منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
105

صحيح فقد تقدم ان الوجود الذهني لا يشتمل على مناط الحكم كي يكون متعلقا له، و انما متعلق الحكم هو الوجود التقديري الزعمي. فراجع تحقيق ذلك في مبحث تعلق الأحكام بالطبائع‏ (1).

الثانية: ما ذكره في تقريب امتناع الاجتماع فيما كانت بين الخصوصيّتين جهة مشتركة. فانه غير صحيح أيضا لأنه ينتقض عليه بعروض الأوصاف الخارجية على الموجودات الخارجية، فانه يستلزم عروض الوصفين المتضادين على الطبيعي فيما كان أحدهما عارضا على فرد من طبيعي و الآخر عارضا على فرد آخر منه، كما إذا عرض السواد على ثوب و البياض على ثوب آخر، فانه بناء على ما ذكره يلزم عروض الوصفين على طبيعي الثوب لوجوده ضمنا في كل من الفردين.

و الحل في الجميع: ان اجتماع الوصفين المتضادين انما يمتنع لو كان معروضهما واحدا شخصيا كهذا الجسم مثلا. اما إذا كان واحدا نوعيا فلا امتناع فيه كما لو كان معروض كل من الوصفين غير معروض الآخر شخصا و انما يجمعهما طبيعي واحد. و ما نحن فيه كذلك، إذ الأمر و النهي قد تعلق كل منهما بحصة غير الأخرى و جامعهما الطبيعي، و هو لا محذور فيه، و لو كان المراد من اجتماع الضدين في واحد ما يعم الواحد النوعيّ لم يكن اجتماع الضدين ممتنعا لتحققه خارجا بحد لا يحصى كما لا يخفى.

هذا مع انا لا نتصور فعلا المصداق الخارجي لهذه الصورة، أعني صورة وجود الجهة المشتركة بين الخصوصيّتين.

هذا تمام الكلام في تحقيق كبرى المسألة.

و يقع الكلام بعد ذلك في تحقيق الصغرى المشهورة، و هي: الصلاة في‏

____________

(1) راجع 2- 469 من هذا الكتاب.

106

الدار المغصوبة فقد وقع الكلام بين الأعلام في انها من مصاديق اجتماع الأمر و النهي في واحد أو لا؟.

ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) إلى ان متعلق الأمر في المثال غير متعلق النهي، فان متعلق النهي من مقولة الأين لأنه الكون في الدار المغصوبة، و متعلق الأمر الّذي يتوهم اتحاده مع المنهي عنه من مقولة الوضع و هو القيام و الركوع و السجود و نحوهما لأنها أسماء للهيئة الخاصة العارضة على الوجود، اما النية و الذّكر فليس هناك من يتوهم أنها غصب. و من الواضح ان وجود كل مقولة غير وجود المقولة الأخرى، إذ لا جامع بين المقولتين لأنها أجناس عالية، فكل مقولة ماهية منحازة عن غيرها فيكون لها وجود مستقل غير وجود المقولة الأخرى، فيكون التركيب حينئذ بين الصلاة و الغصب تركيبا انضماميا، فيكون المورد من موارد اجتماع الأمر و النهي‏ (1).

هذه خلاصة ما أفاده المحقق النائيني و لم يوافقه على ذلك الأعلام.

فقد تعرض المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية إلى بيان وحدة الغصب و الصلاة وجودا، لكنه لم يتعرض إلى نفي أساس تعدد الوجود الّذي ذكره المحقق النائيني و هو كون الغصب من مقولة الأين و الصلاة من مقولة الوضع، لذلك يحق لنا ان نقول بأنه كلام مجمل لا يتناسب مقام المحقق العلمي‏ (2).

و اما المحقق العراقي (قدس سره). فقد ذكر في مقالاته: أن غاية ما يتوهم في بيان تعدد الصلاة و الغصب هو ان الصلاة من مقولة الفعل أو الوضع و الغصب من مقولة الإضافة باعتبار انه إشغال الأرض، كما يظهر من تفسير الغصب في‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 339- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 274- الطبعة الأولى.

107

تعبيراتهم، فيختلف متعلق الأمر و متعلق النهي.

و أورد عليه:

أولا: بأنه يبتني على الالتزام بان الإضافة لا حظ لها من الوجود، و الالتزام بان الاعراض القائمة بمعروضاتها من مراتب وجود المعروضات و مكملاته و ليس لها وجود مستقل غير وجود معروضاتها. و هو خلاف التحقيق، و إلا فلازمه خروج المثال عن موضوع محل النزاع، إذ موضوعه هو الوجود الواحد المشتمل على جهتين، فقد أخذ في موضوعه كون التركيب اتحاديا من جهة الوجود ففرض المورد من موارد كون التركيب انضماميا خلف الفرض.

و ثانيا: انه مع تسليم كون الغصب هو الاشتغال لا الفعل الشاغل تكون نسبة الأفعال الصلاتية إليه نسبة السبب التوليدي، فتكون محرمة، إذ الأمر بالمسبب أمر بالسبب حقيقة.

و ثالثا: ان العنوان المحرم لا يختص بعنوان الغصب كي يقال أنه غير الصلاة، بل الحرمة متعلقة بعنوان التصرف في ملك الغير. و من الواضح ان التصرف يتحد مع افعال الصلاة فان الأفعال من القيام و الركوع و السجود بنفسها تصرف فتكون محرمة.

و رابعا: لو أغمض النّظر عن ذلك فعنوان استيفاء منافع الغير محرم من دون إذنه- و الاستيفاء أعم من التصرف، فان الاستضاءة بنور الغير استيفاء و ليست بتصرف-. و من الواضح ان القيام و القعود و نحوهما من افعال الصلاة من الاستيفاء، فتكون محرمة فتتوجه الحرمة إلى عين ما توجه إليه الوجوب و هو ممتنع‏ (1).

أقول: ان كان نظره في نقل التوهم و دفعه إلى ما أفاده المحقق النائيني‏

____________

(1) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 126- الطبعة الأولى.

108

فيرد عليه ان المحقّق النائيني لم يذهب إلى كون الغصب في المثال من مقولة الإضافة، بل من مقولة الأين، فإسناد ذلك إليه غير صحيح.

هذا مع ان الإيراد الأول لا وجه له، إذ لم يفرض موضوع الكلام عند الكل بالنحو الّذي فرضه هو، فان موضوع البحث عند المحقق النائيني هو الواحد في الوجود صورة، فيبحث عن أنه كذلك حقيقة أو لا؟. فلازم الالتزام بكون الإضافة مما له حظّ من الوجود خروج الفرض عن موضوع البحث الّذي فرضه هو (قدس سره) لا القوم.

و اما الإيرادات الأخرى فهي غير واردة على المحقّق النائيني.

أما الثاني: فواضح، إذ ليس الغصب هو الاشغال كي يقال ان نسبة الأفعال الصلاتية إليه نسبة السبب التوليدي إلى المسبب، بل هو الكون في الدار المغصوبة و هو ليس من المسببات التوليدية.

و أما الثالث: فلأن القيام و الركوع و نحوهما إذا كانت أسماء للهيئة الخاصة و كانت من مقولة الوضع لم تكن بنفسها تصرفا، بل التصرف ينطبق على الكون في المكان المغصوب.

و أما الرابع: فيتضح الجواب عنه من الجواب عن الثالث، لأن هذه الأفعال إذا كانت أسماء للهيئة الخاصة لم تكن بنفسها استيفاء، بل الاستيفاء ينطبق على الكون في المغصوب.

و قد تعرض المحقق الأصفهاني في أصوله إلى ما أفاده المحقق النائيني و استشكل فيه بقوله: «و التحقيق: أن مقولة الأين و ان كانت مباينة لمقولة الوضع و ليست مقولة مقومة لمقولة أخرى و لا المركب من مقولتين مقولة برأسها، إلا أنه ربما تكون مقولة مقوّمة للجزء شرعا، كمقولة الأين للسجود، فان المماسة للأرض بوضع الجهة عليها و ان كانت غير هيئة السجود إلا أنها معتبرة في الجزء شرعا، فما هو عين التصرف في الأرض مقومة للجزء لا للمقولة، و كذا الاستقرار على‏

109

الأرض في القيام و الجلوس عليها في التشهد و نحوه، فانها غير مقولة الوضع لكنها من واجبات الصلاة. و منه تبين انه لو اعتبر الهوي في الركوع و السجود كان عين مقولة الحركة في الأين مقومة للجزء شرعا و إن كان ذات الجزء من مقولة الوضع، فتوهم ان الركوع و السجود من مقولة الوضع حتى على هذا القول غفلة، بل الجزء مركب من مقولتين ...» (1).

و تابعة السيد الخوئي (حفظه اللّه) في الإشكال فذهب في تعليقة أجود التقريرات إلى: أن السجود الواجب لا يكفي فيه مماسة الجبهة الأرض، بل لا بد فيه من اعتمادها عليها ليصح معه صدق وضع الجبهة على الأرض. و من الواضح ان الاعتماد من أوضح مصاديق التصرف فيكون محرما لحرمة التصرف.

كما انه فرّق بين القول بان الهوي و النهوض من أجزاء الصلاة فيلزم اجتماع الأمر و النهي في واحد، و القول بعدم كونهما من الأجزاء فلا يلزم الاجتماع‏ (2).

أقول: لا دليل على اعتبار الاستقرار على الأرض في القيام و الجلوس عليها في التشهد و أما مماسة الجبهة للأرض في السجود أو الاعتماد عليها و إن كانت معتبرة في الجزء شرعا أو عرفا بمعنى انه لا يصدق السجود المأمور به بدون ذلك، إلا أنه إنما ينفع فيما ذكراه لو كان اعتباره بنحو الجزئية بان يكون السجود عبارة عن أمرين الهيئة الخاصّة و وضع الجبهة على الأرض، و لكنه لم يثبت ذلك، فقد يكون مأخوذا بنحو الشرطية، بمعنى ان السجود هو الهيئة الخاصة المقيدة بوضع الجبهة على الأرض، فيكون وضع الجبهة على الأرض خارجا عن حقيقة السجود و انما الداخل فيه هو التقيد به، و مع ذلك لا يلزم ما ذكر من ان متعلق الأمر هو متعلق النهي، بل يكون متعلق النهي خارجا عن دائرة المأمور به، لأنه‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. الأصول على النهج الحديث- 145- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 339 هامش رقم (1)- الطبعة الأولى.

110

شرط لا جزء.

نعم، لو التزم بكون الشروط كالأجزاء متعلقة للأمر الضمني لزم ما ذكر، لكن لم يلتزم بذلك أحد و انما صرح به المحقق النائيني في مكان واحد (1) و لم يثبت عليه إلى الأخير.

و مع الترديد في أخذه بنحو الجزئية أو الشرطية، فالأصل يقتضي كونه بنحو الشرطية، لأن مقتضى الجزئية تعلق الأمر الضمني بالتقيد و الجزء ذاته، و مقتضى الشرطية تعلق الأمر بالتقيد فقط، فمرجع الشك المزبور إلى الشك في أن المشكوك كونه جزء أو شرطا هل هو متعلق للأمر أو لا؟، فينفي تعلق الأمر به بأصل البراءة و نتيجته ثبوت الشرطية. و عليه فيتعدد متعلق الأمر و النهي.

و من هنا ظهر الأمر في ما لو اعتبر الهوي في الركوع و السجود، فانه لا ينفع ما لم يؤخذ بنحو الجزئية كي يكون بنفسه متعلقا للأمر، أما إذا اعتبر شرعا أو عرفا في مفهوم الركوع بنحو الشرطية بان كان الركوع هو الهيئة الخاصة الناشئة عن الهوي في قبال النهوض راكعا، فلا يجدي في المطلوب لاختلاف متعلق الأمر عن متعلق النهي و تعددهما وجودا. فتدبر جيدا.

ثم انه لو تنزلنا و قلنا بأن متعلق الأمر و النهي أمر واحد لا تعدد فيه، يقع الكلام في الجواز و الامتناع من الجهة الثانية الكبروية و هي: ان المورد من موارد تعدد الحيثية بنحو يجوز اجتماع الحكمين فيه أو لا؟.

ذهب المحقق العراقي إلى: ان المجمع و إن كان ذا حيثيتين، إلا انه لما كانت بينهما جهة مشتركة كان ثبوت الأمر و النهي فيه ممتنعا لتعلقهما بشي‏ء واحد (2).

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 175- الطبعة الأولى.

(2) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 127- الطبعة الأولى.

111

و فيه:

أولا: إنه لا يتصور هناك جامع بين حيثيتي الصلاة و الغصبية يكون موردا للحكمين.

و ثانيا: إنه لا تعدد في الحيثية لأن الصلاة اسم لنفس الأفعال و ليست اسما لحيثية تتحيث بها الأفعال، فليس هناك إلا حيثية الغصبية. فمتعلق الأمر نفس الفعل كما ان متعلق النهي المجموع من الفعل مع تقيده بالخصوصية الغصبية.

و عليه، فالحق هو الامتناع لما تقدم من امتناع تعلق الأمر بذات العمل و النهي بالمجموع منه و من الخصوصية. فراجع.

هذا تمام الكلام في الصغرى المشهورة.

و يقع الكلام بعد هذا في بعض التفصيلات و الأقوال في المسألة مما أشار إليه صاحب الكفاية و هي:

التفصيل الأول: ابتناء القول بالجواز على الالتزام بتعلق الأحكام بالطبائع. و يمكن ان يحرّر بنحوين:

أحدهما: ما يعد من أدلة الجواز، و هو أن الأحكام لا تتعلق بالموجود الخارجي، لأن الوجود ظرف السقوط، و أنما تتعلق بالطبائع و المفاهيم، و بما انها متعددة- لأنه المفروض- لم يلزم اجتماع الأمر و النهي في واحد، بل كان متعلق كل منهما غير متعلق الآخر.

و هذا الوجه قد تقدمت الإشارة إليه في المقدمة الثانية من كلام صاحب الكفاية فان نظره فيها إلى دفع هذا القول.

و قد عرفت هناك ان إثبات هذا القول و نفيه لا يجدي شيئا فيما نحن فيه مع وحدة الوجود خارجا. فراجع.

ثانيهما: ما يعد تفصيلا في المسألة بان يبني القول بالجواز على كون متعلق الحكم هو الطبيعة لتعدد الطبيعة خارجا، و يبني القول بالامتناع على اختيار

112

تعلقه بالفرد. و هذا هو الموجود في الكفاية (1).

لكنه (قدس سره) أهمل بيان الوجه في اختيار الامتناع بناء على القول بتعلق الحكم بالفرد، و قد يتوجه بناء على مختار صاحب الكفاية في الفرد بأنه على القول بكون المتعلق هو الفرد تكون المشخصات و لوازم الطبيعة دخيلة في المتعلق، ففي مثل مثال الصلاة في الدار المغصوبة يكون الغصب مصبا للأمر لأنه من مشخصات الصلاة.

و قد مرّ الإشكال فيه: بان الشخص اما كلي المكان أو شخصه، لكنه لا بعنوان انه غصب فيكون الشخص بما انه لازم مأمورا به، و بما انه غصب منهيا عنه، فيكون من باب اجتماع الأمر و النهي بعنوانين.

و أما إشكال صاحب الكفاية على الشق الأوّل- أعني الالتزام بالجواز، لو قيل بان المتعلق هو الطبيعة لا الفرد-: بان متعلق الحكم هو المعنون لا العنوان‏ (2).

فهو قاصر عن رد القول المزبور، إذ لم يتعرض فيه إلى رد نكتة القول، و هي ان الموجود لا يتعلق به الحكم، لأن الوجود ظرف السقوط، فكان ينبغي له أن يتعرض لنفي هذه الجهة.

و الّذي يتحصل أن الإيراد على صاحب الكفاية من جهتين:

الأولى: نقصان كلامه.

الثانية: قصور اشكاله. فالتفت و لا تغفل.

التفصيل الثاني: ما نسب إلى صاحب الفصول و هو: ابتناء القول بالجواز و الامتناع على الالتزام باتحاد الجنس و الفصل و التركيب بينهما (3).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 154- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 160- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الحائري الطهراني الشيخ محمد حسين. الفصول الغروية- 125- الطبعة الأولى.

113

و فيه: انه إن أريد به ما هو الظاهر مما نقله عنه صاحب الكفاية (1) من ابتناء أصل النزاع على ذلك. فهو واضح الإشكال، إذ ليس جميع أمثلة اجتماع الأمر و النهي يكون متعلق الأمر و النهي فيها من قبيل الجنس و الفصل. و المثال المشهور ليس كذلك و هو الصلاة في الدار المغصوبة لوضوح ان الغصب ليس فصلا للصلاة.

و إن أريد أنه في المورد الّذي يكون متعلق الأمر و النهي فيه من قبيل الجنس و الفصل يكون النزاع مبنيا على ما ذكر، فهو متجه، لكنه لا وجه للتعرض إليه و جعله تفصيلا في المسألة بعد إن كان مثاله نادر الوجود.

التفصيل الثالث: التفصيل بين القول بأصالة الماهية و القول بأصالة الوجود، فيجوز الاجتماع على الأول لأن المتعلق هو الماهية لأصالتها و هي متعدّدة، و يمتنع على الثاني لوحدة المتعلق و هو الوجود.

و قد نفاه صاحب الكفاية- بمقدمته الرابعة-: بان الوجود إذا كان واحدا كانت الماهية واحدة و يمتنع أن يكون للموجود الواحد ماهيتان كما يمتنع ان يكون للماهية الواحدة وجودان، و بما ان الفرض كون الوجود فيما نحن فيه واحدا كان الماهية واحدة، فلا يختلف الحال على القول بأصالة الوجود و القول بأصالة الماهية (2).

التفصيل الرابع: و هو من أدلّة الجواز- و ينسب إلى المحقق القمي (قدس سره) (3)- و هو يبتني على كون الفرد مقدمة للطبيعي.

و يمكن تحريره بنحوين:

أحدهما: ما في تقريرات المحقق النائيني من ان متعلق الأمر هو الطبيعي،

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 159- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 159- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) القمي المحقق ميرزا أبو القاسم. قوانين الأصول 1- 140- الطبعة الأولى.

114

لأنه يتعلق به بنحو صرف الوجود، و متعلق النهي هو الفرد لأنه يتعلق بالطبيعة بنحو الاستغراق فيشمل الافراد. و عليه فيختلف متعلق الأمر عن متعلق النهي، إذ الفرد ليس عين الطبيعي بل مقدمة له‏ (1).

و هذا الوجه لا ينسجم مع عبارة صاحب الكفاية، إذ فرض فيها كون الفرد مقدمة للطبيعي المأمور به أو المنهي عنه و هو غير كون الفرد منهيا عنه.

ثانيهما: و هو يتلاءم مع عبارة الكفاية من ان متعلق الأمر هو الطبيعة، و كذلك متعلق النهي هو الطبيعة. فيختلف متعلق كل منهما عن الآخر، و الفرد يكون مقدمة للمأمور به و المنهي عنه. فعلى القول بعدم الملازمة لا محذور. و على القول بالملازمة بين حكم ذي المقدمة و المقدمة لا يلتزم بتعليق الحكمين بالفرد لامتناع الاجتماع، بل يلتزم بكونها محرمة، و لا ضير في حرمتها مع عدم الانحصار بسوء الاختيار (2).

و الإشكال في هذا الرأي بكلا تحريريه واضح. و هو ما أشار إليه في الكفاية من: ان الفرد عين الطبيعي خارجا و ليس مقدمة له، لأن المقدمية تقتضي الاثنينية و هي غير متحققة.

و هذا واضح لا غبار عليه، لكن الّذي يبدو غامضا ما جاء في الكفاية من قوله: «و أنه لا ضير في كون المقدمة محرمة في صورة عدم الانحصار بسوء الاختيار» فان التقييد بسوء الاختيار.

إن رجع إلى عدم الانحصار فلا وجه له، لأنه لا محذور مع عدم انحصار المقدمة في حرمتها سواء كان بسوء الاختيار أو بغيره كما لا يخفى.

و إن رجع القيد إلى الانحصار- فيكون المعنى انه لا ضير في الحرمة في‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 349- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 161- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

115

صورة ما إذا لم يكن الانحصار بالاختيار، و هو يشمل صورتين و هما صورة عدم الانحصار و صورة الانحصار بدون اختيار لأن عدم المقيد يكون بعدم القيد و بعدم الذات-، فلا ضير في هاتين الصورتين، كما ان الضير في صورة واحدة و هي صورة الانحصار بالاختيار.

مع انه من الواضح هو امتناع حرمة المقدمة و وجوب ذيها لو كانت منحصرة قهرا، لعدم إمكان الامتثال و وقوع التزاحم بينهما. كما أنه في صورة الانحصار اختيارا يقع الكلام في حرمة المقدمة و عدمها مما سيأتي مفصلا إن شاء اللَّه تعالى فانتظر.

***

116

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

117

«تنبيهات المسألة»

التنبيه الأول: في العبادات المكروهة

و تفصيل الكلام فيه:

انه قد استدل على جواز اجتماع الأمر و النهي بوقوعه خارجا كما في العبادات المكروهة ك: «الصلاة في الحمام» و: «صيام يوم عاشوراء» و نحوهما. فانه يكشف عن كفاية تعدد الجهة في رفع محذور اجتماع الضدين، و إلّا لما جاز اجتماع حكمين في مورد أصلا، إذ التضاد لا يختص وجوده بين الحرمة و الوجوب، بل هو موجود بين جميع الأحكام، فكما ان الوجوب و الحرمة متضادان كذلك الوجوب و الكراهة و هكذا الاستحباب و الكراهة و نحو ذلك. و قد ثبت اجتماع الوجوب و الاستحباب ك: «الصلاة في المسجد»، و اجتماع الاستحباب أو الوجوب مع الكراهة ك: «الصلاة في الحمام» فهذا دليل على جواز اجتماع الأمر و النهي مع تعدد الجهة.

و قد أجاب صاحب الكفاية (رحمه الله) عن هذا الاستدلال، أو قل الإشكال على القول بالامتناع بجوابين: أحدهما إجمالي و الآخر تفصيلي.

اما الإجمالي: فهو وجوه ثلاثة:

الأول: انه بعد قيام الدليل العقلي القطعي على امتناع الاجتماع، فلا بدّ من التصرف في ظهور الدليل الدال على اجتماع الحكمين، لأن الظهور لا يصادم‏

118

البرهان.

الثاني: أن الإشكال وارد على القائل بالجواز أيضا، بظهور الدليل في اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد بعنوان واحد و هو مما لا اختلاف في امتناعه.

فيلزمه التفصي عن هذا الإشكال.

الثالث: ان بعض الموارد المذكورة لا مندوحة فيها كالعبادات المكروهة التي لا بدل لها ك: «صوم يوم عاشوراء». و من الواضح امتناع اجتماع الحكمين في مثل ذلك بالإجماع، اما لأجل التضاد أو لأجل التزاحم و عدم إمكان الامتثال.

و اما التفصيليّ: فبيانه: ان العبادات المكروهة على أنحاء ثلاثة:

الأول: ما تعلق النهي به بذاته و ليس له بدل ك: «صوم يوم عاشوراء» و النوافل المبتدأة في بعض الأوقات.

الثاني: ما تعلق النهي به بذاته و كان له بدل ك: «الصلاة في الحمام» فان لها بدلا و هو الصلاة في الدار أو المسجد.

الثالث: ما تعلق النهي به لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجودا أو ملازم له خارجا كالصلاة في مواضع التهمة، بناء على أن النهي لأجل اتحادها مع الكون في مواضع التهمة فانه منهي عنه في نفسه.

أما القسم الأول: فقد وقع الإجماع على صحته لو جي‏ء به مع أرجحية الترك، كما يظهر من مداومة الأئمة (عليهم السلام) على الترك.

فلا بد ان يكون الوجه في النهي التنزيهي عنه أحد وجوه ثلاثة:

أحدها: ان يكون الوجه هو انطباق عنوان راجح ذي مصلحة على الترك فيكون الترك ذا مصلحة كالفعل إلّا ان مصلحة الترك أكثر من مصلحة الفعل و لذلك يرجح عليه. فيكون الفعل و الترك بهذا الاعتبار من قبيل المستحبين المتزاحمين فيحكم بالتخيير بينهما مع عدم وجود الأهم و إلّا فيتعين الأهم. و يقع الآخر صحيحا لأنه ذو مصلحة و موافق للغرض كما في مطلق موارد تزاحم‏

119

المستحبات و الواجبات.

ثانيها: ان يكون الوجه ملازمة الترك لعنوان راجح ذي مصلحة أكثر من مصلحة الفعل، فيرجح الترك للوصول إلى تلك المصلحة الملازمة له.

و مرجع الوجهين إلى: أن النهي عبارة عن طلب الترك، فهو هاهنا على حقيقته، إلا أن طلب الترك تارة ينشأ عن مفسدة في الفعل. و أخرى ينشأ عن مصلحة في الترك أو فيما يلازمه و ما نحن فيه من قبيل الثاني، و لأجل ذلك يصح العمل لاشتماله على مصلحة من دون أيّ منقصة فيه. نعم تفوت به مصلحة الترك و ذلك لا يضر في صحته.

ثالثها: أن يكون المقصود بالنهي هو الإرشاد إلى اشتمال الترك أو ملازمه على مصلحة أكثر من مصلحة الفعل من دون ان يكون هناك طلب أو زجر حقيقة. فلا يلزم اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد اما لأجل تعدد متعلق الحكمين- كما هو مقتضى الوجهين الأولين-، أو عدم وجودهما كما هو مقتضى الوجه الأخير.

هذا ملخص ما أفاده صاحب الكفاية في حل الإشكال في القسم الأول‏ (1).

و لا بد من التنبيه بشي‏ء و هو: أنه لما ذا لم يفرض صاحب الكفاية في الوجه الأول وجود المصلحة في نفس الترك، و انما فرض وجودها في العنوان المنطبق عليه؟.

و قد ذكر في وجه ذلك أمور:

منها: ان الترك أمر عدمي، فيستحيل ان يكون له أثر وجودي لاستحالة ترشح الوجود من العدم.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 161- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

120

و منها: ان الترك إذا كان ذا مصلحة راجحة لزم ان يكون نقيضه مرجوحا و هو الفعل، و هذا يتنافى مع فرض رجحان الفعل. فاشتمال كل من الفعل و الترك على المصلحة الراجحة محال.

و يمكن ان يكون الوجه فيه- و هو أمتن الوجوه-: أن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام و هو النقيض، فإذا كان متعلق الأمر نفس الترك كان الفعل منهيا عنه، و ذلك يتنافى مع صحة العمل إذا كان عباديا مع أنه المفروض حيث يفرض صحة العبادة المكروهة.

و هذا بخلاف ما إذا كان العنوان هو المأمور به، فان الفعل ليس نقيضا للعنوان كي يلزم المحذور المزبور.

و هذه الوجوه لا نستطيع ان نجزم بصحتها فعلا، إلا إنا ذكرناها لمجرد التنبيه و الأمر سهل.

و بعد ذلك يقع البحث في صحة ما أفاده (قدس سره) تبعا للشيخ الأعظم‏ (1) في حلّ الإشكال. و الحق أنه غير تام لوجهين:

الوجه الأول: ما ذكره المحقق النائيني (رحمه الله) من: ان المورد يمتنع أن يكون من موارد التزاحم بين المستحبين بحيث تترتب عليه آثاره من الطلب التخييري مع التساوي؟. و بيان ذلك: ان إجراء قواعد التزاحم انما يصح فيما إذا كان المتزاحمان مما لهما ثالث بحيث يتمكن من تركهما معا، فانه بعد امتناع تعلق الطلب التعييني بهما لعدم القدرة يتعلق الطلب التخييري بهما و يكون صالحا للدعوة إلى إتيان أحد الأمرين. اما إذا كان المتزاحمان مما لا ثالث لهما كالنقيضين و الضدين الذين لا ثالث لهما فلا يعقل تعلق الطلب التخييري بهما- بعد امتناع تعلق الطلب التعييني-، إذ المكلف لا بد له من إتيان أحدهما و لا يستطيع‏

____________

(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 130- الطبعة الأولى.

.

121

التخلف عن ذلك، فلا يكون الطلب التخييري صالحا للداعوية بعد إن كان الإتيان بأحدهما قهريا، فيكون لغوا (1).

و لإيضاح المطلب نقول: ان أحد العملين إذا كان مما لا بد من تحققه، و حينئذ يكون تحصيل المقدار المعين من الغرض و المصلحة قهريا، فلا وجه لتصدي المولى للأمر ليصير داعيا إلى ما يحصّل ذلك المقدار من الغرض.

بل [1] يمتنع على العبد قصد التقرب بالعمل، إذ المقدار الخاصّ من المصلحة لا يتمكن من التخلف عن تركه كي يكون إتيانه به بقصد القربة، فانه يتحقق منه لا محالة.

إذا عرفت ذلك، فما نحن فيه من هذا القبيل، فان الفعل و الترك نقيضان، فإذا كان كل منهما مشتملا على المصلحة، فإذا كانت مصلحة أحدهما أرجح تعين الأمر به و لم يكن الآخر مما يقبل المقربية، لما عرفت من ان حصول المقدار المشترك قهري فلا يتجه قصد التقرب به. و هو خلاف ما أفاده صاحب الكفاية، إذ ذهب إلى صحة الفعل و ان كان الترك أرجح، و إلّا لم يكن هناك طلب تخييري، بل نتيجة ملاحظة تساوي المصلحتين هو إباحة العمل لا الإلزام بالفعل أو الترك. فالتفت.

و ناقشه السيد الخوئي: بان المورد ليس من موارد كون المتزاحمين مما لا ثالث لهما بل مما لهما ثالث.

بيان ذلك: ان العمل الراجح إنما هو الحصة الخاصة من الطبيعي لا نفس الطبيعي، و تلك الحصة هي العمل بقصد القربة، فالصوم المشتمل على المصلحة

____________

[1] إشارة إلى دفع ما يقال من: انه و إن امتنع الإلزام التخييري، إلا ان النتيجة واحدة لصحة الإتيان بكل منهما بنحو عبادي لاشتماله على الملاك المقرب، فلا يكون المورد من قبيل موارد الإباحة. فالتفت. (منه عفي عنه).

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 364- الطبعة الأولى.

122

هو الصوم بقصد القربة لا طبيعي الصوم، و الترك المشتمل على المصلحة ليس هو ترك هذه الحصة بالخصوص المتحقق بالإفطار و الإمساك بدون قصد القربة، بل هو ترك الإمساك مطلقا و الإفطار خارجا لأن فيه مخالفة بني أمية، و من الواضح ان بين الإفطار و الصوم بقصد القربة واسطة و هي الصوم من دون قصد القربة و هو ليس براجح، فالمكلف يستطيع ان يترك كلا الراجحين، فيتعقّل في المورد ثبوت الأمر التخييري الّذي يرجع إلى طلب ترك الإمساك بلا قصد القربة اما بالإفطار أو الصوم بقصد القربة. فما ذكره (قدس سره) من عدم جريان التزاحم بين النقيضين تام في نفسه، إلا أنه لا ينطبق على ما نحن فيه.

هذه خلاصة مناقشة السيد الخوئي‏ (1).

و لكنا نخالفه فيما ذهب إليه بتقريب: ان الاختلاف بين العلمين ناشئ من الاختلاف في استظهار ان متعلق النهي هل هو طبيعي الإمساك أو الصوم بقصد القربة؟. و بتعبير آخر: ان متعلق الأمر هل هو الإفطار خارجا و ترك الإمساك، أو ترك الصوم بقصد القربة؟. فلا بد من إيقاع البحث في هذه الجهة فعلى الأول يتم ما ذكره السيد الخوئي. و على الثاني يتم ما ذكره المحقق النائيني لعدم الواسطة بين المستحبين.

و قد أشار المحقق النائيني (قدس سره) في ذيل كلامه إلى النكتة التي تشهد لنفي الواسطة بين المتزاحمين. فكان ينبغي التعرض إليها و مناقشتها.

و إغفالها و الاكتفاء بمجرد الدعوى بعيد عن الأسلوب العلمي للبحث.

و على أي حال، فالنكتة التي أشار إليها المحقق النائيني هي: ان الظاهر من النصوص النهي عن الصوم الّذي يأتي به بنو أمية و الزجر عن التشبه بهم، و بما أنهم كانوا يصومون بقصد القربة و يرون صومه راجحا و لم يكونوا يكتفون‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 4- 318- الطبعة الأولى.

123

بالإمساك فقط، يكون النهي عن الصوم بقصد القربة و يكون المطلوب هو ترك هذا العمل. و قد عرفت انه لا واسطة بين فعله و تركه. فتدبر (1).

الوجه الثاني: انه قد تقدم ان النهي عبارة عن طلب الترك، و اختيار صاحب الكفاية (2)، كما مرّ منه (قدس سره) أيضا ان الأحكام بأسرها متضادة (3). فمرجع النهي في جميع الموارد التي يفرض فيها تعلق النهي بما يتعلق به الأمر إلى طلب الترك و مع هذا يلتزم بالتضاد، و عدم إمكان اجتماع الحكمين، فلم يعلم السرّ في تفصيه عن الإشكال المزبور بإرجاع النهي إلى طلب الترك. مع ان هذا البيان يسري في جميع الموارد التي يلتزم (قدس سره) فيها بامتناع اجتماع الحكمين.

و بالجملة: اما ان يلتزم بعدم التضاد مطلقا بين الأمر و النهي لاختلاف متعلقيهما. أو يلتزم بثبوته مطلقا حتى فيما نحن فيه فلا يجدي ما ذكره في حل الإشكال.

و قد تصدى المحقق النائيني (قدس سره)- بعد ان ناقش صاحب الكفاية- إلى حل الإشكال ببيان آخر، و قد بناه على مقدمة و هي: ان الأمر الناشئ من قبل النذر المتعلق بعمل عبادي يتعلق بنفس ما يتعلق به الأمر الثابت للعبادة، و ينتج عن ذلك هو اندكاك كل من الأمرين أحدهما بالآخر و صيرورة العمل المنذور متعلقا لأمر واحد مؤكد، لاستحالة اجتماع الحكمين- الضدين أو المثلين- في شي‏ء واحد، و لازم الاندكاك المشار إليه هو اكتساب الأمر النذري جهة التعبدية من الأمر الثابت للعبادة في نفسه.

أما الأمر الناشئ من قبل الإجارة المتعلقة بعمل عبادي، كما في موارد النيابة عن الغير، فيختلف متعلقه عن متعلق الأمر الثابت للعمل المستأجر عليه،

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 367- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 158- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 158- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

124

و لأجله لا يحصل الاندكاك بين الأمرين، بل يبقى كل منهما بحدّه، و ذلك لأن متعلق الأمر الاستحبابي أو الوجوبيّ هو ذات العمل اما الأمر الإجاري فهو لا يتعلق بذات العمل، إذ لا يتعلق للمؤجر غرض فيه، بل هو يتعلق بالإتيان بالعمل بداعي الأمر الثابت للعمل. فالامر الإجاري في طول الأمر الآخر فلا يحصل الاندكاك لعدم وحدة المتعلق.

و بعد هذه المقدمة ذكر (قدس سره): ان الإشكال المتقدم في اتصاف العبادة المكروهة بالكراهة إنما نشأ عن الغفلة عن ان متعلق النهي غير متعلق الأمر، و ذلك لأن متعلق الأمر العبادي هو ذات العبادة و متعلق النهي ليس هو ذات العمل، بل هو خصوصية التعبد به، لأن فيه مشابهة الأعداء (لعنهم اللَّه تعالى) فيختلف متعلق الأمر عن متعلق النهي. و بما ان النهي تنزيهي فهو لا يمنع من عبادية العمل و الإتيان به بقصد القربة، بخلاف ما لو كان النهي تحريميا فانه يمتنع قصد التقرب لحرمته مع ان التقرب إنما يحصل به. فالنهي فيما نحن فيه نظير الأمر في باب الإجارة في طول الأمر المتعلق بذات العمل فلا محذور (1).

أقول: ربط ما نحن فيه بمسألة الإجارة و النذر ليس إلا في طولية الحكمين فيما نحن فيه كما هو الحال في باب الإجارة.

و هذا المقدار لا يستلزم سرد المقدمة المزبورة بطولها.

و على أي حال فما ذكره غير تام في المقيس و المقيس عليه.

اما عدم تماميته في المقيس عليه، و هو مسألة الإجارة فلأنه ..

تارة: يلتزم في باب النيابة أنها عبارة عن إتيان العمل بقصد إسقاط الأمر المتعلق بالمنوب عنه، و الإجارة تقع على هذا الأمر فيكون الأمر الإجاري متعلقا بإتيان النائب العمل لقصد إسقاط الأمر المتعلق بالمنوب عنه.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 365- الطبعة الأولى.

125

فعلى هذا البناء- الّذي هو الظاهر من كلامه- لا وجه لتوهم التداخل بين الأمرين. كيف؟ و موضوع أحدهما المنوب عنه و موضوع الآخر النائب فلا معنى للتداخل.

و أخرى: لا يلتزم بذلك باعتبار عدم قابلية المنوب عنه لتوجه الأمر إليه، كما لو كان ميتا، أو لكون الأمر المتعلق بشخص لا يصلح لداعوية غيره. و انما النيابة تكون هي الإتيان بالعمل الّذي تكون ذمة الغير مشغولة به اما بتنزيله نفسه منزلة المنوب عنه أو بإهداء ثوابه إليه. و تكون النيابة متعلقة للأمر الاستحبابي. فإذا وردت الإجارة على إتيان العمل النيابي كان لازما بمقتضى الأمر الإجاري.

فعلى هذا البناء يتحد متعلق الأمر الاستحبابي و الأمر الإجاري، لأنه كلا منهما متعلق بالعمل النيابي، فيتعيّن الالتزام بالتداخل لوحدة المتعلق لكلا الحكمين.

و بالجملة: على مبنى لا يتوهم التداخل. و على مبنى آخر يتعين التداخل.

و اما عدم تماميته في المقيس- أعني ما نحن فيه- فلأنه إما ان يلتزم بان قصد القربة مما يتعلق به الأمر إما ضمنا لو بني على جواز تعلق الأمر الأول به، أو استقلالا لو بني على انه يكون مأمورا به بالأمر الثاني المصطلح عليه بمتمم الجعل- كما مر اختياره من المحقق النائيني-. أو لا يكون متعلقا للأمر شرعا، بل هو مما يحكم بلزومه العقل.

فعلى الأول: يلزم ان يكون متعلق الكراهة عين ما يتعلق به الأمر و هو قصد القربة. فيتحد متعلق الحكمين.

و على الثاني: و ان لزم اختلاف المتعلق، إلا أنه يقع التزاحم الدائمي بين الحكمين لعدم القدرة على امتثالهما معا في حال من الأحوال.

و الّذي يذهب إليه المحقق النائيني في مثل ذلك هو كون المورد من موارد

126

التعارض. فافهم.

و إذا اتضح لك عدم تمامية ما أفاده العلمين- الخراسانيّ و النائيني- في حل الإشكال، فالمتعين ان يقال في حلّه: ان النهي في المقام ليس على حقيقته، بل هو إرشاد لأولوية ترك هذا الفرد لأجل الإتيان بغيره مما هو أكثر ثوابا.

بيان ذلك: ان الصوم- مثلا- مستحب في نفسه بنحو العموم الاستغراقي، بمعنى ان صوم كل يوم مستحب بذاته و لا بدل له، إلّا ان بعض هذه الافراد قد تحفّ به بعض الخصوصيات التي توجب نقصان مصلحته و ثوابه عما عليه سائر الافراد الأخرى، و لكنه يبقى على استحبابه و رجحانه. و من هذا الباب صوم يوم عاشوراء فهو مستحب فعلا. و بما انه ليس من متعارف المكلفين الإتيان بجميع افراد الصوم في جميع أيام السنة و انما يؤتي ببعضها كيوم في كل أسبوع أو نحو ذلك، يوجه النهي إلى الفرد المحفوف بالحزازة الموجبة لقلة ثوابه إرشادا إلى أولوية الإتيان بغير هذا الفرد بدلا عنه، فكأنه يقال لمن يريد ان يصوم يوما في الأسبوع: «اترك صوم هذا اليوم و صم غيره لأنه أكثر ثوابا منه»، فالنهي إرشادي بلحاظ الحالة المتعارفة للمكلفين. و الملحوظ بأقلية الثواب سائر الافراد الأخر التي تفرض أبدالا طويلة لهذا الفرد بحسب البناء العملي للمكلفين لا بحسب جعل الحكم فانه مما لا بدل له في مقام الجعل لأن كل فرد مستحب في نفسه.

و هذا الحل و ان كان خلاف الظاهر لكنه مما لا بد منه في حل الإشكال لسلامته عن الخدشة.

و مرجعه إلى رجوع النهي إلى ترجيح سائر الافراد لتحقق المزاحمة بحسب عادة المكلفين.

هذا، مع انا التزمنا في الفقه عدم استحباب صوم يوم عاشوراء

127

بخصوصيته، بل هو حرام لأنه تشريع، و ذكرنا ان روايات المنع‏ (1) ناظرة إلى هذا المعنى فقط، فلا إشكال فيه. فالتفت.

هذا تمام الكلام في القسم الأول.

اما القسم الثاني: و هو ما تعلق به النهي بذاته و كان له بدل ك: «الصلاة في الحمام».

فقد ذكر صاحب الكفاية: ان البيان الّذي ذكرناه في القسم الأول يجري في هذا القسم طابق النعل بالنعل. كما يتأتى فيه بيان آخر تقريره: ان النهي يحمل على كونه إرشادا إلى أقلية ثواب هذا الفرد عن سائر الافراد بسبب تشخصه بالخصوصية الخاصة، فان العمل قد يصير أقل مصلحة و ثوابا بسبب تشخصه ببعض الخصوصيات كالكون في الحمام بالنسبة إلى الصلاة، كما قد يصير أكثر ثوابا بسبب تشخصه ببعض آخر من الخصوصيات فتحدث فيه مزية بسببها، كالكون في المسجد. و الملحوظ في أقلية الثواب و أكثريته هو الطبيعة المأمور بها في حد نفسها المتشخصة بما لا يوجب الزيادة أو النقصان في مصلحتها كالصلاة في الدار- مثلا-.

و عليه، فلا مجال لدعوى ان الكراهة إذا كانت بمعنى قلة الثواب لزم ان تكون جميع الافراد المتفاوتة مكروهة ما عدا أفضل الافراد مع انه لا يقول به أحد.

و الوجه في بطلان هذه الدعوى: ما عرفت من الكراهة بمعنى الأقلية في الثواب بالقياس إلى مصلحة ذات العمل و ثوابه.

و هذا ملخص ما أفاده صاحب الكفاية (2).

____________

(1) الكافي 4- 146، باب صوم عرفة و عاشوراء، الأحاديث 3 إلى 7 وسائل الشيعة 7- 339 باب: 41 من أبواب الصوم المندوب.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 164- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

128

و قد تعرض المحقق النائيني إلى حل الإشكال ببيان آخر. محصله: ان النهي هنا يحمل على حقيقته من كونه نهيا تنزيهيا مولويا و لا وجه للتصرف بظاهره للتمكن من رفع الإشكال من دون تصرف. و بيان ذلك: ان النهي عن شي‏ء يرتبط بعمل واجب.

تارة: يقصد به الإرشاد إلى مانعية متعلقه عن صحة العمل، فهذا لا يستفاد سوى مانعية متعلقه عن صحة العمل كالنهي عن لبس الحرير في الصلاة، فانه إرشاد إلى مانعيته عن صحة الصلاة. و مثل هذا يستلزم تقييد إطلاق المأمور به لو كان له إطلاق بالإضافة إلى وجود القيد و عدمه.

و أخرى: يكون مولويا يتكفل الزجر عن متعلقه، و هو تارة يكون تحريميا. و أخرى يكون تنزيهيا. فان كان تحريميا استلزم تقييد إطلاق المأمور به- كما سيتضح-. و ان كان تنزيهيا لم يستلزم تقييد الإطلاق، بل لا منافاة بين تعلق الأمر و ثبوت النهي لا في مقام جعل الحكم و لا في مقام الامتثال.

اما مقام جعل الحكم، فالمنافاة المتصورة هي تعلق الحكمين بشي‏ء واحد فيلزم التضاد، و هي غير موجودة، لأن متعلق الأمر غير متعلق النهي، لأن الأمر يتعلق بصرف وجود الطبيعة و النهي متعلق بالفرد الخاصّ، و اختلاف المتعلق يرفع التضاد.

و اما مقام الامتثال، فلان تعلق الحكم بصرف الوجود يستلزم حكم العقل بترخيص المكلف في تطبيق المأمور به على أي فرد شاء و لو كان هو الفرد المكروه، و هذا لا يتنافى مع كراهة العمل، كما لا يخفى.

نعم، لو كان الفرد محرما لم يجتمع التحريم مع الترخيص في إتيان هذا الفرد امتثالا للأمر لعدم اجتماع المنع و الترخيص، و لذا كان التحريم مقيدا لإطلاق المأمور به كما أشرنا إليه.

129

هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) (1). و مرجعه إلى بيان عدم اتحاد متعلق الحكمين و عدم المنافاة بين الحكم بالترخيص و الكراهة.

و هذا الوجه غير مسلم فانه لا يمكن ان تكون الطبيعة متعلقة للأمر و الفرد متعلقا للنهي التنزيهي، و ذلك لأن الفرد إذا اشتمل على مفسدة فاما إن تغلب المفسدة على المصلحة، أو تغلب المصلحة على المفسدة، أو يتساويان. فمع غلبة المفسدة تتعلق به الكراهة، لكنه لا يكون واجدا لملاك الأمر لفرض غلبة المفسدة و اضمحلال المصلحة في قبالها فلا يتحقق به الامتثال و هو خلاف الفرض، لأن الفرض عدم تقيد إطلاق الأمر. و ان كان الغالب هو المصلحة لم تتعلق الكراهة بالفرد لعدم ملاكها. و ان تساويا كان الفرد مباحا، فلا يقع على صفة الوجوب أو الاستحباب، كما لا يقع على صفة الكراهة. فالجمع بين الأمر بالطبيعة بحيث يشمل بإطلاقه هذا الفرد و النهي عن الفرد غير ممكن. فالمحذور الّذي ذكرناه في تقريب تنافي الأحكام و ان لم يصطلح عليه بالتضاد، بعينه جار فيما نحن فيه فلا يمكن الجمع بين الحكمين.

و أما ما ذكره من منافاة الحرمة للترخيص و عدم منافاة الكراهة له، فهو غير تام أيضا، لأن المراد بالترخيص اما الترخيص الشرعي أو الترخيص العقلي.

فان كان المراد هو الترخيص الشرعي، بمعنى حكم الشارع بإباحة تطبيق الطبيعي المأمور به على كل فرد من افراده، فانه يكون بأحد وجهين:

أحدهما: ان يدعى ان حكمه بوجوب الطبيعة لازمه الحكم بالإباحة، ففي مورد الوجوب هناك حكمان، حكم بوجوب صرف الوجود و حكم بإباحة تطبيق الطبيعة على كل فرد.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 362- الطبعة الأولى.

130

و هذا الوجه لا دليل عليه، بل الوجدان شاهد على خلافه، فانه ليس في المقام الا حكم واحد لا حكمان. كما لا يخفى.

الثاني: ان تطبيق الطبيعة على كل فرد واقعة من الوقائع، فلا بد ان يكون لها حكم لامتناع خلو الواقعة من الحكم، و لا بد ان يكون هو الإباحة لا الوجوب، لأن الإلزام يتنافى مع كون العموم بدليا و كون المتعلق صرف الوجود.

و فيه:

أولا: أنه ينقض بالطبيعة المباحة كشرب الماء، فان تطبيق الطبيعة على كل فرد واقعة مع انه لا يلتزم أحد بان كل فرد مباح، و تطبيق الطبيعي على فرده مباح أيضا و له حكم غير حكم الأفراد.

و ثانيا: ان لزوم عدم خلو الواقعة عن الحكم انما ثبت في مورد يكون المكلف متحيرا في مقام العمل، اما مع عدم تحيره عملا فلا دليل على لزوم ثبوت الحكم له، كما لو أمر بأحد المتلازمين، فانه لا يلزم ان يكون للملازم الآخر حكم لعدم تحير المكلف في مقام العمل بالنسبة إليه. و ما نحن فيه من هذا القبيل. فانه بعد وجوب صرف الوجود المنطبق على أي فرد بمقتضى الإطلاق فلا تحير في ان التطبيق لا مانع منه.

و إن أريد من الترخيص هو الترخيص العقلي، كما هو الظاهر. فمن الواضح ان واقع الترخيص العقلي ليس حكم العقل بالإباحة و إطلاق العنان للمكلف، بل واقعه إدراك العقل عدم دخل الخصوصية وجودا و عدما في المأمور به و أي فرد جي‏ء به يكون امتثالا للأمر.

و هذا المعنى لا يتنافى مع كراهة الفرد كما أفاد (قدس سره). لكنه لا يتنافى مع التحريم أيضا، إذ أي منافاة بين حرمة الفرد و بين إدراك عدم دخل خصوصية في المأمور به، و انه لو جي‏ء به يكون مصداقا للمأمور به؟.

نعم، لو كان الترخيص العقلي يرجع إلى حكم العقل بإطلاق العنان على‏

131

حد الترخيص الشرعي كان منافيا مع تحريم الفرد، لكنه ليس كذلك.

و بالجملة: التفرقة بين الكراهة و التحريم في هذا الأمر لا وجه لها.

هذا كله مع ان الالتزام بكراهة الفرد و وجوب الطبيعة يلزمه وقوع التزاحم بين الحكمين، و هو تزاحم دائمي، فيرجع إلى التعارض بينهما على رأيه، و كون أحدهما موسعا و الآخر مضيقا لا يجدي بعد ان فرض مثل هذا المورد من موارد التزاحم.

و أما ما ذكره في مقام الاعتراض على صاحب الكفاية من ان صرف النهي عن ظاهره و هو طلب الترك إلى كونه إرشاديا لا وجه له.

فليس كما ينبغي، لأن كون النهي إرشاديا و إن كان خلاف الظاهر، لكن حقيقته على بعض المباني أيضا طلب الترك فهو حكم إنشائي لكنه على موضوع خاص. و قد بنى على ذلك الفقيه الهمداني‏ (1) و تابعناه عليه، و لذلك آثار فقهية جمة.

فالتفت.

فالأولى في حل الإشكال أن يقال: ان النهي مولوي تنزيهي ناشئ عن حزازة و مفسدة في متعلقه، إلا ان متعلقه ليس هو الفرد، بل هو تقيد الفرد بالخصوصية الكذائية، فنفس إيقاع الصلاة في الحمام منهي عنه من دون ان يكون النهي متعلقا بالصلاة أو الكون في الحمام.

و قد تقدم منا انه لا مانع من ان يكون العمل متعلقا لحكم و تخصصه بخصوصية متعلقا لحكم آخر، و أنه لا يلزم اجتماع الضدين في شي‏ء واحد.

و عليه، فلا يلزم محذور التضاد على هذا التوجيه.

و اما التزاحم، فهو غير لازم، لأن المأمور به مطلق من جهة هذا الفرد و غيره، و النهي مختص بهذه الخصوصية المعينة. و من الواضح أنه لا تزاحم في مثل‏

____________

(1) الهمداني المحقق آقا رضا. مصباح الفقيه- 133- كتاب الصلاة- الطبعة الأولى.

132

ذلك نظير الموسع و المضيق، فانك عرفت انه لا مزاحمة بينهما أصلا.

و هذا الحل أولى مما ذهب إليه صاحب الكفاية من حمل النهي على كونه إرشاديا، لأنه خلاف ظاهره، فان ظاهر النهي كونه مولويا.

و اما ما ذكرناه، فهو قريب من ظاهر الكلام لو لم نقل بأنه ظاهر منه. فتدبر.

و اما القسم الثالث: فقد ذكر صاحب الكفاية انه يمكن ان يحل فيه الإشكال بوجهين:

أحدهما: أن يكون النهي في الحقيقة متعلقا بالعنوان المتحد أو الملازم مع المأمور به، و نسبة النهي إلى المأمور به بالعرض و المجاز، فيختلف متعلق الأمر عن متعلق النهي، و يكون النهي على هذا الوجه على حقيقته مولويا.

الآخر: أن يكون النهي إرشادا إلى أولوية الإتيان بغير هذا الفرد فرارا عن الحزازة الموجودة في الملازم أو المتحد مع الفرد، و التي يبتلي بها المكلف لا محالة.

هذا بناء على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي.

اما بناء على القول بامتناع الاجتماع، فان كان العنوان ذو الحزازة ملازما للمأمور به جرى في حل الإشكال كلا الوجهين، كما لا يخفى. و اما إذا كان متحدا مع المأمور به لم يجر فيه الوجه الأول لاتحاد متعلق الأمر و النهي لعدم القول بان تعدد العنوان يستلزم تعدد المعنون لأنه المفروض. و يكون المورد من القسم الثاني، لأن العنوان المنطبق على المأمور به يكون من خصوصياته المستلزمة لنقصان مصلحته و قلة ثوابه.

و عليه، فيتأتى فيه ما ذكرناه من كون النهي إرشادا إلى قلة الثواب، و المراد بالكراهة أقلية الثواب لا النهي التنزيهي المولوي.

133

هذا ملخص ما جاء في الكفاية مع شي‏ء من التوضيح‏ (1).

و يتضح لدينا أنه يرجع هذا القسم- في صورة اتحاد العنوان و القول بالامتناع- إلى القسم الثاني و يجعله من مصاديقه، و لذلك يجري فيه ما أجراه في ذلك القسم.

و قد تابعة على ذلك المحقق النائيني، و لذلك ذكر جريان الحل الّذي ذكره في القسم الثاني في هذا القسم، فذكر ان الأمر متعلق بالطبيعة و النهي متعلق بالفرد (2).

و الحق ما ذكره صاحب الكفاية من وحدة القسمين، و قد عرفت ان حل الإشكال بنحو ثالث هو الأسلم و المتعين، و هو الالتزام بان متعلق النهي هو التقيد بالخصوصية و إيقاع العمل في المكان الخاصّ. فراجع.

هذا تمام الكلام في هذا الدليل.

و نلحق به دليلا آخر، و هو ما ذكره صاحب الكفاية من الوجه العرفي و محصله: ان أهل العرف يعدون من امر بالخياطة و نهي عن الكون في الدار مطيعا و عاصيا لو جاء بالخياطة في الدار، و هذا يكشف عن اجتماع الحكمين في أمر واحد.

و الجواب عنه كما ذكره صاحب الكفاية من: ان وجود الخياطة غير وجود الكون في الدار و ليسا هما متحدين في الوجود. هذا أولا.

و ثانيا: انه لا معنى للاستدلال بهذا الوجه في قبال البرهان على الامتناع، و نحن لا ننكر وجود هذا الحكم عرفا في مثل المثال، إلّا ان الحكم بالإطاعة في الأمر التوصلي كأمر الخياطة بلحاظ ترتب الغرض عليه، لأن الغرض من الأمر

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 165- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 364- الطبعة الأولى.

134

التوصلي يترتب و لو كان بالفرد المحرم لا بلحاظ تحقق الامتثال. فتدبر جيدا (1).

بقي شي‏ء، و هو ما ذكره في الكفاية من وجود القول بالتفصيل بين العقل و العرف، فالأوّل يرى الجواز و الثاني يرى الامتناع، لأن ما يراه العقل بدقته متعددا يراه العرف واحدا.

و قد ناقشه صاحب الكفاية- كما مر- بان العرف لا سبيل إليه إلى الحكم بالجواز و الامتناع فانه محكم في مفاهيم الألفاظ لا غير، و اما وحدة المجمع بنظره فليس مجديا لأن نظره في تشخيص المصاديق غير معتبر جزما و البحث ليس عن مدلول اللفظ.

ثم، ان هذا الكلام كله في الجهة الأولى من البحث، و هي البحث عن الجواز و الامتناع من حيث التضاد.

و اما الكلام في الجهة الثانية- أعني جهة وقوع التزاحم بين الحكمين على تقدير القول بالجواز من الجهة الأولى-، فيقع البحث فيها عند التعرض لثمرة المسألة التي قد ذكرنا جزء منها فيما تقدم. لأنا نجري في البحث على أسلوب الكفاية.

و لأجل ذلك نتعرض فعلا للكلام في مسألة الاضطرار.

التنبيه الثاني: و موضوعه الاضطرار إلى الحرام‏

. قد عرفت انه بناء على امتناع اجتماع الأمر و النهي و تقديم جانب الحرمة لغلبة ملاكها على ملاك الأمر لا يقع الفعل المجمع صحيحا لأنه يكون مبغوضا مبعدا و قد ذكر صاحب الكفاية: أنه إذا اضطر إلى الحرام فاما ان يكون الاضطرار قهريا ليس بالاختيار أو يكون اختياريا. فان كان قهريا استلزم رفع الحرمة و المبغوضية و لم يكن ملاك التحريم مؤثرا في هذا الحال، فيكون ملاك الأمر

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 166- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

135

بلا مزاحم فيؤثر في الأمر فيلزم صحة العمل العبادي الّذي به يتحقق الحرام لارتفاع المانع. و ان كان الاضطرار اختياريا استلزم رفع الحرمة لامتناع التكليف بغير المقدور عقلا، إلّا ان الفعل يبقى مبغوضا و ذا مفسدة مؤثرة في مبعديته، فلا يكون المجمع صحيحا لوجود المانع عن المقربية (1).

ثمّ ان محل الكلام الّذي عقد له صاحب الكفاية هذا التنبيه ليس ذلك، بل هذا مقدمة للوصول إلى محل الكلام و تحرير البحث فيه و هو ما إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار و اتفق كون الفعل المضطر إليه مقدمة لواجب، فقد تعددت الأقوال في هذا الفعل.

و قبل التعرض إلى ذلك نودّ التنبيه على تساؤل يدور حول كلام صاحب الكفاية في القسم الأول من أقسام الاضطرار.

و هو: أنه توصل إلى تصحيح العمل المحرم المضطر إليه بوجود الملاك و تأثيره في الحكم.

مع أن هناك طريقا لذلك أسهل و أسلم من هذا الطريق و هو ان يقول:

أنه إذا ارتفعت الحرمة بالاضطرار زال المانع عن شمول إطلاق دليل الحكم الوجوبيّ للمورد، فإذا كان المورد مشمولا لإطلاق الوجوب ثبت الحكم.

و هذا وجه سالم عما يرد على الأول من أنه بأي طريق نحرز وجود ملاك الوجوب؟ ثم انه إذا كان ثابتا في حال فعلية الحرمة، فأي طريق لنا لإثباته بعد ارتفاع الحرمة؟.

و بالجملة: النحو الّذي ذكره صاحب الكفاية لا يخلو عن التواء. و هذا تساؤل لم نر له حلا فعلا. فالتفت.

و قد ذكر المحقق النائيني (قدس سره) في مقدمة هذا التنبيه: ان القيود العدمية المعتبرة في المأمور به بحيث تحدد الحكم و تجعله مختصا بمورد دون آخر

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 167- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

136

على ثلاثة أقسام:

الأول: أن تكون مدلولة للنهي الغيري ابتداء، فيكون النهي نهيا إرشاديا يفيد مانعية متعلقه عن صحة العمل المحفوف به كالنهي الوارد عن لبس الحرير في الصلاة، و هذا لا يرتفع بالاضطرار إذا كان دليله مطلقا، فانه يفيد أن المانعية تثبت في كلا الحالين- الاختيار و الاضطرار-، فلا تسقط المانعية في حال الاضطرار و لا محذور فيه.

و قد أفيد في مباحث الأقل و الأكثر: ان تقيد العمل بشي‏ء وجودا و عدما قد يؤخذ مختصا بحال دون آخر و قد يؤخذ في مطلق الأحوال. فراجع.

الثاني: أن تكون تابعة للنهي النفسيّ الدال على التحريم، فيستفاد منه مانعية متعلقة عن صحة العمل، كما في مورد الاجتماع بناء على الامتناع من الجهة الأولى. و لكن المانعية تارة يقال إنها في طول الحرمة و تابعة لها كما هو المشهور. و أخرى يقال إنها في عرضها بمعنى ان النهي يستفاد منه في عرض واحد الحرمة و المانعية.

فعلى الأول: يكون الاضطرار رافعا للحرمة و المانعية، لأن المفروض كون المانعية تابعة للحرمة، فإذا زالت الحرمة زالت المانعية فيصح العمل.

و على الثاني: لا يرفع الاضطرار المانعية و انما يرفع الحرمة فقط، إذ المانعية لا تنافي الاضطرار كما عرفت، و المفروض عدم إناطتها بالحرمة.

الثالث: ان تكون ثابتة لأجل مزاحمة المأمور به مع المنهي عنه- كما هو الحال لو قيل بالجواز من الجهة الأولى، فانه يقع التزاحم بين الحكمين-، فيرتفع الأمر باعتبار المزاحمة، ففي مثله لو حصل الاضطرار يبقى الأمر لارتفاع الحرمة و زوال المزاحمة لأن أساسها كون الحكم فعليا و لا فعلية للحرمة مع الاضطرار (1).

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 371- الطبعة الأولى.

137

هذه خلاصة ما أفاده المحقق النائيني، و يمكن ان يجعل ما أفاده في القسم الثاني من التفصيل بين نحوي النهي تعريضا بصاحب الكفاية حيث أطلق الحكم بثبوت الأمر بمجرد ارتفاع الحرمة. و تنبيها على ان زوال الحرمة لا يكفى في ثبوت الأمر ما لم تزل المانعية و هي إنما تزول على تقدير دون آخر.

و قد أورد عليه السيد الخوئي في تعليقته- كما جاء ذلك أيضا في المحاضرات مفصلا (1)-. بان ما قربه من عدم كون سقوط الأمر و تقيده بغير مورد الحرمة في طول التحريم و معلولا له. صحيح لأن عدم أحد الضدين ليس معلولا لوجود الضد الآخر، بل هما في رتبة واحدة إلا ان انتفاء الوجوب و إن كان في عرض ثبوت الحرمة ثبوتا لكنه ليس كذلك إثباتا، فان الدليل الدال على الحرمة بالمطابقة يدل عليه بالالتزام، إذ بعد منافاة ثبوت الحرمة لثبوت الوجوب، فما يدل على ثبوت الحرمة يدل على عدم ثبوت الوجوب التزاما. و بما ان بنينا على تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية وجوبا و حجية. فإذا حصل الاضطرار و ارتفعت الحرمة و لم يكن دليلها شاملا لهذه الحال فلا دليل على انتفاء الوجوب و تقيده حينئذ، إذ دليل الحرمة لا يتكفل ذلك لعدم حجيته في المدلول الالتزامي بعد عدم حجيته في المدلول المطابقي. فيكون إطلاق الوجوب محكما (2).

أقول: هذا الإيراد ليس بتام و أجنبي عن محل الكلام، فان محل الكلام في الدلالة الالتزامية و الّذي يبحث في تبعيته في الحجية للدلالة المطابقية انما هو الدلالة الالتزامية العرفية. اما غير العرفية فليس مورد الكلام، و ما نحن فيه ليس من موارد الدلالة الالتزامية العرفية، فان ارتفاع الوجوب في المجمع عند ثبوت الحرمة ليس من الأمور العرفية الظاهرة، كيف؟ و قد عرفت انها محل الكلام‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 4- 348- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 371 هامش رقم (1)- الطبعة الأولى.

138

الدّقيق و النقض و الإبرام. و انما هو يكون بحكم العقل و قد تقدم انها تتبع الدلالة المطابقية بلا كلام.

فان قلت: محل الكلام فيما نحن فيه هو معرفة ان المجمع وجود واحد أو متعدد، و هذا لا ينافي كون ارتفاع الوجوب بالدلالة الالتزامية العرفية.

بيان ذلك: ان العرف يستظهر من دليل التحريم ارتفاع الوجوب عن مورد اما تعيين المورد فهذا ليس من شأنه، فلو ثبت المورد بالدقة العقلية ثبت له الحكم بحسب الظهور العرفي من دليله، كما يثبت له نفس التحريم و يقال ان الحرمة ثابتة له بالدليل الظاهر عرفا.

و بالجملة: المقصود بالدلالة العرفية هي ما يستظهره العرف من الدليل من الحكم الكلي على الموضوع الكلي في قبال ما يكون المدلول ثابتا بحكم العقل لا بفهم العرف، اما تعيين المصاديق فليس من شأن العرف و ذلك لا ينافى الظهور العرفي من الدليل.

و هذا المعنى يتأتى في الدلالة المطابقية كما لا يخفى جدا. و البحث في مسألة اجتماع الأمر و النهي انما هو عن تعيين المصداق و ان الصلاة في الدار المغصوبة هل هي غصب فيرتفع الوجوب عنها أول فلا يرتفع. و إلّا فأصل الدلالة العرفية ثابتة.

قلت: البحث في هذه المسألة لا ينحصر في تعيين المصداق، بل يأتي الكلام في الجواز و الامتناع حتى مع تسليم وحدة وجود الصلاة و الغصب بلحاظ تعدد العنوان و انه متعلق الحكم فيتعدد، أو انه ليس متعلق الحكم فلا يجدي تعدده.

و عليه، فالقدر المسلم من الدلالة الالتزامية العرفية من دليل تحريم الغصب هو ارتفاع الوجوب عن الغصب فيما إذا لم يكن بعنوان آخر. أما إذا كان بعنوان آخر فلا دلالة عرفية على ارتفاعه، لأنه يتوقف على مقدمة عقلية

139

و هي كون متعلق الحكم هو المعنون لا العنوان، أو نظير ذلك مما يقول به القائل بالامتناع.

و بالجملة: ارتفاع الوجوب و تقييده بغير مورد الحرمة في مورد الاجتماع على الامتناع ليس أمرا عرفيا يستظهره العرف من الدليل مباشرة فتحرير الكلام في ذلك و نقل البحث إلى تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة للمطابقية لا يخلو عن غفلة و تسامح.

و مما ذكرنا يظهر الإشكال فيما أفاده المحقق النائيني (قدس سره)، فان ارتفاع الوجوب عند ثبوت الحرمة إذا كان بحكم العقل، و لأجل الملازمة العقلية بين ثبوت الحرمة و عدم الوجوب. فإذا ارتفعت الحرمة بالاضطرار لم يكن هناك ما يقتضي عدم الوجوب عقلا فيحكّم إطلاق دليل الوجوب و يثبت الوجوب في مورد الاضطرار.

و لا وجه للترديد المزبور أصلا، سواء كان نظره في التبعية و عدمها في مقام الإثبات أو الثبوت، و إن كان تقريبه عدم التبعية ثبوتا في محله، إذ عدم أحد الضدين في عرض وجود الضد الآخر لا في طوله.

هذا مع ما في التعبير بان القيدية و الحرمة معلولان للنهي من المسامحة الظاهرة، فان الحرمة ليست معلولة للنهي، بل هي معنى النهي كما عرفت. مع ان العلية و المعلولية في مثل ذلك مما لا وجه لها. فتدبر جيدا.

هذا كله فيما إذا كان الاضطرار بدون اختيار.

أما إذا كان الاضطرار بالاختيار فقد عرفت ان المضطر إليه يبقى على ما كان عليه من المبغوضية و المبعدية و ان زالت الحرمة، لاستحالة التكليف بغير المقدور.

و قد ذكرنا ان محل الكلام ليس هذا، بل محل الكلام ما إذا كان المضطر إليه مقدمة لواجب اتفاقا أو دائما ...

140

فهل يكون ذلك موجبا لرفع مبغوضيته أولا؟ ..

و مثاله المعروف هو: التوسط في الأرض المغصوبة كما إذا دخل باختياره إلى الأرض المغصوبة و أراد الخروج بعد الدخول، فانه يكون غصبا لكنه مقدمة للتخلص عن الغصب الزائد الحاصل بالبقاء.

و الأقوال متعددة:

فقول: بان الخروج يقع محرما لأن الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار خطابا و عقابا (1).

و قول: بأنه يقع مبغوضا غير محرم، لعدم منافاة الاضطرار بالاختيار ثبوت العقاب و منافاته ثبوت الخطاب. و هذا هو رأي صاحب الكفاية (2).

و قول: بأنه يقع مطلوبا و لا يكون مبغوضا، و هو رأي الشيخ الأنصاري (قدس سره) (3) و قد استدل (رحمه الله) على دعواه- كما نقله صاحب الكفاية عن تقريرات بحثه‏ (4)- بما بيانه: ان التصرف في أرض الغير بدون إذنه بالدخول و البقاء حرام بلا كلام.

و أما الخروج فهو لا يقع محرما أصلا، إذ لا يتعلق به التحريم قبل الدخول لأنه لا يتمكن من الخروج و عدمه قبل الدخول، و دعوى التمكن من ترك الخروج بترك الدخول مسامحة ظاهرة، لأنه في الحقيقة انما ترك الدخول و لا يصدق ترك الخروج إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، نظير من لم يشرب الخمر لعدم الوقوع في المهلكة فانه لا يصدق إلا انه لم يقع في المهلكة لا انه لم يشرب الخمر فيها إلا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

____________

(1) القمي المحقق ميرزا أبو القاسم. قوانين الأصول 1- 140- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 168- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 155- الطبعة الأولى.

(4) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 169- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

141

و أما بعد الدخول فلا يقع محرما، لأنه مما يترتب عليه التخلص عن الحرام فلا يمكن اتصافه بغير المحبوبية، نظير شرب الخمر الّذي يتوقف عليه النجاة من الهلكة.

و أورد عليه صاحب الكفاية:

أولا: بالنقض بالبقاء، فان البقاء قبل الدخول غير مقدور فكيف فرض تعلق التكليف به.

و ثانيا: بان الخروج و تركه مقدور قبل الدخول، إلّا أنه بالواسطة على عكس نفس الدخول فانه مقدور بدون واسطة. و من الواضح انه لا يعتبر في صحة التكليف أكثر من القدرة سواء كان بواسطة أو بغيرها، نظير مطلق الأفعال التوليدية التي تكون اختياريتها باختيارية أسبابها.

و أما دعوى انه لا يصدق الترك إلا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فهي لو سلمت غير ضائرة، فان المعتبر هو التمكن من الترك بأي نحو حصل، فان مطلق التمكن يصحح التكليف.

و أما ما ذكره من ان الخروج يكون مما يتوقف عليه التخلص عن الحرام نظير شرب الخمر الّذي يتوقف عليه النجاة من الهلكة، فهو إنما ينفع في وجوب الخروج لو لم يكن مبغوضا للمولى، و منه يظهر أن شرب الخمر يقع مبغوضا إذا كان الوقوع في المهلكة لولاه بسوء اختياره و لا يخرج بذلك عما هو عليه من المبغوضية.

هذا خلاصة إشكال صاحب الكفاية على الشيخ (قدس سرهما) (1).

و يستخلص منها: ان الخلاف بين العلمين (قدس سرهما) يتمركز على صحة التكليف بترك الخروج قبل الدخول، فيذهب إليه صاحب الكفاية فيرى‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 170- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

142

ان الخروج الناشئ عن اختيار الدخول يقع مبغوضا لأنه عصيان للنهي السابق.

و يذهب إلى عدمه الشيخ (رحمه الله) لعدم كون الترك مقدورا قبل الدخول فلا يصح التكليف.

و الّذي يظهر من كلام الكفاية ان الشيخ يشترط في صحة التكليف القدرة المباشرية على متعلقه و عدم صحته مع القدرة عليه بالواسطة.

و لكن مثل هذا يبعد جدا صدوره من الشيخ، فانه ممن يلتزم بالواجب المعلق مع عدم القدرة على الواجب في ظرف الوجوب.

و الّذي يبدو لنا أن مراد الشيخ شي‏ء آخر و هو: ان الخروج له فرضان و لحاظان. أحدهما: فرض الخروج في ظرف ما قبل الدخول. و الآخر: فرضه في ظرف ما بعد الدخول. و من الواضح ان الخروج باللحاظ الأول غير مقدور، فانه قبل الدخول غير قابل لاعمال الإرادة فيه إيجادا أو تركا، بل تركه متحقق قهرا بترك الدخول، فهو في هذا الظرف متروك في نفسه.

و بما ان التكليف انما هو لأجل إعمال الإرادة و الاختيار في متعلقه لم يصح تعلق التكليف بالخروج في هذا الظرف، لأنه غير قابل لإعمال الإرادة فيه.

نعم، الخروج في الظرف الآخر- أعني ظرف ما بعد الدخول- مما يقبل إعمال الإرادة فيه في نفسه، إلا انه حيث يقع مورد الاضطرار و مقدمة للتخلص عن الحرام لم يصح تعلق التكليف فيه، فهو غير قابل للتحريم في حال من حاليه. و هذا بخلاف البقاء، فانه بعد الدخول قابل للتحريم، لأنه لا يقع مقدمة للواجب، و لم يظهر من كلام الشيخ انه يرى ان البقاء محرم قبل الدخول كي يكون موردا للنقض.

بهذا البيان لمراد الشيخ يظهر ان إيراد الكفاية بعيد كل البعد عن مرامه.

فانه لا يدعي ان المقدور بالواسطة لا يصح التكليف به، بل يلتزم بصحة التكليف به إذا كانت إراديته بإرادية الواسطة كالمسببات التوليدية، و ليس‏

143

الخروج منها، إذ هو لا يتحقق بمجرد الدخول، بل يبقى اختيار المكلف بالنسبة إليه محفوظا بعد الدخول.

و الّذي يتوجه على الشيخ إجمالا: أن الخروج بعد الدخول و إن كان مورد الاضطرار، إلّا انه لمكان مشتملا على مفسدة التحريم و كان الاضطرار إليه اختياريا يكون مبغوضا و إن لم يكن محرما، للزوم تحصيل الغرض الملزم عقلا، نظير موارد الاضطرار إلى المحرم إذا كان بالاختيار، فانه يلتزم بوقوع العمل مبغوضا للمولى. فانتبه.

ثم أن وضوح كلام الشيخ و مراده و وضوح صحته و عدم صحته، بل وضوح الحقيقة في هذه المسألة، يتوقف على معرفة موضوع الكلام و تشخيص المراد بالاضطرار، إذ يتساءل بان الخروج لا يكون مضطرا إليه، إذ يتمكن المكلف من تركه و فعله.

فنقول: ان موضوع البحث يمكن أن يبين بنحوين:

أحدهما: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من: ان الخروج ليس مورد الاضطرار فلا يدخل المورد تحت قاعدة: «الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار»، فالبحث إنما يقع في التزاحم الحاصل بين حرمة الخروج و وجوب التخلص عن الغصب الزائد، فالمورد من موارد التزاحم بين الحكمين بسوء الاختيار (1).

و هذا الرّأي مخدوش فيه:

أو لا: بأنه يستلزم إلحاق المسألة بباب التزاحم، و هذا مما يأتي الكلام فيه فيبحث هناك عن حكم التزاحم الحاصل بالاختيار، فلا وجه لجعلها مسألة مستقلة و تحت عنوان مستقل و هو عنوان الاضطرار إلى الحرام.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 376- الطبعة الأولى.

144

و ثانيا: أنه في نفسه غير صحيح لتحقق الاضطرار إلى الحرام كما سيتضح في البيان الثاني.

و ثانيهما: أن يقال أن الخروج مورد للاضطرار ببيان: أن من يدخل إلى الأرض المغصوبة.

تارة: يضطر إلى الخروج بحيث لا يتمكن من البقاء أصلا، و هذا خارج عما نحن فيه.

و أخرى: لا يضطر إلى خصوص الخروج و انما يضطر إلى الغصب بمقدار زمان الخروج و لا يتمكن من تركه بهذا المقدار، إلا انه مردد بين فردين الخروج و البقاء. و هذا هو محل الكلام. فنقول: انّ حرمة الغصب و إن كانت ثابتة بنحو الاستغراق لافراده، إلا انه حيث لا يمكن الجمع بين حرمة الخروج و حرمة البقاء يقع التزاحم بينهما و هو تزاحم دائمي، لأنه لا يمكن الجمع بين حرمتيهما في وقت من الأوقات لأنهما ضدان لا ثالث لهما. فيتعين أن يكون النهي عن صرف وجود الغصب. فالمطلوب هو ترك صرف الوجود بمعنى أول الوجود. و ذلك: لأن تعلق الحكم بكلا الفردين محال لعدم القدرة على تركهما، و تعلقه بأحدهما المعين ترجيح بلا مرجح، فلا بد ان يتعلق بصرف الوجود المنطبق على ما يحصل منهما أولا.

و من الواضح ان صرف الوجود مما يضطر إليه المكلف لاضطراره إلى الغصب فترتفع حرمته قهرا و إن بقي على ما هو عليه من المبغوضية، فإذا تحقق صرف الوجود بالخروج كان الخروج مما اضطر إليه، فالاضطرار إلى الخروج الحاصل عقلي للاضطرار إلى صرف الوجود المنطبق عليه.

و هذا البيان واضح لا غبار عليه و مقتضاه ان كلّا من الخروج و البقاء لا يقع محرما.

إلا انه انما يتم ذلك فيما لو لم يكن البقاء مستلزما للغصب الزائد، كما إذا

145

علم بارتفاع الغصب بعد مرور مقدار زمان الخروج، فانه يكون مخيرا بين الخروج و البقاء لعدم المرجح.

أما إذا كان البقاء مستلزما للغصب الزائد، فلا بد من الالتزام بحرمته دون الخروج، لأن المقتضي لحرمته موجود من دون أي مانع بخلاف الخروج، فان المقتضي و إن كان موجودا لكنه محتف بالمانع و هو كونه مقدمة للواجب، و هو التخلص عن الحرام الزائد و تركه. فيكون البقاء حراما دون الخروج، فبهذا البيان يكون تعين أحدهما المعين و هو البقاء بمعين و مرجح، و لأجل ذلك التزم الكل بحرمة البقاء مع منافاته للبيان الأول.

و عليه، فيقع البحث في ان المقدمية هل تستلزم رفع جهة المبغوضية في الخروج أو لا تستلزم ذلك، بل يبقى على ما هو عليه من المبغوضية؟.

و الّذي يمكن ان يذكر في إثبات وقوع الخروج مبغوضا فعلا وجهان:

الأول: ما ذكره صاحب الكفاية من تعلق النهي السابق- يعني قبل الدخول- بالخروج، و هذا النهي و إن سقط للاضطرار عقلا، لكن متعلقه يقع مبغوضا لكونه اختياريا بالواسطة، فهو نظير قتل النّفس الناشئ من الرّمي، فان تحريمه يرتفع بعد الرمي لعدم كونه اختياريا في ذلك الحال، لكنه يقع مبغوضا و لذا يعاقب عليه العبد.

ثم ذكر: انه يمتنع ارتفاع المبغوضية لأجل المقدمية و احتفافها بما يوجب المحبوبية، لأنه يستلزم تعليق التحريم على إرادة عدم الدخول و عدم التحريم على إرادة الدخول. و من الواضح ان هذا ممتنع، فان التعليق المزبور يمنع من تأثير الحرمة في الزاجرية و الداعوية بنحو الترك فيكون جعلها لغوا (1).

و هذا الوجه يندفع:

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 168- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

146

أولا: بما تقدم من استحالة تعلق الحرمة بالخروج في فرض عدم الدخول فلا حرمة سابقة في البين.

و ثانيا: بأنه لو فرض إمكان تعلقها بالخروج قبل الدخول و عدم استحالته فهي غير ثابتة لما سيأتي في دفع الوجه الثاني.

الثاني: أن الخروج و إن كان مما يتوقف عليه الواجب لكن بما انه مبغوض في نفسه و كان الوقوع فيه ناشئا عن الاختيار لم ترتفع مبغوضيته و إن كان مما لا بد منه عقلا فرارا من أشد القبيحين، فهو نظير ما لو اضطر لشرب الخمر بسوء اختياره، فانه يعاقب على ذلك، و إن لم يكن محرما عليه فعلا لاضطراره إليه.

و فيه: ان الخروج المضطر إليه و ان كان مبغوضا في نفسه للجزم بعدم اختلافه عن سائر افراد الغصب، إلا انه حيث تتزاحم المبغوضيتان و هما مبغوضية الخروج و مبغوضية الغصب الزائد، فالمولى يحكم بتقديم مبغوضية الغصب الزائد و ترتفع مبغوضية الخروج، و المراد بالمبغوضية المرتفعة المبغوضية التي تكون مورد الأثر من مبعدية و عقاب و لوم و عتاب- و هي محل الكلام- لا المبغوضية الطبعية فانها موجودة في جميع موارد التزاحم، و هذا أمر وجداني لا يختلف فيه اثنان فان من يرى نفسه مضطرا إلى قطع يده لحفظ حياته يكره قطع يده لكن لا يعاقب من يباشر القطع. و لا يختلف في ذلك ما إذا كان الاضطرار قهريا أو كان اختياريا.

نعم، في صورة الاضطرار الاختياري تتعلق المبغوضية العملية بتحريم المولى و جعله مضطرا إلى ما هو مبغوض لديه ذاتا. فان من فعل فعلا استلزم توقف حياة الغير على قطع يده فانه لا يتوقف المضطر في قطع يده و يأمر الطبيب بذلك لكنه يعاقبه أو يلومه على تحريمه و جعله مضطرا إلى ذلك لا على نفس قطع يده.

147

و بالجملة: الوجدان يشهد على ارتفاع المبغوضية العملية بالمزاحمة و إن بقيت المبغوضية الطبيعة سواء كان التزاحم بالاختيار أم بدونه.

و من هنا يظهر انه لو فرض معقولية تعلق التحريم السابق بالخروج، فهو غير ثابت لارتفاع ملاك التحريم بالمزاحمة دائما، و عدم كون الخروج مبغوضا في ظرف تحققه.

و أما ما ذكره صاحب الكفاية من المحذور العقلي لو ارتفعت مبغوضية الخروج، فهو لا يستلزم ثبوت التحريم و استمرار أثره، بل يستلزم عدم ثبوته.

و ذلك لأن مقتضى المحذور العقلي هو الملازمة بين ثبوت الحرمة السابقة و استمرار أثرها، إذ بدون الاستمرار يلزم المحذور المذكور. و بما ان عدم استمرار أثر التحريم من الأمور الوجدانية، إذ عرفت ان ارتفاع المبغوضية للمزاحمة أمر وجداني فلا محيص عن الالتزام بعدم تعلق الحرمة السابقة بالخروج و الإلزام المحذور العقلي.

و لعل ما ذكره صاحب الكفاية يبتني على الرّأي القائل بتقديم الأسبق زمانا في باب التزاحم، و المفروض ان حرمة الخروج أسبق زمانا من حرمة الغصب الزائد. و لكن عرفت انه غير مرجح.

و المتحصل: ان رأي الشيخ القائل بعدم مبغوضية الخروج لا سابقا و لا لاحقا متين و بتعين الالتزام به.

و أما كونه مأمورا به فيمكن ان يوجه بوجوه ثلاثة:

الأول: كونه واجبا بالوجوب المقدمي، لكونه مقدمة للتخلص عن الحرام.

الثاني: انه واجب بالوجوب النفسيّ المتعلق برد المال إلى صاحبه لأنه من مصاديق الرد.

الثالث: انه بنفسه تخلص عن الحرام، فيكون واجبا نفسيا.

و جميع هذه الوجوه غير صحيحة:

148

أما الأول: فلما تقدم من إنكار الوجوب المقدمي لو سلم ان الخروج مقدمة. مع ان التخلص ليس بواجب شرعي. كما ستعرف.

و أما الثاني و الثالث: فلان كلا من وجوب ردّ المال إلى صاحب و وجوب التخلص عن الحرام ليس حكما شرعيا، بل هو حكم عقلي منتزع عن حرمة الغصب، فليس لدينا حكم شرعي سوى حرمة الغصب.

و عليه، فلا وجه لتحرير الكلام في مقدمية الخروج للتخلص و تعنونه بهذا العنوان، و إطالة الكلام فيه كما صدر من المحقق الأصفهاني‏ (1).

و اما القول بأنه منهي عنه و مأمور به. فيدفعه مضافا إلى محالية اجتماع الحكمين في موضوع واحد، ما عرفت من عدم المقتضي للتحريم و الوجوب.

فالذي نختاره رأي آخر غير هذه الآراء، و هو: عدم كون الخروج محكوما بحكم شرعا و انما هو لازم عقلا للمزاحمة.

يبقى البحث فيما ذكره المحقق النائيني من: أن المورد إذا كان من موارد قاعدة: «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار»، فالرأي ما ذهب إليه صاحب الكفاية. و إذا لم يكن من موارد القاعدة، فالرأي ما ذهب إليه الشيخ.

و بما ان المورد ليس من موارد القاعدة المزبورة فالمختار هو رأي الشيخ.

أما عدم كون المورد من موارد القاعدة، فهو لوجوه أربعة:

الأول: ان مورد القاعدة ما يكون خارجا عن قدرة المكلف، و ليس الخروج كذلك لكونه إراديا.

نعم، صرف وجود الغصب بمقدار زمان الخروج أمرا ضروريا ليس تحت قدرة المكلف، و لكنه أجنبي عن الاضطرار إلى الخروج الّذي هو محل الكلام.

الثاني: ان مورد القاعدة ما إذا كان ملاك الحكم ثابتا في العمل مطلقا

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 286- الطبعة الأولى.

149

سواء وجدت المقدمة أم لم توجد. و ما نحن فيه ليس كذلك، فان تمامية الملاك في الخروج انما تكون بعد الدخول و بدونه لا يكون الخروج واجدا للملاك.

الثالث: ان مورد القاعدة ما كان وجود المقدمة موجبا للقدرة على المكلف به، و يكون امتناعه ناشئا عن عدم المقدمة، و ما نحن فيه على العكس، فان وجود الدخول- الذي هو المقدمة- يوجب الاضطرار إلى الخروج.

الرابع: ان المفروض كون الخروج لازما عقلا، و ما يكون كذلك لا يكون مورد القاعدة، لأن موردها لا يقبل تعلق الخطاب- أصلا- شرعيا كان أو عقليا.

انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخصا (1).

و لكنه مخدوش و الخدشة فيه من جهات:

الجهة الأولى: فيما ذكره من ابتناء رأي الكفاية على كون المورد من موارد قاعدة: «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار». فانه غير صحيح. فان كلام الكفاية لا يرتبط بالقاعدة المزبورة أصلا، بل يمكن ان يكون نظره إلى كون الاضطرار إلى الخروج عرفيا لا عقليا من باب التزاحم، و ان الإنسان يرى نفسه مضطرا إلى فعل الخروج باختياره فرارا عن المحذور الأشد، كما يقال يضطر الإنسان إلى بيع داره لأجل وفاء دينه أو معالجة مرضه، مع ان البيع يصدر منه بالاختيار.

و جامع ذلك: ان الشخص بحسب ما يرى من الآثار و التبعات التي يجري عليها في حياته الشخصية أو الاجتماعية يرى نفسه لأجل ذلك في ضرورة إلى صدور الفعل منه فيصدر عنه بالاختيار، لكن الدافع له أثره المترتب عليه اللازم له فيعبر عن ذلك بالاضطرار عرفا في قبال الاضطرار العقلي الّذي يرجع إلى انسلاب قدرة الشخص عن العمل و صدوره عن غير إرادة كحركة المرتعش.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 376- الطبعة الأولى.

150

و الّذي يشهد على كونه نظر صاحب الكفاية إلى الاضطرار العرفي: أنه قاس المقام بما لو اضطرار باختياره إلى شرب الخمر، لأجل عدم الوقوع في الهلكة فان شرب الخمر مضطر إليه عرفا لا عقلا لصدوره بالاختيار.

و بالجملة: يقوى في النّظر كون نظر صاحب الكفاية إلى الاضطرار العرفي و ارتفاع الحكم لأجل التزاحم، أو لدليل الرفع الشامل للاضطرار العرفي.

و لا يرتبط ارتفاع الحكم بالقاعدة أصلا، بل لم يذكر القاعدة في طي دليله أصلا، فكيف ينسب إليه ذلك؟.

الجهة الثانية: فيما ذكره من انه بانتفاء كون المورد من موارد القاعدة يثبت رأي الشيخ. فانه غير صحيح، لأن عدم كون المورد من موارد القاعدة المذكورة يستلزم الانتهاء إلى القول بالتحريم الفعلي، لأن القاعدة تذكر لبيان المانع من التكليف و أن الاضطرار انما يمنع من التكليف لا المؤاخذة. فإذا فرض ارتفاع هذا المانع ثبت الحكم، و ليست القاعدة تذكر لبيان عدم المقتضي حتى يحتاج إلى دليل بعد رفع القاعدة. فالانتهاء إلى وجوب الخروج بمجرد رفع القاعدة عن المورد لا يعلم له وجه ظاهر.

الجهة الثالثة: فيما ذكره من الوجوه على عدم كون المورد من موارد القاعدة فانها غير صحيحة:

أما الأول: فلما تقدم من بيان كون المورد من موارد الاضطرار العقلي.

و أما الثاني: فلأنه من الواضح ثبوت الملاك للخروج للجزم بعدم الفرق بين موارد الغصب في ذلك. و إطلاق دليل الغصب يؤيده.

و اما الثالث: فلأنه لا فرق بين أن يكون الامتناع ناشئا من ترك مقدمة أو فعلها، فان المهم هو استناد الامتناع إلى اختيار المكلف.

و أما الرابع: فلان الاضطرار المدعي انما نشاء عن حكم العقل بلزوم الخروج فرارا من أشد المحذورين، فلا وجه لجعل حكم العقل المزبور شاهدا

151

على عدم كون المورد من موارد الاضطرار.

و الحاصل: ان ما أفاده (قدس سره) لا يخلو عن مناقشة. و قد عرفت تحقيق الكلام بما لا مزيد عليه.

و في ختام هذا البحث يحسن بنا التعرض لإيضاح مطلب الكفاية في موردين:

المورد الأول: ما ذكره في مقام دفع القول بان الخروج مأمور به و منهي عنه‏ (1) بعد ان نفاه بامتناع اجتماع الحكمين فيما كانا بعنوانين فضلا عما إذا كانا بعنوان واحد كما فيما نحن فيه، من انه لو سلم كون اجتماع الأمر و النهي ليس بمحال في نفسه، لكنه في المقام محال، لأنه تكليف بالمحال مع عدم المندوحة، لعدم التمكن من الفعل و الترك، و ما قيل من ان الامتناع أو الإيجاب بالاختيار لا ينافى الاختيار انما هو في قبال استدلال الأشاعرة للقول بان الأفعال غير اختيارية بقضية: «ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد» (2).

و محل بحثنا هو: إيضاح مقصود صاحب الكفاية في ردّ القول المذكور.

و قد فسّر المحقّق الأصفهاني العبارة أولا: بإرادة الضرورة السابقة و الضرورة اللاحقة. ببيان إليك نصه: «ان كل ممكن محفوف بضرورتين: ضرورة سابقة في مرتب العلة التامة، و هي مفاد قولهم: «ان الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد».

و ضرورة لاحقة و هي الضرورة بشرط المحمول، لوضوح أن الموجود بشرط الوجود ضروري الوجود، و المعدوم بشرط العدم ضروري العدم، و مثله لا دخل له بالقضية المتقدمة، و إلّا لكان مفادها ان الشي‏ء ما لم يفرض وجوده لم يوجد و هو واضح البطلان. و قولهم: «ان الوجوب بالاختيار أو الامتناع بالاختيار لا ينافى‏

____________

(1) القائل هو أبو هاشم. راجع شرح مختصر الأصول- 94.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 173- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

152

الاختيار» ناظر إلى الضرورة السابقة فان الضرورة الناشئة من قبل إعمال القدرة و الإرادة لا يعقل ان تأبى المقدورية و المرادية، بل تؤكدهما. و قولهم: «ان التكليف لا يتعلق بما هو واجب أو ممتنع» ناظر إلى الضرورة اللاحقة فان طلب الموجود أو المعدوم طلب الحاصل، و طلب الوجود بالإضافة إلى المعدوم أو العدم بالإضافة إلى الوجود طلب النقيض مع فرض تحقق نقيضه، و اجتماع النقيضين محال. فلا ربط لإحدى القضيتين بالأخرى»، ثم أنه ذكر بعد ذلك: أن العبارة ظاهرة في كون الوجوب و الامتناع في كلتا القضيتين واحد، و أن عدم منافاتهما لصدور الفعل و الترك بالاختيار لا ينافي منعهما عن تعلق التكليف إذا كان ذلك بسوء الاختيار، ثم أخذ في توجيه عبارة الكتاب‏ (1).

أقول: يرد عليه:

أولا: انه لا داعي لحمل العبارة أو لا على ما ذكره ثم تصحيحها بوجه آخر.

فان ظاهر العبارة لا إشارة فيه إلى ضرورة سابقة و لاحقة و غير ذلك، بل ظاهرها أمر وجداني عرفي محصله ان الشي‏ء إذا كان واجبا أو ممتنعا امتنع تعلق التكليف به لعدم القدرة عليه و كان التكليف بالنسبة إليه لغوا لعدم داعويته إليه، اما ان هذا الممتنع أو الواجب اختياري أو لا فهو له حديث آخر. فذهب الأشاعرة إلى عدم كونه اختياريا تمسكا بقضية: «أن الشي‏ء ما لم يجب لم يوجد». و ردّوا: بان هذا الوجوب إذا كان اختياريا و مستندا إلى الإرادة كان الفعل اختياريا. و هذا المعنى أجنبي عن عدم صحّة التكليف به لعدم إمكان داعويته إليه المقومة للتكليف هذا هو ظاهر العبارة، و لا وجه لإطالة الكلام في هذا، و لعله هو المقصود مما وجّه به عبارة الكتاب و لا يهمنا ذلك.

و ثانيا: ان المورد ليس من موارد الضرورة اللاحقة، و من التكليف‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 292- الطبعة الأولى.

153

بالموجود أو المعدوم، و ذلك لعدم كون المفروض تعلق الأمر أو النهي بما هو موجود خارجا، بل البحث في حرمة أو وجوب ما سيقع من الخروج الّذي لا بد منه بالتقريب الّذي تقدم. فالتفت و تدبر.

المورد الثاني: ما ذكره في مقام بيان أن الخروج يقع مبغوضا و عصيانا للنهي السابق، و لا تؤثر في رفع مبغوضيته جهة المقدمية من: انه لو ارتفعت حرمته لأجل التزاحم الموجود لزم ان تكون «الحرمة معلقة على إرادة المكلف و اختياره لغيره، و عدم حرمته مع اختياره له و هو كما ترى‏ (1)» فيقع الكلام في المراد بهذه العبارة و ما هو مرجع الضمير في: «لغيره و له» هل الخروج أو الدخول؟.

ذهب المحقق الأصفهاني إلى: أن مرجع الضمير هو الخروج و المراد من غير الخروج هو الدخول فيكون المعنى: أن حرمة الخروج على تقدير الدخول و عدم حرمته على تقدير إرادته نفسه.

و جهة الإشكال فيه المشار إليها بقوله: «كما ترى» هي ان هذا التقييد بلا موجب و بدونه يكون غير صحيح.

ثم ذكر احتمالا آخر في العبارة و هو: إرادة الدخول من الضمير فيكون المؤدي: تعليق حرمة الخروج على إرادة غير الدخول و هو تركه و جوازه على إرادة الدخول، و نفي صحته بأنه لا وجه له بعد ان كان الدخول مما لا أثر له في الكلام حتى يرجع إليه الضمير، بخلاف الخروج فانه محل الكلام من حيث الحرمة و الجواز. كما ذكر احتمالا آخر لا يهمنا التعرض إليه‏ (2).

و الحق: ان اللازم حمل العبارة على المعنى الثاني لا الأول. فان ما يؤدي إليه قول الخصم هو المعنى الثاني. بيان ذلك: ان الخصم يدعي ان الخروج لما

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 169- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) 2-

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 289- الطبعة الأولى.

154

كان مقدمة لما هو الأهم ارتفعت مبغوضيته كسائر موارد تزاحم الحرمة مع الوجوب الأهم. و من الواضح ان فرض التزاحم بين حرمة الخروج و وجوب التخلّص عن الحرام انما هو ظرف الدخول، و قبل الدخول لا تزاحم فيبقى الخروج على حرمته.

و عليه، فقول الخصم يستدعي ثبوت الحرمة قبل الدخول و ارتفاعها بعد الدخول.

و من الواضح: ان هذا يستلزم عدم تأثير الحرمة في ترك الخروج، إذ لا يقع الخروج في ظرفه إلا مباحا فيكون جعلها لغوا.

و لا يخفى ان حمل عبارة الكتاب على هذا المعنى الواقعي أولى من حمله على ما ذكره (قدس سره) مما لا يرتبط بواقع الأمر كما لا يخفى.

نعم، حمل العبارة على المعنى المذكور يستلزم مخالفة الظاهر من جهة عدم سبق ذكر للدخول كي يعود الضمير عليه، و من جهة كون المراد من إرادة غير الدخول نفس عدم الدخول، و إرادة الدخول نفس الدخول. و مثل هذه المخالفات للظاهر لا يخلو منها التفسير الأول.

و اما ما ذكره (قدس سره) في رد قول الخصم على التفسير الأول من: أنه تعليق بلا موجب فلا يكون صحيحا. فهو غير وجيه، فان المقتضي و الموجب للتعليق المذكور- لو تم في نفسه- هو وقوع المزاحمة و حكم العقل بترجيح الأهم، كسائر موارد التزاحم التي يلتزم فيها بتقييد دليل المهم بغير مورد مزاحمة الأهم، فلم يعلم لكلامه (قدس سره) وجه.

يبقى أمر لم نتعرف على وجهه، و هو ما ذكره صاحب الكفاية من: ان التعليق المزبور خلف الفرض لأن الفرض كون الاضطرار بسوء الاختيار و التعليق يستلزم عدم كونه بسوء الاختيار. كما لا يخفى.

و هذا غريب جدا، لأن محل الكلام هو كون الخروج المضطر إليه اختيارا