منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
205

في باب الإنشاء.

نعم هذا الوجه يتجه في بادئ النّظر على الرّأي المشهور، إذ متعلق التحريم و هو التمليك لا يتحقق من دون اعتبار للملكية شرعا، و ليس لدينا فعل يسند إلى المكلف غير الملكية الاعتبارية بلحاظ إيجاد سببها.

و التحقيق انه غير تام. بيان ذلك: ان الشبهة المزبورة وردت لتخيل انه لا يوجد في المعاملة، سوى السبب و المسبب بمعنى الاعتبار الشرعي، و لكن الأمر ليس كذلك و إلّا لزم التوقف في صدق البيع بالنسبة إلى بيع الغاصب و الفضولي و المعتقد ان المال له، و ذلك لأن الاعتبار الشرعي لا يترتب على إنشاء الغاصب و لا الفضولي و لا غير المالك المتخيل ان المال ملكه، فلو فرض ان المعاملة اسم للتسبيب إلى الاعتبار الشرعي لزم ان لا يتحقق صدق البيع في هذه الموارد لعدم تحقق المسبب.

و بما انه مما لا يتوقف أحد في صدق البيع في مثل هذه الموارد و نسبة التمليك إلى البائع فيقال باع و ملك ما ليس له، نستكشف ان هناك امرا يتحقق بالإنشاء و لو لم يثبت المنشأ في عالم الاعتبار الشرعي، و هو يسند إلى المنشئ لأنه فعله التسببي، و ذلك الأمر هو وجود إنشائي للملكية في البيع.

و عليه ففي صورة الإنشاء هناك تمليك إنشائي غير التمليك الشرعي و هو فعل المنشئ و ينسب إليه.

و بذلك يتضح انه هو متعلق التحريم و غيره من الأحكام التكليفية، و هذا امر مقدور و لو لم يثبت الأثر شرعا، فالحرمة لا تلازم الصحة للقدرة عليه بدون الصحة.

و هذا المعنى لا بد من الالتزام به في الإنشائيات، و به يندفع كثير من الإشكالات الواردة على التعريف المشهور كما أشرنا إلى بعضها، و قد مر تحقيق ذلك في بحث الصحيح و الأعم فراجع.

206

و الّذي يتحصل ان النهي كما لا يدل على الفساد لا يدل على الصحة فالمرجع إطلاق دليل المعاملة لو كان موجودا و إلّا فالأصل. فالتفت و لاحظ و اللّه ولي التوفيق.

207

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

208

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

209

المفاهيم‏

عرف صاحب الكفاية المفهوم بأنه حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الّذي أريد من اللفظ بتلك الخصوصية و لو بقرينة الحكمة، و كان يلزمه لذلك سواء وافقه في الإيجاب و السلب و هو المعبر عنه بمفهوم الموافقة، أو خالفه و يعبر عنه بمفهوم المخالفة. فمفهوم جملة: «ان جاءك زيد يجب إكرامه» على تقدير القول به قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها و هي: «ان لم يجئك زيد فلا يجب إكرامه» تستتبعها الخصوصية المؤداة بالمنطوق و هي العلية المنحصرة كما سيأتي.

و انتهى (قدس سره) إلى ان المفهوم يصح ان يقال عنه انه حكم غير مذكور لا انه حكم لغير مذكور، إذ قد يكون الموضوع مذكورا كما في المثال السابق. و لكنه استدرك بعد ذلك بان هذه التعريفات انما تذكر لشرح الاسم فهي تعريفات لفظية لا حقيقة فالإشكال عليها بعدم النقض و الطرد في غير محله.

ثم أشار إلى ان المفهوم هل هو من صفات الدلالة أو المدلول؟ و استقرب الثاني و ذكر ان التعرض لذلك غير مهم في المقام.

210

هذا ما ذكره (قدس سره) في هذا المقام‏ (1).

و قد أوقع المحقق الأصفهاني الكلام معه في تعريفه بأنه حكم غير مذكور، و ناقشه فيه و اختار بعد ذلك معنى آخر للمفهوم، كما انه أوقع الكلام معه في كونه من صفات الدلالة و المدلول، فذكر: ان الدلالة بالمعنى الفاعلي لا تقبل الاتصاف بالمفهوم و لا يتوهم ذلك. و الدلالة بالمعنى المفعولي عين المدلول حقيقة. و عليه فالترديد في غير محله‏ (2).

و بما انه لا جدوى في سرد ذلك مفصلا و تمييز الحق منه عن غيره لم نتعرض إلى بيانه و اقتصرنا علي مجرد الإشارة إليه، فمن أراد الاطلاع فليراجع.

و منه ظهر ان ما أفاده المحقق النائيني (رحمه الله) من تنويع المفهوم، و انه تارة يكون افراديا. و أخرى يكون تركيبيا، و إيقاع البحث في ذلك مفصلا مما لا جدوى فيه مع غض النّظر عما في بعض ما ذكره من التأمل و النّظر (3).

و الأمر الّذي نود التنبيه عليه، هو: انك عرفت ان المفهوم حكم تستتبعه خصوصية مرادة من اللفظ كخصوصية العلية المنحصرة في الشرط المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء، فهو حكم يلازم الخصوصية المؤداة باللفظ، فالذي نحتاجه في البحث عن المفهوم هو إثبات هذه الخصوصية المستلزمة للمفهوم لا غير، لأن ثبوت هذه الخصوصية يكفي في إثبات المفهوم و البناء عليه، و لا نحتاج بعد ذلك إلى البحث عن حجيته، إذ لما كان من لوازم الخصوصية كان الدليل الدال على ثبوتها دالا على المفهوم، اما بالدلالة الالتزامية إذا كانت الملازمة بين المفهوم و الخصوصية ملازمة بينة بالمعنى الأخص، فيكون الدلالة على المفهوم من مصاديق الظاهر و هو حجة. و اما بلحاظ ان الأمارة حجة في لوازم مؤداها العقلية.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 193- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 319- الطبعة الأولى.

(3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 413- الطبعة الأولى.

211

و بالجملة: ثبوت المفهوم يلازم حجية الدليل فيه اما لظهوره فيه أو لكونه حجة في لوازم مؤداها، نظير ثبوت وجوب المقدمة بثبوت وجوب ذيها بالدليل لو قيل بالملازمة فان الملازمة عقلية.

و عليه، فلا حاجة لإتعاب النّفس في بيان ان الدلالة على المفهوم من الدلالة الالتزامية، كما وقع ذلك من المحقق النائيني‏ (1).

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 413- الطبعة الأولى.

212

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

213

مفهوم الشرط

وقع الكلام بين الاعلام في دلالة الجملة الشرطية على انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط، و المقصود بالبحث انها هل تدل بالوضع أو بمقتضى قرينة عامة على الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء، بحيث يحمل الكلام عليه لو لم تقم قرينة على الخلاف، أو لا تدل على ذلك بل غاية ما تدل عليه هو الثبوت عند الثبوت؟. و الخصوصية المقصودة هي دلالة الجملة على كون الشرط سببا منحصرا للجزاء، فانه يلازم انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط و إلّا لم يكن سببا منحصرا له.

و قد ذكر لإثبات المفهوم وجوه ذكرها في الكفاية خمسة .. أحدها يرجع إلى دعوى الوضع، و الأربعة الأخرى ترجع إلى دعوى القرينة العامة على المفهوم.

و قبل الخوض في ذلك لا بد من التعرض لأمور:

الأمر الأول: في بيان معنى التعليق و الترتب و اللزوم. فانه مما له نفع فيما نحن فيه و قد وقع الخلط بينها في الكلمات فنقول:

اما التعليق: فهو ربط أحد الشيئين بالآخر بنحو لا يتخلف عنه و لا يمكن تحققه بدونه، فهو يساوق العلية المنحصرة، إذ من الواضح ان الشي‏ء إذا كان يوجد بسببين لا يقال انه معلق بكل منهما، و لا يصح ان يقال علقت مجيئي‏

214

على مجي‏ء زيد لو فرض تحقق المجي‏ء منّي بدون مجي‏ء زيد.

و اما الترتيب: فهو عبارة عن حصول أحد الشيئين عند حصول الآخر بحيث يكون منشئا لتحققه.

و هو أعم من التعليق، إذ هو لا يلازم الانحصار، بل مع تعدد السبب يصدق ترتب المسبب على كل منهما و تفرعه عنه.

و اما اللزوم: فهو عبارة عن حصول أحد الشيئين مع الآخر بنحو لا ينفك أحدهما عن الآخر.

و هو أعم من الترتب، إذ يصدق على ملازمة العلة للمعلول و المعلول للعلة و الشيئين المعلولين لثالث، مع عدم الترتب في الأخيرين.

الأمر الثاني: في بيان ان ما تفيده الجملة الشرطية من ربط الجزاء بالتالي بنحو التعليق أو غيره- على الخلاف في نوع الربط-، هل هو مؤدى الأداة و ان مؤدى الأداة ليس إلّا جعل تاليها موضع الفرض و التقدير، و التعليق يستفاد من الفاء أو ترتيب الجزاء على الشرط؟. فان تحقيق ذلك ينفعنا في التمسك بالإطلاق لإثبات المفهوم كما سيتضح.

و قد ذهب المحقق الأصفهاني إلى الثاني، فادعى ان أداة الشرط لا تفيد سوى جعل متلوها واقعا موضع الفرض و التقدير، و يشهد ذلك الوجدان و ملاحظة مرادفها بالفارسية، فانه شاهد على ان أداة الشرط لا تتكفل سوى هذا المعنى، فكان القائل حين يقول: «ان جاءك زيد فأكرمه» يريد: «على فرض مجي‏ء زيد أكرمه».

و اما التعليق و الترتب فهو مستفاد من تفريع التالي على المقدم و الجزاء على الشرط كما تدل عليه الفاء التي هي للترتيب.

و قد ذكر ان ما اشتهر من ان «لو» حرف امتناع لامتناع لا منشأ له إلا ما ذكرنا من ان أداة الشرط تفيد جعل مدخولها موضع الفرض، ببيان: ان‏

215

مدخول «لو» هو الماضي و فرض وجود شي‏ء في الماضي لا يكون إلّا إذا كان الواقع عدمه فلذا يكون المفروض محالا، و حيث رتب على المحال شي‏ء أيضا في الماضي فهو أيضا محال، لأنه ان كان المرتب عليه علته المنحصرة فلم توجد، و ان لم تكن علته المنحصرة و كانت له علة أخرى فهي أيضا لم توجد، و لذا رتب عدمه على عدم المفروض وجوده.

هذا ما أفاده (قدس سره) في مبحث مفهوم الشرط، و أطال في بيانه في مبحث الواجب المشروط (1) و هو غير تام بكلا جهتيه، أعني: ما أفاده في معنى أداة الشرط بقول مطلق، و ما أفاده في سر دلالة «لو» على الامتناع للامتناع.

اما الجهة الثانية: فقد عرفت ان منشأها و أساسها هو كون فرض شي‏ء في الماضي كاشفا عن عدم وقوعه.

و هذا الأمر لا نلتزم به لوجهين:

الأول: النقض بما إذا كان مدخول غير «لو» من أدوات الشرط هو الماضي، فانه لا يلتزم بأنها تفيد امتناع شي‏ء لامتناع آخر، كما لو قال: «ان كان زيد قد جاء أمس جاء عمرو أمس أيضا» بل لو كان الفرض و التقدير مدلولا للفظ الاسمي، كما لو قال: «على فرض مجي‏ء زيد أمس فقد جاء عمرو أمس»، فانه لا يلتزم بدلالة الجملة على الامتناع للامتناع.

الثاني: الحل في الجميع، بأنه لا ينحصر فرض شي‏ء في الماضي بصورة عدم وقوعه، بل كما يمكن ان يكون منشأ الفرض في الماضي عدم تحققه، كذلك يمكن ان يكون منشؤه كون غرض المتكلم ليس إلّا بيان الملازمة بين تحقق شي‏ء في الماضي و تحقق آخر فيه أيضا من دون ان يتعلق غرضه ببيان تحققه. كما يمكن ان يكون جاهلا بتحققه و عدمه فيفرض تحققه في الماضي و يرتب عليه شي‏ء آخر.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 320 و 1- 177- الطبعة الأولى.

216

و اما الجهة الأولى: فلأنه لو كانت الأداة تفيد جعل مدخولها موقع الفرض و التقدير لم يكن هناك حاجة للإتيان بالفاء، كما يشهد لذلك عدم جواز ذكر الفاء لو عبر عن الفرض و التقدير بالاسم، فانه يقال: «على فرض و تقدير مجي‏ء زيد يجي‏ء عمرو» و لا يقال: «فيجي‏ء عمرو»، مع ان الفرض بالمعنى الاسمي انما يدخل على المفاهيم الإفرادية لا التركيبية، فيقال: «على فرض مجي‏ء زيد» لا «على فرض جاء زيد»، و لو كانت الأداة بمعنى الفرض و التقدير لصح ذلك.

فهذا مما يكشف عن اختلاف المعنى. فما أفاده (قدس سره) في معنى الأداة غير سديد.

و اما المحقق النائيني (قدس سره) فكلامه في المبحثين مرتبك جدا، و لا يخلو عن تهافت، فهو يلتزم أولا بوضع الأداة للتعليق ثم يذهب إلى انها موضوعة لجعل مدخولها موضع الفرض و انها لا تدل على أكثر من اللزوم، و الترتب يستفاد من سياق الكلام و جعل التالي تاليا و المقدم مقدما. و في مبحث الواجب المشروط ادعى انها موضوعة للربط بين الجملتين‏ (1).

و قد عرفت ان التعليق أخص من الترتب و اللزوم، فلا يمكن الجمع بين دعوى كونها موضوعة للتعليق و دعوى انها موضوعة للزوم.

و بالجملة: لا نستطيع اسناد رأي خاص له حتى نرتضيه أو ندفعه.

فالذي يمكن ان ندعيه في معناها هو: انها ظاهرة في إفادة ترتب الجزاء على الشرط و معلوليته له و تفرعه عليه ثبوتا.

اما دعوى: انها موضوعة لما هو أعم من اللزوم فباطلة جدا، لتبادر اللزوم منها في الجملة، و استعمالها في غير موارده انما يكون بقرينة، أو فقل انها تستعمل في موارد الملازمة الاتفاقية في اللزوم لكن في ظرف خاص.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 415 و 1- 131- الطبعة الأولى.

217

و اما دعوى: انها لخصوص اللزوم لا الترتب.

فلعل الوجه فيه هو: استعمالها بلا عناية في موارد لا ترتب للجزاء فيها على الشرط، نظير قولهم: «إذا كان زيد محموما فهو متعفن الأخلاط»، فان الحمّى معلولة للعفونة لا علة لها.

و لكن الظاهر انها مستعملة في هذه الموارد في الترتب، لكن المراد هو الترتب في مرحلة الإثبات لا الثبوت، و يكون المقصود بيان ترتب الوجود العلمي للجزاء على الشرط لا الوجود الواقعي، و لذا قد يصرح بذلك في بعض القضايا فيقال: «و إذا كان زيد محموما فيعلم انه متعفن الأخلاط».

اذن فلنا ان ندعي ظهور الأداة في ترتب الجزاء على الشرط و علّية الشرط له لا أكثر. و اما استفادة الانحصار فهي من طريق آخر.

يبقى إشكال صحة الربط بين النسبتين. و قد أجبنا عنه في مبحث الواجب المشروط. فراجع.

الأمر الثالث: في تحديد ما هو ملاك ثبوت المفهوم و ما ينبغي البحث فيه لإثباته و نفيه. و المعروف هو ان مدار البحث على استفادة كون الشرط علة منحصرة للجزاء فينتفي الحكم عند انتفائه.

و لكن المحقق العراقي (قدس سره) خالف المشهور و ذهب إلى ان مدار البحث لا بد و ان يكون على ان القضية المتكفلة للحكم، هل هي ظاهرة في تعليق شخص الحكم على الشرط أو تعليق سنخه عليه، فيثبت المفهوم على الثاني دون الأول.

و بيان ذلك- كما جاء في مقالاته-: ان علية ما علق عليه الحكم بنحو الانحصار أمر مسلم غير قابل للإنكار، و الّذي يدلّ عليه التزام الكل بلا توقف بان انتفاء موضوع الحكم اما بذاته أو لبعض قيوده من شرط أو وصف أو غيرهما

218

يلازم انتفاء شخص الحكم المعلق عليه، و هو يكشف عن كون موضوع الحكم بخصوصياته المأخوذة فيه علة لشخص الحكم، إذ لو لا ذلك لم يكن وجه لانتفاء شخص الحكم بانتفائه، لإمكان ثبوته على الخالي عن الخصوصية مثلا.

و يشهد لذلك التزامهم بتقييد المطلق بالمقيد إذا كانا مثبتين مع إحراز وحدة المطلوب فيهما، فانه لا يتم إلّا إذا التزم بظهوره المقيد في كون موضوعه علّة منحصرة للحكم فلا يثبت في غير مورده، و إلّا فمجرد وحدة المطلوب لا تلازم التقييد، إذ يمكن كون الحكم الواحد ثابتا للمطلق.

و بالجملة: الكل يلتزم بكون الموضوع بخصوصياته علّة منحصرة لشخص الحكم. و السرّ فيه: هو ظهور الكلام في إناطة الحكم بالموضوع بخصوصه و تعليق الحكم عليه بعنوانه، فان قول الآمر: «أكرم زيدا» ظاهر في دخالة عنوان زيد في ثبوت الحكم، و هو يتنافى مع دخول غيره في ثبوت الحكم لمنافاة دخل غيره، لإناطة الحكم بالموضوع بخصوصه الظاهرة من الكلام. و لو لا هذه الجهة لما اقتضى انتفاء الموضوع انتفاء شخص الحكم.

و عليه، فيمكننا ان ندعي ظهور أخذ الموضوع في دخالته بخصوصه و بنحو الانحصار في مضمون الخطاب.

و عليه، فينحصر البحث- في المفهوم و عدمه- في ان مضمون الخطاب و ما علق على الموضوع هل هو شخص الحكم؟ فلا يدل الكلام على المفهوم، إذ انتفاء الشرط يقتضي انتفاء شخص الحكم، و هو لا ينافي ثبوت فرد آخر للحكم في غير مورد الشرط. أو انه سنخ الحكم؟ فيدل الكلام على المفهوم، إذ انتفاء الشرط يقتضي انتفاء سنخ الحكم عن غير مورده فيتنافى مع ثبوته في غير مورده.

فمدار البحث ذلك، و ليس البحث في استفادة العلية المنحصرة، فانها من المسلمات بحسب الارتكاز و الشواهد، فلا وجه للبحث فيها.

219

هذا محصل ما أفاده بتوضيح منا (1).

و لكنه لا يخلو عن مناقشة، فانه لا يخلو عن مغالطة، لأن الكل لم يلتزم بظهور تعليق الحكم على الموضوع في العلية المنحصرة، بل التزموا بما يلازم الانحصار في خصوص كون المعلق شخص الحكم لا سنخه، و هو أصل العلية لا أكثر.

و ملخص ما ندعيه: انهم التزموا بظهور الموضوع في العلية، و هي تلازم الانحصار في مورد كون المرتب على الموضوع شخص الحكم، فلا وجه للتعدي إلى ظهور الموضوعية في الانحصار لمطلق مضمون الخطاب.

و بيان ذلك: ان المراد عن شخص الحكم ليس المعنى الاصطلاحي للشخص، و هو الحكم الموجود، فانه لا معنى للكلام في الانحصار و عدمه بالنسبة إليه، فان الموجود الخارجي لا يمكن ان يوجد بواسطة سبب آخر، لأن الموجود لا يقبل الوجود ثانيا. كما انه لا معنى لانتفائه لأن الشي‏ء لا ينقلب عما وقع عليه.

و هذا كما يجري في الأحكام يجري في التكوينيات أيضا، فان الإحراق الموجود المتحقق بالنار الخاصة لا معنى لوجوده بنار أخرى.

و انما المراد به ما يوجد في الخارج بنحو يؤخذ فيه بعض الخصوصيات الملازمة لانطباقه على فرد واحد لا أكثر، و هو في التكوينيات ملازم للانحصار، فإذا قيل: «الإحراق الثابت لهذا الشي‏ء من هذه النار في الساعة الخاصة» إلى غير ذلك من القيود المخصصة للمفهوم بحيث لا يقبل الانطباق على غير الفرد الواحد، فلا وجه لتوهم ثبوته بغير تلك النار بالخصوصيات المذكورة.

و اما في التشريعيات و الاعتباريات، فغير ملازم للانحصار، إذ الحكم‏

____________

(1) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 138- الطبعة الأولى.

220

الثابت لزيد بالقيد الخاصّ يمكن ان يكون ثبوته له بعنوان انه إنسان فلا ينتفي بانتفاء زيد بل هو ثابت لغيره. كما يمكن ان يكون ثبوته له بعنوانه لكن لا بنحو التعيين، بل بنحو البدلية بان يكون ثابتا لزيد بعنوانه أو عمرو بعنوانه بنحو البدلية.

و هذا لا يجري في التكوينيات لأن المسبب التكويني الواحد لا يمكن صدوره عن غير سبب واحد، بخلاف الاعتباريات لأنها خفيفة المئونة، فإذا استظهر أخذ «زيد»- مثلا- بعنوانه و خصوصه ثبت كونه علّة منحصرة، إذ يمتنع تحقق شخص الحكم لغير زيد بعد فرض ان زيدا يؤثر فيه بعنوانه و خصوصه.

و هذا لا يلازم الانحصار بالنسبة إلى سنخ الحكم، إذ يمكن ترتب الطبيعي و السنخ- بلحاظ أحد وجوداته- على زيد بعنوانه و خصوصه، و ترتبه- بلحاظ وجود آخر له- على عمرو بعنوانه و خصوصه لا بنحو البدلية بل كل منهما يؤثر في وجود غير وجود الآخر فيصدق ترتب الطبيعي على كل منهما بخصوصه و عنوانه، كما يقال في التكوينيات: «النار بعنوانها و خصوصها سبب الإحراق، و هكذا الكهرباء»، إذ الإحراق الّذي تؤثر فيه النار غير الإحراق الّذي يؤثر فيه الكهرباء.

و يتحصل: ان ما هو ظاهر الموضوع انما يلازم الانحصار بالنسبة إلى شخص الحكم لا سنخه، فلا بد من إيقاع الكلام في استفادة الانحصار بالنسبة إلى سنخ الحكم. فتدبر.

الأمر الرابع: في بيان المراد بالسنخ، و المقصود به هو طبيعي الحكم في قبال شخصه.

و لكن هل يراد به الطبيعة المهملة أو المطلقة أو المقيدة؟.

و قبل تحقيق المراد لا بد من التنبه إلى شي‏ء، و هو ان المقصود بيان معنى للسنخ بحيث يتلاءم مع ما هو محل البحث، فلا بد من اشتماله على وصفين:

221

أحدهما: قابليته للترتب على الشرط. و الآخر: ملازمته للمفهوم عند الانتفاء.

و بعد هذا نقول: ليس المراد به الطبيعة المهملة لوجهين:

الأول: امتناع الإهمال في مقام الثبوت.

الثاني: ما قيل‏ (1): من ان المهملة في قوة الجزئية، فلا تدل الجملة الشرطية الا على انحصار علة الحكم الجزئي بالشرط، فتدل على انتفاء الحكم الجزئي عند انتفاء الشرط لا على انتفاء الحكم مطلقا.

و انما المراد به الطبيعة المطلقة، و لكن لا بمعنى جميع وجودات الطبيعة، إذ لا يقصد بالجملة الشرطية ترتيب جميع وجودات الحكم على الشرط فانه مما لا معنى له كما لا يخفى.

و انما بمعنى ذات الطبيعة غير المقيدة بشي‏ء من الوحدة و التعدد، فانه يمكن ترتيبها على الشرط، كما ان انتفاء الشرط- بناء على الانحصار- يلازم المفهوم لأن ثبوتها في ضمن وجود ما في فرض وجود شرط آخر يكشف عن عدم انحصار الشرط و هو خلف المفروض.

أو بمعنى صرف الوجود بمعناه الأصولي و هو أول الوجود، فانه يلازم المفهوم لأنه إذا ثبت عند انتفاء الشرط كشف ذلك عن عدم انحصار علته بالشرط و هو خلف.

و قد يتخيل: ان نفس ثبوت علية الشرط يلازم الانحصار بالنسبة إلى هذا المعنى من السنخ- فلا يتم بالنسبة إليه ما تقدم من الإشكال على كلام المحقق العراقي لأنه يمتنع ترتب أول الوجود على شرطين، إذ الثابت بالشرط الآخر هو الوجود الثاني لأن الوجود الأول ما ثبت بالشرط السابق.

و فيه: ان المنظور في مبحث المفهوم هو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط

____________

(1) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 139- الطبعة الأولى.

222

و عدمه، و من الواضح ان أصل العلية لا يلازم الانحصار بلحاظ ذلك، إذ مع وجود شرط آخر، يمكن ان يتحقق به أول الوجود عند انتفاء غيره.

هذا مع انه يتصور تحقق أول الوجود بكلا الشرطين معا، كما إذا وجدا في آن واحد، فان أول الوجود ينطبق على كلا وجودي الطبيعة.

و مما ذكرناه في معنى السنخ تعرف انه لا وجه لما أفاده المحقق الأصفهاني من ان السنخ بمعنى، غير ثابت، و بمعنى، لا ينفع فيما نحن بصدده.

اما المعنى غير الثابت: فهو ان يراد به طبيعة الحكم بحيث لا يشذ عنها فرد منها، و هذا المعنى و ان لازم المفهوم لكنه غير ثابت، لأن الظاهر ان الأمر بالإكرام في الشرطية و غيرها على حد سواء، و من الواضح ان المنشأ في سائر القضايا ليس جميع افراد الوجوب.

و اما المعنى غير المفيد: فهو ان يراد به طبيعة الوجوب بمعنى وجودها الناقض للعدم، و هذا المعنى لا يلازم المفهوم لأن الوجود نقيض العدم و كل وجود بديل عدم نفسه، فانتفاؤه انتفاء نفسه لا انتفاء مطلق الافراد و سنخ الحكم.

ثم انه اختار بعد إفادة هذا: ان المعلق على العلة المنحصرة هو الحكم المنشأ في شخص هذه القضية، لكنه لا بما هو متشخص بلوازمه، بل بما هو وجوب أو غيره، و هذا المعنى يلازم المفهوم لأن الشرط إذا كان علة منحصرة لشخص الوجوب بما هو وجوب امتنع ثبوت غيره من الافراد عند انتفاء هذا الشرط، و إلا لم يكن علة منحصرة لشخص الوجوب بما هو وجوب‏ (1).

أقول: قد عرفت بيان المراد من السنخ بنحو معقول يلازم المفهوم، و هو ان يراد به اما وجود ذات الطبيعة غير المقيدة بالوحدة و التعدد أو صرف وجودها بالاصطلاح الأصولي المراد به أول الوجود، فلا اختصاص لمعنى السنخ فيما

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 323- الطبعة الأولى.

223

ذكره كي يتجه الإشكال على إرادته. فالتفت.

إذا عرفت ما تقدم، فلنشرع في ما هو محل البحث.

و هو ثبوت العلية المنحصرة للشرط، و قد ذكر له طرق ثلاثة:

الطريق الأول: دعوى ان أداة الشرط موضوعة للدلالة على علية الشرط للجزاء بنحو الانحصار و يدل عليه تبادر ذلك منها.

و الخدشة في هذه الدعوى سهلة، فان دعوى التبادر عهدتها على مدعيها، و ليس المتبادر منها سوى إفادة ترتب الجزاء على الشرط لا أكثر، و لذا لا يرى ان استعمالها في غير موارد الانحصار استعمال مجازي و بنحو العناية.

الطريق الثاني: دعوى انصراف العلية المنحصرة منها، لأنها أكمل افراد العلية، و المطلق ينصرف إلى أكمل افراده.

و قد ناقشها في الكفاية كبرى و صغرى.

اما الكبرى: فلان الانصراف ينشأ من أنس اللفظ بالمعنى الناشئ من كثرة استعماله فيه. اما أكملية الافراد بما هي فلا تستلزم الانصراف.

و اما الصغرى: فلا الانحصار و عدم تأثير غيره في الجزاء لا يلزم كون الربط الخاصّ بينه و بين المعلول آكد و أقوى، بل هو على حد سواء في صورتي الانحصار و عدمه كما لا يخفى‏ (1).

الطريق الثالث: دعوى كون مقتضى الإطلاق هو العلية المنحصرة.

و قد قرب بوجوه ثلاثة:

الوجه الأول: ما أشار إليه في الكفاية بقوله: «ان قلت: نعم و لكنه قضية الإطلاق بمقدمات الحكمة، كما ان قضية إطلاق صيغة الأمر هو الوجوب النفسيّ». و حاصله: قياس المقام بمقام دوران الأمر في الوجوب بين كونه نفسيا

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 195- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

224

و غيريا، فكما يتمسك بالإطلاق لإثبات النفسيّة كذلك يتمسك بإطلاق الأداة أو هيئة الشرط على كون الترتب المدلول لها بنحو الانحصار (1).

و قرّبه المحقق الأصفهاني في حاشيته، بأنه كما ان خصوصية الوجوب النفسيّ خصوصية عدمية لأنه الوجوب لا للغير، لا تحتاج إلى بيان زائد فيتمسك بالإطلاق لإثباتها و نفي الوجوب الغيري لأن خصوصيته وجودية لأنه الوجوب للغير. فكذلك الترتب المنحصر فانه الترتب على هذا الشرط لا غير في قبال الترتب غير المنحصر فانه الترتب عليه و على الغير، فالإطلاق يثبت به الترتب المنحصر لأنه لا يحتاج إلى مئونة زائدة على بيان نفس الترتب بقول مطلق لأن قيده عدمي‏ (2).

و أورد صاحب الكفاية على هذا الوجه بإيرادين:

الأول: ان معنى الهيئة أو الأداة حرفي، و هو لا يقبل الإطلاق و التقييد لاستلزام كل منهما للحاظ المطلق أو المقيد باللحاظ الاستقلالي، و معنى الحرف لا يقبل اللحاظ الاستقلالي لأنه ملحوظ آليا و إلّا لما كان معنى حرفيا، إذ الفارق بين معنى الاسم و الحرف ليس إلا تعلق اللحاظ الاستقلالي بالأول و الآلي بالثاني.

الثاني: ان قياس المقام بمقام دوران الوجوب بين النفسيّ و الغيري قياس مع الفارق، و ذلك لأن الوجوب النفسيّ يلازم الإطلاق، لأنه الوجوب على كل حال، وجب غيره أو لم يجب، بخلاف الغيري فانه ثابت في حال دون آخر، فإذا كان الكلام مطلقا صح التمسك بإطلاقه لإثبات الوجوب النفسيّ لاحتياج غيره و إلى مئونة التقييد، و ليس الأمر كذلك في الترتب فان كل نحو من نحوي‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 195- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 321- الطبعة الأولى.

225

الترتب يحتاج إلى مئونة و قرينة في بيان إذ أحدهما لا يلازم الإطلاق، فلا وجه للتمسك بالإطلاق لإثبات الترتب المنحصر، فان ترتب الجزاء على هذا الشرط ثابت سواء ثبت الترتب على الغير أو لم يثبت، فعدم الانحصار لا يوجب تقييدا للترتب بحال دون حال حتى ينفي بإطلاق ما يدل على الترتب.

و بالجملة: الإطلاق لا يساوق الترتب المنحصر فلا بد في تعيين أحدهما من قرينة خاصة (1).

و قد أورد المحقق الأصفهاني (رحمه الله) على الإيراد الأول: بأنه إيراد سار في غير هذا المورد، كالتمسك بإطلاق هيئة الوجوب لإثبات عدم تقيده بقيد و كونه مطلقا، و التمسك بإطلاق صيغة الأمر لإثبات الوجوب دون الندب- بناء على عدم الالتزام بوضعها للوجوب فقط بل للطلب المطلق-، مع ان معنى الهيئة حرفي لا يقبل اللحاظ الاستقلالي فلا يقبل الإطلاق.

ثم ذكر ان الحل على مسلك صاحب الكفاية هو ملاحظة المعنى الحرفي الوسيع بتبع ملاحظة المعنى الاسمي، فالمقدمات تتم في متعلق الهيئة لا في نفس مدلول الهيئة، فالإطلاق انما يجري في طرف الهيئة لا نفس المدلول الحرفي‏ (2).

و هذا الحل لو تم فهو مما يمكن الالتزام به في الواجب المطلق، فيلتزم بان.

مجرى المقدمات هو المادة و متعلق الوجوب فيتمسك بإطلاقه في نفي تقيد الوجوب.

و من المحتمل ان يكون نظر صاحب الكفاية في ذلك المقام إلى هذا الطريق.

و اما في الوجوب و الندب فلا يمكن الالتزام به، إذ الاختلاف بين‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 195- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 322- الطبعة الأولى.

226

الوجوب و الندب لا يمت إلى متعلقهما بصلة أصلا، بل هو اختلاف في حقيقتهما، و متعلق الوجوب نفسه هو الّذي يكون متعلقا للندب لو كان هو المراد بالكلام بلا تغير فيه أصلا، فإطلاق المادة لا يجدي في إثبات الوجوب أو الندب.

و اما فيما نحن فيه، فدعوى ان إطلاق المتعلق يفيد تعيين أحد النوعين من الترتب و ان كانت موجودة- كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى- إلّا انه يمتنع ان يكون نظر المدعي للوجه الأول من الإطلاق إليه، إذ المفروض انه ذكر وجها في قبال الوجه القائل بالتمسك بإطلاق الشرط نفسه، بل المنظور في هذا الوجه كون محل الإطلاق نفس الترتب لا متعلقه، فيتجه عليه الإشكال المذكور في الكفاية كما لا يخفى.

و يمكننا ان نقول في مقام دفع المناقضة بين ما أفاده صاحب الكفاية هنا و ما أفاده في مورد الوجوب و الندب: انه (قدس سره) لم يلتزم هناك بإمكان كون الآمر بصدد البيان، بل التزم باستفادة الوجوب لو تمت مقدمات الحكمة، و هذا لا ينافي عدم التزامه بتمامية مقدمات الحكمة أبدا، إذ صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها.

و هذا و ان كان خلاف ظاهر كلامه لكن لا طريق غيره في رفع التهافت.

ثم ان المحقق الأصفهاني (قدس سره) ذكر- في مقام توضيح الإيراد الثاني-: ان الوجوب النفسيّ و الغيري يختلفان سنخا، فكان مقتضى الإطلاق تعيين النفسيّ، و ليس كذلك الترتب المنحصر و غيره فانهما متحدان سنخا، فلا يعين الإطلاق أحدهما (1).

و نحن و ان اتفقنا معه في الرّأي، لكن لا نوافقه على أسلوب البيان، فان التمسك بالإطلاق لا يتوقف على اختلاف السنخ، بل هو لأجل نفي الخصوصية

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 322- الطبعة الأولى.

227

الزائدة و لو اتحد المطلق و المقيد سنخا و حقيقة، كما في الوجوب النفسيّ و الغيري، فانهما متحدان حقيقة و ان اختلفا في الخصوصيات، بل لا بد من الاتحاد في الحقيقة كما لا يخفى.

اللهم إلّا ان يكون مراده من اختلاف السنخ الاختلاف في الخصوصيات الطارئة على الحقيقة الواحدة المنوعة لها أو المصنفة، لا الاختلاف في الحقيقة و الماهية. فلاحظ.

و يتحصل مما ذكرنا عدم تمامية هذا الوجه، و هو انما يتأتى في نفسه- مع غض النّظر عما فيه من الخدشة- لو التزم بان مدلول الأداة أو الهيئة هو الترتب أو اللزوم. و اما لو كان مدلول الأداة هو الفرض و التقدير، و الترتب يستفاد من الفاء، فلم يدع أحد جريان الإطلاق في مدلول الفاء. و اما لو كان مدلول الأداة هو تعليق الجزاء على الشرط فلا يتأتى هذا البيان، إذ لا حاجة له بعد ملازمة التعليق لانحصار الشرط.

الوجه الثاني:- ما ذكره في الكفاية- و هو التمسك بإطلاق الشرط.

بتقريب: ان مقتضى إطلاقه كونه شرطا مطلقا سبقه شي‏ء أو قارنه أو لا. و هذا المعنى يساوق العلية المنحصرة لأنه لو لم يكن شرطا منحصرا لكان التأثير للسابق في صورة سبق غيره، و للجامع بينهما أو لكليهما بنحو التركيب في صورة المقارنة، و هذا ينافي مقتضى الإطلاق.

و بالجملة: الشرطية بقول مطلق تساوق الانحصار فتثبت بالإطلاق لاحتياج غيرها إلى مئونة زائدة.

و قد وافق صاحب الكفاية على ذلك- أعني على ان مقتضى الإطلاق الشرطية المنحصرة-، لكنه استشكل فيه: بان المتكلم لا يكون في مقام البيان من هذه الجهة الا نادرا، فلا يمكن الالتزام بالمفهوم استنادا إلى هذا الوجه لعدم‏

228

انعقاد الإطلاق الا نادرا (1).

و لم يعلم المقصود من كلام الكفاية و ما هو المراد من عدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة و المحتملات فيه متعددة.

الاحتمال الأول: ما ذكره المحقق الأصفهاني- و بعض المحشين على الكفاية و هو المشكيني، كما ذكره المحقق النائيني في مقام الإيراد على هذا الوجه- (2) من ان القضايا الشرطية الشرعية ليست في مقام بيان فعلية تأثير هذا الشرط و عليته فعلا، بل هي في مقام بيان اقتضاء هذا الشرط لتحقق الجزاء، و هو لا ينافي عدم ترتب الجزاء عليه لاحتفافه بالمانع، أو عدم الشرط، كما لا ينافى كون غيره مقتضيا و جزء المؤثر. و عليه، فتأثير غيره في الجزاء لو سبقه لا ينافى كونه مقتضيا، كما لا يخفى، نعم لو كانت في مقام بيان انه شرط و مؤثر فعلا كان مقتضى الإطلاق انحصار الشرط فيه‏ (3).

و هذا التوجيه لا يمكننا الالتزام به لأنه غير صحيح في نفسه، فان الالتزام به يقتضي تأسيس فقه جديد، لأن مقتضاه ان لا يستفاد من القضايا الشرطية الواردة في لسان الشارع فعلية الوجوب عند تحقق الشرط، إذ لا رافع لاحتمال وجود المانع أو انتفاء الشرط، و هذا مما لا يتفوه به أحد، فهل ترى أحدا يتوقف في الحكم بوجوب الوضوء عند النوم استنادا إلى قوله: «إذا نمت فتوضأ»؟!.

هذا مع ان الالتزام بان مقتضى القضية الشرطية هو إفادة الشرطية الفعلية أو غيرها لا يلازم القول بكون مقتضى الإطلاق بهذا النحو ثبوت المفهوم، إذ المفهوم يتوقف على إثبات انحصار العلة لسنخ الحكم و هذا الوجه انما ينفع في إثبات انحصار الشرط لو كان المعلق شخص الحكم، و ذلك لأن مقتضى‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 196- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 417- الطبعة الأولى.

(3) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 322- الطبعة الأولى.

229

الإطلاق انه مؤثر فعلا في شخص الحكم سواء سبقه غيره أو قارنه، و هذا ينفى تأثير غيره فيه، إذ لو فرض وجود غيره مؤثرا فيه لكان هو المؤثر في صورة سبقه إلى الشرط المذكور في القضية و لكان التأثير لكليهما أو للجامع بينهما في صورة المقارنة، و هو ينافي مقتضى الإطلاق، اما لو كان المعلق سنخ الحكم فلا ينفع هذا الإطلاق في إثبات انحصار الشرط، و ذلك لأن تأثير الشرط في السنخ معناه سببيته لوجود فرد من افراد الطبيعة، لوجود السنخ بوجود فرده، و عليه، فمقتضى الإطلاق ان هذا الشرط مؤثر في سنخ الحكم سواء سبقه غيره أو قارنه، و هذا لا ينفي تأثير غيره في تحقق السنخ في وجود آخر غير الوجود المترتب عليه، إذ تأثير الغير في وجود آخر لا يتنافى مع تأثيره في جزائه و لو قارنه غيره أو سبقه، و لذلك لا منافاة بين تصريح المتكلم بالشرطية المطلقة مع ترتب وجود آخر على غيره.

و يشهد لذلك وقوع البحث في تداخل المسببات مع تعدد السبب و اقتضاء كل منها مسببا بحسب إطلاقه.

و من الغريب غفلة الاعلام عما ذكرناه، إذ لم نجد من تعرض إلى بيان هذا الإيراد، و على كل فهو إيراد على الكل لتقريرهم اقتضاء هذا الإطلاق للمفهوم و ان ناقشوا فيه بعدم تماميته و نحو ذلك.

الاحتمال الثاني: ان لدينا جهتين:

إحداهما: حدوث الجزاء عند حدوث الشرط.

ثانيتهما: استناد الجزاء إلى الشرط و ترتبه عليه.

فالجملة الشرطية انما تدل على حدوث الجزاء عند حدوث الشرط لا أكثر، اما استناده إليه فهي لا تدل عليه. و يقرب ذلك بأحد وجهين:

أولهما: ان الجملة وضعا لا تدل الا على الحدوث عند الحدوث، اما دلالتها على استناده إلى الشرط فهو يتوقف على إجراء مقدمات الحكمة، و هي غير تامة

230

لعدم كون المتكلم في مقام البيان من جهته.

ثانيهما: ان الجملة بحسب الوضع الأولي موضوعة للأعم، أو لإفادة كلتا الجهتين، لكنها بحسب الاستعمال الكثير يلحظ فيها الدلالة على الجهة الأولى دون الثانية.

و بالجملة: فغاية ما تدل عليه الجملة الشرطية هو حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، اما استناده الفعلي إليه فليس المتكلم في مقام بيانه كي يتمسك بإطلاق الكلام لإثبات الانحصار.

و لا يخفى انه لا يرد على هذا الوجه ما أوردناه على الوجه الأول، لأنه لا ينكر دلالة الجملة على ثبوت الجزاء فعلا عند ثبوت الشرط.

و لكن يرد عليه- مضافا إلى انه دعوى بلا دليل-: ان التفكيك بين الجهتين في مقام البيان مشكل جدا، إذ بعد فرض دلالة الجملة على الترتب في الجملة و بنحو الموجبة الجزئية يشكل دعوى عدم كون المتكلم في مقام بيان ذلك، بل الظاهر انه في مقام بيان الحدوث عند الحدوث لأجل الترتب بينهما.

هذا و لكن الإنصاف انه يمكن الالتزام بهذا الوجه من طريق آخر عرفي.

بيان ذلك: ان وجود الشي‏ء يتوقف على تحقق علته التامة باجزائها من مقتضي و شرط و عدم مانع، فإذا انتفى أحدها لم يتحقق الشي‏ء لعدم علته التامة.

فالجملة الشرطية تدل على تحقق الجزاء و ثبوته عند ثبوت الشرط، بمعنى انه تام العلة و لا يتوقف تحققه على شي‏ء آخر، اما ان المؤثر فيه و المنشأ لتحققه هو هذا الشرط فهذا مما لا تتكلفه الجملة الشرطية أصلا، و لا ينظر إليه المتكلم في بيانه أصلا حتى بنحو الموجبة الجزئية، و لذا لو سأله المخاطب عن المؤثر في الجزاء كان له ان يقول له: «انه لا يعنيك و ليس من شأنك» مما يكشف عن انه ليس ناظرا إلى بيان هذه الجهة أصلا و إلّا لم يكن السائل فضوليا و سائلا عما لا يعنيه.

231

و جملة القول: ان الجملة الشرطية لا تدل الا على الحدوث عند الحدوث و لا دلالة لها على استناد الجزاء إلى الشرط و لا نظر للمتكلم إليه أصلا.

و عليه، فلا دلالة لها على انحصار الشرط فيه، إذ من الممكن تأثير غيره فيه لو قارنه، فيكون الاشتراك لهما معا، و لا ينافي ذلك دلالة الجملة على الحدوث عند الحدوث.

نعم، قد يدعي منافاة ذلك لتأثير السابق فيه، إذ لو كان غيره مؤثرا في الجزاء و سبقه في الوجود لم يكن الجزاء حادثا عند حدوث الشرط، إذ حدوثه سابق على حدوث الشرط. و هذا يتنافى مع الالتزام بان ظاهر القضية الشرطية الحدوث عند الحدوث كما قرر هنا و يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و يدفع: بأنه انما يتم لو قيل بان المراد بالحدوث عند الحدوث هو الوجود بعد العدم. و اما إذا قلنا: بان المقصود بالحدوث عند الحدوث هو الوجود مع نحو ارتباط بالشرط بحيث يكون الوجود مرتبطا به لم يتم ما ذكر. و ذلك لما ثبت من ان استمرار الوجود يحتاج إلى علة كحدوثه، و ان الشي‏ء يحتاج إلى علة مبقية كما يحتاج إلى علة محدثة، و عليه فإذا حصل الشرط كان التأثير لكليهما في مرحلة البقاء، فلا ينافي ظهور الجملة في الحدوث عند الحدوث مطلقا و لو سبقه غيره أو قارنه.

نعم، لو التزم بعدم احتياج البقاء إلى علة كان التأثير للسابق فقط، فيتم الإيراد. و لكن التحقيق على خلافه.

و بالجملة: فالدعوى المزبورة انما تتم على تقدير أحد أمرين: إرادة الوجود بعد العدم من الحدوث. و عدم احتياج البقاء إلى مؤثر. و كلاهما محل إشكال. فتدبر.

و على أي حال، فالعمدة في الإيراد على هذا الوجه من الإطلاق ما عرفت من البيان الّذي تفردنا به بحسب ما نعلم فلاحظ و تأمل.

232

الوجه الثالث من وجوه الإطلاق: ما ذكره في الكفاية أيضا من التمسك بإطلاق الشرط في نفي البدل و العدل، كالتمسك بإطلاق الوجوب لإثبات كونه تعيينيا في قبال كونه تخييريا. بيان ذلك: انه كما ان الوجوب التخييري يحتاج إلى مئونة بيان، و هو ان يقال هذا أو ذاك واجب، بخلاف الوجوب التعييني فانه لا يحتاج إلى بيان ذلك، و لأجل ذلك ينفي التخييري بالإطلاق و يثبت به التعييني، كذلك العلية غير المنحصرة تحتاج إلى بيان بان يقول مثلا: «ان جاءك زيد أو أكرمك فأكرمه»، و هذا البيان لا تحتاجه العلية المنحصرة، فمع الشك يتمسك بإطلاق الكلام و ينفي به البديل للشرط المذكور فيثبت انحصار العلة به، إذ لو كان غيره شرطا لبينه المتكلم بالعطف ب «أو» كما كان عليه بيان عدل الواجب لو كان له عدل.

و الفرق بين هذا الوجه و سابقه واضح، فان سابقه يحاول إثبات الانحصار من طريق إثبات ترتب الجزاء على الشرط و عدم تأثير غيره فيه لو سبقه أو قارنه.

و هذا الوجه يحاول إثبات الانحصار من طريق عدم تأثير غيره فيه لو انعدم هنا الشرط و جاء غيره. فلو لم يثبت الوجه السابق- كما تقرر- و لم يعلم انفراد تأثير الشرط و عدمه في صورة تقدم غيره عليه أو مقارنته أمكن دعوى ثبوت هذا الإطلاق و إثبات الانحصار به، لاختلافهما منهجا و ان اتحد نتيجة. فلاحظ.

و قد ناقش صاحب الكفاية هذا الوجه: بأنه لا وجه لقياس المقام بمقام الوجوب التعييني و التخييري، لأن الوجوب التعييني يختلف نحوه و سنخه عن الوجوب التخييري، فان نحو تعلق الوجوب التعييني يختلف عن نحو تعلق الوجوب التخييري و كان الثاني يحتاج إلى بيان وجود العدل و البديل فيتمسك في نفيه بالإطلاق- و لا يختلف الحال في ذلك بين ان نلتزم بان الوجوب التخييري سنخ وجوب متعلق بكليهما أو انه متعلق بالجامع الانتزاعي فانهما يختلفان، إذ الوجوب التخييري على الأول يقتضي ملاحظة كلا الأمرين، و على الثاني‏

233

يقتضي ملاحظة الأمرين و الجامع الانتزاعي بينهما، و اما التعييني فهو لا يقتضي سوى ملاحظة أحد الأمرين المعين، فيحتاج الوجوب التخييري إلى مئونة بيان أكثر من إطلاق-.

اما الشرط: فهو لا يختلف سنخا في صورة التعدد و الانحصار، فشرطية الشرط و ترتب الأثر عليه و تأثيره في الجزاء بنحو واحد سواء اتحد الشرط أو تعدد، فوجود شرط آخر لا يوجب مغايرة تأثير الشرط لما إذا لم يكن شرط آخر، و إذا لم يكن للشرطية نحو ان في مقام الثبوت لم يتفاوت الحال في مقام الإثبات حينئذ كما لا يخفى.

نعم، إذا كان المتكلم في مقام بيان ما هو الشرط لا بيان شرطية الشرط، كان سكوته عن ذكر شرط آخر و عدم بيانه لشرطية غير ما ذكره كاشفا عن وحدة الشرط و انحصاره، لكنه لا يكون في هذا المقام الا من باب الاتفاق و هو لا يصحح القول بالمفهوم بقول مطلق.

هذا ما أفاده صاحب الكفاية بتوضيح‏ (1).

و لكن المحقق النائيني (قدس سره) التزم بثبوت مفهوم الشرط بهذا الوجه من الإطلاق، فأفاد في بيانه: ان الشرط المذكور في القضية الشرطية اما ان يكون مما يتوقف عليه متعلق الحكم في الجزاء عقلا، نظير قوله: «إذا رزقت ولدا فاختنه»، و في مثله لا يكون للقضية الشرطية مفهوم، بل يكون حالها حال اللقب في عدم الدلالة على المفهوم. و اما ان لا يكون مما يتوقف عليه متعلق الحكم في الجزاء عقلا نظير قوله: «إذا جاءك زيد فأكرمه»، فان إكرام زيد لا يتوقف عقلا على مجيئه. و في مثله يكون الحكم مقيدا به، و ذلك لأنه لا يخلو الحال من ان يكون مطلقا بالإضافة إليه أو مهملا أو مقيدا. و بما ان الإهمال يمتنع في مقام‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 196- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

234

الثبوت، و الإطلاق ينافي ترتيب الحكم عليه، فيتعين ان يكون مقيدا به.

و إذا ثبت بهذا البيان تقييد الحكم بالشرط، فإذا كان المتكلم في مقام البيان و أتي بقيد واحد و لم يقيده بشي‏ء، بواسطة العطف بالواو كي يكون القيد هو المركب منه و من غيره، أو بواسطة العطف ب: «أو» كي يكون القيد أحد الأمرين على البدل، فلم يقل: «إذا جاءك زيد و أكرمك فأكرمه» أو: «إذا جاءك زيد أو أكرمك فأكرمه»، يستكشف من الإطلاق ان القيد خصوص ما ذكر ليس إلّا، و هذا نظير استفادة الوجوب التعييني من الإطلاق و نفي البدل له.

ثم قال (قدس سره) بعد هذا البيان: «و مما ذكرناه ظهر فساد ما أورده في الكفاية على هذا التقريب، بان سنخ الوجوب التعييني مع التخييري متباينان، فإذا لم يكن المولى في مقام الإهمال فيستكشف التعيين من الإطلاق لا محالة، و هذا بخلاف المقام فان ترتب المعلول على علته المنحصرة ليس مغايرا في السنخ مع ترتبه على غير المنحصر، بل هو في كليهما على نحو واحد فلا يمكن إثبات الانحصار بالإطلاق. وجه الفساد: هو ان التمسك بالإطلاق ليس من جهة إثبات انحصار العلة حتى يرد عليه ما ذكره، لما عرفت من انه ليس كون الترتب بنحو المعلولية مفادا للقضية الشرطية، بل مفاده انما هو ترتب التالي على المقدم ليس إلّا، و لازم ذلك في خصوص القضايا الشرطية التي لم تسق لبيان الموضوع هو تقييد الجزاء بوجود الشرط، و حيث ان حال التقييد مع الانحصار و عدمه تختلف لا محالة، فيكون إطلاق القيد و عدم ذكر عدل له مفيدا لانحصاره لا محالة ...» انتهى ما أفاده (قدس سره) (1).

و يتوجه عليه:- مع غض النّظر عما بنى عليه أصل تحقيقه من رجوع الشرط إلى المادة المنتسبة-.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 418- الطبعة الأولى.

235

أولا: ان ما ذكره في بيان تقييد الحكم بالشرط جار في مطلق الأحكام بالنسبة إلى موضوعاتها، و عليه فمقتضى الإطلاق اختصاص الحكم بموضوعه و عدم ثبوته لغيره، و هو يتنافى مع إنكار مفهوم اللقب.

و ثانيا: ان أساس التمسك بالإطلاق بحسب ما أفاده هو إفادة الجملة الشرطية لترتب الجزاء على الشرط الملازم للتقييد به، و لو تم ذلك لجرى هذا البيان في مطلق القضايا لإفادتها ترتب الحكم على موضوعه، إذا إفادة الترتب لا تختص بالجملة الشرطية.

و ثالثا: عدم تمامية ما ذكره من الإطلاق، إذ لا يختلف التقييد المنحصر و غيره سنخا، و ليس الانحصار و عدمه من حالات التقييد كي ينفي أحدهما بالإطلاق لاحتياجه إلى مئونة، بل العطف ب «أو» لا يرجع إلى بيان خصوصية التقييد، بل هو من قبيل ضمّ كلام إلى آخر.

نعم لو كان المتكلم في مقام بيان ما هو القيد كان مقتضى الإطلاق المقامي انحصار القيد بما هو مذكور في الكلام، لكن لو كان نظره (قدس سره) إلى هذا لم يكن بحاجة إلى البيان الطويل و المقدمة المفصلة التي ذكرها.

و رابعا: ان عدم العدل و البدل للشرط ليس بمفاد الإطلاق المقابل للعطف ب «أو» كالوجوب التعييني، إذ لو كان غيره قيدا و شرطا كان كل منهما مؤثرا لا أحدهما على البدل كما هو الحال في الوجوب التخييري، فلا يصح ان يقال: «ان جاءك زيد أو أكرمك فأكرمه»، بل الصحيح ان يقال: «ان جاءك زيد فأكرمه» و هكذا: «ان أكرمك أكرمه» فتشبيه المقام بالوجوب التعييني و التخييري في غير محله. و من هنا تعرف ان هذا الإشكال كما يرد على المحقق النائيني يرد على صاحب الكفاية لأنه ارتضى تشبيه المقام بالوجوب التخييري، لكنه أورد على الإطلاق من جهة أخرى.

و تحصل لدينا انه لم ينهض وجه من وجوه الإطلاق الثلاثة على إثبات‏

236

المفهوم.

و تحقيق الحال ان يقال: ان القضايا الشرطية على أنحاء ثلاثة:

الأول: ما ذكر الشرط فيها لبيان الموضوع و لمجرد فرضه فقط من دون إرادة الانتفاء عند الانتفاء قطعا نظير ما يقال في قوله (عليه السلام): «ان اللَّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه»، فانها لا تدل على انه إذا حلل شيئا حلل ثمنه، لأنها سيقت لمجرد فرض الموضوع لا أكثر.

الثاني: ما يذكر بلسان الحكومة كما لو قال: «أكرم العلماء» ثم قال: «هذا إذا كانوا عدولا»، فان القضية الشرطية شارحة و مفسرة للعلم. و في مثل ذلك تدل على الانتفاء عند الانتفاء لكنها لا من باب المفهوم بل من باب التحديد و الشرح.

فمن ينكر مفهوم الشرط لا يمتنع عنده الالتزام بنتيجة المفهوم في مثل هذا النحو من القضايا الشرطية.

الثالث: ما استعملت و أريد بها المفهوم، بل يصرح بالمفهوم في بعضها فيقال: «ان جاءك زيد فأكرمه و إلّا فلا»، و مثل هذا كثير في القضايا الشرعية و العرفية، و هو محل البحث، إذ الظاهر ان الاستعمال فيها لا يكون عنائيا و مسامحيا، اذن فما هي الخصوصية التي تقتضي الدلالة على المفهوم؟ ليس لدينا بعد إنكار ما تقدم من الوجوه سوى طريقين:

الأول: الالتزام بأنها مستعملة في هذه الموارد في تعليق الجزاء على الشرط.

و قد تقدم انه يلازم المفهوم.

و لكن لا يسعنا الالتزام بذلك لوجهين:

أحدهما: انك عرفت انها ظاهرة في الترتب، فيكون استعمالها في التعليق استعمالا مجازيا، مع ان المفروض كون هذه الاستعمالات حقيقية.

ثانيهما: ان الكل يلتزم- بناء على المفهوم- في مورد تعدد الشرط و وحدة الجزاء بمعارضة مفهوم إحدى القضيتين مع منطوق الأخرى، مع انه لو كانت‏

237

الجملة مستعملة في التعليق لكان التعارض بين المنطوقين لمنافاة الشرط الآخر لمقتضى التعليق في كل منهما.

الثاني: ان تكون مستعملة في مقام إفادة ما هو الشرط، فيكون مقتضى الإطلاق المقامي انحصار الشرط بالمذكور.

و هذا الوجه قريب إلى نظر العرف، و حينئذ يقال: انه حيث كان الغالب في الاستعمالات العرفية استعمال القضية الشرطية في هذا المقام، ففي مورد يشك فيه يلحق بالغالب فان الغلبة بحد تكون من الأمارات العرفية الموجبة لظهور الكلام في ذلك.

و لو لا هذا الوجه لما كان للمفهوم وجه يرتكن عليه، و إنكاره يستلزم تأسيس فقه جديد. فالتفت.

و بالجملة: فلا طريق إلى إثبات المفهوم سوى الإطلاق المقامي.

و لا يرد عليه ما أورده المحقق الأصفهانيّ على المحقق النائيني من: ان التمسك بالإطلاق يتوقف على ثبوت المطلق في مورد انتفاء القيد و انحفاظه فيه، فلا معنى للتمسك بإطلاق الكلام بلحاظ صورة انتفاء الشرط و عدمه‏ (1).

وجه عدم وروده: ان هذا على تقدير تماميته وارد لو كان المتمسك به إطلاق اللفظ.

اما بالنسبة إلى الإطلاق المقامي فلا يرد، إذ معنى الإطلاق المقامي هو التمسك بعدم بيان المتكلم و سكوته في مورد يكون عليه البيان لو كان مريدا للقيد، ففيما نحن فيه يكون مقتضى الإطلاق المقامي عدم وجود شرط غير ما ذكر في الجملة و لازمه الانتفاء عند الانتفاء فتدبر.

هذا تمام الكلام في تحقيق ما هو محل الكلام.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 388- هوامش الجزء الأول- الطبعة الأولى.

238

و يقع الكلام بعد ذلك في:

تنبيهات مفهوم الشرط

التنبيه الأول‏

: ذكر صاحب الكفاية ان المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه، لا انتفاء شخصه، و لا يجري الكلام في المفهوم و عدمه الا فيما كان ثبوت السنخ ممكنا (1).

و قد تعرض غيره إلى هذا المطلب.

و على كل حال فيقع الكلام- بعد الفراغ عن توقف المفهوم على تعليق السنخ لا الشخص- في جهات ثلاث:

الأولى: في بيان المراد من السنخ، و ضرورة كونه مدلولا للكلام في ثبوت المفهوم.

الثانية: في طريق معرفة كونه مدلولا للكلام.

الثالثة: فيما تعرض إليه صاحب الكفاية من البحث في موارد الأوقاف و الوصايا و النذور، و ان الانتفاء فيها عند انتفاء الشرط ليس من المفهوم في شي‏ء.

اما المراد من السنخ: فقد تقدم بيانه، كما تقدم بيان ما أفاده المحقق الأصفهاني من عدم تصور معنى صحيح للنسخ و مناقشته.

و اما ما أفاده من ان مدلول الجزاء في القضية الشرطية هو شخص الحكم لكن لا بما هو شخص، بل هو وجوب (مثلا) و هو يلازم المفهوم، فلا يتوقف المفهوم على تعليق سنخ الحكم، بل يثبت عند تعليق شخصه بهذا المعنى.

فهو ثبوتا امر معقول و لازمه ما عرفت من عدم ابتناء المفهوم على تعليق‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 198- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

239

سنخ الحكم، و اما إثباتا فسيأتي الكلام فيه.

و اما إثبات تعليق السنخ دون الشخص فقد ذكر له وجوه:

الأول: ما ذكره في الكفاية من ان مدلول الهيئة مفهوم الوجوب- مثلا-، لأن الحروف موضوعة للمفاهيم كالأسماء. و الفارق بينهما في اللحاظ الآلي و الاستقلالي و هو من شئون الاستعمال لا من شئون الموضوع له أو المستعمل فيه‏ (1).

و فيه: ما عرفت في مبحث المعنى الحرفي من عدم تمامية هذا الرّأي، و ان الموضوع له الحرف خاص، و هو عبارة عن النسبة الكلامية المعبّر عنها بالوجود الرابط.

الثاني: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من ان الحكم تارة يكون مؤدّى الاسم، مثل كلمة: «يجب» و نحوها. و أخرى يكون مؤدى الحرف كهيئة:

«أكرم».

فعلى الأول: لا إشكال، إذ مدلول الاسم مفهوم الوجوب.

و اما على الثاني: فقد يشكل بان مدلول الحرف معنى جزئي فلا يستفاد منه تعليق سنخ الحكم. و أجاب عنه بما اختاره- في الواجب المشروط- من: ان المعلق على الشرط ليس مدلول الهيئة، لأنه معنى حرفي غير قابل للتعليق، و انما هو المادة المنتسبة إلى الوجوب. و عليه فيكون المعلق في الحقيقة هو الوجوب العارض للمادة و عند انتفاء الشرط يكون مرتفعا عنها. غاية الأمر ان المعلق في هذا القسم حقيقة الوجوب. و في القسم الأول المفهوم باعتبار فنائه في الحقيقة (2).

و فيه:- مع غض النّظر عما أفاده من رجوع القيد إلى المادة المنتسبة، و ما فيه من الإشكال، و قد تقدم في مبحث الواجب المشروط- ان غاية ما انتهى إليه‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 199- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 420- الطبعة الأولى.

240

هو تعليق الوجوب العارض للمادة، و هذا لا ينتهي إلى تعليق سنخ الوجوب، بل هو لازم أعم لتعليق طبيعة الوجوب و شخصه. فأي طريق لإثبات تعليق الطبيعة، و من أي شي‏ء استفادة ذلك؟

الثالث: ما أفاده السيد الخوئي في حاشيته في أجود التقريرات من: ان حقيقة إنشاء الوجوب عبارة عن إظهار اعتبار كون فعل ما على ذمة المكلف، فإذا كان المعتبر بالاعتبار المزبور معلقا على وجود شي‏ء مثلا استلزم ذلك انتفاءه بانتفائه و لا يفرق في ذلك بين ان يكون الاعتبار مستفادا من الهيئة و ان يكون مستفادا من المادة المستعملة في المفهوم الاسمي باعتبار فنائه في معنونه‏ (1).

و بالجملة: فهو يرجع القيد إلى المعتبر لا الاعتبار- و المفروض ان المعتبر مفهوم الحكم لا حقيقته، إذ الاعتبار يرد على المفاهيم لا على الوجودات-. و هذا امر التزم بنظيره المحقق الإيرواني في بيع الفضولي بعد الإجازة، فادعى ان اعتبار الملكية من حين الإجازة، لكن المعتبر هو الملكية من حين العقد و هو المعبر عنه بالكشف الحكمي. فالتفكيك بين الاعتبار و المعتبر مما التزم به الإيرواني و تبعه عليه السيد الخوئي.

و لكن ما ذكره السيد الخوئي هنا لا يمكننا الالتزام به- مع غض النّظر عن صحة تقييد المعتبر بقيد غير فعلي أو تعليقه عليه مع كون الاعتبار فعلا و عدم صحته، فتحقيقه له مجال آخر- لأن المعتبر المعلق على الشرط اما مفهوم الحكم أو وجوده، يعني ان الاعتبار اما ان يكون واردا على مفهوم الحكم المعلق على الشرط أو يكون واردا على وجوده المعلق على الشرط.

فعلى الأول: ففيه: مضافا إلى عدم تصور تعليق المفهوم على شي‏ء، إذ التعليق بلحاظ وجود الشي‏ء لا بلحاظ ذات الشي‏ء، ان اعتبار المفهوم المعلق‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 420 هامش رقم (1)- الطبعة الأولى.

241

على شي‏ء لا ينافي تحقق اعتبار آخر للمفهوم بدون تعليق أصلا، فان مفاد الكلام ليس إلّا ان المفهوم المعلق على الشرط الخاصّ و الّذي لا يعلق على غيره- كما هو مفاد الانحصار- قد تعلق به اعتبار المولى، و ذلك لا ينافي تعلق اعتبار المولى بالمفهوم غير المعلق على شي‏ء أصلا، فلا يلازم ما ذكر ثبوت المفهوم.

و على الثاني: ففيه: ان الأمور الاعتبارية لا وجود لها إلّا بالاعتبار، و بدونه لا ثبوت لها، و الأحكام من الأمور الاعتبارية فوجودها يتقوم بالاعتبار، و عليه فنقول: لا معنى للاعتبار الفعلي للحكم المعلق وجوده على الشرط، إذ اعتبار الحكم فعلا يعني وجوده فعلا و هو يناقض تعليق وجوده على وجود الشرط. فلا يتصور لما أفاده السيد الخوئي معنى معقول.

و التحقيق ان يقال: انه بناء على ما ذكرناه من استفادة المفهوم من الإطلاق المقامي و غلبة استعمال القضايا الشرطية في بيان ما هو الشرط بحيث يفهم منها المفهوم عرفا لا نحتاج لإتعاب النّفس في بيان طريقة إفادة سنخ الحكم و كيفية إثباته، فنفس الإطلاق المقامي يكفينا عن ذلك، لأن ظهور الجمل الشرطية في المفهوم عرفا المستند إلى الإطلاق المقامي يكشف عن ان المتكلّم في مقام بيان ما هو الشرط لسنخ الحكم، فاكتفاؤه في هذا المقام بالجملة الشرطية يكشف عن ان الشرط لسنخ الحكم لبا ليس إلّا الشرط المذكور في الكلام، و لا يهمنا بعد ذلك عن تحقيق كون المستعمل فيه الهيئة كليا أو جزئيا. فتدبر جيدا و افهم.

اما الحكم المعلق بالنحو الّذي تعلقه المحقق الأصفهاني و هو شخص الوجوب بما هو وجوب لا بما هو شخص، فقد ذكر (قدس سره) ان طريق إثباته هو بيان انحصار الشرط، إذ لو لا كون المعلق هذا المعنى لم يكن وجه لبيان الانحصار لأن انتفاء شخص الحكم بما هو شخص بانتفاء الشرط عقلي‏

242

و لو لم يكن منحصرا (1).

و هذا البيان انما يتم لو فرض عدم تعقل معنى للسنخ كما فرض هو (قدس سره). اما بناء على تعقل معنى للسنخ يمكن ان يكون مرادا فلا يتم ما أفاده، إذ كما تتلاءم إفادة الانحصار مع تعليق الشخص بما هو وجوب تتلاءم مع تعليق السنخ أيضا، فتعيين أحدهما يحتاج إلى دليل آخر. فتدبر.

و اما ما ذكره صاحب الكفاية من ان انتفاء الحكم عن غير مورد الشرط في الأوقاف و نحوها ليس من المفهوم، ردّا على الشهيد في تمهيد القواعد (2) حيث ذهب إلى انه لا إشكال في دلالة القضية في تلك الموارد على المفهوم، و ذكر في وجه عدم كونه من المفهوم، ان انتفاء الحكم من جهة ان الشي‏ء إذا صار وقفا على أحد لا يقبل ان يصير وقفا على غيره، و انتفاء شخص الوقف عن غير مورد المتعلق عقلي كما عرفت.

فهو لا يخلو عن إشكال و بحث. بيان ذلك: ان لانحصار الشرط أثرين:

أحدهما: عدم ثبوت الجزاء على غير الشرط عند وجود الشرط. و الآخر: عدم ثبوته على غير الشرط عند انعدامه. ففي المورد المذكور لا أثر لانحصار الشرط و عدمه بالنسبة إلى حال وجوده لامتناع صيرورة الوقف على أحد وقفا على غيره في فرض وجوده. اما بالنسبة إلى حال عدمه فله أثر لعدم امتناع وقف الموقوف على أحد على غيره بنحو الطولية و في فرض عدمه، فلا وجه لإنكار البحث في المفهوم في مثل المقام بعد تصور ثبوت الوقف على غير مورد الشرط عند انتفاء مورد الشرط. فالتفت و تدبّر.

التنبيه الثاني‏

: ذكر المحقق النائيني ان الشرط كلّما تعددت قيوده اتّسعت‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 323- الطبعة الأولى.

(2) العاملي زين الدين. تمهيد القواعد- 14 قاعدة الخامس و العشرون الطبعة الحجرية.

243

دائرة المفهوم، لأن انتفاء أحد القيود يكفي في انتفاء الجزاء، فلو قال المولى: «إذا جاء زيد و أكرمك فأكرمه» كان مقتضاه انتفاء وجوب الإكرام بانتفاء مجي‏ء زيد و بانتفاء إكرامه مع تحقق مجيئه. بخلاف ما لو قال: «إذا جاء زيد فأكرمه» فان مقتضاه انتفاء الوجوب عند انتفاء المجي‏ء فقط.

و هذا لا كلام فيه، انما الإشكال فيما إذا كان الجزاء عاما و متعددا، فهل يقتضي انتفاء الشرط انتفاء الجزاء بنحو الاستغراق أو بنحو المجموع؟ مثلا في القضية المشهورة «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجسه شي‏ء» هل مقتضى المفهوم هو انه إذا لم يبلغ الماء قدر كرّ ينجسه كل شي‏ء بنحو الموجبة الكلية أو ينجسه شي‏ء ما بنحو الموجبة الجزئية؟.

و قد ادعى ان المفهوم في مثل ذلك موجبة جزئية، لأن نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية، و المفهوم عبارة عن ارتفاع الجزاء و ارتفاعه يكون بنقيضه.

و لكن هذا غير صحيح، لأن دعوى ان نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية انما هي للمنطقيين، و قد قيلت بلحاظ جعل ضابط عام للنقيض، و هو لا يرتبط بشأن الأصولي و الفقيه من ملاحظة ظاهر الكلام و ما يدل عليه اللفظ.

و عليه، فالتحقيق ان يقال: ان الحكم الثابت في الجزاء و ان كان ثابتا بنحو الاستغراق، إلّا ان المعلق على الشرط تارة يكون عموم الحكم، بمعنى ان المعلق مجموع الأحكام الثابتة في الجزاء، و أخرى الحكم العام، بمعنى ان المعلق كل حكم حكم. فعلى الأول: لا يستلزم انتفاء الشرط سوى انتفاء مجموع الأحكام، فيكون المفهوم بنحو الموجبة الجزئية. و على الثاني: يكون المفهوم موجبة كلية لانتفاء كل حكم حكم سلبي كان ثابتا في الجزاء.

هذا بحسب مقام الثبوت.

و اما بحسب مقام الإثبات: فتارة يكون الدال على العموم من الأسماء مثل: «كل». و أخرى يكون العموم مدلولا للحرف أو سياق الكلام كالنكرة

244

الواقعة في سياق النفي.

فعلى الأول: يكون تعليق كل من عموم الحكم أو الحكم العام ممكنا و تعيين أحدهما يتوقف على قرينة خارجية.

و على الثاني: يتعين تعليق الحكم العام و لا يمكن تعليق العموم لأنه مدلول الحروف و هو غير قابل للتعليق.

و عليه، فالقضية المشهورة مفهومها موجبة كلية، لأن العموم مفاد السياق لا الاسم، فمفهوم قوله (عليه السلام): «الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شي‏ء» «الماء إذا لم يبلغ قدر كر ينجسه كل شي‏ء».

هذا مع ان البحث في كون المفهوم لهذه القضية موجبة كلية أو جزئية لغو، لأنه إذا كانت جزئية ثبت تنجس الماء بجميع النجاسات لعدم القول بالفصل فلا أثر لكلية المفهوم.

و ربما يقال: يكفي في تصحيح البحث ثبوت الأثر بالنسبة إلى المتنجسات، إذ ليس هناك قول بعدم الفصل بين النجس و المتنجس، فلو كان المفهوم كليا ظهر الأثر.

و يدفع: بان المراد بلفظ: «شي‏ء» في الرواية ليس مطلق الشي‏ء، بل ما من شأنه التنجيس، فان لم يقم دليل على ان المتنجس ينجس لم يكن المتنجس مشمولا للمنطوق فضلا عن المفهوم، و ان قام دليل على انه ينجس كفانا هذا الدليل لإثبات منجسيّته للقليل من الماء من دون احتياج إلى المفهوم. هذا تمام ما أفاده المحقق النائيني‏ (1).

و الكلام معه في امرين:

الأول: ما ذكره بالنسبة إلى قضية «الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجسه شي‏ء»،

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 420- الطبعة الأولى.

245

فان هذه القضية و نحوها من القضايا السالبة انما تستعمل في نفي خصوص المرتبة العليا، و يفهم انتفاء غيرها بالأولوية، فمثلا لو قال القائل: «هذا المحموم لا يفيده أي شي‏ء من الدواء»، انما ينظر في نفيه إلى المرتبة العليا من الدواء المؤثر و هكذا سائر الأمثلة العرفية.

و عليه، فلا معنى لإيقاع البحث المزبور فيها من ان المعلق عموم الحكم أو الحكم العام، إذ لم يتكفل الجزاء سوى نفي الحكم عن فرد واحد و هو المرتبة العليا من الافراد لا أكثر، فلا موضوع للبحث المزبور بالمرة.

و بما ان المثال الفقهي الوحيد للبحث هو هذا المثال نستطيع ان نقول ان البحث لغو من أساسه كما لا يخفى.

الثاني: ما ذكره في دفع توهم ثبوت الثمرة للمفهوم بلحاظ المتنجس. فان المراد منه غير واضح.

فان كان مراده انه ان لم يكن دليل على منجسية المتنجس أصلا فلا يشمله المنطوق، و ان كان دليل يدل بإطلاقه على تنجيس المتنجس فهو يكفى في إثبات تنجيسه للماء القليل بلا حاجة إلى المفهوم.

ان كان مراده ذلك- كما قد يظهر من كلامه- فالإشكال فيه واضح لتصوّر شق ثالث و هو: قيام دليل على تنجيس المتنجس في الجملة بلا ان يكون له إطلاق، فيكون مشمولا للمنطوق، و حينئذ فان كان المفهوم موجبة كلية اقتضى منجسية المتنجس مطلقا و إلّا فلا، فالمفهوم- على هذا الاحتمال- يحتاج إليه في إثبات تنجيس المتنجس للماء القليل.

و ان كان مراده انه إذا قام دليل على تنجيس المتنجس كان مشمولا للمنطوق، فإذا كان المفهوم موجبة جزئية كان مفاده: ان الماء إذا لم يبلغ الكر ينجسه شي‏ء ما من النجس و المتنجس، و إذا ثبت تنجيس المتنجس في الجملة يثبت تنجيسه مطلقا بعدم القول بالفصل كما قيل في النجس فلا فائدة في إثبات‏

246

كلية المفهوم.

إذا كان مراده ذلك ففيه: ان المفهوم إذا كان موجبة جزئية كان مقتضاه ان الماء القليل ينجسه شي‏ء ما بنحو الإهمال- و لا تصريح فيه بأنه شي‏ء من النجس و شي‏ء من المتنجس كما لا يخفى- و القدر المتيقن منه تنجيس النجس في الجملة فيثبت تنجيس النجس مطلقا بعدم القول بالفصل.

اما المتنجس فهو غير متيقن فلا موضوع لعدم القول بالفصل فيه.

و جملة القول: ان البحث في كلية المفهوم و جزئيته تظهر فائدته في تنجيس المتنجس و عدمه، فما ذكره (قدس سره) من عدم الثمرة فيه أصلا غير وجيه.

فالتفت.

و قد أورد على النائيني فيما أفاده من: ان المعلق تارة يكون عموم الحكم و أخرى الحكم العام و اختلاف مقام الإثبات في ذلك، بأنه غير صحيح و لا موضوع له، لأن المستفاد من القضية الشرطية انما هو تعليق مدلول التالي بمدلول المقدم، و مدلول التالي في محل البحث امر واحد و هو الحكم المجعول على الطبيعة السارية، و ان كان المجعول بحسب اللب متعددا بحسب تعدد الموضوع لكنه بحسب مقام الإثبات امر واحد، و المناط هو الوحدة و التعدد بحسب هذا المقام لا مقام اللب، فانه لا تأثير له في كيفية استفادة المفهوم من الكلام. و عليه، فإذا فرض وحدة الحكم إثباتا و كان هو المعلق على الشرط كان مقتضى التعليق انتفاء الحكم عن الطبيعة السارية عند انتفاء الشرط، و هو يتحقق بانتفائه عن بعض الافراد و لا يتوقف على انتفاء الحكم عن جميع الافراد، فلنا ان نقول ان مفهوم السالبة الكلية موجبة جزئية (1).

و فيه:

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 420- هامش رقم (2) الطبعة الأولى.

247

أولا: ما سيأتي في مبحث العموم و الخصوص و مبحث المطلق و المقيد من:

ان الاستغراق بنفسه يكون مدلول الكلام و مرادا من اللفظ اما وضعا أو بمعونة مقدمات الحكمة أو غيرهما، لا انه امر لبّي فقط، و هذا واضح لا غبار عليه و العجيب منه كيف التزم بخلافه.

و ثانيا: انه لا يتصور معنى صحيح للطبيعة السارية في قبال مطلق الوجودات و الوجود الخاصّ و صرف الوجود، فان الإهمال في مقام الثبوت ممتنع كما قرر مرارا و تكرارا.

و بالجملة فما ذكره السيد الخوئي لا محصل له.

التنبيه الثالث‏

: إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء. و يمثل له بقوله (عليه السلام): «إذا خفي الأذان فقصر» و «إذا خفي الجدران فقصر» فبناء على الالتزام بالمفهوم يقع التعارض بين مفهوم كل منهما و منطوق الأخرى، لأن مفهوم كل منهما ينفى وجوب القصر بانتفاء الشرط المذكور في المنطوق، و منطوق الأخرى يثبت وجوبه بتحقق الشرط الآخر المذكور فيه.

و قد ذكر في رفع التعارض وجوه. عدّها في الكفاية خمسة:

الأول: الالتزام بتقييد مفهوم كل منهما بمنطوق الأخرى، إذ النسبة بينهما العموم و الخصوص المطلق [1].

الثاني: الالتزام بعدم المفهوم في كل منهما، فلا تدل كل جملة الا على ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، و هو لا ينافي ثبوته عند ثبوت الآخر.

الثالث: الالتزام بتقييد إطلاق الشرط المقابل للعطف بالواو في كل منهما بالآخر، فيكون الشرط هو المركب منهما، لا كل منهما مستقلا.

الرابع: الالتزام بان المؤثر هو الجامع بين الشرطين لا كل منهما بعنوانه،

____________

[1] بل النسبة هي العموم من وجه، لأن المنطوق يشمل صورة المفهوم للآخر و عدمه، و لعل هذا هو الوجه في الاحتمال الثالث. (منه عفي عنه).

248

بل كل منهما بما هو فرد الجامع.

الخامس: رفع اليد عن المفهوم في أحدهما.

و قد رجح صاحب الكفاية الوجه الثاني، بلحاظ النّظر العرفي، فذهب إلى ان العرف يساعد عليه. و رجح الرابع بحسب النّظر الدّقي العقلي، فذهب إلى ان العقل يعينه لاستحالة تأثير المتعدد بما هو متعدد في واحد، فوحدة الجزاء تكشف عن وحدة المؤثر، و هو يقتضي ان يكون المؤثر هو الجامع بين الشرطين لا كلا منهما بنفسه لامتناعه عقلا بمقتضى قانون السنخية بين العلة و المعلول‏ (1).

و التحقيق ان يقال: ان طريق الجمع بين الدليلين يختلف بحسب اختلاف طريق إثبات المفهوم.

فان التزمنا بالمفهوم من طريق الإطلاق المقامي، و كون المتكلم في مقام بيان ما هو الشرط، تعين رفع اليد عن المفهوم في كل منهما، لأن ذكر الشرط الآخر يكشف عن عدم كونه في مقام بيان ما هو الشرط، فينتفي الإطلاق الّذي هو مستند المفهوم فلا يثبت المفهوم.

و هكذا الحال لو التزمنا بالمفهوم من طريق كون الجملة الشرطية ظاهرة في تعليق الجزاء على الشرط الملازم للانحصار، لأن تعدد الشرط يكشف عن عدم استعمال الأداة أو الهيئة في التعليق لمنافاته لتعدد الشرط.

و ان التزمنا بالمفهوم من طريق الإطلاق اللفظي بأحد الوجوه الثلاثة المتقدمة، تعين رفع اليد عن إطلاق المفهوم لا نفس المفهوم، لأن تعدد الشرط لا يخلّ بانعقاد الإطلاق لفظا و انما يكشف عن انه غير مطابق للمراد الجدّي، فيقيد إطلاق كل منهما المقتضي للمفهوم بالشرط الآخر، و يبقى على حاله في غير مورده كسائر موارد المطلق و المقيد.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 201- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

249

و من هنا ظهر انه لا وجه لما ذكره صاحب الكفاية- بقول مطلق- من ان العرف يساعد على الوجه الثاني، إذ عرفت انه متعين على تقدير دون آخر.

و اما الوجه الثالث: فلا طريق إلى إثباته أصلا، و لأجل وضوح بطلانه لم يتعرض صاحب الكفاية لنفيه.

و ذلك: لأن قواعد المعارضة و الجمع الدلالي بين المتعارضين هو التصرف في مركز المعارضة و محطها من الظهور. و من الواضح ان التعارض بين مفهوم كل منهما و منطوق الآخر اما ظهور كل منهما في الاستقلال فليس محط المعارضة، و ان كان رفع اليد عنه موجبا لارتفاع المعارضة، لكن لا تنتهي النوبة إليه ما دام يمكن الجمع و التصرف في مورد التعارض، و لذا لا يتوهم أحد مع إمكان الجمع الدلالي التصرف في أحد المتعارضين من حيث الجهة أو السند مع انه يرفع التعارض. فالجمع بالوجه الثالث جمع تبرعي.

و بذلك يظهر لك ما في كلام المحقق النائيني (قدس سره) في المقام من الإشكال فانه (قدس سره) ذكر- بعد بيان موضوع الكلام- ان الأمر يدور بين رفع اليد عن إطلاق الشرط المقابل للعطف بأو و تقييده و رفع اليد عن إطلاقه المقابل للعطف بالواو، و حيث لا معين لأحد التقييدين كان مقتضى العلم الإجمالي سقوط كل من الإطلاقين عن الحجية، و نتيجة ذلك عدم ترتب الجزاء الا عند حصول كلا الشرطين، لعدم العلم بترتبه بحصول أحدهما و الأصل ينفيه، فنتيجة الأصل العملي هو تقييد الإطلاق المقابل للعطف بالواو و كون الشرط هو كلا الأمرين‏ (1).

و وجه الإشكال فيه: ما عرفت من ان الجمع الدلالي انما يكون في مورد التعارض فلا يدور الأمر بين الإطلاقين، بل يتعين التصرف بالإطلاق المقابل‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 424- الطبعة الأولى.

250

للعطف ب «أو».

و بتعبير آخر: إطلاق كل من الشرطين المقتضي لاستقلالهما في التأثير ليس مورد التعارض، بل هو منشأ التعارض كالدليل الدال على حجية الخبر، و هو لا يسوغ التصرف فيه مع إمكان الجمع في مورد المعارضة.

و اما الوجه الرابع: فقد عرفت توجيهه في الكفاية. و يرد عليه:

أولا: انه انما يتم إذا كان المسبب واحدا شخصيا، اما الواحد النوعيّ فلا مانع من تأثير المتعدد فيه، فيجوز تأثير شرط في مسبب و تأثير غيره في فرد آخر كما نرى ذلك بالوجدان، فان النار تؤثر في الحرارة كما ان الكهرباء يؤثر فيها.

و بالجملة: فبرهان السنخية انما يتم في الواحد الشخصي لا النوعيّ.

و ثانيا: انه انما يجري في الأسباب و المسببات التكوينية التي يكون تأثيرها واقعيا ناشئا عن ربط خاص بين العلة و المعلول- و إلّا لزم تأثير كل شي‏ء في كل شي‏ء-، لا الأسباب الشرعية التي هي في الحقيقة تنتزع عن ترتب تحقق شي‏ء على وجود آخر بلا ان يكون للسبب تأثير في المسبب نحو تأثير العلة في المعلول.

فلا مانع من اعتبار شي‏ء واحد مرتبا على أحد شيئين.

و اما الوجه الخامس: فهو لا يرفع التنافي، إذ التنافي بين منطوق كل منهما و مفهوم الآخر، فمع رفع اليد عن مفهوم أحدهما يبقى التنافي بين منطوقه و مفهوم الآخر على حاله. و قد ذكر المحقق الأصفهانيّ انه ضرب عليه خط المحو في النسخ المصححة (1)، و لعل الوجه فيه ما عرفت.

نعم، لو حمل أحدهما على المعرفية لا على التأثير بنفسه و عنوانه ارتفع التنافي، و لكنه يعيّن طرح أحد الدليلين منطوقا و مفهوما كما لا يخفى، و هو مما يحتاج إلى دليل خاص، و لعله إلى هذا المعنى نظر صاحب الكفاية.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 324- الطبعة الأولى.

251

و المتحصل: ان المتعين في طريق رفع التنافي ما عرفت دون غيره.

يبقى الكلام في بيان مقصود صاحب الكفاية مما ذكره من انه لا بد من المصير إلى ان الشرط في الحقيقة هو المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم و بقاء إطلاق الشرط في كل منهما على حاله‏ (1). فقد ذكر لها المحقق الأصفهاني معنيين، و استشكل في كل منهما (2).

و الّذي يبدو لنا ان معناها هو: ان الالتزام بكون الشرط هو الجامع يتوقف على امرين:

أحدهما: رفع اليد عن إطلاق المفهوم في كل منهما لأن البناء على بقاء إطلاق المفهوم على حاله في كل منهما يتنافى مع منطوق كل منهما الدال على ثبوت الجزاء بثبوت الشرط، و لا يمكن الالتزام بهما معا.

و من الواضح ان شرطية الجامع فرع ثبوت الجزاء عند ثبوت كل من الشرطين، و هو لا يتحقق إلّا برفع اليد عن المفهوم.

ثانيهما: الالتزام بشرطية كل منهما بنحو الاستقلال، إذ لو كان الشرط هو المركب منهما و كان مجموع الأمرين لم يكن معنى لكون الشرط هو الجامع بينهما كما لا يخفى جدا.

و هذا المعنى و ان استشكل فيه المحقق الأصفهاني، لكن لا يهمنا التعرض إليه و دفعه و انما المقصود الإشارة إلى معنى العبارة فالتفت.

التنبيه الرابع‏

: في البحث عن التداخل فيما إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء.

و موضوع الكلام: ما إذا فرض ظهور الجملة في تأثير الشرط استقلالا و ترتب الجزاء عليه عند حصوله.

و قد اختلف صاحب الكفاية و المحقق النائيني «(قدس سره)» في نحو تحرير

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 201- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 324- الطبعة الأولى.

252

البحث. فقال صاحب الكفاية في مقام تحريره: «إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء فلا إشكال على الوجه الثالث- و يقصد به الالتزام بان المؤثر مجموع الأمرين- و اما على سائر الوجوه فهل اللازم لزوم الإتيان بالجزاء متعددا حسب تعدد الشروط أو يتداخل و يكتفي بإتيانه واحدة؟» (1). فقد أخذ (رحمه الله) موضوع الكلام لزوم الإتيان بالجزاء متعددا أولا، فالقول بتأكد الحكم بتعدد الشرط من أقوال التداخل بنظره (قدس سره)، بل صرح بذلك في عدّة منها (2). و قد حرّره المحقق النائيني بنحو جعل موضوع الكلام تعدد الأثر في صورة تعدد الشرط و وحدته.

و عليه فيكون القول بالتأكد قولا بعدم التداخل لتعدد الأثر (3).

و على كل حال فالامر سهل في هذا الأمر، إذ كون القول بالتأكد من التداخل أو غيره لا يؤثر في دعواها و ما هو أثرها. و انما يقع الكلام في ما هو المهم من التداخل و عدمه. و الكلام في مقامين:

المقام الأول: في تداخل الأسباب و يقصد به ان مقتضى القاعدة في مورد تعدد الشرط هل هو تعدد الجزاء أو عدم تعدده؟.

المقام الثاني: في تداخل المسبّبات و يقصد به انه لو ثبت تعدد الجزاء فهل مقتضى القاعدة تحقق امتثال الجميع- مع الاشتراك في الاسم- بواحد أو لا يتحقق إلّا بالإتيان بالمتعلق بعدد افراد الحكم؟.

و لم يتعرض صاحب الكفاية إلى هذا التفصيل بل خلط في بحثه كلا المقامين.

اما تداخل الأسباب: فقد اختار صاحب الكفاية عدمه و لزوم الإتيان بالجزاء متعددا.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 202- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 203- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 426- الطبعة الأولى.

253

و قد وجهه:- بعد ما بين توجيه القول بالتداخل بوجوه ثلاثة حكم بأنها خلاف الظاهر و لا دليل على أحدها- بان ظهور الجملة الشرطية في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط يقتضي تعدد الجزاء بتعدد الشرط، إذ وحدته تنافي ظهورها في الحدوث عند الحدوث، لأن وحدة الجزاء تكشف عن عدم ذلك. كما ان ظهور الجزاء في وحدة المتعلق يقتضي وحدة الحكم عند تعدد الشرط لاستحالة تعلق الحكمين بطبيعة واحدة لاستلزامه اجتماع المثلين و هو محال، كاجتماع الضدين.

و بالجملة: فالقضية الشرطية تشتمل على ظهورين:

أحدهما: يقتضي تعدد الحكم في الجزاء.

ثانيهما: يقتضي وحدته، لكن ما يقتضي الوحدة ظهور إطلاقي و هو إطلاق المتعلق و سرايته لأي فرد و لو كان الفرد الّذي يقع امتثالا للحكم الآخر.

و بما انه معلق على عدم البيان، و كان ظهور القضية في الحدوث عند الحدوث صالحا لأن يكون بيانا لما هو المراد من المطلق- لأنه ظهور وضعي غير معلق على شي‏ء-، لم ينعقد للمطلق ظهور في الإطلاق بواسطة الظهور الآخر الوضعي، بل كان الظهور في الحدوث عند الحدوث كاشفا عن كون الحكم متعلقا بفرد آخر غير المطلوب بالحكم الآخر، فيكون حاكما علي الظهور الإطلاقي و رافعا لموضوعه.

و بذلك ذكر ان الالتزام بعدم التداخل لا يستلزم تصرفا في الظاهر، بل هو مقتضى الالتزام بالظاهر بخلاف القول بالتداخل‏ (1).

و قد وافق المحقق النائيني (رحمه الله) صاحب الكفاية في اختيار عدم التداخل، لكن خالفه بالدليل عليه. فقد قرّب (رحمه الله) دعواه بنحو آخر.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 202- 204- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

254

فذكر أولا: ان القضية الشرطية ترجع إلى قضية حقيقة حملية موضوعها الشرط و محمولها الجزاء، كما ان القضية الحقيقة ترجع إلى قضية شرطية مقدمها الموضوع و تاليها المحمول، فهما حقيقة قضية واحدة. و عليه فكما ان الحكم في القضية الحملية الحقيقية ينحل بانحلال موضوعه كذلك يكون الانحلال في القضية الشرطية فيتعدد الحكم بتعدد افراد الشرط و وجوداته، و اما تعدده بتعدد الشرط ماهية فهو يستفاد من ظهور إطلاق القضية في الاستقلال.

و بعد ذلك ذكر ان الطلب المتعلق بالماهية لا يقتضي إلّا إيجاد متعلقه خارجا و نقض عدمه المطلق، و بما ان نقض العدم المطلق يصدق على أول وجود من الطبيعة كان مجزيا عقلا.

و اما كون متعلق الطلب صرف الوجود، فليس هو مدلولا لفظيا لصيغة الأمر لا مادة و لا هيئة، إذ المادة لم توضع الا إلى الماهية، و الهيئة لا تدل الا على طلب إيجادها، و هو يصدق قهرا على أول الوجود، و ذلك لا يقضي كون مطلوبية صرف الوجود مدلول الكلام.

و عليه، فإذا كان مقتضى الطلب إيجاد الطبيعة و نقض عدمها، فإذا تعلق طلبان بماهية كان مقتضى كل منهما إيجاد ناقض للعدم، فمقتضى الطلبين إيجاد ناقضين للعدم، نظير ما إذا تعلقت الإرادة التكوينية بشي‏ء واحد مرتين، فان مقتضاها تحقق وجودين منه.

و اما وحدة الطلب و تعدده، فهو مما لا يتكفله الطلب المتعلق بالمادة، بل هو ينتج عن عدم ما يقتضي التعدد لا عن ظهور اللفظ في الوحدة، فإذا فرض ظهور الجملة في الانحلال و تعدد الطلب كان هذا الظهور مقتضيا للتعدد فيرتفع موضوع وحدة الطلب، و هو عدم المقتضي للتعدد، و لو سلم ظهور الجزاء في وحدة الطلب، فهو ناتج عن عدم المقتضي للتعدد، و بما ان ظهور الجملة الشرطية في التعدد لفظي كان حاكما على ظهور الجزاء في الوحدة لرفعه موضوعه و هو عدم‏