منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
255

المقتضي للتعدد.

هذا خلاصة ما أفاده (قدس سره) مما يرتبط بما نحن بصدده‏ (1).

و لكنه غير خال عن المناقشات من جهات عديدة:

الأولى: ما ذكره من رجوع القضية الشرطية إلى قضية حملية حقيقية.

فانه لا يرتبط بتحقيق عدم التداخل، و انما هو بيان لصغرى البحث، و هي صورة تعدد الشرط، فجعله من مقدمات تحقيق البحث لا يخلو عن مسامحة.

هذا مع ما في نفس البيان من الإشكال كما سيأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى.

الثانية: ما ذكره من ان مقتضى الطلب إيجاد متعلقه خارجا و نقض عدمه المطلق.

فانه يرد عليه: بان الإطلاق الوارد في التعبير اما ان يكون قيد العدم، فيكون مقتضى الطلب نقض العدم المطلق، فمتعلق النقض العدم المطلق، و اما ان يكون قيد الوجود، فيكون مقتضى الطلب الإيجاد المطلق الناقض للعدم.

فان كان قيد العدم، فالمقصود من العدم المطلق ان كان جميع الاعدام، فالوجود المطلوب لا ينقضها، لأن كل وجود نقيض عدمه البديل له لا غير، و ان كان استمرار العدم، فهو يرجع إلى صرف الوجود الّذي نفي اقتضاء الطلب له.

هذا مع ان مطلوبية صرف الوجود من الممكن ان تثبت بلحاظ ان متعلق الغرض يتحقق به، فيكون صرف الوجود فقط محبوبا أو مبغوضا، فلو سلمت إثباتا فهي بلحاظ وجود قرينة عقلية خاصة أو عامة و نحوها على ذلك، لا من جهة ان نفس الطلب يقتضي ذلك كما هو لازم كلامه (قدس سره) فنفس الطلب لا يقتضي شيئا من ذلك أصلا.

و ان كان قيد الوجود بمعنى ان مقتضى الطلب هو وجود الطبيعة المطلق‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 428- الطبعة الأولى.

256

غير المقيد بالوحدة و التعدد، فلازمه عدم تحقق الامتثال بواحد، إذ كل ما يتصور من الافراد يكون محققا للمأمور به و مصداقا له، و يصدق عليه انه وجود الطبيعة، فيكون مطلوبا و لا يتحقق الامتثال بدونه.

الثالثة: ما ذكره من ان تعدد الطلب يقتضي إيجاد ناقضين للعدم.

فانه أول الكلام، و مما يحتاج إلى دليل، إذ ظاهر الجملة وحدة المتعلق، فما هو الدليل على إرادة إيجاد ناقضين لا على كون التعدد لتأكيد الطلب؟. فلا ظهور لتعدد الطلب في نفسه في ذلك.

الرابعة: ما يظهر من كلامه من ان متعلق الطلب نفس الماهية و الإيجاد انما يكون من مقتضيات الطلب لا أنه مأخوذ في مرحلة سابقة عليه.

فانه يرد عليه: ما مرّ في مبحث تعلق الأمر بالطبائع من ان الماهية بما هي غير متعلقة للطلب، بل أخذ وجودها في متعلقه، فراجع.

الخامسة: ما يظهر من كلامه من عدم أخذ صرف الوجود في متعلق الطلب و انما هو أمر قهري.

فانه يرد عليه: ان متعلق الطلب يمتنع ان يكون هو الوجود المطلق بلا تعيين نحو خاص من أنحائه لامتناع الإهمال في مقام الثبوت. فلا بد اما ان يكون المطلوب جميع الوجودات أو مجموعها أو صرف الوجود بمعناها الأصولي، و هو الناقض للعدم المستمر المنطبق على أول الوجود.

و قد ثبت ان المأخوذ في متعلقات الأوامر ليس الجميع و لا المجموع فيتعين ان يكون صرف الوجود.

السادسة: ما يظهر من كلامه من تشكيل المعارضة بين ظهور الجملة في تعدد الطلب و ظهور الطلب في الجزاء في الوحدة، و ترجيحه الظهور الأول لارتفاع موضوع الثاني به.

فانه عجيب منه (قدس سره)، إذ منشأ توهم التداخل هو ظهور الكلام‏

257

في وحدة متعلق الحكمين المانع من تعددهما، لاستحالة اجتماع المثلين، كما قرره (قدس سره) في صدر البحث، فالمعارضة بين ظهور الجملتين في تعدد الطلب و ظهور الكلام في وحدة المتعلق المنافي لتعدد الطلب.

و لم يتوهم متوهم ان طرف المعارضة هو ظهور الجزاء في وحدة الطلب، كي يدفع: بأنه ناتج عن عدم المقتضي للتعدد، و المفروض انه موجود فيما نحن فيه، لظهور الجملة في الانحلال و تعدد الطلب، إذ لا وجه لتوهم ان وجود طلب ينافى وجود غيره. فما أفاده غريب جدا و لا نعلم له وجها وجيها.

اذن فما ذكره في وجه عدم التداخل لا يمكننا الالتزام به.

فالوجه المتجه هو ما أفاده صاحب الكفاية و قد مر ذكره.

و عليه، فالحق عدم تداخل الأسباب، و كون تعددها مقتضيا لتعدد المسبب. و ينبغي التنبيه على أمور:

الأمر الأول: ذكر صاحب الكفاية في آخر كلامه: ان بحث التداخل و عدمه انما يتأتى في المورد القابل للتعدد نظير الوضوء و الصلاة و غيرهما. اما المورد غير القابل للتعدد فلا يجري فيه بحث التداخل و عدمه، بل لا إشكال في التداخل، نظير القتل فانه إذا اجتمع سببان للقتل لا يتعدد الحكم لعدم قابلية متعلقه للتعدد كما لا يخفى‏ (1).

و لكن المحقق النائيني ذهب إلى دخول صورة منه في محل الكلام ببيان:

ان ما لا يقبل التعدد ..

تارة: يكون الحكم فيه قابلا للتقييد نظير القتل المسبب وجوبه عن حق الناس، كالواجب لأجل القصاص، فانه و ان لم يكن متعددا خارجا لكن وجوبه مقيد بكل واحد من السببين، فلو ارتفع أحد السببين- كما لو عفا أولياء أحد

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 206- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

258

المقتولين- يبقى الوجوب على حاله لثبوت السبب الآخر و نظير الخيار المسبب عن امرين، فلو سقط أحدهما عن السببية بقي الآخر مؤثرا.

و أخرى: لا يكون الحكم فيه قابلا للتقييد، كوجوب القتل الناشئ عن غير حق الناس كالارتداد، إذ حكم اللّه و حقه لا يمكن العفو عنه.

فالتزم (قدس سره) بدخول النحو الأول في محل الكلام، و انه بناء على عدم التداخل يتقيد الجزاء بكل واحد من السببين، فيؤثر أحدهما عند ارتفاع الآخر (1).

و الحق ان ما أفاده غير وجيه: و ذلك، لأن قياس باب وجوب القتل على باب الخيار قياس مع الفارق، إذ لا محذور في تعدد جعل حق الخيار- بعد كونه امرا اعتباريا خفيف المئونة- سوى انه لغو محض، إذ الأثر يترتب على الخيار المجعول أوّلا، فيتفصّى عن إشكال اللغوية بان الأثر للتعدد موجود، و هو ما إذا ارتفع أحد السببين للخيار بإسقاط أو معارضة، فانه بناء على التعدد يبقى حق الخيار ثابتا لسببية السبب الآخر. و هذا المقدار من الأثر يكفي في تصحيح جعل الخيار متعددا.

و ليس الأمر في باب الأحكام التكليفية ذلك، إذ محذور تعدد الحكمين هو اجتماع المثلين، و هو مما لا يرتفع بالتقيد، كما لا يخفى.

اذن فما اختاره صاحب الكفاية هو المتجه.

الأمر الثاني: قد عرفت ان الحق عدم التداخل في صورة تعدد الشرط، و بما ان من الأمثلة المهمة لهذا البحث مسألة الوضوء و تعدد أسبابه، فقد وقع الكلام في بيان الوجه للتداخل في باب الوضوء و سبب خروجه عن مقتضى القاعدة.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 428- الطبعة الأولى.

259

و الّذي ذكره المحقق النائيني في المقام: ان سبب الوضوء هو الحدث، و هو غير قابل للتعدد فمحققاته كثيرة كالبول و النوم و التغوط، لكن ذلك لا يستلزم تعدد الحدث، إذ لا معنى للحدث بعد الحدث، فيكون المؤثر في تحقق الحدث من أسبابه هو أول وجود منها. فالتداخل في باب الوضوء منشؤه وحدة الشرط لعدم قابليته للتعدد و ان تعددت أسبابه‏ (1). و قد وافقه الفقيه الهمداني‏ (2).

أقول: ان كانت دعوى عدم قابلية الحدث للتعدد، لأجل انه مقتضى حكم العقل بذلك- كما هو ظاهر كلامه-، فاندفاعها واضح جدا، لأن الحدث من الأمور الاعتبارية فلا محذور في تعدده، كما قيل به في باب الحدث الأكبر.

و ان كان لأجل استفادته من النصوص و الأدلة، فهو امر لا نسلم به، إذ لا ظهور للروايات في نفي قابلية الحدث للتعدد.

فالتحقيق ان يقال: ان الاحتمالات في المجعول في باب الوضوء التي يختلف الأثر فيما نحن فيه باختلافها ثلاثة:

الأول: كون نفس هذه الأمور كالنوم و البول و غيرهما سببا لوجوب الوضوء، و ليس هناك سوى الوضوء، و هو شرط الأعمال.

الثاني: ان الوضوء محقق للطهارة اما لكونهما من قبيل السبب و المسبب أو العنوان و المعنون. و كون هذه الأمور نواقض للطهارة و روافع لها، فالمجعول هو الطهارة دون الحدث.

الثالث: كون هذه الأمور سببا لتحقق الحدث و هو يرتفع بالوضوء، فليس المجعول سوى الحدث. اما الطهارة في عبارة عن امر عدمي و هو عدم الحدث.

و الّذي يظهر من الروايات هو الاحتمال الثاني، لظهور وجود امر مجعول‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 432- الطبعة الأولى.

(2) الهمداني الفقيه حاج آقا رضا. مصباح الفقيه- 125- كتاب الطهارة- الطبعة الأولى.

260

مستمر، و هو لا يمكن ان يكون الوضوء لأنه فعل متصرم. كما انه ليس للتعبير بسببية هذه الأمور للحدث عين و لا أثر في الروايات، و انما هو وارد في لسان الفقهاء، بل يظهر هو كون هذه الأمور نواقض للطهارة التي يعبر عنها بالوضوء في بعض الروايات.

و جملة القول: ان طاهر الأدلة سببية هذه الأمور لنقض الطهارة لا لتحقق الحدث.

و عليه، فيظهر لنا وجه التداخل بوضوح، إذ النقض لا يقبل التعدد، فإذا حصل أول سبب كالنوم انتقضت الطهارة، فيكون السبب الآخر بلا أثر لامتناع نقض المنقوض، و هكذا الحال لو وجد فرد من نوع ثم وجد غيره منه كفر دين من البول، فالوضوء انما يلزم من باب تحصيل الطهارة لانتقاضها بسبب من أسباب النقض، و الانتقاض غير قابل للتعدّد، و اما الأمثلة المشهورة من قولهم: «إذا بلت فتوضأ» و نحوه فلم ترد في لسان الشارع أصلا.

و هذا الوجه مما لا نعلم أحدا ذكره قبل الحين و اللّه العالم.

الأمر الثالث: قد عرفت ان موضوع البحث صورة تعدد الشرط.

و قد ذكر المحقق النائيني (رحمه الله) في بيان الوجه في تعدد الشرط من جنس واحد: بان القضية الشرطية ترجع إلى قضية حقيقية، فكما ان الحكم في القضية الحقيقية ينحل بانحلال موضوعه كذلك الحال في القضية الشرطية، فكل فرد من افراد الشرط المأخوذ في الكلام يكون موضوعا للحكم‏ (1).

و ما أفاده (قدس سره) لا يخلو عن مناقشة، و ذلك لأنه لو سلم ما ذكره من رجوع القضية الشرطية إلى قضية حقيقية، فهو لا يلازم ما ذكره، إذ ظهور القضية الحملية في الانحلال لم يكن لقرينة عامة بحيث تكون ملازمة للانحلال‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 428- الطبعة الأولى.

261

مطلقا و يكون الانحلال من شئونها حتى يقال بأنه يثبت لما يرجع إلى القضية الحملية في الحقيقة و اللبّ، بل الاستغراق و غيره ما يستفاد من قرائن خاصة في كل مقام، و لذا ذكر صاحب الكفاية ان مقتضى الإطلاق ليس الا كون المراد هو الطبيعة غير المقيدة اما إرادة جميع الافراد أو صرف الوجود، فهو امر يستفاد من دليل آخر بحسب اختلاف المقامات‏ (1).

و بالجملة: لا ينفع في إثبات الانحلال في القضية الشرطية كونها كالحملية في الحقيقة بعد ما لم يكن الانحلال من لوازم الحملية، بل هو مقتضى قرائن خاصة قد لا تثبت في بعض المقامات.

و عليه، فالمرجع في إثبات الانحلال و عدمه و أخذ الشرط بنحو الاستغراق أو غيره هو ملاحظة خصوصية المقام و ما يقتضيه، و لا ضابط لدينا في ذلك.

و لا بأس بالتعرض لما يقتضيه المقام بالنسبة إلى أسباب الوضوء، كالبول و النوم و نحوهما، فنقول: ان الظاهر أخذها بنحو صرف الوجود من جهة و بنحو الاستغراق من جهة أخرى.

بيان ذلك: انك قد عرفت ان هذه الأسباب ناقضة للطهارة و الناقضية لا تقبل التعدد، فكل ما يفرض للبول من افراد ناقضة للطهارة كانت ملحوظة بنحو الاستغراق، اما غيرها من الافراد فالملحوظ صرف الوجود لامتناع تأثير غيره في النقض، ففي مثل: «إذا بلت فتوضأ» ملحوظ بنحو صرف الوجود من جهة تحقق النقض بالبول، بمعنى انه يتحقق بصرف الوجود، و بنحو الاستغراق بالنسبة إلى ما يتحقق النقض، بمعنى ان كل ما ينقض الطهارة يترتب عليه وجوب الوضوء، فتدبر.

الأمر الرابع: ذهب الفخر و غيره- كما نسب إليه- إلى ابتناء القول‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 352- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

262

بالتداخل و عدمه على كون الأسباب الشرعية معرفات أو مؤثرات.

فعلى القول بأنها معرفات يلتزم بالتداخل. و على القول بأنها مؤثرات يلتزم بعدم التداخل‏ (1).

و المراد بالمعرف أحد وجهين: اما معرف الحكم- كما صرح به المحقق النائيني‏ (2)-. و اما معرف الشرط الحقيقي- كما صرح به صاحب الكفاية و غيره‏ (3)-.

و نحن نوقع الكلام على كلا الاحتمالين:

اما الالتزام بان الأسباب الشرعية معرفات الحكم، فهو يتصور على وجهين كلاهما باطلان:

أحدهما: ان يكون الحكم المنشأ في القضية الشرطية حكما طريقيا أو ظاهريا موضوعه الشرط المأخوذ في الكلام، و يكون المجموع سببا للعلم و كاشفا عن حكم واقعي مجعول على موضوع واقعي.

و بطلانه واضح، لجهتين:

الأولى: ان هذا مما لا يلتزم به أحد و لا يتفوه به متفوه، كيف؟ و لازمه الالتزام بعدم واقعية الأحكام في القضايا الشرطية و هي أكثر من ان تحصى.

الثانية: انه كرّ على ما فرّ منه، إذ الشرط بذلك لا يخرج عن كونه مؤثرا في الحكم الطريقي، فيعود المحذور، إذ لازمه عدم التداخل عند تعدد الشرط، و الالتزام بتعدد الحكم الطريقي الملازم لتعدد الحكم الواقعي.

ثانيهما: ان يكون الإنشاء في القضية الشرطية في الحقيقة اخبارا عن الحكم الواقعي الثابت لموضوع واقعي.

و بطلانه واضح كسابقه، إذ لازمه ان لا يكون هناك إنشاء في القضايا

____________

(1) نسب إليه المحقق الخراسانيّ كما في كفاية الأصول- 205 و المحقق كلانتري كما في مطارح الأنظار- 176.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 427- الطبعة الأولى.

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 205- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

263

الشرعية، و هو لا وجه له، و تصرف في ظهور الكلام في الإنشاء بلا وجه.

و عليه، فيمكننا القول بعدم صحة الالتزام بان الأسباب الشرعية معرفات الحكم، إذ لا يتصور له معنى يمكن الالتزام به.

و اما كونها معرفات للشرط الحقيقي الواقعي، فهو يتصور على وجهين أيضا:

أحدهما: ان يكون الشرط المذكور في الكلام موضوعا للحكم المنشأ، و المجموع طريق و كاشف عن حكم واقعي ثابت لموضوع واقعي.

و هذا الوجه باطل، لما عرفت من انه يستلزم الالتزام بعدم واقعية الأحكام المنشأة في القضايا الشرطية.

مع ان لازمه ان يكون هناك جعل و مجعول واقعي وراء المجعول المنشأ، فللحكم واقعان و مقامان، و هو مما لا يلتزم به أحد حتى من يرى ان واقع الحكم هو الإرادة و الكراهة، لأن الإنشاء قوامه الإبراز و الإظهار فما لم يبرز الواقع لا إنشاء و لا يتصور تحقق الجعل بدون الإنشاء.

ثانيهما: ان الشرائط المأخوذة في الكلام أخذت مرآتا و حاكيا عن الشرط الواقعي، بان يكون الشرط الواقعي و الدخيل في الحكم واقعا ما يلازم هذا الأمر فيؤخذ هذا الأمر عنوانا للشرط الواقعي.

و هذا المعنى معقول في نفسه و لا مانع من الالتزام به، بل هو واقع في العرفيات، كما لو أراد الحكم على موضوع واقعي و صعب تفهيمه للمخاطب بنفسه فيعلق الحكم على ما يلازمه من العناوين قاصدا الحكاية به عن الموضوع المجهول و الوصول به إلى ثبوت الحكم لموضوعه الواقعي.

و مع الالتزام بان الشرائط الشرعية معرفات لشرائط الواقعية بهذا المعنى من أخذها عنوانا للشرط الواقعي المرتب عليه الحكم يتجه الالتزام بالتداخل، إذ المفروض ان كلا من الشرطين مرآة و عنوان للشرط الواقعي، و من الممكن ان‏

264

يكون كلا منهما مرآة لما كان الآخر مرآة له، إذ لا يمتنع ان يكون للشي‏ء الواحد عنوانان، فلا طريق لإثبات تعدد الشرط حقيقة، و احتمال وحدته يكفي في الحكم بالتداخل بلا احتياج لإحرازها، إذ الأصل العملي مع الشك ينفي تعدد الحكم.

و قد أشير إلى إثبات تعدد الشرط حقيقة، و لو مع الالتزام بهذا الرّأي، بوجوه:

الأول: ما ذكره صاحب الكفاية من دلالة الجملة على حدوث الجزاء عند حدوث الشرط، و هو يقتضي تعدد الجزاء بتعدد الشرط (1).

و فيه: ان الجملة انما تدل على حدوث الجزاء عند حدوث الشرط الواقعي، فإذا ثبت كون الشرط الواقعي غير المذكور في الكلام و ان ما يترتب عليه الجزاء غيره، و قد عرفت عدم امتناع وحدته واقعا، و لو تعدد المعرف فلا دليل على تعدد الشرط الواقعي كي يتعدد الجزاء بتعدده بمقتضى الدلالة على الحدوث عند الحدوث.

الثاني: ما ذكره المحقق النائيني من ان ظاهر القضية الشرطية ترتب الجزاء على كل واحد من الشروط، و مجرد كون الشرط معرفا و إمكان تعدده مع وحدة المعرَّف لا يكفي في رفع اليد عن هذا الظهور (2).

و فيه: ان مراده ان كان ما ذكره صاحب الكفاية فقد عرفت ما فيه. و ان كان ما هو الظاهر من دلالة الجملة على الترتب، فالإشكال فيه واضح، إذ على هذا المبنى- أعني المعرفية- لا يلتزم بترتب الجزاء على الشرط المأخوذ في الكلام، بل على غيره مما يكون هذا طريقا إليه، و قد عرفت انه لا دليل على تعدده.

الثالث: ما ذكره الفقيه الهمداني من ان ظاهر كون الشرط معرفا هو

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 202- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 428- الطبعة الأولى.

265

المعرفية الفعلية، و عليه فيمتنع ان يكون كلا الشرطين- مع التعاقب- معرفا فعلا للحكم الواحد، إذ لا معنى للعلم بالحكم ثانيا بعد تحقق العلم به أولا، فلا بد من تعدد الحكم المعرف، فتعدد المعرّف يستدعي تعدد المعرِّف‏ (1).

و فيه: انه انما يتجه لو كان الجزاء هو العلم بالحكم لا نفسه، و هو مما لا يلتزم به أحد لوضوح ان المعلق على الشرط في قول الآمر: «ان جاء زيد فأكرمه» نفس وجوب الإكرام لا العلم به.

و قد عرفت ان المراد بالمعرفية هو مرآتية الشرط الكلامي لما هو الشرط الواقعي، و هذا لا ينافي تعدد المرآة مع وحدة المرآتي.

و جملة القول: ان الالتزام بالتداخل على هذا المبنى متجه و لا إشكال فيه بناء عليه، لكن الإشكال في المبنى نفسه فانه لا وجه للالتزام بان الأسباب الشرعية معرفات، و صرف الكلام عن ظاهره في كون الشرط المذكور فيه دخيلا في ترتب الحكم كالشرط المذكور في القضايا غير الشرعية فلاحظ و تدبر.

هذا تمام الكلام في المقام الأول، و هو البحث في تداخل الأسباب. و قد عرفت ان الحق عدم التداخل.

و يقع الكلام بعد ذلك في تداخل المسببات، و البحث يقع في صورتين:

الأولى: ما إذا كان متعلق الحكمين طبيعة واحدة.

الثانية: ما إذا كان متعلقهما طبيعتين متغايرتين، كوجوب إكرام العالم و وجوب ضيافة الهاشمي.

اما الصورة الأولى: فلا وجه لتوهم التداخل فيها لما عرفت من انه لا يعقل تعلق حكمين بطبيعة واحدة، و انه لا بد من حمل الكلام الظاهر في نفسه في ذلك على كون متعلق أحدهما فردا آخر غير ما امتثل به الآخر، فكل من‏

____________

(1) الهمداني الفقيه حاج آقا رضا. مصباح الفقيه- 127- كتاب الطهارة- الطبعة الأولى.

266

الحكمين يطلب به فرد غير ما يطلب بالحكم الآخر. و عليه فيمتنع الاكتفاء بفرد واحد، و ليس هو إلّا نظير الاكتفاء عن نافلة المغرب بركعتين. و ما ذكرناه واضح جدا، و معه لا وجه لبيان ان الأصل عدم التداخل- كما جاء في تقريرات النائيني‏ (1)-، إذ لا وجه له الا تخيل قيام الدليل في بعض الصور على الاكتفاء بفرد واحد في مقام امتثال الأمر المتعدد، و لكن لو ثبت الدليل في بعض الموارد فهو يرجع في الحقيقة إلى بيان وحدة الحكم، إذ تعدد الحكم و إرادة فردين خلف الاكتفاء بواحد، فإن قول الآمر: «أريد ان تعطي درهمين» ينافي قوله: «اكتفى بدرهم واحد» كما لا يخفى.

و اما ما سيق- في أجود التقريرات- مثالا لقيام الدليل الخاصّ على الاكتفاء بامتثال واحد، و هو مسألة الاكتفاء بغسل واحد عن حدوث الجنابة و الحيض و غيرهما، و مسألة الوضوء لو فرض تعدد الحدث الموجب لتعدد الأمر.

فهو انما يتجه لو كان محل البحث هو ان الأوامر المتعددة المتعلقة بافراد الغسل أو الوضوء هل تمتثل بغسل أو وضوء واحد أو لا تمتثل؟ فيفرض المسبب وجوب الغسل. اما لو كان محل البحث هو ان الأحداث المتعددة المسببة عن الأسباب المتعددة هل ترتفع بغسل أو وضوء واحد أو لا؟ فلا يرتبط بما نحن فيه، إذ المسبب فرض هو الحدث و لا معنى للتداخل فيه. و انما يقع الكلام في ارتفاعها بعمل واحد، و هو لا يرتبط بمسألة التداخل، بل يتبع دليل الغسل أو الوضوء فان دل على كونه رافعا لطبيعي الحدث كان سببا لارتفاع جميع الأحداث به، و ان دل على انه رافع لحدث واحد لم يرفع غيره.

و ظاهر كلامه ان موضوع البحث هذه الجهة. و عليه فلا معنى لجعل المسألة من شواهد التداخل.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 432- الطبعة الأولى.

267

و اما ما ذكره (قدس سره) من انه بناء على رافعية الوضوء لجميع الأحداث بلحاظ الإجماع، فلو نوى رفع بعض الأحداث دون غيرها بنحو نية العدم لا عدم النية قد يدعي بطلان الوضوء لأجل ان رفع بعض الأحداث ملازم لرفع بعضها فلا يمكن نية رفع بعض و عدم رفع أخرى لأنهما متناقضان، فتكون هذه النية في الحقيقة كلا نية فيبطل العمل كما قد يدعي الصحة لأجل ان نية العدم لغو فلا ضير فيها.

فقد أورد عليه: بأنه لا وجه للتشكيك، بل المتجه هو الحكم بالصحّة، إذ وجه البطلان لا يستلزمه لأنه لا يعتبر في الوضوء نية رفع الحدث به، فغاية ما يقتضيه التناقض بين النيتين هو عدم تحقق نية رفع الحدث عنه و هو لا يضير في صحة العمل‏ (1).

و لكن يمكن ان يكون مراده (قدس سره) في توجيه دعوى البطلان، انه لم يشرع سوى الوضوء الرافع لجميع الأحداث، اما الرافع للحدث البولي فقط فلم يشرع في الشريعة. و عليه فنية الوضوء الرافع لخصوص حدث خاص نية لما هو غير مشروع فلا يصح العمل منه، لأن ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع.

و على هذا فلا يرد عليه ما تقدم كما لا يخفى، و ان كان هذا المعنى لا يتفق مع ظاهر كلامه، فان ظاهره توجيه البطلان بتنافي القصدين الراجع في الحقيقة إلى عدم القصد.

و اما الصورة الثانية: فهي على أنحاء:

الأول: ان تكون الطبيعتان متغايرتين ذاتا، كإكرام الهاشمي و ضيافة العالم.

الثاني: ان تكونا متحدين ذاتا، لكن يتغايران قيدا كإكرام الهاشمي‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 432 هامش رقم (2)- الطبعة الأولى.

268

و إكرام العالم.

الثالث: ان يكون اختلافهما بأخذ جزء أو شرط يوجب المغايرة، و ان كانتا ذاتا متحدتين كنافلة المغرب و الغفيلة، فانهما يجتمعان في الغفيلة المأتي بها في وقت النافلة، و تفترق النافلة بما إذا جاء بالعمل بلا الذّكر الخاصّ المعتبر في الغفيلة كما تفترق الغفيلة إذا جاء بها في غير وقت النافلة. و بذلك كان بينهما العموم من وجه.

اما النحو الأول: فمقتضى القاعدة فيه هو التداخل و تحقق الامتثال بالمجمع، لكونه مصداقا لكلتا الطبيعتين، فيمكن ان يمتثل به كلا الأمرين، فله ان يمتثل الأمر بإكرام الهاشمي و ضيافة العالم بضيافة العالم الهاشمي، لأنها ضيافة للعالم و إكرام للهاشمي.

و قد يتوهم: ان المورد من موارد تأكد الحكمين فيرجع في الحقيقة إلى تداخل الأسباب لوحدة الأمر لا تداخل المسببات، فالمتوهم يشترك مع الدعوى في تحقق الامتثال بالمجمع لكنه يختلف معها في انه يذهب إلى وحدة الأمر و الدعوى تقول بتعدده.

و يندفع هذا الوهم: بأنه لا يلزم التداخل في الأمر و صيرورته امرا مؤكدا على جميع الوجوه القائلة بامتناع اجتماع الحكمين المختلفين أو المتماثلين.

اما على الوجه القائل بامتناع اجتماعهما لتضادهما أو تماثلهما في أنفسهما:

فلان ذلك انما يتأتى مع وحدة متعلق الحكمين، اما مع تعددهما فلا يتأتى المنع، و ما نحن فيه كذلك، لأن متعلق كل من الحكمين غير متعلق الآخر، و هو صرف الوجود من كل طبيعة، و المجمع مصداق متعلق الحكم لا نفسه، لأن العموم بدلي، نعم لو كان العموم شموليا بحيث كان يسري إلى كل فرد امتنع اجتماع الحكمين لوحدة متعلقهما.

و اما على الوجه القائل بامتناع اجتماع الحكمين المختلفين لتنافيهما في‏

269

مقام الداعوية، و امتناع اجتماع المتماثلين لعدم إمكان داعوية كل منهما بنحو الاستقلال في عرض واحد، و هو يتنافى مع حقيقة الحكم لأنه جعل ما يمكن ان يكون داعيا بنفسه- بناء على هذا الوجه-: فهو انما يتم مع وحدة المتعلق، اما مع اختلافه كما لو كان متعلق الأمر طبيعة ما بنحو العموم البدلي، و متعلق النهي طبيعة أخرى أيضا بنحو العموم البدلي، فلا امتناع في جعل الحكمين و لو تصادقت الطبيعتان على واحد، و هكذا الأمر في ما لو اتفق الحكمان فتعلق امران بطبيعتين كذلك فان تصادق الطبيعتين على واحد و إمكان امتثال الحكمين به لا يتنافى مع قابلية كلا الحكمين للداعوية المستقلة نحو متعلقه، لإمكان الإتيان بفردين للطبيعتين.

و اما على الوجه القائل بامتناع اجتماعهما من جهة المبدأ من مصلحة و مفسدة و إرادة و كراهة: فلأنه و ان لم يكن إطلاق المتعلق في كلا الحكمين شاملا للمجمع إذا كانا مختلفين، كالأمر و النهي، لامتناع اجتماع المصلحة و المفسدة الملزمتين في شي‏ء واحد، فلا يكون متعلقا للإرادة و الكراهة معا في آن واحد- و لا ينافي ذلك بقاء كل من الأمر و النهي على حاله-، لكن ذلك لا يتأتى بالنسبة إلى مورد اتفق الحكمين كأمرين، إذ من الممكن ان يكون شي‏ء واحد مشتملا على مصلحتين ملزمتين، و لازمه تأكد الإرادة بالنسبة إلى هذا الفرد، لكن عرفت انه غير متعلق الحكم فلا ينافي تأكد الإرادة فيه بقاء الحكمين على حالهما لاختلاف متعلق أحدهما عن الآخر.

و جملة القول: ان ما نحن فيه لا يكون من موارد وحدة الحكم و تأكده على جميع المباني في تضاد الأحكام و تماثلها.

و عليه، فالمورد من موارد تداخل المسببات.

و قد يدعي: عدم صحة القول بالتداخل و لزوم الإتيان بعملين استنادا إلى ما يراه العرف من ان تعدد الحكم يلازم تعدد الإطاعة.

270

و قد رده الفقيه الهمداني: بان ذلك ما لا شاهد له عرفا، بل الشاهد على خلافه، إذ لو أتى شخص بعمل واحد ينطبق عليه عناوين حسنة متعددة: يرى ان ثوابه أكثر مما إذا انطبق عليه أحد هذه العناوين، و ليس ذلك إلّا لتعدد الأمر و وقوع العمل امتثالا للأوامر المتعددة (1).

و على كل حال فيكفينا مقتضى الصناعة و البرهان من دون أي خدشة.

و مما ذكرنا يظهر الحال في الصورتين الأخيرين، فان المتعلقين و ان اتحدا ذاتا لكنهما مختلفان قيدا أو جزءا، فيوجب ذلك تباينهما، فمع اجتماعهما في واحد يمكن امتثال كلا الأمرين به، فإذا أكرم عالما هاشميا تحقق امتثال كلا الأمرين لصدق إكرام العالم و إكرام الهاشمي عليه. كما لا يخفى.

و يبقى الكلام في جهتين:

الأولى: تختص بمثال الصورة الثالثة، و هو نافلة المغرب و الغفيلة، و نظائرهما. فانه قد يستشكل في تحقق امتثال كلا الأمرين بركعتي الغفيلة من جهة ما قرر من اعتبار امر واقعي قصدي في الصلوات المتشابهة صورة يكون موجبا لتباينهما حقيقة و كون أحدهما غير الآخر، و انه لا طريق إلى قصده إلّا بالإتيان بالعمل بقصد عنوانه الخاصّ كعنوان الظهر أو العصر، و لولاه لما كان هناك فارق بين نافلة الصبح و صلاتها و بين صلاة الظهر و العصر و هكذا.

و عليه، فإذا ثبت اعتبار العنوان القصدي في نافلة المغرب ليتحقق امتياز عما يشاكلها كالصلاة القضائية، و ثبت اعتباره في الغفيلة أيضا، فمن الممكن ان يكون العنوانان القصديان متباينين واقعا بحيث لا يمكن قصدهما بعمل واحد، نظير عدم إمكان الإتيان بأربع ركعات بقصد الظهر و العصر، و نظير قصد التعظيم و الإهانة بقيام واحد.

____________

(1) الهمداني الفقيه حاج آقا رضا. مصباح الفقيه- 128- كتاب الطهارة- الطبعة الأولى.

271

و مع هذا الاحتمال لا مجال للقول بالتداخل لعدم العلم بالفراغ مع الإتيان بعمل واحد بقصدهما معا، فقاعدة الاشتغال محكمة، و لا رافع لهذا الاحتمال.

نعم، يمكن الإتيان بعمل واحد بداعي امتثال كلا الأمرين رجاء و هو غير التداخل. فالتفت.

الجهة الثانية: ترتبط بجميع الصور، و هي أنه- بناء على التداخل- هل يعتبر في تحقق امتثال الأمرين قصدهما أو يكفي قصد أحدهما؟.

و التحقيق: انه ان كان الواجبان قصديين، و قلنا بالتداخل بطريق ما، فلا بد من قصد كلا الأمرين، إذ مع قصد أحدهما لا يتحقق متعلق الآخر لتقومه بالقصد.

و إن لم يكونا قصديين، فانما يلزم قصدهما على بعض المباني في كيفية امتثال امر التعبدي. بيان ذلك: ان الاحتمالات في كيفية امتثال الأمر العبادي ثلاثة:

الأول: الإتيان بالعمل المأمور به مرتبطا بالمولى و لو كان ربطا غير واقعي، كما لو جاء بالعمل بداعي امتثال امر خاص فلم يكن له وجود و كان الثابت امرا آخر فانه يتحقق امتثاله. فلا يعتبر في العبادية سوى ربطه بالمولى و اسناده إليه و ان لم يكن له واقع.

الثاني: الإتيان بالعمل المأمور به مرتبطا بالمولى بربط واقعي، و لو كان غير ربطه بالأمر الّذي يتحقق امتثاله، بان يكون العلم له جهتا إضافة للمولى فيأتي به العبد مرتبطا من إحدى الجهتين فيقع امتثالا عن كلتاها.

الثالث: الإتيان بالعمل مرتبطا بالمولى و مضافا إليه من طريق نفس الأمر الّذي يقع امتثالا له، فلو كان للعمل جهتا إضافة و قصد إحداهما لم يقع امتثالا عن الأخرى.

272

فعلى الاحتمال الأول و الثاني: لا يعتبر في تحقق الامتثال قصد كلا الأمرين، بل يكفي قصد أحدهما لتحقق إضافة العمل إلى المولى بإضافة واقعية.

و على الاحتمال الثالث: لا بد في امتثال كلا الأمرين من قصدهما معا، و إلّا لم يقع امتثالا الا لما قصده منهما. فلاحظ.

و تحقيق أحد هذه الاحتمالات قد تقدم في مبحث التعبدي و التوصلي، و تقدم ان الحق هو الثاني. فراجع.

هذا تمام الكلام في مفهوم الشرط و الحمد للّه تعالى أولا و آخرا.

273

مفهوم الوصف‏

وقع الكلام في ثبوت مفهوم الوصف و عدمه، فهل مقتضى قول الآمر:

«أكرم الرّجل العالم» عدم وجوب إكرام غير العالم؟.

و قد تصدى المحقق النائيني إلى بيان ان محل البحث هو الوصف المعتمد على موصوف، و إلى انه الوصف الأخص من موصوفه أو الأعم منه من وجه في مورد الافتراق من جانب الموصوف‏ (1).

و هذا البيان ينبغي ان يذكر بعد تحقيق الحال في المفهوم و النّظر في أدلة إثباته و نفيها، حتى يعرف ما تقتضيه من سعة موضوع البحث و ضيقه.

و عليه، فيقع البحث فعلا في أصل المطلب و لنجعل موضوع البحث الوصف المعتمد على الموصوف لأنه متيقن الدخول فيه.

فنقول: الوجوه التي تذكر لإثبات مفهوم الوصف متعددة:

الأول: ما أشار إليه في الكفاية من دعوى الوضع للعلية المنحصرة (2).

و فيه: انه لا شاهد عليه أصلا.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 433- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 206- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

274

الثاني: ما ذكره في الكفاية من ان الأصل في القيود ان تكون احترازية، و مقتضاه ثبوت المفهوم و إلّا لم يكن القيد احترازيا (1).

و فيه: ما ذكره (قدس سره) من ان المراد من كونها احترازية انها توجب الاحتراز فيما كانت قيدا له، فإذا كانت قيدا للموضوع كما هو الظاهر فلا توجب إلّا تضييق دائرته، كما لو ذكر أولا بعنوان واحد، فلا فرق بين جئني بإنسان و جئني بحيوان ناطق. و بتعبير آخر: انها احتراز عن دخالة غيره في شخص الحكم لا سنخه، و ذلك لا يلازم المفهوم.

و جملة القول: انه لم يثبت من كونها احترازية غير ذلك. فلاحظ.

الثالث: ما ذكره في الكفاية أيضا من حمل المطلق على المقيد- إذا كانا مثبتين-، فانه لا يصح إلّا إذا قيل بمفهوم الوصف، فيدل المقيد على انتفاء الحكم عن غير مورد الوصف.

و فيه: ما أشار إليه (قدس سره) من انه يبتني على امرين: أحدهما: وحدة الحكم المنشأ بالدليلين. و ثانيهما كون القيد احترازيا، فانه يثبت بذلك ان الحكم موضوعه المقيد كما لا يخفى، و لا يبتني حمل المطلق على المقيد على الالتزام بمفهوم الوصف. و إلّا لزم عدم تقدم المقيد على المطلق لأن دلالة كل منهما على مدلوله بالإطلاق، لأن ثبوت المفهوم على تقديره بضميمة الإطلاق. و عليه فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر (2).

الرابع: اللغوية، بمعنى انه لا أثر لذكر الوصف الا إفادة المفهوم و إلّا كان لغوا، و هذا المعنى أشار إليه في الكفاية و جوابه ظاهر كما ذكره، إذ يكفي في رفع اللغوية تصور أدنى أثر لذكر الوصف كالاهتمام به أو وقوعه مورد السؤال و نحو ذلك‏ (3).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 206- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 206- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 206- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

275

الخامس: ما أفاده المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية، و هو يمكن جعله وجها آخر للغويّة، و هو يبتني على مقدمات ثلاث:

الأولى: ان ظاهر القيد كونه احترازيا، و المراد به انه دخيل في تحقق الحكم و موجب لقابلية المورد لثبوت الحكم فيه.

الثانية: ان المعلق عليه هو الوصف بعنوانه، و دخالة غيره منافية لتأثيره بعنوانه، إذ يستند الحكم إلى الجامع، لامتناع تأثير المتعدد في الواحد.

الثالثة: ان المعلق هو سنخ الحكم لا شخصه، بالمعنى الّذي بينه لسنخ الحكم.

فإذا تمت هذه المقدمات ثبت المفهوم لا محالة، إذ لو ثبت الحكم عند ثبوت غير الوصف لما كان الوصف مؤثرا في سنخ الحكم بعنوانه كما عرفت.

و لكنه استشكل فيه بإنكار المقدمة الثانية بدعوى: ان قضية امتناع تأثير المتعدد في الواحد انما هي في الواحد الشخصي لا النوعيّ، و ما نحن فيه من هذا القبيل، لأن وحدة شخصي الحكم بالنوع لا بالشخص، فلا يمتنع تأثير المتعدد بما هو متعدد فيه على ان يكون كل واحد مؤثرا في فرد غير ما يؤثر فيه الآخر (1).

لكنه صحيح بمقدار يلزم به صاحب الكفاية، لالتزامه بالقضية المزبورة في الواحد النوعيّ كما مرّ منه مرارا (2).

هذا و لكن الحق انه لا يمكننا إلزام صاحب الكفاية و من نحا نحوه بهذا البيان لوجهين:

الأول: انه ينتقض باللقب، لأن مقتضاه ثبوت المفهوم له أيضا لظهور دخالة: «زيد» في: «أكرم زيدا» بعنوانه في الحكم، فإذا كان المعلق هو سنخ الحكم‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 330- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 206 و- 24- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

276

كان ذلك ملازما للمفهوم، إذ لو ثبت غيره موضوعا للحكم كان المؤثر في الحكم هو العنوان الجامع بين زيد و غيره و لا يكون زيد بعنوانه مؤثرا، و هو خلف.

الثاني: ان المقدمة الثالثة المتكفلة لبيان كون المعلق هو السنخ غير مسلمة- و بذلك ينحل الإشكال في الجميع-، و ذلك إذ التوصيف و ان كان ظاهرا في دخالة الوصف لكن لا ظهور له في انه دخيل في سنخ الحكم حتى ينتفي بانتفائه، بل يمكن ان يكون دخيلا في شخصه فلا يلازم المفهوم.

و بتعبير آخر: انه (قدس سره) التزم بان مفاد الكلام- في القضية الشرطية- تعليق وجود الحكم بما هو وجود للحكم على الشرط الملازم للمفهوم بلحاظ جهة لا ثبوت لها هنا و هي تكفل الكلام لبيان الانحصار فانه يكون لغوا إذا لم يكن المعلق هو وجود الحكم بما هو وجود للحكم- كما مر- و هذا لا أثر له هنا. كما ان صاحب الكفاية و ان التزم بان مفاد الجملة الطلبية مفهوم الطلب، لكن لا قرينة على ان الوصف دخيل في المفهوم لا شخص الطلب المتحقق بالإنشاء.

و بالجملة: فلا دليل على ان الوصف دخيل في ثبوت السنخ لا الشخص، فلا يتم البيان المزبور. فالتفت.

و الّذي يتحصل: ان ما يذكر دليلا على مفهوم الوصف اما انه لا ينهض للدليلية أو انه غير مسلم.

و قد أفاد المحقق النائيني (قدس سره) في مقام نفي مفهوم الوصف ما حاصله: ان القيد تارة يرجع إلى الحكم بالمعنى الّذي تصوره (قدس سره)، و هو تقييد المادة المنتسبة، و أخرى يرجع إلى الموضوع. و الأول يلازم المفهوم دون الثاني. و بما ان الشرط يرجع إلى الحكم التزم بالمفهوم. و اما الوصف فظاهره انه راجع إلى الموضوع فلا يلازم المفهوم، إذ ثبوت الحكم لموضوع معين لا ينافي ثبوته لآخر، و لا يلزم انتفاء الوصف سوى انتفاء الموضوع، و هو لا يلازم انتفاء الحكم‏

277

لإمكان ثبوته لموضوع غيره‏ (1).

و ما أفاده (قدس سره): لا يخلو من نظر.

فان ما ذكره بقول مطلق من ان القيد إذا رجع إلى الحكم يلازم انتفائه انتفاء الحكم، و عليه بنى اختيار ثبوت مفهوم الشرط. مخدوش بما عرفت من ان تقييد الحكم بالشرط ان كان راجعا إلى تعليقه عليه لازم ذلك ثبوت المفهوم. و ان كان بمعنى آخر من ترتب الحكم عليه أو الملازمة فلا يلازم المفهوم، و قد عرفت انه لم يدع أحد ان الأداة موضوعة للتعليق، و ورود التعبير به مسامحة و غفلة.

و اما ما ذكره من انه إذا كان القيد قيدا للموضوع فلا يلازم المفهوم.

ففيه: انه (قدس سره) يلتزم بان قيود الموضوع ترجع في الحقيقة إلى الحكم و تكون قيودا له، بتقريب: ان الحكم بالإضافة إليه اما مطلق أو مهمل أو مقيد، و الأول ممتنع لأنه خلف. و هكذا الثاني أيضا لامتناع الإهمال في مقام الثبوت.

فيتعين الثالث.

نعم، من يلتزم بإمكان الواجب المعلق قد يدعي صحة تقييد الموضوع دون الحكم كما صح تقييد المتعلق دونه- و ان كان ذلك مورد كلام-، لكنه (قدس سره) ممن لم يلتزم به. إذن فما أفاده في تحقيق مفهوم الوصف غير سديد كالذي أفاده في تحقيق مفهوم الشرط.

يبقى الكلام في جهتين أشرنا إليهما في صدر المبحث:

الأولى: في بيان محل البحث من الوصف، و انه هل يختص بالوصف المعتمد على موصوف أو لا؟. فذهب المحقق النائيني إلى الأول‏ (2).

و التحقيق هو الثاني، لجريان بعض أدلة مفهوم الوصف في غير المعتمد

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 434- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 433- الطبعة الأولى.

278

كالوجه الخامس الّذي ذكره المحقق الأصفهاني.

و لعل الوجه في اختيار المحقق النائيني للأول هو: انه (قدس سره) جعل ملاك المفهوم و عدمه رجوع القيد إلى الحكم أو إلى الموضوع، و هذا مما يستلزم ثبوت الموضوع حتى يرجع القيد إليه أو إلى حكمه، و بدونه لا معنى للترديد المزبور.

و لكن عرفت ان وجوه المفهوم متعددة، و بعضها يتأتى في غير المعتمد على الموصوف.

الثانية: ما ذكرها صاحب الكفاية بعنوان: «التذنيب» و هي تحديد محل البحث في الوصف بلحاظ نسبته مع الموصوف.

و بيان ذلك: ان الوصف تارة يكون أخص من الموصوف مطلقا. و أخرى أعم منه مطلقا. و ثالثة مساو له. و رابعة أعم و أخص منه من وجه. لا إشكال في دخول الوصف الأخص من الموصوف مطلقا كالنحوي بالنسبة إلى العالم في محل النزاع، و هكذا دخول الأخص من وجه إذا كان الافتراق من جهة الموصوف بان وجد الموصوف دون الوصف، كالعالم العادل. و اما سائر الصور، و هي صورة عموم الوصف مطلقا و صورة تساويه مع الموصوف و صورة العموم من وجه إذا انتفى الموصوف و الوصف، فاستظهر صاحب الكفاية عدم جريانه فيها. و لعل الوجه فيه هو كون محل البحث هو انتفاء الحكم عن الموضوع عند انتفاء الوصف، فلا بد من فرض بقاء الموضوع، و هو لا يثبت في هذه الصور الثلاث.

و قد استظهر (قدس سره) من بعض الشافعية جريان النزاع في صورة العموم من وجه مع انتفاء الموصوف و الوصف، حيث قال: قولنا: «في الغنم السائمة زكاة» يدل على عدم الزكاة في معلوفة الإبل. و علله باستظهار كون الوصف علة تامة منحصرة فينتفي الحكم بانتفائها، و بذلك حكم بان مقتضاه جريان النزاع في صورة عموم الوصف المطلق و مساواته للموضوع، لجريان‏

279

الوجه فيه أيضا، و استشكل في التفصيل الصادر من الشيخ (قدس سره)- على ما في التقريرات‏ (1)- بين تلك الصورة و صورتي العموم المطلق و المساواة، بجريان النزاع فيها و عدم جريانه فيهما لعدم الموضوع، لأن ملاك عدم الجريان فيهما يسري إلى تلك الصورة كما ان ملاك الجريان فيها يسري إليهما، فلا فرق بين هذه الصور من حيث جريان النزاع و عدمه. و على أي حال: فمن يرى ان مركز البحث هو انتفاء الحكم عن الموضوع عند انتفاء الوصف يلتزم بخروج هذه الصور عن محل البحث. و من يرى ان البحث في انتفاء الحكم بانتفاء الوصف و لو لم يكن الموضوع يلتزم بدخولها في محل البحث. فالتفت.

يبقى الكلام في تعبير صاحب الكفاية عن صورة العموم من وجه و انتفاء الموصوف و الوصف، بما إذا كان الافتراق من جانب الوصف، فانه لا يخلو عن مسامحة ظاهرة. و ذلك لأن صورة افتراق الوصف معناها وجود الوصف و عدم الموصوف. و من الواضح انها خارجة عن محل البحث، إذ البحث في اقتضاء انتفاء الوصف لانتفاء الحكم، فصورة وجوده لا بحث فيها. و قد ورد هذا التعبير في التقريرات أيضا، و لكن المراد منه ما عرفت.

و من هنا تعرف ان المراد من قوله في صدر التذنيب: «و اما في غيره» (2) ليس مورد افتراق الوصف، بل غير مورد افتراق الموصوف مما يحتمل ان يدخل في البحث، و هو مورد انتفائهما معا، إذ موردا وجودهما و وجود الوصف لا بحث فيهما. فالتفت و لا تغفل، و اللّه ولي التوفيق.

____________

(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 182- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 207- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

مفهوم الغاية

وقع الكلام في مفهوم الغاية، و ان مقتضى قول الآخر- مثلا-: «اجلس إلى الليل» انتفاء وجوب الجلوس عما بعد الغاية و هي الليل أو لا؟. و هناك بحث آخر يرتبط بالغاية و هو ان الغاية هل تكون داخلة في المغيا أو لا؟، بمعنى ان الحكم هل يثبت عند حصول الغاية، فيكون موضوع البحث في المفهوم ما بعد الغاية، أو يتحدد بمقتضى الدليل بمجي‏ء الغاية فيكون موضوع البحث في المفهوم مجي‏ء الغاية و ما بعده؟. فالبحث في الغاية من جهتين:

الجهة الأولى: في ثبوت المفهوم للغاية.

و قد ذهب صاحب الكفاية إلى التفصيل بين غاية الحكم و غاية الموضوع، فإذا كانت غاية للحكم كما في قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام» (1) و قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر» (2) كان حصولها موجبا لارتفاع الحكم.

و علله بانسباق ذلك منها و كونه قضية تقييده بها، و إلّا لما كانت ما جعل‏

____________

(1) الكافي 5- 313. الحديث: 40 من باب النوادر كتاب المعيشة.

(2) تهذيب الأحكام 1- 284. الحديث: 119.

282

غاية له بغاية.

و إذا كانت غاية للموضوع و قيدا له بحسب القواعد العربية مثل: «سر من البصرة إلى الكوفة»، فهي كالوصف في عدم دلالتها على المفهوم، بل انما تقتضي تقييد شخص الحكم بها و تحديده، فعند حصولها يرتفع شخصه، و لا اقتضاء لها لارتفاع سنخه عن غير موضوع.

و علله بعدم ثبوت وضع لذلك، و عدم قرينة ملازمة لها و لو غالبا دلت على اختصاص الحكم به‏ (1).

هذا ما أفاده في الكفاية بقليل تصرف. و لم يتعرض (قدس سره) إلى تعيين ضابط إثباتي يعرف به كون الغاية قيدا للحكم أو للموضوع.

و في كلامه مجال للمناقشة من جهتين:

الأولى: تفرقته بين ما إذا كانت الغاية قيدا للحكم و ما إذا كانت قيدا للموضوع، مع ان قيد الموضوع في الحقيقة يرجع إلى الحكم فيتقيد به الحكم و يرتبط به و لا يثبت بدونه.

الثانية: ما ذكره من الغاية، إذا كانت قيدا للحكم دلت على المفهوم، مع انه كان ينبغي بيان ان الغاية غاية لسنخ الحكم لا شخصه، و هذا مما لا دليل عليه، و إذا أمكن ان تكون الغاية غاية للشخص لم تدل على المفهوم، و لا ظهور للتقييد في كونه للسنخ.

بل لو كان المغيا هو الطبيعي فلا يجدي في ثبوت المفهوم، لأن إنشاء الطبيعي المقيد بقيد أو المغيا بغاية و جعله، لا يقتضي عدم جعل الطبيعي مقيدا بقيد آخر أو غير مقيد بقيد أصلا.

و ببيان آخر نقول: ان التقييد يطرأ على الطبيعي قبل إنشائه فينشأ

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 208- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

283

مقيدا، بمعنى انه يلحظ الوجوب مقيدا بقيد و ينشأ كذلك، و واضح ان جعل الطبيعي مقيدا بقيد و اعتباره لا يتنافى مع اعتباره مقيدا بقيد آخر و من دون أي قيد.

و هذا المعنى يلتزم به صاحب الكفاية، فكيف يجعل تقييد الحكم بغاية ملازما لانتفائه عند حصولها؟.

و اما استشهاده (قدس سره) برواية: «كل شي‏ء حلال حتى تعلم انه حرام ...»، فهو لا ينفع في إثبات المدعي، إذ انتفاء الحلية مع العلم بالحرمة عقلي لعدم إمكان اجتماع الحكمين المتضادين، هذا مع انه استعمال في مورد خاص علم المراد منه لا يكشف عن اطراده في مطلق الاستعمالات.

و مما ذكرنا يظهر انه لا وجه لتقريب مفهوم الغاية بنحو ما مر في تقريب مفهوم الشرط، من ورود القيد على المجعول و المعتبر دون الاعتبار، إذ عرفت انه لا يلازم المفهوم.

كما ظهر لك ما في كلام المحقق النائيني في المقام من المسامحة، حيث ذهب إلى ان الغاية إذا كانت قيدا للحكم كانت ملازمة للمفهوم كالشرط و ان كانت قيدا للموضوع لم تلازم المفهوم كالوصف. ثم تعرض إلى مقام الإثبات و تحديد ما يكون قيدا للحكم و غيره، و على كل حال فقد جعل ملاك اقتضاء المفهوم كونها قيدا للحكم‏ (1).

و قد عرفت ان هذا المعنى لا يلازم المفهوم، كما انه لا وجه لقياسه المقام بالشرط، و الحال انه لم يلتزم بالمفهوم فيه بمجرد كونه قيدا للحكم، بل بضميمة إطلاقه و نفي شرط آخر، و لا يتأتى مثل هذا الإطلاق فيما نحن فيه، إذ نفي غاية أخرى للحكم أو قيد آخر له و لو لم يكن بغاية لا يلازم المفهوم، لاحتمال ثبوت‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 437- الطبعة الأولى.

284

الحكم فيما بعد الغاية من دون أي قيد و شرط و من دون كونه مغيا بغاية معيّنة.

فالتحقيق ان يقال: ان الكلام إذا كان مسوقا لبيان الغاية فقط مع كون الحكم مفروغا عنه، و انما كان المولى في مقام بيان غايته و حدّه، كان مقتضى الإطلاق المقامي ثبوت المفهوم و ارتفاع الحكم بحصول الغاية، و إلّا لم تكن الغاية غاية للحكم، و مثال قوله تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ .. (1) فان أصل جواز الأكل معلوم و الآية مسوقة لبيان غايته. و ان كان مسوقا لبيان الحكم المغيا فلا دلالة له على المفهوم لما عرفت من ان اعتبار حكم مقيد بقيد لا يتنافى مع اعتباره مقيدا بقيد آخر أو غير مقيد بقيد. فتدبر و التفت.

الجهة الثانية: في دخول الغاية في موضوع الحكم و شموله لها.

و قد ذهب صاحب الكفاية إلى عدم دخولها فيه، لأن الغاية من حدود المغيا و حدّ الشي‏ء يكون خارجا عنه، و بما ان موضوع الحكم هو المغيا فلا يثبت الحكم للغاية (2).

و قد ذكر المحقق الأصفهاني في تعليقته: ان «مبدأ الشي‏ء و منتهاه تارة:

بمعنى أوله و آخره، و أخرى: بمعنى ما يبتدأ من عنده و ما ينتهى عنده الشي‏ء، و دخول الأوليين كخروج الأخريين من الشي‏ء واضح، و الكلام في ان مدخول «حتى» و «إلى» هو المنتهى بالمعنى الأول أو الثاني. و كون الحدّ المصطلح خارجا عن حقيقة الشي‏ء لا يقتضي ان يكون مدخولهما حدا اصطلاحيا» (3). و الّذي يظهر من كلامه (قدس سره) ان حد الشي‏ء في اصطلاح المعقول خارج عن الشي‏ء.

و الّذي يبدو انه غير صحيح، فان الحدّ في اصطلاح المعقول امر انتزاعي‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 187.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 209- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 332- الطبعة الأولى.

285

عن واجدية شي‏ء لشي‏ء و فاقديته لآخر، فتحديد الخطّ بمتر ينتزع عن واجديته لمقدار من الخطّ و فاقديته لمقدار آخر.

كما ان الحدّ في عرف المنطقيين عبارة عن حقيقة الشي‏ء و ذاته.

و لم يظهر من كلام الكفاية إرادته الحدّ بمعناه المعقولي، بل يمكن ان يكون نظره إلى معناه العرفي و هو نهاية الشي‏ء.

و الّذي يناقش به صاحب الكفاية ان موارد الاستعمالات مختلفة، فبعضها ظاهر في دخول الغاية، كما لو قال: «انتظرتك إلى يوم الجمعة» فان يوم الجمعة داخل في الانتظار، و لذا يصح ان يجيبه المخاطب: «بأني جئت يوم الجمعة و لم أجدك». و بعضها ظاهر في عدم دخولها كقوله تعالى: أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ و عليه فلا يمكن الجزم بأحد الطرفين و اختيار أحد الاحتمالين، و الكلام بدون قرينة يكون مجملا.

286

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

287

مفهوم الاستثناء- الحصر

لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم المستثنى منه و عدم عمومه للمستثنى سواء كان الحكم إيجابيا أو سلبيا، و هذا المعنى لا يقبل الإنكار عرفا، فلا يتوقف أحد في ان قول القائل: «جاء القوم الا زيدا» يدل على عدم مجي‏ء زيد، و قوله: «ما جاء القوم الا زيدا» يدل على مجيئه. و لأجل وضوح هذا المعنى لم يكن في بحث مفهوم الاستثناء مزيد كلام.

و لعله لأجل ذلك تعرّض المحقق النائيني‏ (1) إلى البحث في بعض الجمل المشتملة على الاستثناء حتى يطول البحث شيئا ما مع خروجه عن بحث الأصول، فلا يهمنا التعرض إليه، و لكن مع وضوح هذا المعنى- في الاستثناء- ذهب أبو حنيفة إلى إنكار ثبوته، و إلى عدم دلالة الاستثناء على ما ذكر (2)، كما حاول البعض الاستدلال عليه‏ (3) و هو مما لا حاجة له.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 438- الطبعة الأولى.

(2) العضدي. شرح مختصر الأصول- 265-

(3) استدل به في قوانين الأصول 1- 251 للقمي و في مطارح الأنظار- 187 للكلانتري و في الفصول- 196.

288

اما حجة أبي حنيفة في إنكاره مفهوم الاستثناء، فهي مثل قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور»، إذ مقتضى مفهوم الاستثناء كون الطهور وحده صلاة دون غيره، و هو مما لا يقول به أحد.

و أجاب عنه في الكفاية بوجهين:

أحدهما: انه استعمال مع القرينة و هو لا يدل على المدعى.

ثانيهما: ان المقصود من الصلاة هو تمام الاجزاء و الشرائط، و المعنى انها لا تكون صلاة إلّا إذا انضم إليها الطهور، فالطهور مقوم لصدق الصلاة على تمام الاجزاء لا ان الصلاة هو الطهور، إذ لم يقل لا صلاة إلّا لطهور و هذا واضح لا يخفى. فلا يدل على المدعي‏ (1).

و اما احتجاج من استدل عليه بكلمة التوحيد و هي: «لا إله إلّا اللّه»، إذ كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقبلها، مع انه لو لم تدل على الحصر و نفى الألوهية عن غيره جل اسمه لم تنفع. فقد ناقشه صاحب الكفاية: بأنه من الممكن ان يكون ظهورها في التوحيد من جهة قرينة حالية أو مقالية فلا تنفع في إثبات المفهوم‏ (2).

ثم انه قد أشكل على دلالة الكلمة الشريفة على التوحيد بان خبر «لا» اما ان يقدر «ممكن» أو «موجود».

فعلى الأول لا تدل الا على إمكان وجوده تعالى لا على وجوده فعلا، و هو لا فائدة فيه.

و على الثاني لا تنفي الا وجود غيره تعالى لا إمكانه، و هو أيضا لا فائدة فيه.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 210- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 210- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

289

و أجاب عنه صاحب الكفاية: بان المراد من الإله واجب الوجود، و حينئذ فتقدير الوجود نافع، إذ نفي وجود واجب الوجود مطلقا و إثباته للّه جلَّ شأنه يدل بالملازمة البينة على امتناع تحقق غيره، إذ إمكان واجب الوجود ملازم لوجوده، فلو كان ممكنا لوجد، فنفي اللازم يستلزم نفي الملزوم‏ (1). فتدبر.

و قد أطال المحقق الأصفهاني في تحقيق الجواب عن الإشكال، فراجع كلامه، إذ ليس في نقله معرفة فيه مزيد أثر فيما نحن فيه‏ (2).

و قد تعرض صاحب الكفاية بعد ذلك إلى امر و هو: ان دلالة الاستثناء على الحكم في طرف المستثنى هل هي بالمفهوم و من باب انه لازم لخصوصية الحكم في المستثنى منه الّذي دلت عليه الجملة منطوقا، أو انه بالمنطوق و بنفس الاستثناء؟. استظهر (قدس سره) الأول و لم يستبعد الثاني، و ذهب (قدس سره) إلى ان تعيين ذلك لا يكاد يفيد- على حد عبارته‏ (3)-.

و لكن الحق ان هذا البحث له أثر عملي كبير، و نستطيع ان نقول: ان المهم في مبحث الاستثناء هو هذا الأمر، و ذلك لأنه إذا كان ثبوت الحكم في المستثنى من باب المفهوم و كونه لازم الخصوصية الثابتة لحكم المستثنى منه، فمع الشك في سعة الحكم في المستثنى و ضيقه لا طريق لدينا لإثبات سعته، إذ لا معنى للإطلاق فيه بعد ان كان مدلولا التزاميا، كما ان الإطلاق في المنطوق الملازم له لا ينفع في ذلك لاحتمال ان تكون الخصوصية ملازمة لنفي الإطلاق عن المستثنى لا لنفي كل فرد من افراد المطلق، و هذا بخلاف ما لو كانت الحكم مدلولا للمنطوق، فانه يمكن التمسك بإطلاقه في إثبات سعة الحكم، و ما يصلح مثالا لما

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 210- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 332- الطبعة الأولى.

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 211- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

290

نحن فيه قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة الا من خمس ...» (1)، فانه مع الشك في ثبوت الإعادة من جهة هذه الخمس في بعض الحالات، فان كان ثبوت الإعادة فيها بالمفهوم لا مجال لإحرازه في مورد الشك و لو علم نفي الإعادة بنحو مطلق في طرف المستثنى منه، إذ لعلّ الاستثناء من حيث المجموع لا من حيث كل فرد فرد. و اما إذا كانت ثبوت الإعادة فيها بالمنطوق أمكن التمسك بإطلاق الكلام في إثباته في مورد الشك، فانه نظير ما لو قال: «لا تعاد الصلاة من كذا و كذا و تعاد من خمس ...»، و كون ذلك مدلولا للحرف لا يضر في إمكان الرجوع إلى الإطلاق في متعلقة أو نحوه، كسائر موارد الحروف التي يتأتى فيها الإطلاق.

و إذا ثبت الأثر لهذا الأمر فيقع الكلام في إثبات أحد طرفيه، و هو مشكل جدا. و لعل توقف الأصحاب من تعميم حكم الإعادة في الخمس لجميع الحالات مما يرجح انه ثابت بالمفهوم لا بالمنطوق. و لا طريق لدينا لإثبات أحد الطرفين.

ثم ان صاحب الكفاية تعرض إلى بيان ما يفيد الحصر من الأدوات تتميما للفائدة في مفهوم الحصر (2)، و إلا فهو خارج عن البحث الأصولي [1].

____________

[1] و قد نقل سيدنا الأستاذ- مد ظله- كلامه من دون تعليق عليه متابعة له (قدس سره)، و لأجل ذلك لا نرى حاجة تدعونا لنقله، فمن أراد الاطلاع عليه فليراجع. (منه عفي عنه).

____________

(1) وسائل الشيعة باب: 1 من أبواب افعال الصلاة حديث: 14.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 211- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

291

مفهوم اللقب و العدد

ذهب صاحب الكفاية و تبعه غيره، بل ذهب غيره إلى عدم اقتضاء اللقب و العدد للمفهوم‏ (1)، فلا دلالة لقول الآمر: «أكرم زيدا أو أكرم العالم» على عدم وجوب إكرام غير زيد أو غير العالم. كما لا دلالة لقوله: «أكرم عشرة رجال» على عدم وجوب إكرام غيرهم، إلّا إذا أخذ العدد بنحو التحديد من طرف الأقل و الأكثر، فينفي وجوب إكرام غيرهم بمقتضى التحديد، و هو من أقوى المفاهيم.

و هو واضح لا كلام فيه فلاحظ و تدبر. و اللّه سبحانه ولي التوفيق. انتهى مبحث المفاهيم و يليه مبحث العام و الخاصّ.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 212- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

292

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

293

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

294

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

295

العام و الخاصّ‏

تعريف العام‏

لا يخفى ان مفهوم العام واضح عرفا، و هو- كما جاء في الكفاية- ما يكون شاملا لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه.

و قد ذكر صاحب الكفاية: انه عرّف بتعاريف، و وقع الإشكال فيها من الاعلام، و لكنه ذكر- كما هو شأنه في كثير من الموارد- انها تعاريف لفظية يقصد بها شرح الاسم، فلا يتجه الإيراد عليها بعدم الاطراد أو الانعكاس‏ (1).

كما ان المحقق الأصفهاني تابعة في الإشكال عليه: بان التعريف اللفظي غير شرح الاسم بحسب الاصطلاح‏ (2).

و على أي حال فالامر ليس بمهم بعد ان لم يكن العموم- بهذا اللفظ و بعنوانه- موردا لأثر شرعا كي يبحث في تحديد مفهومه، بل الأثر ثابت لما هو عام بالحمل الشائع و ما يكون مصداقا له.

و قد تعرض المحقق النائيني إلى بيان الفارق بين العام و المطلق، و ان دلالة

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 215- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 334- الطبعة الأولى.

296

الأول على الشمول لفظية، و دلالة الثاني بالقرينة العامة، و بيان ان ذلك لا يتنافى مع احتياج مدخول أداة العموم إلى مقدمات الحكمة (1).

و هذا الأمر له أثر مهم في باب التعارض، و لذا يتعرض إليه في ذاك البحث، و لأجل ذلك فما أفاده المحقق النائيني مرسلا له إرسال المسلمات- مع انه محل بحث و سيأتي فيه إن شاء اللّه تعالى-، ذكر للأمر قبل محلّه و تعرض له قبل وقته، و كان الأولى إيكاله إلى محله، و الأمر سهل أيضا.

أقسام العموم‏

ينقسم العموم بلحاظ مقام تعلق الحكم إلى أقسام ثلاثة: الاستغراقي و المجموعي و البدلي، فالعموم في جميعها بمعنى واحد و الاختلاف في كيفية أخذه في موضوع الحكم.

بيان ذلك: ان المفهوم العام يلحظ بنحو الشمول و استيعاب جميع الافراد، بمعنى انه يلحظ المفهوم المنطبق على جميع افراده ثم انه بعد ذلك.

تارة: يلحظ جميع الافراد موضوعا للحكم.

و أخرى: يلحظ كل فرد فرد موضوعا للحكم.

و ثالثة: يلحظ فرد منها على سبيل البدل.

فالأوّل هو العام المجموعي. و الثاني هو الاستغراقي. و الثالث هو البدلي، فهناك لحاظ واحد تشترك فيه جميع الأقسام و هو لحاظ جميع الافراد، و لحاظ آخر تختلف فيه الأقسام.

و من هنا يظهر ما في ظاهر كلام المحقق النائيني‏ (2) و ما يتراءى من عبارة

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 440- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 443- الطبعة الأولى.

297

الكفاية (1)، من ان هذا التقسيم بلحاظ كيفية تعلق الحكم، الظاهر في تأخره عن تعلق الحكم.

فان ذلك يتنافى مع الوجدان، لما ذكرنا من ان اللحاظ المحقق لأحد هذه الأقسام في رتبة متقدمة على الحكم.

كما انه يتنافى البرهان، لأن الاستغراقية و المجموعية و البدلية من خصوصيات موضوع الحكم، و الحكم يتعلق بالعامّ الاستغراقي و أخويه، فيمتنع أن تنشأ الخصوصية التي يتقيد بها الموضوع من قبل الحكم.

و قد حمل المحقق الأصفهاني عبارة الكفاية على ما بيناه فرارا عن المحذور العقلي الّذي ذكره (قدس سره).

ثم انه في مقام بيان كيفية اختلاف العموم الاستغراقي و المجموعي ذكر امرا جميل الأسلوب و متين التصوير لكنه غير خال عن المناقشة.

فانه ذكر ان للعموم جهتين جهة وحدة وجهة تكثر، فهو مفهوما واحد لكنه ذاتا متكثر، نظير الدار فانه مفهوما واحد لكنه ذاتا متكثر لاشتمال الدار على اجزاء عديدة، و هاتان الجهتان واقعيتان في العام لا ترتفعان عنه، لكن المولى في مقام الحكم على العام تارة يلحظ جهة الوحدة من دون ملاحظة جهة الكثرة فيكون الموضوع هو المجموعي. و أخرى يلحظ جهة الكثرة دون جهة الوحدة فيكون الموضوع هو الاستغراقي. هذا كلامه ملخصا (2).

و فيه: ما عرفت من ان لحاظ العام منطبقا على جميع افراده و ساريا في مصاديقه مما لا بد منه في جميع الأقسام، إذ لحاظ جهة الكثرة امر وجداني في الأقسام كلها فلاحظ.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 216- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 334- الطبعة الأولى.

298

و الأمر سهل بعد ان لم يكن هناك أثر عملي للاقسام المذكورة.

و قد تعرض المحقق النائيني إلى امرين‏ (1) لا يخلو ان عن أثر:

الأمر الأول: انه أنكر العموم البدلي و ألحقه بالمطلق لكونه يستفاد غالبا من إطلاق المتعلق.

و يرد عليه:

أولا: ان لمهم في إثبات العموم البدلي هو تقديمه على الإطلاق المعارض له، لأن دلالته لفظية بخلاف دلالة المطلق.

و هذا الأمر يرتبط بواقع العام البدلي و هو كون الدّال فيه لفظا لا بتسميته عاما أو مطلقا، فلا أثر للتسمية في المقام.

و ثانيا: ان وجود بعض الافراد مما يدل عليه اللفظ يكفي في المطلب و تحرير الكلام.

الأمر الثاني: في بيان ما هو المتعين إثباتا مع عدم القرينة مع دوران الأمر بين العموم الاستغراقي و العموم المجموعي. و الّذي ذكره هو ان المتعين مع عدم القرينة هو العموم الاستغراقي لاحتياج العموم المجموعي إلى مئونة زائدة.

و يرد عليه: ان مراده ...

ان كان أن الكلام ظاهر في الاستغراق لأجل احتياج غيره إلى مئونة فهو في مقام الاستدلال على ثبوت الظهور في نفسه بذلك و تعليله به. ففيه:

أولا: ان الاستغراقية تحتاج إلى مئونة كالمجموعية كما تقدم، و ليست نسبة الاستغراقية إلى المجموعية نسبة الأقل و الأكثر بل نسبة التباين.

و ثانيا: ان احتياج أحد القسمين إلى مئونة زائدة لا يعين ظهور الكلام فيما ليس فيه مئونة، و أي ربط لذلك بالظهور أو الوضع، فلعله قد يوضع اللفظ لما فيه‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 443- الطبعة الأولى.

299

مئونة أو كان ظاهرا فيه.

و ان كان المراد ان الظاهر الأوّلي للكلام هو العموم الاستغراقي، و غيره يحتاج إلى قرينة فيحمل الكلام عليه عند عدمها كحمل المطلق على الإطلاق عند عدم التقييد.

فهي دعوى بلا دليل و لا شاهد عليها، فما أفاده لا يقبل الإقرار به.

و الحق ان الكلام لا ظهور له في أحدهما بدون قرينة حال أو مقال، فمع عدمها يكون الكلام مجملا و المرجع إلى الأصل العملي.

ثم ان صاحب الكفاية ذكر ان شمول مثل لفظ «عشرة» لآحادها المندرجة تحتها ليس من باب العموم و دلالة العام على افراده، لما عرفت من ان العام هو المفهوم الصالح للانطباق على كل فرد من افراده مثل: «عالم» في: «كل عالم»، و مفهوم: «عشرة» لا يصلح للانطباق على كل واحد مما يعمه‏ (1).

و لا يخفى ان لهذا المطلب أثرا عمليا، يظهر فيما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في مبحث حجية العام في الباقي و عدم منافاة التخصيص له و معارضته، فانه لو التزم بذلك في العام لأجل عمومه لا يثبت لمثل العشرة إذا ورد دليل يتكفل إخراج بعض افرادها، بل يكون الدليل المخرج معارضا لها، و سيأتي توضيح ذلك إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

صيغ العموم‏

ذكر صاحب الكفاية ان للعموم صيغة تخصه كالخصوص، و لا وجه لدعوى عدم وجود صيغة تخصه و ذكر الوجه الّذي يستند إليه المانعون و رده‏ (2).

و هذا الأمر لا نعرف له أثرا عمليا فعلا، فلا لزوم لإطالة الكلام فيه.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 216- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 216- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

300

انما الأمر الّذي له كبير أثر في مقام الاستنباط، و الّذي ذكره الاعلام من دون مزيد تحقيق و كشف غموض و لم يعيروه الاهتمام اللازم له، هو ما تعرض له من عد بعض صيغ العموم و بيان احتياج كل منها إلى جريان مقدمات الحكمة في المدخول.

و هي خمسة:

الأولى و الثانية: النكرة الواقعة في سياق النفي و النهي.

و الكلام فيهما من جهات:

الجهة الأولى: ان دلالة النهي عن العموم الّذي به يفترق عن الأمر قد عرفت تحقيقها فيما تقدم في أول مبحث النواهي، فقد عرفت هناك ان الأمر إذا تعلق بصرف الوجود بمعناه الأصولي المنطبق على أول وجود فلا يقتضي امتثاله سوى الإتيان بفرد واحد من الطبيعة، إذ بها يتحقق صرف الوجود.

و اما إذا تعلق النهي بصرف الوجود فهو يستدعي عدم الإتيان بأي فرد من افراد الطبيعة.

و قد عرفت ما استشكله المحقق الأصفهانيّ، في كلام الكفاية، و اعتراضه بملازمة النهي عن صرف الوجود لترك جميع الافراد، و لكنه استشكل فيه بما يرجع إلى الإشكال اللفظي فراجع‏ (1).

و بالجملة: لا إشكال في ان النهي إذا تعلق بصرف الوجود اقتضى ترك جميع الافراد بخلاف الأمر.

و من هنا يلتزم بان النكرة الواقعة في سياق النهي تفيد العموم.

و ليس تعلقه بصرف الوجود بالغريب عرفا، بل هو واقع عرفا، فمثلا إذا أراد الشخص النوم و كان يستيقظ بمجرد صدور كلام من أحد فهو حين ينهى‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 260- الطبعة الأولى.

301

عن الكلام بنهي عن صرف وجوده، بحيث لو تحقق صرف الوجود لم تكن سائر الوجودات مبغوضة لعدم تأثيرها في حاله بعد استفاقته من نومه.

الجهة الثانية: ان هذا البيان لا يتأتى في النكرة الواقعة في سياق النفي، إذ تعلق النفي بصرف الوجود في مثل قوله: «لا رجل في الدار» مما لا معنى له محصل.

و عليه، فما هو ظاهر الكفاية و المحقق الأصفهاني من كونهما من واد واحد في دلالتهما على العموم فيه مناقشة ظاهرة. فان المحقق الأصفهاني و ان ناقش صاحب الكفاية في دلالتهما على العموم، لكنه لم ينبه على اختلاف ملاك دلالتهما، فظاهره تقرير صاحب الكفاية. فالتفت.

اذن فما هو الوجه في دلالة مثل: «لا رجل في الدار» على العموم، بحيث حصل الفرق به بين هذا القول و بين قوله: «في الدار رجل؟.

يمكن ان يقال: ان المراد بلفظ، «رجل في كلا المثالين أقل مراتب وجود الرّجل لا بما هو أقل بل ذات الأقل، و لا يخفى ان نفي ذات أقل المراتب ملازمة لنفي الجميع، إذ ذات الأقل موجودة في كل مرتبة تفرض للوجود، اما إثبات أقل المراتب فهو لا يلازم ثبوت الجميع كما لا يخفى.

الجهة الثالثة: ان دلالة النفي و النهي على العموم بالنحو المزبور تتبع في السعة و الضيق سعة المدخول و ضيقه، و إحراز سعة المدخول انما يكون بمقدمات الحكمة، و لولاها لم يكن وجه لدعوى إرادة نفي جميع الافراد أو النهي عنها، إذ لعل مراده بقوله: «لا رجل في الدار» هو الرّجل الأبيض.

و بالجملة: النفي و النهي يدلان على عدم جميع افراد المنفي، اما تعيين حدود المنفي من إطلاق أو تقييد فهذا يحتاج إلى دليل آخر.

و عليه، فالعموم فيها يتوقف على جريان مقدمات الحكمة في المدخول ليحرز ان المراد به المطلق. فلاحظ. و هذا الأمر لا إشكال فيه، و قد أشار إليه‏

302

صاحب الكفاية في مبحث النواهي و في هذا المبحث‏ (1).

الجهة الرابعة: ان العموم الثابت في هذين الموردين يختلف عن سائر موارد العموم فلا تترتب عليه آثاره، و من جملتها التخصيص، فان ما يدل على وجود زيد في الدار أو وجود العالم فيها يعارض قوله: «لا رجل في الدار» بخلاف مثل: «لا تكرم فساق العلماء» فانه مخصص لدليل: «أكرم العلماء» و لا يعارضه، بل يقدم عليه بلا كلام. و هذه نكتة مهمة مغفول عنها في كلمات الاعلام، و سيأتي تحقيقها في المبحث الآتي إن شاء اللّه تعالى.

الثالثة: صيغة: «كل» فانها تدل على العموم بلا كلام، و انما الكلام في كونها تابعة في السعة و الضيق لما يراد من مدخولها، أو انها تدل على سعة المدخول و عمومه.

و الّذي يظهر من صاحب الكفاية (2) و صريح المحقق النائيني الأوّل‏ (3).

و هذا البحث ذو أثر مهم في باب الاستنباط، و يظهر واضحا فيما لو تعارض العام و المطلق، فانه لو كانت دلالة العام تابعة لعموم مدخوله، و كان عموم المدخول مستفادا من مقدمات الحكمة، لم يتقدم العام على المطلق لصلاحية كل منهما لأن يكون بيانا للآخر، بخلاف ما لو كان لفظ: «كل» دالا بنفسه على عموم المدخول، فان العام يتقدم على المطلق لصلاحيته لأن يكون بيانا على المطلق دون العكس، لأن دلالة المطلق تعليقية و دلالة العام تنجيزية، و سيأتي ذلك مفصلا في مبحث التعادل و التراجيح، و انما غرضنا الإشارة إلى الأثر.

و على كل حال، فقد ذهب المحقق النائيني- و هو ظاهر الكفاية- إلى ان:

«كل» لا تدل على عموم المدخول، بل هي تدل على عموم ما يراد من المدخول،

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 150 و- 217- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 217- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 441 و 450- الطبعة الأولى.

303

فلا بد في تعيين المراد من المدخول من دليل، و ما يدل على عمومه هو الإطلاق و مقدمات الحكمة.

و أورد عليه السيد الخوئي (حفظه اللّه)- بما يتضمنه كلام الأصفهاني في حاشية الكفاية (1)- من ان ذلك يستلزم لغوية: «كل»، لأنه إذا أحرز عموم مدخولها بمقدمات الحكمة فلا يبقى ل: «كل» أي أثر (2).

و يمكن دفع هذا الإيراد: بان جريان مقدمات الحكمة في المدخول لا يلازم لغوية: «كل»، فانه يمكن ان يلتزم بدلالتها على الشمول في قبال البدلية.

إذ عرفت ان في العموم مقامين، مقام لحاظ الطبيعة منطبقة على جميع افرادها. و مقام تعلق الحكم بجميع الافراد- بنحو الاستغراق أو المجموعية- في قبال تعلقه بفرد على سبيل البدل. فمقدمات الحكمة تعين المقام الأول. و «كل» تعين المقام الثاني.

و بالجملة: إن لدينا مراحل ثلاثة:

الأولى: الطبيعة الصالحة للانطباق على جميع افرادها.

الثانية: الطبيعة المنطبقة فعلا على جميع الافراد.

الثالثة: أخذ جميع الافراد في موضوع الحكم في قبال الفرد على سبيل البدل.

فالنزاع في ان الدال على المرحلة الثانية هل هو لفظ: «كل»، فتدل عليها كما تدل على المرحلة الثالثة أو انه مقدمات الحكمة، فلو عبَّر عن «كل عالم» بمفهوم تفصيلي فقيل: «جميع افراد العالم» فهل يقصد بيان إرادة افراد العالم بلفظ: «كل» أو بالإطلاق و مقدمات الحكمة؟.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 335- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 440 هامش رقم (1)- الطبعة الأولى.

304

و لا نستطيع الجزم بأحد الوجهين فعلا لعدم الدليل على كل منهما. و سيأتي في المبحث الآتي ما لعلنا نستطيع الجزم به بأحد الطرفين.

و اما قول الكفاية: «نعم لا يبعد ان يكون ظاهرا عند إطلاقها في استيعاب جميع افرادها» (1). فلا نعرف المراد منه، و هل هو عدول عما استظهره أولا و التزام بتكفل: «كل» للدلالة على المرحلة الثانية. أو هو مجرد احتمال و بيان قيل؟. فلاحظ و تأمل.

الرابعة و الخامسة: الجمع و المفرد المحلى بالألف و اللام، و الكلام فيهما من جهتين:

الأولى: في دلالتهما على العموم، و سيأتي الكلام فيها في مبحث المطلق و المقيد إن شاء اللّه تعالى. فانتظر.

الثانية: في انهما لو كانتا دالتين على العموم، فهل يدلان على عموم المدخول أو على عموم ما يراد من المدخول؟. ذهب صاحب الكفاية إلى الثاني، فالتزم بان تحديد المراد فيهما تابع لسعة المدخول و ضيقه. و ان إطلاق التخصيص على ذكر القيد المتصل من قبيل قول القائل: «ضيّق فم الرّكية» (2). و لا يخفى ان هذا البحث انما يتأتى في الجمع بناء على ان الدال على العموم هو أداة التعريف، فتكون مثل: «كل»، فيبحث في دلالتها على عموم المدخول أو عموم ما يراد منه، و اما بناء على ان دلالته على العموم من باب دلالة اللام على العهد و تعين آخر مراتب الجمع، فلا معنى للبحث المزبور و الترديد المتقدم، إذ لا موضوع له.

نعم لا بد من ملاحظة المدخول و حدّه لبيان ما هو المتعين من أنواع الجمع. فالتفت و لا تغفل.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 217- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 217- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).