منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
55

اللاحق.

و الحكم في هذه الصورة وقوع التزاحم بين الحكمين بلا ترجيح، و عدم تقديم الأسبق منهما زمانا بحسب الواجب، إذ بعد فرض ان الموضوع لكل من الحكمين في نفسه ثابت يلزم المكلف حفظ القدرة على كل منهما بملاك وجوب المقدمات المفوتة، فيحدث من جهة وجوب الحج حكم فعلي بلزوم صرف المال في الحج و السير مع القافلة المتوجهة إلى مكّة. كما يحدث من جهة وجوب الوفاء بالنذر لزوم السير إلى كربلاء ان كان بعيدا عنها و البقاء فيها و عدم إتلاف القدرة ان كان من سكنتها، فيكون كل من هذين الحكمين رافعا لموضوع الحكم الآخر و لا أثر للسبق الزماني في مقام الامتثال حينئذ، لأن وجوب المقدمة المفوتة للواجب اللاحق يرفع موضوع الوجوب السابق في امتثاله. و لا يختلف الحال في ذلك بين الالتزام بالواجب المعلق أو المشروط و عدمه، لأن وجوب المقدمات المفوتة لازم اما بملاك لزوم حفظ الغرض الثابت في كل من الحكمين في نفسه، أو بملاك الوجوب المقدمي لو التزم بالواجب المعلق أو المشروط بالشرط المتأخر.

الرابعة: ان يكون كل من الحكمين متقارنين زمانا بحسب الامتثال. لكن أحدهما أسبق موضوعا من الآخر، بنحو يستطيع المكلف المحافظة عليه قبل حدوث موضوع الآخر، كما لو نذر قبل حصول الاستطاعة ان يزور الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة إن جاء أخوه من السفر، فجاء أخوه و كان متمكنا من السفر إلى كربلاء فعلا، و لكنه غير متمكن من السفر إلى الحج، فهو فعلا غير مستطيع للحج.

و الحكم في هذه الصورة تقديم الأسبق زمانا و هو النذر في المثال، لأنه ينشأ منه فعلا حكم بوجوب المقدمة المفوتة، فيلزمه المحافظة على القدرة فعلا، فيصرف المال في شئون الزيارة أو يسافر فعلا للزيارة، فيرتفع بذلك موضوع الحج، و لا حكم يمنع من ذلك، لأن موضوع الحج لم يتحقق بعد، فلا نظر له إلى‏

56

حفظ مقدماته المفوتة و لذا يجوز له إتلاف المال قبل الاستطاعة لو لم يكن هناك وجوب آخر يدعو للمحافظة عليه، فتكون الصورة نظير الصورة الأولى.

و من هذا البيان يظهر انه لا أثر لتقارن وقت الامتثال، بل الحكم المذكور جار حتى مع أسبقيّة الآخر موضوعا في امتثاله. فالتفت.

لكنه قد يشكل: بأنه و ان جاز صرف المال في طريق الوفاء بالنذر، لكنه غير واجب لأنه إذا أراد ان لا يصرفه يتحقق موضوع الواجب الآخر في ظرفه فيثبت وجوبه حينئذ فيكون رافعا لموضوع وجوب الواجب السابق زمانا من حيث الموضوع فيكشف عن عدم تحققه، فلا تكون المقدمات واجبة لأن تركها يؤدي إلى انكشاف عدم توفر الملاك لا إلى تفويت الملاك.

و يمكن ان نشير إلى ضابط الصورتين بان الحكمين اللذين يكون أحدهما أسبق زمانا إما موضوعا أو امتثالا. إما ان يكون لكل منهما دعوة إلى مقدماته المفوتة بملاك وجوب المقدمات المفوتة، اما لأجل حفظ الغرض الملزم أو لأجل كون الوجوب بنحو الوجوب المعلق أو المشروط بالشرط المتأخر، فيقع التزاحم بينهما في وجوب المقدمات و يكون وجوب كل مقدمة رافعا لموضوع وجوب ذي المقدمة الأخرى، فلا أثر لسبقه زمانا و عدمه. و اما ان لا يكون لكل منهما دعوة نحو مقدماته المفوتة، بل كان ذلك لأحدهما فقط، كان ما له نظر مقدم على الآخر لأنه فعلي و لا مانع منه، إذ ما يتصور كونه مانعا لا يصلح للمانعية فعلا و لا اقتضاء له بالنسبة إلى مقدماته المفوتة، و لكن عرفت الإشكال في هذا البيان.

و من هنا تعرف ما في كلام المحقق النائيني (قدس سره) من التسامح من إطلاق القول بتقديم الأسبق زمانا، مع انك عرفت انه ينحصر بالصورة الأولى.

مع ان مثاله ظاهر في كون محط نظره الصورة الرابعة و هي ما كان السابق هو الوجوب لا الواجب، و هو غير مرجح إلا بتقريب غير خال عن الإشكال، كما عرفت.

57

و بالجملة: ما ذكره (قدس سره) في تقريب تقديم الأسبق زمانا لا ينطبق إلا على الصورة الأولى. و قد عرفت ان المورد في الحقيقة لا يكون من موارد التزاحم. فالتفت.

هذا كله فيما إذا كان أحدهما أسبق زمانا من الآخر.

و ان كانا متقارنين زمانا موضوعا و امتثالا:

فقد يدعى تقديم الأهم منهما باعتبار ان المتزاحمين ان كانا متساويين في الأهمية ثبت التخيير بينهما. و ان لم يكونا متساويين قدم الأهم منهما بحكم العقل، فانه يرى ان المولى لا بد من حكمه بالأهم ملاكا، و إلّا كان حكمه بالمهمّ ترجيحا للمرجوح على الراجح و هو قبيح في نظره.

و لكن المحقق النائيني (قدس سره) أنكر ذلك بتقريب: ان هذا البيان انما يتأتى فيما كان ملاك كل حكم ثابتا في نفسه و حتى في صورة التزاحم و لم يكون كل منهما رافعا لملاك الحكم الآخر، فيكون الحكم على طبق الملاك المرجوح تفويتا للغرض الأهم و هو ترجيح المرجوح على الراجح.

و اما فيما نحن فيه فالامر ليس كذلك، لأن ثبوت ملاك كل من الحكمين مشروط بعدم المانع عقلا و شرعا من متعلّق الحكم، فثبوت المانع الشرعي يرفع ملاك الحكم في الممنوع.

و عليه، فلو قدّم المهم و حكم بوجوبه لم يلزم تفويت الغرض الأهمّ، بل يلزم نفي الغرض الأهمّ و عدم تحققه، و هو لا قبح فيه على المولى، فمع وجوب الأهمّ لا ملاك في الطرف الآخر الأهم كي يلزم تفويته، و لا يلزم المولى المحافظة على ثبوت الملاك و عدم نفي تحققه بمانع.

و عليه، فلا ملزم بالحكم بالأهمّ، فانه ترجيح بدون مرجح، إذ كما يمكنه ان يحكم على طبق الأهمّ و لازمه نفي تحقق الملاك المهم، يمكنه ان يحكم على طبق المهم و لازمه نفي تحقق الملاك الأهمّ من دون لزوم أيّ محذور. و هكذا الحكم بالمهم‏

58

ترجيح بلا مرجح، فإذا كان الحكم بكل منهما بعينه ترجيح بلا مرجح، بمعنى انه لا وجه للإلزام بأحد الطرفين بعينه، فيتعين تعلّق الحكم التخييري بهما، اما بنحو وجوب أحدهما لا بعينه أو بنحو وجوب كل منهما مشروطا بترك الآخر. بيان ذلك: انه إذا ثبت عدم إمكان الجمع بين الحكمين لرافعية كل منهما لموضوع الآخر، و ثبت عدم إمكان الحكم بأحدهما بعينه، لأنه ترجيح بدون مرجح، فان التزمنا بالترتب و صححنا رفع التزاحم بين الحكمين بإجراء الترتب تعين هاهنا الالتزام به، فيقيد إطلاق كل منهما بصورة ترك الآخر، فيكون كل منهما ثابتا في صورة ترك الآخر فانه يرتفع التزاحم بينهما بذلك، و تكون النتيجة تخيير المكلّف بين الفعلين. و ان لم نلتزم بالترتب و أنكرنا إمكانه مطلقا أو التزمنا به في الجملة لكن أنكرنا ثبوته في مورد تزاحم الواجبين المشروط كل منهما بالقدرة شرعا، تعين فيما نحن فيه الالتزام بسقوط كلا الحكمين في مورد التزاحم، و التزام بثبوت وجوب تخييري متعلّق بأحدهما لا بعينه لثبوت أحد الملاكين لا بعينه، فالمكلّف مخوّل في تحصيل أحدهما لعدم إمكان الجمع بينهما (1).

و من هنا يتّضح الوجه في ذهاب المحقق النائيني إلى ان التخيير هاهنا شرعي، بمعنى ثبوت خطاب شرعي بأحد العملين لا بعينه، لأنه و ان التزم بالترتب لكنه أنكر ثبوته في مثل المورد مما كان التزاحم فيه بين حكمين مشروطين بالقدرة شرعا، فلا يتجه الحكم ببطلانه- كما في المحاضرات- (2) و ان النتيجة هي الالتزام بخطاب مشروط بترك الآخر في كل منهما، إلّا ان يرجع الإيراد إلى الإشكال المبنائي لا العلمي. فالتفت.

و المتحصل: انك عرفت السّر في ذهاب المحقّق النائيني إلى عدم تقديم‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 276- الطبعة الأولى.

(2) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 3- 267- الطبعة الأولى.

59

الأهمّ، كما عرفت السّر في التزامه بكون التخيير شرعيا بالمعنى الّذي عرفته، و هو حق لا إشكال فيه.

و اما ما جاء في المحاضرات من تقريب تقديم الأهم فيما نحن فيه من: ان الأهم لا مانع من تقديمه عقلا للقدرة عليه تكوينا، و لا شرعا لأن المانع الشرعي المتصور ليس إلّا وجوب المهم الّذي يستلزم صرف القدرة في غير الأهمّ، و هو لا يصلح للمانعية لأنه بمزاحمته بالأهمّ غير مقدور شرعا، و المفروض ان القدرة دخيلة في متعلقه فلا يكون الأمر به فعليا مع عدم القدرة عليه شرعا، و مع عدم فعلية امره لا يكون مانعا من الأهم‏ (1).

ففيه ما لا يخفى: لأن المفروض ان كلا من الحكمين مشروط بالقدرة شرعا فيكون كل منهما رافعا لموضوع الآخر، لأنه مانع شرعي عن الآخر، فكيف يفرض مانعية الأهم عن المهم دون العكس؟، فانه مما لا نعرف له توجيها صحيحا.

و نفس الأهمية لا تصلح فارقا- كما قد يظهر من العبارة- لأنها محل الكلام فلا يمكن الاستدلال على الدعوى بنفس الدعوى. فالتفت.

و قد يدعي: تقديم الأهمّ بحكم العقل ببيان: ان المفروض ثبوت ملاك كل من الحكمين في نفسه، و مع قطع النّظر عن المزاحم. فإذا التزم بسقوط كلا الحكمين فلا يخلو الحال من صور ثلاث: اما ان يحكم على طبق الأهمّ و هو المطلوب. و اما ان يحكم على طبق المهم و هو ترجيح بدون مرجح. و اما ان يحكم بالتخيير بينهما، بمعنى وجوب أحدهما لا بعينه، و هو يستلزم ثبوت كل من الملاكين لعدم منافاته للقدرة الشرعيّة على كل من الفعلين، فيحكم العقل بلزوم الإتيان بالأهمّ ملاكا نظير حكمه بلزوم تحصيل أصل الغرض الملزم لو لم يتمكن‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 3- 264- الطبعة الأولى.

60

المولى من الأمر كأن كان غافلا. فهاهنا الأمر كذلك، لأن المولى لا يتمكن من الإلزام بالأهمّ بخصوصه لأنه ترجيح بلا مرجح، فيحكم العقل بلزومه ترجيحا للأهم.

و هذه الدعوى فاسدة: لأن العقل لا يتمكن من الإلزام بالأهمّ بعينه كما لا يتمكن الشارع، و المحذور الّذي يمنع من تعيين الأهمّ شرعا بنفسه يمنع من تعيينه عقلا، لأن الإلزام العقلي كالشرعي رافع لموضوع الآخر، فالعقل يمكنه ان يلزم بالمهم فيرفع موضوع الأهم و يكشف عن عدم ثبوت الملاك الأهمّ، فما هو المرجح لحكمه بالأهمّ، مع انه لا محذور في حكمه بالمهم من جهة تفويت الغرض الأهمّ، لأنه لا يتحقق الغرض الأهمّ بحكمه بلزوم المهم؟. فالتفت.

هذا تمام الكلام في الواجبين المشروطين بالقدرة شرعا.

يبقى الكلام في الفرع الّذي ذكره المحقق النائيني مثالا للواجبين المشروطين بالقدرة، مع كونه أحدهما أسبق زمانا، و هو مثال تزاحم النذر و الحج، كما لو نذر قبل حصول الاستطاعة ان يزور الحسين (عليه السلام) يوم عرفة، ثم حصلت الاستطاعة، فقد وقع الاختلاف في ان أيهما المقدم هل يقدم وجوب الوفاء بالنذر أو وجوب الحج؟ و في المسألة أقوال:

الأول: ما عن صاحب الجواهر (رحمه الله) من تقديم النذر، لأنه غير مقيد بالقدرة شرعا، فيتقدم على الحج لأنه مقيد بالقدرة شرعا، كما هو مقتضى القاعدة في تزاحم الحكمين اللذين أحدهما مقيد بالقدرة شرعا و الآخر غير مقيد بها شرعا (1).

الثاني: تقديم وجوب الحج، لأن كلا من الوجوبين مقيد بالقدرة شرعا، لكن في وجوب الوفاء بالنذر جهة تقتضي ترجيح وجوب الحج عليه و هو قول‏

____________

(1) النجفي الشيخ محمد حسن. جواهر الكلام 17- 347- الطبعة السابعة.

61

المحقق النائيني‏ (1).

الثالث: تقديم وجوب الحج لأنه غير مقيد بالقدرة شرعا فيتقدم على وجوب الوفاء بالنذر لأنه مقيد بما يرفعه وجوب الحجّ.

الرابع: تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء، مع عدم رافعيّة أحدهما لموضوع الآخر أو رافعيته لوجه فقهي غير صناعي.

و هذان القولان وردا في كلام السيد الخوئي (حفظه اللّه) (2).

اما الوجه الأول: فقد عرفت تقريبه فلا نعيد.

و اما الوجه الثاني: و هو ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره)، فتقريبه:

ان وجوب الوفاء بالنذر كوجوب الحج مقيد بالقدرة شرعا المرتفعة بالمانع الشرعي، و مقتضاه وقوع التمانع بين الحكمين، إلا أن وجوب الوفاء مقيد أيضا بأن لا يكون متعلّقه في نفسه محللا للحرام، بمعنى ان لا يكون متعلقه الراجح في نفسه ملازما للوقوع في الحرام و تحقق الحرام منه، كما لو كانت صلاته على سطح الدار ملازمة للنظر المحرم إلى الأجنبية، فنذر الصلاة على سطح الدار لا يجب الوفاء به لأن متعلقه محلل للحرام بالمعنى الّذي عرفته و ان كان راجحا في نفسه.

و عليه فبما ان الزيارة يوم عرفة و ان كانت راجحة في نفسها لكنها مستلزمة لتحليل الحرام فهو ترك الحج، فانه حرام و هو ملازم للزيادة، فوجوب الحج يكون رافعا لموضوع وجوب الوفاء، لأنه يستلزم ان يكون متعلقه محللا للحرام و وجوب الوفاء لا يصلح لذلك، لأنه يتوقف على عدم فعلية التكليف بالحج حتى لا يستلزم منه تحليل الحرام، فلو كان عدم التكليف بالحج مستندا إلى فعلية وجوب الوفاء بالنذر لزم الدور.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 273- الطبعة الأولى.

(2) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 3- 249 و 251- الطبعة الأولى.

62

أقول: بعد الفراغ عن تقييد وجوب الوفاء بالقدرة شرعا، و تقييده بان لا يكون متعلقه محللا للحرام، يقع البحث مع المحقق النائيني (قدس سره) في ما أفاده من تقديم الحج على النذر بالبيان الّذي عرفته، فانه بحسب نظرنا غير مستقيم، لأن اشتراط عدم تحليل الحرام في وجوب الوفاء يستلزم ان يكون فيما نحن فيه جهتان تقتضيان رافعية وجوب الحج لموضوع وجوب الوفاء. إحداهما اشتراط وجوب الوفاء بالقدرة شرعا. و الأخرى اشتراطه بعدم كونه محللا للحرام و عدم انحصار جهة الرّافعيّة باشتراط القدرة. و هذا المعنى لا يلازم تقديم وجوب الحج، فان الشرط لم يجعل خصوصية أخرى في حكم النذر تجعل وجوب الحج مانعا منه دون العكس، بل غاية ما يقتضي كون وجوب الحج رافعا لموضوع وجوب الوفاء بالنذر، و هذا ثابت و لو لم يكن وجوب الوفاء مشروطا بعدم تحليل الحرام فلم لم يقدم وجوب الحج؟.

و بالجملة: لا فرق في حصول التمانع بين ان يكون أحد الحكمين رافعا لموضوع الآخر من جهتين و الآخر من جهة واحدة، بين ان يكون كل منهما رافعا لموضوع الآخر من جهة واحدة، فانه يقال فيما نحن فيه ان وجوب الحج مشروط بالاستطاعة، بمعنى تحققها في نفسها و مع قطع النّظر عن وجوب الحج، و وجوب الوفاء بالنذر رافع لها فلا يكون واجبا و لا يكون متعلق النذر محللا للحرام.

و بعبارة أخرى: متعلق النذر انما يكون محللا للحرام لو كان موضوع الحج ثابتا و هو الاستطاعة، و قد عرفت انه يرتفع بوجوب الوفاء، فكل من الحكمين يرفع موضوع الآخر، فانه كما ان وجوب الوفاء مقيد بما يرتفع بوجوب الوفاء و هو الاستطاعة، و هذا واضح لا غبار عليه.

و الحاصل: انه لا نعرف لتقريب المحقق النائيني (رحمه الله) وجه وجيه.

اما اشتراط وجوب الوفاء بالنذر بعدم تحليل الحرام فلا دليل عليه بالمعنى الّذي ذكرناه، و تحقيقه في الفقه.

63

و اما اشتراطه بالقدرة شرعا فقد قرّبه (قدس سره) بان وجوب الوفاء تابع لما نذره الناذر، و بما ان النذر تعلق بالفعل المنذور لاقتضاء نفس النذر ذلك، لأن الناذر ينذر الإتيان بما يقدر عليه من الأعمال، نظير اقتضاء نفس الطلب لاعتبار القدرة في متعلقه، فتكون القدرة مأخوذة في موضوع وجوب الوفاء قبل تعلّقه به و هذا نفس اعتبار القدرة في متعلق الحكم شرعا اللازم لكون الملاك ثابتا في خصوص المقدور.

و هذا البيان لا يخلو عن مناقشة فان غاية ما يقتضيه اعتبار القدرة عقلا لا شرعا، إذ قد عرفت ان القدرة الشرعية هي القدرة بالمعنى العرفي و اعتبارها يرجع إلى أخذ القدرة في لسان الدليل، فيفهم العرف من اللفظ ما هو المفهوم العرفي للقدرة. و هذا البيان لا يقتضي أخذ القدرة لفظا بمفهومها العرفي، بل يقتضي أخذ واقع القدرة، فليس في المقام فهم و ظهور عرفي، بل يرجع إلى ما يلزم به العقل و هو ليس إلّا القدرة العقلية في قبال العجز العقلي، فانه هو الّذي يرى ضرورة تقييد المتعلق به لا أزيد، فيحتاج اعتبار غيره إلى دليل خاص.

و اما الوجه الثالث- فتقريبه-: ان وجوب الحج ليس مقيدا بالقدرة الشرعية فانه و ان أخذت الاستطاعة في موضوعه في لسان دليله، إلا أنها فسرت في الروايات بالزاد و الراحلة و أمن الطريق، و ان المراد منها هو ذلك ليس إلّا، و هذا مما لا يرفعه وجوب الوفاء كما لا يخفى، فموضوع الحج ثابت لا خلل فيه.

و اما وجوب الوفاء فهو مقيد بعدم كون متعلقه محللا للحرام، فيكون وجوب الحج رافعا لموضوعه، لأنه يستلزم كون متعلق النذر محللا للحرام. فيتقدم الحج لأن المورد يكون نظير تزاحم ما ليس بمقيد بالقدرة شرعا و ما هو مقيد بها لأن وجوب الحج رافع لموضوع وجوب الوفاء و لا عكس.

و هذا الوجه غير تام لما عرفت.

أولا: من ان وجوب الوفاء بالنذر غير مقيد بعدم كونه محللا للحرام، لعدم‏

64

الدليل عليه.

و ثانيا: انه قد حققنا في الفقه ان وجوب الحج مقيد بالقدرة شرعا، و ان المراد بالاستطاعة في الآية الكريمة هو المفهوم العرفي لها، و انه لا خصوصية للزاد و الراحلة.

و ثالثا: انه لو ثبت بمقتضى النصوص وجود خصوصية للزاد و الراحلة و أمن الطريق و انها دخيلة في موضوع الحكم، فهذا لا يعني إلغاء موضوعية الاستطاعة و ان تمام الموضوع هو ذلك، بل مرجعه إلى أخذ خصوصية زائدة على الاستطاعة العرفية في موضوع الحج، فالاستطاعة العرفية مأخوذة في موضوع الحج بزيادة توفر الزاد و الراحلة، بمعنى انه لو كان شخص يتمكن من السفر ماشيا إلى الحج من دون أي مشقة و حرج و لم يكن لديه زاد و راحلة لم يجب عليه الحج و ان كان مستطيعا عرفا. فالوجوب المتعلق بالحج مقيد بالاستطاعة عرفا لا ان المقصود بالاستطاعة هو الزاد و الراحلة و أمن الطريق ليس إلّا. و هذا الأمر حققناه في الفقه.

و اما الوجه الرابع: فمحصله: انه لو فرض ان وجوب الوفاء رافع لموضوع وجوب الحج و مقدم عليه، للزم لغوية وجوب الحج، إذ يتمكن كل مكلف ان يمنع من تحقق موضوع الحج و هو الاستطاعة إلى آخر عمره بواسطة النذر، فينذر ان يصلي ركعتين في مسجد بلده أو قريته في يوم عرفة من كل سنة. و هذا يتنافى مع جعل الحج بنحو عام و شدة الاهتمام به، فيعلم جزما بأنه لا يرتفع بمثل وجوب الوفاء بالنذر، و لا يختلف الحال في ذلك بين ان يكون وجوب الوفاء بحسب الصناعة مقدما على وجوب الحج لرافعيته لموضوعه أو ليس بمقدم.

و قد ذكرنا في الفقه: ان هذا البيان يتأتى في تصحيح المعاملات الربويّة بمصحح، كالضميمة و نحوها مما يخرجها عن الرّبا المنصوص على حرمته، فان‏

65

ذلك يستلزم لغوية التأكيد على حرمة الرّبا و شدة الاهتمام بنفيه، فان نفس حرمته تكفي في الردع عنه مع إمكان التخلص عنه بمثل هذه السهولة بلا احتياج لشدة التأكيد على حرمته. فالتفت.

هذا تمام الكلام في هذه المسألة.

و يقع الكلام بعد ذلك في الحكمين المتزاحمين المشروطين بالقدرة عقلا، و ما هو المرجح لأحدهما على الآخر؟.

و تحقيق الحال: ان المرجحات التي مرّ ذكرها ثلاثة: وجود البدل و عدمه، و التقييد بالقدرة شرعا و عدمه، و الأسبقيّة الزمانية.

اما وجود البدل: فقد عرفت ان وجود البدل العرضي لأحدهما دون الآخر يخرج المقام عن مورد المزاحمة. و ان وجود البدل الطولي لا يستلزم ترجيح ما ليس له بدل إلّا بإرجاع جعل البدل الطولي إلى أخذ القدرة الشرعية في موضوع ما له البدل، فيخرج عما نحن فيه، إذ المفروض عدم تقييد كل من الواجبين بالقدرة شرعا. و من هنا يتضح أن ما نحن فيه خارج موضوعا عن الترجيح بالمرجح الثاني.

و اما الأسبقية الزمانية: فقد جعلها المحقق النائيني موجبة للترجيح في مورد تساوي ملاكي الحكمين دون أهمية ملاك أحدهما، فانه هو المقدم حينئذ.

و قد جعل الترجيح بالأسبقية من ثمرات التزامه بالتخيير العقلي.

و توضيح ذلك: انه (قدس سره) التزم في ما إذا تساوى الحكمان ملاكا بالتخيير العقلي، بمعنى حكم العقل بسقوط إطلاقي كلا الخطابين و تقييده بصورة ترك الواجب الآخر و هو الترتب، بدعوى أن التنافي بين إطلاقي الخطابين فيرفع اليد عنهما بمقدار يرتفع به التنافي و هو النحو الّذي عرفته، و ليس التنافي بين أصل الحكمين كي يرفع اليد عنهما و يلتزم بثبوت خطاب مستقل بأحد الفعلين بنحو التخيير تحصيلا لأحد الملاكين، مع عدم القدرة على تحصيلهما معا

66

و كون الإلزام بأحدهما المعين ترجيحا من دون مرجح- كما ذهب إليه بعض- (1) فيكون التخيير شرعيا.

إذا تبين هذا فقد أفاد (قدس سره) ان من ثمرات الالتزام بالتخيير العقلي دون الشرعي هو تقديم الأسبق زمانا من الواجبين، كما لو تزاحم وجوب القيام في صلاة الظهر و وجوبه في صلاة العصر، فانه إنما يتأتى لو التزم بكون التخيير عقليا، اما لو التزم بكونه شرعيا فلا وجه لترجيح الأسبق. بيان ذلك:

انه لو قيل بان التخيير شرعي لا مانع من تعلق خطاب واحد بكل منهما بنحو البدل، فيكون كل منهما واجبا تخييريا، إذ التقدم و التأخر الزماني لا يمنع من صحة ذلك. اما لو قيل بان التخيير عقلي بمعنى الالتزام بالترتب امتنع جريانه هنا لأن أساس التخيير العقلي على كون امتثال أحدهما مسقطا للحكم الآخر، لأن ثبوت أحدهما مشروط بترك الآخر فإذا لم يترك لم يثبت الآخر، و بما ان امتثال الواجب المتأخر غير معقول في ظرف المتقدم لم يكن هناك ما يسقط التكليف السابق الفعلي، و عليه فيكون فعليا من دون مزاحم فيجب الإتيان بمتعلّقه و يحرم تركه‏ (2).

أقول: هذا البيان لا يفي بالمطلوب لأن الوجوب المتأخر إما أن يكون له تأثير و دعوة في الزمان السابق أو لا يكون له تأثير فعلي الثاني يخرج المورد عن موارد المزاحمة إذ الحكم السابق فعلي لا مانع منه، لأن الحكم اللاحق ليس بفعلي حالا و لا تأثير له في هذا الحين، فيلزم امتثال السابق لا لأجل الترجيح بل لأجل عدم المزاحمة، و لا يختلف الحال حينئذ بين الالتزام بالتخيير العقلي أو الشرعي، إذ لا موضوع للتخيير الشرعي لعدم التزاحم و التساقط. و على الأول‏

____________

(1) المحقق صاحب الحاشية و المحقق الرشتي (قدس سرهما).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 279- 280- الطبعة الأولى.

67

يقع التزاحم بين الحكمين، لأن كلّا منهما يدعو إلى ما يمنع من امتثال الآخر في زمان واحد، فالحكم اللاحق قابل لأن يمتثل في الزمان السابق لا بمعنى الإتيان بمتعلقه، بل بمعنى الإتيان بما له تأثير فيه في الزمان السابق و هو حفظ القدرة على متعلقه المسقط للتكليف الآخر. فلا يختلف الحال حينئذ بين القول بالتخيير الشرعي و التخيير العقلي.

هذا و لكن الإنصاف يقتضي بتقديم الأسبق زمانا لبناء العقلاء في أعمالهم بالإضافة إلى أنفسهم و إلى غيرهم على ذلك في مورد التزاحم، و يرون من يترك الأسبق لأجل امتثال اللاحق ليس جاريا على سيرة العقلاء، و ان فعله سفه. فلو كان عند شخص رغيف خبز واحد و علم انه مضطر إلى البقاء جائعا يوما مرددا بين يومه و غده من دون امتياز لأحدهما على الآخر في شدّة الجوع و طوله و قصره فلا إشكال في أنه يأكله في يومه و لا يتركه إلى غده لأنه يرى الترك سفها. و هكذا لو كان عنده مقدار ما يضيف به شخصا واحدا و جاء زيد فعلا و علم انه يجيئه عمرو غدا و كلاهما واجب الضيافة من دون امتياز، فان عمل العقلاء على صرف ما عنده في ضيافة زيد لا تأخيره و ضيافة عمرو به.

و لعل جهة ذلك انه و ان علم ببقائه إلى الحكم اللاحق بحسب الموازين العادية، إلا ان احتمال عدم بقائه عقلا موجود، و هذه جهة تصلح منشأ لعمل العقلاء.

و بالجملة: فلا إشكال ان بناء العقلاء على تقديم الأسبق ثابت، و ان عدم تقديمه في نظرهم أمر غير عقلائي.

و هذا يوجب الجزم بعدم ثبوت التخيير و تعيين السابق. و لا أقل من احتمال ترجيحه عندهم، فيكون نظير محتمل الأهميّة متعينا بنظر العقل كما سيجي‏ء. فان كان نظره (قدس سره) إلى هذا البيان كما قد يستشم من عبارته كان ما ذكره متينا، لكنه لا يستقيم على كلا القولين: القول بالتخيير العقلي و القول بالتخيير

68

الشرعي، لأنه يرفع موضوع التخيير، إذ هو يثبت رجحان السابق و ان الحكم على طبقه.

و موضوع التخيير عقلا و شرعا هو ثبوت التساوي بين الحكمين، فيتساقطان و يثبت خطاب آخر بأحدهما بنحو التخيير كما هو مقتضى القول بالتخيير الشرعي، أو يتقيد كل منهما بترك الآخر كما هو مقتضى القول بالتخيير العقلي.

فقد تحصل مما ذكرناه ثبوت مرجحيّة الأسبقيّة الزمانيّة مع تساوي الحكمين في الملاك. اما إذا كان أحدهما أهمّ ملاكا كان هو المقدم سواء كان متأخرا أم مقارنا، لحكم العقل بقبح تفويته و تحصيل الغرض المهم، بل على المولى الإلزام بالأهم تحصيلا له، و إلّا كان الحكم بغيره ترجيحا للمرجوح على الراجح و هو قبيح. و هذا أمر واضح لا خلاف فيه و لا نقاش.

و خلاصة ما تقدم: انه مع تزاحم الحكمين المشروطين بالقدرة عقلا يقدّم الأهم منهما إن كان، و إلا قدّم السابق زمانا إن اختلفا فيه، و إلا ثبت التخيير بينهما عقلا بالمعنى الّذي عرفته و هو التّرتب، إذ قد تقدم ثبوت إمكانه، و عرفت ان إمكانه مساوق لوقوعه، فلا محيص عن الالتزام به.

بقي شي‏ء نتعرض إليه و ان كان استطراديّا لكننا نذكره تبعا للمحقق النائيني (قدس سره).

و هو انه لو كان أحد الحكمين محتمل الأهميّة، فهل يقدّم على الآخر أولا؟.

أفاد (قدس سره): انه لو التزمنا بان التخيير مع التساوي في الملاك شرعي كان المورد حينئذ من موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير الشرعيين، و حكمه محل خلاف بين المحققين، فمن هو قائل بالبراءة، و من هو قائل بالاشتغال. و اما لو التزمنا بان التخيير عقلي تعين الأخذ بمحتمل الأهميّة، إذ

69

يدور الأمر حينئذ بين تقييد كلا الإطلاقين و تقييد خصوص إطلاق غير المحتمل أهميته، فتقييده معلوم على كلا التقديرين، و تقييد إطلاق محتمل الأهمية غير معلوم، فينفي بأصالة عدم التقييد فيؤخذ بإطلاقه. هذا ملخص كلامه‏ (1).

و توضيح الحال: ان دوران الأمر بين التعيين و التخيير له صور متعددة:

الأولى: دوران الأمر بين التعيين و التخيير في المسألة الأصولية، بمعنى دوران الأمر في الدليلين المتعارضين بين التخيير بينهما في مقام الحجيّة و تعيين أحدهما خاصة. و لا إشكال في ان الحكم هو التعيين، لأن الشك المزبور يرجع إلى التشكيك في حجيّة غير محتمل التعيين و الشك في الحجيّة ملازم للقطع بعدمها كما تقرر. و اما محتمل التعيين فهو مقطوع الحجية على كلا التقديرين.

الثانية: دوران الأمر بين التعيين و التخيير العقلي في المسألة الفرعيّة، كما لو تعلق امر بطبيعة ثم شك في ان المتعلق ذات الطبيعة فيكون المكلف مخيرا بين مطلق أفرادها عقلا، أو ان المتعلق الطبيعة مع الخصوصيّة الكذائيّة؟ و التحقيق:

ان المورد من موارد جريان البراءة، لأنه من مصاديق دوران الأمر بين الأقل و الأكثر فتجري البراءة، عن الخصوصيّة فيثبت التخيير العقلي.

الثالثة: دوران الأمر بين التخيير و التعيين الشرعي في المسألة الفرعيّة، كما لو علم بتعلق الأمر بفرد و شك في أنه متعلّق للأمر بخصوصه، أو انه مخير بينه و بين غيره، و هذه الصورة وقعت محل الخلاف في أنها مجرى البراءة من الخصوصيّة كسابقتها فيثبت التخيير، و انها مجرى الاشتغال فيثبت التعيين، لكل احتمال ذهب جمع من المحققين.

الرابعة: دوران الأمر بين التعيين و التخيير في مقام المزاحمة، كما لو تزاحم حكمان و احتمل أهميّة أحدهما ملاكا. و الحكم فيه التعيين، و ذلك لأن‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 279- الطبعة الأولى.

70

غير محتمل الأهميّة مما يعلم بسقوط إطلاق دليله على كلا التقديرين تقدير أهميّة الحكم الآخر و تقدير عدمه، فيخرج إطلاقه عن الحجيّة. اما محتمل الأهميّة فلا يعلم بسقوط إطلاق دليله، لاحتمال كونه أهم فيكون هو المتعين فيتمسك بإطلاقه عملا بأصالة الإطلاق. و لا يختلف الحال في ذلك [1] على القول بان التخيير مع التساوي عقلي أو شرعي، لعدم إحراز تقييد إطلاق المحتمل أهميته على الأول‏

____________

[1] أفاد صاحب الكفاية (قدس سره) في مبحث التعادل و الترجيح عند البحث في تحقيق الأصل عند التعارض بين الدليلين إلى: ان محتمل الأهمية يقدم على مزاحمه في الجملة، و لم يبين تفصيل ذلك. و نسب إليه بيان التفصيل في حاشيته على الرسائل.

و قد يستشكل فيه بما ذكرناه في المتن من: انه لا فرق بين الصور في تقديم محتمل الأهمية، لعدم العلم بسقوط إطلاقه و الجزم بسقوط إطلاق مزاحمه، فيعمل بإطلاق محتمل الأهمية.

و تحقيق الحال فيما أفاده (قدس سره): انه يذهب إلى ان التزاحم بين الحكمين لا يتحقق، إلّا إذا فرض وجود الملاك لكلا الحكمين، كما انه يذهب إلى ان الدليلين في موارد وجود الملاكين إذا كانا لبيان الحكم الاقتضائي، كان المورد من موارد التزاحم. و اما إذا كانا لبيان الحكم الفعلي، كان المورد من موارد التعارض، لتحقق التكاذب بين الدليلين بعد عدم إمكان الأخذ بهما معا.

و على هذا يكون المرجع مرجحات باب المعارضة لا مرجحات باب التزاحم.

و إذا ظهر ما ذكرناه، لم يكن مجال للإشكال المزبور عليه، إذ موضع التزاحم بنظره ما إذا لم يكن إطلاق الدليلين متكفلا للحكم الفعلي كي يؤخذ بإطلاق الأهم أو محتمل الأهمية، بل الإلزام بإتيان الأهم أو التخيير في مورد التساوي انما هو بحكم العقل من باب لزوم تحصيل غرض المولى.

و على هذا المبني نقول: ان صور احتمال الأهمية ثلاثة:

الأولى: أن لا يكون المقتضيان من جنس واحد، مع احتمال أهمية أحدهما من ناحية احتمال أهميته في التأثير في المصلحة العامة- مثلا-، نظير أهمية الصلاة من وجوب ردّ السلام.

الثانية: ان يكون المقتضيان من جنس واحد، مع احتمال أهميّة أحدهما لاحتمال شدته.

الثالثة: ان يكونا من جنس واحد، مع احتمال الأهمية في أحد الطرفين لا لشدته، بل لانضمام ملاك آخر إليه. فاحتمال الأهمية ينشأ من احتمال التعدد.

اما الصورة الأولى، فالحكم فيها تعيين محتمل الأهمية، و ذلك لأن العقل يحكم بلزوم تحصيل غرض المولى و لا يرفع اليد عن حكمه، و لا يحكم بمعذورية العبد إلا بالإتيان ببدله، و مع احتمال الأهمية لا يقطع بالعذر و صلاحية الغرض الآخر للبدلية، فيكون من موارد قاعدة الاشتغال.

و هكذا الحال في الصورة الثانية، لعدم القطع بالعذر مع الإتيان بالغرض المحتمل المضعف.

71

و سقوط دليله على الثاني فيؤخذ به مع إحراز سقوط أو تقييد إطلاق الحكم الآخر.

فجعل المورد ممّا تظهر فيه ثمرة الاختلاف بين القولين لا وجه له، إذ لا تصل النوبة إلى التخيير بعد احتمال تعيين أحدهما لسلامة دليله من السقوط أو التقييد. فتدبّر جيّدا.

تنبيه: قد يتخيّل البعض ان هذا التقسيم الّذي ذكره المحقق النائيني للحكمين المتزاحمين من كونهما مشروطين بالقدرة شرعا، أو مشروطين بالقدرة عقلا، أو أحدهما مشروطا بالقدرة شرعا و الآخر مشروطا بها عقلا، و اختلاف الأثر باختلاف الحال في ذلك غير وجيه، إذ جميع الأحكام الشرعية مقيّدة بالقدرة شرعا، لأن التقييد بالقدرة الشرعية تارة: يكون في لسان نفس الدليل كتقييد وجوب الحج. و أخرى: بتقييد خاص منفصل، كما يدعي استفادة تقييد الوضوء بالقدرة الشرعيّة من تعليق الحكم بالتيمم على عدم الوجدان، بدعوى ان التفصيل قاطع للشركة. و ثالثة: يكون ببيان عام منفصل، و هو الثابت في جميع الأحكام بدليل نفي الحرج و الاضطرار، فانه حاكم على جميع أدلّة الأحكام و مبيّن ان ثبوت الأحكام يختص بغير مورد العسر و غير مورد الاضطرار العرفي و هو

____________

- و اما الصورة الثالثة، فلا يحكم بالتعيين، لأن الغرض المعلوم المنجز على العبد يعلم بصلاحية الغرض الآخر للبدلية عنه لتساويهما، و انما يحتمل وجود غرض آخر يفوت بترك محتمل الأهمية، و مجرد هذا الاحتمال لا ينفع، كمورد الاحتمال البدوي الصرف، فانه من موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و هذا التفصيل الّذي ذكرناه موافق في الجملة لما حكي عن صاحب الكفاية. و بالبيان الّذي عرفته يندفع عنه بعض ما أورد عليه، فراجع حاشية المحقق الأصفهاني على الكفاية. و لكنك عرفت ان هذا البيان يتم على الالتزام بما التزم به صاحب الكفاية من تحديد مورد التزاحم، و كون الالتزام بلزوم الأهم أو التخيير مع التساوي بسبب حكم العقل بلزوم تحصيل الغرض الملزم للمولى.

اما بناء على انه عبارة عن تنافي الحكمين في مقام الامتثال مع الالتزام بتكفل دليليهما الحكم الفعلي، كان محتمل الأهمية هو المتقدم مطلقا كما أشرنا إليه في المتن.

72

مساوق لتقييده بالقدرة الشرعيّة.

و عليه، فليس للحكمين المتزاحمين الا صورة واحدة، و هي صورة تقيد المتزاحمين بالقدرة الشرعيّة فلا وقع للتقسيم المزبور.

و هذا التخيّل فاسد، لأن أثر تقييد الحكم بالقدرة الشرعيّة و دخالتها في موضوعه يظهر بحسب ما تقدم في جهتين:

الأولى: ان ارتفاع القدرة الشرعيّة مساوق لارتفاع ملاك الحكم، و عليه بني عدم تقديم الأهم لو كان كل منهما مقيدا بالقدرة شرعا.

الثانية: تقديم غير المشروط بالقدرة شرعا على المشروط بها في مورد التزاحم.

فالمتخيل يتخيّل ان ذلك لا يتحقق، إذ كل من الحكمين مقيّد بالقدرة شرعا فلا معنى لتقديم أحدهما على الآخر، فمقتضى الدعوى ارتفاع موضوع هذا الترجيح في مطلق موارد المزاحمة.

و التقييد بواسطة دليل نفي الحرج لا يظهر أثره في هاتين الجهتين، بل يختلف مع التقييد الخاصّ بالقدرة شرعا.

اما جهة انتفاء الملاك: فلان دليل نفي الحرج أو الاضطرار و ان تكفل نفي الحكم في صورة عدم التمكن العرفي، لكنه لا يتكفل رفع الملاك لعدم ظهوره في دخالة عدم الحرج في الملاك، لو لم نقل بأنه ظاهر في وجود الملاك، إذ ظاهر الدليل ان ارتفاع الحكم لأجل الامتنان و التسهيل على العباد، و هو ظاهر في ثبوت الملاك بحيث لو لا هذه الجهة- أعني جهة الامتنان- لثبت الحكم. و هذا بخلاف تقييد الموضوع رأسا بالقدرة، فانه ظاهر في دخالة الوصف في ملاك الحكم فيرتفع بدونها. و على هذا فيثبت الترجيح بالأهميّة في تزاحم سائر الأحكام لوجود الملاك في نفسه في موارد ارتفاعها بالعسر و الحرج.

و اما الجهة الثانية: فموضوع الحكم و ان تقيد بالقدرة الشرعية و عدم‏

73

الاضطرار العرفي بواسطة هذه الأدلة، لكنه لا ينظر فيه التقييد بعدم الاضطرار من جهة الحكم الشرعي المزاحم، فلا يكون الحكم الشرعي رافعا لموضوع الآخر.

بيان ذلك: ان رفع الاضطرار بمعناه الأولي و هو الاضطرار العقلي لا معنى له، إذ هو ثابت عقلا لعدم التمكن، فلا منّة في رفع الحكم في حاله، لأنه مما يحكم به العقل، كما لا يحتاج ذلك إلى الاستيهاب من اللَّه سبحانه كما جاء في بعض الآيات الشريفة (1).

اذن فما هو المراد من رفع الحكم حال الاضطرار المصحّح للامتنان؟. ذكر الشيخ في رسائله في مقام دفع هذا الإشكال: ان المقصود بالاضطرار هو الاضطرار العرفي بمعنى المشقة و العسر. و من الواضح ان رفع الحكم في حالته يكون امتنانا لإمكان جعل الحكم في حالته فيقع العبد في المشقة (2).

و بهذا الإشكال و الجواب يتضح ان رفع الاضطرار انما يصح و يتّجه في مورد لا يكون فيه التكليف ممتنعا، إذ مع امتناعه في نفسه لا نحتاج إلى بيان ارتفاعه من باب المنّة لأنه مرتفع قهرا بحكم العقل فلا منّة في رفعه.

و عليه، فلا يشمل الدليل صورة المزاحمة لأن جعل التكليفين ممتنع في نفسه لعدم القدرة على امتثالهما، فارتفاع كل من الحكمين بوجود الآخر أمر قهري لا بد منه فلا يكون مشمولا لدليل الرفع، فلا يكون الحكم حينئذ مقيّدا موضوعه بعدم الاضطرار من جهة المزاحم بواسطة دليل الرفع، بل تقيده بحكم العقل نظير تقيده بالقدرة على متعلّقه.

و على هذا فلا يكون أحد الحكمين رافعا لموضوع الآخر بالبيان الّذي‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 286.

(2) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 196- الطبعة الأولى.

74

تخيّله المتخيّل، و ان جميع صور التزاحم تكون من تزاحم الواجبين المشروطين بالقدرة شرعا. فالتفت و لا تغفل.

هذا تمام الكلام في الجهات الأساسيّة لمبحث التزاحم.

و يمكننا على ضوء ذلك تحديد ضابط التزاحم، بأنه التنافي بين الحكمين في موضوعين في مقام الداعويّة و التأثير، بمعنى انه لا يمكن ان يكون كل منهما داعيا فعلا إلى متعلقه و منشأ ذلك هو عدم القدرة على الجمع بين المتعلقين.

و الوجه في ذلك: هو ان لفظ التزاحم لم يرد في لسان آية أو رواية كي يرجع في تحديد مفهومه إلى العرف، و انما هو اصطلاح أصولي لتحديد بعض الموارد التي يتنافى فيها الحكمان بلحاظ ترتيب بعض الآثار، و هي الترتب على القول بإمكانه و تقديم الأهم أو الأسبق زمانا في بعض الصور التي مرّ ذكرها. و التخيير مع التساوي اما بنحو الترتب أو الخطاب التخييري بأحد الفعلين.

و لأجل ذلك يلحق بمبحث التزاحم موارد تنافي الحكمين المشروطين بالقدرة شرعا، فان ضابط باب التزاحم لا ينطبق عليها لعدم كون التنافي من جهة التنافي في مقام الداعويّة، بل هو من جهة رافعية كل منهما لموضوع الآخر.

إلّا انه حيث يجري فيها البحث عن جريان الترتب فيها و عدمه، كما يلتزم فيها بتقديم الأسبق زمانا في بعض الصور و التخيير بنحو الوجوب التخييري، أدرجت في مبحث التزاحم و عدّت من صوره.

و اما تزاحم الحكمين في موضوع واحد المعبّر عنه بتزاحم المقتضيين، فهو خارج عن التزاحم المصطلح لا لأجل ما ذكره المحقق النائيني من كونه راجعا إلى المولى، و كونه مبتنيا على رأي العدلية. فقد عرفت دفعه، بل لأجل ما تقدم ذكره من عدم ترتب الآثار المزبورة فيه، إذ لا مجال للترتب لأنه لا يجري في الموضوع الواحد كما مرّ تحقيقه، كما لا معنى للتخيير بمعنى الإلزام التخييري، إذ مع تساوي الملاكين يحكم بإباحة العمل. كما لا معنى لتقديم الأسبق زمانا، إذ لا

75

معنى للأسبقية هاهنا.

نعم يقدم الأهم من الملاكين لو كانت مرتبة الأهميّة بمقدار يلزم تحصيله.

و اما ما نسب إلى صاحب الكفاية من حصر التزاحم الاصطلاحي في التزاحم بين المقتضيين، فلا وجه له و لا دليل عليه من كلامه أصلا، بل هو صرح في مبحث مقدمة الواجب بالتزاحم بين الحكمين كما لا ظهور في كلامه في جعله صورة التزاحم بين المقتضيين من مصاديق التزاحم المصطلح. و قد ذكرنا ذلك في أول المبحث. فراجع.

هذا تمام الكلام في مبحث التزاحم و نعود بعد ذلك إلى البحث في ما يرتبط بموضوع الكلام- أعني: «اجتماع الأمر و النهي»-. و قد عرفت ان البحث قبل الدخول في صلب الموضوع يقع في جهات تقدم الكلام في جملة منها.

و بقي الكلام في الجهة الأخيرة: و هي ما تعرض إليها صاحب الكفاية في الأمر العاشر، و مقصود صاحب الكفاية من ذلك بيان بعض الشي‏ء من ثمرة البحث المزبور كما ان مقصوده أيضا بيان ثمرة ما ذكره في الأمرين الثامن و التاسع.

و توضيح ذلك: انه لو تعارض دليلان أحدهما يقتضي وجوب شي‏ء و الآخر يقتضي حرمته، و كان بينهما عموم من وجه، و تقدم دليل التحريم، لا يكون الإتيان بالعمل صحيحا و لا يتحقق به سقوط الأمر، بل يقع محرما مطلقا علم به أو جهل، كان الجهل عن قصور أو تقصير، و هذا أمر لا يختلف فيه اثنان و في الوقت نفسه يذهب المشهور إلى صحّة الصلاة في الدار المغصوبة مع الجهل قصورا بالحكم مع القول بالامتناع، و تقديم جانب النهي، فان هذه الفتوى بظاهرها مناقضة لما تقدم من بنائهم في باب التعارض، إذ على الامتناع لا يفترق الحال عن باب التعارض، بل يكون المورد من مصاديق التعارض، فكيف يلتزم هنا بصحة الإتيان بالمجمع مع الجهل بالتحريم قصورا و لا يلتزم به في باب التعارض؟

76

لأجل دفع هذا الإشكال و الإجابة عن هذا التساؤل عقد صاحب الكفاية الأمر العاشر، و أوضح فيه جهة الفرق بين المقامين بعنوان التعرض لثمرة سائر الاحتمالات في باب اجتماع الأمر و النهي.

فأفاد (قدس سره): انه بناء على الجواز لا إشكال في صحّة العبادة، لأن مرجع القول به إلى تعدد متعلق الأمر و النهي و ان أحدهما غير الآخر، فإذا جاء بالمجمع فقد أطاع و عصى، لأنه جاء بعملين، فيكون نظير ما إذا نظر إلى الأجنبيّة في أثناء صلاته. و اما بناء على عدم الجواز و تقديم جانب الأمر فلا إشكال حينئذ في صحة العمل، و اما لو قدم جانب النهي فلا يصح العمل مع الالتفات إليه، لأنه عمل محرم و منهي عنه فلا يصلح للمقربيّة. و هكذا الحال مع الجهل بالحرمة عن تقصير لأن العمل و ان لم يكن محرما فعلا إلّا انه يصدر عن المكلف بنحو غير معذور فيه عقلا و مبغوض فلا يكون صالحا للتقرب به.

و اما إذا كان جاهلا بالحرمة عن قصور كان العمل صحيحا، لأنه صدر بعنوان حسن و هو قصد التقرب، كما انه صالح للمقربيّة من دون مانع لاشتماله على ملاك الوجوب مع عدم كونه مبغوضا و كون العبد معذورا فيه، فليس بقبيح لجهله بالحكم قصورا، فنقطة الفرق الفارق بين المقامين تتّضح في هذه الجهة، و هي أن المجمع في باب اجتماع الأمر و النهي يكون مشتملا على الملاك لكلا الحكمين فيقع صحيحا مع الجهل، لأنه صالح للمقربيّة بلا مانع بخلاف مورد التعارض فانه لا ملاك فيه للوجوب فلا يقع صحيحا، فتظهر ثمرة اعتبار وجود الملاك لكلا الحكمين في المجمع في باب اجتماع الأمر و النهي في هذه الجهة.

و أضاف (قدس سره) إلى هذا الوجه وجهين آخرين لتصحيح العمل، و هما:

الأول: ان يلتزم بان الأحكام تابعة للمصلحة و المفسدة المؤثرة في الحسن و القبح الفعليين، فمع عدم القبح الفعلي ليس هناك حكم واقعي و ان كان الفعل‏

77

مشتملا على المفسدة. و عليه فمع الجهل عن قصور حيث لا يحكم العقل بقبح العمل، بل يحكم بمعذورية الفاعل، فلا حكم بالتحريم، فيكون الأمر ثابتا بلا مزاحم، و يكون الفعل مأمورا به. و هذا الوجه لم يرتضه (قدس سره) و ذكر أنه خلاف الأقوى.

الثاني: ان العمل يمكن ان يؤتى به بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة و ان لم يشمله بنفسه، و ذلك لأنه واف كغيره بالملاك، و عدم تعلق الأمر به لمانع لا لقصور المقتضي، فلا يرى العقل بينه و بين غيره من الأفراد تفاوت من جهة تحقق الامتثال به، فيصح قصد الامتثال بإتيانه‏ (1).

و هذا المعنى تقدم منه (قدس سره) في تصحيح الإتيان بالفرد المزاحم في الواجب الموسع بقصد امتثال الأمر (2).

و قد استشكل المحقق النائيني فيما أفاده (قدس سره)، و ذهب إلى ان فتوى المشهور بالصحّة لها وجه آخر غير ذلك هو الصحيح.

اما إشكاله على صاحب الكفاية: فبان هذه الوجوه غير تامّة و ليست تنهض على توجيه فتوى المشهور.

اما دعوى عدم الحرمة مع الجهل لتبعية الأحكام للقبح و الحسن الفعليين، فهي دعوى التصويب التي تقرر بطلانها، لأنها ترجع إلى اختصاص الحكم بالعالم، و قد ثبت في محله ان الأحكام ثابتة في صورة الجهل و ان الأحكام الواقعية يشترك فيها العالم و الجاهل.

و اما دعوى صلاحية الملاك لصيرورة الفعل مقربا، فيدفعها بأن ملاك الوجوب في المجمع مزاحم بملاك التحريم و هو المفسدة في الفعل، و هي بعد

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 157- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 136- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

78

ملاحظة الكسر و الانكسار و غلبتها على المصلحة توجب تعلق الكراهة و المبغوضية بالفعل، فلا يكون الفعل محبوبا في حال من الأحوال لأن وجود المفسدة واقعي لا يرتبط بالعلم و الجهل فكيف يصلح للمقربيّة؟.

و بتعبير آخر: المصلحة الموجودة في الفعل مقهورة للمفسدة الموجودة فيه، فلا تكون موجبة للتقرب بالعمل و صيرورته مقربا، بل يكون العمل مبغوضا للمولى، كما انه لو تساوت المفسدة و المصلحة يكون العمل مباحا لا محبوبا و لا مبغوضا.

و اما دعوى إمكان الإتيان بالعمل بداعي الأمر لوفائه بالغرض، كغيره، فهي تندفع بما عرفت من ان العمل لا يصلح للمقربيّة بعد اشتماله على المفسدة الغالبة، فلا يكون كغيره من الافراد. مضافا إلى ان هذا الوجه مناقش فيه في نفسه كما مرّ.

و على هذا فذهاب المشهور إلى صحة العمل مع الجهل بالتحريم لا تلتئم إلا بذهابهم إلى جواز اجتماع الأمر و النهي في نفسه- و هو ما عبّر عنه بالجواز من الجهة الأولى-، و امتناع الاجتماع من جهة أخرى- و هي ما عبّر عنه بالامتناع من الجهة الثانية-.

و بيان ذلك: انه (قدس سره) ذكر في أول المبحث ان البحث يقع في الجواز و الامتناع من جهتين:

إحداهما: من جهة سراية كل من النهي و الأمر إلى متعلق الآخر و عدمه الّذي يبتني على كون التركيب بين الجهتين اتحاديا أو انضماميا، فعلى الأول يمتنع اجتماع الحكمين، لأنه من الجمع بين الضدين في محل واحد. و على الثاني لا يمتنع، لأن موضوع أحدهما غير الآخر فلا يجتمع الضدان في شي‏ء واحد. فالبحث في الجهة في امتناع الاجتماع و عدمه من جهة كون الاجتماع الضدين في شي‏ء واحد و هو محال في نفسه، و عدم كونه كذلك. و من الواضح ان اعتبار قيد المندوحة في‏

79

هذه الجهة لا أثر له أصلا.

ثانيتهما: انه بعد البناء على كون التركيب انضماميّا و عدم اجتماع الضدين، فهل تقع المزاحمة بين الحكمين أو لا؟، و هو يبتني على ان تحقق الامتثال هل يلزم فيه مقدوريّة الفرد، فلا يمكن الجمع بين الحكمين في الفرد المزاحم لعدم إمكان امتثالهما فيه أو لا يلزم فيه مقدورية الفرد، بل يكفي فيه مقدوريّة نفس الطبيعة، فيمكن تحقق الامتثال بالفرد المزاحم و ان لم يكن مقدورا شرعا؟. و من الواضح ان اعتبار وجود المندوحة في الحكم بالجواز من هذه الجهة ضروري، إذ مع عدم المندوحة لا إشكال في تحقق المزاحمة لعدم التمكن من امتثال الحكمين بأي نحو كان‏ (1).

إذا اتّضح ذلك فنقول: من يلتزم بجواز اجتماع الأمر و النهي من الجهة الأولى بان كان يرى ان الجهتين انضماميتان، و انما يذهب إلى امتناع اجتماعهما من جهة المزاحمة و تقديم جانب الحرمة، أمكنه دعوى صحة العمل العبادي مع الجهل بالحرمة عن قصور، لأن أساس التزاحم على تنافي الحكمين في مقام الداعويّة و التأثير، فكل منهما يدعو إلى صرف القدرة في متعلقه المانع من إتيان متعلق الآخر، و مع الجهل بالحرمة لا تكون لها دعوة نحو متعلقها، لأن العلم دخيل في الفعلية و وصول الحكم إلى مرحلة التحريك. و عليه فيكون الوجوب من غير مزاحم فيصح العمل. ففتوى المشهور تبتني على ما عرفت، و يشهد لذلك أنهم أخذوا قيد المندوحة في محل الكلام و قد عرفت انه لا يلزم إلّا في البحث عن الجهة الثانية بعد الفراغ عن الجواز من الجهة الأولى، و انه لا أثر له في البحث عن الجهة الأولى، فيكشف أخذهم القيد المزبور عن أن محطّ بحثهم الجواز و الامتناع من جهة التزاحم لا من جهة اجتماع الضدين في واحد.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 331- الطبعة الأولى.

80

و بما ذكرنا يظهر الفرق بين صورة الغسل بالماء الغصبي و صورة الغسل في المكان الغصبي، فان امتناع الأول من الجهة الأولى، لأن الغصب يتحقق بنفس الغسل بلا إشكال فيكون الغسل مجمعا للحكمين، و هو ممتنع، فإذا قدم جانب التحريم كان العمل باطلا حتى مع الجهل بالحرمة لما تقدم من أنه عمل مبغوض للمولى. و اما امتناع الثاني فيمكن ان يدعى بأنه من الجهة الثانية فقط، و ان التركيب بين الجهتين انضمامي، و ليس الغسل محققا للغصب و حينئذ مع الجهل بالتحريم يصح العمل لما عرفت من عدم المزاحمة.

هذه نهاية الكلام في مقدمات البحث، و يقع الكلام بعد ذلك في موضوع البحث و النزاع، و هو جواز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد ذي وجهين بأحدهما كان مورد الأمر و بالآخر كان مورد النهي أو امتناعه.

و قد ذهب صاحب الكفاية إلى امتناع ذلك، و ذكر للاستدلال على ذلك مقدمات أربعة و هي:

أولا: ان الأحكام الخمسة متضادة بأسرها.

و ثانيا: ان متعلق التكاليف ليس العناوين بما هي كذلك، و لا الأسماء، و انما هو فعل المكلف و ما يصدر منه في الخارج.

و ثالثا: ان تعدد العناوين لا يستلزم تعدد المعنون.

و رابعا: ان الوجود الواحد لا يمكن ان يكون له سوى ماهيّة واحدة.

و على هذا يتضح امتناع الاجتماع لأن المفروض ان المجمع وجود واحد و تعدد العنوان لا يجدي في تعدده، و هو بنفسه يكون متعلق الحكم، و قد عرفت تضاد الأحكام فيلزم من اجتماع الأمر و النهي اجتماع الضدين و هو محال‏ (1).

هذا ملخّص ما جاء في الكفاية من الاستدلال على الامتناع. و لا بد من‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 158- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

81

التعرض لكل مقدمة و البحث فيها على حدّة. فنقول:

اما المقدمة الأولى- و هو حديث تضاد الأحكام: فهو محل الخلاف.

و الأقوال فيه متعددة:

أحدها: و هو ظاهر الكفاية هنا، انها متضادة بنفسها مع غضّ النّظر عن المبدأ و المنتهى.

ثانيها: انه لا تضاد بينها كذلك، فان الإنشاء خفيف المئونة و لا مانع من إنشاء الحكمين، و انما التضاد بينها ينشأ من جهة المبدأ و المنتهى. و هو ظاهر، بل صريح الكفاية في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري‏ (1).

ثالثها: انه لا تضاد بينها أصلا، و انما التنافي بينها ينشأ من جهة المنتهى، يعني من جهة مقام الامتثال، و هو لا يوجب التضاد و استحالة اجتماعها في أنفسها. و هو الّذي التزم به المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية (2).

و لمعرفة ما هو الحق ينبغي ان نستعرض مراحل الحكم، و هي أربعة:

المرحلة الأولى: مرحلة وجود المصلحة في الفعل أو المفسدة فيه الموجب لحدوث الإرادة أو الكراهة، و هي المرحلة الثانية.

و المرحلة الثالثة: مرحلة إبراز المولى هذه الإرادة أو الكراهة بمبرز، و يعبر عنها بمرحلة إنشاء الحكم.

و المرحلة الرابعة: مرحلة فعلية الحكم و وصوله إلى حدّ الداعويّة و التحريك.

اما المرحلة الأولى- أعني مرحلة وجود المصلحة أو المفسدة-: فقد يدعي تحقق التضاد بدعوى امتناع اجتماع المصلحة و المفسدة في فعل واحد، لأنها من‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 278- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 270- الطبعة الأولى.

82

قبيل السواد و البياض. و من الواضح استحالة اجتماعهما في واحد. و لكن هذه الدعوى لا دليل عليها، إذ لا دليل على كون المصلحة و المفسدة من قبيل المتضادين، بل يكذبها الوجدان، إذ نرى ان كثيرا من الأفعال يترتب عليها مصلحة و مفسدة و الوقوع دليل الإمكان.

و لكن الحق هو وقوع التضاد في هذه المرحلة ببيان: ان المراد بالمصلحة و المفسدة ليس ذات المصلحة و ذات المفسدة بل المراد بهما المصلحة التي تصير منشأ لإرادة الفعل و المفسدة التي تصير منشأ لكراهته، و هما بهذه الكيفية لا يجتمعان في فعل واحد، لأن المصلحة التي تصير منشأ للإرادة مع وجود المفسدة هي المصلحة الغالبة على المفسدة بعد ملاحظة حصول الكسر و الانكسار فيما بينهما، و المفسدة التي تصير منشأ للكراهة مع وجود المصلحة هي المفسدة الغالبة على المصلحة بعد ملاحظة حصول الكسر و الانكسار فيما بينهما أيضا. و من الواضح جدّاً امتناع اجتماع المصلحة الغالبة و المفسدة الغالبة في شي‏ء واحد، فان ذلك يرجع إلى اجتماع الغالبيّة و المغلوبيّة في شي‏ء واحد، و هو محال، فإما ان يغلب جانب المصلحة أو يغلب جانب المفسدة و هو ظاهر بمراجعة الوجدان. فالتضاد من حيث المبدأ بمعنى المصلحة و المفسدة ثابت.

و اما المرحلة الثانية:- و هي مرحلة الإرادة و الكراهة-: فقد تصدى المحقّق الأصفهاني إلى بيان عدم تحقق التضاد بينهما، و انهما يمكن ان يتعلقا بأمر واحد ببيان فلسفي دقيق، محصّله إلى: ان التضاد من صفات الأوصاف الخارجية العارضة للأمور العينية الخارجيّة كالسواد و البياض، و ليست الإرادة و الكراهة من الأوصاف الخارجية، بل من الصفات النفسانيّة العارضة لما هو موجود في النّفس، فلا تضاد بينهما.

لا من ناحية موضوعهما و هو النّفس، لأن النّفس من المجردات القابلة لاجتماع الحالات و الكيفيات المختلفة في آن واحد، و الشاهد على ذلك إمكان‏

83

وجود الإرادة و الكراهة في النّفس في ان واحد مع اختلاف متعلقيهما.

و لا من ناحية متعلقهما، لأن متعلقهما ليس هو الفعل الخارجي، بل هو الوجود الفرضي العنواني، و ذلك لأن ما كان في أفق النّفس يستحيل ان يتقوم بما هو خارج عن أفق النّفس، و إلّا لزم انقلاب ما في النّفس إلى الخارج كما انه يحدث الشوق و متعلقه غير موجود خارجا، بل لا يمكن حصوله كالشوق إلى المحال، و حينئذ فلا يتحقق التضاد لأنه في الصفات العارضة على الموجودات الخارجية كما أشرنا إليه‏ (1).

و أنت بعد ان عرفت وقوع التضاد في منشأ الإرادة و الكراهة تعرف إننا في غنى عن تحقيق ما أفاده (قدس سره) نفيا أو إثباتا، إذ لا تصل النوبة أصلا إلى اجتماع الإرادة و الكراهة كي يبحث في إمكان اجتماعهما في شي‏ء واحد و عدمه، لأنه لا يمكن تحقق منشئهما في آن واحد كما عرفت. و عليه فلا يمكن تحقق الإرادة و الكراهة لفعل واحد باعتبار استحالة منشأ كل منهما معا و يمتنع تحققهما من دون منشأ فالتضاد في هذه المرحلة بهذا المعنى متحقق أيضا.

و اما المرحلة الثالثة- و هي مرحلة الإنشاء-: فقد يدعي عدم التضاد بين الأحكام فيها، لأن الإنشاء خفيف المئونة، فيمكن ان يتحقق إنشاء جميع الأحكام لفعل واحد في آن واحد.

و لكنها دعوى باطلة، و الّذي نراه امتناع إنشاء الحكمين على موضوع واحد بيان ذلك: ان في حقيقة الإنشاء أقوالا أربعة- كما تقدم-:

الأول: و هو المشهور، انه إيجاد المعنى باللفظ، أو استعمال اللفظ في المعنى بقصد التسبيب إلى تحقق الاعتبار العقلائي، فلا يتحقق بدون القصد، نظير التعظيم الّذي لا يتحقق من دون قصده، كما لا يتحقق بما لا يترتب عليه الاعتبار

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 270- الطبعة الأولى.

84

كما لا يتحقق التعظيم بالفعل الّذي لا يرى عرفا انه تعظيم و ان قصد به التعظيم.

الثاني: و هو رأي صاحب الكفاية: انه إيجاد للمعنى بوجود إنشائي و ان لم يترتب عليه الاعتبار العقلائي و لذا يصح الإنشاء من الغاصب مع انه مما لا يترتب عليه الأثر عقلائيا (1).

الثالث: و هو ظاهر المحقق الأصفهاني و ان لم يلتزم به عملا، انه إيجاد المعنى باللفظ لا أكثر، أو فقل انه استعمال اللفظ في المعنى من دون قصد الحكاية و الاخبار (2).

الرابع: و هو قول السيد الخوئي، انه إبراز الاعتبار النفسانيّ‏ (3).

و قد عرفت فيما تقدم ان الصحيح من هذه الأقوال هو القول المشهور.

و عليه فلا يمكن إنشاء كلا الحكمين على موضوع واحد، إذ من المسلم ان اعتبار كلا الحكمين غير ثابت في آن واحد- غاية الأمر الاختلاف في منشأ ذلك و انه هو التضاد أو غيره، و إلا فلم يقل أحد بجواز اجتماع الحكمين فعلا في شي‏ء واحد-، و معه يمتنع ان يقصد بالاستعمال التسبيب إلى الاعتبار العقلائي، إذ لا تحقق له بالنسبة إلى كلا الحكمين فكيف يقصد ذلك؟ فإنشاء كلا الحكمين ممتنع لتوقفه على ثبوت اعتبارهما معا و هو غير ثابت، و معه يستحيل قصد التسبيب و بدونه لا يتحقق الإنشاء لما عرفت ان قوامه بقصد التسبيب إلى تحقّق الاعتبار العقلائي.

فدعوى ان الإنشاء خفيف المئونة غير وجيهة على الرّأي المشهور و المختار في معنى الإنشاء.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. فوائد الأصول- 285- المطبوعة ضمن حاشية فرائد الأصول.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. الأصول على النهج الحديث- 28- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(3) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 1- 88- الطبعة الأولى.

85

و اما المرحلة الرابعة- أعني مرحلة الفعلية و التأثير-: فالحق أيضا استحالة ثبوت الحكمين الفعليين لا لأجل اللغويّة، بل هو مستحيل في نفسه و لو من غير الحكيم، و ذلك لما تقدم منّا من بيان ان إمكان الداعويّة إما هو مأخوذ في قوام حقيقة التكليف حيث يعرّف بأنه جعل ما يمكن ان يكون داعيا. أو هو الغرض الداعي للتكليف بناء على انه جعل الفعل في عهدة المكلّف، فيكون التكليف هو الحصّة الملازمة للإمكان المزبور.

لأنه من الواضح اختلاف الحكم التكليفي عن الوضعي، و لذا لا يقول أحد بجواز تعلقه بالنائم، فإذا فسر بأنه جعل الفعل في العهدة فلا بد ان يقيد- كما التزم به القائل في غير مورد- بما يكون الغرض منه إمكان الدعوة و التحريك كي يختلف عن الحكم الوضعي بذلك. و على هذا فالحكم التكليفي انما يتحقق في فرض يتصور فيه إمكان الدعوة.

و اما في المورد غير القابل للدعوة و التحريك فيمتنع التكليف حقيقة لا انه لغو، بل لا وجود له لأن تحققه كما عرفت بإمكان الدعوة، إما لأجل ان ذلك دخيل في حقيقته، أو انه الغرض منه و ان التكليف هو ما يترتب عليه ذلك و غيره ليس بالتكليف و إلّا لم يكن فرق بين الحكم التكليفي و الوضعي.

و بما انه يستحيل الدعوة إلى الفعل و الترك في آن واحد كان ثبوت الحكمين في أنفسهما مستحيلا لعدم ترتب الدعوة على كل من الاعتبارين معا، كما لا يخفى. فظهر من جميع ما تقدم: ان الحكمين متنافيان و لا يمكن اجتماعهما في المراحل الأربعة.

و ان ما ذكره المحقق الأصفهاني في بيان إمكان اجتماع الكراهة و الإرادة في شي‏ء واحد غير مجد بعد استحالة تحقق علة الوصفين في آن واحد. كما ان ما ذكره من إمكان اجتماع اعتبار الوجوب و اعتبار الحرمة، لأن قوام الاعتبار بالمعتبر لا بالموجود الخارجي. و لا مانع من تعدد الاعتبار في آن واحد غير مجد

86

أيضا بعد ان عرفت ان الحكم ليس مجرد الاعتبار، بل هو الاعتبار الّذي يترتب عليه إمكان الداعوية، فمع عدم إمكان الداعويّة يستحيل تحقق الحكم.

و المفروض فيما نحن فيه عدم إمكان تحقق الداعوية لكلا الحكمين فيستحيل اجتماعهما معا. هذا تمام الكلام في المقدمة الأولى، و قد عرفت فيها تضاد الأحكام، و ان شئت فقل تنافي الأحكام و استحالة اجتماعها في أنفسها، و لو لم يكن ذلك من التضاد الاصطلاحي.

و اما المقدمة الثانية: فتقريب ما أفاده صاحب الكفاية: ان العناوين و الأسماء لا تكون وافية بالمصلحة و الغرض، فلا وجه لتعلق الحكم بها لأنه لا يتعلق بما لا يكون وافيا بالملاك، و اما نفس ما يصدر من المكلف خارجا فهو واف بالمصلحة فيكون متعلق الحكم.

و هذا الأمر ذكره (قدس سره) في بحث تعلق الأحكام بالطبائع، و قد عرفت الإشكال فيه و ان الحكم سواء قلنا انه الإرادة أو انه الاعتبار لا يتعلق بالموجود الخارجي، بل هو يتعلق بالموجود التقديري بتعبير و الفرضي بتعبير آخر و الزعمي بتعبير ثالث و هو الموجود الّذي تخلفه النّفس للشي‏ء. و لأجل ذلك كانت هذه المقدمة محطّ إشكال المحقق الأصفهاني‏ (1).

و الّذي يبدو لنا انه لا وقع لهذه المقدمة، إذ لا أثر لها في المطلوب، كما انه لا وقع للإشكال عليها لعدم دخالته في نفي الأثر المرغوب.

بيان ذلك: ان صاحب الكفاية بعد ان ذكر في المقدمة الأولى ان الأحكام متضادة فيما بينها صار بصدد ان يثبت وحدة المتعلق، إذ مع تعدد المتعلق لا ينفع التضاد، و بذلك صار في مقام أن ينفي تعلق الأحكام بالعناوين الانتزاعية لأنها متعددة مع وحدة الخارج كما هو الفرض، فلا يلزم اجتماع الضدين في شي‏ء واحد

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 273- الطبعة الأولى.

87

لاختلاف متعلق الحكمين.

و لكن بعد ان عرفت بيان تنافي الأحكام و تضادها بما تقدم تعلم انه لا يختلف الحال في امتناع ثبوت الحكمين مع وحدة الوجود خارجا بين كونه هو متعلق الحكم أو كون متعلق الحكم هو العنوان المنطبق عليه، اما إذا كان هو متعلق الحكم فامتناع تعلق الحكمين به واضح. و اما إذا كان متعلق الحكم هو العنوان فمن الواضح ان تعلق الحكم به ليس لأجل ثبوت الغرض- الّذي لا بد منه في تعلق الإرادة و الكراهة و لو كان غرضا شخصيّا- فيه، بل لأجل وجوده في الوجود الخارجي و الالتزام بتعلق الحكم به لأجل امتناع تعلقه بالخارج لبعض المحاذير. و قد عرفت ان الوجود الخارجي لا يمكن ان يشتمل في آن واحد على المصلحة الراجحة و المفسدة الراجحة، فكيف يتعلق الحكمان بعنوانين ينطبقان عليه لعدم المنشأ لهما؟. فلا يمكن تعلق الإرادة و الكراهة بالعنوانين، كما لا وجه للإنشاء أيضا، إذ لا يتحقق اعتبار الحكمين مع وحدة الوجود الخارجي لعدم ترتب الأثر عليه و هو إمكان الداعويّة، لعدم التمكن من الامتثال فيمتنع قصد التسبيب إلى الاعتبار العقلائي مع انه قوام الإنشاء.

و من هنا تعرف عدم إمكان ثبوت الحكمين الفعليين أيضا فلاحظ.

و بهذا البيان يتضح لديك انه لا أثر لإثبات كون المتعلق للإرادة و الكراهة الوجود الفرضي التقديري في نفي التنافي بين الحكمين، إذ الكلام السابق مع فرض وحدة الخارج يأتي بعينه على هذا التقرير، فإثبات المقدمة أو نفيها ليس بذي أثر في إثبات أو نفي إمكان اجتماع الحكمين مع وحدة الوجود الخارجي، بل الحكمان لا يجتمعان مع وحدة الخارج سواء التزم بان المتعلق هو الخارج أو العنوان أو الوجود الفرضي. فتدبر.

و اما المقدمة الثالثة: فمحصل ما جاء في الكفاية في تقريبها: ان تعدد العنوان لا يستلزم تعدد المعنون و لا تنثلم به وحدته، و يشهد لذلك صدق العناوين‏

88

المتعددة على ما هو واحد لا تعدد فيه و فارد لا كثرة له كالذات الواجبة التي يصدق عليها عنوان العالم و المريد و المغني و القادر و غيرها من الصفات الكمالية و الجلالية، فعدم تعدد ذات واجب الوجود مع تعدد العناوين المنطبقة عليه شاهد صدق على ان تعدد العنوان لا يستلزم تعدد المعنون.

و قد استشكل المحقق الأصفهاني (رحمه الله) في كلية هذه الدعوى و ذهب إلى: ان تعدد العنوان قد لا يستلزم تعدد المطابق خارجا و قد يستلزمه ببيان محصله: ان البرهان قد يقوم على استحالة كون الشي‏ء الواحد مطابقا لمفهومين فيكون المفهومان متقابلين كالعلّية و المعلوليّة، فان الواحد بما هو يستحيل ان يكون علة و معلولا. و قد لا يقوم على ذلك فلا يمتنع ان يكون الشي‏ء الواحد مطابقا لمفهومين.

و هذا النحو من المفاهيم.

تارة: يكون مبدؤه في مرتبة ذات الشي‏ء، فلا يستدعي العنوان و مبدؤه مطابقين، بل يكون مطابقهما واحدا و هو الذات كالعناوين المنطبقة على ذات البارئ عزّ و جل لأنها تنتزع عن مرتبة ذاته تبارك و تعالى بلا حيثيّة زائدة فذاته تكون مطابقا للعنوان و مبدئه، و لذلك يقال انه علم كلّه و قدرة كلّه و وجوب كلّه.

و أخرى: يكون مبدؤه في مرتبة متأخرة عن الذات فيكون للمبدإ وجود مغاير للذات قائم بها كالعناوين المنطبقة على الشي‏ء بلحاظ عروض عرض عليه كانطباق الأبيض على الجسم بلحاظ عروض البيان عليه. و انتهى بهذا البيان إلى ان تطابق العناوين المتعددة لا يستدعي وحدة المطابق و لا كثرته، فلا بد في إيقاع البحث في الصغرى و معرفة ان الصلاة و الغصب- مثلا- من أي القبيلين‏ (1).

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 274- الطبعة الأولى.

89

أقول: لم يتضح لنا المقصود بعبارة الكفاية، كما لم يتضح لنا مدى ارتباط إشكال المحقق الأصفهانيّ بها.

فان مقصود الكفاية.

ان كان ما هو الظاهر منها من بيان ان الفرد الواحد لا يتعدد بتعدد العناوين المنطبقة عليه، فذات زيد لا تكون فردين لأجل انطباق عنواني العالم و العادل عليها، بل تبقى على وحدتها. فهذا أمر واضح لم يتوهم خلافه أحد حتى يصير في صدد دفعه، إذ لم يتوهم متوهم ان ذات زيد بانطباق العناوين المتعددة تصير متعددة و تصير وجودات متكثرة بكثرة العناوين المنطبقة.

و على هذا التقدير لا ارتباط لكلام الأصفهاني به، إذ ما أفاده (قدس سره) من ان المبدأ إذا كان منتزعا عن مرتبة متأخرة عن الذات كان له وجود آخر غير وجود الذات، بعيد كل البعد عن محط نظر الكفاية من ان ذات المعنون لا تتعدد بتعدد العنوان. و ليس صاحب الكفاية في مقام إنكار الوجود المغاير للمبدإ.

و ان كان مقصود الكفاية بيان وحدة مطابق العنوان في قبال من يدعي تعدد الخصوصية المستلزمة للصدق، و ان تعدد العنوان لازمه تعدد الخصوصية في ذات المعنون، فيروم صاحب الكفاية إنكار هذا المعنى و ان مطابق العنوان نفس الذات، بلا اختلاف في الخصوصية، فهو متجه- بمعنى انه يصلح لأن يكون محل الكلام-، لكن استشهاده بانطباق العناوين المتعددة على ذات الباري جلّ اسمه غير سديد، إذ بساطة الذات المقدسة و عدم تعدد الخصوصيات فيها امر مفروغ عنه عند الجميع حتى عند من يذهب إلى لزوم التعدد بتعدد العنوان. غاية الأمر انه يوجه ذلك باختلاف نحو الصدق هنا عن سائر المقامات، أو اختلاف معنى المبدأ هنا عنه في غيره من المقامات فلا وجه لإلزامه به كما لا يخفى.

و من الواضح بعد ما أفاده المحقق الأصفهاني عن مطلب الكفاية على‏

90

هذا التقدير، إذ ليس المنظور في كلامه وحدة المبدأ مع الذات و عدم وحدته.

و ان كان المقصود ان انطباق العناوين لا يستلزم تعدد جهات الصدق وجودا، بل يمكن ان تكون واحدة في الخارج مع تعدد العنوان. فيرجع كلامه إلى وحدة وجود المبادئ خارجا و عدم تعدده و إن تعدد العنوان. فهو محل الكلام، إلّا انه خلاف ظاهر عبارته جدا، و ليس الظاهر منها الا الاحتمال الأول، و ظاهر أن كلام الأصفهاني أجنبي عن ذلك لأنه في مقام بيان اختلاف المبدأ مع الذات و صاحب الكفاية في مقام نفي اختلاف المبادئ بعضها مع بعض وجودا.

و محصل الكلام: إننا نستطيع دعوى عدم ظهور المراد من عبارة الكفاية و عدم ظهور ارتباط كلام المحقق الأصفهاني بمطلبه.

و على أي حال فعمدة البحث في محل الاجتماع في جهتين:

الجهة الأولى: و هي التي حرر الكلام فيها المحقق النائيني (قدس سره) تمهيدا للإيراد على صاحب الكفاية و تحقيقا للقول بالجواز، و هي تحرير البحث في: ان تعدد العنوان هل يقتضي تعدد جهات الصدق- و بتعبير آخر: «المبادئ»- خارجا أو لا؟. و نحن و ان كنا ملتزمين في نهج البحث بطريقة الكفاية، و مقتضاه تأخير كلام المحقق النائيني و ذكره في طي التعرض لأدلة الجواز لكنه بما انه مرتبط بكلام الكفاية- على بعض احتمالاته- كان المناسب التعرض إليه، و ان كان منافيا بطريقة البحث التي نسلكها.

فنقول و من اللَّه سبحانه نستمد العصمة: انه (قدس سره) ذكر مقدمات عديدة، و عمدتها ما تعرض فيها إلى كون التركيب بين المبادئ انضماميا لا اتّحاديا.

و قبل التعرض لذلك أشار (قدس سره) إلى ما هو محل البحث و موضوع الكلام.

فذكر ان موضوع الكلام ما كان مبدأ الاشتقاق فيه من الأفعال الاختيارية لا من الصفات الجسمانية كالبياض و النفسانيّة كالشجاعة، لأن ما لم‏

91

يكن من الأفعال الاختيارية لا يكون متعلقا للأمر و النهي، لأنهما انما يتعلقان بما هو داخل تحت الاختيار لا ما هو خارج عنه. كما انه لا يدخل في محل الكلام ما كان الفعلان اللذان أحدهما يكون متعلقا للأمر و الآخر يكون متعلقا للنهي مما لهما وجود و إيجاد متعدد و كان أحدهما مغايرا وجودا للآخر كالصلاة و النّظر إلى الأجنبية، فانه لا إشكال في جوازه لأنه ليس من اجتماع الأمر و النهي في واحد، بل متعلق النهي غير متعلق الأمر حتى بالنظر العرفي.

و عليه، فمحل الكلام ما كان كل من متعلق الأمر و النهي فعلا اختياريا و كانا بحسب الصورة موجودين بوجود واحد سواء كان من المبادئ المتأصلة أو المبادئ الانتزاعية.

فجهة الكلام هو ان التركيب بين المتعلقين انضمامي، بمعنى ان وجود كل منهما غير وجود الآخر حقيقة، أو اتحادي، بمعنى ان وجودهما واحد في الحقيقة و قد ذهب (قدس سره) إلى التفصيل بين مبادئ الاشتقاق و العناوين الاشتقاقية، فذهب إلى كون التركيب بين المبادئ تركيبا انضماميا و التركيب بين العناوين الاشتقاقية تركيبا اتحاديا.

و استدل على كون التركيب بين المبادئ انضماميا: بان المبدأ هوية واحدة محفوظ بتمام هويته من دون نقصان أين ما سرى، فالبياض الموجود مع الحلاوة عين البياض الموجود في العاج، و الصلاة مع الغصب عين الصلاة في مكان آخر غير مغصوب، و هكذا الغصب مع الصلاة لا تختلف هويته عن الغصب مع غير الصلاة. و إذا كانت هوية المبدأ هوية واحدة لا اختلاف فيها أين ما سرت لزم ان يكون التركيب بين المبادئ تركيبا انضماميا.

كما انه استدل على كون التركيب بين العناوين الاشتقاقية تركيبا اتحاديا: بان معروض العنوان و ما ينطبق عليه هو الذات، و هي لا تتعدد بتعدد العنوان و ان كان العرض القائم بها متعددا، فالذات التي ينطبق عليها الأبيض‏

92

و الحلو ذات واحدة.

إلّا ان البيان الّذي ذكره قاصر عن أداء هذا المعنى، بل هو يتضمن ان وحدة العرض لا توجب وحدة المعروض، ثم انتهى إلى النتيجة التي ذكرناها.

ثم انه (قدس سره) ذكر بعد ذلك ان جهة صدق العناوين الاشتقاقية على الذات جهة تعليلية، و هي قيام المبدأ بالذات، إذ لا تعدد في ذات المعروض، و انما هو في العرض القائم بها فالمعروض هو نفس الذات. كما ان جهة صدق كل من المبادئ في مورد الاجتماع جهة تقييدية لوجود كل من الهويتين في المورد، و من هنا التزم بكون التركيب انضماميا. و المقصود بالجهة التقييدية كون الفرد الواحد مندرجا تحت هويتين حقيقة، و بذلك تختلف الجهة التقييدية هنا عنها في باب المطلق و المقيد، فانها هناك توجب تضييق الكلي و هنا توجب التوسعة في الوجود الواحد و تجعله مصداقا لهويتين‏ (1). هذا ملخص ما أفاده.

و هو لا يخلو عن مناقشات نذكرها بالتفصيل:

الأولى: فيما ذكره من الدليل على تعدد المبادئ، و كون التركيب بينهما انضماميا. فانه غير تام، لأن مجرد كون المبدأ محفوظا بتمام هويته أين ما سرى لا يوجب عدم اتحاده مع الخصوصية المنضمة إليه، فان الجنس محفوظ بتمام هويته مع جميع الفصول، فالحيوانية الموجودة مع النطق عينها موجودة مع غيره من الفصول، مع انه متحد معها وجودا، و ليس التركيب بين الجنس و الفصل تركيبا انضماميا، بل هو تركيب اتحادي.

فالمتعين في طريقة الاستدلال ان يقال: ان كل مبدأ ماهية مستقلة و مقولة خاصة غير المبدأ الآخر، و المقولات متباينة يستحيل ان تتحدد فيما بينها، لأن الوجود الواحد لا يمكن ان يكون له إلا ماهية واحدة، فتعدد الماهية يستلزم تعدد

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 336- 338. الطبعة الأولى.

93

الوجود كما أشار إلى ذلك صاحب الكفاية في مقدمته الرابعة (1).

الثانية: فيما ذكره من كون التركيب بين العناوين الاشتقاقية اتحاديا.

فانه غير صحيح، و الوجه في ذلك: أنه ..

إما ان يلتزم في باب المشتق بان معنى المشتق بسيط، بمعنى انه يكون نفس المبدأ، فالعالم بمعنى العلم و هكذا. غاية الأمر الفرق بينهما ان المعنى المصدري مأخوذ بشرط لا، فلا يصح حمله على الذات، و العنوان الاشتقاقي مأخوذ لا بشرط فيصح حمله على الذات و إلّا فلا فرق بينهما ذاتا.

و اما ان يلتزم بكون معناه مركبا من الذات و التقيد بالعرض، فيكون معنى عالم ذات لها العلم على ان يكون التقيّد داخلا و القيد خارجا.

فعلى الأول: لا فرق بين العناوين الاشتقاقية و المبادئ في كون التركيب بينهما انضماميا، لأن حقيقة العنوان الاشتقاقي و المبدأ شي‏ء واحد لا اختلاف فيها، فإذا كان التركيب بين المبادئ انضماميا كان بين العناوين الاشتقاقية كذلك لا محالة، و يمتنع التفكيك لوحدة معناهما، فما قيل في وجه الانضمامية في تركيب المبادئ يتأتى بنفسه في تركيب العناوين الاشتقاقية.

و من الغريب ان المحقق النائيني ممّن يلتزم ببساطة المشتق و كون معناه لا يختلف عن المبدأ ذاتا، ثم يلتزم هنا بالتفكيك بين المبادئ و العناوين الاشتقاقية في نحو التركيب بينها. فالتفت و لا تغفل‏ (2).

و على الثاني: فالتخصص بالخصوصية و ان كان من كيفيات الوجود و ليس له وجود منحاز عن وجود الذات، إلّا ان كل تخصص واقعا يختلف عن واقع التخصص بالخصوصية الأخرى، فما ينطبق عليه كل عنوان يختلف عما ينطبق‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 159- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 65 و 337- الطبعة الأولى.

94

عليه العنوان الآخر، فما ينطبق عليه العالم هو الذات المتخصصة بخصوصية العلم، و ما ينطبق عليه الفاسق هو نفس الذات، لكن المتخصصة بخصوصية الفسق. و من الواضح ان المجموع من الذات و التخصص بخصوصية العلم يختلف واقعه عن المجموع من الذات و التخصص بخصوصية الفسق، و ان كان الوجود واحدا.

و هذا الاختلاف قد يصير منشئا لدعوى جواز اجتماع الأمر و النهي مع اختلاف العنوانين، و هو محل البحث في الجهة الثانية من جهتي الكلام في هذا المبحث. فانتظر.

و جملة القول: ان الالتزام بكون التركيب اتحاديا بين العناوين الاشتقاقية غير سديد.

الثالثة: فيما ذكره أخيرا من كون جهة الصدق في العناوين الاشتقاقية جهة تعليلية و في المبادئ جهة تقييدية. فانه- مع غض النّظر عن إمكان تصور معنى للجهة التقييدية بالنحو الّذي ذكره و عدمه- غير دخيل في تحقيق المقام أصلا بعد ان ذكر ان التركيب بين المبادئ انضمامي، فانه لا يختلف الحال فيه حينئذ بين معرفة كون جهة الصدق فيها جهة تقييدية و عدم معرفته، فالتعرض إليه كمقدمة من مقدمات المطلب غير متجه، كما انه تطويل بلا طائل، و لعله مما يوجب غموض المطلب على الباحث لا إيضاحه.

و اما الوجه الّذي بنى عليه القول بالجواز، و هو كون التركيب بين المبادئ انضماميا، و معناه تعدد الوجود في الخارج حقيقة فيختلف متعلق الأمر عن متعلق النهي و لا يكونان شيئا واحدا كي يلزم اجتماع الضدين.

فقد ناقشه السيد الخوئي «مدّ ظلّه» بأنه ممنوع على إطلاقه، لأنه انما يتم فيما إذا كان المبدءان من المبادئ المتأصّلة، فان لازم تعدد المبدأ تعدّد الوجود لاستحالة انطباق مقولتين و ماهيتين حقيقيتين على وجود واحد، كالبياض و الحلاوة

95

و العلم و العدالة و هكذا. و اما إذا كان أحد المبدأين أو كلاهما من المبادئ الانتزاعية فلا يتم ما ذكره، لأن المبدأ الانتزاعي لا وجود له خارج إلا بوجود منشأ انتزاعه، فلا بد من ملاحظة منشإ انتزاعه، فان كان مغايرا في الوجود مع المبدأ الآخر أو منشأ انتزاع الآخر جاز اجتماع الأمر و النهي فيتعلق الأمر بأحدهما و النهي بالآخر، و ان اتحد منشأ الانتزاع مع المبدأ الآخر وجودا بان كان المبدأ الانتزاعي منتزعا عن الفعل المنطبق عليه المبدأ الآخر أو اتحد منشأ انتزاع كلا المبدأين امتنع اجتماع الأمر و النهي، إذ الوجود الخارجي واحد لا غير.

فمجرد تعدد المبادئ لا يستلزم تعدد كما ذكره (قدس سره)، بل انما يستلزمه في صورة تعدّد المبادئ المتأصلة.

هذا ملخص مناقشة السيد الخوئي في أصل الكبرى.

ثم انه (حفظه اللَّه تعالى) ذكر: ان الغصب من المبادئ الانتزاعية لا المتأصلة، فهي تنتزع من الفعل بلحاظ كونه تصرفا في مال الغير بدون إذنه، فهو متحد مع ما ينتزع منه فلا يمكن تعلق الأمر بما ينتزع منه الغصب و تعلق النهي بالغصب، نظير شرب الماء إذا كان الماء مغصوبا، فان الغصب ينطبق على نفس الشرب فيمتنع ان يكون الشرب مأمورا به في الوقت الّذي يتعلق النهي بالغصب فانه من باب اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد حقيقة.

و بما ان المحقق النائيني (رحمه الله) اعترف بعدم صحة تعلق الحكمين في مثل المثال المزبور.

لذا أورد عليه السيد الخوئي أيضا: ان هذا مناقض لما تقدم منه من ان تعدد المبادئ يوجب تعدد الوجود، و انه لا فرق بين الصلاة في الدار المغصوبة و شرب الماء المغصوب في كون كل منهما من باب تعدد المبدأ المستلزم لتعدد الوجود، فإذا كان التركيب الانضمامي بين المبادئ نافعا في مثل الصلاة في الدار

96

المغصوبة فلما ذا لا ينفع في مثل مثال شرب الماء المغصوب‏ (1).

أقول الحق ان مناقشته الصغروية غير تامة.

و وضوح ذلك يتوقف على ذكر أمرين:

الأمر الأول: ان الانتزاعيات على قسمين:

أحدهما: ما يمكن ان يكون واقعه و منطبقه من الأمور الحقيقية ذات الوجود المتأصل الحقيقي، و ذلك كالمفاهيم و العناوين الاشتقاقية، كعنوان إنسان و عنوان ضارب، و هكذا فانها عناوين انتزاعية لكنها تنطبق على ما له واقع و وجود متأصل.

ثانيهما: ما يقال عنه انه انتزاعي بلحاظ انه بواقعه أمر انتزاعي لا حقيقي فليس له واقع وراء الانتزاع، و ذلك كالقبلية و الفوقية و نحوها. و قد اختلف في كون هذا النحو من الأمور من المقولات أو لا، و قد حقق كونها من المقولات لكن قيل عنها بأنها أضعف المقولات لأنها ذات واقع خاص فلا يمكن ان لا تكون مقولة و ان تنفي عنها الواقعية بالمرة، كما انها ليست بذات واقع و وجود مستقل عن غيره كي تكون في عداد سائر المقولات، فالانتزاعي يطلق و يراد به تارة ما كان بواقعه كذلك و أخرى يراد به المفهوم الانتزاعي و ان كان واقعه من الحقائق المتأصلة. و قد عرفت ان العناوين الاشتقاقية من هذا القبيل، فهي عناوين انتزاعية قد تنطبق على ما له واقع حقيقي متأصل كالضارب و القائم و قد تنطبق على غيره كالفوق و القبل و غيرهما.

الأمر الثاني: ان المبادئ على أنحاء ثلاثة:

الأول: ما يكون من المسببات التوليدية كالإحراق و القتل.

الثاني: ما لا يكون كذلك و كانت نسبته إلى الخارج نسبة الطبيعي إلى‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 4- 261- الطبعة الأولى.

97

فرده بان يكون له حقيقة و ماهية تنطبق على الخارج باعتبار انه فردها كالضرب و القيام و الأكل.

الثالث: ما تكون نسبته إلى الخارج نسبة العنوان إلى المعنون بان لا يكون له حقيقة و واقع يكون الخارج فردا لها، بل يكون عنوانا لحقائق مختلفة و ليس له وراءها واقع مقولي. كالغصب إذا كان بمعنى التصرف، فان التصرف ليس له واقع غير واقع الأفعال التي ينطبق عليها من قيام و قعود و نحوهما. و نظيره في الجوامد مفهوم: «شي‏ء» فانه لا واقع له أصلا و انما هو مجرد عنوان يعنون به الحقائق المختلفة من متأصلة و غيرها، فالغصب بمعنى التصرف ليس له واقع وراء ما ينطبق عليه، كيف؟ و هو ينطبق على الحقائق المقولية المتأصلة كالقيام و القعود، و على الحقائق الاعتبارية كالاستيلاء الاعتباري على مال الغير من دون تصرف خارجي كاستيلاء السلطان على أراضي الغير الشاسعة فانه لا ينضم إلى مجرد الاعتبار شي‏ء من الأفعال الخارجية التي ينطبق عليها التصرف. كما لا يخفى.

و من الواضح انه لا جامع مقولي بين الأمور الواقعية و الأمور الاعتبارية كي يدعي انه واقع الغصب و حقيقته كما انه ليس اسما لكل امر ينطبق عليه بحيث يكون كل امر مما ينطبق عليه الغصب له اسمان أحدهما اسمه المختص به و الآخر اسم الغصب و يكون الوضع بنحو الوضع العام و الموضوع له خاص، فان هذا مما يكذبه الوجدان. إذن فهو موضوع لعنوان لا واقع له و هو التصرف في ملك الغير لكن لا مطلقا، بل بلحاظ تخصصه بخصوصية، و هي عدم كونه برضا المالك أو كونه مع كراهة المالك.

و على هذا فالغصب و ان كان من المبادئ التي يتفرع عنها العناوين الاشتقاقية كغاصب و مغصوب و نحوهما، إلّا انه نظير [1] العناوين الاشتقاقية في‏

____________

[1] بل ذهب سيدنا الأستاذ (دام ظله) أولا إلى إمكان دعوى انه ليس من المبادئ، بل من العناوين نظير

98

سائر الموارد في كونه ليس بذي واقع غير ما ينطبق عليه. و انما ينطبق على مورده بلحاظ تخصصه بخصوصية خاصة. و عليه، فان كان معنونه و ما ينطبق عليه غير المأمور به كان المورد من موارد جواز الاجتماع و من موارد التركيب الانضمامي- بحسب تعبير المحقق النائيني-، كالصلاة في الدار المغصوبة في نظره (قدس سره)، لأن منطبق الغصب غير الصلاة فانه من مقولة الأين و الصلاة من مقولة الفعل أو الوضع. و ان كان معنونه نفس المأمور به امتنع اجتماع الحكمين لوحدة متعلقهما كشرب الماء المغصوب إذا كان الشرب مأمورا به.

فالفرق بين الصورتين موجود و نظر المحقق النائيني إلى ما ذكرناه في التفريق، إذ ليس من المحتمل في حقه أنه يرى ان نفس الغصب من مقولة الأين في مثال الصلاة في الدار المغصوبة.

و يشهد لذلك: انه (قدس سره) جعل خروج مثال الشرب عن محل النزاع من فروع كون التركيب اتحاديا، نظير: «أكرم العلماء و لا تكرم الفساق»، من جهة تعنون الشرب نفسه بعنوان الغصب لأنه تصرف في مال الغير. فلا يمكن ان يكون بنفسه واجبا. مما يكشف عن ان الملحوظ في كلامه هو معنون الغصب و انه متحد مع الواجب أو مغاير.

فإشكال السيد الخوئي ناشئ من الخلط في الانتزاعيات بين ما كان من المفاهيم و بين ما كان واقعه انتزاعيا، فجعل الغصب من الثاني مع انه من قبيل الأول و هو منظور في كلام المحقق النائيني، فانه لا يرى كون التركيب بين المبادئ مطلقا انضماميا، كما لا يخفى على من لاحظ كلامه، بل نتيجة كلامه (قدس سره) هو التفصيل الّذي عرفته بين المبادئ، فانه يذكر ان الأمر إذا تعلق بالمسبب التوليدي، فبما ان الحكم حقيقة يتعلق بالسبب فلا بد من ملاحظة ان‏

____________

- الصفة المشبهة، و انما المبدأ هو الغصبية كالقبل و القبلية. (منه عفي عنه).

99

السبب هو متعلق الأمر أو غيره، فان كان هو لزم اتحاد متعلق الأمر و النهي، و ان كان غيره تعدد متعلق الأمر و النهي و كان أحدهما غير الآخر.

فلا إشكال على المحقق النائيني (قدس سره) سوى انه أجمل الكلام في ذلك و لم يوضحه من أول الأمر و لم يستثن بدوا ما كان من المبادئ كالغصب. و هو إشكال لفظي.

و اما مناقشته الكبروية، فهي و ان كانت تامة في نفسها حيث ان الأمور الانتزاعية لا وجود لها غير وجود منشأ انتزاعها، فليس التركيب بينها و بين منشأ انتزاعها انضماميا، بل هو اتحادي، إلّا انها لا تنتهي بمجرد ذلك إلى النتيجة المطلوبة في محل البحث و هي امتناع الاجتماع.

بل لا بد من وقوع البحث في ..

الجهة الثانية: و هي ان الوجود الواحد إذا كان له جهتان، فهل يمكن ان تكون إحداهما متعلقا للأمر و الأخرى متعلقا للنهي، بحيث يكون تعدد الجهة نظير تعدد الوجود أو لا؟. و هذه هي الجهة المهمة في البحث فانها بحث كبروي له أثر في اجتماع الأمر و النهي و عدمه. اما البحث في الجهة الأولى فهو بحث في الحقيقة صغروي، إذ قد فرض فيه جواز الاجتماع مع تعدد الوجود و امتناعه مع وحدته، و أوقع البحث في تحديد ضابط للصغرى، أعني مورد تعدد الوجود و وحدته. و أنه في أيّ مورد يكون الوجود متحدا و أيّ مورد يكون الوجود فيه متعددا؟.

و هذا غير مهمّ في المقام و ان كان له أثره، و انما المهم هو البحث عن ان تعدد الخصوصية مع وحدة الوجود الواقعي هل يجدي في رفع غائلة اجتماع الضدين أو لا؟. و هذا المعنى مغفول عنه في كلامي النائيني و الخوئي، بل كلامهما مركّز على بيان موارد تعدد الوجود و وحدته بنحو الضابطة الكلية.

و مورد البحث في الجهة الثانية هو العناوين الاشتقاقية المنطبقة على ذات‏

100

واحدة بناء على التركيب، فان الذات تكون مشتملة على خصوصيتين- مثلا- و الأفعال المتخصصة بخصوصيتين و المشتملة على جهتين و هكذا المبادئ الانتزاعية، فان البحث فيها من هذه الجهة.

و بما ان العناوين الاشتقاقية كالعالم و الفاسق مما تؤخذ في موضوعات الأحكام لا في متعلقاتها، كانت خارجة عن دائرة البحث فيما نحن فيه، نعم الفعل الواحد المضاف إلى شخص ذي عنوانين يكون داخلا في محلّ البحث، لاشتماله على خصوصيتين، و ذلك كإكرام زيد العالم الفاسق، فهو ذو جهتين.

و عليه، فنقول: الخصوصية المفروضة، تارة تكون دخيلة في اتصاف الفعل بالمصلحة. و أخرى تكون دخيلة في وجود مصلحة الفعل و ترتبها عليه.

اما النحو الأول: فهو خارج عن محل الكلام لوجهين:

أحدهما [1]: ان الخصوصية إذا كانت دخيلة في اتصاف الفعل بكونه ذا مصلحة، فمعناه ان الأثر في نفسه يترتب على الفعل و لو لم تكن الخصوصية، و انما الخصوصية دخيلة في كون الأثر من المصالح التي تتعلق بها الأغراض العقلائية، و ذلك نظير دخالة المرض في كون الدواء ذا مصلحة، فان أثر الدواء يترتب عليه مطلقا في حال المرض و غيره، إلّا انه انما يكون من المصالح في حال المرض فقط اما في غيره فلا يكون أثره متعلقا للغرض العقلائي. و إذا كان الحال كذلك فمعناه: ان المصلحة و المفسدة مما يترتب على نفس الفعل و ليست الخصوصية إلّا مؤثرة في صيرورة الأثر مصلحة أو مفسدة.

____________

[1] قد يستشكل: بان هذا الوجه لا يختص به النحو الأول، لأنه مرجعه إلى إحراز كون المصلحة و المفسدة مما يترتبان على العمل بنفسه، و الحال عند ذلك لا يختلف بين القيد الدخيل في الاتصاف بالمصلحة و القيد الدخيل في وجودها. و قد أفاد السيد الأستاذ دام ظله: ان هذا الوجه يذكر في قبال الصورة الثالثة من صور النحو الثاني، فان القيد في نفسه ذو مصلحة و هو دخيل في ترتب المصلحة على نفس العمل لكنها المصلحة الضمنية. فهو متمم بوجوده للمصلحة و محصل لمصلحة الفعل الضمنية فلا يجري فيه هذا الوجه من الإشكال. فالتفت. (منه عفي عنه).

101

و بما انه يمنع اجتماع المصلحة الراجحة و المفسدة الراجحة في شي‏ء واحد فلا إشكال في مثل هذه الحال في امتناع اجتماع الحكمين.

ثانيهما: ان الخصوصية إذا كانت دخيلة في صيرورة الفعل ذا مصلحة، فذلك يقتضي أنها عند وجودها يصير الفعل كذلك، و حينئذ تنشأ الإرادة و الكراهة و الحب و البغض، و من الواضح انه يمتنع ان يكون نفس الخصوصية متعلقة للحب و البغض حينئذ لوجودها خارجا، فالمتعلق انما هو نفس الفعل بلحاظ مصلحته أو مفسدته الخاصة به فيمتنع اجتماع الحكمين فيه. كما عرفت.

إذا عرفت ذلك تعرف ان الفعل الواحد المضاف إلى عنوانين اشتقاقيين خارج عن دائرة النزاع، لأن كلا من الخصوصيّتين لا يكون متعلقا للرغبة و الكراهة، لأنهما مما يكونان دخيلا في اتصاف الفعل بالمصلحة و المفسدة لأخذهما في موضوع الحكم و هو يقتضي ذلك.

و لأجل ذلك لم يتوقف أحد في كون مثل: «أكرم العالم و لا تكرم الفاسق» متعارضين في العالم الفاسق مع تعدد خصوصية الإكرام بلحاظ تعدد العنوان.

و اما النحو الثاني: فهو محلّ الكلام، و البحث فيه في صور:

الأولى: ان تكون المصلحة الراجحة في ذات العمل و المفسدة الراجحة في الخصوصية بنفسها أو بالعكس.

الثانية: ان تكون إحداهما في خصوصية و الأخرى في خصوصية ثانية.

الثالثة: ان تكون في ذات العمل مصلحة راجحة و في المجموع من الذات و الخصوصية مفسدة راجحة أو بالعكس.

الرابعة: ان تكون إحداهما في نفس الخصوصية و الأخرى في المجموع.

الخامسة: ان يكون في المجموع مصلحة راجحة و فيه أيضا مفسدة راجحة، بحيث يكون كل من العمل و المفسدة ذا مصلحة و مفسدة ضمنيتين.

فيقع الكلام في إمكان هذه الصور و نتيجة ذلك.

102

اما الصورة الأولى: فلا إشكال في إمكانها، لأن الخصوصية و إن لم يكن لها وجود مستقل عن العمل، إلّا انها مما يمكن أن تكون متعلقا للأغراض العقلائية من دون ان يلحظ العمل أصلا، بل لا يكون الملحوظ في ترتب الغرض سوى نفس الخصوصية، و حينئذ تكون هي بذاتها متعلقا بما ينبعث عن الغرض من كراهة أو رغبة و إرادة، و يكون العمل على العكس منها، لأنه متعلقا للغرض المعاكس فيجتمع الإرادة و الكراهة في وجود واحد حقيقة، إلّا ان متعلق إحداهما يختلف عن الآخر فان أحدهما الفعل و الآخر هو الخصوصية و إن كانا موجودين بوجود واحد حقيقة.

و نحن و ان التزمنا بامتناع الكراهة و الإرادة في شي‏ء واحد، إلّا انه ليس لما هو المشهور من كونه لأجل تضاد الوصفين أنفسهما كي يطرد ذلك في جميع الموارد، بل من جهة امتناع اجتماع منشأيهما و هما المصلحة الخالصة أو الراجحة و المفسدة الخالصة أو الراجحة في امر واحد. و هذا في ما نحن فيه منتف، لأن ما فيه مصلحة الخالصة أو الراجحة غير ما في المفسدة الخالصة أو الراجحة، فان أحدهما الفعل و الأخر الخصوصيّة و اختلاف الفعل و الخصوصية في ذلك أمر وجداني يظهر بمراجعة الوجدان، فانه من الممكن ان يكون العمل ذا مصلحة راجحة فيكون متعلقا للرغبة في الوقت الّذي تكون خصوصيته متعلقة للكراهة باعتبار اشتمالها على المفسدة الراجحة، إذ واقع الخصوصية غير واقع الفعل و إن كانا بحسب الوجود متحدين.

و من هذا البيان يظهر الحكم في ..

الصورة الثانية: فانه من الممكن ان تكون إحدى الخصوصيّتين متعلقا للرغبة بلحاظ ما فيها من المصلحة، و الخصوصية الأخرى متعلقا للكراهة بلحاظ ما فيها من المفسدة.

نعم، في مقام العمل قد لا يرجح العاقل إحداهما على الأخرى مع كون‏

103

المصلحة جابرة لما تنتجه المفسدة، و يرجع الترك لو لم تكن جابرة بنحو كامل، و يرجح الفعل لو كانت جابرة مع زيادة. و ذلك لا يعني ملاحظة قاعدة الكسر و الانكسار و انحصار الأمر في الكراهة أو الإرادة أو انعدامهما معا، بل هذا من قبيل ملاحظة حال المتلازمين اللذين يكون أحدهما ذا مفسدة و الآخر ذا مصلحة، من عدم ترجيح أحدهما على الآخر مع انجبار المفسدة المترتبة على أحدهما، بالمصلحة المترتبة على الآخر و ترجيح الغالب منهما على الآخر. بل هو نظير ملاحظة الأهم من الحكمين في مطلق موارد تزاحم الوجوب و الحرمة. فتدبر.

و أما الصورة الثالثة: فهي ممتنعة لما تقدم من ان الشي‏ء الواحد و ان كان يمكن ان يشتمل على مفسدة و مصلحة، لكنه لا يمكن ان يشتمل على ما هو من شي‏ء الإرادة و الكراهة منهما و هما المصلحة الراجحة و المفسدة كذلك. و عليه فيمتنع ان تكون في الفعل مصلحة راجحة و فيه أيضا مفسدة راجحة ضمنية، لاستلزامه اجتماع وصفي الراجحية و المرجوحية في كل من المفسدة و المصلحة و هو ممتنع، و على هذا فيمتنع ان يكون الفعل بذاته متعلقا للكراهة الضمنيّة و الإرادة الاستقلالية لامتناع تحقق منشئهما.

و منه يظهر الحكم في الصورة الرابعة، فان الكلام فيها كالكلام في الثالثة بلا اختلاف.

هذا تحقيق الكلام في مسألة الاجتماع.

و قد ذكر المحقق العراقي (رحمه الله) في مقالاته في بداية البحث: أن موضوع الكلام ما كان هناك وجود واحد حقيقة ذو جهتين: إحداهما تكون متعلق الأمر. و الأخرى تكون متعلق النهي. ففرض وحدة الوجود في محل النزاع، و أنكر على من جعل أساس البحث كون التركيب انضماميا أو اتحاديا، لأن انضمامية التركيب معناها تعدد الوجود و هو خروج عن محل البحث فانه مما لا

104

إشكال في جوازه‏ (1).

و هو بهذا المطلب على حق لما عرفت من ان البحث الكبروي في هذه المسألة عن ان الوجود الواحد ذا الحيثيتين هل يمكن ان يكون موردا للاجتماع أو لا؟. و قد عرفت تفصيل الكلام فيه. اما البحث عن أن أي مورد يكون التركيب فيه انضماميا و أي مورد يكون التركيب فيه اتحاديا فهو بحث لتشخيص ضابط الصغرى و هو لا يتناسب مع البحث الأصولي.

و لكنه (قدس سره) ذكر في مقام تحقيق المسألة: ان الوجود الواحد إذا كان ذا حيثيتين إحداهما كانت مصداقا و فردا لعرض و الأخرى كانت مصداقا و فردا لعرض آخر، فاما ان لا يكون بين الحيثيتين جهة مشتركة جامعة. و اما ان يكون بينهما جهة مشتركة. فان لم يكن بينهما جهة مشتركة جاز اجتماع الأمر و النهي لاختلاف متعلقيهما و انحياز كل منهما عن الآخر تماما. و ان كانت بينهما جهة مشتركة لم يجز اجتماع الأمر و النهي، لاستلزامه اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد. ببيان محصله: ان متعلق الحكم ليس هو الوجود الخارجي، لأنه ظرف السقوط كما انه قد يكون الحكم و لا يكون الوجود الخارجي، و انما متعلقه الوجود الذهني، و بما ان الموجود الذهني يشتمل على الطبيعي مع خصوصية الوجود كان الحكم ثابتا للطبيعي المتحقق ضمنا في الموجود الذهني. و عليه ففرض وجود الجهة الجامعة بين الخصوصيّتين يستلزم فرض تعلق الحكمين الثابتين للخصوصيتين بالجهة الجامعة لوجودها في ضمن كل من الخصوصيّتين، فيلزم اجتماع الحكمين المتضادين في شي‏ء واحد و هو محال بلا إشكال.

و هذا البيان منه (قدس سره) لا يخلو من إشكال من جهتين:

الأولى: ما ذكره من ان متعلق الحكم هو الوجود الذهني، فانه غير

____________

(1) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 122- الطبعة الأولى.