و غيرهم من مختلف أجناس العالم الإسلامي، بل و من جميع أطراف المملكة العربية السعودية إلى الكعبة المشرفة في مختلف الأيام و الأوقات، للنظر إلى كيفية العمل فيها، و للتشرف بالخدمة في حمل‏

412

شي‏ء من الأحجار و الطين و الأخشاب و نحوها و لو زمنا قصيرا، فهؤلاء كثيرون مدفوعون بالعوامل الدينية و التشرف بالخدمة الذاتية، لهذا البيت الكريم الذي جعله اللّه مثابة للناس و أمنا، و أطعم أهله من الجوع و آمنهم من الخوف، كما هو في صريح القرآن العظيم و كيف لا يتشوق الناس إلى رؤية عمارة هذا البيت الحرام، الذي يطوفون حولها آناء الليل و أطراف النهار، و يتضرعون عنده إلى رب هذا البيت الكريم و رب العرش العظيم و رب السموات و الأرض، عسى أن يتداركهم بلطفه و رحمته و عفوه و غفرانه و فضله و هو سبحانه و تعالى بعباده لطيف خبير.

فعمارة البيت الحرام لا تقع كل سنة مرة، و لا تقع في العمر مرة، و إنما تقع بعد مئات السنين مرة واحدة، ففوات مشاهدة عمارتها لمن وقعت في زمانه، و هو حاضر بمكة المشرفة، حسرة و أي حسرة.

نسأل اللّه العلي العظيم الكبير المتعال أن يوفقنا و يقبلنا، و أن يعفو و يغفر لكل من شاهد عمارة بيته و قام بخدمته و لمن حصل له عذر فلم يتمكن من المشاهدة و الخدمة، فإنه تعالى قادر على أن يغفر لجميع المؤمنين و المؤمنات و أن يبدل سيئاتهم حسنات، و أن يعطي كل سائل مسألته من غير أن ينقص من ملكه مثقال ذرة، و كيف يتصور نقصان شي‏ء من ملك من يقول للشي‏ء" كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء و إليه ترجعون".

سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيي و يميت، و هو على كل شي‏ء قدير. اللهم صل على محمد و على آل محمد و سلم تسليما كثيرا.

العمال الذين اشتغلوا في عمارة الكعبة

لقد اشتغل في عمارة الكعبة المشرفة بداخلها و سقفها و جانبها، معلمون و مهندسون و عمال عاديون من كافة الطبقات، و أغلب المهندسين و العمال الفنيين هم من أهل مصر، ثم من أهل مكة خصوصا المنقلون الذين اشتغلوا بتنقيل جدران الكعبة هؤلاء كلهم من أهل مكة، أما العمال العاديون فمن كافة أجناس المسلمين المقيمين بمكة المشرفة منهم من اشتغل بالأجرة اليومية و هم الفقراء و منهم من اشتغل احتسابا للّه تعالى، كما اشتغل و خدم و لو زمنا يسيرا بعض فضلاء أهل البلاد ابتغاء وجه اللّه تعالى.

413

و الجميع كانوا يشتغلون بأدب و احترام لائقين ببيت اللّه الحرام، و غالبهم لا يشتغل إلا و هو على وضوء كامل و كانوا لا يتكلمون بأمور الدنيا إلا بقدر الحاجة، و أكثرهم يشتغل و هو يسبح اللّه تعالى و يذكره و يدعوه و يستغفره و كانوا في نشوة عظيمة من الفرح و النشاط، و السرور و الإخلاص، و كيف لا و هم في أشرف بقعه و أقدس مكان على وجه الأرض.

" ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين".

كلمة ختام‏

و مما يجب علينا ذكره في هذا المقام التحدث بألطاف اللّه سبحانه و تعالى، و توفيقه التام في عمارة بيته الحرام، و ذلك بأنه لم يحدث و للّه الحمد أية حادثة لأحد ممن يشتغل في هذه العمارة الشريفة منذ ابتداء العمل إلى يوم انتهائه، بل إنه لم ينزل في أيام العمل مطر مطلقا على مكة المكرمة، فلو نزل المطر و العمل جار في سقف الكعبة و هو مكشوف لحصل ضرر في الطين و النورة و الشغل الطري، لكن اللّه جل جلاله تداركنا بتوفيقه الكبير، و تدارك العمال الذين يشتغلون في الكعبة باللطف و المعونة التامة، حتى انتهى كل شي‏ء على ما يرام و للّه الحمد. فالحمد للّه على نعمائه العظمى و ألطافه الخفية.

و إن شاء اللّه تعالى سنذكر هذه البناية مع جميع بنايات الكعبة في منظومة خاصة.

الإذاعة تؤدي واجبها من فوق سطح الكعبة المشرفة

قامت مديرية الإذاعة السعودية بأداء واجبها في نشر أخبار تغيير سقف الكعبة المشرفة أولا فأولا و خطوة خطوة، فأرسلت مندوبا من طرفها إلى المسجد الحرام لإذاعة الأخبار عن مباشرة العمل في تغيير سقف الكعبة، فوصل مندوبها الأستاذ" عباس فائق الغزاوي" فرقى إلى سطح الكعبة و وقف على السقايل الخشبية المحيطة بجوانب الكعبة المشرفة في انتظار حضرة صاحب السمو الملكي ولي العهد المعظم الأمير" فيصل بن عبد العزيز" آنذاك للبدء في تعمير بيت اللّه الحرام، و قد اجتمع على سطحه الأعلى المهندسون و العمال و بعض الناس من كافة الطبقات من‏

414

المكيين و غيرهم و من ضمنهم مؤلف هذا الكتاب" محمد طاهر بن عبد القادر الكردي" عفا اللّه تعالى عنهما.

فلما كانت الساعة الرابعة العربية بحسب توقيت مكة المكرمة، الموافقة للساعة التاسعة و النصف الإفرنجية، أي قبل صلاة الجمعة بساعتين و نصف ساعة، من اليوم الثامن عشر من شهر رجب سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف هجرية قمرية، و 18 من شهر الدلو سنة (1336) هجرية شمسية، و 8 من شهر فبراير سنة (1958) ميلادية، حضر صاحب السمو الملكي الأمير" فيصل" المذكور إلى المسجد الحرام، فتشرف بدخول الكعبة المعظمة أولا و صلى فيها ركعتين، ثم صعد إلى سطح الكعبة المطهرة من الخشب المدرج المعمول كالسلالم لصعود الناس و العمال من خارج الكعبة من فوق حجر إسماعيل إلى أعلى الكعبة، فبدأ سموه الكريم بهدم جزء صغير من إفريز سطح الكعبة الشريفة من جهة الركن الغربي بمطرقة في يده و بعد ذلك تتابع الناس بالهدم و قلع رخام السطح.

و كانت الإذاعة السعودية تواصل أخبار العمل، و تسأل كبار الموجودين فوق السطح عن شعورهم فيما يجري ببيت اللّه الحرام من التعمير و الإصلاح، فيجيبون و قد أخذتهم نشوة الفرح و العزيمة الصادقة في خدمة البيت الحرام" كلنا نحب الإصلاح و تعمير الخراب الواقع في الكعبة المطهرة قبلة عموم المسلمين كافة".

و لقد أظهر التسجيل الذي حصلت عليه الإذاعة أصوات الجمهور من علية طبقات البلاد، الذين أخذوا يشاركون في الإصلاح بحماس منقطع النظير، و إخلاص عظيم و أدب تام لائق ببيت اللّه الحرام، و كانوا و هم يشتغلون يرددون كلمتي الشهادة" لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه" و يقرؤون آية: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ و كانوا يقولون:" اللهم إنا لا نريد إلا الإصلاح و إنك تحب المصلحين".

فكان ذلك تسجيلا تاريخيا استغرقت إذاعته ساعة و نصف ساعة من فوق سطح الكعبة المشرفة.

الإذاعة السعودية تسأل مؤلف هذا الكتاب‏

ثم توجه مندوب الإذاعة الأستاذ عباس فائق الغزاوي إلى مؤلف هذا الكتاب" محمد طاهر الكردي" و هما فوق سطح الكعبة المشرفة فسأله ما يأتي:

415

س: ما هو تاريخ الإصلاحات التي أدخلت على الكعبة المشرفة؟

ج: فأجبنا على سؤاله إجابة مختصرة، لأن الوقت لا يتسع للتطويل و صلاة الجمعة في انتظارنا، فأذاع عنا هذه الجملة الآتية و هي:

لقد حصلت إصلاحات كثيرة في بناية الكعبة المشرفة منذ بنائها الأول في عهد خليل اللّه" إبراهيم" عليه الصلاة و السلام، لأنها من بناء البشر و عمل الإنسان، و هذا معرض للخراب و قابل للإصلاح، فلو أراد اللّه عز شأنه أن لا تمتد إليها أيدي البشر لخلقها قطعة واحدة من الجوهر.

فعلى ذلك فإنه كلما حصل في الكعبة شي‏ء من الخراب كما هو العادة في البنايات، بادر الخلفاء و السلاطين و الملوك و ذووا الشأن في إصلاحه قبل أن يتفاقم، فإذا احتاج الأمر إلى تجديد بنائها كلها بادروا إلى ذلك، و أجروا الإصلاحات و العمارات بأنفسهم بكل أدب و احترام.

و لقد بنيت الكعبة المشرفة إحدى عشرة مرة، فأول من بناها على الأشهر خليل اللّه" إبراهيم" عليه الصلاة و السلام منذ أربعة آلاف سنة تقريبا، و آخر من بناها السلطان مراد خان الرابع (رحمه اللّه تعالى) بعد أن هدمها السيل العظيم الذي دخل المسجد الحرام و كان ذلك سنة ألف و أربعين من الهجرة، و هي هذه البناية الموجودة الآن، ثم حصلت بعده إصلاحات و ترميمات متعددة.

و أما إصلاحها في هذا اليوم المبارك و في هذه اللحظة اللطيفة فإنه لتغيير سقفها الأعلى و بعض ما يحتاج إلى الإصلاح من الداخل، و ذلك بحضور سمو الأمير (فيصل) ولي العهد المعظم و رئيس مجلس الوزراء، و بصحبته ضيفه الكريم سمو الأمير" الحسن بن محمد" نجل جلالة ملك المغرب، و بوجود بعض الشخصيات البارزة و الجمهور الكريم و وجود المشرف العام على مشروع توسعة المسجد الحرام و عمارة الكعبة المشرفة، و وجود مدير مكتب التوسعة.

و إن شاء اللّه تعالى عما قريب سنطبع الكتاب الذي شرعنا في تأليفه عن تاريخ بلد اللّه الأمين و بيته المطهر و توسعة المسجد الحرام، و سينشر هذا الكتاب بحول اللّه تعالى في أنحاء العالم الإسلامي ليقفوا على الحقيقة التامة و المعلومات الصحيحة الوافية، نسأل اللّه تعالى القبول و الرضى و الفوز بالجنة و النجاة من النار بفضله و رحمته.

416

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، و تب علينا إنك أنت التواب الرحيم، و صلى اللّه على سيدنا" محمد" و على آله و صحبه و سلم.

انتهت إجابتنا على سؤال مندوب الإذاعة السعودية.

و بهذا تكون الإذاعة السعودية قامت بواجبها لأول مرة في نشر أخبار عمارة الكعبة المقدسة من فوق سطحها، و بهذا يحق لها أن تفتخر على جميع إذاعات العالم و لقد وقعت الإذاعة من سطحها ثلاث مرات:

(1) في صباح يوم الجمعة الثامن عشر من شهر رجب سنة ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين هجرية، لمناسبة الابتداء في هدم سقف الكعبة.

(2) في صباح يوم السبت التاسع عشر من شهر رجب من السنة المذكورة، لمناسبة الابتداء في عمارة السقف.

(3) في مساء يوم الاثنين الحادي و العشرين من شهر رجب من السنة المذكورة و ذلك قبيل المغرب، لمناسبة إذاعة دعاء عام شامل لجميع المسلمين في أقطار المعمورة، تلاه مؤلف هذا الكتاب" محمد طاهر الكردي" غفر اللّه له و لوالديه و للمسلمين آمين و طبعا بعد انتهاء هذه العمارة الشريفة لن تتكرر إذاعتها لشي‏ء من الأخبار من فوق سطح الكعبة المعظمة.

اللهم كما قدرت في سابق الأزل بعمارة بيتك المحرم و توسيع المسجد المكرم، فعمر قلوبنا بطاعتك و نور بصائرنا بنور معرفتك، و وسع على أهل بلدك الأمين و سائر بلاد المسلمين، من الرزق الحلال الواسع و الخير العميم، فإنك واسع الفضل و الإحسان يا عزيز يا كريم، و صلى اللّه على نبينا" محمد" و على آله و صحبه.

دعاء مؤلف هذا الكتاب المذاع من فوق سطح الكعبة

و في يوم الاثنين الحادي و العشرين من شهر رجب سنة (1377) سبع و سبعين و ثلاثمائة و ألف من الهجرة رأينا أن ننتهز وجودنا فوق سطح الكعبة المعظمة و وجود العمال و فضلاء أهل البلاد و كلنا نشتغل في العمل لتجديد سطحها، أن نتضرع إلى اللّه الحميد المجيد، و أن ندعوه بدعاء شامل عام لجميع المسلمين، أن يصلح أحوالنا و أن يعم بلاد المسلمين كافة بالخير و الرخاء و الأمن و الأمان، فإن الدعاء إذا صدر من قلب سليم خاشع و في يوم ميمون و وقت مبارك‏

417

كان ذلك أدعى للاستجابة، و هل نجد أفضل بقعة من نفس بيت اللّه الحرام و فوق سطحه المرفوع.

و في يوم الاثنين المبارك و قبيل المغرب، و نحن نشتغل في تجديد سقفه الأعلى المعمور، رفعنا أكف الضراعة و الابتهال إلى اللّه الملك العزيز الكبير المتعال بقلب خاشع، نحن ندعوا و جميع الحاضرين يرددون معنا الدعاء و يؤمنون على ما نقول، و لقد بدأنا بالحديثين القدسيين الشهيرين، حيث يكون لهما وقع كبير في نفوس السامعين، و ختمناهما بالدعاء الشامل لعموم المسلمين حسبما يأتي:

و لقد أذيع الحديثان مع الدعاء من الإذاعة السعودية في صباح يوم الأحد الثاني عشر من شهر شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و سبعة و سبعين من الهجرة و إليك كل ذلك:

بسم اللّه الرحمن الرحيم روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه عن النبي (صلى الله عليه و سلم) فيما يروى عن اللّه تبارك و تعالى أنه قال:" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أو فيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد اللّه و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".

و روى الترمذي عن أنس رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) يقول:

" قال اللّه تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت‏

418

لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة".

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ* وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏.

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً

نستغفر اللّه العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و نتوب إليه. شهد اللّه أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير.

اللهم لك الحمد كالذي نقول و خيرا مما نقول، اللهم لك الحمد حمدا يوافي نعمك و يكافئ مزيدك و كرمك. الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه.

اللهم إنا ندعوك و نحن نخدم بيتك الحرام، و نشتغل بتجديد سقفه المرفوع، في هذا اليوم الأغر.

اللهم إنك أمرتنا بدعائك، و وعدتنا بإجابتك، و قد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا.

اللهم إنا ندعوك في هذه اللحظة المباركة، و نحن على سطح بيتك الحرام، و نتضرع إليك و أنت الملك القدوس السلام و نطمع في برك و إحسانك و رحمتك، و أنت البر الرحيم الكبير المتعال.

419

اللهم إنا نسألك إيمانا كاملا، و يقينا صادقا، و قلبا خاشعا، و لسانا ذاكرا، و رزقا حلالا واسعا، و علما غزيرا نافعا، و توبة قبل الموت، و راحة عند الموت، و مغفرة و رحمة و عفوا عند الحساب.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، و تحول عافيتك، و فجاءة نقمتك، و جميع سخطك.

اللهم إنا نسألك رضاك و الجنة، و نعوذ بك من سخطك و النار.

اللهم يا من لا تنفعه الطاعة و لا تضره المعصية، هب لنا مالا ينفعك، و اغفر لنا ما لا يضرك يا واسع المغفرة.

اللهم نور قلوبنا و قبورنا، و بصائرنا و أبصارنا، أغننا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، و بفضلك عمن سواك.

اللهم حبب إلينا الإيمان و زينه في قلوبنا، و كره إلينا الكفر و الفسوق و العصيان، و اجعلنا من الراشدين.

اللهم استرنا في الدنيا و الآخرة بسترك الذي لا ينكشف، و اجعلنا من التوابين المتطهرين.

اللهم اختم لنا بخاتمة أهل الخير و السعادة، و هون علينا سكرات الموت، حتى لا نجد له تعبا و لا نصبا، و اجعل موتنا على شهادة و طهارة و نظافة، بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم يسر أمورنا، و اشرح صدورنا، و نور قلوبنا، و افتح لنا أبواب رحمتك و فضلك، يا مجيب الدعوات يا اللّه.

لا إله إلا اللّه العظيم الحليم، لا إله إلا اللّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللّه رب السموات و رب الأرض رب العرش الكريم.

اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته، و لا هما إلا فرجته، و لا كربا إلا كشفته، و لا فسادا إلا أصلحته و لا مريضا إلا شفيته، و لا شاكيا إلا عافيته، و لا حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلا قضيتها بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.

420

اللهم أعز الإسلام و المسلمين، و وفقهم للتمسك بالدين، و ارفع عنهم التنازع و الشقاق و النفاق، و اهدهم إلى الخير و محاسن الأخلاق، و أكثر فيهم من العلماء العاملين، و الأتقياء المخلصين، و الأبرار المقربين.

اللهم أهلك الكفرة و المشركين، و اجعل بأسهم بينهم إلى يوم الدين، و فرق كلمتهم، و شتت شملهم، و دمر ديارهم يا رب العالمين.

اللهم وفق ملوك المسلمين و رؤساءهم و أمراءهم و وزراءهم إلى الخير و الطريق المستقيم، و وفقهم لخدمة رعاياهم و بلادهم و اقذف في قلوبهم الخوف منك، حتى يبتعدوا عن الظلم و الاستبداد، و نور بصائرهم حتى يروا طريق الرشاد و وجههم إلى كل ما ينفع العباد و البلاد، و ألن قلوبهم للضعفاء و الفقراء، و أرشدهم إلى المصالح العامة و الخاصة، و اجعل المحبة متبادلة بينهم و بين شعوبهم و رعاياهم، و توجهم بتاج العز و الكرامة، و انصرهم على أعداءهم يا رب العالمين.

اللهم تقبل هذا العمل المبرور، عمارة بيتك المطهر، و عمارة المسجدين الحرامين بمكة و المدينة، من عبدك الخاضع لجلالك و أمرك، الذي وليته على عبادك، خادم الحرمين الشريفين" سعود بن عبد العزيز" و وفقه لنصرة دينك القويم و خدمة العباد و البلاد، و توجه بتاج العز و الكرامة، و وفق أخاه ولي عهده" فيصل بن عبد العزيز" إلى طرق الخير و الرشاد، و ارحم اللهم عبدك مؤسس المملكة السعودية الأول" عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود" الذي فكر قبل كل أحد في توسعة المسجدين الحرامين و وضع لهما خطتهما.

اللهم اغفر له و ارحمه و تجاوز عنه و اجزه عن الإسلام خير الجزاء، و وفق اللهم جميع أمرائنا و وزرائنا و المسؤولين في دوائرنا و أمورنا لخدمة العامة و الخاصة في جميع مرافق الحياة.

اللهم اجعل هذا البلد الأمين، و بلد خاتم المرسلين، و جميع بلاد المسلمين، آمنة رخية عامرة بالتقوى و الخيرات، و اسقهم غيثا مغيثا هنيئا مريئا و لا تجعلهم من القانطين.

اللهم أنبت لنا الزرع، و أدر لنا الضرع، و أنزل علينا من بركات السماء، و أنبت لنا من بركات الأرض. و اكشف عنا من الغلاء و البلاء، و الأمراض و الوباء، ما لا يكشفه غيرك، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا.

421

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، و اعف عنا و اغفر لنا و ارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم صل و سلم و بارك على عبدك و نبيك الذي أرسلته رحمة للعالمين، سيدنا" محمد" خاتم الأنبياء و المرسلين كما صليت و سلمت و باركت على خليلك" إبراهيم" الذي رفع قواعد هذا البيت الحرام، و على جميع الأنبياء و المرسلين، و آلهم و صحبهم أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام على المرسلين و الحمد للّه رب العالمين.

بعض الآيات و التكبيرات التي أذاعها مؤلف هذا الكتاب‏

و في ضحى يوم الأحد حادي عشر من شهر شعبان سنة ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية، رأينا أن نتشرف بإذاعة بعض الآيات القرآنية الواردة في حق بيت اللّه الحرام، مصحوبة بالتكبير و التهليل، كل ذلك لمناسبة انتهاء عمارة الكعبة المشرفة و تلبيسها ثوبها بحضور جلالة الملك المعظم.

فقبل حضور جلالته بدقائق معدودة صعدنا إلى منبر المسجد الحرام و تلونا هذه الآيات الآتية أمام ميكروفون الإذاعة الذي وضع فوق المنبر الرخامي و إليك نص الآيات مع التهليل و التكبير.

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى‏ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ* وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ‏.

422

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏.

وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ* رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى‏ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ* رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ‏.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ، وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ* ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَ أُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ* ذلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ* لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ‏.

اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر و للّه الحمد.

سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

شهد اللّه أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم* و إنا على ذلك من الشاهدين يا رب.

423

لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير. لا إله إلا اللّه العظيم الحليم لا إله إلا اللّه رب العرش العظيم، لا إله إلا اللّه رب السموات و رب الأرض رب العرش الكريم.

الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه. الحمد للّه حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا و يرضى، ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه.

سبحان اللّه و بحمده سبحان اللّه العظيم. حسبي اللّه لا إله إلا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم. لا إله إلا اللّه و لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين و لو كره الكافرون، لا إله إلا اللّه صدق وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده. اللهم صلّ على محمد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏.

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ* وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.

انتهى.

قراءة القرآن و الحديث في جوف الكعبة (بعد الانتهاء من عمارتها)

مما لا شك فيه أن الإنسان إذا عمل عملا عظيما فريدا من الناحية الشرعية أو من الناحية الاجتماعية، فإنه يكاد يطير من الفرح و السرور، كما و أن أية أمة إذا انتصرت على أخرى في الحرب تقيم لذلك الزينات و الحفلات و الولائم.

424

و من هنا استحب شرعا سجود الشكر عند تجدد نعمة أو اندفاع نقمة، كما هو عند الشافعية و الحنابلة و الحنفية، أما المالكية فقالوا سجدة الشكر مكروهة و إنما المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة صلاة ركعتين.

هذا و إن عمارة الكعبة و المسجدين الحرامين، أحق بإظهار الفرح و السرور و عمل الخيرات و الصدقات، لذلك لما انتهى و فرغ عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه و عن أبيه أحد المبشرين بالجنة من بناء الكعبة زادها اللّه شرفا و تعظيما و مهابة، في سابع عشر من رجب سنة (65) خمس و ستين قال:" من كانت لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم فمن قدر أن ينحر بدنة فليفعل و من لم يقدر على بدنة فليذبح شاة و من لم يقدر فليتصدق بقدر طوله" ثم خرج ابن الزبير ماشيا حافيا و خرج الناس معه مشاة حفاة حتى اعتمروا من التنعيم شكرا للّه سبحانه و تعالى، و لم ير يوما كان أكثر عتيقا و لا أكثر بدنة منحورة و لا شاة مذبوحة و لا صدقة من ذلك اليوم، و نحر ابن الزبير رضي اللّه عنهما مائة بدنة كما هو مذكور في تاريخ الأزرقي.

و لما أرسل أمير المؤمنين المتوكل على اللّه شيخ الصناع إسحاق بن سلمة الصايغ و أرسل معه أكثر من ثلاثين رجلا إلى مكة المكرمة و معهم كثير من الذهب و الفضة و الرخام و الآلات، لوضع الذهب على الزوايا الداخلية للكعبة، و عمل منطقة من فضة توضع فوق إزار الكعبة في تربيعها كلها منقوشة مؤلفة جليلة ناتئة، و عمل طوق من ذهب منقوش تتصل بمنطقة الفضة، و تلبيس الرخام المنقوش الذي كان في أعلى هذه المنطقة الفضية بالذهب الرقيق الذي يتخذ للسقوف و تغيير خشبة عتبة الكعبة بقطعة من خشب الساج و تلبيسها صفائح الفضة.

إلى غير ذلك من الإصلاحات في مكة و في الكعبة المشرفة و في المسجد الحرام و في منى، فلما فرغ إسحاق بن سلمة المذكور من جميع الأعمال في النصف من شعبان سنة (242) اثنتين و أربعين و مائتين، دخلوا الكعبة المعظمة فطيبوا جدرانها و أرضها، و أحضر لهم الحجبة في ذلك اليوم أجزاء القرآن الكريم فتفرقوها بينهم و قرأوا فيها حتى ختموا القرآن و أجافوا باب الكعبة عليهم- أي ردوه عليهم- عند فراغهم من ختم القرآن، فدعوا و دعا من حضر الطواف و ضجوا بالتضرع و البكاء إلى اللّه عز و جل، و دعوا لأمير المؤمنين و لولاة عهود المسلمين و لأنفسهم و لجميع المسلمين، فكان يومهم مشهورا شريفا حسنا كما حكاه الإمام الأزرقي.

425

و لا يخفى أن الثلاثة القرون الأولى في الإسلام هم خير القرون بنص الحديث الصحيح.

و لما انتهوا من بناء الكعبة المشرفة حسب أمر السلطان مراد الرابع في سنة (1040) أربعين و ألف، ختم العلامة خاتمة المحققين الشيخ محمد بن علان الصديقي المكي صحيح البخاري في جوف الكعبة مما يلي بابها الشرقي في جمع من العلماء و الفضلاء في صبيحة النهار و كان أمير مكة يومئذ معهم، كما ذكره الشيخ عبد اللّه الغازي في تاريخه.

قال العلامة ابن علان: فدخلنا الكعبة الشريفة و صلينا ركعتين، فحضر الشيخ تاج الدين النقشبندي، و الشيخ حسين و نائبه مفتي الحنفية، و شيخ الحرم عتاقي زاده، و جمع كثير من الصلحاء و من الأتقياء، و جلسنا فيما يلي الباب عند حذاء مجتمع درفتيه من وراء العمد، و دخل كثير من الناس الكعبة، و شرعت من صحيح البخاري من باب ما يجوز من تفسير التوراة و كتب اللّه بالعربية و غيرها إلى آخر الكتاب، و دعونا أجمعين بالنصر لسلطان الإسلام و المسلمين و بعد تمام القراءة و الدعاء خرجنا إلى خارج البيت مما أطاف به الأخشاب من الجانب الغربي فقسمنا فيه الطيب و البخور و الريحان و كان يوما مشهودا، و ألفت مؤلفا سميته:

" القول الحق و النقل الصريح بجواز أن يقرأ في جوف الكعبة الحديث الصحيح".

انتهى من تاريخ الغازي عند الكلام على بناء السلطان مراد الكعبة.

و قال الغازي أيضا في تاريخه: ذكر الشيخ أحمد الشماع في ترجمة الشيخ عبد اللّه البصري أنه قرأ في جوف الكعبة صحيح البخاري سنة (1109) تسع و مائة و ألف و كان في داخلها عمارة، و كذلك قرأه في داخلها مرة أخرى سنة (1119) تسع عشرة و مائة و ألف و كان أمر بتجديد بابها مولانا السلطان أحمد و القائم بذلك صاحب جدة و شيخ الحرم. انتهى منه.

نقول: لقد اعترض بعض العلماء المعاصرين لبناء الكعبة في عهد السلطان مراد العلامة المحقق الشيخ محمد علي بن علان لقراءته صحيح البخاري في جوف الكعبة بعد انتهاء بنائها حيث لم يعمل مثله فيما سبق و أجاز بعضهم قراءته حيث ما هنالك دليل للمنع، فترك فعل الشي‏ء فيما سلف لا يقتضي المنع منه إذا لم يقم للمنع وجه، و قد كان أمير مكة يومئذ مع القائلين بالجواز و أغلظ القول على من منع القراءة و نسبهم إلى الحسد و التعصب.

426

و مما لا شك فيه أن قراءة القرآن أو الأحاديث الصحيحة أو الدعاء للمسلمين و ولاتهم في جوف الكعبة على سبيل النادر ليس فيه شي‏ء مطلقا، و ذلك في بعض المناسبات القوية، أما تدريس القرآن أو الحديث بدون مناسبة قوية في جوف الكعبة فلا شك في عدم جوازه و وجوب منعه، حيث يشبه ذلك الكتاتيب و المدارس، فتقل هيبة الكعبة و هي لم تتخذ لذلك، بل هي للقبلة و الطواف و الالتجاء إلى اللّه تعالى بأستارها و الدعاء فيها و في جوانبها و ملتزمها و اللّه تعالى أعلم بالصواب، و إليه المرجع و المآب، و الصلاة و السلام على النبي الأمي الأواب، و على الآل و الذرية و الأصحاب.

هذا و لقد اقترحنا على بعض كبار المسؤولين عند الشروع في تجديد سقف الكعبة المعظمة و ترميمها، و ذلك في سنة (1377) ألف و ثلاثمائة و سبع و سبعين هجرية أن يجتمعوا مع عامة الناس في المسجد الحرام عند الكعبة المعظمة بعد الانتهاء من العمل فيها، للدعاء و الاستغفار و التضرع إلى اللّه تعالى و الالتجاء إليه، و طلب العفو و الغفران و إصلاح الحال و الأحوال و رفع ما نزل من الشدة و البلاء، و نصر المسلمين على أعداء الدين. و لكن مع الأسف الشديد لم يلتفتوا لاقتراحنا هذا، ففرق بين زماننا و الأزمان الماضية، فسبحان مغير الأحوال و مدبر الأمور لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

مقاييس الكعبة المشرفة و حدود المطاف قبل التوسعة السعودية و ما يتعلق بهما" مع بيان ارتفاعات بعض جبال مكة"

لقد قمنا في شهر رجب سنة (1367) سبع و ستين و ثلاثمائة و ألف هجرية، عند تأليف كتابنا" مقام إبراهيم (عليه السلام)" بأخذ قياسات الكعبة المعظمة و ما حولها من المطاف فأخذناها و وضعنا بيانها في الكتاب المذكور المطبوع بمصر.

و اطلعنا أيضا على ما ذكره إبراهيم رفعت باشا مؤلف كتاب" مرآة الحرمين" (رحمه اللّه تعالى) عن بعض القياسات المتعلقة بالكعبة و المطاف فقط، و لم نعلم درجة

427

صحة ما ذكره، فقد شككنا فيما ذكره و شككنا أيضا في القياسات التي أخذناها بأنفسنا، لأن كلينا لسنا من المهندسين المختصين.

و حيث أنه في زماننا هذا قد أحضرت الحكومة العربية السعودية طائفة من كبار المهندسين المصريين، لعمارة و تجديد سقفي الكعبة المشرفة و لتوسعة المسجد الحرام و توسعة شوارع مكة المكرمة، و حيث أننا أيضا أحد أعضاء اللجنة التنفيذية لتوسعة المسجد الحرام، و نحن نشتغل بهذا التاريخ القويم فقد رأينا من الواجب أن نأخذ جميع قياسات الكعبة و المطاف و كل ما يتعلق بهما بل و غير ذلك من مساحة المسجد الحرام و جبال مكة و المسعى و كل ما له اتصال" بمكة" بلد اللّه الأمين، من قسم المهندسين بمكتب مشروع التوسعة، و بذلك ينقطع الشك باليقين، و نعطي القوس باريها.

فطلبنا من صديقنا المهندس الأستاذ" فؤاد سعيد المصري" أن يعطينا جميع البيانات الخاصة بقياسات الكعبة المشرفة.

و هذه البيانات لا توجد في غير هذا الكتاب، و سنذكرها بعد قياسات الكعبة المعظمة في بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام، و بعد قياساتها في بناء قريش، و بعد قياساتها في بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما، و بعد قياساتها في بناء الحجاج بن يوسف الثقفي (رحمه اللّه تعالى). فإن هذه القياسات للبنايات الأربع المذكورة قد أخذناها من تاريخ مكة للإمام الأزرقي (رحمه اللّه تعالى) و رضي عنه الذي هو من أهل القرن الثاني.

و إليك قياسات البنايات الأربع للكعبة المشرفة مأخوذة من تاريخ الأزرقي:

قياسات الكعبة المعظمة

في البنايات الأربع المذكورة نقلا عن تاريخ الأزرقى عدد الأذرع قياس الكعبة في بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام‏

9 ارتفاع الكعبة من الأرض للسماء.

32 عرض الجدار الشرقي الذي فيه الباب.

31 عرض الجدار الغربي.

22 عرض الجدار الذي في حجر إسماعيل.

20 عرض الجدار الذي بين الركن الأسود و الركن اليماني.

428

عدد الأذرع قياس الكعبة في بناء قريش قبل البعثة بخمس سنين‏

18 ارتفاع الكعبة من الأرض للسماء.

26 عرض الجدار الشرقي الذي فيه الباب.

26 عرض الجدار الغربي.

22 عرض الجدار الذي في حجر إسماعيل.

20 عرض الجدار الذي بين الركن الأسود و الركن اليماني.

عدد الأذرع قياس الكعبة في بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما

27 ارتفاع الكعبة من الأرض للسماء.

32 عرض الجدار الشرقي الذي فيه الباب.

31 عرض الجدار الغربي.

22 عرض الجدار الذي في حجر إسماعيل.

20 عرض الجدار الذي بين الركن الأسود و الركن اليماني.

عدد الأذرع قياس الكعبة في بناء الحجاج بن يوسف الثقفي‏

27 ارتفاع الكعبة من الأرض للسماء.

26 عرض الجدار الشرقي الذي فيه الباب.

عدد الأذرع قياس الكعبة في بناء الحجاج بن يوسف الثقفي‏

26 عرض الجدار الغربي.

22 عرض الجدار الذي في حجر إسماعيل.

20 عرض الجدار الذي بين الركن الأسود و الركن اليماني.

لقد انتهينا من ذكر قياسات الكعبة المشرفة في البنايات الأربع المذكورة نقلا عن تاريخ الإمام الأزرقي الذي هو من أهل القرن الثاني للهجرة. و الآن نذكر قياسات الكعبة المشرفة و أبعادها و كل ما يتعلق بها بالأمتار المعروفة المستعملة في زماننا، نقلا عن المهندسين المصريين الذين حضروا إلى مكة المشرفة في عصرنا الحاضر لتجديد سقفي الكعبة المشرفة بأمر الحكومة العربية السعودية. و إليك بيانات جميع ذلك بالتفصيل التام:

سنتيمتر/ متر/ بيان المواضع التي أخذت قياساتها

84/ 1/ ارتفاع باب الكعبة المعظمة من أرض المطاف.

34/ 0/ طول القفل الذي على باب الكعبة.

429

سنتيمتر/ متر/ بيان المواضع التي أخذت قياساتها

86/ 9/ مقدار ما بين أول الحفرة التي كانت عند باب الكعبة إلى أول شباك مقام إبراهيم.

60/ 5/ مقدار ما بين أول الحفرة المذكورة إلى أول فتحة حجر إسماعيل يعني إلى انتهاء ضلع الكعبة.

80/ 4/ مقدار ما بين أول الحفرة المذكورة إلى ركن الحجر الأسود.

60/ 0/ مقدار ما بين أول الحفرة إلى أول عتبة باب الكعبة، و قد سدت الحفرة سنة (1377).

00/ 1/ طول الشاذروان من عند الحجر الأسود إلى جهة الملتزم. و سيأتي الكلام على الشاذروان.

95/ 12/ ارتفاع جدار الكعبة من جهة وجهها الذي فيه الباب، من أرض المطاف إلى أعلا السطح.

95/ 12/ ارتفاع جدارها الذي بظهرها المقابل للسوق الصغير، من أرض المطاف إلى أعلا السطح.

95/ 12/ ارتفاع جدارها الذي فيه الميزاب جهة حجر إسماعيل، من أرض المطاف إلى أعلا السطح.

95/ 12/ ارتفاع جدارها الذي هو بين الركن الأسود و الركن اليماني، من المطاف إلى أعلا السطح.

قد يجوز زيادة هذا الارتفاع بضع سنتيمترات و كذلك نقصانه، و ذلك بسبب تغيير رخام أرض المطاف، و مقدار ما يوضع فيه من الطين و النورة قليلا كان أو كثيرا، فتنبه لهذه المسألة.

المسافة بين الركن الأسود و اليماني مثلا:

71/ 11/ عرض جدار الكعبة من الخارج من جهة وجهها من الشرق، أي من الركن العراقي إلى الركن الأسود بدون الشاذروان.

9/ 12/ عرض جدارها من الخارج من جهة ظهرها أي من الغرب، أي من الركن الشامي إلى الركن اليماني بدون الشاذروان.

0/ 10/ عرض جدارها من الخارج الذي فيه الميزاب، أي من الركن العراقي إلى الركن الشامي بدون الشاذروان.

17/ 10/ عرض جدارها من الخارج الذي بين الركنين، أي من الركن‏

430

سنتيمتر/ متر/ بيان المواضع التي أخذت قياساتها

اليماني إلى الركن الأسود بدون الشاذروان.

و المسافة بين الركن العراقي و الركن الشامي بالشاذروان 11 متر و 20 سم.

و المسافة بين الركن الأسود و الركن اليماني بالشاذروان 11 متر و 35 سم.

و المسافة بين الركن الأسود و العراقي بالشاذروان 12 متر و 80 سم.

و المسافة بين الركن اليماني و الشامي بالشاذروان 13 متر و 30 سم.

طول المسافة بالسلم بالدرج‏

79/ 9/ عرض جدار الكعبة من الداخل من جهة وجهها، أي من الركن العراقي إلى الركن الأسود.

11/ 10/ عرض جدارها من الداخل من جهة ظهرها من الغرب، أي من الركن الشامي إلى الركن اليماني.

98/ 7/ عرض جدارها بالسلم من الداخل الذي فيه الميزاب، أي من الركن العراقي إلى الركن الشامي.

17/ 8/ عرض جدارها من الداخل الذي بين الركنين، أي من الركن اليماني إلى الركن الأسود.

73/ 8/ مقدار ما بين طرفي الجدار الدائر بحجر إسماعيل.

47/ 8/ مقدار ما بين وسط جدار حجر إسماعيل و بين جدار الكعبة.

12/ 1/ مقدار ارتفاع جدار حجر إسماعيل من أرض المطاف.

56/ 1/ مقدار عرض جدار حجر إسماعيل" أي سمكه".

32/ 2/ طول السلم.

51/ 1/ عرض السلم.

32/ 2/ طول جدار درجة الكعبة الداخلية التي في الركن العراقي.

51/ 1/ عرض جدار درجة الكعبة الداخلية التي في الركن العراقي.

50/ 8/ ارتفاع جدار درجة الكعبة الداخلية التي في الركن العراقي من أرض الكعبة إلى السقف الأول.

431

سنتيمتر/ متر/ بيان المواضع التي أخذت قياساتها

13/ 1/ طول باب درجة الكعبة الداخلية التي في الركن العراقي (الباب مصراع واحد أي درفة واحدة).

86/ 1/ ارتفاع باب درجة الكعبة الداخلية التي في الركن العراقي.

27/ 1/ طول فتحة الدرجة الواقعة بسطح الكعبة.

4/ 1/ عرض فتحة الدرجة الواقعة بسطح الكعبة.

85/ 1/ طول غطاء فتحة الدرجة الواقعة بسطح الكعبة.

10/ 1/ عرض غطاء فتح الدرجة الواقعة بسطح الكعبة.

00/ 2/ طول فتحة باب الكعبة الشرقي.

20/ 3/ ارتفاع فتحة باب الكعبة الشرقي.

27/ 1/ مقدار ما بين سقفي الكعبة.

85/ 0/ ارتفاع الإفريز المحيط بسطح الكعبة و يسمى" بالطنف".

93/ 0/ عرض جدار الكعبة من جميع الجهات" أي مقدار سمك الجدار".

50/ 8/ مقدار ما بين أرض الكعبة إلى السقف الأول.

03/ 7/ طول العمود الأول الذي وضعه ابن الزبير بداخل الكعبة مما يلي حجر إسماعيل.

00/ 7/ طول العمود الثاني الذي وضعه ابن الزبير بداخل الكعبة و الذي هو بالوسط.

12/ 7/ طول العمود الثالث الذي وضعه ابن الزبير بداخل الكعبة مما يلي الحجر الأسود و المقابل للباب.

44/ 0/ قطر كل عمود من هذه الأعمدة الثلاثة المذكورة.

20/ 7/ مقدار ما بين أرض الكعبة إلى رأس كل عمود من الأعمدة الثلاثة المذكورة.

50/ 0/ ارتفاع كل تاج الذي على رأس كل عمود من الأعمدة الثلاثة المذكورة.

55/ 0/ عرض أعلا التاج الذي على رأس كل عمود من الأعمدة الثلاثة.

40/ 0/ عرض أسفل التاج الذي على رأس كل عمود من الأعمدة الثلاثة.

35/ 1/ مقدار ما بين رأس كل عمود من الأعمدة الثلاثة المذكورة إلى‏

432

سنتيمتر/ متر/ بيان المواضع التي أخذت قياساتها

السقف الأول.

53/ 2/ طول ميزاب الكعبة الذي يصب على حجر إسماعيل بما هو داخل في جدار الكعبة.

26/ 0/ عرض الميزاب المذكور.

23/ 0/ ارتفاع الميزاب المذكور.

58/ 0/ دخول الميزاب في جدار الكعبة.

50/ 3/ ارتفاع ما هو مكسو من جدار الكعبة بالرخام الأبيض من باطنها هو 350 سنتيمترا، أي ثلاثة أمتار و نصف متر، و ما بعد ذلك إلى السقف فمعمول بالنورة.

*** سنتيمتر/ متر/ حدود المطاف القديم و هو على شكل بيضوي‏

50/ 11/ من جدار الكعبة من جهة وجهها الذي فيه الباب إلى آخر حدود المطاف القديم، أي إلى مقام إبراهيم.

65/ 16/ من جدار الكعبة من جهة ظهرها المقابل للسوق الصغير إلى آخر حدود المطاف القديم.

20/ 15/ من جدار الكعبة الذي هو بين الركنين الأسود و الركن اليماني إلى آخر حدود المطاف القديم.

00/ 12/ من وسط جدار حجر إسماعيل (عليه السلام) إلى آخر حدود المطاف القديم.

*** سنتيمتر/ متر/ (حدود المطاف الجديد و هو على شكل دائرة)

80/ 26/ من جدار الكعبة من جهة وجهها الذي فيه الباب إلى آخر حدود المطاف الجديد، أي إلى مقام إبراهيم (عليه السلام).

40/ 27/ من جدار الكعبة من جهة ظهرها المقابل للسوق الصغير إلى آخر حدود المطاف الجديد.

70/ 26/ من جدار الكعبة الذي هو بين الركن الأسود و الركن اليماني إلى آخر حدود المطاف الجديد.

433

سنتيمتر/ متر/ (حدود المطاف الجديد و هو على شكل دائرة)

65/ 16/ من وسط جدار حجر إسماعيل (عليه السلام) إلى آخر حدود المطاف الجديد.

2/ 2/ طول الحفرة التي كانت عند باب الكعبة ثم ردمت في 2 شعبان سنة 1377 ه.

10/ 1/ عمق الحفرة التي كانت عند باب الكعبة ثم ردمت في 2 شعبان سنة 1377 ه.

28/ 0/ عمق الحفرة التي كانت عند باب الكعبة ثم ردمت في شعبان سنة 1377 ه.

50/ 1/ مقدار ارتفاع الحجر الأسود و الركن اليماني عن أرض المطاف.

00/ 2/ مقدار عرض الملتزم من أول الركن الأسود إلى أول باب الكعبة.

92/ 1/ مقدار ارتفاع باب الكعبة عن أرض المطاف.

90/ 1/ مقدار طول الحجر المخروق من الوسط لخروج ماء الغسيل داخل الكعبة الذي هو على عتبة بابها.

3/ 0/ مقدار قطر دائرة الخرق الذي بوسط الحجر المذكور.

13/ 2/ مقدار فتحة حجر إسماعيل من الجهة الشرقية التي بها باب الكعبة.

70/ 2/ مقدار فتحة حجر إسماعيل من الجهة الغربية.

*** سنتيمتر/ متر/ البيانات‏

90/ 12/ عرض الكعبة المشرفة من الركن الشامي إلى الركن اليماني مأخوذ مع ستارة الكعبة المشرفة.

20/ 11/ عرض الكعبة المشرفة من الركن اليماني إلى ركن الحجر الأسود مأخوذ مع ستارة الكعبة المشرفة.

90/ 12/ عرض الكعبة المشرفة من ركن الحجر الأسود إلى الحجر الأسود مأخوذ مع ستارة الكعبة المشرفة.

10/ 11/ عرض الكعبة المشرفة من الركن العراقي إلى الركن الشامي مأخوذ مع ستارة الكعبة المشرفة.

434

سنتيمتر/ متر/ البيانات‏

0/ 68/ طول مسافة طوفة واحدة أي شوط واحد فقط حول الكعبة المشرفة بالقرب منها.

57/ 21/ طول محيط جدار حجر إسماعيل عليه الصلاة و السلام.

52/ 1/ عرض جدار حجر إسماعيل.

23/ 1/ ارتفاع جدار حجر إسماعيل من الداخل (فعرض جدار الحجر أكثر من ارتفاعه).

65/ 2/ مقدار الفتحة الشمالية لحجر إسماعيل.

65/ 2/ مقدار الفتحة الغربية لحجر إسماعيل.

55/ 8/ طول أرض حجر إسماعيل من وسط جداره إلى الكعبة مقابل ميزابها.

90/ 4/ مقدار عرض فتحة باب بني شيبة.

80/ 1/ عرض جدار باب بني شيبة أي عرض الجدار القائم الواحد 90 سنتيمتر.

70/ 6/ عرض باب بني شيبة بما في ذلك الجدار و الفتحة.

90/ 30/ مقدار ما بين جدار الحجر إلى أول ظهر المنبر الذي نقل من محله الحالي في أواخر سنة (1382) ألف و ثلاثمائة و اثنين و ثمانين هجرية لتوسعة المطاف.

بعض القياسات لمشاعر الحج التي ذكرها إبراهيم رفعت باشا المصري (رحمه اللّه تعالى) في كتابه" مرآة الحرمين"

متر الأماكن و المواقع‏

405 من الصفا إلى المروة، نقول و هذا غلط و الصحيح ما ذكرناه عن قياسه.

1042 من باب بني شيبة إلى باب مقبرة المعلاة.

2387 من باب مقبرة المعلاة إلى سبيل الست، نقول و هذا السبيل لا وجود له اليوم.

3120 من سبيل الست إلى حجرة العقبة.

116 من حجرة العقبة إلى الحجرة الوسطى.

435

متر الأماكن و المواقع‏

156 من الحجرة الوسطى إلى الحجرة الصغرى.

3528 من حجرة العقبة إلى نهاية وادي محسر.

3812 من نهاية وادي محسر إلى أول المأزمين.

4372 من أول المأزمين إلى علمي الحرم من جهة عرفة.

1553 من علمي الحرم إلى علمي عرفة.

1553 من علمي عرفة إلى سفح جبل الرحمة.

انتهى ما ذكره إبراهيم رفعت باشا في كتابه المذكور عن بعض القياسات، و هي قياسات غير محررة تماما فقد يزيد بعضها بضعة أمتار و قد ينقص عنها بضعة أمتار فقط، و المذكور (رحمه اللّه تعالى) معذور في ذلك لأنه أخذ هذه القياسات في موسم الحج وقت ازدحام الحجاج و كثرتهم، فلا يتمكن الإنسان في هذا الازدحام العظيم من أخذ القياسات على الوجه المطلوب.

خط طول مكة شرفها اللّه تعالى هو (39 درجة و 49 دقيقة و 30 ثانية).

خط عرض مكة شرفها اللّه تعالى هو (21 درجة و 25 دقيقة).

ارتفاع محلة المعابدة بأعلا مكة عن سطح البحر الأحمر هو (311 مترا).

ارتفاع موضع الخروج إلى جدة بجهة جرول بعد القشلة عن سطح البحر الأحمر هو (278 مترا).

متر ارتفاع بعض الجبال‏

420 ارتفاع جبل أبي قبيس عن سطح البحر الأحمر.

634 ارتفاع جبل حراء" أي جبل النور" عن سطح البحر الأحمر.

759 ارتفاع جبل ثور عن سطح البحر الأحمر.

883 ارتفاع جبل ثقبة بالمعابدة" أي جبل الرخم" عن سطح البحر الأحمر.

340 ارتفاع جبل الرحمة بعرفات، عن سطح البحر الأحمر.

836 ارتفاع جبل سعد بشرق شمال عرفات عن سطح البحر الأحمر.

1750 المسافة بين مسجد نمرة و جبل الرحمة بعرفات.

3500 المسافة بين مكة إلى أول حجرة العقبة بمنى عن طريق الشيبية.

935 طول السد القديم جهة جبل حراء" أي جبل النور".

1030 طول السد الجديد جهة جبل حراء.

436

متر ارتفاع بعض الجبال‏

394 المسافة بين الصفا و المروة، أي إلى منتهى حدودهما.

37 المسافة بين الصفا و دار الأرقم" أي إلى بابها".

*** كيلومتر بيان المسافات بين مكة و بعض البلدان الحجازية و المواقع‏

نذكر هنا المسافات بين مكة و بعض المواقع عن طريق البر بالكيلومتر و هي كما يأتي:

450 المسافة من مكة إلى المدينة المنورة.

72 المسافة من مكة إلى جدة.

135 المسافة من مكة إلى الطائف.

957 المسافة من مكة إلى الرياض.

8 المسافة من مكة إلى منى.

5 المسافة من مكة إلى مزدلفة.

7 المسافة من مزدلفة إلى مسجد نمرة.

2 المسافة من مسجد نمرة إلى عرفات هي (1750 مترا) يعني من مسجد نمرة إلى جبل الرحمة.

212 المسافة من مكة إلى رابغ.

40 المسافة من رابغ إلى مستورة.

198 المسافة من مستورة إلى المدينة المنورة.

انتهينا من ذكر القياسات المضبوطة المحررة السليمة إن شاء اللّه تعالى من الغلط و الخطأ لأن ذلك مأخوذ من بيانات المهندسين المصريين الذين أحضرتهم الحكومة العربية السعودية لعمارة و تجديد سقفي الكعبة و ترميمها و لبناء المسجد الحرام و توسعته.

لكن لا بأس أن نذكر هنا ما قاله العلامة الفاسي في كتابه" شفاء الغرام" عن قياس المطاف بالذراع الحديدي في زمانه، لتظهر المقارنة بين قياسه بالأذرع و قياسنا بالأمتار. فقد قال (رحمه اللّه تعالى) في كتابه المذكور ما يأتي:

437

و قد اعتبر بعض أصحابنا بحضوري مقدار ما بين منتهى ذلك و بين الكعبة المعظمة من جميع جوانبها فكان مقدار ما بين الحجر الأسود و عرف البلاط المحاذي له على الاستواء في الجهة اليمنية خمسة و عشرين ذراعا إلا ثلث ذراع.

و ما بين الحجر الأسود و طرف البلاط المحاذي لوسط مقام الحنابلة اثنين و عشرين ذراعا و ثلث ذراع، و ما بين الحجر و جدار زمزم ثلاثون ذراعا و ثلثا ذراع.

و ما بين الركن الشامي الذي يقال له العراقي و آخر تدوير المطاف المسامت له إلى الجهة الشرقية أربعة و عشرون ذراعا و نصف.

و من الركن الشامي إلى آخر البلاط المحاذي له في الجهة الشامية سبعة و ثلاثون ذراعا و ربع ذراع.

و من وسط جدار الحجر إلى آخر البلاط الذي أمام مقام الحنفية اثنان و عشرون ذراعا.

و ما بين الركن الغربي و آخر البلاط المحاذي له من الجهة الشامية و الغربية ثلاثون ذراعا.

و ما بين نصف الجهة الغربية من الكعبة و آخر البلاط المقابل لذلك على الاستواء مثل ذلك.

و ما بين الركن اليماني و آخر البلاط المقابل له من الجهة الغربية تسعة و عشرون ذراعا إلا ثلث ذراع.

و ما بين الركن اليماني و آخر البلاط المقابل له من جهته اليمنى سبعة و عشرون ذراعا و ثلث ذراع، و كذلك ما بين وسط الجهة اليمانية من الكعبة و آخر البلاط المحاذي له.

و الذراع المحرر به هو الذراع الحديد المتقدم ذكره.

انتهى من شفاء الغرام.

438

مقدار الذراع و الميل و الفرسخ و نحوها

جاء في أول كتاب قاموس الأمكنة و البقاع المسمى" معجم البلدان" للأستاذ علي بهجت عن مقدار البريد و الفرسخ و الميل ما نصه:

(مقدمة) في تفسير الألفاظ التي يتكرر ذكرها في هذا القاموس و في كتاب الفتوح نقلا عن ياقوت و هي البريد و الفرسخ و الميل و الكورة و الإقليم و المخلاف و الأستان و الرشاقة و الطسوج و العرض و الأباذ و السكة و المصر و القهندز و الربض.

قال ياقوت: فأما البريد ففيه خلاف، ذهب قوم إلى أنه بالبادية اثنا عشر ميلا و بالشام أو خراسان ستة أميال، و قيل: السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة أربعة برد ثمانية و أربعون ميلا بالأميال الهاشمية التي في طريق مكة.

و خبرني بعض من لا يوثق به لكنه صحيح النظر و القياس، أنه إنما سميت خيل البريد بهذا الاسم أن بعض ملوك الفرس أعتاق عنه رسل بعض جهات مملكته، فلما جاءته الرسل سألها عن سبب بطئها فشكوا من مروا به من الولاة، و أنهم لم يحسنوا معونتهم، فأحضرهم الملك و أراد عقوبتهم، فاحتجوا بأنهم لم يعلموا أنهم رسل الملك، فأمر أن تكون أذناب خيل الرسل و أعرافها مقطوعة لتكون علامة لمن يمرون به ليزيحوا عللهم في سيرهم، فقيل بريد أي قطع، فعرب فقيل خيل البريد.

و أما الفرسخ فقد اختلف فيه أيضا، فقال قوم: هو فارسي معرب، و أصله فرسنك. و قال اللغويون: الفرسخ عربي محض، يقال: انتظرتك فرسخا من النهار أي طويلا، و قد روي في حديث حذيفة: ما بينكم و بين أن يصب عليكم الشر فراسخ إلا موت رجل (يعني عمر بن الخطاب)، فلو قيل قد مات صب عليكم الشر فراسخ، قال ابن شميل في تفسيره: و كل شي‏ء دائم كثير فرسخ.

قال ياقوت: و أنا أرى أن الفرسخ من هذا أخذ لأن الماشي يستطيله و يستديمه، و أما حده و معناه فلا بد من بسط يتحقق به معناه و معنى الميل معا.

قالت الحكماء: استدارة الأرض في موضع خط الاستواء ثلاثمائة و ستون درجة، و الدرجة خمسة و عشرون فرسخا، و الفرسخ ثلاثة أميال، و الميل أربعة آلاف ذراع، فالفرسخ اثنا عشر ألف ذراع، و الذراع أربعة و عشرون إصبعا و الإصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها إلى ظهور بعض.

439

و قيل: الفرسخ اثنا عشر ذراع بالذراع المرسلة بذراع المساحة، و هي الذراع الهاشمية و هي ذراع و ربع بالمرسل تسعة آلاف ذراع و ستمائة ذراع.

و قال قوم: الفرسخ سبعة آلاف خطوة، و لم أر لهم خلافا، في أن الفرسخ ثلاثة أميال أقول: و قد نظم ابن الحاجب المتوفى في سنة 646 هجرية في هذا المعنى أبياتا هي:

إن البريد من الفراسخ أربع‏* * * و لفرسخ فثلاث أميال ضعوا

و الميل ألف أي من الباعات قل‏* * * و الباع أربع أذرع تستبع‏

ثم الذراع من الأصابع أربع‏* * * من بعدها العشرون ثم الإصبع‏

ست شعيرات فظهر شعيرة* * * منها إلى بطن لأخرى توضع‏

ثم الشعيرة ست شعرات غدت‏* * * من شعر بغل ليس عن ذا مدفع‏

و أما الميل فجزء من ثلاثة أجزاء من الفراسخ، و قيل: الميل ألفا خطوة و ثلاثمائة و ثلاثون خطوة و أما أهل اللغة فالميل عندهم مدى البصر و منتهاه.

قال ابن السكيت: و قيل للأعلام المبنية في طريق مكة أميال، لأنها بنيت على تقدير مدى البصر من الميل إلى الميل، و لا نعني بمدى البصر كل مرئي فإنا نرى الجبل من مسيرة أيام، إنما نعني أن ينظر الصحيح البصر ما مقداره ميل، و هي بنية ارتفاعها عشرة أذرع، أو قريبا من ذلك و غلظها مناسب لطولها، قال ياقوت:

و هذا عندي أحسن ما قيل فيه.

انتهى من الكتاب المذكور.

سبب تسمية الميل بالميل‏

و في باب المفعول فيه من حاشية ابن غازي على الألفية" لطيفة" ذكر أبو حيان عن السهيلي عن قاسم بن ثابت قال: سمي الميل ميلا لأنهم كانوا ينصبون على الطرق أميالا كانوا يعرفون بها الخطى التي مشوها، فيجعلون على رأس كل ثلاثة آلاف ذراع بناء كهيئة الميل يكتبون فيه العدد الذي مشوه.

و قال هشام لأعرابي كان يسير معه: انظر في الميل كم مشينا و كان الأعرابي أميا لا يقرأ فنظر ثم جاء فقال: فيه مخطف و حلقة و ثلاثة كأطياء الكلبة و هامة كهامة القطا، فضحك هشام و علم أن في الميل خمسة. اه.

440

و هذا يدل على عبرهم للطرق و ضبطهم المسافات للذاهب و الجائي، و معقول أنهم ما عرفوا و عبروا بالفرسخ و الميل حتى كتبوا الأعداد و رسموها خشية الغلط.

و انظر المصباح المنير للغيومي، و في الخطط للمقريزي ص 339 ج 1 أن عبد العزيز بن مروان كانت له و هو على مصر ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره و كانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل على العجل. اه. و هذا يدل على نجر الطرف و ترصيفها لتجري فيها العجل.

ابتكارات الرسوم الأربع للكعبة

لقد وفقنا اللّه تعالى إلى وضع صور و رسوم للبنايات الأربعة الشهيرة للكعبة المعظمة، وضعنا كل صورة منها بالصفة التي وردت في كتب التاريخ المعتمدة المهمة، فنحن أول من ابتكر هذه الصور للكعبة المشرفة، و لم يسبق لغيرنا أن وضع مثل هذه الصور فلله الحمد و الشكر على توفيقاته المتوالية و نعمائه المتتالية علينا، أما بناية السلطان مراد الرابع للكعبة التي كانت في سنة (1040) فإننا لم نتعرض لرسمها، لأنها لم تكن بناية مستقلة بصفة خاصة، بل إن بناية السلطان المذكور كانت على صفة ما قبله من البناية و هي بناية الحجاج الثقفي لم تخالفها في شي‏ء مطلقا.

ثم بعد أن وفقنا اللّه تعالى لابتكار تلك الصور للبنايات الشهيرة الأربعة، وفقنا أيضا عز شأنه و جل جلاله لوضع منظومة لطيفة من بحر الرجز في بيان تاريخ هذه البنايات بصورة مختصرة تكون سهلة الحفظ لطلبة العلم، و كان كل ذلك في أوائل عام (1367) من الهجرة.

و لقد طبعنا هذه الصور، و المنظومة المذكورة في بلاد الهند في أواخر السنة المذكورة، ثم كررنا طبعهما في كتابنا" مقام إبراهيم (عليه السلام)" في السنة التي تلي العام المذكور بمصر القاهرة، ثم كررنا أيضا طبعهما بعد أن نقحناهما وزدنا عليهما من الفوائد مع كتاب تاريخ القطبي المسمى" الإعلام بأعلام بيت اللّه الحرام" و ذلك في عام (1370) من الهجرة.

ثم إننا وضعناهما أيضا في كتابنا هذا بعد إدخال التحسينات و الزيادات و تدقيق النظر فيهما بالتصحيح و العناية حتى اطمئن القلب إلى إكمالهما على الوجه المطلوب الصحيح.

441

فسبحان الملهم للصواب و إليه المرجع و المآب.

شكل الكعبة من الخارج و الداخل‏

لقد أجاد الأستاذ محمد لبيب البتنوني صاحب الرحلة الحجازية (رحمه اللّه تعالى)، وصف شكل الكعبة من الداخل و الخارج. لذلك رأينا نقل كلامه من رحلته المذكورة هنا و هذا نصه:

الكعبة الآن من الخارج على التعديل الذي رجع إليه الحجاج، و هو ما كانت عليه مدة النبي (صلى الله عليه و سلم)، ذات شكل مربع تقريبا، مبني بالحجارة الزرقاء الصلبة. و يبلغ ارتفاعها خمسة عشر مترا، و طول ضلعها الذي فيه الميزاب و الذي قبالته عشرة أمتار و عشرة سنتيمترات، و طول الضلع الذي فيه الباب و الذي يقابله اثنا عشر مترا. و بابها على ارتفاع مترين من الأرض، و يصعد إليه بواسطة مدرج يشبه مدرج المنبر. و المدرج الحالي من الخشب المصفح بالفضة أهداه إلى الكعبة أحد أمراء الهند، و لا يوضع في مكانه منها إلا إذا فتح بابها للزائرين في الاحتفالات الكبرى. و هي غالبا لا تزيد عن خمس عشرة مرة في السنة. و فيما عدا ذلك ترى هذا المدرج بجوار قبة زمزم من جهة باب بني شيبة، و يصعدون إليها بسلم صغير من الخشب. و في الركن الذي على يسار باب الكعبة الحجر الأسود على ارتفاع متر و خمسين سنتيمترا من أرضية المطاف.

و يحيط بالكعبة من خارجها قصة من البناء في أسفلها، متوسط ارتفاعها خمسة و عشرون سنتيمترا، و متوسط عرضها ثلاثون سنتيمترا، و تسمى بالشاذروان و هي من أصل البيت تركت خارجة عنه في بناء قريش لها قبل الإسلام لاختصارهم في بنائها.

و الشاذروان معناه ما يحيط بالسلسبيل، و كانوا يطلقونه في العمارات المصرية القديمة على محيط النافورات التي كانت وسط القاعات الكبرى.

و على ظني أنه هنا من أثر عمارة الحجاج، أقامه ليقي جدار البيت المعظم من تأثير الأمطار و السيول التي كانت و لا تزال تنزل بكثرة إلى المطاف، و دليلنا على ذلك إنما هو لفظه الفارسي الذي لا بد أن يكون من وضع عملة من الفرس استحضرهم الحجاج بن يوسف لعمارتها. و لا يبعد أن يكون ذلك من عهد ابن الزبير، يؤيده ما ورد في الأغاني من أن ابن سريح سئل عمن تعلم الغناء على‏

442

القاعدة التي كان يغني عليها مع أنها ما كانت معروفة عند العرب؟ فقال: إنه تعلمها من عملة من الفرس كان ابن الزبير استحضرهم لبناء الكعبة، و كانوا يتغنون بأغنية لطيفة فأخذها عنهم و أضاف نغماتها على النغمات العربية و غنى بها. و على كل حال فالشاذروان و الميزاب لفظان أعجميان و لم يرد ذكرها على مدته (صلى الله عليه و سلم). و يسمون زوايا البيت الخارجية بالأركان: فالشمال منها يسمونه بالركن العراقي لأنه إلى جهة العراق، و الغربي يسمونه الشامي لأنه متجه إلى جهة الشام، و القبلي يسمونه اليماني لاتجاهه إلى اليمن و فيه حجر يسمونه الحجر الأسعد، و الشرقي يسمونه بالركن الأسود لأن فيه الحجر الأسود، و هو حجر صقيل بيضاوي غير منتظم و لونه أسود يميل إلى الاحمرار و فيه نقط حمراء و تعاريج صفراء، و هي أثر لحام القطع التي كانت تكسرت منه، و قطره نحو ثلاثين سنتيمترا، و يحيط به إطار من الفضة عرضه عشرة سنتيمترات و المسافة التي بين ركن الحجر و باب الكعبة يسمونها الملتزم، و هو ما يلتزمه الطائف في دعائه.

و يخرج من منتصف الحائط الشمالي الغربي من أعلاه الميزاب" المزراب" و يقال له ميزاب الرحمة، و هو من عمل الحجاج وضعه على سطحها حتى لا تقف عليه مياه الأمطار، و كان من نحاس فغيره السلطان سليمان القانوني سنة 959 ه بآخر من الفضة، و تجدد في سنة 1021 ه مدة السلطان أحمد بغيره من الفضة المنقوشة بالميناء الزرقاء تتخللها النقوش الذهبية. و قد رأيته محفوظا في دار الآثار السلطانية الخصوصية بالآستانة. و في سنة 1273 أرسل إليها السلطان عبد المجيد ميزابا من الذهب و هو الموجود بها الآن.

و قبالة الميزاب من الخارج يوجد الحطيم: و هو قوس من البناء طرفاه إلى زوايتي البيت الشمالية و الغربية، و يبعدان عنهما بمسافة مترين و ثلاثة سنتيمترات. و يبلغ ارتفاعه مترا و سمكه مترا و نصف و هو مغلف بالرخام المنقوش و في محيطه من أعلاه كتابة محفورة بالخط المعلق فيها آيات قرآنية و تاريخ من قام بعمارته. و مسافة ما بين منتصف هذا القوس من داخله إلى منتصف ضلع الكعبة ثمانية أمتار و أربع و أربعون سنتيما، و الفضاء الواقع بين الحطيم و حائط البيت هو ما يسمونه بحجر إسماعيل (بكسر الحاء و سكون الجيم) و قد كان يدخل منه ثلاثة أمتار تقريبا في الكعبة في بناء إبراهيم، و الباقي كان زريبة لغنم هاجر و ولدها، و يقال إن هاجر و إسماعيل مدفونان به.

443

أما الكعبة من الداخل: فشكلها مربع مشطور الزاوية الشمالية، و هي التي على يمين الداخل، و بهذه الشطرة باب حقير اسمه باب التوبة يوصل إلى سلم صغير يصعد به إلى سطحها.

و بوسطها من الداخل ثلاثة أعمدة من العود القاقلي، عليها مقاصير ترتكز على حائط الميزاب من جهة و حائط الحجر الأسود من جهة أخرى و قطر كل عمود نحو ثلاثين سنتيمترا. و هذه الأعمدة من زمن عبد اللّه بن الزبير و قيمتها أكبر من أن يقدر لها ثمن و يقال إن عليها كتابة محفورة فيها و لكني لم أرها. و قد ذكر أنه كان بالكعبة قبل الإسلام ستة أعمدة و لا أدري إن كانت من البناء أو من الخشب. و يغطي سقف الكعبة و حوائطها من الداخل كسوة من الحرير الوردي عليها مربعات مكتوب فيها (اللّه جل جلاله) قد أهداها إليها السلطان عبد العزيز (رحمه اللّه). و في قبالة الداخل من الباب محراب كان يصلي فيه النبي عليه الصلاة و السلام. و يحيط ببناء البيت من الداخل إزار من الرخام المجزع على ارتفاع نحو مترين، و قد وضع في الحائط الغربي ألواح محفور في الأول منها (بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بتجديد هذا البيت المعظم العبد الفقير إلى رحمة ربه يوسف بن عمر بن علي رسول، اللهم أيده يا كريم بعزيز نصرك و اغفر له ذنوبه برحمتك يا كريم يا غفار يا رحيم). و مكتوب حول هذه اللوحة (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ و على والديّ و أن أعمل صالحا ترضاه لي بتاريخ سنة ثمانين و ستمائة و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم) و إلى جواره لوحة مكتوب فيها (أمر بتجديد سقف البيت الشريف و جميع داخل الحرم و خارجه مولانا السلطان ابن السلطان محمد خان سنة سبعين و ألف). ثم لوحة أخرى فيها (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، تقرب إلى اللّه تعالى بتجديد رخام هذا البيت المعظم المشرف العبد الفقير إلى اللّه تعالى السلطان الملك الأشرف أبو النصر برسباي خادم الحرمين الشريفين بلغه اللّه آماله و زين بالصالحات أعماله بتاريخ سنة ست و عشرين و ثمانمائة). و في لوحة أخرى (بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بعمارة البيت المعظم الإمام الأعظم أبو جعفر المنصور المستنصر باللّه أمير المؤمنين بلغه اللّه أقصى آماله و تقبل منه صالح أعماله في شهور سنة تسع و عشرين و ستمائة و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم). ثم لوحة أخرى منقوش فيها (بسم اللّه الرحمن الرحيم أمر بتجديد هذا البيت العتيق المعظم الفقير إلى اللّه سبحانه و تعالى خادم الحرمين الشريفين مؤمن الحجاج في البرين و البحرين السلطان‏

444

بن السلطان مراد خان ابن السلطان أحمد خان ابن السلطان محمد خان خلد اللّه تعالى ملكه و أيد سلطته في آخر شهر رمضان المبارك المسطر في سلك شهور سنة أربعين بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة و التحية) و في الجدار الشرقي لوح مكتوب فيه (أمر بتجديد داخل البيت السلطان الملك أبو النصر قايتباي خلد اللّه ملكه يا رب العالمين، عام أربع و ثمانمائة من الهجرة) و في الجدار الشمالي مكتوب على باب التوبة هذه الأبيات:

قد بدا التعمير في بيت الإله‏* * * قبلة الإسلام و البيت الحرام‏

أم خاقان الورى مصطفى خان‏* * * خان دام بالنصر العزيز المستدام‏

بادرت صدقا إلى التعمير ذا* * * إنما كان بإلهام السلام‏

و ارتجت من فضله سبحانه‏* * * أن يجازيها به يوم القيام‏

قال تاريخا له قاضي البلد* * * عمرته أم سلطان الأتام‏

بمباشرة أحمد بك في سنة تسع و مائة و ألف، و بلغني أن في البيت حجرا مكتوبا بالكوفي و يقال إنه قديم جدا و أنه من القرن الأول للهجرة، و إن صح ذلك كان من عمل الحجاج بن يوسف و بجانب الباب على يسار الداخل طاولة من الخشب مغطاة بستارة من الحرير الأخضر موضوع عليها كيس مفاتيح الكعبة، و هو من الأطلس الأخضر المزركش بالقصب، يأتي إليها سنويا من مصر مع الكسوة الشريفة. معلق بسقف البيت كثير مما بقي من الذخائر التي أهديت إليه، و من ذلك عدة مصابيح ذهبية و فضية لا تقل عن مائة و منها مصباحان ذهبيان مرصعان بالجوهر أهداهما للكعبة السلطان سليمان القانوني سنة (984) انتهى من الرحلة الحجازية للبتنوني.

و هو يقول بهامش الرحلة عند هذه الأبيات ما نصه:" من هذا الشعر يمكنك أن تحكم على مقدار تأخر اللغة العربية ببلاد العرب و خصوصا في القريض منها حوالي القرن الحادي عشر للهجرة". اه. و نحن نقول كلامه هذا غير صحيح فاللغة العربية لم تتأخر ببلاد العرب مطلقا لا في النثر و لا في القريض، و هذه الأبيات لم يقلها أحد من العرب لا من الحجازيين و لا من غيرهم، و إنما هي من قول بعض علماء الأتراك كما لا يخفى ذلك على أهل الذوق، بل يعلم ذلك من صريح عبارة البيت الخامس و هو" قال تاريخا له قاضي البلد" أي قاضي بلدة مكة و قد جرت العادة في زمن الدولة العثمانية التركية أن يرد قاضيها من دار السلطنة.

445

فغالب علماء غير العرب لا تكون لهم القدرة التامة لقول الشعر البليغ، و ليس هذا مما يقدح فيهم و لا ينقص من مقدارهم، بل إن كثيرا من علماء العرب ليست لهم ملكة كافية لقول الشعر.

وصف الكعبة و المسجد الحرام‏

قال أمير الشعراء أحمد شوقي بك المصري المتوفى سنة إحدى و خمسين بعد الثلاثمائة و الألف في كتابه" أسواق الذهب" في وصف الكعبة و المسجد الحرام ما نصه:

الساحة الكبرى، و الدار اللموم، و الموسم الحاشر، المنتدى و المؤتمر، و متابة الزمر، إبرة المجر، و نجم المصحر، قبلة البدوي في قفره، و وجهة القروي في كفره، حرم اللّه المطهر و بيته العتيق المستر، الذي وجه إليه الوجوه، و فرض على عباده أن يحجوه، نظرت إليه المساجد في كل خمس، و قامت إليه قيام الحرباء إلى الشمس، بناه اللّه بمكة على فضاء زكي لم يتنفس فيه الناس، و خلا إلا من جحر أدكناس، فلا لدينا سحبت عليه غرورها، و لا النفوس نقلت فيه شرورها، و لا الحياة أزأرته باطلها و زورها.

لو شاء اللّه لبنى بيته بمصر على نهر فياض، و واد كله قطع الرياض، و لو شاء اللّه لا تخذ بيته بالشام، بين الجداول المظللة، و الربى المكللة، و الغصون المهدلة، و القطوف المذللة، و لو شاء اللّه جلت قدرته لرفع بيته على أنوف الجبابرة، ملوك الأعصر الغابرة، و فوق هام آلهتهم و هي ممهدة منضدة، في الغرف المشيدة و القباب الممردة.

و لكنه تعالى نظر إلى أم القرى، فرأى بها ذلا لعز سلطانه و افتقارا إلى غناه و إحسانه، و رأى خشوعا يستأنس به الإيمان، و تجردا تسكن إليه العبادة، و رأى انفرادا يجري في معنى التوحيد، فأمر إبراهيم حواريه و نبيه، و خليله و صفيه، أن يرفع بذلك الوادي ركن بنيته، و ينصب بين شعابه منار وحدانيته.

بنيان قام بالضعف و القوة، و نهض على كاهل الكهولة و ساعد الفتوة، و اشتركت فيه الأبوة و البنوة، فكنت ترى إبراهيم يزاول، و إسماعيل بين يديه يناول، حتى بنيا بيتا أعيا المعاول و عجز عنه الذي دمر تدمر و أبلى بابل، فانظر إلى‏

446

صفائح الباطل كيف باد، و إلى آجر الحق كيف أفنى الآباد، و تأمل عجائب صنع البنيه، و كيف ظفرت لبنة التوحيد بصخرة الوثنية.

بنى البيت و إذا الجلال حجبه و أستاره، و الحق حائطه و جداره، و التوحيد مظهره و مناره، و البنيون بناته و عماره، و اللّه عز و جل ربه و جاره، اطلعت به مكة اطلاع المشكاة بالمصباح، فزهر فضاء البراح، و انتظم الهضاب و البطاح، أضوأ من الشمس ذبالة، و أبهر من القمر هالة، في منازل الشرف و الجلالة، قد حاز اللّه له من نباهة الذكر و فخامة الشأن، ما لم يحز لقديم من معالم الحق و لا حديث، بر العبادة، و فضيلة الحج، و شرف الباني و روعة العتق و جلالة التاريخ.

يقول الغواة: لو كانت الكعبة من فضة أو ذهب، و يقولون: لو كانت كبيع النصارى في عواصم الغرب رفعة بناء، و ديباجة فن و وشي زخرف. و أقول للغواة: لو تركت الكعبة على فطرتها الأولى فلم يطول بناؤها، و لم تزين بالذهب أجزاؤها، و لم تتعدد في الزخرف أشياؤها، لكان بعبقريتها أليق، و بروحانيتها أشبه و أخلق، في تقدير قدسها غاية و نهاية. انتهى من كتاب أسواق الذهب.

و للأديب المكي الشهير الأستاذ سراج الخراز في الكعبة المشرفة:

رمز الخلود و كعبة الإسلام‏* * * كم في الورى لك من جلال سام‏

يهوى البناء إذا تقادم عهده‏* * * و أراك خالدة على الأيام‏

في كل عام حول بابك وقفة* * * للناس من عرب و من أعجام‏

فإذا الحجيج توافدت أفواجه‏* * * و تزاحمت في البيت أي زحام‏

أبصرت ثم عرى الإخاء و طيدة* * * و شهدت حقا قوة الإسلام‏

و إذا الصلاة دنت رأيت صفوفهم‏* * * بحرا يموج بركع و قيام‏

متهللين يحوطهم من ربهم‏* * * نور الهدى الحاص لكل ظلام‏

في الركن و الحجر المقدس في الورى‏* * * سران قد دقا على الإفهام‏

كم لأمسى و مقبل لكليهما* * * عن طاعة منه و عن إعظام‏

و هو الذي تعنو لصرح جلاله‏* * * صيد الملوك و علية الحكام‏

447

قصيدة أمير الشعراء في البيت الحرام‏

قال أمير الشعراء أحمد شوقي بك (رحمه اللّه تعالى) في كتابه دول العرب و عظماء الإسلام في البيت الحرام ما يأتي:

دار عليها ميسم من القدم‏* * * حجت على أول خف و قدم‏

مهد الهدى في الأولين ركنها* * * و حصنه في الآخرين صحنها

تلك جباه الرسل في ترابها* * * و خد إبراهيم في محرابها

غنية عما كساها أسعد* * * في الدهر و هو بالثناء أسعد

و كم جلاها في اليماني المسبل‏* * * من قبلت منه و من لم تقبل‏

لا تلمس و شيها ضريرا* * * رب عروس تلعن الحريرا

تواضعت بين شعاب الوادي‏* * * لم تتخذ تبذخ الأطواد

لم تبن بالصفاح و الصوان‏* * * و لا علت تعالي الإيوان‏

لا يد خوفو أرهقت فيها البشر* * * و لا سليمان لها الجن حشر

بل صنع شيخ مقبل مزاول‏* * * أعين بابن يافع مناول‏

قد رفعاها حجرا فوق حجر* * * و وضعا فيها على اليمن الحجر

اللّه يوحي و الأمين يشهد* * * و تخشع الأرض و يعلو المعهد

حتى تجلت قبة الإيمان‏* * * محدودة الظل على الزمان‏

و ركنها كامن في أم القرى‏* * * تطوى القباب و القصور و القرى‏

دعائم من خشية و تقوى‏* * * على تطاول الزمان تقوى‏

و ما بنى الحق له الثبوت‏* * * و ما بنى الباطل عنكبوت‏

تقبل اللّه من الحواري‏* * * و اختص بالبيت و بالجوار

و اختار من عباده قبيلا* * * للبيت يهدونهم السبيلا

أولو الإله الكرماء عهدا* * * النازلوا البيت العتيق مهدا

الراضعو زمزم في الهواجر* * * و هي تدر من بنان هاجر

غرة آبائهم الذبيح‏* * * و الأمهات جرهم الصبيح‏

أبناء إسماعيل حول بكه‏* * * تضوعت منهم شعاب مكه‏

448

بيتهمو محبوكة مفاخره‏* * * أوله نبوة و آخره‏

موضع الحطيم‏

قال الأزرقي عن ابن جريج ملخصا: الحطيم ما بين الركن و المقام و زمزم و الحجر، فسمي هذا الموضع الحطيم، لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان و يستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم، فقل من دعا هنالك على ظالم إلا هلك، و قل من حلف هنالك إثما إلا عجلت له العقوبة، فكان ذلك يحجز بين الناس عن الظلم و يتهيب الناس الأيمان، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء اللّه بالإسلام فأخذ اللّه ذلك لما أراد إلى يوم القيامة. انتهى منه.

نقول: يعلم مما ذكر أن الحطيم هو ما كان في وجه البيت، فيما بين الركن الأسود و حجر إسماعيل طولا، و أما عرضا فإلى زمزم و المقام، و هو جزء من حد المسجد الحرام قديما من الجهة الشرقية.

و هذا معقول: لأن العائد ببيت اللّه الحرام لا بد و أن يأتيه من قبل وجهه حتى يقف أمامه، و وجه البيت هو ما فيه الباب، و اللّه تعالى يقول: وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها.

و قال بعضهم: الحطيم هو الحجر، بكسر الحاء المهملة، لأنه حطم من البيت أي كسر منه، لكن هذا القول ضعيف فإن ما حطم من البيت إنما كان في بناء قريش الكعبة حيث نقصوا من طولها من جهة حجر إسماعيل، و كان هذا البناء و للنبي (صلى الله عليه و سلم) من العمر نحو خمس و ثلاثين سنة فكان يحمل معهم الحجارة لبناء الكعبة.

فالقول الصحيح المعتمد هو كلام الإمام الأزرقي المذكور، من أن الحطيم هو ما بين ركن الحجر الأسود و حجر إسماعيل و المقام و زمزم. فهذا الموضع هو الذي كانوا يطلقون عليه الحطيم من زمن الجاهلية قبل بناء قريش الكعبة و قبل أن يحطم من البيت الحرام شي‏ء كما هو صريح كلام الإمام الأزرقي و كفى به حجة.

449

موضع خزانة الكعبة

ننقل هنا ما ذكرناه في كتابنا" مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام" المطبوع بمصر عن خزانة الكعبة المشرفة فقد قلنا هناك أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما بنى الكعبة المشرفة حفر في باطنها على يمين من دخلها حفرة عميقة كالبئر و جعل عمقها ثلاثة أذرع يلقى فيها ما يهدى إليها من المتاع و الحلي و الذهب و الفضة و الطيب و غير ذلك، فهذه الحفرة تسمى بخزانة الكعبة و بالجب، و بالغبغب، و بالأخسف، و كان يسمى مال الكعبة بالإبرق.

فلما أن بنتها قريش قبل البعثة بخمس سنوات أبقوا جب الكعبة في مكانه و نصبوا عليه هبل، و هو أعظم أصنام قريش، كان عمرو بن لحي قدم به من هيت من أرض الجزيرة، و نصبه على الجب في بطن الكعبة و أمر الناس بعبادته، و ذلك قبل بناء قريش، فلما بنتها و ضعت هبل على الجب كما كان سابقا.

و لم نر أحدا من المؤرخين ذكر شيئا عن جب الكعبة في بناء ابن الزبير و في بناء الحجاج هل أبقوه فيها كما كان أم طمروه و ردموه؟

و الذي نراه و اللّه تعالى أعلم بالغيب أن جب الكعبة ردم بالحجارة في بناء ابن الزبير أو كان كذلك في بناء الحجاج إلى يومنا هذا، لأن أرض الكعبة من الداخل مرتفعة الآن عن أرض المطاف ارتفاعا موازيا لعتبة بابها، فقد كبست بالحجارة التي فضلت من أحجار الكعبة حين بناء الحجاج، و كان أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك.

فلما ردموا جب الكعبة في باطنها، جعلوا خزانتها في دار شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فصارت هدايا الكعبة توضع في هذه الدار التي كانت إلى جنب دار الندوة عند المسجد الحرام.

يقول الأزرقي: دار شيبة بن عثمان هي إلى جنب دار الندوة و فيها خزانة الكعبة و هي دار أبي طلحة عبد اللّه بن عبد العزى ابن عثمان بن عبد الدار و لها باب في المسجد الحرام. انتهى.

نقول: و موضع دار الندوة هي باب الزيادة مع الرحبة، و أما باب بني شيبة قديما فهو باب السلام و مكانه الآن موضع العقد القائم عند مقام إبراهيم عليه الصلاة و السلام. و لقد استنتجنا ذلك من الحوادث الواردة في كتب التاريخ‏

450

المعتمدة فمنها: أن ابن الزبير لما هدم البيت، عمد إلى ما كان فيه من حلية، فوضعها في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان.

و منها: أن أحد ملوك التبت حين أسلم بعث بصنمه الذي كان يعبده هدية إلى الكعبة. و كان من الذهب الخالص، و كان مكللا بالجواهر و اليواقيت، و كان على سرير من فضة، فوصل كل ذلك إلى مكة، و نصب فيها ثلاثة أيام ليراه الناس، ثم استلمته الحجبة فجعلوه في خزانة الكعبة في دار شيبة بن عثمان، و سنذكر هذه القصة في أواخر الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

و منها: أن محمد بن جعفر بن محمد أرسل إلى الحجبة فتسلف منهم من مال الكعبة خمسة آلاف دينار، ليستعين بها على فتنة أصحاب المقنع الذين ظهروا بمكة ثم قضاها عنه أمير المؤمنين المأمون، فقبضتها الحجبة، وردوها في خزانة الكعبة.

و منها: أن بني عبد الدارين قصي بن كلاب كانت لهم دار الندوة، و دار شيبة بن عثمان، و هي إلى جنب دار الندوة، و فيها خزانة الكعبة.

فيعلم مما ذكرناه أن خزانة الكعبة كانت في بئر داخلها من أيام إبراهيم (عليه السلام) إلى أن بناها ابن الزبير رضي اللّه عنهما، فردم الخزانة في بطن الكعبة، و نقلها إلى دار شيبة بن عثمان، فصارت هداياها تحفظ في داره. أما الآن فليس للكعبة مال يحتفظ به، و ليس فيها من الهدايا إلا ما هو معلق بسقفها من داخلها، و لم نسمع منذ مدة طويلة أن أحدا أهدى إلى الكعبة شيئا، و نظن أن آخر هداياها كان في سنة أربع و تسعين بعد الألف و هي خمسة قناديل أرسلتها ملكة بندر آشي في إمارة الشريف سعيد بن بركات فعلقت بها، و اللّه تعالى أعلم.

انتهى من كتابنا مقام إبراهيم (عليه السلام).

نقول: يعلم مما تقدم عن خزانة الكعبة و عن بنائها الذي كان في عهد قريش و في أيام ابن الزبير رضي اللّه تعالى عنه، بأنه عند إرادة تجديد بنائها هدموها حتى بلغوا أساس إبراهيم عليه الصلاة و السلام و قواعده، و هي صخر أمثال الخلف من الإبل فبنوا عليه.

يعلم من كل ما تقدم أنه لم يبق لخزانة الكعبة من أثر و ليس فيها شي‏ء مدفون، و أن كل ما في الكعبة من ذهب و أشياء ثمينة إنما هو في داخلها ظاهر أمام أعيننا.

451

لكن هنا إشكال لم نفهمه و هو: ورد في الحديث الذى رواه أبو داود الطيالسي بسند صحيح" يبايع للرجل بين الركن و المقام و أول من يستحل هذا البيت أهله فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ثم تجي‏ء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده و هم الذين يستخرجون كنزه".

و ورد في الحديث أيضا الذي رواه أبو داود من حديث عبد اللّه بن عمر عن النبي (صلى الله عليه و سلم)" اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة".

فنحن لم نفهم المراد من كنز الكعبة في الحديث و الحال أنه لا كنز لها مدفون تحتها اليوم.

اللهم إلا إن فسرنا الكنز بما هو معلق في سقفها من الأشياء الثمينة و ما فيها من الذهب و الفضة المضروبين على مصراعي بابها على ميزابها و على بعض أعمدتها الداخلية، و هذا التفسير هو صريح الحديث الذي رواه أحمد من حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):" يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة و يسلب حليها و يجردها من كسوتها ... الحديث" و اللّه تعالى أعلم.

و على كل حال فقد آمنّا بما جاء عن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، نسأل اللّه الثبات و التوفيق و الهداية إلى أقوم طريق، فإنا لا نملك لأنفسنا نفعا و لا ضرا، و اللّه لطيف بعباده يرزق من يشاء و هو القوي العزيز.

أركان الكعبة المعظمة

تقدم الكلام على أن خليل اللّه و نبيه إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما بنى الكعبة جعل لها ركنين فقط" ركن الحجر الأسود و الركن اليماني" و جعل جدار الكعبة من جهة حجر إسماعيل مدورا ليس فيه ركنان. فلما بناها عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما جعل لها أربعة أركان، ركنين من جهة حجر إسماعيل و ركنين من الجهة المقابلة كما كانا في السابق.

452

و كثير من الناس يشكل عليه اسم الركنين اللذين جعلهما ابن الزبير، لذلك رأينا أن نتكلم عن أركان الكعبة المشرفة بتفصيل تام و أن نبين محلاتها في رسم صورتها.

فنقول و باللّه التوفيق و عليه الاتكال و هو حسبنا و نعم الوكيل و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم. و لنبدأ بالأركان بالترتيب على حسب مشروعية الطواف، أي بجعل الكعبة على يسار الطائف بها:

" فالأول": الركن الأسود، سمي به لأن فيه الحجر الأسود، و يسمى أيضا بالركن الشرقي، و منه يبتدأ الطواف.

" و الثاني": الركن العراقي، سمي بذلك لأنه إلى جهة العراق و يسمى هذا الركن أيضا بالركن الشمالي نسبة إلى جهة الشمال، و بين هذا الركن و الركن الأسود يقع باب الكعبة.

" و الثالث": الركن الشامي، سمي بذلك لأنه إلى جهة الشام و المغرب، و يسمى هذا الركن أيضا بالركن البحري و بالركن الغربي. و بين هذا الركن و الركن العراقي يقع حجر إسماعيل الذي يصب فيه ميزاب الكعبة.

" و الرابع": الركن اليماني، سمي باليماني لاتجاهه إلى اليمن، و في صبح الأعشى قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأنه بناه رجل من اليمن يقال له ابن أبي سالم و اللّه تعالى أعلم.

و في شفاء الغرام سمي الركن اليماني فيما ذكره العيني لأن رجلا من اليمن بناه اسمه أبي بن سالم و أنشد:

لنا الركن في البيت الحرام وراثة* * * بقية ما أبقى أبي بن سالم‏

و نحن نقول كلام ابن قتيبة بعيد الاحتمال لم نر أحدا ذكره، و الأقرب إلى الصحة التسمية الأولى لاتجاهه إلى اليمن، كما أن كل ركن ينسب إلى بقية الجهات. فالركن الأسود يطلق عليه الركن الشرقي لوقوعه جهة الشرق، و العراقي يطلق عليه الركن الشمالي لوقوعه جهة الشمال، و الشامي يطلق عليه الركن الغربي لوقوعه جهة الغرب، و اليماني لوقوعه جهة اليمن. و كل ذلك مطابق لواقع الحال لا يخفى على أهل مكة.

453

و قد يطلق على الركن اليماني و الركن الأسود اليمانيان، و على الركن الشامي و الركن العراقي الشاميان و ربما قيل الغربيان على جهة التغليب. و إذا أطلق الركن فالمراد به الركن الأسود فقط.

و لا يخفى أن هذا مبحث نفيس مهم، و قد يقع كثير في الغلط بين اسمي الركنين الواقعين في طرفي جدار حجر إسماعيل" العراقي و الشامي" حتى أن القلقشندي غلط فيهما في كتابه صبح الأعشى بصحيفة 251 و كلنا يجوز عليه السهو و الغلط.

لكن بفضل اللّه تعالى و توفيقه قد أوضحناهما هنا إيضاحا ليس للشك فيه مجال.

و لم نر لأحد بيانا أوضح من بياننا و عززناه برسم جميع الأركان في الصورة المذكورة فالحمد للّه رب العالمين.

أركان الكعبة الأربعة

للكعبة اليوم أربعة أركان و قد كان في العصر الغابر في عهد إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام حينما بناها جعل لها ركنين فقط الركن الأسود و الركن اليماني و جعل مؤخر الكعبة من جهة حجر إسماعيل (عليه السلام) مدورا على هيئة نصف دائرة. فبقيت الكعبة المعظمة على هذه الهيئة في بناء العمالقة لها و في بناء جرهم و في بناء قصي و في بناء قريش الذي كان قبل بعثته (صلى الله عليه و سلم) بخمس سنين.

فلما بنى عبد اللّه بن الزبير الكعبة المشرفة رضي اللّه تعالى عنهما سنة أربع و ستين من الهجرة جعل لها أربعة أركان الركنين الأولين المذكورين و الركنين العراقي و الشامي اللذين من جهة الحجر، فكانت هذه الأركان الأربعة تستلم في زمانه إلى أن قتل رضي اللّه تعالى عنه فرجع الناس إلى استلام الركنين الأولين الأساسيين الركن الأسود و الركن اليماني.

فما زالت الكعبة المشرفة من عصره إلى يومنا هذا بأربعة أركان، و ترتيب هذه الأركان بالنسبة لمن طاف حول الكعبة و جعلها على يساره كما يأتي:

(1) ركن الحجر الأسود و هو قبل باب الكعبة و هو معروف.

(2) فالركن العراقي و هو بعد باب الكعبة.

454

(3) فالركن الشامي و هو بعد ميزاب الكعبة.

(4) فالركن اليماني و هو قبل الحجر الأسود و هو معروف أيضا.

الحفرة التي عند باب الكعبة المشرفة

تكلم كثير من العلماء عن الحفرة التي هي على يمين باب الكعبة المشرفة التي يبلغ طولها مترين، و عرضها (112) سنتيمتر، و عمقها 28 سنتيمترا، و التي تقع تقريبا في وسط الجدار الشرقي للكعبة.

و نأتي هنا بتفصيل تام نسأل اللّه تعالى الهداية إلى الصواب.

فقد قيل: إنها المعجن، عجن فيها إسماعيل (عليه السلام) الطين لبناء البيت الحرام، فهذا القول غير صحيح و بعيد الاحتمال لأمرين:

الأول: أن إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) ما بنيا الكعبة المشرفة بالطين و لا بالجص و إنما رضماها رضما و لم يسقفاها، فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

" أما و اللّه ما بنياه بقصة و لا مدر و لا كان معهما من الأعوان و الأموال ما يسقفانه، و لكنهما أعلماه فطافا به" رواه الأزرقي في تاريخه. و القصة بالفتح:

الجص، و المدر بفتحتين: الطين أو التراب المتلبد. قاله في المصباح المنير.

الثاني: لو فرض أن إسماعيل كان يعجن الطين للبناء للزم أن يعجنه عند كل جهة من الجهات الأربع للبيت، حتى لا يحمله و يدور حول البيت فيتعب، على أن هذا الموضع صغير لا يكفي لعجن الطين الكثير اللازم لبناء البيت الحرام.

فعلم مما ذكرناه بأن ما قيل: أن الحفرة هي معجن إسماعيل (عليه السلام) غير صحيح.

و قيل: إن هذه الحفرة هي مصب لغسيل الكعبة. قاله ابن جبير في رحلته، فهذا القول لا يطابق الحقيقة و الواقع كما هو مشاهد عندنا، و لربما سأل ابن جبير عنها بعض من لا خبرة له فأفهمه ذلك أو رأى بالمصادفة غسل الكعبة و امتلاء الحفرة من الماء فظنها كذلك، و لو كانت الحفرة لأجل تجمع ماء غسيل الكعبة لكان المعقول أن تجعل عند بابها تحت العتبة.