منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
305

العام المخصص‏

إذا خصص العام فلا إشكال في عدم حجيته في مصداق الخاصّ المعلوم.

و اما غير مصداق الخاصّ فقد وقع الكلام في حجية العام بالنسبة إليه بعد التخصيص. مثلا إذا قال المولى: «أكرم العلماء» ثم قال: «لا تكرم النحويين»، فهل هو حجة في العالم غير النحوي فيجب إكرامه أو لا فلا يجب إكرامه بمقتضاه؟.

الّذي عليه جلّ الاعلام هو حجيته في غير مورد التخصيص.

و قد استشكل في حجيته بان العام إذا خصص كان استعماله مجازيا، و بما ان مراتب المجاز متعددة و لا معين لأحدها، فلا يكون العام حجة في أحدها لاحتمال استعماله في كل منها، و تعيين تمام الباقي ترجيح بلا مرجح.

و قد تصدى صاحب الكفاية (رحمه الله) لحل هذا الإشكال بما بيانه: ان التخصيص تارة بالمتصل، كما إذا قال: «أكرم كل عالم الا النحويين». و أخرى بالمنفصل، كما إذا قال: «أكرم كل عالم» ثم قال بعد حين: «لا تكرم النحويين».

فان كان التخصيص بالمتصل، فقد تقدم انه لا تخصيص في الحقيقة، لأن تضييق المدخول لا ينافي استعمال أداة العموم في العموم، لأنها موضوعة لإفادة عموم ما يراد من مدخولها، فلا فرق بين قوله: «كل رجل و: «كل رجل عالم» في كون: «كل» مستعملة في العموم و الاختلاف في المدخول.

و ان كان التخصيص بالمنفصل، فالتخصيص لا ينافي ظهور العام في العموم، و انما يزاحمه في حجيته على المراد الجدي و يتقدم عليه لكونه أظهر منه.

فالعام مستعمل في العموم قاعدة و قانونا و الخاصّ انما ينافيه في حجيته لا في ظهوره، فيكون حجة في غير الخاصّ لعدم ما ينافيه، و لا وجه لدعوى استعمال‏

306

العام في الخصوص و كون المخصص قرينة عليه، بعد إمكان إبقائه على ظهوره في العموم و فرض التنافي في مقام الحجيّة، لاستقرار ظهور العام في العموم قبل ورود المخصص و لم يثبت ما يرفعه، إذ الثابت من منافاة الخاصّ منافاته في مقام الحجية لا غير (1).

هذا تفصيل مطلب الكفاية، و هو لا يخلو من نوع إجمال ستعرفه فيما بعد.

و قد أورد المحقق الأصفهاني على ما أفاده بالنسبة إلى المخصص المنفصل بوجهين مبنيين على اختياره فيما تقدم من عدم كون الإنشاءات الشرعية متقومة بالإرادة التشريعية الملازم لكون الحجية بلحاظ كاشفية الإنشاء عن كونه بداع البعث الجدي:

الأول: ان صدور الإنشاء الواحد الوارد على موضوع عام، اما ان يكون بداعي البعث الجدي بالإضافة إلى جميع افراده، و هو خلف فرض التخصيص.

و اما ان يكون ناشئا عن داعيين و هو محال، لاستحالة صدور الشي‏ء الواحد عن داعيين مستقلين بلا جهة جامعة. و الحجية و ان كانت جهة جامعة لترتبها على الكاشف عن البعث لا على المنكشف، إلّا انها لا تترتب بعد انكشاف عدم صدور الحكم بداعي البعث، بل بداعي جعل القاعدة، لأنها تتقوم بالكاشف عن البعث و المفروض انه انكشف عدم الإنشاء بداعي البعث بل بداعي جعل القاعدة.

الثاني: انه يدور الأمر بين رفع اليد عن أحد ظهورين، ظهور العام في استعماله في العموم. و ظهور الإنشاء في كونه بداعي البعث لا بداعي جعل القاعدة، فاما ان نرفع اليد عن ظهور العام في العموم و نلتزم باستعماله بداعي البعث الجدي في الخصوص. و اما ان نلتزم باستعماله في العموم بداعي ضرب‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 218- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

307

القاعدة فنرفع اليد عن ظهور الإنشاء في كونه بداعي البعث، و لا مرجح لأحدهما على الآخر.

ثم انه (قدس سره) بعد هذا النقاش ذكر امرا يندفع به الإيراد فقال:

«و يمكن ان يقال: ان المخصص المنفصل اما ان يرد قبل وقت الحاجة أو بعدها، فإذا ورد قبلها فالإنشاء و ان كان بداعي البعث جدا إلّا انه بالإضافة إلى موضوعه الّذي يحدده و يعينه بكلامين منفصلين، فانه لو علم ان عادة هذا المتكلم إفادة مرامه الخصوصيّ بكلامين لم يكن ظهور كلامه في العموم دليلا على مرامه، و إذا ورد بعدها فالإنشاء بداعي البعث الجدي بالإضافة إلى الجميع. غاية الأمر ان البعث المزبور منبعث في بعض افراد العام عن المصالح الواقعية الأولية، و في بعضها الآخر عن المصالح الثانوية بحيث ينتهي أمدها بقيام المخصص» (1).

أقول: يمكن ان يتوجه على صاحب الكفاية بأنه ما المراد من استعمال العام في العموم قاعدة و قانونا، و ليكون حجة و نحو ذلك مما ورد في التعبيرات في مختلف المقامات؟. فان المراد منه يحتمل أحد وجهين:

الأول: انه يستعمل في العموم ليكون حجة عليه إذا لم يرد مخصص.

الثاني: انه يستعمل فيه ليكون حجة على الباقي عند ورود المخصص- كما فسره المحقق الأصفهاني-.

فان أريد منه الوجه الأول: فهو انما يستقيم إذا كان ورود المخصص بعد وقت العمل بالعامّ، فان العام يكون حجة في العموم حين العمل قبل ورود المخصص.

اما إذا كان ورود المخصص قبل وقت العمل بالعامّ- كما هو الغالب في زماننا- فلا يتم ما ذكره، لأن حجية العام في العموم من باب أصالة العموم، و هي‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 337- الطبعة الأولى.

308

انما تجري مع احتمال المخصص عند حضور وقت العمل، اما قبله فلم يقم بناء العقلاء على جريانها، و سيأتي ما يوضح ذلك في بحث العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصص.

و ان أريد منه الوجه الثاني: فان أريد انه يستعمل في العموم ليكون حجة على الخصوص بلحاظ ان مدلوله العام، فهو مما لا يتفوه به أحد. و ان أريد انه يكون حجة على الخصوص من باب ان الخاصّ جزء مدلول العام، فيدل عليه بالدلالة التضمنية، ففيه:

أولا: انّ استعمال العام مع إرادة الخاصّ يكون لغوا، و كان يمكنه التعبير عن الخاصّ باللفظ الدال عليه.

و ثانيا: انه يبتني على عدم تبعية الدلالة التضمنية للدلالة المطابقية في الحجية كتبعيتها في الوجود، و إلّا سقط العام عن الحجية بالنسبة إلى الباقي لسقوطه عن الحجية بالنسبة إلى العموم.

و الّذي عليه التحقيق: هو تبعية الدلالة التضمنية للمطابقية في الحجية.

و لا يخفى ان هذا الإشكال الأخير لا يرد على خصوص صاحب الكفاية فقط، بل يرد على كل من ذهب إلى كون العام مستعملا في العموم، و هو حجة على الباقي بعد التخصيص، كما هو ظاهر المحقق الأصفهاني و السيد الخوئي‏ (1).

و الّذي يندفع به أصل الإشكال على حجية العام في الباقي: هو الالتزام بما التزم به المحقق النائيني‏ (2) (قدس سره) من ان أداة العموم لا تفيد عموم مدخولها و انما تفيد عموم و استغراق ما يراد من المدخول، و استفادة عموم المدخول انما تكون بمقدمات الحكمة.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم: أجود التقريرات 1- 452 هامش رقم (1)- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم: أجود التقريرات 1- 449- الطبعة الأولى.

309

فانه على هذا لا يكون المخصص منافيا للأداة أصلا، و انما شأنه بيان المراد بالمدخول، فقول المولى: «لا تكرم النحويين» بعد قوله: «أكرم كل عالم» لا نظر له الا إلى تقييد العالم و بيان المراد منه، فلفظ: «كل» قبل التخصيص و بعده مستعملة في معنى واحد و هو إفادة الاستغراق أو المجموعية- في قبال البدلية-، و لم يتغير المراد الاستعمالي فيها و لا المراد الواقعي.

و بالجملة: المخصص اما يضيق دائرة المدخول و لا يرتبط بمدلول الأداة أصلا، فيكون التخصيص من باب تقييد المطلق.

و لم يقل أحد ان تقييد المطلق يستلزم المجازية، كي يرد الإشكال المتقدم و ستأتي إن شاء اللّه تعالى في باب المطلق و المقيد توضيح ذلك.

و إذا انحل الإشكال المتقدم بهذا البيان و لم ينحل بالبيان السابق كان ذلك قرينة و شاهدا على تعيين أحد الطرفين في معنى: «كل» الّذي وقفنا منه موقف المتردد سابقا، و عليه فيمكن ان يقال: ان «كل» لا تدل الا على استغراق افراد ما يراد من المدخول، اما عموم المدخول و شموله فهو يثبت بمقدمات الحكمة.

و لو لا هذا الالتزام أشكل اندفاع الإشكال بالبيان السابق، لابتنائه على حجية الدلالة التضمنية مع عدم حجية الدلالة المطابقية، و هو مما لا يلتزم به، و إلّا فلو أردنا الالتزام به فيما نحن فيه كان علينا الالتزام به في العموم المجموعي بعد التخصيص، و معه فلا بد من الالتزام به في موارد الأوامر المتعلقة بالمركبات الارتباطية إذا ارتفع الأمر الضمني بأحد اجزائها كالصلاة، مع انه لا يلتزم به أحد، و لذا لم يتمسك أحد في إثبات تعلق الأمر بالصلاة بباقي اجزائها عند تعذر البعض بالدلالة التضمنية، بل الّذي يلتزم به ان ارتفاع الأمر بالجزء يلازم ارتفاع الأمر بالكل و يحتاج وجوب الباقي إلى دليل آخر من استصحاب أو الإجماع القائم في باب الصلاة على ان: «الصلاة لا تسقط بحال» و بنحو ذلك.

310

و بالجملة: لا محيص عن الالتزام بما التزم به المحقق النائيني، و هو كما يجري في لفظ: «كل» يجري في المحلى باللام بناء على ان «اللام» بنفسها تفيد العموم كما أشرنا إلى ذلك. نعم هناك بحث في الجمع المحلّى و هو ان اللام- على تقدير أنها تفيد الاستغراق- هل تفيد استغراق الهيئة و المفهوم التركيبي فيكون الاستغراق بلحاظ مراتب الجمع، أو تفيد استغراق المادة و المفهوم الأفرادي فيكون الاستغراق بلحاظ افراد المدخول؟ و سيأتي البحث فيه إن شاء اللّه تعالى في باب المطلق و المقيد.

ثم ان صاحب الكفاية ذكر لدفع الإشكال على حجية العام في الباقي وجهين آخرين:

الأول: ان العام و ان كان مجازا بعد التخصيص، إلّا ان تعين الباقي من بين مراتب المجاز بمرجح و هو أقربيته للعام من سائر مراتب المجازات.

و استشكل فيه: بان الأقربية بنفسها لا توجب ظهور الكلام فيه، إذ الظهور و انصراف اللفظ إلى المعنى انما ينشأ من كثرة الاستعمال فيه الموجبة لحصول الأنس بين اللفظ و المعنى بحيث يصرف المعنى إلى الذهن عند إطلاق اللفظ.

الثاني: ما في تقريرات الشيخ (رحمه الله)(1) و قد نقله صاحب الكفاية بنصه و هو: «الأولى ان يجاب: بعد تسليم مجازية الباقي بان دلالة العام على كل فرد من افراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر من افراده و لو كانت دلالة مجازية، إذ هي بواسطة عدم شموله للافراد المخصوصة لا بواسطة دخول غيرها في مدلوله، فالمقتضي للحمل على الباقي موجود و المانع مفقود، لأن المانع في مثل المقام انما هو ما يوجب صرف اللفظ عن مدلوله و المفروض انتفائه بالنسبة إلى‏

____________

(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 192- الطبعة الأولى.

311

الباقي لاختصاص المخصص بغيره فلو شك فالأصل عدمه».

و استشكل فيه في الكفاية بان دلالته على كل فرد كانت ناشئة عن دلالته على العموم، فإذا لم يستعمل فيه- كما هو الفرض- و استعمل في الخصوص بنحو المجاز لم يكن هناك ما يعين أحد المراتب بعد تعددها، إذ لا ظهور للكلام في أحدها و تعيين الباقي ترجيح بلا مرجح.

و بالجملة: الدلالة على تمام الباقي ارتفعت بارتفاع دلالته على الكل لأنها متفرعة عليه، فيحتاج في إثبات دلالته عليه إلى إثبات استعماله فيه و هو مما لا دليل عليه. فنفي المانع بالأصل لا ينفع مع التشكيك في وجود المقتضي للدلالة.

هذا ما أفاده في الكفاية (1).

و يظهر منه انه حمل كلام التقريرات على إرادة الدلالة الضمنية على الافراد فوجّه عليه الإشكال الّذي عرفته.

و لكن المحقق النائيني (قدس سره) وجّه كلام التقريرات بنحو آخر، و ذكر بعد كلامه الطويل انه يظهر به بطلان إشكال الكفاية.

و حاصل ما أفاده في مقام بيان كلام الشيخ (رحمه الله): ان العام يدل على كل فرد من افراده بدلالة استقلالية غير مرتبطة بدلالته على فرد آخر، فكما ان ثبوت الحكم في كل فرد غير منوط بثبوته في فرد آخر كذلك دلالته على كل فرد غير منوطة بدلالته على آخر- و لأجل هذا القياس خص الكلام بالعامّ الاستغراقي، إذ ثبوت الحكم في كل فرد من العام المجموعي منوط بثبوته في غيره من الافراد- و إذا ثبت ما عرفت فإذا قام دليل ينفي دلالة العام على بعض افراده بقيت دلالته على سائر الافراد على حالها.

و قد أطال (قدس سره) في بيان ذلك و المهم ما ذكرناه‏ (2).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 220- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 453- الطبعة الأولى.

312

و ما أفاده (قدس سره) لا يمكن الالتزام به، و ذلك لوجوه:

الأول: انه يختص بالعامّ الاستغراقي كما تنبه له (قدس سره)، مع ان البحث فيما نحن فيه لا يختص بقسم دون آخر.

الثاني: ان دلالة العام استقلالا على كل فرد ترجع إلى دعوى استعماله في كل منها بنحو الاستقلال، و هو مما لا يلتزم به لعدم وضع العام لكل فرد، كما انه من استعمال اللفظ في أكثر من معنى و هو محال كما تقدم بيانه.

الثالث: ان ما ذكره دعوى تحتاج إلى دليل و لا دليل في البين عليها.

و الّذي ينبغي ان يقال في توجيه ما في التقريرات هو: ان اللفظ حين يوضع لمعنى كما يحدث بينه و بين الموضوع له ارتباط كذلك يحدث بينه و بين المعنى الّذي له علاقة به ارتباط بحيث يدل على اللفظ مع القرينة و يصح استعمال اللفظ فيه، فإذا كان للمعنى الحقيقي معان مجازية متعددة يختلف نحو ارتباطها مع المعنى الحقيقي و كانت متباينة في مقام الارتباط بمعنى ان جهة العلاقة في كل منها تختلف عنها في الآخر، كان اللفظ مع القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي مجملا فيها، لعدم ظهوره في أحدها و عدم تعينه لأحدها من دون معين لأنه ترجيح بلا مرجح.

و من المعاني المجازية الجزء بالنسبة إلى اللفظ الموضوع للكل، فإذا كان مراتب الاجزاء متعددة، فتارة لا يعتبر في صحة الاستعمال في الجزء سوى الجزئية للمعنى الحقيقي. و أخرى يعتبر فيها علاقة خاصة إضافة على الجزئية.

فعلى الأول: فيما ان اللفظ له ارتباط مع تمام مراتب المجاز و كانت هذه المراتب متداخلة، فلا مباينة بينها في مقام الارتباط، فان الارتباط بالأكثر لا يباين الارتباط بالأقل لأنه هو و زيادة.

و عليه، كان له ظهور في أعلى مرتبة لارتباطها به، و عدم مباينته للارتباط بغيرها، فيوجب ذلك صرف اللفظ إليه بمجرد القرينة الصارفة عن الحقيقة،

313

نظير المجاز الواحد، فان اللفظ يحمل عليه بمجرد القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي.

و بالجملة: على هذا المبنى يكون للّفظ ظهور في تمام الباقي، فيحمل اللفظ عليه تحكيما لأصالة الظهور.

اما على الثاني: فان كانت العلاقة المعتبرة زيادة على الجزئية كالمشابهة في الصورة، و هي الكثرة في باب العموم، فهي موجودة في جميع المراتب المحتمل استعمال اللفظ فيها، فيتأتى عين الكلام السابق لعدم التباين في مقام الارتباط.

و ان كانت العلائق الموجودة في المراتب المتعددة متباينة لم يكن للّفظ ظهور في أحدها، بل كانت نسبته إليها جميعا على حد سواء فيكون مجملا، لأن ترجيح أحدهما بلا مرجح.

فيكون باب العام و الخاصّ على هذا نظير الموارد الأخرى من المجازات مما يحتاج فيه إضافة معنى آخر، بحيث تكون نسبة المعنى المجازي إلى الحقيقي نسبة المباين لا الأقل و الأكثر.

و لكن هذا الاحتمال بعيد جدا، فيمكن ان يكون نظر الشيخ (قدس سره) إلى ما حققناه، و ان خصوصية اختلاف المورد عن سائر موارد المجازات ما عرفت. فتدبّر و افهم.

و ينبغي بيان أمور:

الأول: قد يدعي منافاة التقييد بالمتصل لمدلول أداة العام، بناء على كونها تتكفل بنفسها الدلالة على شمول المدخول و تبتنى تعميمه لجميع ما يصلح للانطباق عليه من الافراد، إذ التقييد بالمتصل يقتضي عدم إرادة جميع الافراد.

و لكن هذه الدعوى وهم محض، و ذلك لأن الأداة على هذا الرّأي انما تفيد تعميم المدخول لما يصلح للانطباق عليه و تخرج الانطباق من الشأنية إلى‏

314

الفعلية.

و من الواضح ان التقييد بالمتصل يمنع من صلاحية الانطباق، فهو لا ينافي الأداة و لا يزاحمها في مدلولها، فان: «العالم العادل» في: «أكرم كل عالم عادل» غير صالح للانطباق على العالم غير العادل، فالأداة تفيد تعميمه لجميع ما يصلح للانطباق عليه.

و بتعبير آخر أوضح: ان مدخول الأداة هو المقيد بما هو مقيد لا ذات المقيد، و المقيد بما هو مقيد لا يصلح للانطباق الا على افراده بما هو كذلك.

و بالجملة: لا تزاحم بين القيد و مدلول الأداة، بل القيد يرتبط بموضوع دلالة الأداة، فتدبر جيدا.

الثاني: قد أشرنا فيما سبق إلى ان أداة النفي أو النهي لو كانت مقتضية للعموم، فهي لا تكون على حد سائر أدوات العموم فلا يثبت لها حكمها.

و قد أوعدناك في بيان ذلك.

و عليه، فنقول: انه بناء على ان أداة العموم تفيد بنفسها تعميم المدخول لافراده، و ان حجيتها في الباقي بعد التخصيص بالمنفصل ..

اما من باب ان العام مستعمل في العموم و الخاصّ يزاحم حجيته في مورده، و مقتضاه حجيته في الباقي تحكيما لأصالة الظهور لدلالته التضمنية على ثبوت الحكم في الباقي.

أو من باب استعماله في الخصوص مجازا، و تعين الباقي من بين مراتب المجاز بما قربنا به كلام الشيخ (رحمه الله).

بناء على هذا الرّأي لا يتأتى هذا الكلام في أداة النفي أو النهي، لأن دلالتها على العموم ليس من جهة ان يفيد وضعا إرادة جميع الافراد، بل من جهة ان النهي أو النفي متوجه إلى ما يلازم انتفاء جميع الافراد، و هو صرف الوجود في النهي و أقل المراتب في النفي.

315

و عليه، فإذا دل دليل على ثبوت فرد كان معارضا لمدلول دليل النفي أو النهي، للتنافي بين نفي أقل المراتب و ثبوت مرتبة، و بين تحريم صرف الوجود و جواز فرد، و لا تكون نسبته إلى دليل النفي أو النهي نسبة الخاصّ إلى العام، إذ ليس لدليل النفي الا دلالة واحدة على أمر واحد، و العموم يستفاد بالملازمة العقلية، و ليست له دلالة على العموم رأسا كي تكون نسبة الدليل المتكفل لثبوت فرد نسبة الخاصّ إلى العام، لكونه ينافيه في جهة عمومه لا في أصل مدلوله.

فالتفت.

الثالث: قد تقدمت منا الإشارة إلى ان آثار العموم و الخصوص لا تترتب على مثل لفظ: «عشرة»، ممّا لم تكن دلالته على مندرجاته بالعموم.

توضيح ذلك: ان ما اخترناه من ان تقدم الخاصّ على العام لأجل كونه مقيدا لمدخول الأداة و كون نسبته إليها نسبة المقيد إلى المطلق، لأن مدخول الأداة هو الطبيعة المرسلة، لا يتأتى في مثل: «أكرم العشرة» إذ ورد ما يدل على حرمة إكرام بعضهم كما لو قال: «لا تكرم اثنين منهم»، و ذلك لأن مدلول «عشرة» ليس هو الطبيعة كي تكون نسبة الدليل الآخر نسبة المقيد.

و عليه، فيكون الدليل الآخر معارضا لدليل: «أكرم العشرة» لا مخصصا له. فلاحظ.

إجمال المخصص‏

إذا ورد عام مخصص و كان الخاصّ مجملا بحسب المفهوم.

فاما ان يكون متصلا أو منفصلا، و كل منهما إما ان يكون دائرا بين الأقل و الأكثر، كمفهوم الفاسق المردد بين كونه خصوص مرتكب الكبيرة و كونه مرتكب الذنب مطلقا و لو كان صغيرة. أو يكون دائرا بين المتباينين كمفهوم:

«زيد» المردد بين كونه ابن عمرو و كونه ابن بكر.

316

فالصور أربع:

الأولى: ما إذا كان الخاصّ متصلا و كان مرددا بين الأقل و الأكثر، كقول المولى: «أكرم العلماء إلا الفساق»، و لا إشكال في صيرورة العام مجملا لما عرفت.

من ان المخصص المتصل يوجب قلب ظهور العام و انعقاده في غير الخاصّ، فمتعلق الحكم حينئذ هو العالم غير الفاسق لأنه هو المدخول، و هو مشكوك الانطباق على مرتكب الصغيرة فلا يكون ظاهرا فيه.

الثانية: ما إذا كان الخاصّ متصلا و كان مرددا بين المتباينين، كقول المولى:

«أكرم العلماء الا زيدا» و تردد «زيد»، بين شخصين، و الحكم فيها كالحكم في الصورة الأولى و البيان نفس البيان فلا نعيد.

الثالثة: ما إذا كان الخاصّ منفصلا و كان مرددا بين المتباينين.

و لا إشكال في عدم حجية العام في كلا المتباينين، و ذلك بتقريبين:

أحدهما: ان حجية العام انما تكون ببناء العقلاء المعبّر عنها بأصالة العموم، و هي لا يمكن تطبيقها على كلا الفردين، لتعارض الأصلين فيهما للعلم الإجمالي بخروج أحدهما عن دائرة العموم.

و عليه، فلا دليل على ثبوت حكم العام في أحد الفردين المتباينين.

و ثانيهما: ان التخصيص يكشف عن تضييق دائرة حجية العام و قصرها على غير «زيد» مثلا، فالعام حجة في غير «زيد»، و عليه فكل من المتباينين يشك في انطباق العام بما هو حجة عليه.

الرابعة: ما إذا كان الخاصّ منفصلا و كان مرددا بين الأقل و الأكثر، كما لو قال: «أكرم العلماء» ثم قال: «لا تكرم الفساق من العلماء».

و قد حكم الاعلام فيها بحجية العام في مورد الشك بتقريب: ان العام قبل ورود المخصص انعقد له ظهور في العموم، و مقتضاه حجية العام في جميع افراده ما لم يزاحمه ما هو أقوى منه، و الخاصّ الوارد انما يزاحمه فيما هو حجة فيه‏

317

و هو القدر المتيقن، اما غيره فلا يكون الخاصّ حجة فيه فيكون العام هو الحجة فيه لعدم ما يزاحمه في مقام الحجية.

و قد ذكر هذا التقريب صاحب الكفاية و غيره‏ (1).

و جملة القول: ان ظاهر الاعلام إرسال هذا الحكم بتعليله بنحو مسلم.

و لكن التحقيق انه قابل للمناقشة.

و لا بد من إيضاح الكلام، لأنه مورد أثر عملي كبير، و لم ينقح بنحو يشفي الغليل، فنقول و منه جل اسمه نستمد العصمة و التوفيق: انه ..

ان قلنا: بان الخاصّ يكون حجة و دليلا على ما يكون حجة فيه فعلا من مدلوله التصديقي، كان ما عليه الاعلام هو الحق، لأنه حجة في الأقل فقط، لأنه القدر المتيقن من مدلوله التصديقي، فيخصص العام بمقدار الأقل فقط.

و ان قلنا: بأنه يكون حجة على ثبوت الحكم للعنوان الواقعي على واقعه و ان لم يكن ظاهرا فيه فعلا، كان الحق هو إجمال العام في مورد الشك، لأن الخاصّ يستلزم تضييق دائرة حجية العام بغير عنوانه الواقعي، فيشك في شمول المراد الواقعي من العام للمشكوك.

و تقريب القول الأول بان يقال: ان التعبد بصدور الدليل و جعل حجيته انما يصح بلحاظ ترتب الأثر العملي عليه، و إلّا فالتعبد به لغو. و عليه ففي المورد لا يتكفل دليل الحجية الا التعبد بالخاص بمقدار ما هو ظاهر فيه فعلا لا غير، لعدم ترتب أثر عملي على التعبد به بالمقدار الزائد عليه. و لأجل ذلك يقال: بعدم شمول أدلة الحجية للخبر المجمل بالمرة لعدم ترتب ثمرة عملية عليه.

و تقريب القول الثاني بان يقال: ان الحجية و ان كانت بلحاظ الأثر العملي، لكن عدم الأثر للتعبد بثبوت الحكم على المجمل بواقعه ممنوع على‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 220- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

318

إطلاقه، فانه يمكن ان يكون له أثر في بعض الأحيان كما فيما نحن فيه.

بيان ذلك: انه إذا صدر حكم من المولى على موضوع عام ثم علم العبد بثبوت حكم مناف لحكم العام على بعض افراده بعنوان مجمل لا يعرف معناه أصلا أو لا يعرف حدود معناه سعة و ضيقا بان لم يكن عارفا باللغة و لم يكن من أهل اللسان، فانه لا إشكال في حصول العلم لديه بتضيق المراد الواقعي من العام و انه غير واقع هذا العنوان المجمل، لعلمه بعدم إمكان اجتماع الحكمين في موضوع واحد فهو لا يعلم إلّا بتضيقه بغير العنوان المجمل على واقعه، و أثر ذلك هو التوقف عن إثبات حكم العام لما يشك في كونه من افراد الخاصّ المعلوم صدوره.

و إذا تصورنا هذا الأمر في مورد العلم بالصدور و ثبت اثره أمكن تطبيقه في مورد الشك في الصدور. و دعوى صحة شمول أدلة الحجية للتعبد بصدور الخاصّ بواقعه الّذي هو له و ان لم نعرفه، فان واقع الخاصّ معين في نفسه و انما هو مجمل في مقام الانكشاف، فيلتزم بتقييد المراد الواقعي للعام بغير واقع الخاصّ كيف ما كان، و اثره عدم التمسك بالعامّ في مورد الشك لعدم الدليل على كونه مرادا واقعا، و هو أثر عملي يصحح التعبد.

و هذا التقريب متين جدا، و لكنه يبتني على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى من ان العلم الإجمالي المردد بين الأقل و الأكثر الارتباطيين هل ينحل حقيقة إلى علم تفصيلي و شك بدوي أو لا ينحل؟.

فان قلنا بانحلاله حقيقة، لن ينفع هذا التقريب في إثبات إجمال العام في مورد الشك، لأنه و ان علم إجمالا بثبوت الحكم على واقع الخاصّ على ما هو عليه لكنه منحل بالعلم التفصيليّ بثبوته المتيقن و الباقي مشكوك بدوا، فلا دليل على خروجه عن العام فيشمله بلا كلام.

و ان قلنا بعدم انحلاله حقيقة- بعد بيان ان التردد المفهومي بين الأقل‏

319

و الأكثر من باب الأقل و الأكثر الارتباطيين لا الاستقلاليين، فانه لا كلام في الانحلال فيهما- تم هذا التقريب لقيام الدليل على خروج واقع الخاصّ عن العام فيكون مجملا حكما في مورد الشك.

و لا تنفع دعوى انحلال العلم الإجمالي حكما، لأن الأثر فيما نحن فيه أثر واقعي يترتب على واقع العلم الإجمالي لا على منجزيته. فالتفت.

و بالجملة: فهذا التقريب يتم بلا دافع بناء على إنكار الانحلال الحقيقي للعلم الإجمالي المتعلق بالأقل و الأكثر، و يترتب عليه إجمال العام في مورد الشك بلا ريب و لا إشكال، فتدبر جيدا و لاحظ.

و إذا عرفت ما ذكرناه تعرف ما في كلام الاعلام من المسامحة و الإغفال.

و قد أطال المحقق النائيني في الكلام بما لا يخلو عن إيراد، و نتعرض إلى ذكر نقطتين من كلامه‏ (1):

الأولى: ذكر (قدس سره) ان ورود المخصص المنفصل لا يوجب إخلالا بظهور العام و لا ينافي دلالته التصديقية، بل يزاحمه في مقام الحجية، و لأجل ذلك يكون العام حجة في مورد الشك، لعدم حجية الخاصّ فيه فلا مزاحم للعام.

و يرد على هذا البيان امران:

أحدهما: انه انما يتم بناء على الالتزام بان تعميم المدخول تتكلفه الأداة، أو الالتزام بأنه بواسطة مقدمات الحكمة مع الالتزام بجريانها في المراد الاستعمالي.

و اما بناء على الالتزام بجريانها في المراد الواقعي فلا يتم كلامه، بل يكون ورود المخصص مخلا بظهور العام لكشف المخصص عن المراد الواقعي. و هو (قدس سره) التزم بالمبنى الأخير كما سيأتي منه إن شاء اللّه تعالى‏ (2)، خلافا

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 455- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 429- الطبعة الأولى.

320

لصاحب الكفاية حيث التزم بجريانها في المراد الاستعمالي‏ (1)، و تبعا للشيخ (رحمه الله) (2)، و لأجل ذلك التزم بانقلاب النسبة (3).

اذن فما ذكره هنا يتنافى مع مسلكه و التزامه.

و ستتضح هذه الجهة في مبحث المطلق و المقيد إن شاء اللّه تعالى.

ثانيهما: انه لو التزم ببقاء العام على ظهوره و مزاحمة الخاصّ له في مقام الحجية. فهذا وحده لا يكفي في إثبات حجية العام في المقدار المشكوك، لما عرفت من الترديد في ان الدليل الخاصّ هل يستلزم قصر حجية العام فيما هو حجة فيه فعلا أو في العنوان الواقعي للخاص على واقعه؟، فلا بد من إثبات الطرف الأول دون الاكتفاء بمجرد الدعوى و إتمام الكلام بذلك.

الثانية: ما ذكره (قدس سره) في مقام الجواب عما أورده على نفسه من استلزام الدليل المخصص تقييد المراد الواقعي بغير عنوان الخاصّ من ان الأحكام انما تتعلق بالمفاهيم باعتبار انها مرآة للحقائق و الواقع.

و عليه، فدليل الخاصّ انّما يقيد العام بواقع الفاسق مثلا لا بمفهومه، و ما يكون الخاصّ حجة فيه هو المتيقّن منه دون المشكوك.

و يرد على ما ذكره: ان الحكم و ان تعلق بالمفهوم بلحاظ انه مرآة للواقع، إلّا ان البحث يقع في ان المخصص يتكفل تقييد العام بواقع الفاسق- مثلا- الّذي يكون حجة فيه فعلا، أو تقييده بواقعه على ما هو عليه و لو مع عدم العلم به تفصيلا.

و قد عرفت ابتناء المسألة على ما يأتي في باب العلم الإجمالي من بحث الانحلال إن شاء اللّه تعالى. فالتفت و لا تغفل.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 248- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 218- الطبعة الأولى.

(3) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 2- 278- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

321

هذا كله فيما كان التردد في شمول الحكم العام لأجل اشتباه مفهوم الخاصّ.

اما إذا علم مفهومه بحدوده و شك في انطباق الخاصّ عليه‏

لأجل الاشتباه الخارجي، المعبر عنه اصطلاحا بالشبهة المصداقية، فهل يصح التمسك بالعامّ في إثبات الحكم له أو لا؟.

لا إشكال في عدم صحة التمسك به إذا كان المخصص متصلا، لما عرفت من انه يوجب انقلاب ظهور العام و انعقاده في غير عنوان الخاصّ، و عليه فالشك في فردية شي‏ء للخاص يلازم الشك في انطباق العام عليه، فمع الشك في فسق شخص- مثلا- يشك في انطباق عنوان: «العالم غير الفاسق» عليه الّذي هو معقد ظهور العام بعد تخصيصه بالمتصل. و هذا واضح لا كلام فيه.

و انما الكلام في ما إذا كان المخصص منفصلا، كما إذا ورد: «أكرم العلماء» ثم ورد: «لا تكرم النحويين»، و شككنا في فرد انه نحوي أو لا من جهة الاشتباه الخارجي كالشك في درسه للنحو و نحو ذلك. و لا يخفى ان هذه المسألة من مهمات المسائل من جهة الأثر العملي لابتناء كثير من الفروع الفقهية عليها، و من أمثلتها الظاهرة مسألة تنجس الماء المشكوك كونه كرا بالملاقاة، فهل يشمله عموم ما دل على نجاسة الملاقي للنجس الّذي قد خرج عنه الماء الكر أو لا يشمله؟.

و قد اختلف الاعلام المحققون في جواز التمسك بالعامّ في مثل ذلك، فمنهم من ذهب إلى جوازه مطلقا (1)، و منهم من ذهب إلى منعه مطلقا (2)، و منهم من ذهب إلى التفصيل، كصاحب الكفاية فانه فصّل بين ما إذا كان المخصص لفظيا،

____________

(1) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 192- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 458- الطبعة الأولى.

322

فمنع التمسك بالعامّ في مورده. و ما إذا كان لبّيا فأجاز التمسك بالعامّ في مورده‏ (1).

فالكلام يقع في مقامين:

المقام الأول: في ما إذا كان المخصص لفظيا.

و قد قرب جواز التمسك بالعامّ في مورده للشك فيه بوجوه:

منها: ما ذكره في الكفاية من ان العام حجة في مدلوله ما لم تقم حجة أقوى منه تزاحمه و تنافيه، و الخاصّ لا يكون حجة في الفرد المشكوك، و المفروض انطباق عنوان العام عليه، اذن فهو حجة فيه لعدم ما يزاحمه في مقام الحجية.

و دفعه صاحب الكفاية: بان الخاصّ يوجب تضييق حجية العام بغير عنوانه، ففي المثال المزبور يكون العام حجة في العالم غير النحوي. و عليه فالعام و ان انطبق على الفرد المشكوك بلحاظ ظهوره لكن لا يحرز انطباقه عليه بما هو حجة، و انطباق عنوان العام لا ينفع ما لم يكن حجة فيما ينطبق عليه.

و عليه، فلا يجوز التمسك بالعامّ لعدم إحراز انطباقه بما هو حجة.

بهذا المقدار من البيان دفع صاحب الكفاية وجه المستدل، و بنى على عدم حجية العام في الشبهة المصداقية للخاص.

و قد أورد عليه: بأنه عجيب منه (قدس سره) لأنّه منع التمسك بالعامّ في هذا المورد ببيان يتأتى في الشبهة المفهومية الدائرة بين الأقل و الأكثر، و نفي وجه الحجية هنا مع انه بعينه هو الّذي تمسك به في إثبات حجية العام في الشبهة المفهومية المزبورة (2).

و هذا الوجه يرد عليه بدوا، فكان على صاحب الكفاية التعرض إلى نفيه‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 221- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الإيرواني الشيخ ميرزا علي نهاية النهاية 1- 283- الطبعة الأولى.

323

و بيان الوجه في تقييد دائرة حجية العام بغير عنوان الخاصّ.

و سيأتي بيان عدم صحة هذا الإيراد و تمامية ما أفاده في الكفاية فانتظر.

و منها: ما ذكره المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية بانيا له على التزامه بان قوام فعلية الحكم بالوصول و عدم كونه فعليا حال الجهل.

بيان ذلك: انه لو التزمنا بان فعلية الحكم انما تتحقق بوصول الحكم و العلم به وجدانا أو تعبدا، و ذلك باعتبار ان حقيقة البعث و الزجر- و هما قوام فعليّة الحكم- جعل ما يمكن ان يكون داعيا و زاجرا، و من الواضح ان الحكم ما لم يصل إلى المكلف و يعلم به لا يمكن ان يكون داعيا له أو زاجرا بحيث يفعل المكلف عن دعوته أو يترك عن زجره.

بناء على هذا الالتزام، فبما ان الخاصّ لا يكون حجة في الفرد المشكوك لعدم العلم بانطباقه عليه لم يكن الحكم فيه- على تقدير كونه من افراده واقعا- فعليا فيكون العام فيه حجة، لأن منافاة الخاصّ للعام و تقديمه عليه بالمقدار الّذي يكون فيه فعليا، لأن المنافاة بين الأحكام انما هي في مرحلة فعليتها.

و قد أجاب عنه (قدس سره): بان المخصص كما يكشف نوعا عن ثبوت الحكم لعنوان الخاصّ، يكشف بالملازمة عن نفي حكم العام عن عنوان الخاصّ للمنافاة بينهما، و لازمه عقلا قصر حكم العام على بعض مدلوله.

و حجية أحد هذين الكاشفين لا ترتبط بالآخر، فإذا سقط الأول عن الحجية للجهل بالانطباق كان الآخر على حجيته‏ (1).

و هذا البيان هو مضمون جواب الكفاية عن الوجه الأول، و ان اشتمل على بعض إيضاح كبيان ان تضييق دائرة حجية العام بالملازمة. و لكنه لم تنحل فيه جهة الغموض التي عرفتها، فكان علينا إيضاح هذه الجهة.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 339- الطبعة الأولى.

324

ثم ان هذا المقدار من البيان لا يدفع الوجه الثاني و ذلك لأن الخاصّ ..

تارة: يكون مدلوله نفي حكم العام عن بعض الافراد مطابقة، كما لو ورد: «أكرم كل عالم» ثم ورد: «لا يجب إكرام النحويين».

و أخرى: يكون مدلوله إثبات حكم مضاد لحكم العام، لبعض الافراد، كما لو ورد: «يحرم إكرام النحويين»، فان تضيق حكم العام و قصره على بعض افراده مدلول التزامي للخاص باعتبار تضاد الأحكام، فإثبات أحدهما يلازم نفي الآخر.

و محل الكلام في النحو الثاني، لأنه فرض وجود كاشفين نوعيين أحدهما مطابقي و الآخر التزامي، و هو انما يثبت في النحو الثاني.

و عليه فيتوجه عليه:

أولا: انه حيث ثبت ان التنافي بين الأحكام في مرحلة فعليتها. و ثبت- بحسب التزامه- ان فعلية الحكم تتحقق بالوصول. و ثبت ان دلالة الخاصّ على نفي حكم العام عن عنوانه باعتبار المنافاة بين الحكمين، لم يكن الخاصّ دالا على انتفاء حكم العام الا فيما كان حكمه فعليا لعدم المنافاة بين الأحكام الإنشائية.

و عليه، فهو يتكفل تضييق حكم العام و قصره على غير النحوي المعلوم- في المثال المزبور- لا على غير النحوي مطلقا، لأنه انما يتكفّل نفيه عن النحوي المعلوم، فمورد الشك يعلم بانطباق العام عليه بلا مزاحم و معارض.

فمع انتفاء الدلالة المطابقية عن الحجية لا وجود للدلالة الالتزامية كي يدعي حجيتها في هذا الحال.

و ثانيا: ان بقاء الدلالة الالتزامية على الحجية مع انتفاء المطابقية عنها ليس من المسلمات، بل هو محل بحث و كلام و قد تقدم.

مع ان بعض من يرى عدم انفكاك الدلالتين في مقام الحجية، يلتزم بذلك‏

325

فتدبر جيدا.

و بما انك عرفت ان جواب المحقق الأصفهاني عن الوجه الثاني عبارة أخرى عن جواب الكفاية عن الوجه الأول، فهو جواب واحد عن كلا الوجهين.

و قد عرفت غموضه و عدم وضوح الحال به و لذا كان مورد النقض بالشبهة المفهومية.

و ينبغي علينا إيضاحه و بيان نكتة الفرق بين المقامين.

و الّذي نعتقده انه عمدة الوجوه التي تذكر في نفي التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، و بوضوحه يعرف الحال في بعض كلمات الاعلام، فنقول و من اللّه التوفيق: ان القضايا المتكفلة للأحكام على نحوين:

الأول: ما تتكفل جعل الحكم على الموضوع المقدر الوجود و المفروض التحقق، فيكون مفادها ثبوت الحكم على تقدير ثبوت الموضوع، نظير: «أكرم كل عالم».

الثاني: ما تتكفل جعل الحكم فعلا على موضوع خارجي ثابت نظير:

«أكرم من في الدار» أو: «أضف هؤلاء».

و قد يصطلح على النحو الأول بالقضايا الحقيقية. و على الثاني بالقضايا الخارجية.

و لا يهمنا ذلك لوقوع الاختلاف في تفسير الحقيقية و الخارجية، و هو لا يرتبط بما نحن فيه.

و الأحكام في القضايا الشرعية من قبيل النحو الأول، فان مفاد القضايا الشرعية إثبات الأحكام على الموضوع المقدر الوجود.

و من الواضح ان المولى في مثل ذلك لا نظر له إلى جهة انطباق الموضوع على مصاديقه و لا يتدخل فيها، و لذا يصح ان يجعل الحكم على موضوع لا وجود

326

لأيّ فرد من افراده، بل بعض الأحكام المجعول في الشريعة يتوخّى من جعلها إعدام الموضوع كأحكام الحدود و نظائرها، فان المقصود فيها عدم تحقق المحرمات المعينة مع انه مأخوذ في موضوعها.

و بالجملة: فغاية ما يدل عليه الدليل و ما يتكلفه من بيان، هو بيان ثبوت الحكم على تقدير وجود الموضوع لا أكثر.

اما ان الموضوع هاهنا ثابت أولا فلا يرتبط بمدلول الدليل، بل المكلف إذا أحرز ثبوت الموضوع في مقام يحرز ثبوت الحكم له بواسطة الدليل. فالقضايا تتكفل بيان كبريات لصغريات يحرزها المكلف نفسه.

و إذا ثبت ان مدلول الدليل هو هذا المعنى كان بمقتضى حجية الظهور حجة في انه مراد واقعا، فيكون الدليل متكفلا بمقتضى أصالة الظهور بيان تعلق الإرادة الواقعية بثبوت الحكم على الموضوع المفروض الوجود، و حجية الدليل بهذا المقدار.

و اما إطلاق ان الدليل حجة في مصداق موضوعه المعلوم فهو لا يخلو عن مسامحة، إذ عرفت ان ذلك أجنبي عن مدلول الدليل، و إحراز ثبوت الحكم يكون من باب إحراز انطباق الموضوع العام على فرده، فيثبت له الحكم بمقتضى الدليل.

و عليه، فما يتكفله العام ثبوت الحكم على الموضوع العام المقدر الوجود، و الخاصّ يزاحمه في هذا المقام، لأنه يتكفل إثبات حكم مضاد لحكم العام على تقدير وجود موضوعه، فلا يجتمع الحكمان و يتقدم الخاصّ لأقوائيته و يوجب تضييق دائرة المراد الواقعي للعام و قصرها على غير عنوانه.

اما المصداق الخارجي للخاص، فكل منهما لا يرتبط به، و كما لا يرتبط الخاصّ لا يرتبط به العام، و إطلاق ان الخاصّ ليس حجة فيه إطلاق مسامحي، لما عرفت ان مقام حجية الدليل لا ترتبط بالخارج أصلا، إذ هو حجة بلحاظ

327

مدلوله و ليس في مدلوله ارتباط بجهة الانطباق خارجا.

و بالجملة: فعدم حجية الخاصّ في المصداق المشتبه لا يصحح التمسك بالعامّ لأنه حجة بلا مزاحم، لأن مقام مزاحمة الخاصّ للعام لا مساس لها بجهة الانطباق، و قد عرفت ان الخاصّ بمزاحمته أوجب قصر حكم العام على غير افراد الخاصّ المقدرة الوجود أيضا.

و بذلك يظهر الفرق بين الشبهة المصداقية و الشبهة المفهومية الدائرة بين الأقل و الأكثر، فان الخاصّ في مورد اشتباه المفهوم بما انه مجمل لم يكن مزاحما للعام إلّا بمقدار كشفه عن المراد الجدي، و هو المقدار المتيقن، فيبقى العام في غيره بلا مزاحم.

فقصور الخاصّ في مورد الشبهة المفهومية انما هو في مقام المزاحمة و هو مقام الحجية و الكشف عن المراد الواقعي. و ليس كذلك الحال في مورد الشبهة المصداقية، فان قصوره ليس في مقام الكشف و الحجية، بل لا قصور أصلا، إذ التردد في الانطباق، و هو أجنبي عن مفاد الدليل من حيث المراد التصديقي و المراد الواقعي. فالتفت و تدبر و لا تغفل.

هذا و قد عرفت ان هذا الجواب لا ينهض في نفي الوجه الثاني الّذي ذكره المحقق الأصفهاني.

فالتحقيق في نفيه هو ما تقدم منا في مبحث الواجب المعلق من عدم تقوم الفعلية بالوصول، و إمكان كون الحكم فعليا مع الجهل به. و عليه فالخاص بعنوانه الواقعي ينافي العام لا بالمقدار الواصل منه، لأنه يتكفل إثبات حكم فعلي لعنوانه الواقعي مضاد لحكم العام، فالتنافي بلحاظ المصداق الواقعي للخاص لا بلحاظ المصداق المعلوم، فتتضيق دائرة حجية العام بغير الخاصّ الواقعي. فلا يصح التمسك به في المصداق المشكوك لما عرفت في توجيه كلام الكفاية.

و منها: ما ذكره المحقق العراقي ناسبا له إلى الشيخ الأعظم (رحمه الله).

328

و بيانه بتوضيح: ان باب الخاصّ و العام يختلف عن باب المطلق و المقيد، فان ورود الخاصّ و ان أوجب تضييق حكم العام و قصر دائرته، لكنه لا يوجب تغيير موضوع الحكم العام عما كان عليه، بل يبقى العام بعنوانه على موضوعيته للحكم من دون تقييد له بشي‏ء.

و اما المقيد فهو يوجب تضييق دائرة موضوع الحكم و صيرورة موضوع الحكم مقيدا و لا يبقى على إطلاقه، و نظير باب التخصيص موت أحد افراد العام في كونه مستلزما لتقليل سعة الحكم من دون تغيير فيما هو موضوع للحكم، و هو شاهد على ان قصور الحكم و ضيقه لا يلازم ضيق الموضوع.

و مما يشهد باختلاف البابين في هذه الجهة هو وقوع التسالم على عدم التمسك بالمطلق في الشبهة المصداقية للمقيد، و عدم الكلام فيه مع وقوع الكلام في الشبهة المصداقية للمخصص. فلا يتوهم أحد- بعد تقييد الرقبة بالايمان في مثل: «أعتق رقبة» و: «أعتق رقبة مؤمنة»- جواز التمسك بإطلاق الرقبة في إثبات الحكم لمشكوك الإيمان.

و ليس ذلك إلّا لأن التقييد يوجب قلب عنوان الموضوع عما كان عليه قبله دون التخصيص، فانه لا يوجب تغيير الموضوع.

و عليه، فلدينا شبهتان: شبهة حكمية و هي الشك في منافاة عنوان ما لحكم العام كعنوان النحوي ل: «أكرم كل عالم». و شبهة موضوعية، و هي الشك في ثبوت المنافي- المفروض منافاته- في فرد من افراد العام. و مقتضى أصالة العموم و ظهور الكلام في ثبوت الحكم لجميع الافراد نفي كلتا الشبهتين، فإذا ورد الخاصّ كان مزاحما للعام في حجيته بالنسبة إلى الشبهة الحكمية دون الموضوعية، فيبقى العام على حجيته بالنسبة إليها بعد ورود المخصص.

و قد يدعي: ان العام لا يكون حجة في الشبهة الموضوعية، لأن رفع الجهل فيها ليس من شئون المولى، إذ قد يكون أكثر جهلا من عبده فيها، فالجهل لا

329

يختص بالعبد، بل مشترك بين العبد و المولى فلا معنى لتصديه لرفع الجهل من جهتها.

و تدفع هذه الدعوى: بأنه لا يشترك في تصدي المولى لرفع الجهل في الشبهة الموضوعية علمه فيها، بل له نصب طرق و أمارات تتكفل رفع الجهل و لو كان هو جاهلا فيها كما لا يخفى جدا.

هذا و لكن الحق عدم حجية العام في الشبهة الموضوعية في الجملة، لا لأجل هذا البيان، بل لأجل ان الحجية موضوعها الظهور التصديقي للكلام، و هو يتوقف على كون المتكلم بصدد الإفادة و الاستفادة، و في مقام إبراز مرامه باللفظ و هو يتفرع على التفاته لمرامه، و مع جهله به و احتمال خروجه عن مرامه كيف يتعلق قصده بتفهيمه؟.

و عليه، فما كان من الشبهات الموضوعية ناشئا عن اشتباه الأمور الخارجية لم يكن العام فيه حجة لجهل المولى به و عدم تصديه لتفهيمه باللفظ. و ما كان منها ناشئا عن الشبهة الحكمية كان العام حجة فيه لكون مرجع رفع الجهل فيه هو المولى فله ان يتصدى لتفهيم ثبوت الحكم فيه.

و ذلك نظير ما ورد من عدم صحة الصلاة في النجس، فانه مخصص لعموم الأمر بالصلاة، فإذا شك في نجاسة شي‏ء لأجل الشك في جعل النجاسة له- كالحيوان المتولد من طاهر و نجس- صح التمسك بعموم الأمر بالصلاة في إثبات صحة الصلاة في جلده.

هذا ما أفاده (قدس سره) بتوضيح منا مع تلخيص و إجمال لبعض كلماته، إذ المهم ما يختص به من البيان و هو امران:

أحدهما: بيان الفرق بين باب التخصيص و باب التقييد.

و ثانيهما: التزامه بحجية العام في الشبهة المصداقية الناشئة عن اشتباه‏

330

الحكم دون الناشئة عن الاشتباه الخارجي، بالبيان الّذي عرفته‏ (1).

و الّذي نستطيع ان نقوله: ان كلامه بكلتا جهتيه غير تام، و مما لا يمكن المساعدة عليه.

اما الجهة الأولى: فيتوجه عليها:

أولا: ان ما ذكره من الفرق بين التخصيص و التقييد لا يتم على مبنى من يذهب إلى ان التخصيص يرجع إلى تقييد إطلاق المدخول، و ان شأن أداة العموم ليس إلّا إفادة الاستغراق لا إفادة عموم المدخول، فانه بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

فان واقع التخصيص- على هذا المبنى الّذي اخترناه و ذهب إليه المحقق النائيني‏ (2) و استقربه صاحب الكفاية (3)- لا يختلف عن التقييد، و الفرق بينهما لفظي و اصطلاحي لا غير.

و ثانيا: انه لا يتم بالنسبة إلى ما كان المخصص أحواليا- حتى على مبنى من يذهب إلى ان إفادة العموم بالأداة-، لأنه يتكفل تقييد إطلاق المدخول بلحاظ أحوال الفرد، و ذلك كالمثال المتداول و هو: «لا تكرم فساق العلماء» بالنسبة إلى: «أكرم كل عالم»، و ذلك لأن من يذهب إلى ان إفادة العموم بالأداة انما يذهب إلى ان ذلك بلحاظ التعميم من جهة الافراد، اما التعميم بلحاظ أحوال الفرد كالفسق و غيره فهو مفاد الإطلاق لا الأداة.

فالمخصص المزبور يصادم إطلاق المدخول، فيرجع واقعه إلى التقييد و ان سمي بالمخصص.

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 2- 519- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 149- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 441 و 450- الطبعة الأولى.

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 217- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

331

و هذا المعنى مغفول عنه في كلمات الاعلام، فالتفت إليه، و ليكن على ذكر منه لعلك تنتفع منه في غير مقام.

و ثالثا: ان ضيق الحكم و قصوره مع عموم الموضوع و سعته امر لا يقبل الموافقة، فان الحكم يتبع موضوعه ان واسعا فواسع و ان ضيقا فضيق.

و ببيان آخر نقول: ان الموضوع ثبوتا اما ان يكون مطلقا، أو مقيدا بغير الخاصّ، أو مهملا. و الثالث ممتنع لامتناع الإهمال في مقام الثبوت. و الأول لا يجامع التخصيص فيتعين ان يكون مقيدا.

و اما الاستشهاد على ما ادعاه بموت أحد افراد العام، فهو لا صحة له بعد ما عرفت من ان الأحكام ثابتة على الموضوعات المقدرة الوجود بلا نظر إلى الخارج و تطبيقه على افراده، فانتفاء أحد الافراد خارجا لا ينافي ثبوت حكم العام للموضوع العام و لا يوجب تغييرا في الموضوع، و هذا بخلاف التخصيص فانه يزاحم الدليل العام في حجيته على ما تقدم تفصيله.

و رابعا: ان ما ذكره من التسالم على عدم التمسك بالمطلق في مورد الشبهة المصداقية للمقيد ممنوع على إطلاقه.

بيان ذلك: ان موارد التقييد على نحوين:

الأول: ما كان المطلق و المقيد متفقين في الحكم، و التقييد يكون لأجل إحراز وحدة الحكم المتكفلين لبيانه، و هذا نظير: «أعتق رقبة» و: «أعتق رقبة مؤمنة» و: «صلّ» و: «صلّ إلى القبلة» أو: «صلّ مع الطهارة». و يصطلح على هذا النحو ب: «حمل المطلق على المقيد».

و الثاني: ما كان المطلق و المقيد متنافيين في الحكم، فيقيد المطلق لأجل أقوائية المقيد أو قرينيته، نظير: «أكرم العالم». و: «لا تكرم الفاسق من العلماء».

و قد يصطلح على هذا النحو ب: «حمل المطلق على المقيد» لكنه بضرب من‏

332

التأويل.

و الأمر سهل بعد وضوح الفرق الواقعي بين النحوين.

و لا يخفى انه لا يصح التمسك بالمطلق في الشبهة المصداقية في النحو الأول، لأن موضوع الحكم هو المقيد كما عرفت، فلا يحرز انطباقه على المشكوك.

اما النحو الثاني فلا دليل و لا شاهد على وقوع التسالم على عدم التمسك فيه بالمطلق في الشبهة المصداقية.

و اما ما استشهد به من الأمثلة، فهو من قبيل الأول لا الثاني، فلا يصلح شاهدا على مدعاه.

بل يمكننا دعوى: ان الشاهد على خلاف ما ذكره، فقد نسب إلى المشهور التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية بلحاظ فتواهم بالضمان في مورد الشك في كون اليد يد أمانة أو عادية. و من الواضح ان ما يدل على الضمان من المطلق لا العام كقاعدة: «على اليد ...» و نحوها.

و سواء تمت هذه النسبة أم لم تتم فهي تشهد لنا، لأن ظاهرها عدم كون ما ادعاه من الأمور الارتكازية المسلّمة.

كما انك عرفت فتوى البعض بنجاسة مشكوك الكرّية إذا لاقى نجسا تمسكا بإطلاق تنجيس النجس لما يلاقيه المقيد بالكرّ.

و خامسا: لو سلم وقوع التسالم على عدم التمسك بالمطلق في مورد الشبهة المصداقية للمقيد مطلقا و في كلا النحوين، فهو لا يقتضي اختلاف البابين فيما ذكره من عدم استلزام التخصيص لتغيير موضوع الحكم و استلزام التقييد لذلك، و ذلك لأنه سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيان ان شأن مقدمات الحكمة ليس إلّا بيان إرادة الطبيعة المطلقة السارية في تمام الافراد، و اما خصوصية الشمول و البدلية و غيرها فهي تستفاد من قرينة أخرى عقلية أو غيرها، فعموم‏

333

قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (1) لجميع افراد البيع ليس بالإطلاق بل للقرينة العقلية.

و عليه، فإذا ورد ما يقيد المطلق كما ورد في مثال البيع: «نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن بيع الغرر» و شك في فرد انه غرري أو لا، لا يمكننا الحكم بشمول الإمضاء له لعدم حكم العقل بذلك بالقرينة المتقدمة و لا دليل آخر على ثبوته فيه.

و بالجملة: مع احتمال الخصوصية من دون رافع لا يحكم العقل بتساوي الإقدام بالنسبة إلى الفرد المحتمل فيه الخصوصية.

اذن فعدم التمسك بالمطلق في الشبهة المصداقية لا يتعين ان يكون من جهة تضيق موضوع الحكم حتى يستكشف من التسالم فيه على العدم و وقوع النزاع في باب التخصيص عدم تضيق موضوع الحكم في باب التخصيص، بل فيه جهة أخرى يمكن الاستناد إليها لا وجود لها في العام، لأن الشمول فيه مدلول الكلام فتتساوى فيه الإقدام، و لا يجدي احتمال الخصوصية في التوقف.

و اما الجهة الثانية: فيدفعها ما تقدم منا من ان القضايا التي تتكفل الأحكام إذا كانت بلسان ثبوت الحكم على الموضوع المقدر الوجود من دون تصدي المولى مرحلة التطبيق، بل يوكل ذلك إلى العبد نفسه، لم يكن الدليل حجة في الفرد المشتبه للموضوع، إذ الفرض انه مرتب على الموضوع و لا يتكفل الدليل إثبات موضوعه، لأنه أجنبي عن مفاده، بلا فرق بين ان يكون الاشتباه من جهة الشبهة الموضوعية أو من جهة الشبهة الحكمية، فلو قال المولى: «المالك يجوز له التصرف في ملكه» لم يكن له نظر إلى تعيين المالك بهذا الدليل.

و بما انك عرفت ان ورود المخصص يوجب تضيق موضوع حكم العام‏

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 275.

334

و قصره على بعض افراده، لم يكن العام حجة في الفرد المشتبه، لعدم كونه ناظرا إلى تشخيص موضوع حكمه، و لا يختلف الحال بين الشبهة الموضوعية و الشبهة الحكمية.

فتلخص ان ما أفاده (قدس سره) مما لا يمكن الالتزام به.

ثم انه قد يتخيل: إمكان التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية إذا كان ثبوت الحكم بنحو القضية الخارجية، بمعنى ان الدليل العام كان يتكفل جعل الحكم على موضوع محرز محقق من قبل المولى نظير: «أكرم جيراني»، بدعوى ان الدليل يتكفل إثبات الموضوع و إحرازه و امر تطبيقه بيد المولى فيكون حجة مع الشك‏ (1).

و التحقيق: انه توهم فاسد، و ذلك لأن المخصص تارة يكون بنحو القضية الحقيقية. و أخرى بنحو القضية الخارجية، فإذا قال: «أكرم هؤلاء» مشيرا إلى جماعة جلوس معينين، فتارة يقول في مقام التخصيص: «لا تكرم الفاسق منهم» و أخرى يقول: «لا تكرم هؤلاء» مشيرا إلى قسم من الجماعة.

فعلى الأول يكون الحكم فيه كالحكم في القضايا الحقيقية، و ذلك لأنه يكشف عن عدم إرادته إكرام الفاسق من الجماعة عدم تصديه إلى تعيينه، بل أو كله إلى المكلف نفسه، فتكون نتيجة التخصيص انقلاب العام إلى قضية حقيقية أو صيرورته مركبا من قضية خارجية و حقيقية، لأنه يكشف عن عدم تصدي المولى لإحراز الانطباق من جهة عنوان الفسق.

و على كل حال فمع الشك في فسق أحدهم لا يثبت له الحكم، لترتبه على غير الفاسق منهم بنحو فرض الوجود.

و مثل هذا النحو نستطيع ان نقول بأنه خارج عن باب القضية الخارجية

____________

(1) المحقق الخوئي: السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 459- الطبعة الأولى.

335

كما عرفت.

و منه تظهر المسامحة في جعله مثال الشبهة المصداقية في القضية الخارجية كما ورد في أجود التقريرات‏ (1)، و الّذي يخطر بالبال انه لم ينتبه لذلك في بعض المباحث التي يتعرض فيها لأقسام القضايا.

و المثال الصحيح هو النحو الثاني، فانه لا يوجب تغييرا في موضوع الحكم على باقي الافراد، بل يبقى الموضوع على ما كان عليه فهو نظير إخراج بعض افراد الجماعة عنهم تكوينا، و لا يضر التخصيص بكون المولى في مقام إحراز الانطباق و تشخيص موضوع الحكم.

و لكن ذلك كله لا ينفع فيما نحن بصدده من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية كما إذا اشتبه فرد في كونه من الباقين أو المخرجين، فلا وجه لتوهم التمسك بالعامّ في إثبات الحكم له، إذ الحكم في القضية الخارجية لما كان ثابتا لواقع المعين المشار إليه بعنوان عام، كان موضوع الحكم العام في الحقيقة مباينا لموضوع الحكم الخاصّ، فتكون نسبة الدليلين إلى المشتبه على حد سواء.

و بالجملة: إذا قال: «أكرم هؤلاء» فكأنه قال: «أكرم زيدا و عمراً و بكرا و خالدا و باقرا»، فإذا قال: «لا تكرم هؤلاء» مشيرا إلى باقر و خالد، كان موضوع الحكم العام زيدا و عمراً و بكرا، و موضوع الخاصّ خالدا و باقرا، فمع التردد في شخص انه بكر أو خالد لم يكن وجه لتوهم شمول حكم العام له. و هذا واضح بأدنى تأمل.

هذا تمام الكلام في المقام الأول.

المقام الثاني: فيما إذا كان المخصص لبّيا.

و الحق هو التفصيل بين القضية الحقيقية و القضية الخارجية. فإذا قال:

____________

(1) المحقق الخوئي: السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 460- الطبعة الأولى.

336

«أكرم كل عالم» ثم علم العبد بأنه لا يريد إكرام الفاسق منهم كشف ذلك عن تضيق المراد الواقعي للعام، فمع الشك في فسق أحدهم لا وجه للتمسك بالعامّ لأنه يتكفل إثبات الحكم على تقدير الموضوع من دون تصدي المولى لتشخيص موضوع حكمه.

و اما إذا قال: «أكرم ساكني هذه المدرسة» مع علمه بهم و استقصائه لهم، فقد تصدى المولى لمرحلة الانطباق و تشخيص موضوع حكمه، فإذا علمت بأنه لا يريد إكرام الفاسق منهم لم يجدي ذلك في رفع اليد عن الحكم الا فيما قطع بفسقه، اما مع الشك فليس للعبد التوقف بعد فرض ان المولى أثبت الحكم لكل فرد بعينه بنفسه، و كان للمولى عتابه و عقابه لو توقف في مورد الاشتباه، و انه لا حق لك في الاستبداد و الاعتناء بالاحتمال بعد ان عينت لك الموضوع و أثبتّ الحكم لك.

و مما ذكرنا يظهر ما في كلام الكفاية حيث ذهب إلى حجية العام في مورد الشك مستدلا ببناء العقلاء و ثبوت السيرة على ذلك، بشهادة ان المولى لو قال لعبده: «أكرم جيراني» و علم العبد انه لا يريد إكرام عدوّه منهم فليس له التوقف في مورد من يشك في عداوته من الجيران و كان للمولى مؤاخذته‏ (1).

فان ما ذكره (قدس سره) من المثال و ان كان الحكم فيه مسلما، لكنه لا ينفع في إثبات جواز التمسك بالعامّ مطلقا فانه مثال للقضية الخارجية و قد عرفت انه يلتزم بحجية العام فيها. اما القضية الحقيقية فلا وجه للتمسك بالعامّ فيها و لم يثبت بناء من العقلاء على ذلك، فان الثابت من بناءهم ليس إلّا التمسك في مورد القضية الخارجية.

و قد قرب المحقق الأصفهاني (رحمه الله) جواز التمسك بالعامّ في الشبهة

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 222- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

337

المصداقية للمخصص اللبّي، و الفرق بينه و بين المخصص اللفظي، بان العام كما يدل على عدم منافاة عنوان ما لحكمه كذلك يدل على عدم وجود المنافي من بين افراده، فأصالة العموم محكمة في كلتا الشبهتين- أعني الحكمية و الموضوعية-.

و المخصص اللفظي يدل على منافاة موضوعه لحكم العام كما يدل على وجود المنافي في افراد العام، و إلّا لكانت تصدي المولى لبيانه عبثا و لغوا، فيمنع حجية العام في كلتا الشبهتين اما المخصص اللبّي فلا يكشف الا عن وجود المنافاة دون وجود المنافي كما لا يخفى، فهو انما يمنع حجية العام في الشبهة الحكمية دون الشبهة الموضوعية (1).

و يتوجه عليه: ان ما ذكره بالنسبة إلى المخصص اللبّي انما يتم بالنسبة إلى ما كان العموم مفاد القضية الخارجية. اما إذا كان الحكم ثابتا بنحو القضية الحقيقية فلا يتم كلامه، لما عرفت من عدم النّظر فيه إلى مقام تشخيص الموضوع و تطبيقه على افراده، بل هو ثابت لموضوعه المقدر الوجود، و تشخيصه لا يرتبط بالمولى، بل هو موكول إلى المكلف نفسه. فلاحظ تدبر.

ثم ان صاحب الكفاية (قدس سره)- بعد ما ذكر حجية العام في الفرد المشكوك للمخصص اللبّي- ذكر انه يمكن التمسك بأصالة العموم في إثبات كون المشكوك ليس من افراد الخاصّ، فيقال في مثل: «لعن اللّه بني أمية قاطبة» المخصص بالمؤمن منهم، ان فلانا يجوز لعنه و ان شك في إيمانه تمسكا بأصالة العموم، و كل ما جاز لعنه ليس بمؤمن فينتج فلانا ليس مؤمنا (2).

و لا يخفى ان هذا المطلب يتأتى في موارد الشبهة المصداقية مطلقا و لو كان المخصص لفظيا، فيما لو التزم بجواز التمسك بالعموم فيها.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 341- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 223- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

338

و هذه المسألة تتحد موضوعا مع المسألة التي ذكرها بعد ذلك التي موضوعها: ما إذا ورد عام ثم علم بعدم ثبوت الحكم لفرد و شك في انه من افراد العام و قد خرج بالتخصيص أو انه ليس من افراده فيكون خارجا بالتخصّص‏ (1). و هي أحد موارد دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص، و قد وقع الكلام في انه هل يجوز التمسك بأصالة العموم في إثبات عدم التخصيص و خروجه بالتخصص؟.

و بيان اتحادهما موضوعا: ان التمسك بأصالة العموم في إثبات كون الخارج خارجا بالتخصص لا بالتخصيص، انما هو لأجل دعوى ان العام كما له دلالة على ثبوت الحكم لجميع افراده له دلالة التزامية على ان من لا يثبت له الحكم ليس من افراده، و هو ما يعبّر عنه في الاصطلاح المنطقي بعكس النقيض.

فقول القائل: «كل عالم يجب إكرامه» يدل على ان: «من لا يجب إكرامه ليس بعالم»، فإذا علم بعدم وجوب إكرام زيد و شككنا في انه عالم أو غير عالم فنتمسك بأصالة العموم المتكفلة لإثبات عكس النقيض فيدل على عدم كون زيد عالما و انه خارج بالتخصص لا التخصيص.

و بنظير هذا البيان توصل صاحب الكفاية- فيما نحن فيه- إلى إثبات كون الفرد المشكوك ليس من افراد الخاصّ، و ذلك لأن لدينا عاما و هو مثلا:

«يجوز لعن بني أمية قاطبة» و خاصا و هو مثلا: «يحرم لعن المؤمن منهم» و هذا الخاصّ يدل بعكس النقيض على: «ان من لا يحرم لعنه ليس بمؤمن»، فإذا تكفل العام إثبات جواز اللعن كان دالا بضميمة عكس نقيض الخاصّ على عدم كون الفرد مؤمنا و انه خارج عن الخاصّ تخصصا لا تخصيصا. فمراده (قدس سره) من قوله: «و كل من جاز لعنه ليس مؤمنا» بيان عكس نقيض الخاصّ، إذ لا منشأ

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 225- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

339

لها غيره.

و بالجملة: الفرد المشكوك الّذي يثبت له حكم العام يدور امره بين خروجه عن الخاصّ تخصيصا أو تخصصا، فببركة عكس نقيض الخاصّ يثبت انه خارج بالتخصص لا بالتخصيص.

و الخلاصة ان دليل العام في المقام لا يتكفل سوى نفي حكم الخاصّ عنه و إثبات ضده كدليل حرمة إكرام زيد في تلك المسألة.

و اما إثبات انه ليس من افراد الخارج عنه في حكمه فهو ببركة عكس النقيض، فان الأمر هاهنا يدور بين التخصيص و التخصص و لو لا عكس النقيض لا طريق إلى نفي التخصيص و إثبات التخصص.

و إذا ثبت بوضوح اتحاد المسألتين موضوعا و انهما من واد واحد يتوجه على صاحب الكفاية سؤال الفرق الموجب لتمسكه بعكس النقيض هاهنا و توقفه في تلك المسألة.

و يمكن الجواب: بان المسألتين و ان اتحدتا موضوعا و كونهما معا من دوران الأمر بين التخصيص و التخصص، لكن في البين ما يوجب الفرق.

و ذلك لأن توقف صاحب الكفاية عن التمسك بأصالة العموم في تلك المسألة انما كان لأجل ان أصالة العموم ليست حجة في المدلول المطابقي، و ذلك لأنه مع العلم بخروج: «زيد» عن حكم: «كل عالم يجب إكرامه» و الشك في انه عالم أو غير عالم لا يمكننا ان نقول ان المراد الواقعي ثبوت الحكم لجميع ما يفرض كونه عالما حتى و لو كان زيدا، للعلم بخروجه، اذن فهو ليس حجة في المدلول المطابقي.

و الأصول اللفظية و ان كانت حجة في مدلول الكلام الالتزامي، إلّا ان القدر المتيقن حجيتها فيه في مورد تكون حجة في المدلول المطابقي، اما مع عدم حجيتها في المدلول المطابقي فلا دليل على حجيتها لإثبات المدلول الالتزامي‏

340

فقط.

و عليه، فلا يكون العام حجة في عكس النقيض الّذي هو مدلول التزامي له حتى يثبت به عدم كون زيد عالما.

و هذا غير جار في هذه المسألة- أعني: مسألة التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية- و ذلك لأن الخاصّ الّذي يحاول التمسك به في إثبات عكس نقيضه حجة في مدلوله المطابقي- و لو بواسطة أصالة العموم-، فيمكننا ان نقول ان المراد الواقعي هو عدم جواز لعن كل مؤمن من بني أمية و لو كان هذا الشخص- أعني المشكوك- و لا ينافيه ثبوت حكم العام له لأن ثبوته ظاهري لا واقعي، إذ لو علم بأنه مؤمن خرج عنه جزما، و إذا كان الخاصّ حجة في مدلوله المطابقي على عمومه كان حجة في مدلوله الالتزامي أيضا، فيدل على ان من يجوز لعنه ليس بمؤمن، فإذا ضم هذا إلى صغرى جواز لعن الفرد المشكوك ثبت انه ليس بمؤمن.

و بالجملة: الفرق ان احتمال التخصيص هاهنا ينفي بأصالة العموم و لا يمكن نفيه هناك بها. فيلزم التفكيك بين الدلالة المطابقية و الالتزامية في الحجية هناك و لا يلزم هاهنا. و هذا فرق فارق بلا إشكال.

هذا كله فيما يتعلق بتوجيه كلام صاحب الكفاية و هو مما لا نعهد له سابقة بيان.

و بما انك عرفت ان تمامية كلامه فيما نحن فيه تبتني على الالتزام بحجية العام في عكس نقيضه. فلا بد من تحقيق ذلك. فقد أنكرت حجية العام في عكس نقيضه لوجهين:

الأول: ان الأمارة لا تكون حجة في مطلق اللوازم، بل هي حجة في نحوين منهما:

أحدهما: ان يكون بين المتعبد به و لازمه ملازمة بينة بالمعنى الأخص،

341

بحيث يكون الدليل الدال على المتعبد به دالا بالملازمة العرفية على ثبوت لازمه.

و ثانيهما: ان يكون اللازم مفاد أمارة كالمدلول المطابقي، فيكون الدليل حجة فيه بالعنوان الّذي يكون حجة في مدلوله المطابقي كموارد الخبر، فان الاخبار بالشي‏ء اخبار بلازمه، فهناك خبران أحدهما باللازم و الآخر بالملزوم.

و ليس عكس النقيض بالنسبة إلى العام من أحد النحوين.

الثاني: ما ذكره المحقق العراقي في مقالاته من ان العام لا نظر له إلى تعيين المصاديق و تشخيصها، بل هو انما يتكفل الحكم على تقدير الموضوع‏ (1).

و في كلا الوجهين نظر:

اما الأول: فلان عكس النقيض لازم بيّن للحكم العام، فانه من الواضح ان ثبوت الحكم واقعا لجميع افراد العام يلازم نفي العام عما لا ثبوت للحكم فيه.

و عليه، فالدليل الدال على ثبوت الحكم واقعا لجميع الافراد دال بالملازمة على نفي العموم عن غير مورد الحكم. فعكس النقيض بواقعه- لا بلفظه و بهذا الاصطلاح- امر لا ينكره أحد و تشهد له الأمثلة العرفية في مختلف الموارد، فمثلا لو عرف أهل بلدة بالسخاء و جاء شخص ادعى انه من أهل تلك البلدة و لم يكن سخيا فانه يكذب في دعواه بدعوى ان أهل تلك البلدة أسخياء و أنت لست بسخي. و نظير ذلك كثير.

و اما الثاني: فلان عدم نظر العام إلى تشخيص مصاديقه مسلم لكنه بالنسبة إلى مدلوله المطابقي و بلا واسطة، فانه عبارة عن الحكم على تقدير، و لا يسلم عدم نظره أصلا و لو بوسائط كما فيما نحن فيه، فانه يتكفل بالدلالة الالتزامية العرفية بيان كبرى كلية لتعيين المصداق، فينشأ تشخيصه من ضم صغرى إلى هذه الكبرى. فتدبر.

____________

(1) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 153- الطبعة الأولى.

342

و خلاصة الكلام: ان دلالة العام بوضوح على عكس النقيض لا تقبل الإنكار.

و قد اتضح لك من مجموع ما تقدم: حكم صورتين من صور دوران الأمر بين التخصيص و التخصص.

تبقى صورة تعرض لحكمها المحقق النائيني و هي: ما إذا ورد عام ثم ورد ما يدل على ثبوت خلاف حكمه بالنسبة إلى فرد مردد بين فردين أحدهما من افراد العام و الآخر من غير افراده، كما لو قال: «أكرم كل عالم» ثم قال: «لا تكرم زيدا» و كان هناك زيدان أحدهما عالم و الآخر غير عالم و لم يعرف المراد به هل هو غير العالم فيكون من باب التخصص أو العالم فيكون من باب التخصيص؟. و قد ذهب (قدس سره) إلى التمسك بأصالة العموم في إثبات وجوب إكرام زيد العالم، و بها يثبت ان المحكوم بالحرمة هو غير العالم، فتكون أصالة العموم موجبة لانحلال العلم الإجمالي و تعيين المعلوم بالإجمال في أحد طرفيه‏ (1).

و الّذي نريد ان نقوله هنا: ان ما ذكره انما يتم لو بنى على حجية أصالة العموم- بلحاظ أنها إمارة- في مطلق اللوازم العقلية، أو ان دلالتها على ثبوت الحرمة في غير العالم بالدلالة الالتزامية العرفية، و لكنه (قدس سره) لا يلتزم بالشق الأول، كما ان الشق الثاني ممنوع، إذ الملازمة اتفاقية ناشئة من العلم الإجمالي، فلا تكون سببا للظهور العرفي الّذي هو موضوع الحجية. فلاحظ جيدا و لتكن على ذكر منه لعله ينفعك في مقام آخر.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 457- الطبعة الأولى.

343

استصحاب العدم الأزلي:

ثم انه يمكن إثبات حكم العام للفرد المشكوك بواسطة نفي عنوان الخاصّ عنه بالأصل إذا كان مسبوقا بعدمه، فيقال في العالم المشكوك الفسق انه لم يكن فاسقا، فمع الشك يستصحب عدم فسقه فيثبت حكم العام له.

و لكن هذا واضح بالنسبة إلى الاعراض المتأخرة عن وجود الذات و الواردة عليه، بحيث تكون الذات غير متصفة بها في بعض الأحيان كالفسق و العدالة و العلم و الجهل و نحوها.

اما بالنسبة إلى الأوصاف الأزلية المقارنة لوجود الذات المستمرة باستمرارها، فيشكل الأمر فيها، إذ ليس للذات حالة سابقة يتيقن فيها بعدم الوصف كي يستصحب عدمه، و لأجل ذلك عقد الاعلام بحثا اصطلحوا عليه ب: «بحث استصحاب العدم الأزلي» بحثوا فيه إمكان جريان أصالة عدم الوصف الأزلي لإثبات حكم العام للفرد المشكوك و عدم إمكانه، و مثاله: ما ورد من ان المرأة تحيض إلى خمسين المخصص بالقرشية فانها تحيض إلى ستّين، فمع الشك في كون امرأة قرشية، فلا مجال للقول بأنها لم تكن قرشية فيستصحب العدم، لأنها حين وجدت اما قرشية أو غير قرشية، نعم يمكن إجراء استصحاب عدم قرشية المرأة و لو بلحاظ عدم الموضوع في السابق، و هذا هو محل الكلام بين الاعلام.

و قد ذهب صاحب الكفاية إلى جريان الاستصحاب و إثبات حكم العام للمشكوك بواسطته، فقال: «ان الباقي تحت العام بعد تخصيصه بالمنفصل أو كالاستثناء من المتصل، لما كان غير معنون بعنوان خاص، بل بكل عنوان لم يكن ذاك بعنوان الخاصّ، كان إحراز المشتبه منه بالأصل الموضوعي في غالب‏

344

الموارد الا ما شذ ممكنا، فبذلك يحكم عليه بحكم العام و ان لم يجز التمسك به بلا كلام ضرورة انه قلّما لا يوجد عنوان يجري فيه أصل ينقح به انه مما بقي تحته، مثلا إذا شك ان امرأة تكون قرشية أو غيرها فهي و ان كان إذا وجدت اما قرشية أو غير قرشية، فلا أصل يحرز به انها قرشية أو غيرها، إلّا ان أصالة عدم تحقق الانتساب بينها و بين قريش تجدي في تنقيح انها ممن لا تحيض الا إلى خمسين، لأن المرأة التي لا يكون بينها و بين قريش انتساب أيضا باقية تحت ما دل على ان المرأة انما ترى الحمرة إلى خمسين، و الخارج عن تحته هي القرشية، فتأمل تعرف» (1).

و المراد من قوله: «أو كالاستثناء من المتصل» الإشارة إلى ان المخصص على قسمين:

فمنه: ما يكون مؤدّاه بيان منافاة بعض الأوصاف لحكم العام فيتكفل إخراجه. و ذلك كالاستثناء نظير: «أكرم كل عالم الا الفاسق» و كالشرط في مثل:

«أكرم العلماء إذا لم يكونوا فساقا».

و منه: ما يكون مؤدّاها دخالة وصف آخر في الحكم نظير: «أكرم كل عالم عادل» أو: «إذا كان عادلا».

و محل البحث هو القسم الأول، لوضوح ان القسم الثاني يوجب تضييق موضوع الحكم و تعنونه بعنوان زائد على عنوان العام.

ثم إن كلامه- مع قطع النّظر عن أصل دعوى جريان الاستصحاب- وقع موردا للإشكال من جهات عديدة نتعرض إليها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، و انما المهم فعلا البحث في موضوع الكلام، أعني جريان استصحاب العدم الأزلي. و قد عرفت انه (قدس سره) ذهب إلى جريانه.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 223- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

345

و لكن المحقق النائيني خالفه في ذلك و ذهب إلى عدم جريانه.

و قد ذكر قبل تحقيق المطلب: ان كلام صاحب الكفاية انما يتم بناء على أخذ عدم الخاصّ في موضوع الحكم بنحو العدم المحمولي الراجع إلى فرض موضوع الحكم مركبا من جزءين، أحدهما عنوان العام، و الآخر عدم عنوان الخاصّ من دون فرض اتصاف العام بعدم الخاصّ، بل يؤخذ عدم الخاصّ بمفاد ليس التامة لا الناقصة. و اما بناء على أخذ عدم الخاصّ في الموضوع بنحو العدم النعتيّ الراجع إلى فرض موضوع، هو العام المتصف بعدم الخاصّ، فيكون عدم الخاصّ مأخوذا بمفاد ليس الناقصة، فلا يتم ما ذهب إليه لعدم سبق اتصاف الذات بعدم الخاصّ، لأنها حين توجد توجد امّا متصفة به أو بعدمه. و اما العدم المحمولي الأزلي، فهو و ان كان في نفسه مجرى الأصل لكنه لا ينفع في إثبات العدم النعتيّ إلّا بناء على القول بالأصل المثبت.

و بالجملة: فالبحث يبتني على أخذ عدم عنوان الخاصّ بنحو التركيب أو بنحو التوصيف.

و قد ذهب (قدس سره) إلى الثاني و قدّم لذلك مقدمات ثلاث‏ (1):

المقدمة الأولى: ان التخصيص سواء كان بدليل منفصل أو متصل، استثناء كان أو غيره، يوجب تقيد موضوع الحكم العام، بنقيض عنوان الخاصّ، فإذا كان الخاصّ وجوديا تعنون العام بعنوان عدمي و إذا كان عنوان الخاصّ عدميا تقيد الموضوع بعنوان وجودي.

و الوجه في ذلك: هو ان موضوع الحكم أو متعلقه بالنسبة إلى انقساماته الأوّلية لا بد ان يلحظ اما مطلقا بالنسبة إليها أو مقيدا بوجودها أو بعدمها، و لا يجوز ان يكون مهملا لامتناع الإهمال في مقام الثبوت و تردد الحاكم الملتفت من‏

____________

(1) لم يذكر هنا إلا مقدمتين.

346

جهة التقسيمات الأولية.

و عليه، فإذا خصص العام فالباقي تحت العام اما ان يكون مقيدا بنقيض الخارج، و اما ان يكون مطلقا. و الثاني ممتنع للزوم التدافع و التهافت بين دليل العام و المخصص، إذ لا يجتمع الحكم بحرمة إكرام النحوي- مثلا- مع وجوب إكرام العالم سواء كان نحويا أو لا. فيتعين الأول فيكون موضوع الحكم مقيدا بغير عنوان الخاصّ و هو المدعى.

و لا فرق بين المخصص المتصل و المنفصل من هذه الجهة، و انما الفرق بينهما من جهة أخرى، و هي ان المخصص المتصل يوجب التصرف في ظهور العام، فلا ينعقد له ظهور أولا الا في الخصوص فهو يتصرف في الدلالة التصديقية للعام، و اما المخصص المنفصل فهو يوجب التقييد في المراد الواقعي لا في الدلالة التصديقية لانعقاد ظهور العام قبل وروده. و هذا الفرق غير فارق في جهة البحث لاشتراكهما في تقييد المراد الواقعي‏ (1).

أقول: ما ذكره أخيرا من عدم ثبوت الفرق بين المخصص المتصل و المنفصل من جهة ان المتصل يتصرف في الدلالة التصديقية، و المنفصل لا يتصرف إلّا في المراد الواقعي، غير تام، بناء على ما التزم به من رجوع التخصيص إلى تقييد مدخول أداة العموم، لما سيأتي منه من ان التقييد المنفصل يوجب الإخلال بظهور المطلق في الإطلاق، بلحاظ انه يرى ان مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الواقعي، فيكون معلقا على عدم البيان إلى الأبد (2)، كما هو رأي الشيخ الأعظم (قدس سره) (3)، و رتب على ذلك آثارا متعددة في باب‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 465- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 529- الطبعة الأولى.

(3) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 218- الطبعة الأولى.

347

التعادل و الترجيح كالتزامه بانقلاب النسبة (1). فالتفت.

و اما ما ذكره أولا من استلزام التخصيص تقييد موضوع الحكم بغير عنوان الخاصّ، فهو محل الكلام، و قد عرفت فيما تقدم إنكار المحقق العراقي لذلك و وافقه المحقق الأصفهاني و أقام البرهان على امتناعه.

و الّذي نراه ان الاختلاف بينهما مبنائي، فكل منهم على حق في دعواه بناء على ما التزم به في مدلول أدوات العموم.

توضيح ذلك: انه إذا التزم برجوع العام إلى المطلق، و ان شأن أدوات العموم ليس إلّا إفادة الاستغراقية أو المجموعية أو البدلية، و عموم المدخول مستفاد من جريان مقدمات الحكمة فيه- كما التزم به المحقق النائيني و قرّبناه-، كان التخصيص مستلزما للتقييد بلا تردد، و ذلك لأن الملحوظ في العام ثبوتا و في مقام تعلق الحكم هو الطبيعة الشاملة، فإذا خرج بعض الافراد عن الحكم امتنع لحاظ الطبيعة حينئذ بنحو الشمول، و هذا هو معنى امتناع الإطلاق، فيتعين ان تلحظ مقيدة بعدم عنوان الخاصّ.

و ان التزم بان العام يختلف عن المطلق، و ان العموم مدلول الأداة نفسها و المدخول هو الطبيعة المهملة، فيكون مفاد العموم إرادة جميع افراد الطبيعة المهملة، لم يكن التخصيص مستلزما للتقييد، لأنه لم يلحظ في مقام تعلق الحكم، الطبيعة القابلة للإطلاق و التقييد كي يتأتى فيها الترديد المزبور، بل لوحظ جميع افراد الطبيعة المهملة، و لا معنى للإطلاق و التقييد فيه كي يتأتى الترديد المتقدم بعد التخصيص، لأن الإطلاق و التقييد شأن الطبيعة، و واقع «جميع الافراد» ليس كذلك، و لو تصورنا الإطلاق و التقييد بالنسبة إلى الباقي لالتزمنا بأنه مطلق لا مقيد، بمعنى ان الحكم ثابت للباقي ثبت الحكم لغيره أم لم يثبت.

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 2- 278- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

348

و بالجملة: العموم على الالتزام الأول مستفاد من فرض الموضوع هو الطبيعة السارية، فيتأتى فيها حديث الترديد بين الإطلاق و التقييد بعد ورود التخصيص. و على الالتزام الآخر لم يستفد من ذلك، بل لوحظت الافراد جميعها رأسا لا بتوسط لحاظ الطبيعة بنحو السريان، فهو بمنزلة ان يقال: «جميع افراد الطبيعة المهملة»، و من الواضح انه لا معنى لأن يقال: ان جميع الافراد لوحظ اما مقيدا أو مطلقا، و لو سلمنا إمكانه فقد عرفت انه يتعين الإطلاق لا التقييد.

هذا هو تحقيق المقام، و لا إشكال لنا على كل من هؤلاء الأعلام لاختلاف مبناهم، و انما إشكالنا على من يرى ان العموم بالأداة و يقرّ هذه المقدمة للوجه المزبور. فلاحظ.

ثم انه قد أشرنا إلى ان المحقق الأصفهاني أقام البرهان على امتناع تعنون العام بعد التخصيص بعنوان زائد على عنوان العام.

و بيانه: ان موضوع البعث الحقيقي الموجود بوجود منشأ انتزاعه لا مقام له سوى مقام الإنشاء، فما يكون موضوعا للحكم في البعث الإنشائي يكون هو الموضوع للبعث الحقيقي، لأن الإنشاء انما يكون بداعي جعل الداعي، و يستحيل الإنشاء بداعي جعل الداعي إلى غير ما تعلق به، فإنشاء الحكم المتعلق بالصلاة يستحيل ان يكون داعيا للصوم، كما ان إنشاء الحكم المتعلق بإكرام العالم يستحيل ان يكون داعيا لإكرام غيره.

و عليه، فبما ان الحكم المنشأ بالدليل العام أنشئ على الموضوع العام، فيستحيل ان يتقيد بورود المخصص بقيد آخر لاستلزامه اختلاف موضوع البعث الإنشائي عن موضوع البعث الحقيقي، و قد عرفت انه ممتنع. و قد ذكر بعد ذلك: بان يشهد لما ذكرنا مضافا إلى البرهان، ان المخصص إذا كان مثل:

«لا تكرم زيدا العالم» لا يوجب إلا قصر الحكم على ما عداه، لا على المعنون‏

349

بعنوان ما عدا زيد أو شبهه‏ (1).

و ما أفاده (قدس سره) لا يمكننا الالتزام به لوجهين:

الأول: النقض عليه بما إذا كان الوصف المأخوذ في الكلام غير دخيل في ثبوت الحكم أصلا، و انما كان معرفا لما هو الموضوع الحقيقي، فان مثل ذلك يقع كثيرا في الأحكام.

الثاني: انه لا مانع من ان يكون موضوع الحكم الواقعي غير المذكور في الكلام إذا كان ممّا يتعارف تفهيم الواقع به و قابلا لإرادته منه، و ذلك كقول القائل: «أكلت الخبز» و هو يقصد أكل الفرد الخاصّ من الخبز، لأنه هو الّذي يقع عليه الأكل لا الطبيعي، مع ان لفظ الخبر موضوع للطبيعي، فأراد الفرد الخاصّ من باب إطلاق الكلي على فرده.

و عليه، ففيما نحن فيه حيث ان العام يدل على الباقي، و لذا كان حجة فيه بعد التخصيص بلا كلام، أمكن ان يكون موضوع الحكم هو الباقي بما انه معنون بعنوان خاص كالفقيه أو نحوه و ان لم يؤخذ ذلك لفظا، لقابلية اللفظ لتفهيم هذه الحصة- كما هو المفروض- فيمكن ان تراد منه من باب إطلاق الطبيعي و إرادة فرده، فان الفقيه- مثلا- فرد الباقي.

و ممّا ذكرنا يظهر انه لا مجال للنقض بان يستحيل الانبعاث نحو الصوم إذا أمر بالصلاة و نحو ذلك، لأن الصوم لا يقبل التفهيم بلفظ الصلاة و لا يصح إرادته منه فلا يتحقق الانبعاث نحوه قهرا للجهل بإرادته و عدم ما يدل عليه.

هذا كله فيما يرتبط بالبرهان.

و اما ما استشهد به (قدس سره) من المثال على عدم التعنون، فان كان ناظرا إلى كون التخصيص بغير زيد بنحو القضية الخارجية، فهو مسلم و لكنه‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 341- الطبعة الأولى.

350

ليس محل البحث. و ان كان ناظرا إلى كونه بنحو القضية الحقيقية، فهو أول الكلام، بل لمدّع ان يدعي بتعنون العام بعنوان زيد. فلاحظ.

و اما تنظير المحقق العراقي- في بحث التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية- باب التخصيص بصورة موت أحد افراد العام فقد تقدم ما فيه فلا نعيد.

تنبيه: قد تقدم منا الإيراد على المحقق العراقي، بان قصر الحكم يلازم تضييق الموضوع بالبيان المتقدم الّذي ذكره المحقق النائيني، و قد عرفت انه لا يتم بناء على مذهب العراقي في العموم من كونه مفاد الأداة لا مقدمات الحكمة.

و عليه، فنرفع اليد عن هذا الإيراد، لكنه لا ينفع المحقق العراقي في تقريب التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية، إذ يعلم بقصر الحكم على بعض افراد العام و ان لم يكن بعنوان زائد على عنوان العام، و يعلم بخروج بعضها عن حكمه، فمع التردد في فرد أنه من الخارج أو الباقي لا يكون العام حجة فيه، لأنه حجة في غير عنوان الخاصّ. فتدبر جيدا.

المقدمة الثانية: ان العنوان الخاصّ إذا كان من قبيل الأوصاف القائمة بعنوان العام، سواء كان من العناوين المتأصلة أو الانتزاعية، فلا محالة يكون موضوع الحكم بعد التخصيص مركبا من المعروض و عرضه القائم به، أعني به مفاد ليس الناقصة المعبر عنه بالعدم النعتيّ.

و السرّ في ذلك: هو ان انقسام العام باعتبار أوصافه و نعوته القائمة به انما هو في مرتبة سابقة على انقسامه باعتبار مقارناته، فإذا كان المخصص كاشفا عن تقييد ما بمقتضى المقدمة الأولى، فلا بد من ان يكون هذا التقييد بلحاظ الانقسام الأولي، أعني به الانقسام باعتبار أوصافه، فيرجع التقييد إلى ما هو مفاد ليس الناقصة، إذ لو كان راجعا إلى التقييد بعدم مقارنته لوصفه بنحو مفاد ليس التامة ليكون الموضوع في الحقيقة مركبا من عنوان العام و عدم عرضه‏

351

المحمولي، فاما ان يكون ذلك مع بقاء الإطلاق، بالإضافة إلى جهة كون العدم نعتا، ليرجع استثناء الفساق من العلماء في قضية: «أكرم العلماء الا فساقهم» إلى تقييد العلماء بان لا يكون معهم فسق سواء كانوا فاسقين أم لا. أو يكون ذلك مع التقييد من جهة كون العدم نعتا.

و كلا الوجهين باطلان:

اما الأول: فلأنه محال، للتدافع بين الإطلاق من جهة العدم النعتيّ و التقييد بعدم المحمولي.

و اما الثاني: فلان التقييد بالعدم المحمولي لغو بعد التقييد بالعدم النعتيّ لكفايته عنه‏ (1).

و قد أورد على ذلك بوجهين:

الأول: انه يستلزم إنكار جميع الموضوعات المركبة التي يمكن إحراز أحد اجزائها بالوجدان و الآخر بالأصل، لجريان الترديد المتقدم فيها، فلا يكون هناك موضوع مأخوذ بنحو التركيب، بل تكون الموضوعات دائما مأخوذة بنحو التوصيف.

بيان ذلك: ان مقارنة كل جزء مع الجزء الآخر أو تعقبه به من أوصافه و نعوته، فيكون الانقسام باعتبارها متقدما رتبة على ذات الجزء، لأنه من مقارناته.

و عليه، فنقول: ان تقييد الجزء بوجود الجزء الآخر اما ان يكون مع بقاء إطلاقه من جهة مقارنته للجزء الآخر، فيكون الجزء الآخر معتبرا سواء قارنه الجزء أو لا أو مع تقييده بمقارنته بالجزء الآخر. فعلى الأول يتحقق التدافع بين الإطلاق من جهة المقارنة و التقييد من جهة نفس الجزء. و على الثاني يكون التقييد بنفس الجزء لغوا، لكفاية التقييد بالمقارنة عنه، مثلا- في باب الصلاة- إذا قيد الركوع‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 466- الطبعة الأولى.

352

بالسجود اما ان يكون مطلقا من جهة تعقبه بالسجود، فيتحقق التدافع. أو مقيدا بتعقبه بالسجود، فيكون التقييد بنفس السجود لغوا.

الثاني: ان تقييد موضوع الحكم أو متعلقه بما يلازم امرا آخر خارجا، لا يبقى مجالا لتقييده بذلك الأمر، و لا إطلاقه بالإضافة إليه، فمع تقييد الصلاة بان تكون إلى القبلة فلا مجال لتقييدها بعدم كونها إلى دبر القبلة، كما لا مجال لإطلاقها بالإضافة إليه، بل يرتفع مجال التقييد و الإطلاق بذلك، و عليه فإذا كان التقييد بالعدم المحمولي ملازما للعدم النعتيّ، فلا مجال حينئذ للتقييد به، و لا الإطلاق بالإضافة إليه، بل ترتفع بذلك قابلية المورد للإطلاق و التقييد، كي يتأتى الترديد المزبور. كما هو الحال بالنسبة إلى التقييد بالعدم النعتيّ، فانه يرفع قابلية المورد للإطلاق و التقييد من جهة العدم المحمولي‏ (1).

أقول: إذا كان المراد من كلامه ما هو ظاهره من ان رتبة الوصف أسبق من رتبة المقارن، فمع التقييد بالمقارن اما ان يكون مقيدا بالوصف بنحو التوصيف. أو مطلقا. و الأول لغو و الثاني مستلزم للتهافت و التدافع. توجه عليه الإيرادان المذكوران، كما يتوجه عليه ثالثا: ان دعوى كون لحاظ الوصف أسبق رتبة من لحاظ المقارن دعوى بلا شاهد و لا مستند، إذ لا وجه للتقدم الرتبي للاتصاف على المقارنة.

و لكن يمكن توجيه كلامه بنحو لا تتوجه عليه هذه الإيرادات، بل تندفع بحذافيرها.

بيان ذلك: ان مرتبة الجزء المتقدمة على مرتبة الكل بلا إشكال، و الأمر الّذي يؤخذ جزء لا بد ان يلحظ في مرحلة جزئيته بالإضافة إلى جميع صفاته، لاحتمال دخل بعضها في جزئيته و ترتب أثره الضمني، إذ قد لا تكون ذات الجزء

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 469- هاشم رقم (1)- الطبعة الأولى.

353

بدون وصف خاص جزء و ذات أثر ضمني.

ثم بعد تكميل جهة جزئيته و أخذه جزء مطلقا أو مقيدا ببعض الصفات تصل النوبة إلى لحاظه بالإضافة إلى الاجزاء الأخرى و أخذه معها بلحاظ ترتيب أثر الكل، لما عرفت ان الجزء أسبق رتبة من الكل، فلحاظه بخصوصياته بما هو جزء في نفسه أسبق من لحاظه مع الاجزاء الأخرى الّذي هو عبارة أخرى عن لحاظ الكل.

و عليه، فيمكن ان يكون نظر المحقق النائيني- و ان لم يظهر من عبارة التقريرات- إلى هذا المعنى، و ان أخذ الموضوع مع عدم وصفه بنحو التركيب يستلزم أولا لحاظ الموضوع بكامل خصوصياته و في مرحلة جزئيته، فإذا فرض دخالة عدم الوصف في تأثيره كان مقيدا به و لم يكن مطلقا، و مع تقييده به أغنى عن أخذ عدم الوصف جزء، و لحاظه كذلك أسبق رتبة من لحاظه مع عدم الوصف بنحو المقارنة، لما عرفت من أسبقية الجزء رتبة من الكل.

و عليه، فلا يرد عليه الوجه الأخير، إذ عرفت الوجه في التقدم الرتبي المفروض فيما نحن فيه، و ليس المراد ان الشي‏ء بلحاظ أوصافه أسبق رتبة منه بلحاظ مقارنته كي يقال انه دعوى بلا دليل، بل مقصوده ان لحاظ الجزء بالإضافة إلى عوارضه أسبق من لحاظه بالإضافة إلى الاجزاء الأخرى.

كما يندفع الوجه الثاني، فان التقييد بكل منهما و ان أوجب رفع قابلية المورد للإطلاق و التقييد بالإضافة إلى الآخر، إلّا انه عرفت ان ملاحظته بالإضافة إلى أوصافه و تقييده بها وجودا أو عدما أسبق رتبة من ملاحظته بالإضافة إلى مقارناته، فلا تصل النوبة إلى أخذ العدم جزء.

و اما الوجه الأول، فيندفع بان وصف المقارنة وصف انتزاعي لا دخل له في التأثير إلّا بلحاظ منشأ انتزاعه، و هو ليس إلّا عبارة عن وجود أحد الجزءين عند وجود الآخر، و هذا ليس إلّا تركّب الموضوع من الجزءين.

354

هذا مع ان ما ذكر من لحاظ المقارنة يتأتى في كلا الجزءين، فانه كما يقال ان هذا الجزء بلحاظ مقارنته مع ذلك الجزء اما مطلقا فيلزم التدافع أو مقيدا فتلزم اللغوية كذلك يقال ان ذاك الجزء بلحاظ مقارنته مع هذا الجزء اما مطلقا فيلزم التدافع أو مقيدا فتلزم اللغوية. و بذلك يتعين الأمر بكلا الجزءين، لأن تخصيص أحدهما بالأمر ترجيح بلا مرجح، و هذا كما لو كان في كل من المتلازمين مصلحة ملزمة فانه يتعين الأمر بكليهما، لأن الأمر بأحدهما بالخصوص مع وجود المصلحة أيضا في الآخر ترجيح بلا مرجح- و لو كان كافيا- و هو ممتنع.

هذا و لكن يرد على التوجيه المزبور وجهان:

الأول: ان ملاحظة الموضوع مع عدم الوصف لا يلازم تقييده به، و ان كان دخيلا في التأثير، إذ يمكن ان لا يكون دخيلا في تحقق أثر الجزء، و لكنه دخيل في تحقق أثر الكل، فيكون الجزء مطلقا بالإضافة إليه بلحاظ جزئيته و اثره الضمني، و لكنه مقيد به لأخذه جزءا آخر بلحاظ أثر الكل و دخالته في تحققه، فلا ملازمة بين لحاظه و بين أخذه قيدا. كما لا منافاة بين إطلاق الجزء بلحاظ جزئيته بالإضافة إليه و تقييده به بلحاظ أثر الكل.

الثاني: ان عدم الوصف لو فرض انه دخيل في تأثير الجزء بما هو جزء، فغاية ما يقتضي ذلك هو تقييد الجزء به، اما انه يؤخذ بنحو التوصيف أو بنحو التركيب فهو أجنبي عن مفاد هذا البرهان، و لا ملازمة بين التقييد و بين أخذه بنحو التوصيف، كما اعترف به (قدس سره)، إذ عقد المقدمة الثانية لأجل إثبات ان التقييد بنحو التوصيف مع إثباته بالمقدمة الأولى ضرورة التقييد، فلو كان التقييد ملازما للتوصيف كانت المقدمة الثانية لغوا محضا.

و بالجملة: وقع الخلط بين الوصف و الاتصاف، و الّذي لا بد من ملاحظته في الجزء سابقا على لحاظ الكل هو أوصاف الجزء و هو لا يلازم أخذها- على تقدير دخالتها- بنحو الاتصاف. فتدبر جيدا.