منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
155

مبغوضا، فيكون الاضطرار بسوء الاختيار، أو لا يكون مبغوضا فلا يكون هناك سوء اختيار. و دعوى الشيخ انه لا يقع مبغوضا أصلا. فكيف يجعل ان سوء الاختيار مفروض الكلام، بل هو محل الكلام؟! و الأمر في هاتين العبارتين سهل بعد ما عرفت تحقيق الكلام، و لا وجه لإطالة البحث فيهما نفيا و إثباتا بل نكتفي بهذا المقدار.

و يقع الكلام بعد ذلك في ثمرة المسألة. اما ثمرة هذا البحث- أعني بحث الاضطرار- فهو يتضح من طيات ثمرة المسألة و ذيوله.

***

156

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

157

«ثمرة المسألة»

و يقع الكلام- بعد مجموع ما تقدم- في ثمرة المسألة، و ما هو الأثر العملي للقولين بالجواز و الامتناع.

فنقول: بناء على جواز اجتماع الأمر و النهي الراجع إلى الالتزام بتعدد وجود متعلق الأمر و النهي في المجمع، يلتزم بصحة العمل العبادي بدعوى ان متعلق الأمر غير منهي عنه، فيصح الإتيان به عبادة سواء علم بالحرمة أو لم يعلم.

إلّا ان المحقق النائيني خالف في إطلاق الحكم بالصحّة و التزم ببطلان العمل في صورة العلم بالحرمة دون الجهل بها.

ببيان محصله و واقعه: انه إذا التزم بجواز الاجتماع من الجهة الأولى- و هي اجتماع الضدين في شي‏ء واحد- فلا يلتزم بجوازه من الجهة الثانية، بل يلتزم بالامتناع بلحاظها- و هي جهة التزاحم- لوضوح عدم التمكن من امتثال كلا الحكمين فلا يكونان فعليين، بل يقع التزاحم بينهما فاما ان يقدم الأمر أو يقدم النهي، فلو قدم النهي ارتفع الأمر عن الفرد المزاحم، و حينئذ فصحته عبادة ينحصر طريقها بأحد وجوه ثلاثة كلها منتفية فيبطل العمل قهرا، و هذه الوجوه الثلاثة هي:

الأول: الإتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة، و ان كان‏

158

الفرد المزاحم خارجا عن دائرة المأمور به، و هو ما التزم به المحقق الكركي.

الثاني: تصحيح تعلق الأمر به بنحو الترتب، فيؤتى به بداعي الأمر المتعلق به.

الثالث: الإتيان به بداعي الملاك، لاشتماله على ملاك الأمر.

اما الوجه الأول: فقد تقدم عدم صحته و ان الفرد المزاحم فرد للطبيعة لا بما هي مأمور بها، فلا يصح الإتيان به بداعي الأمر لأن الأمر انما يدعو إلى ما تعلق به.

و اما الوجه الثاني: فقد تقدم عدم تأتي الترتب في مثل الفرض، لأن عصيان النهي عن الغصب إما ان يكون بالغصب الصلاتي، أو بغيره، و على كلا التقديرين لا يصح تعلق الأمر بالصلاة، فانه على الأول طلب الحاصل، و على الثاني طلب النقيضين، فان الأمر بالصلاة على تقدير الإتيان بغيرها طلب النقيضين، كما لا يخفى.

و اما الوجه الثالث: فالإتيان بالفرد المزاحم بداعي الملاك انما يجدي في المقربية إذا لم يكن مشتملا على القبح الفاعلي كما في المقام، فان الصلاة و الغصب و ان كانا متعددي الوجود لكن لما كانا ممتزجين في الخارج بحيث لا يمكن الإشارة الحسية إلى أحدهما دون الآخر، كانا متحدين بحسب الإيجاد و التأثير، و كانا صادرين بإرادة واحدة، فيكون الفاعل مرتكبا للقبيح في فاعليته، و مع ذلك يمتنع ان يكون الفعل الصادر منه مقربا، لقبح جهة صدوره.

و هذا البيان لا يسري إلى صورة الجهل بالحرمة، إذ مع الجهل لا تزاحم بين الحكمين، لأن التزاحم انما يتحقق مع وصول كلا الحكمين إلى مقام الداعوية، و هو منتف مع الجهل، فيكون الأمر بلا مزاحم، كما ان جهة صدور العمل لا تكون متصفة بالقبح، لفرض الجهل بالحرمة، فلا يكون الفاعل مرتكبا للقبيح في فاعليته.

159

هذا محصل ما أفاده في مقام التفصيل بين العلم بالحرمة و الجهل بها، و قد غيرنا أسلوب البيان لإيضاح المطلب، كما أغفلنا بعض ما أفاده في مقام تحقيق المطلب، لعدم دخله- بنظرنا- بالمطلوب، و هو ما أفاده من التفصيل في اعتبار القدرة بين القول بأنها بحكم العقل أو القول بأنها باقتضاء نفس التكليف، و وقوع التزاحم على الثاني دون الأول، فقد مر تحقيق الكلام فيه و لعلنا نعود إليه لمناسبة أخرى‏ (1).

و اما ما نقلناه عنه فهو غير تام، و ذلك: لما تقدم منا من انه لا تزاحم بين الحكم الموسع و الحكم المضيق، إذ عرفت ان مرجع الإطلاق في الموسع ليس إلى الجمع بين القيود، بل إلى رفض القيود و بيان عدم دخالة أي قيد في المأمور به، و لازمه حكم العقل بترخيص المكلف في تطبيق الكلي المأمور به على أي فرد شاء حتى الفرد الملازم للعمل المحرم، و هذا لا ينافي تحريم المحرم و باعثية الحرمة إلى تركه، إذ لا اقتضاء للحكم الموسع بالنسبة إلى الفرد المزبور، اذن فالفرد المزاحم مشمول للطبيعة بما هي مأمور بها. و لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بثبوت التزاحم و خروج الفرد المزاحم عن دائرة المأمور به، فالوجوه التي التزم بها لتصحيح العمل عبادة تامة و لا وجه للخدشة فيها.

اما الأول: فلما تقدم منا- في مبحث تعلق الأحكام بالطبائع أو الافراد-، من تصحيح الإتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر بالطبيعة بعد ان كان كغيره من الافراد موافقا للغرض و محصلا للملاك، و إليه ذهب صاحب الكفاية (2).

و اما الثاني:- فلان ما ذكره (قدس سره) في نفي الترتب عجيب-، فان عدم جريان الترتب في مورد اجتماع الأمر و النهي انما يلتزم به بناء على الامتناع‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 369- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 157- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

160

و وحدة وجود المأمور به و المنهي عنه، لأن عصيان أحدهما يكون بامتثال الآخر، فلا معنى للترتب، لأنه طلب الحاصل، و لا يلتزم به بناء على الجواز و الالتزام بتعدد وجود المأمور به و المنهي عنه. و ما ذكره من البيان لنفيه غير صحيح، إذ بعد الالتزام بتغاير وجود الغصب و وجود الصلاة، لا معنى لأن يقال: ان عصيان النهي عن الغصب اما ان يكون بالغصب الصلاتي أو بغيره، إذ الغصب غير الصلاة فكيف يكون بنفس الصلاة؟. نعم هو يلازم الصلاة أو غيرها، و هذا لا يمنع من الترتب، و إلّا لامتنع الترتب في مطلق موارده، لأن عصيان الأهم اما يلازم المهم أو غيره. فالتفت.

و اما الثالث: فقد أورد عليه بان الإيجاد و الوجود متحدان حقيقة، متغايران اعتبارا، فلا يمكن فرض تعدد الوجود و وحدة الإيجاد، بل مع تعدد الوجود يتعدد الإيجاد، و مع تعدده لا يكون المكلف في جهة إيجاده المأمور به فاعلا للقبيح، فلا تكون جهة صدور المأمور به متصفة بالقبح كي يمنع ذلك من حصول التقرب به.

و لكنا نقول: ان هذا البيان و ان كان برهانيا إلّا ان الّذي نراه بالوجدان كون الأفعال على قسمين:

أحدهما: ما تتعلق به الإرادة بنفسه مباشرة و هو الأفعال الإرادية.

ثانيهما: ما لا تتعلق الإرادة به مباشرة، بل بسببه، و هو الأفعال التوليدية.

و من الواضح انه لا يمكن صدور فعلين من النحو الأوّل بإرادة واحدة، إذ المفروض ان كل فعل تتعلق به الإرادة بنفسه، فكل فعل يكون متعلقا لإرادة غير الإرادة المتعلقة بالآخر، و قد يرى مسامحة تعلق الإرادة الواحدة بفعلين، لكن الحقيقة ليست كذلك، بل هناك إرادتان و شوقان كل منهما متعلق بفعل غير الفعل الّذي تعلقت به الإرادة الأخرى.

و اما النحو الثاني من الأفعال، فيمكن صدور فعلين بإرادة واحدة حقيقة

161

كما لو كان هناك سبب واحد لأثرين، بمعنى انه يؤثر بمجموع اجزائه لو كان مركبا في كل أثر. فان متعلق الإرادة نفس السبب، فلا تكون إلّا إرادة واحدة متعلقة بالسبب. و في مثل ذلك لو كان أحد المسببين محبوبا و الآخر مبغوضا و فرض غلبة المبغوض، فان جهة صدور المسبب المحبوب تكون مبغوضة، إذ إرادة السبب مع العلم بانتهائه إلى المسبب المبغوض قبيحة. و بما انه يعتبر في المقربية عدم قبح جهة الصدور، فلا محالة لا يكون الإتيان بالمسبب مقربا، و لا ينفع في ذلك دعوى ان تعدد الوجود يقتضي تعدد الإيجاد، فان جهة الصدور و إرادته واحدة بداهة. و عليه فالإيراد المذكور غير مجد في دفع الإشكال كلية.

هذا، و لكن مورد الكلام (و هو الصلاة مع الغصب) خارج عما ذكرنا، إذ هما من الأفعال الإرادية، و عليه فكل منهما متعلق الإرادة، فلا يكون الإتيان بالصلاة مشتملا على القبح الفاعلي، لأن جهة صدوره غير جهة صدور الغصب.

فالإشكال المزبور انما يتم في المسببات التوليدية.

و المتحصل: انه لا إشكال في صحة الصلاة في الدار المغصوبة على القول بجواز الاجتماع في صورة العلم بالغصب و هكذا في صورة الجهل به و هو واضح كما لا يخفى.

و اما على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي لوحدة المتعلق و تقديم جانب النهي، فقد ذهب صاحب الكفاية إلى التفصيل بين صورة العلم و صورة الجهل أو النسيان، فذهب إلى بطلان العمل العبادي في الأولى دون الثانية (1).

اما بطلان العمل في صورة العلم فوجهه واضح لأن العمل مبغوض للمولى و يمتنع التقرب بما هو مبعد. و اما عدم بطلانه في صورة الجهل أو النسيان فقد مر توجيهه بوجوه ثلاثة:

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 156- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

162

الأول: إتيانه بقصد الأمر المتعلق بالطبيعة لكونه كسائر الافراد في الوفاء بالغرض.

الثاني: إتيانه بقصد الملاك لاشتماله على ملاك الأمر كما هو المفروض.

الثالث: إتيانه بقصد الأمر المتعلق به بناء على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد المؤثرة فعلا بالحسن و القبح.

و قد مر الإشكال على الوجهين الأولين، بما أفاده المحقق النائيني من: ان الفعل بعد ما كان مشتملا على ملاكي الحكمين و كان ملاك النهي غالبا لم يكن الفعل بملاحظة الكسر و الانكسار الحاصل بين المفسدة و المصلحة مقربا للمولى، لأن ملاك الأمر المقرب هو المصلحة الغالبة لا مجرد المصلحة و لو لم تكن غالبة.

و على الوجه الثالث: بأنه التزام بالتصويب المجمع على بطلانه لاستلزامه نفى الحكم الواقعي في صورة الجهل.

و قد تقدم توضيح ذلك مفصلا في الأمر العاشر فراجع.

نعم يمكن الالتزام بصحة العمل في صورة النسيان بتقريب: ان دليل الرفع المتكفل لرفع النسيان يتكفل رفع الحكم الواقعي، و يفيد ان ملاك النهي لا يكون مؤثرا في المبغوضية الفعلية الموجبة للبعد، فلا مانع من ثبوت الأمر حقيقة و واقعا و مقربية العمل المأمور به.

و يمكن ان يذكر تفصيلا آخر في صحة العمل على القول بتقديم جانب النهي، و هو التفصيل بين ما إذا كانت مندوحة، بمعنى أمكن امتثال المأمور به بفرد آخر و عدمه، و من مصاديقه الصلاة في المكان المغصوب مع السعة و مع الضيق.

و الوجه فيه: انه إذا كان للمأمور به افراد متعددة كان عمومه بدليا، في الوقت الّذي يكون عموم النهي شموليا يستغرق جميع افراده، و قد تقرر في محله تقديم العموم الشمولي على العموم البدلي عند التنافي.

163

اما لو لم تكن مندوحة و انحصر المأمور به بالفرد المحرم، كان دليل الأمر شاملا له بخصوصه لا على نحو البدلية، فلا يتجه تقديم الحرمة، بل قد يقدم دليل الوجوب أو يلتزم بالتخيير.

و هذا التفصيل في حقيقته تفصيل بين الصورتين في تقديم جانب الحرمة و عدمه، لا في الصحة على تقدير تقديم جانب الحرمة. فالتفت.

و قد يفصّل- بناء على غلبة ملاك الأمر و تقديم جانبه- بين صورة الضيق، فيصح العمل، و صورة السعة، فلا يصح، للوجه الّذي ذكره في الكفاية في ذيل مسألة الاضطرار إلى الحرام‏ (1).

و هو الالتزام بان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، ببيان: ان الإتيان بالفرد المشتمل على مفسدة التحريم يستلزم عدم التمكن من استيفاء مصلحة الافراد الأخرى غير المبتلاة بمنقصة ملاك الحرمة، فهما ضدان، و بما ان الأفراد الأخرى متعلقة للأمر، فإذا التزمنا بان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده كان هذا الفرد منهيا عنه، فلا يقع صحيحا.

و هذا البيان لا يتأتى في صورة الضيق، إذ لا فرد غيره كما لا يخفى.

و قد أورد عليه في الكفاية: بإنكار استلزام الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده‏ (2)، و قد تقدم تحقيق ذلك.

هذا مع انه قد قيل: بان النهي الثابت بهذا الطريق لا ينافي مقربية العمل و لا يمنع من عباديته.

و لعل تقرير ذلك يتأتى قريبا إن شاء اللَّه تعالى.

«تذييل»: قد عرفت ابتناء القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي على وحدة وجود المجمع. و القول بجوازه على تعدده. و قد يقع الكلام في بعض الفروع‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 174- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 174- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

164

المرتبطة بذلك.

منها: الغسل بالماء المغصوب و في المكان المغصوب، فانه قد يدعي بطلان الأول و صحة الثاني.

و توجيه هذه الدعوى قد مر في الأمر العاشر من الأمور المذكورة في الكفاية، و هو: ان الغصب في المثال الأول يتحقق بنفس الغسل لأنه تصرف بالماء فيكون محرما فلا يمكن ان يكون واجبا لوحدة المجمع. اما في المثال الثاني، فقد يدّعي أن الغصب لا يتحقق بنفس الغسل، لأنه من مقولة الأين و الغسل من مقولة الفعل فيختلفان وجودا، فيصح الغسل لعدم كونه محرما.

و منها: ما لو اضطر إلى البقاء في الأرض المغصوبة و اضطر إلى الصلاة فيها بضيق الوقت، كالمحبوس أو الداخل لها نسيانا مع ضيق وقته.

فهل وظيفته الصلاة التامة، أو وظيفته الانتقال إلى الأبدال الاضطرارية لأفعال الصلاة الانتقالية كالركوع و السجود فيؤمي لهما؟. ذهب البعض إلى الثاني، بدعوى: ان الركوع الاختياري- مثلا- تصرف زائد على الغصب عرفا، فيكون محرما، فيسقط وجوبه و ينتقل إلى بدله الاضطراري. و في قباله دعوى:

ان وظيفته الصلاة التامة، لأن الركوع و السجود و نحوهما ليس تصرفا زائدا على نفس إشغال المكان المغصوب، و المفروض جوازه للاضطرار إليه و لا يتعين عليه نحو خاص من الاشغال و هو القيام أو الجلوس أو النوم مثلا، بل له الحق في أي فرد من افراد الاشغال.

و أما النّظر العرفي، فهو لو سلم لا يعتد به إذ العرف انما يرجع إليه في تعيين مفاهيم الألفاظ لا تعيين المصاديق، و بعد ان عرفنا ان التصرف الجائز هو إشغال المكان المغصوب لأنه مما لا بد منه، و علمنا ان الركوع نحو من أنحاء الاشغال و لا يشتمل على تصرف غير الإشغال، كما انه لا يستلزم زيادة الإشغال، لأن الجسم واحد و هو يستدعي حيزا معينا لا يزيد و لا ينقص بلحاظ حالاته‏

165

و كيفيات وجوده، لعدم تغيره عن واقعه- بعد علمنا بذلك- لا وجه للاعتداد بالعرف و تحكيمه في نظره بأنه غصب زائد، لأنه يبتني على المسامحة و لا اعتبار بها.

و هذه الدعوى تامة بنحو الموجبة الجزئية، فان الركوع و ان لم يستلزم تصرفا زائدا، لكن السجود يستلزم، لأنه يعتبر فيه وضع الجبهة على الأرض، و هكذا التشهد، فانه يعتبر فيه الجلوس، سواء اعتبر ذلك مقوما أو شرطا، إذ على الأول يكون المورد من موارد الامتناع و على الثاني يكون المورد من موارد التزاحم، فان حرمة الشرط و وجوب المشروط لا يجتمعان امتثالا، و عليه فتسلب القدرة الشرعية عن السجود، فينتقل إلى بدله الاضطراري.

و من هنا يظهر حكم الصلاة في حال الخروج المضطر إليه بناء على إباحته، فانه تجوز الصلاة فيه بالمقدار الّذي لا يستلزم تصرفا زائدا على نفس الخروج أو زيادة مدة الخروج، و إلّا لم تصح الصلاة بناء على الامتناع و تغليب جانب النهي.

هذا تمام الكلام في مسألة اجتماع الأمر و النهي‏ (1).

و يقع الكلام بعد ذلك في مسألة ...

***

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 180- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

166

«اقتضاء النهي الفساد»

و موضوع البحث فيها: هو ان تعلق النهي بالعمل عبادة كانت أو معاملة هل يستلزم فساده أو لا؟.

و قد تعرض صاحب الكفاية إلى بيان أمور، و بعضها و ان لم يترتب على تحقيقه أي أثر عملي لكنا نتعرض إلى بيانها جريان على طبق الكفاية، لكن نكتفي ببيان مطلب الكفاية و إيضاحه لا أكثر.

الأمر الأول: في بيان الفرق بين هذه المسألة و مسألة اجتماع الأمر و النهي، و قد تقدم بيانه في بدء الشروع في تلك المسألة فلا نعيد.

الأمر الثاني: في بيان الوجه في عدّ هذه المسألة من المسائل اللفظية، و هو:

وجود القول بدلالة النهي على الفساد في المعاملات مع إنكار الملازمة العقلية بين النهي و الفساد فيها، فلو جعل البحث بحثا عقليا لم يكن هذا القول من أقوال المسألة، بخلاف ما لو جعل البحث لفظيا فانه يكون من أقوالها.

و دعوى: ان الملازمة بين الحرمة و الفساد في العبادة على تقدير ثبوتها، فهي تكون بين الفساد و الحرمة و لو لم تكن مدلولة باللفظ، و على تقدير انتفائها فكذلك.

تندفع: بإمكان جعل البحث في العبادة في دلالة الصيغة على الفساد بما يعم الدلالة الالتزامية التي ترجع في الحقيقة إلى البحث عن ثبوت الملازمة، فيكون البحث لفظيا في كلا الموردين [1].

____________

[1] لم يتعرض سيدنا الأستاذ (دام ظله) إلى ما ذكره صاحب الكفاية من مرجحات جانب النهي، و علل ذلك: بان المورد بناء على الامتناع يكون من موارد التعارض. و بناء على الجواز يكون من موارد التزاحم.

و قد مرّ ذكر مرجحات باب التزاحم و سيأتي ذكر مرجحات باب التعارض، فلا حاجة للتعرض في المقام‏

167

هذا إيضاح مطلب الكفاية في هذا الأمر و لا بد من توجيه كلامه بحمله على ان المفروض في كلامه ان الملازمة التي هي موضوع النفي و الإثبات هي الملازمة البيّنة الموجبة لدلالة اللفظ، كي لا يرد عليه ما أورده المحقق الأصفهانيّ من ان أصل الملازمة ثبوتا إذا كان محل الإشكال، فلا معنى للبحث عن الدلالة الالتزامية (1).

و قد أخذه (قدس سره) مما أورده صاحب الكفاية على صاحب المعالم في عدّ مبحث مقدمة الواجب من المباحث اللفظية (2).

و قد فسرناها فيما تقدم بان طبيعي الملازمة الأعم من البينة و غيرها محل إشكال، فلا معنى لإيقاع البحث في الدلالة الالتزامية المبتنية على الملازمة البينة.

الأمر الثالث: في بيان المراد من النهي في موضوع البحث.

و توضيح ما ذكره (قدس سره) (3): ان لفظ النهي و ان كان ظاهرا في النهي التحريمي، إلّا ان ملاك البحث لما كان يعم التنزيهي و لا اختصاص له بالحرمة- كما سيتضح-، تعين إرادة الأعم من التحريمي التنزيهي في موضوع البحث.

و دعوى: ان ملاك البحث في المعاملات لا يعم التنزيهي، إذ لم يتوهم متوهم استلزام كراهة المعاملة لفسادها، و المفروض ان المأخوذ في متعلق النهي في موضوع البحث هو الأعم من العبادة و المعاملة، فان المراد ب: «الشي‏ء» ذلك، فيكون موجبا لاختصاص البحث بالحرمة، إذ لا بحث في اقتضاء الكراهة لفساد

____________

- إلى ما ذكره صاحب الكفاية، مع ان ما ذكره من المرجحات ليست من باب واحد، فبعضها يرتبط بباب التعارض و هو الأولى، و بعضها يرتبط بباب التزاحم و هو الأخيران. فالتفت. راجع كفاية الأصول (منه عفي عنه).

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 306- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 89- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 181- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

168

المعاملة المفروض عموم لفظ «شي‏ء» لها.

و بالجملة: عموم الملاك للنهي التنزيهي يقتضي تعميم المراد من النهي، و إرادة الأعم من العبادة و المعاملة من لفظ «شي‏ء» مع اختصاص عموم الملاك في العبادة، يقتضي تخصيص المراد من النهي.

تندفع: بان المراد من النهي طبيعي النهي الشامل لكلا الفردين لا خصوصية كلا الفردين، فلا منافاة حينئذ، إذ يصح وقوع المطلق بما هو مطلق مورد الحكم أو الترديد مع اختصاص ذلك ببعض افراده، فمثلا لو علمنا بان زيدا يشرب نوعين من الدواء، و عمرا يشرب نوعا واحدا، صح لنا الحكم في جملة واحدة بان زيدا و عمرا يشربان الدواء، أو السؤال عن انهما هل يشربان الدواء أو لا؟.

نعم لو أريد خصوص الفردين اتجه الإيراد. فتدبر.

هذا بالنسبة إلى التحريمي و التنزيهي.

اما بالنسبة إلى النفسيّ و الغيري، فذكر: انه لا وجه لتخصيص الكلام في النفسيّ، بل يعم الغيري إذا كان أصليا، بمعنى انه مدلول للكلام بنفسه، إذ يمكن ان يدعي باقتضائه الفساد و لو لم تكن مخالفته موجبة للبعد و العقاب، لدلالته على مبغوضية العمل الموجب لارتفاع محبوبيته فلا يكون مقربا. و مما يؤيد ذلك: انه قد جعل ثمرة النزاع في ان الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده الخاصّ فساده إذا كان عبادة، مع ان النهي على القول به غيري، في بعض وجوهه.

نعم إذا كان تبعيا غير مدلول للكلام كان خارجا عن موضوع البحث، لأنه من مقولة المعنى و لكنه داخل فيما هو ملاكه. فالتفت.

الأمر الرابع و الخامس: في بيان المراد بالعبادة و المعاملة المقصودة من لفظ «شي‏ء» المأخوذ متعلقا للنهي في موضوع البحث.

169

و قد أفاد (1) بان المراد بالعبادة أعم مما يكون بنفسه و بذاته عبادة للّه تعالى لو لا حرمته كالسجود للّه و الخضوع له فانه عبادة بنفسه، و مما لا يكون كذلك و لكن كان لو امر به لكان امره عباديا لا يسقط بدون قصد القربة، كالصلاة و الزكاة و نحوهما. فيقع البحث: ان النهي هل يمنع من تحقق العبادية التي تترتب على السجود أو الصلاة مثلا لو لا النهي أو لا يمنع؟.

و اما ما فسر به المراد من العبادة بأنه ما امر به لأجل التعبد به، أو ما يتوقف صحته على النية، أو ما لا يعلم انحصار المصلحة فيها في شي‏ء، فهو غير صحيح لأن العبادة بهذا المعنى يمتنع تعلق النهي بها كي يتكلم في اقتضائه الفساد و عدمه، إذ يمتنع تعلق النهي بما فرض تعلق الأمر به فعلا أو ثبوت صحته فعلا أو ما كان فيه المصلحة فعلا.

و هذا كما عرفت يقتضي ان يكون نظر صاحب الكفاية إلى اعتبار المفسرين للعبادة بهذه المعاني، الصحة الفعلية، و المصلحة الفعلية، في تحقق العبادة. و إلّا فلو كان نظرهم إلى الصحة الشأنية فلا يرد عليهم ما أورده صاحب الكفاية. فتدبر. و على كل فالامر ليس بمهم كما يقول صاحب الكفاية لأن الغرض شرح الاسم لا التعريف بالحدّ أو الرسم.

و اما المراد بالمعاملة: فقد ذكره في الأمر الخامس‏ (2) بعد تقديم مقدمة، محصلها: ان الصحة و الفساد انما يثبتان للعمل بلحاظ ترتب ما يترقب منه من الأثر و عدم ترتبه.

و من الواضح ان ما يدخل في محل النزاع ما كان قابلا للاتصاف بكلا الوصفين حتى يقبل البحث في استلزام النهي فساده، اما ما لا يقبل الاتصاف‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 181- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 182- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

170

بهما كليهما، اما لعدم كونه ذا أثر أصلا أو لأنه ذو أثر لكنه كان ملازما له دائما لا يتخلف عنه، فلا يدخل في محل النزاع لعدم اتصافه بالفساد، فلا معنى للبحث عنه، و يمثل له بالملاقاة في تحقق الطهارة أو النجاسة، فقد قيل: انها بمنزلة العلة التامة لحصول أثرها، و بالإتلاف في تحقق الضمان. لكنه خارج عما نحن فيه لأنه منهي عنه في المورد الّذي يقبل تعلق النهي به مع كونه ما يترتب عليه الأثر.

و على كل حال فيدخل في محل النزاع كل ما كان قابلا للاتصاف بالوصفين، كالعقود و الإيقاعات و غيرهما كالتحجير و الحيازة في ثبوت الحق أو الملكية. و لا وجه لتخصيص الكلام بالعقود و الإيقاعات كما ذهب إليه المحقق النائيني بدعوى: عدم توهم اقتضاء النهي في مثل التحجير للفساد (1)، فانها تندفع: بان الملاك الّذي يقتضي الفساد في مثل العقود يقتضيه في مثل التحجير، و هذه الدعوى مما لا شاهد لها إذا لم تكن معقد الإجماع.

الأمر السادس: في بيان ان وصف الصحة و الفساد من الأوصاف الإضافية الحقيقية، فانهما يثبتان للشي‏ء بلحاظ ترتب الأثر المترتب عليه و عدمه، و لذلك أمكن اتصاف الشي‏ء الواحد بهما معا بلحاظ ترتب أثر و عدم ترتب آخر، كما و لأجل ذلك كان اتصاف الشي‏ء بهما يختلف باختلاف الأنظار لاختلافها في الأثر المترقب على العمل و المرغوب منه، و لكنهما عند الجميع بمعنى واحد و هو التمامية و عدمها، و تفسيرها بغير ذلك في بعض الاصطلاحات، انما هو تفسير باللازم لكونه محط النّظر (2).

و قد تقدم هذا البيان منه في بحث الصحيح و الأعم و نقلناه هنا ملخصا لعدم أي أثر يترتب عليه.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 388- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 182- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

171

و انما المهم هو تحقيق البحث في تنبيه الأمر السادس، الّذي عقده صاحب الكفاية لتحقيق: ان الصحة هل هي من الأمور المجعولة أو لا؟. و تحقيق هذا المطلب ينفعنا في جريان استصحاب الصحة مع الشك في فقدان الجزء أو حصول المانع في الشبهة الحكمية، لأن الصحة إذا كانت من المجعولات الشرعية كانت مما يقبل التعبد وضعا و رفعا، فصح إجراء الأصول فيها.

و قد أفاد (قدس سره): ان الصحة في العبادة ان كانت موافقة الأمر أو الشريعة- كما هي عند المتكلم- فهي من الأمور الانتزاعية، فان موافقة الأمر تنتزع عن مطابقة المأتي به للمأمور به، و ليست من الأمور المجعولة لا استقلالا- كما هو واضح- و لا تبعا لجعل المأمور به، إذ بجعل المأمور به، لا تتحقق الموافقة ما لم يتحقق المأتي به. و اما بمعنى سقوط الإعادة و القضاء- كما هي عند الفقيه-، فالوجه هو التفصيل بين المأمور به بالأمر الواقعي بالنسبة إلى أمره و المأمور به بالأمر الظاهري و الاضطراري بالنسبة إلى الأمر الواقعي الأولي. فان سقوط الإعادة و القضاء في الأول من اللوازم العقلية للإتيان به لحصول الغرض و سقوط الأمر، فلا وجه للإعادة أو القضاء، فهي بهذا المعنى ليست حكما جعليا لا استقلاليا و لا تبعيا، كما انها ليست من الأمور الانتزاعية، بل هي امر واقعي يحكم به العقل كاستحقاق العقوبة و المثوبة الّذي يحكم به العقل و يستقل به.

و اما سقوطها في الثاني فقد يكون مجعولا كما لو لم يكن المأمور به الاضطراري و الظاهري وافيا بملاك الواقع و أمكن تداركه فكان مقتضى القضاء أو الإعادة ثابتا فيحكم الشارع بسقوطهما في هذه الحال تحقيقا على العباد و منة منه عليهم، كما انه قد يحكم بثبوتهما. فالصحة في هذه الصورة من الأحكام المجعولة و ليست من الأوصاف الانتزاعية. لكن هذا بلحاظ طبيعي المأمور به. اما المصداق الخارجي المنطبق عليه المأمور به فالمصلحة فيه انتزاعية لا مجعولة، إذ هي تنتزع عن انطباق المأمور به على المأتي به و لم تجعل له الصحة استقلالا، نظير اتصافه‏

172

بالوجوب، فان الوجوب انما يجعل بإزاء الطبيعي لا بإزاء افراده، لكن ينتزع عن مطابقة الطبيعي لفرده وصف الوجوب للفرد.

و اما الصحة في المعاملات: فهي بمعنى ترتب الأثر على المعاملة، و هذا امر بيد الشارع فهو الّذي يجعل الأثر على المعاملة سواء كان بنحو التأسيس أو الإمضاء، لبناء العقلاء على ترتب الأثر. فالصحة فيها مجعولة للشارع لكنها بلحاظ كلي المعاملة لا مصاديقها، اما في مصاديقها الخارجية فالصحة فيها انتزاعية تنتزع عن مطابقة الفرد للطبيعي المجعول سببا، كما هو الحال في الأحكام التكليفية كما عرفته. هذا ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) في المقام‏ (1).

و قد يرد على ما أفاده في تحقيق صحة العبادة وجوه:

الأول: ما ذكره المحقق الأصفهاني (رحمه الله) في حاشيته، و هو إشكال علمي يتعلق بما أفاده صاحب الكفاية من عدم كون الصحة بمعنى سقوط القضاء في صورة الإتيان بالمأمور به الواقعي من الأمور الانتزاعية، فانه ذكر:

ان كونه من الأحكام العقلية لا ينافي كونه من الأمور الانتزاعية، فان الأمر الانتزاعي هو ما لا واقع له الا منشأ انتزاعه. و من الواضح ان مسقطية العمل للقضاء كذلك، فهي امر انتزاعي من ترتب عدم القضاء على العمل. فما ذكره من عدم كونها من الأوصاف الانتزاعية لا وجه له‏ (2).

الثاني: فيما يتعلق بما ذكره من ان الصحة في مورد الإتيان بالمأمور به الظاهري أو الاضطراري من الأحكام المجعولة لكن يتصف بها الطبيعي. اما الفرد فصحته انتزاعية.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 184- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 308- الطبعة الأولى.

173

فان هذا عجيب، إذ الموضوع بالنسبة إلى الحكم المرتب عليه يختلف عن المتعلق بالنسبة إلى الحكم المتعلق به، فان الأحكام قد يدعى بان متعلقاتها هي الطبائع لا الافراد لبعض الوجوه، و حينئذ فيوجد الحكم في عالم الاعتبار وجد الفرد أم لم يوجد، لكن هذا الكلام لا يأتي بالنسبة إلى موضوعات الأحكام، فان الحكم مترتب على وجودها الخارجي لا على الطبيعي، إذ مرجع الموضوع إلى ما أخذ مفروض الوجود في تحقق الحكم، فقبل وجود العالم لا حكم أصلا بوجوب الإكرام في قول المولى «أكرم العالم». و قبل السفر لا حكم بوجوب التقصير.

و هكذا الحال في المعاملات، فان الملكية انما تترتب على البيع الخارجي، لا على طبيعي البيع، فلا ملكية بدون البيع خارجا. و من الواضح ان نسبة سقوط القضاء إلى العمل نسبة الحكم إلى موضوعه لا نسبته إلى متعلقه، فهو لا يترتب إلّا على الوجود الخارجي للعمل لا طبيعي العمل.

و بالجملة: ما أفاده (رحمه الله) يرجع إلى الخلط بين متعلقات الأحكام و موضوعاتها و تشريكها في الأثر. فالتفت.

الثالث: ما ذكره المحقق الأصفهاني (رحمه الله) أيضا مما يتعلق بما ذكره (قدس سره): من كون الصحة بمعنى سقوط القضاء في المأمور به الاضطراري أو الظاهري من المجعولات في بعض الأوقات. و تقريره: ان التعبير بسقوط القضاء مما لا محصل له بظاهره، إذ ليس القضاء من العناوين الجعلية كالملكية حتى يكون إسقاطه جعليا، بل هو فعل تكويني يأتي به المكلف، فلا معنى لإسقاطه و رفعه، فالمعقول ليس إلّا إيجاب القضاء و عدمه، و المراد بسقوط القضاء عدم إيجاب القضاء بلحاظ مصلحة التسهيل الغالبة على المصلحة المقتضية للوجوب.

و من الواضح: انه لا يمكن ان يكون المقصود و محل البحث في الجعل و عدمه هو سقوط القضاء بهذا المعنى- أعني: عدم إيجابه-، إذ المفروض هو

174

البحث عن مجعولية الصحة التي يتصف بها الفعل و ينتزع له عن تلبسه بها عنوان الصحيح، و بديهي ان الفعل لا يتصف بوجوب القضاء و عدمه، فان الوجوب و عدمه مما يتصف بهما القضاء لا العمل الاضطراري أو الظاهري.

و دعوى: ان المراد بالصحّة مسقطية المأتي به و علّيته لعدم الأمر بالقضاء، و هي مجعولة بتبع جعل عدم وجوب القضاء.

تندفع: بان العلة في عدم الأمر بالقضاء ليس هو المأتي به، بل مصلحة التسهيل و التخفيف الغالبة على المصلحة الواقعية المقتضية للحكم كما هو المفروض.

هذا تقرير الإيراد مع حذف بعض الزوائد لعدم دخلها فيه‏ (1).

و المتأمل فيه يرى ان هذا الإيراد يرجع إلى إنكار وجود وصف الصحة القابل لاتصاف الفعل به، و ان ما يتخيل وصفا له هو من أوصاف غيره.

و فيه:

أولا: انه يناقض الوجدان لإطلاق الصحيح أو عدمه على العمل الاضطراري و الظاهري من دون أي عناية، و لذا نرى انه كثيرا ما يسأل عن صحة العمل و فساده. كما انه يناقض ما قرره (قدس سره) من البحث عن الإجزاء في الأوامر الظاهرية و الاضطرارية، فانه لا معنى للإجزاء الا الكفاية، و مرجعه إلى صحة العمل. و لم يناقش هناك بأنه لا معنى لدعوى كفاية المأتي به عن القضاء، لأن العلة في عدم وجوبه شي‏ء آخر غير العمل، بل أجرى البحث على طبيعته التي جرى عليها الآخرون.

و ثانيا:- و هو عمدة الجواب- ان الحكم يرتبط بأمرين، يرتبط بموضوعه- و نعني بالموضوع: ما يعم الموضوع اصطلاحا و السبب و الشرط، و هو

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 308- الطبعة الأولى.

175

كل ما رتب الشارع ثبوت الحكم على ثبوته و تحققه- و يرتبطه بعلة جعله و داعي تشريعه. و من الواضح ان نفي وجوب القضاء و ان كانت علته الغائية و الداعي له هو مصلحة التسهيل الغالبة على المصلحة الأولية، لكن موضوعه من جاء بالعمل الاضطراري أو الظاهري دون غيره.

فنفي الأمر بالقضاء يترتب على المأتي به ترتب الحكم على موضوعه، فهو يرتبط بالمأتي به بهذا الارتباط، و هو يكفي في وصف المأتي به بالصحّة و كونه مسقطا للأمر بالقضاء، و ان كانت العلة الغائية لعدم الأمر به شيئا آخر.

فاتصاف المأتي به بالصحّة باعتبار ترتب الأثر المجعول عليه، نظير اتصاف الاضطرار برافعيته للحكم، فان الاضطرار ليس هو الموجب للارتفاع حقيقة، بل هو موضوع ارتفاع الحكم.

و بالجملة: يصح لنا وصف العمل بالصحّة بلحاظ ترتب الأثر عليه، و مفهومها في المقام و ان كان من الأمور الانتزاعية و هو مسقطية العمل للقضاء، فانه ينتزع عن ترتب نفي القضاء على العمل، لكن واقعها و هو الترتب المزبور أمر جعلي للمولى و هذا هو المطلوب، فان المقصود من كون الصحة مجعولة و عدمها ليس مفهوم الصحة، بل واقعها فانه مورد الأثر العملي في مقام إجراء الأصول لا المفهوم. و لا يقصد من التعبير عن الصحة بالمسقطية سوى واقعها، نظير التعبير برافعية الاضطرار للحكم و مرفوعية الحكم بالاضطرار، فانّه يقصد به واقع هذا التعبير، و هو عدم ثبوت الحكم في مورد الاضطرار، فلو عبر عن موضوع التعبد بالرافعية و المرفوعية، لا يقصد التعبد بهذا العنوان، بل التعبد بواقعه الّذي بلحاظه انتزع هذان العنوانان، و هو عدم جعل الحكم.

ثم انه (قدس سره) أورد على صاحب الكفاية فيما ذهب إليه من كون الصحة في المعاملات مجعولة، لأنها بمعنى ترتب الأثر و هو مجعول للشارع، بما محصله: ان المجعول في باب المعاملات نفس الأثر و هو الملكية في البيع و نحو

176

ذلك، اما ترتب الأثر فهو عقلي ليس مجعولا للشارع. و نفس الأثر لا يصحح الاتصاف بالصحّة، إذ ليست الصحة نفس الأثر، بل ترتبه كما هو المفروض.

اذن فالصحة في المعاملات كالصحة في العبادات ليست من الأمور المجعولة للشارع في رأي المحقق الأصفهاني‏ (1) (قدس سره).

لكن هذا الإيراد غير سليم عن المناقشة، فان ترتب الأثر في المعاملات ليس عقليا، بل يكون شرعيا، لأن المقصود بالترتب لا يعدو أحد امرين: اما منشئية العقد لثبوت اثره المجعول شرعا. و اما ثبوت الأثر بعد تحقق العقد. و كل من هذين الأمرين ليس عقليا، فان منشئية العقد لثبوت الأثر جعلية، و لذا تدور في السعة و الضيق و الثبوت و العدم مدار الجعل و الاعتبار.

و هكذا ثبوت الأثر بعد تحقق العقد، فانه أمر يرتبط بالجاعل لا بالعقل، و لذا قد يثبت و قد لا يثبت باعتبار الجعل و عدمه.

و بالجملة: فربط الأثر بالعقد امر بيد الجاعل، و لذا يتصرف به كيف ما يشاء. و المراد من منشئية العقد للأثر ليس مفهوم المنشئية بل واقعها، فان مفهومها و ان كان امرا انتزاعيا لكن واقعها امر جعلي، نظير موضوعية الموضوع فان واقعها ليس إلّا جعل الحكم عند تحققه، و ان كانت هي انتزاعية، و لأجل ذلك يقال: ان إجراء الأصل في موضوعية الموضوع مرجعه إلى إجرائه في الحكم.

و بالجملة: فواقع الصحة في هذه الموارد مجعول شرعي و هو ثبوت الأثر عند ثبوت العقد، و ينتزع عنه منشئية العقد له و سببيته كما ينتزع التمليك بلحاظ الملكية بالنسبة إلى الجاعل. و كانتزاع الإيجاد بلحاظ الفعل بالنسبة إلى الموجد.

و قد عرفت ان الغرض يتعلق بما هو واقع الصحة لا مفهومها، فان الّذي يقصد كونه مجرى الأصل هو الواقع لا المفهوم.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 309- الطبعة الأولى.

177

و يتحصل مما ذكرنا ان ما جاء به المحقق الأصفهاني لا نعرف له وجها وجيها.

ثم انك عرفت ان الصحة تثبت للشي‏ء بلحاظ ترتب الأثر المرغوب عليه، كما ان الفساد يثبت له بلحاظ عدم ترتبه.

و هذا المعنى ينتقض بكثير من الموارد التي لا يتصف الشي‏ء بالصحّة و الفساد بلحاظ ترتب اثره و عدمه كالخمر الحرام و غير الحرام، فان الأول لا يتصف بالصحّة كما ان الثاني لا يتصف بالفساد. و كالسفر الموجب للقصر و غير الموجب له، فان الأول لا يتصف بالصحّة و الثاني لا يتصف بالفساد. و هكذا الحال في كثير من موضوعات الأحكام.

و يندفع هذا النقض: بان الاتصاف بالصحّة و الفساد ليس منشؤه ترتب الأثر و عدمه مطلقا، بل منشؤه ترتب الأثر المترقب عادة من العمل، بحيث يكون المنظور في إتيان العمل عادة ترتب هذا الأثر، فترتبه يوجب الاتصاف بالصحّة و عدم ترتبه يوجب الاتصاف بالفساد، و من الواضح انه لا يلحظ في إيجاد الخمر عادة ترتب الحرمة عليه، بل الملحوظ هو الإسكار، فلو ثبت إسكاره كان خمرا صحيحا و مع عدم كونه مسكرا كان خمرا فاسدا. و البيع انما يتصف بالصحّة لو ترتبت عليه الملكية لأنه الأثر المترقب منه عند إيجاده. و هكذا.

و بعد هذا نعود على ما كنا عليه من معرفة ان الصحة مجعولة أو لا؟. و قد عرفت عدم تمامية ما أورده المحقق الأصفهاني على صاحب الكفاية. فيتعين الالتزام به لأنه مما يتلاءم مع الوجدان و البرهان كما عرفت.

و قد ذهب المحقق النائيني (قدس سره) إلى التفصيل بين الصحة الواقعية و الصحة الظاهرية، فالتزم بالمجعولية في الثانية دون الأولى، فانه بعد ان تعرض مفصلا إلى تحقيق مفهوم الصحة و ان الملاك فيه هو انطباق المأمور به على المأتي به في العبادات و انطباق ما اعتبره الشارع سببا للأثر على المعاملة الخارجية

178

في المعاملات، و انه بذلك يتضح ان تفسير الصحة بموافقة الشريعة كما عن المتكلمين أو بإسقاط القضاء و الإعادة كما عن الفقهاء لا يرجع إلى المغايرة في معناها بين الطرفين، بل ذلك تفسير بالمهم من لوازمها و آثارها و المعنى لدى الطرفين واحد،- بعد ان ذكر ذلك بتفصيل- تعرض إلى تحقيق كون الصحة من المجعولات الشرعية و عدمه، فذهب إلى التفصيل المزبور و تقرير وجهه بتلخيص: اما عدم كون الصحة الواقعية من المجعولات- و يقصد بها الصحة في العمل الواقعي-، فلان الصحة عبارة عن انطباق المأمور به على الموجود الخارجي في العبادات، و انطباق سبب العقد على الموجود الخارجي في المعاملات، و الفساد فيهما عبارة عن عدم الانطباق، و من الواضح ان الانطباق في الأوامر الواقعية ليس مرتبطا بالجعل، بل هو خارج عن دائرة الجعل، و مثله الحال في الصحة في موارد الأوامر الواقعية الثانوية لما ذكره (قدس سره) في مبحث الاجزاء من ان المأمور به الاضطراري لا بد و ان يكون مجزيا عن الواقع الأولي لاستحالة الأمر بغير المقيد مع بقاء القيدية، فمع تعلق الأمر به نستكشف سقوط القيدية في مورد الاضطرار، فيكون الأمر واقعا متعلقا بغير المقيد و انطباقه على الخارج عقلي.

و اما كون الصحة الظاهرية مجعولة- و يعني بها الصحة في العمل الظاهري-، فوجهه: ان قيام الأمارة أو الأصل على الاكتفاء بالعمل حتى مع انكشاف الخلاف مرجعه إلى التعبد بانطباق المأمور به الواقعي على المأتي به فيكون الانطباق هاهنا مجعولا. لكن الصحة في الفرض لا تكون من الأحكام الظاهرية الصرفة، بل تكون برزخا بينها و بين الأحكام الواقعية الثانوية، إذ من جهة أخذ الشك في موضوعها تكون حكما ظاهريا، و من جهة كونها موجبة لسقوط التكليف الواقعي عنه حتى بعد انكشاف الخلاف تكون شبيهة بالاحكام الواقعية الثانوية، فبذلك تكون وسطا بين المرتبتين.

179

هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) (1). و فيه ما لا يخفى من جهات:

الأولى: ما ذكره (قدس سره) من ان الملاك في اتصاف العمل بالصحّة هو انطباق العمل المشروع- عبادة كان أو معاملة- على الموجود الخارجي عدولا عما عليه القوم، و ما ذكره هو أولا من ان ملاك الاتصاف بالصحّة ترتب الأثر على العمل، و الإشكال فيه من وجهين:

الأول: انه ذكره بنحو الدعوى من دون ان يقيم عليه أي دليل و يستند فيه إلى وجه و هو مما لا يتلاءم مع البحث العلمي.

الثاني: انه غير صحيح في نفسه، لبداهة اتصاف العمل بالصحّة من دون ثبوت الانطباق المزبور كالصلاة الجهرية المأتي بها إخفاتا و بالعكس، إذا كان ذلك عن جهل تقصيري، فانه يلتزم بصحة العمل و يعبر عنه بالصحيح في النص و الفتوى مع انه لا ينطبق عليه المأمور به، و لذا يعاقب على تركه و تفويته. اذن فالأوجه الالتزام بان ملاك الصحة هو ترتب الأثر وفاقا لما عليه القوم.

الثانية: ما ذكره من ظهور وحدة المعنى للصحة لدى الفقهاء و المتكلمين، و كون الاختلاف بينهما بلحاظ الاختلاف فيما هو المهم من الأثر من تعيّن كون الملاك في الاتصاف بالصحّة هو الانطباق. و قد أخذ هذا البيان من كلام الكفاية حيث فسر الصحة بالتمامية، و استظهر ان المقصود للفقهاء و المتكلمين ذلك، و التعبير بغيره في تعاريفهم تعبير عن لازم المعنى لا أصله‏ (2).

وجهة الإشكال فيه: ان نحو ما أفاده يختلف عن نحو ما أفاده صاحب الكفاية، فان صاحب الكفاية فسر الصحة بالتمامية، و بما انه معنى جامع لكلا التفسيرين الواردين في كلام الفقهاء و المتكلمين ادعى ان اختلاف تفسيرهم‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 391- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 182- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

180

يرجع إلى الاختلاف في الأثر المرغوب لا في أصل المعنى، فانه محفوظ في كلا التفسيرين، فمراد الفقيه التمامية من حيث سقوط القضاء و الإعادة، و مراد المتكلم التمامية من حيث موافقة الشريعة. فكان لما ادعاه وجه.

و اما المحقق النائيني فلم يذهب إلى ان معنى الصحة هو الانطباق حتى يدعى انه معنى جامع لكلا التفسيرين، بل ذهب إلى ان ملاك الاتصاف بالصحّة هو ذلك، و هذا لا يستلزم وحدة المعنى لدى الطرفين مع اختلاف تفسيرهم، فترتب ظهور وحدة المعنى لديهما على ملاكية الانطباق للصحة امر لا وجه له بأيدينا فالتفت.

الثالثة: ما ذكره من كون الصحة في موارد الأوامر الاضطرارية غير مجعولة خلافا لصاحب الكفاية و توجيهه بما عرفت بيانه، و الإشكال فيه يظهر مما تقدم في مبحث الاجزاء من عدم تسليم ما أفاده في وجه لا بدية الاجزاء في الأوامر الاضطرارية، فراجع تعرف.

و عليه، فللشارع الحكم بالاجزاء في بعض الموارد غير المقتضية له، فتكون الصحة مجعولة كما ذهب إليه صاحب الكفاية.

الرابعة: ما ذكره في وجه مجعولية الصحة في الأوامر الظاهرية، من ان قيام الأمارة أو الأصل على الاكتفاء بالعمل يرجع إلى تعبده بانطباق الواقع على المأتي به.

وجهة الإشكال فيه هي: ان التعبد لا يصح إلا بما كان مجعولا شرعيا- تكليفيا أو وضعيا- أو موضوعا لأثر شرعي، و ليس انطباق الواقع على المأتي به من المجعولات الشرعية بكلا النحوين كما هو واضح. كيف؟ و يراد تصحيح جعله بالتعبد الّذي هو محل البحث- كما انه ليس من موضوعات الأحكام الشرعية، إذ لا يترتب على الانطباق أي أثر شرعي.

مع ان التعبد بالموضوع للأثر الشرعي مرجعه إلى التعبد بنفس الأثر،

181

فلا يستلزم مجعولية الموضوع و كونه من المجعولات الشرعية كما لا يخفى. اذن فالتعبد بالانطباق لا محصل له.

و ورود التعبد بالإتيان ببعض الاجزاء كقوله (عليه السلام): «بلى قد ركع» لا يرجع إلى التعبد بالانطباق، بل إلى التعبد بتحقق المأمور به و الإتيان به بلحاظ نفى الأمر و رفعه، يعني ان واقعه التعبد برفع الأمر.

الخامسة: ما ذكره من ان الصحة الظاهرية وسط بين الحكم الظاهري و الواقعي الثانوي.

إذ يرد عليه: بان المقصود بما هو وسط ان كان هو الصحة المجعولة- كما هو ظاهر العبارة- فهو حكم واقعي موضوعه الإتيان بالعمل الظاهري و ليس حكما ظاهريا، كيف؟ و هو ثابت حتى بعد انكشاف الخلاف كما هو الفرض. و ان كان هو الحكم الظاهري الثابت للعمل فهو حكم ظاهري موضوعه الشك و يزول بعد انكشاف الخلاف بلا إشكال، و الاكتفاء بما جاء به عن الواقع انما هو لأجل دليل آخر قام عليه لا من جهة كونه مأمورا به بالأمر الظاهري.

و خلاصة ما ذكرنا: ان ما أفاده المحقق النائيني في المقام مما لا نراه متناسبا مقامه العلمي الرفيع. و ثبت مما ذكرنا ان ما أفاده صاحب الكفاية متين جدا لا يرى فيه شائبة للإشكال.

الأمر السابع: في تحرير الأصل عند الشك. و لا يخفى ان محل البحث هو معرفة الأصل، في اقتضاء النهي فساد العمل، فتعلق النهي بالعمل مفروغ عنه، فلا يتجه إيقاع البحث في صورة الشك في الفساد من جهة كون الشبهة موضوعية أو حكمية، كما جاء في أجود التقريرات‏ (1). و يظهر من حاشية المحقق الأصفهاني ان هذا التفصيل و نحوه جاء في عبارة الكفاية، فانه قال- بعد ما ذكر

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 394- الطبعة الأولى.

182

ما عرفت-: «و لذا ضرب خط المحو على ما في بعض نسخ الكتاب» (1) و الموجود بين أيادينا من الكفاية لا تفصيل فيه و انما هو مختصر جدا. و على كل فتحقيق الحال في معرفة وجود الأصل و عدمه ان نقول: ان المقصود بالصحّة و الفساد في العبادة أحد معان ثلاثة:

الأول: الصحة و الفساد من جهة موافقة الأمر و عدمها، و من الواضح انه لا شك في الفساد من هذه الحيثية، إذ مع تعلق النهي بها لا يتعلق بها الأمر، فلا تقع العبادة موافقة للأمر في وجه من الوجوه لعدم الأمر، فلا معنى للبحث عن الأصل لعدم الشك.

الثاني: الصحة و الفساد من جهة وفاء العمل بالملاك و عدمه، و هذا المعنى و ان كان موردا للشك، إذ مع تعلق النهي بالعمل قد يلتزم ببقاء ملاك الأمر على ما كان عليه و انما غلب عليه الملاك الراجح و كان مانعا من تأثيره لا غير، كما هو ظاهر صاحب الكفاية في مبحث اجتماع الأمر و النهي‏ (2)، و قد يلتزم بانتفائه لأن ملاك الأمر هو المصلحة الراجحة، و مع تعلق النهي لا تكون هناك مصلحة راجحة لحصول الكسر و الانكسار، و إلّا لامتنع تعلق النهي فيكون ملاك النهي موجبا لرفع ملاكية ملاك الأمر لا مانعا عن تأثيرها.

و بما ان هذا الأمر مورد البحث، فقد يصير موردا للشك، فيكون محلا لتأسيس الأصل، لكن ليس لدينا أصل يعين أحد الطرفين كما لا يخفى.

الثالث: الصحة و الفساد من جهة مقربية العمل و عدمه، و هذا المعنى قد يصير مورد الشك أيضا فيشك في ان المبغوضية الفعلية هل تتنافى مع التقرب المعتبر في العبادة أو لا؟ و لكن لا أصل لدينا يعين أحد الطرفين كما لا يخفى.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 310- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 157- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

183

نعم الأصل في المسألة الفرعية يقتضي الفساد، إذ يشك ان العمل المأتي به مقرب أو لا؟ فيشك في فراغ ذمته بإتيانه بالعمل المنهي عنه، فقاعدة الاشتغال محكمة.

و هذا جميعه بالنظر إلى كون المسألة عقلية يقع البحث فيها في الملازمة العقلية بين النهي و الفساد.

اما لو كانت المسألة لفظية: بان كان النزاع في ان النهي ظاهر في الإرشاد إلى مانعية المنهي عنه أو هو ظاهر في الحرمة التكليفية لا غير؟ فمع الشك في ذلك لا أصل في المسألة الأصولية يعين أحد الطرفين و هو واضح.

و اما في المسألة الفرعية: فالشك فيها يرجع إلى الشك في مانعية المنهي عنه، فيكون المورد من موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و الأصل هو البراءة.

و لا يتجه التمسك بإطلاق دليل المأمور به لعدم الأمر في مورد النهي، إذ البحث في ان النهي المتعلق بالعبادة الخاصة هل يدل على مانعية تلك الخصوصية أو لا يدل؟ و انما يدل على حرمة العمل المختص بالخصوصية بعد الفراغ عن عدم منافاة الحرمة التكليفية للتقرب بالعمل، فالعمل منهي عنه فلا يمكن ان يكون متعلقا للأمر فيكون خارجا عن الإطلاق لا محالة، فهو خارج عن دائرة الإطلاق، و من هنا يعلم ان قياسه بمورد عدم النهي لا وجه له، فما أفاده المحقق الأصفهاني من التمسك بالإطلاق غير خال من الإشكال.

هذا فيما يتعلق بالأصل في مورد النهي عن العبادة و ما ذكرناه من التفصيل مأخوذ عما ذكره المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية بأدنى اختلاف. فلاحظه‏ (1).

و اما مورد النهي عن المعاملة فمع الشك في اقتضائه الفساد لا أصل في‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 310- الطبعة الأولى.

184

المسألة الأصولية يعين أحد الطرفين.

و اما في الأصل فيما يقع من العقود خارجا، فان كان هناك إطلاق أو عموم يتمسك به في تصحيح المعاملة لعموم‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) لو تم كان هو المتعيّن و لا تصل النوبة إلى الأصل العملي، و بدونه فالأصل العملي يقتضي الفساد لاستصحاب عدم ترتب الأثر على المعاملة كالملكية في البيع و الزوجية في النكاح و نحو ذلك.

فما ذكره صاحب الكفاية من عدم الأصل في المسألة الأصولية في كلا الموردين وجيه كما ان ما ذكره من كون الأصل في المسألة الفرعية يقتضي الفساد في كلا الموردين وجيه أيضا. إلّا إذا كان البحث في العبادة عن دلالة النهي على المانعية فقد عرفت ان الأصل يقتضي الصحة.

كما ظهر ان الشبهة في العبادة ليست شبهة موضوعية، بعد فرض تعلق النهي بها و كون الشك في منافاته للمقربية، أو كون المقصود منه الإرشاد إلى المانعية. فلاحظ جيدا.

الأمر الثامن: في صور النهي في العبادة.

و قد ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) ان النهي تارة: يكون متعلقا بنفس العبادة. و أخرى: بجزئها. و ثالثة: بشرطها. و رابعة: بوصفها الملازم لها كالجهر و الإخفات في القراءة. و خامسة: بوصفها المفارق كالغصبية للصلاة المنفكة عنها.

اما القسم الأول: فلا ريب في دخوله في محل النزاع. و مثله القسم الثاني، لأن جزء العبادة عبادة، لكن فساده لا يستلزم فساد العمل لو أتى بغيره مما لم يتعلق به النهي و لم يقتصر عليه. نعم قد يستلزم الجمع بين فردي الجزء محذورا

____________

(1) سورة المائدة الآية: 1.

185

آخر يبطل العمل كتكرار السورة المستلزم لتحقق القرآن المبطل على القول به.

و اما القسم الثالث: فحرمة الشرط لا تستلزم فساد المشروط العبادي، لعدم كون الشرط عبادة، فلا يفسد بالتحريم. نعم لو فرض كون الشرط عبادة كالطهارة للصلاة كان حرمته موجبة لفساده الموجب لفساد المشروط به.

و اما القسم الرابع: فالنهي عن الوصف الملازم مساوق للنهي عن موصوفه، فيكون النهي عن الجهر في القراءة مساوقا للنهي عنها لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأمورا بها مع كون الجهر بها منهيا عنه فعلا كما لا يخفى.

و اما القسم الخامس: فالنهي عن الوصف لا يسري إلى الموصوف إلّا إذا كانا متحدين وجودا بناء على امتناع اجتماع الحكمين. و اما بناء على الجواز فلا يسري الحكم من أحدها إلى الآخر جزما.

هذا كله بالنسبة إلى النهي المتعلق بالجزء أو الشرط أو الوصف. و اما النهي عن العبادة لأجل هذه الأمور فحاله حال النهي عن أحدها إذا كان تعلق النهي بالعبادة بالعرض، و ان كان النهي عنها حقيقة و كان النهي عن أحدها واسطة في الثبوت لا العروض كان حاله حال النهي في القسم الأول.

هذا ما أفاده في الكفاية (1).

و يقع البحث معه في جهات من كلامه:

الجهة الأولى: في أصل التقسيم إلى هذه الأقسام، فانه مما لا وجه له، إذ البحث في دلالة النهي عن العبادة على الفساد، و من الواضح انه لا فرق بين عبادة و عبادة سواء كانت كلا أو جزءا أو شرطا أو وصفا، فان الحكم فيها واحد و البحث عن الجميع واحد.

و ان كان المقصود من هذا التقسيم البحث عن فساد الكل بفساد الجزء،

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 185- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

186

و فساد المشروط بفساد الشرط، فهذا لا ربط له بالبحث عن اقتضاء النهي عن العبادة للفساد، بل هو بحث يحرّر في الفقه في مباحث الخلل. و ان كان النّظر إلى البحث عن المركب المنهي عنه لجزئه أو شرطه بمعنى المركب الّذي تسري حرمته من حرمة الجزء أو الوصف، فهو أجنبي عما نحن فيه لأنه ان كانت الحرمة الثابتة للمركب حرمة عرضية، بمعنى انها تنسب إليه بالعرض و المجاز، فهو واضح، لعدم تعلق الحرمة بالمركب واقعا حتى يبحث عن اقتضائها الفساد. و ان كانت ثابتة له حقيقة بان كانت حرمة الجزء واسطة في ثبوت الحرمة للمركب تكون العبادة من مصاديق المحرّم، و لا دخل في البحث عن فسادها لسبب حرمتها، فلا يتجه هذا التقسيم لأجل بيان حرمة العبادة بحرمة جزئها، فانه لا أثر له فيما هو موضوع الكلام من اقتضاء النهي الفساد.

و جملة القول: لم يعلم دخالة هذا التقسيم و التشقيق في محل الكلام.

نعم، يمكن ان يجعل في الحقيقة بحثا عما هو من المبادئ، بان يكون البحث في سراية الحرمة حقيقة من الجزء إلى المركب و من الشرط إلى المشروط و من الوصف إلى الموصوف، فيكون البحث عن صغرى من صغريات المسألة.

و هذا الإيراد ذكره المحقق الأصفهاني‏ (1).

الجهة الثانية: فيما ذكره من ان جزء العبادة عبادة، فانه على إطلاقه ممنوع، إذ لا ملازمة بين جزئية شي‏ء للعبادة و كونه عبادة، فيمكن ان يتعلق الأمر العبادي بالعمل المركب بنحو الاستغراق لأجزائه من دون ان يكون جميع اجزائه عبادة بل يكون بعضها غير عبادي، و يشهد له ان تقيد الصلاة بالشرط جزء من اجزاء العمل مع انه لا يعتبر فيه ان يقع بنحو عبادي. نعم مثل الركوع و السجود دل الدليل على كونه عباديا فلا كلام فيه.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 310- الطبعة الأولى.

187

و بوجه برهاني نقول: ان المقصود بالعبادة اما ما يكون حسنا في ذاته أو ما لو امر به لكان امره عباديا، و من الواضح انه لا يلزم ان يكون كل جزء معنونا بعنوان حسن بذاته، بل يكفي المركب كذلك.

الجهة الثالثة: فيما ذكره من ان بطلان الجزء لا يستلزم بطلان المركب إذا لم يقتصر عليه إلّا إذا كان التكرار مستلزما لوجود محذور آخر كالقرآن- بناء على مانعيته- في تكرار السورة، كما لو أتى بسورة العزيمة و غيرها.

فان المحقق النائيني (قدس سره) ذهب إلى دلالة النهي عن الجزء على فساد العبادة ببيان محصله: ان الجزء المنهي عنه اما ان يؤخذ فيه العدد الخاصّ كالسورة المأخوذة بقيد الوحدة بناء على حرمة القرآن و مانعيته. و اما ان لا يؤخذ فيه عدد خاص.

فعلى الأول: إذا تعلق النهي بأحد افراد الجزء كالنهي المتعلق بقراءة سورة العزيمة، فالقارئ لسورة العزيمة اما ان لا يقرأ غيرها أو يقرأ، فان لم يقرأ غيرها كانت العبادة باطلة لعدم الإتيان بجزئها، لأن النهي عن الجزء يلازم خروجه عن دليل الجزئية. و ان قرأ غيرها تبطل العبادة من جهة القرآن.

و على الثاني: بان التزمنا بجواز القرآن و التعدد، كانت العبادة باطلة بالتعدد لوجهين:

الأول: ان دليل تحريم الجزء يخصص دليل جواز القرآن بغير صورة الإتيان بالمحرّم، فلا يكون القرآن في هذه الصورة جائزا.

الثاني: ان تحريم الجزء يستلزم أخذ العبادة بالقياس إليه بشرط لا و يترتب عليه ثلاثة أمور توجب البطلان:

الأول: كونه مانعا، إذ لا يراد بالمانع سوى ما أخذ عدمه في الصلاة، فمع وجوده تبطل الصلاة.

الثاني: كونه زيادة في الفريضة و هي مبطلة، إذ لا يعتبر في الزيادة المبطلة

188

قصد الجزئية إذا كان الزائد من جنس العمل.

الثالث: خروجه عن أدلة جواز مطلق الذّكر لاختصاصها بغير المحرّم باعتبار ورود جوازه بعنوان انه حسن و المحرم غير حسن، فيدخل في عمومات مبطلية الكلام، إذ الخارج منها ما كان ذكرا غير محرم.

هذا ما ذكره المحقق النائيني‏ (1). و هو يختلف مع صاحب الكفاية فيما لم يكن القرآن مانعا في نفسه، فانه يذهب لمانعيته من جهة تحريم الجزء بالوجهين المزبورين.

إلّا ان الوجه الأول لا ينهض لإثبات مدعاه لأن مقصوده من جواز القرآن الّذي يخرج مورد الجزء المحرم عنه اما ان يكون الجواز الوضعي أو التكليفي. فان كان مقصوده الجواز الوضعي بمعنى عدم مبطلية القرآن، فاستلزام تحريم الجزء خروج صورة إتيانه عن دليله أول الكلام فانه هو محط البحث، فالوجه الأول على هذا يكون عين الدعوى لا دليلا عليها. و ان كان مقصوده الجواز التكليفي فتحريم الجزء و ان استلزم تحريم القرآن لكن لا ملازمة بين حرمة القرآن تكليفا و بين مانعيته، و المقصود إثبات مانعيته لا حرمته. و كان عليه ان يبين ثبوت الملازمة بين الحرمة و المانعية و وجهها، لا مجرد ثبوت حرمة القرآن فانه لا يصلح وجها لإثبات مانعية القرآن.

و اما الوجه الثاني: فقد أورد عليه نقضا و حلا.

اما النقض: فبمثل النّظر إلى الأجنبية المحرم في الصلاة، فانه لم يقل أحد بمبطليته للصلاة.

و اما الحل: فبان جزئية السورة لو أخذت بشرط لا بالنسبة إلى الجزء المحرم لتم ما ذكر، لكنه لم يثبت ذلك، بل مقتضي إطلاق دليلها أخذها لا بشرط،

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 397- الطبعة الأولى.

189

و عليه فلا منافاة للجزء المحرم لصحة الصلاة.

و هذا بعينه يجري في مثل النّظر إلى الأجنبية، فان الصلاة مأخوذة بالنسبة إليها لا بشرط بمقتضى إطلاق دليلها.

كما أورد عليه بما لا يرجع إلى بطلان الدعوى: من ان بيان بطلان العمل بمثل زيادة الجزء أو مبطلية الكلام مما يختص بخصوص الصلاة لا يتناسب مع البحث الأصولي المقصود به إثبات قواعد عامة تجري في مطلق أبواب الفقه، فتدبر (1).

و الّذي يقتضيه التحقيق هو: تمامية ما أفاده المحقق النائيني في الوجه الثاني من ان تحريم الجزء يلازم مانعيته و أخذه بشرط لا.

و بيان ذلك: انه قد تقدم ان أسماء العبادات موضوعة للأعم من الصحيح و الفاسد، و قد فرض في الموضوع له معنى ينطبق على الزائد و الناقص و القليل و الكثير، فكل ما يحصل من الاجزاء يكون دخيلا في فرد العمل و مقوما له و يكون العمل صادقا على المجموع، فهو كما يصدق على ذي التسعة اجزاء يصدق على ذي العشرة بحيث يكون الجزء العاشر دخيلا فيما يصدق عليه العمل لا خارجا عنه، إذ لم تلحظ في مقام الصدق كمية معينة من الاجزاء.

و عليه، فالعمل المأتي به مع الجزء المحرم ينطبق عليه عنوان العمل كالصلاة مثلا، و يكون الجزء المحرم مقوما للفرد. و من الواضح ان إطلاق العنوان المأخوذ في متعلق الأمر لا يمكن شموله لهذا الفرد المشتمل على الجزء المحرم، إذ يمتنع تعلق الأمر بالفرد ذي الجزء المحرم. فالفرد المشتمل على الجزء المحرم خارج عن دائرة المأمور به و لا يتعلق به الأمر، فالإتيان بالجزء المحرم يلازم ارتفاع الأمر عن المأتي به، و هذا هو المقصود بالمانعية و أخذه بشرط لا.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 398 [هامش رقم (1)]- الطبعة الأولى.

190

و من هذا البيان يظهر انه لا وجه للنقض بمثل النّظر إلى الأجنبية مما لا يكون مقوما للفرد و جزء له عند تحققه، فان العنوان انما ينطبق على ذات الاجزاء و النّظر خارج عنها فيمكن ان يقال: ان مقتضي إطلاق الدليل أخذ العمل لا بشرط من جهته فلا يكون مانعا. فتدبر و التفت.

الجهة الرابعة: فيما ذكره في شأن الوصف الملازم. و البحث معه من هذه الجهة في نقاط ثلاثة:

الأولى: في تفكيكه بين الوصف الملازم و المفارق في الذّكر، فانه لا وجه له بعد ان كان الملاك في سراية الحرمة من الوصف إلى الموصوف وحدة وجودهما الموجب لوحدة الحكم، و هذا لا يختلف فيه الحال بين المفارق و الملازم من الأوصاف، فكان عليه ان يذكرهما بعنوان واحد جامع بينهما.

الثانية: في المثال الّذي ساقه، و هو مثال الجهر في القراءة، فهل هو من موارد الاتحاد في الوجود أو ان وجود الجهر غير وجود القراءة؟.

و الّذي نراه ان وجود الجهر و وجود القراءة واحد لا متعدد، فان الجهر و ان كان عرضا لكنه في واقعه كيفية من كيفيات وجود القراءة، فهو عبارة عن القراءة العالية و لا وجود له غير وجود القراءة، فمرجع الجهر و الإخفات إلى الشدة و الضعف في القراءة نظير الشدة و الضعف في النور و في الألوان، فان شدة النور ليست وجودا غير وجود النور بل عبارة عن مرتبة من مراتب وجود النور.

و على هذا فلا يحتاج إلى التطويل الدّقيق الّذي جاء في حاشية المحقق الأصفهاني لبيان وحدة وجودهما، فانه لا جدوى فيه‏ (1).

الثالثة: في استدلاله على سراية النهي من الوصف إلى الموصوف فانه قال: «لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأمورا بها مع كون الجهر بها منهيا

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 311- الطبعة الأولى.

191

عنه فعلا كما لا يخفى». فان هذا الاستدلال لا يفي بالمدعى، إذ غايته إثبات ارتفاع الأمر عن القراءة لملازمتها للمحرم، و لا يمكن اختلاف المتلازمين في الحكم، و لا يقتضي ثبوت الحرمة للقراءة الّذي هو المدعي، و إلّا للزم سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الآخر لتأتي الدليل المزبور، و هو لا يلتزم به كما لا يلتزم به غيره.

و بعد هذا يقع الكلام في محل البحث و هو في مقامين:

المقام الأول: في النهي عن العبادة

. و لا إشكال في اقتضائه الفساد. لعدم صلاحية العمل به للتقرب، فانه ان اعتبر في تحقق العبادة قصد امتثال الأمر فلا امر هنا لامتناع اجتماع الحكمين. و ان لم يعتبر ذلك و اكتفي بمجرد المحبوبية، فالمفروض ان العمل متعلق للمبغوضية فلا يمكن التقرب به، بل هو مبعد و التقرب بما هو مبعد محال، و هذا مما لا إشكال فيه و لا خلاف.

انما الكلام في إمكان تعلق الحرمة الذاتيّة بالعبادة.

و قد تعرض في الكفاية إلى بيان وجه امتناعه، و هو: ان متعلق الحرمة اما ان يكون ذات العبادة من دون قصد القربة أو يكون الذات مع قصد التقرب.

و الأول غير ثابت و لا يلتزم به إذ المحرم ليس اجزاء العمل بحيث لو أتى بها من دون قصد التقرب كان عاصيا. و الثاني غير مقدور عليه إلّا بالتشريع، و معه يكون العمل محرما بالحرمة التشريعية، فلا يصح تعلق الحرمة الذاتيّة به لامتناع اجتماع الحكمين المتماثلين فانه كاجتماع الضدين.

و قد أجاب عنه في الكفاية بوجوه:

الأول: انه أخص من المدعي، إذ هو لا يتم بالنسبة إلى العيادة الذاتيّة كالسجود للّه فانه لا تتقوم عباديتها بقصد التقرب حتى يستلزم التشريع، بل مجرد الإضافة يكفي في تحقيق العبادية، و عليه فلا يمتنع تعلق الحرمة الذاتيّة بها في هذا الحال.

192

و اما غيرها من العبادات، فقد ذكر ان المراد بالعبادة التي هي متعلق النهي ما لو امر به لكان امر عباديا لا يسقط إلّا بقصد القربة. و هذا لا يمنع من تعلق الحرمة الذاتيّة به. و مرجع كلامه إلى الالتزام بتعلق النهي بذات العمل‏ (1).

و لذلك أورد عليه المحقق الأصفهاني بوجهين:

أحدهما: ان الالتزام بحرمة ذات العمل و لو لم يأت بها بقصد التقرب في غاية الإشكال.

ثانيهما: ان مثل هذا العمل فاسد و لو لم يتعلق به نهي لعدم اشتماله على ما يصلح للمقربية و العبادية (2).

و بملاحظة هذين الإيرادين يمكن ان نحرر الإشكال في تعلق الحرمة الذاتيّة بالعبادية بطور آخر، و هو ان نقول: ان الحرمة الذاتيّة ان فرض تعلقها بذات العمل من دون قصد القربة، فهو مما لم يلتزم به أحد، مع ان فساد العمل في مثل هذا الحال لا يختص بصورة النهي. و ان فرض تعلقها بالعمل المأتي به بقصد القربة لزم اجتماع المثلين لأن العمل بقصد القربة حرام تشريعيا.

و الجواب عن الإشكال: انه يمكننا اختيار كلا الشقين.

فنختار الشق الأول: و هو تعلق النهي بذات العمل. و الإيراد عليه بان فساد العمل لا يختص بحال النهي غير سديد، إذ يمكن ان يكون في نفس العمل جهة راجحة لو لا النهي، فيكون النهي مانعا عن صلاحية العمل للتقرب به لمبغوضيته بخلاف ما لو لم يكن نهي فان العمل صالح للمقربية بتلك الجهة الراجحة فلا يكون فاسدا.

نعم الإيراد عليه بعد الالتزام بمثل ذلك متين جدا.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 165- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 312- الطبعة الأولى.

193

و نختار الشق الثاني، و نجيب عن إشكال ثبوت الحرمة التشريعية بوجهين: الأول: ان الإتيان بالعمل بقصد قربي لا يلازم التشريع دائما، بل يمكن تحققه بدون تشريع و هو الإتيان به رجاء، فيمكن تعلق الحرمة الذاتيّة بالعمل المأتي به بقصد القربة رجاء.

الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية من ان التشريع ليس من صفات الفعل الواقع كي تكون حرمته حرمة للفعل، بل هو من صفات القلب فان التشريع عبارة عن البناء القلبي على جعل الحكم، و لا يكون العمل سوى كاشف عن البناء و التشريع لا أكثر فلا وجه لتحريمه، و بعبارة أخرى: التشريع عبارة عن إدخال ما ليس في الدين فيه و ليس العمل إدخالا لما ليس في الدين فيه كما لا يخفى.

نعم الاخبار عن الجعل محرم لأنه افتراء، و لكنه لا يرتبط بالعمل المأتي به.

و بالجملة: فالتشريع من صفات الفاعل لا الفعل، و ليس هو كالتجري الّذي قد يقال فيه انه من صفات الفعل باعتبار ان الفعل في مورد التجري بنفسه يتعنون بعنوان الهتك للمولى الّذي هو مورد التحريم و العقاب‏ (1). فالتفت.

هذا مع انه قد يناقش في أصل حرمة التشريع لعدم الدليل عليه. فتدبر.

و اما ما ذكره صاحب الكفاية، وجها ثالثا في الجواب عن الإشكال من ان النهي و ان لم يكن دالا على الحرمة الذاتيّة لكنه يدل على الفساد لدلالته على الحرمة التشريعية الراجعة إلى عدم شمول دليل المأمور به للمحرم فلا وجه لكونه مقربا (2).

فهو بعيد عما هو محل الكلام، فان محل الكلام هو الملازمة العقلية بين الحرمة و الفساد لا في دلالة دليل النهي و عدم دلالته و ان لم يكن تحريم واقعا. فان‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 187- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 187- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

194

البحث و ان تقدم كونه لفظيا لكن واقعه في العبادات عقلي كما تقدم فانتبه.

و قد تعرض المحقق النائيني إلى دفع بعض الشبه قبل الخوض في أصل المطلب و نذكر منها شبهتين:

إحداهما: انه كيف يعقل النهي عن العبادة، مع ان فرض العبادية يلازم فرض المقربية كما ان فرض النهي يلازم فرض المبعدية، و يمتنع ان يكون شي‏ء واحد مقربا و مبعدا؟.

و أجاب عنه: بان متعلق النهي ليس هو العبادة الفعلية كي يتأتى ما ذكر، و انما المراد بالعبادة التي تكون متعلقا للنهي هي الوظيفة التي لو امر بها كان امرها عباديا أو ما كان في نفسه عبادة كالسجود للّه‏ (1).

و الّذي يبدو لنا ان هذا الجواب بعيد عن الإيراد. فان مقصود المورد هو لغوية البحث لوضوح المنافاة بين النهي و العبادية، فالبحث عن اقتضاء النهي عن الفساد بحث لغو. و هذا يتأتى سواء قلنا بان متعلق النهي العبادة الفعلية أو ذات العبادة. فالجواب عنه بان المتعلق هو ذات العبادة غير مجد في دفعه.

ثانيتهما: ان العبادة و ان فرضنا إمكان تعلق النهي بها إلّا انه لا يوجب فسادها، لأن الفساد يستند إلى عدم مشروعيتها سواء كان نهي أو لم يكن.

و أجاب عنه: بان الفساد في مورد عدم النهي يستند إلى الأصل، و هو أصالة عدم مشروعيتها و في مورد النهي يستند إلى الدليل الرافع لموضوع الأصل لارتفاع الشك به‏ (2).

و هذا الجواب غير سديد، من جهتين:

الأولى: ما فرضه من جريان الأصل عند عدم النهي، مع ان الغالب فيما نحن فيه وجود إطلاق أو عموم يثبت المشروعية لو لا النهي.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 394- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 394- الطبعة الأولى.

195

الثانية: ما ذكره من استناد الفساد إلى الدليل، فانه خروج عما هو محط البحث من الملازمة العقلية بين الحرمة و الفساد، و ليس البحث في دلالة الدليل بلحاظ انه يتكفل بيان عدم مشروعيته.

و الجواب الصحيح عن هذا الإيراد ما تقدم بيانه في الجواب عن الإيراد الّذي ذكره صاحب الكفاية بعد تنقيحه.

ثم انه قد يقال: بأنه لا وجه للبحث عن اقتضاء النهي للفساد، فان النهي لا يقتضي الفساد بحال من الأحوال، بل ثبوته يلازم عدم الأمر، كما ان ثبوت المبغوضية يلازم عدم المحبوبية، و ثبوت المفسدة الراجحة يلازم عدم المصلحة الراجحة، نعم لو قلنا بان وجود الضد منشأ لعدم الضد الآخر تم نسبة الاقتضاء للنهي. لكن ذلك لا يلتزم به، بل هما متلازمان كما مر في بحث اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده الخاصّ.

و الجواب: ان نسبة الاقتضاء بمعناه الفلسفي إلى النهي غير صحيحة، لكن المراد به معناه العرفي المسامحي، و العرف يرى كون وجود أحد الضدين مانعا عن الضد الآخر و منشئا لعدمه بحيث يسند عدمه إلى وجود ضده، فيصح بهذا اللحاظ إطلاق الاقتضاء عليه.

و الأمر سهل، فان الإشكال لفظي لا يمتّ لواقع البحث بصلة.

فلو تم أبدلنا التعبير بما يتلاءم مع الواقع العقلي للمطلب فنقول: هل النهي يلازم الفساد أو لا؟.

المقام الثاني: في النهي عن المعاملة

و لا بد من تحديد محل النزاع فنقول:

ان النهي عن المعاملة.

تارة: يكون إرشاديا إلى مانعية الخصوصية المأخوذة فيها.

و أخرى: يكون نهيا تكليفيا.

و هو تارة: يتعلق بذات السبب بما انه فعل من افعال المكلف، كالنهي عن‏

196

البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، فان النهي عن ذوات الألفاظ التي تقع بها المعاملة لأنها شاغلة عن صلاة الجمعة.

و أخرى: يتعلق بالمسبب يعني كالتمليك الحاصل من إنشاء البيع، فيكون التحريم متعلقا بما يترتب على السبب من أثر.

و ثالثة: يتعلق بالتسبب بالسبب الخاصّ إلى مسببه، و يمثل له بالنهي المتعلق بالمراهنة بالعوض، فان نفس التمليك غير محرم، كما ان نفس السبب من دون عوض كذلك. فالمحرم هو التسبب إلى حصول التمليك بالسبب الخاصّ.

و محل الكلام هو القسمان الأخيران.

اما الأوّل: فلأنه لا إشكال في اقتضائه فساد المعاملة لاحتفافها بالمانع من صحتها، و لا كلام لأحد فيه.

و اما الثاني:- أعني النهي المتعلق بذات السبب- فلم يتوهم دلالته على الفساد، كما لا وجه له أصلا، إذ مبغوضية السبب لا تنافي ترتب اثره عليه لو تحقق. اذن فيختص الكلام بالقسمين الآخرين.

و قد ذهب صاحب الكفاية أولا إلى عدم اقتضاء النهي الفساد، و علله بعدم الملازمة بين الحرمة و الفساد لغة و لا عرفا (1).

و لا يخفى ان ذلك يرجع إلى نفي دعوى الملازمة، فكان الأوجه ذكر ما تقرب به دعوى الملازمة و نفيه لا الاكتفاء بمجرد دعوى عدم الملازمة.

هذا مع ان نفي الملازمة عرفا و لغة لا يعلم وجهه، إذ البحث عن اقتضاء الحرمة للفساد، و الحال في ذلك لا يختلف بين ان تكون الحرمة معنى لغويا فقط أو عرفيا فقط أو كليهما. فالتفت.

و على كل حال فالأقوال في محل البحث ثلاثة:

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 187- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

197

الأول: اقتضاء النهي الفساد.

الثاني: اقتضاء النهي الصحة. و هو المنسوب إلى أبي حنيفة و الشيباني‏ (1).

الثالث: عدم اقتضائه لأحدهما.

اما القول الأول فيوجه بوجوه:

الوجه الأول: دلالة الروايات عليه، كرواية زرارة عن الباقر (عليه السلام): «عن مملوك تزوج بغير اذن سيده. فقال: ذلك إلى سيده إن شاء أجازه و إن شاء فرق بينهما. قلت: أصلحك اللّه تعالى ان الحكم بين عينيه و إبراهيم النخعي و أصحابهما يقولون ان أصل النكاح فاسد و لا يحل إجازة السيد له. فقال أبو جعفر (عليه السلام):

انه لم يعص اللّه انما عصى سيده فإذا أجاز فهو له جائز» (2). فان ظاهرها انه لو كان عمله عصيانا للّه كان فاسدا، فيدل على انه لو كان محرما كان فاسدا لأن فعل الحرام معصية.

و فيه: ما أشار إليه في الكفاية (3) من ان العصيان كما يطلق على مخالفة الحكم التكليفي يطلق أيضا على مخالفة الحكم الوضعي و الشروط الوضعيّة، بلحاظ انه مخالفة للمقررات المفروضة، فان ترك الجري على طبقها يعد عصيانا عرفا، و هي و ان كانت ظاهرة في المعنى الأول إلّا ان المراد بها في الرواية هو المعنى الثاني بقرينة إطلاق المعصية على إيقاع المعاملة بدون إذن سيده، فالمراد- بملاحظة هذه القرينة- انه لم يأت بالمعاملة مخالفا لما هو المقرر شرعا في‏

____________

(1) شرح تنقيح الفصول- 173.

(2) الفروع من الكافي 5- 478. باب المملوك تزوج بغير اذن مولاه- الحديث 3.

من لا يحضره الفقيه 3- 350. باب طلاق العبد- الحديث 4.

تهذيب الأحكام 7- 351. باب العقود على الإماء ...- الحديث 63.

وسائل الشيعة 14- 523. الباب 24 من نكاح العبيد و الإماء- الحديث 1.

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 188- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

198

تماميتها، بل جاء بها مخالفا لسيده لعدم إذنه. فلا ظهور لها في كون المخالفة للحكم التكليفي موجبة للفساد.

و لو سلم عدم ظهور إرادة المعنى الثاني فلا يسلم ظهورها في المعنى الأول، بل تكون الرواية مجملة لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية على إرادة خلاف ظاهره، كما لا ظهور للكلام في استعماله في الأعم من المعنيين. فتدبر.

و من هنا يظهر حال سائر الروايات المستدل بها على المدعي فلا نطيل الكلام بالتعرض إليها.

الوجه الثاني: ان المسبب من مجعولات الشارع و اعتباراته، فإذا فرض كونه مبغوضا كما هو ظاهر النهي لم يتحقق من قبل الشارع، فالملكية إذا كانت مبغوضة للشارع لم يعتبرها، لكن المبغوضية ليست مبغوضية تشريعية بل تكوينية، لأن متعلقها فعل المولى نفسه فلا يعقل ان يتعلق بها التحريم، فما يعقل تعلق التحريم به بلحاظ انه فعل المكلف، هو إيجاد الملكية و التسبب إلى اعتبارها شرعا بسبب العقد، فالملكية لها حيثيتان بإحداهما تكون فعل المولى و بالأخرى تكون فعل المكلف فتكون متعلقا للتحريم من حيثية كونها فعلا له تسببا.

و على هذا البيان يقرّب دلالة النهي على الفساد: بان التسبب إلى الملكية يتقوم باعتبار الملكية، إذ مع عدم اعتبارها لا يتحقق التسبب إليها كما لا يخفى، و عليه فمع تحريم التسبب و مبغوضيته لا يعقل جعل الملكية المحققة للتسبب.

فحرمة المعاملة بهذا النحو تستلزم فسادها و عدم جعل الشارع للأثر المترتب عليها.

و ببيان آخر، نقول: ان متعلق التحريم و ان كان هو الملكية التسببية و المبغوض هو الملكية المستندة إلى المكلف باعتبار إيجاد سببها، إلّا ان تحقق ذلك لا يكون إلّا باعتبار الشارع الملكية و جعلها، و مع فرض مبغوضية التمليك الصادر من المكلف يستحيل جعل ما يحققه و يقومه و هو الملكية.

199

و لا يخفى ان هذا البيان لا يرد على المسلك القائل‏ (1) بوجود مواطن ثلاثة للاعتبار و هي الاعتبار الشخصي و الاعتبار العقلائي و الاعتبار الشرعي، يعني ان المنشئ يعتبر المنشأ في نفسه و يكون اعتباره موضوعا لاعتبار العقلاء و الاعتبار العقلائي يكون موضوعا للاعتبار الشرعي، و الوجه في عدم ورود هذا البيان على هذا المسلك هو: ان فعل المكلف المتعلق للتحريم أجنبي بالمرة عن فعل الشارع، فان المبغوض هو الاعتبار الشخصي لأنه القابل للتحريم دون غيره، و هو لا يتنافى مع اعتبار الشارع و جعله، إذ هو غير مبغوض.

و انما يتجه هذا البيان على المسلك المشهور القائل بان واقع المعاملة هو الإنشاء بداعي تحقق الاعتبار العقلائي أو الشرعي فهي التسبيب إلى اعتبار الشارع، من دون أن يكون للمنشئ اعتبار شخصي.

إذ تتجه دعوى ان المبغوض متقدم باعتبار الشارع فلا معنى لجعله و اعتباره من قبله.

و عليه، فلا يتجه التفصّي عن هذا البيان بالالتزام بوجود الاعتبار الشخصي و انه هو متعلق التحريم.

فالتحقيق ان يقال: ان اعتبار الملكية- مثلا- و ان كان بيد الشارع إلّا ان تحققه لما كان بلحاظ تسبيب المكلف و إنشائه أسند التمليك إلى المكلف كما يسند إلى الشارع، فهناك تمليكان أحدهما تمليك المكلف و الآخر تمليك الشارع، نظير ما لو رمى شخص آخر برصاصة فجاء ثالث و أوقف المرمي تجاه الرصاصة فأصابته و قتل فان القتل كما يسند إلى الرامي يسند إلى هذا الشخص الثالث.

و عليه، فإذا فرض تعدد التمليك بحسب ما يراه الوجدان بنحو لا يقبل الإنكار، فالمبغوض المحرم هو تمليك المكلف لا مطلق التمليك، فلا مانع من تحقق‏

____________

(1) التزم بهذا المسلك السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب.

200

التمليك من الشارع لأنه ليس من مبغوضاته.

و بالجملة: تعدد التمليك مما لا يقبل الإنكار، إذ يسند التمليك للبائع، فيقال انه ملّك مع انه لا معنى له لو كان فعل الشارع، إذ فعل الغير لا يسند إلى الشخص، فيكشف عن تعدد التمليك و معه يرتفع المحذور.

و توضيح ذلك و بيان السرّ فيه: ان شأن الشارع هو جعل الملكية على تقدير تحقق المعاملة بنحو القضية الحقيقية، بمعنى انه يعتبر الملكية عند تحقق البيع بشرائطه مثلا، و بنحو جعل الحكم الكلي على موضوعه الكلي و لا شأن له بمرحلة التطبيق، فإذا أوجد المكلف المعاملة في الخارج ثبت الاعتبار في موردها قهرا، فيسند التمليك إلى المكلف بهذا اللحاظ، إذ يرى انه هو سبب تحقق الاعتبار الفعلي نظير مثال القتل فان الرصاصة المرمية تصيب كل من واجهها فإذا أوقف شخص آخر تجاهها فأصابته أسند إليه القتل كما يسند إلى الرامي في نفس الوقت.

و مثله إطلاق تنجيس يده عليه، فيقال: نجّس يده، مع ان النجاسة من مجعولات الشارع، و ليس ذلك إلّا لأجل ان الشارع جعل النجاسة على ملاقي النجس بنحو الكلية، فإيجاد الموضوع المستلزم لترتب الحكم يوجب اسناد الحكم إلى المكلف، و هكذا الحال في الأحكام التكليفية، فانه يقال: انه حرم على نفسه الشي‏ء الكذائي، إذا أوجد موضوع التحريم.

و من الواضح ان إطلاق ذلك عليه يكون إطلاقا حقيقا لا يرى فيه شائبة من التجوز و المسامحة، مما يكشف عن وجود آخر يكون فعل المكلف، إذ الوجود المجعول للشارع ليس من افعال المكلف. فهناك تمليكان أحدهما تمليك المكلف و هو الّذي يكون مورد التحريم لأنه من أفعاله الاختيارية. فلاحظ و تدبر.

و الوجه الثالث: ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) و بنى عليه، و هو:

ان المعتبر في صحة المعاملة أمور ثلاثة:

201

الأول: كون الناقل- في مورد التمليك- مالكا للعين أو ما بحكمه بحيث يكون امر النقل بيده.

الثاني: ان تكون له السلطنة الفعلية الثابتة بقاعدة الناس مسلطون على أموالهم، فلا تصح من المحجور عليه لانتفاء السلطنة.

الثالث: ان يكون إيجاده بسبب خاص.

و النهي المتعلق بالمسبب كالنهي عن بيع المصحف للكافر يوجب اختلال الشرط الثاني من شروط الصحة، لأن النهي يكون معجّزا مولويا للمكلف، رافعا لسلطنته على الفعل و الترك، فتبطل المعاملة لأجل ذلك، اما ولاية النقل و إيجاده بسبب خاص فلا يتنافى مع النهي‏ (1).

و هذا الوجه غير سديد: إذ الثابت بقاعدة السلطنة محل خلاف، و على أي تقدير فالوجه غير تام بيان ذلك: انه اختلف في مفاد قاعدة السلطنة إلى قولين:

أحدهما: انها تتكفل جعل السلطنة وضعا، و اعتبار حق التصرف فيه.

ثانيهما: انها تتكفل بيان ثبوت السلطنة التكوينية على النقل، بداعي إفادة لازمة، و هو إمضاء المعاملات و اعتبار ترتب الأثر عليها، فانه إذا فرض إمضاء المعاملة و جعل الملكية- مثلا- عند معاملة البيع الواقعة، كان الشخص قادرا تكوينا على النقل.

و هذا الوجه أفاده المحقق الأصفهاني، و هو الوجه المتين، إذ لا وجه لجعل السلطنة بعد فرض تحققها تكوينا بجعل الأثر على المعاملة (2).

و بالجملة: المقصود بجملة: «الناس مسلطون على أموالهم» (3) على هذا

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 404- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. حاشية المكاسب 1- 26- الطبعة الأولى.

(3) المجلسي العلامة محمد باقر. بحار الأنوار 1- 154. الطبعة الحديثة.

202

الرّأي الكناية عن إمضاء المعاملة، إذ السلطنة التكوينية تلازم الإمضاء.

إذا عرفت ذلك: فلو كان المقصود بقاعدة السلطنة هو الثاني و انه ليس لدينا اعتبار للسلطنة، بل ليس هناك سوى جعل الأثر و إمضاء المعاملة و إنقاذها، فلا يتم الوجه المزبور، إذ لا ينافي النهي السلطنة التكوينية إلّا إذا كان ملازما لفساد المعاملة و عدم ترتب الأثر عليها، و هذا هو محل البحث و مورد النزاع، فلا بد من سلوك طريق آخر لإثبات الفساد غير هذا الوجه كما لا يخفى جدا.

و ان كان المقصود بها المعنى الأول. فمن الواضح ان لدينا قدرتين على التصرف قدرة تشريعية بمعنى جواز التصرف تكليفا، و قدرة وضعية بمعنى قابلية التصرف المعتبرة من الشارع، و التحريم انما يرفع القدرة الأولى، اما القدرة الوضعيّة فارتفاعها بالتحريم أول الكلام و هو عين الدعوى.

و عليه، فالمقصود بالقاعدة اما جعل القدرة الوضعيّة أو جعل الأعم من القدرة الوضعيّة و التشريعية.

فعلى الأول: يحتاج إثبات كون التحريم مخصصا للقاعدة و رافعا للقدرة المجعولة بها إلى دليل، و لا وجه لمجرد دعوى ذلك و الحال انه محل خلاف.

و على الثاني: كان التحريم رافعا للقدرة التشريعية فيخصص القاعدة إلّا ان محل الكلام رفعه للقدرة الوضعيّة، فلا ينفع ارتفاع القدرة الشرعية به. و ما ذكر لا يتكفل سوى دعوى رفعه لها من دون أي وجه.

و بالجملة: الوجه المزبور لا يعد و كونه دعوى ثبوت أحد القولين في محل النزاع.

و مثل ذلك يعد مصادرة و هو مما لا يتناسب مع المقام العلمي للمحقق النائيني (قدس سره). فالتفت و تدبر.

و المتحصل: انه لم يقم دليل على ملازمة التحريم للفساد.

و اما القول الثاني فهو المحكي عن أبي حنيفة و الشيباني.

203

و الوجه فيه: ان النهي عن الشي‏ء لا بد ان يفرض في مورد القدرة على الشي‏ء لامتناع تعلق التكليف بغير المقدور، و إذا فرض فساد المنهي عنه لزم عدم القدرة على تحققه بالنهي، و هو يتنافى مع تعلق النهي به، فلا بد من فرض وقوعه كي يصح تعلق النهي به.

و لا يخفى ان هذا الوجه لا اختصاص له بالنهي عن المعاملة، بل هو يتأتى في صورة النهي عن العبادة.

و لأجل ذلك أورد عليه صاحب الكفاية بأنه غير تام في مورد النهي عن العبادة لما تقدم من ان المقصود هو تعلق النهي بذات العمل الّذي لو امر به كان أمره عباديا أو تعلقه بما يكون عبادة ذاتا، و من الواضح ان مثل ذلك مقدور و لو كان فاسدا، اما النهي عن المعاملة، فان كان عن ذات السبب لم يستلزم الصحة، للقدرة على السبب مع عدم ترتب الأثر عليه. و اما إذا كان عن المسبب أو التسبب بالسبب إليه كان الوجه المذكور تاما، إذ مع عدم تحقق الأثر لا يكون المسبب و التسبب مقدورا كي يكون قابلا لورود الحرمة عليه و تعلق النهي به.

و على هذا فصاحب الكفاية وافق القائل بما إذا تعلق النهي بالمسبب أو التسبب. و خالفه في غير ذلك‏ (1). و هو على حق في مخالفته. لكنه في موافقته لا نراه محقا.

بيان ذلك: ان المسالك في باب الإنشاء و المعاملات مختلفة: فمنهم من يرى تعدد الاعتبار في باب المعاملة، فهناك اعتبار شخصي للملكية- مثلا- و اعتبار عقلائي و اعتبار شرعي، و هو مختار السيد الطباطبائي في حاشيته على المكاسب‏ (2).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 189- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الطباطبائي الفقيه السيد كاظم. حاشية المكاسب- 62- الطبعة الأولى.

204

و منهم من يرى ان المنشئ يقصد إيجاد المنشأ بوجود إنشائي يكون موضوعا للآثار العقلائية و الشرعية، فللملكية وجود إنشائي غير وجودها في مرحلة الاعتبار العقلائي. و هذا الرّأي لصاحب الكفاية و صرّح به و أكده في الفوائد (1).

و هذا الرّأي و ان لم يلتزم به القوم لكن صرحوا في بعض الموارد بلوازمه، و ذلك كما قيل في ردّ الإشكال على صحة إمضاء المعاملة الفضولية، بان إمضاء المعدوم لا وجه له. فقيل في ردّه: بان للمعاملة نحو وجود مستمر، كما قيل: بان مراد الشيخ في تعريف البيع بإنشاء التمليك هو التمليك الإنشائيّ، لعدم سلامة الأوّل من كثير من الإيرادات.

و منهم من يرى ان إنشاء الملكية ليس إلّا التسبب إلى اعتبارها شرعا أو عقلائيا، فليس للملكية سوى وجود اعتباري واحد. و هو الرّأي المشهور في باب الإنشاء.

و لا يخفى ان الوجه المتقدم لإثبات ملازمة النهي للصحة لا يتم بناء على الرّأي الأول، لأن ما هو فعل المكلف و ما هو متعلق الحرمة هو لاعتبار الشخصي، اما غيره فليس من أفعاله كي يتعلق به التحريم.

و من الواضح انه مقدور للمكلف و لو لم يترتب عليه الاعتبار الشرعي، فيصح تعلق التحريم به مع عدم استلزامه لترتب الأثر شرعا. و هكذا لا يتم هذا الوجه على الرّأي الثاني (رأي صاحب الكفاية)، إذ فعل المكلف هو الوجود الإنشائي و هو يتحقق سواء ثبت الأثر شرعا أو لا، فالقدرة عليه لا تلازم الصحة.

و مما هو غريب جدا موافقة صاحب الكفاية للقائل مع التزامه بهذا الرّأي‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. فوائد الأصول- 285- المطبوعة ضمن الحاشية.