منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
355

ثم ان السيد الخوئي (حفظه اللّه) التزم بما ذكره المحقق النائيني من: ان الموضوع المقيد بعرضه القائم به لا بد ان يؤخذ بنحو التوصيف في خصوص الوصف الوجوديّ، ببيان: ان العرض بما ان وجوده في نفسه عين وجوده في موضوعه، لأنه متقوم بالغير في قبال الجوهر القائم بنفسه، فإذا أخذ في موضوع الحكم فاما ان يؤخذ بلا تقييد له بموضوع خاص، كأن يكون موضوع الحكم زيد و العدالة أينما وجدت و لو في غيره. و اما ان يؤخذ مقيدا بموضوع خاص، كأن يكون موضوع الحكم زيد و عدالته. فعلى الأول يترتب الحكم عند وجود زيد و وجود العدالة و لو في غيره، لكنه خارج عن محل البحث، لأن محل البحث أخذ الشي‏ء و عرضه القائم به في الموضوع. و على الثاني فانما يترتب الحكم على تقدير وجود الوصف في ذلك الموضوع الّذي هو في الحقيقة وجود نعتي، لأن وجود العرض في نفسه عين وجوده في موضوعه، فوجود العدالة في زيد هو بعينه ثبوت العدالة له المعبّر عنه باتصاف زيد بالعدالة، و ما هو مفاد كان الناقصة (1).

و هذا الكلام مخدوش لوجهين:

الأول: ان قيام العرض بموضوعه إذا كان ملازما لأخذ الموضوع بلحاظ عرضه بنحو الاتصاف لجرى هذا الكلام في النحو الأول، و ذلك لأن المفروض أخذ العرض في موضوع الحكم، و المفروض انه يتقوم بغيره، فالمأخوذ هو العرض المتقوم بمحل ما، و هذا ملازم لأخذه بنحو الاتصاف بلحاظ مطلق المحلّ لا محل خاص.

الثاني: ان تقوم العرض بالذات لا يلازم أخذ الذات متصفة به و بنحو النعتية، فان حقيقة النعتية هي الوجود الرابط، و هو جهة زائدة عن أصل وجود العرض المعبر عنه بالوجود الرابطي.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 466 هامش رقم (1)- الطبعة الأولى.

356

و لأجل ذلك وقع البحث في مبحث المشتق فيما هو المصحح لحمل المبدأ على الذات- إذا كان المشتق بمعنى المبدأ-، مع بداهة قيام المبدأ بالذات، فانه يكشف عن ان جهة تقوم المبدأ بالذات تختلف عن جهة النعتية و الاتصاف المصححة للحمل.

و يمكننا تقريب المقدمة الثانية، و لكن ببيان لا ظهور له من عبارة التقريرات، و هو: ان الدليل المخصص لو كان يتكفل إخراج المبدأ، لكان للبحث في ان المأخوذ في عنوان العام بعد التخصيص عدمه النعتيّ أو المحمولي مجال، و لكن الأمر ليس كذلك، فان المخصص يتكفل إخراج العنوان الاشتقاقي، فهو مثلا يخرج عنوان الفاسق عن دليل وجوب إكرام العلماء لا الفسق، و عنوان الشرط المخالف للكتاب عن دليل نفوذ الشروط لا مخالفة الشرط.

و عليه، فإذا كان مقتضى المقدمة الأولى تقييد موضوع حكم العام بنقيض الخاصّ، فنقيض الفاسق «لا فاسق» و نقيض المخالف «اللامخالف»، و الموضوع يتقيد به لا بعدم الفسق أو عدم المخالفة.

و من الواضح ان تقيد الموضوع به يرجع إلى أخذه فيه بنحو الاتصاف النعتية كما هو ظاهر.

مع ان الإطلاق معناه ثبوت الحكم للموضوع كالعالم سواء كان فاسقا أو لم يكن فاسقا، فإذا خرج الفاسق ثبت الحكم لغيره جزما لأنه إذا ألغيت «السوائية» كان الحكم ثابتا للعالم إذا لم يكن فاسقا.

و لو تنزلنا و التزمنا بان التقيد بنقيض العنوان الاشتقاقي لا يلازم أخذه بنحو النعتية، فهو يكفي في منع استصحاب العدم الأزلي كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى.

و الّذي نذهب إليه هو منع استصحاب العدم الأزلي.

357

و لكن لا بالتقريب المزبور، بل ببيان آخر.

و توضيح ذلك: انه اما ان يلتزم بان العموم مفاد الأداة لا مقدمات الحكمة.

أو يلتزم بأنه مفاد الإطلاق و مقدمات الحكمة.

فعلى الأول، قد عرفت ان التخصيص لا يلازم تعنون العام بغير عنوان الخاصّ، بل غاية ما يتكفله الدليل المخصص هو إخراج بعض الافراد الموجب لقصر حكم العام على البعض الآخر من دون تغير في موضوع الحكم.

و عليه، فلدينا حصتان، إحداهما محكومة بحكم العام. و الأخرى محكومة بحكم الخاصّ. و الفرد المشكوك يدور امره واقعا بين ان يكون من افراد الحصة المحكومة بحكم العام، و ان يكون من افراد الحصة المحكومة بحكم الخاصّ، و من الواضح ان استصحاب العدم الأزلي لا يعين كون الفرد من إحدى الحصتين، و انه من الحصة المحكومة بحكم العام، الا على القول بالأصل المثبت.

و على الثاني، قد عرفت ان التخصيص يستلزم تقييد موضوع حكم العام، و لكن ذلك على إطلاقه ممنوع، لأن العنوان المأخوذ في دليل الخاصّ تارة: يكون من أحوال الفرد الواحد كعنوان الفاسق. و أخرى: يكون مفرّدا كعنوان الفارسية في العقد. و بعبارة أخرى: التخصيص تارة يكون أحواليا. و أخرى يكون افراديا.

ففي الصورة الأولى، يتقيد موضوع الحكم، فانه مع إخراج بعض حالات الفرد عن الحكم يمتنع ملاحظة الطبيعة بنحو الإطلاق، بل لا بد من ملاحظتها مقيدة بغير تلك الحال.

و بتعبير آخر: ان الفرد بما ان له حالتين، فلا بد من التفريق بينهما بتقييده بغير عنوان الخاصّ، فيكون موضوع الحكم هو العالم غير الفاسق، لعدم وجود الفرق ذاتا فيما بين ما هو محكوم بحكم العام و ما هو محكوم بحكم الخاصّ إلّا بلحاظ اختلاف الحالين و هو يلازم التقييد.

358

و في الصورة الثانية، لا يستلزم التخصيص نقيد موضوع حكم العام، بل يكون حكم العام واردا على جملة من الافراد و حكم الخاصّ واردا على جملة أخرى من الافراد و الفرق بينهما ذاتي فلا يكون التقييد قهريا ضروريا، فلا يتكفل التخصيص سوى إخراج بعض الحصص فيبقى حكم العام ثابتا للحصص الأخرى بعنوانه من دون تقيد بخصوصية أخرى. و لا يرد الترديد المزبور- أعني: «اما ان يكون مطلقا أو مقيدا»-، إذ لا معنى للإطلاق و التقييد في موضوع الحكم بلحاظ الافراد الأخرى، و لو كان له معنى تعين الإطلاق كما تقدم.

و بما ان موضوع الكلام هو الخصوصيات المفردة، لأن موضوع الكلام في الأوصاف اللازمة للذات من حين وجودها، لم يكن الدليل المتكفل لإخراج العنوان الأزلي موجبا لتقيد موضوع الحكم بخلافه و بنقيضه، و عليه كان الحال فيه هو الحال على المبنى الأول و الكلام فيه هو الكلام على الأول. فلا ينفع الأصل الأزلي في إثبات حكم العام للفرد المشكوك على كلا المبنيين في باب العموم.

و بالجملة: فأساس منع الأصل بهذا البيان هو منع المقدمة الأولى.

و لو تنزلنا و سلمنا استلزام التخصيص تقييد موضوع الحكم بنقيضه، فلا نسلم أيضا- جريان الأصل، لما عرفت من ان التخصيص يتكفل إخراج العنوان الاشتقاقي، و قد عرفت ان نقيضه مأخوذ بنحو النعتية، فنقيض المخالف للكتاب هو اللامخالف، فيتقيد موضوع النفوذ باللامخالف، و استصحاب العدم الأزلي لا ينفع في إثبات العنوان بنحو النعتية، بل عرفت الإشارة إلى انه يكفينا التشكيك في كيفية أخذه، و انه مأخوذ بنحو النعتية أو التركيب.

بيان ذلك: ان إثبات أخذ العدم بنحو التركيب إذا فرض انه عدم المبدأ كعنوان: «عدم المخالفة» أو: «عدم الفسق»- مع تردد الأمر فيه ثبوتا بين أخذه‏

359

بنحو العدم النعتيّ و أخذه بنحو العدم المحمولي-. و ترجيح الثاني على الأول انما يكون ببيان أنّ أخذه بنحو العدم النعتيّ يحتاج إلى مئونة زائدة، و ذلك لعدم صلاحية عدم الفسق في حد ذاته لأن يكون نعتا للذات، فيتوقف على ملاحظة التقييد بوصف انتزاعي، كوصف المقارنة للعدم، فيكون الموضوع هو الذات المقارنة لعدم الفسق- مثلا-. بخلاف ما إذا كان مأخوذا بنحو العدم المحمولي و بنحو التركيب لا التوصيف، فانه لا يحتاج إلى هذه المئونة، فمع تردد الأمر بين ما لا مئونة فيه و ما فيه المئونة يرجع الأول.

و هذا البيان لا يتأتى بالنسبة إلى عدم الوصف، كعدم الفاسق و عدم المخالف، إذ أخذه بنحو التوصيف لا يحتاج إلى مئونة زائدة، إذ يمكن ان يكون في نفسه نعتا للذات و محمولا عليها.

و عليه، فمع تردد الأمر بين أخذه بأحد النحوين- التوصيف و التركيب- لا طريق إلى تعيين أحدهما، و معه لا ينفع استصحاب العدم الأزلي، لعدم إحراز إثبات جزء الموضوع به للشك في أخذ العدم جزء أو وصفا.

هذا مع ما في البيان المتقدم من الإشكال، فان ترجيح ما لا مئونة فيه على ما فيه المئونة انما هو بلحاظ مقام الإثبات، بمعنى ان مقام الإثبات إذا تردد بين ما لا مئونة فيه و ما فيه مئونة إثباتا، كالتردد بين إرادة المطلق و المقيد من اللفظ، تعين الأخذ بما لا مئونة فيه إثباتا من الاحتمالين. و اما التردد بين ما لا مئونة فيه و ما فيه المئونة ثبوتا لا إثباتا، بان يكون أحد المحتملين مشتملا على خصوصية زائدة، فلا يلازم الأخذ بما لا مئونة فيه لعدم الدليل عليه، كما عرفت تحقيق ذلك أيضا في ما تقدم من صورة دوران امر العموم بين المجموعي و الاستغراق. فراجع.

و قد ذكر المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية بعد الإيراد على نفسه: بان الحاجة إلى الأصل انما هو للفراغ عن حكم الخاصّ، لا للإدخال تحت العموم، لصدق عنوان العام بلا حاجة إلى الأصل، و عنوان الخاصّ لا ينتفي‏

360

بالأصل المذكور، إذ الانتساب و كون المرأة من قريش لا يكون موضوعا بوجوده المحمولي بل بوجوده الرابط، فنفي كونه المحمولي ليس نفيا لعنوان الخاصّ حتى ينفي به حكمه، بل ملازم له، فالأصل بالنسبة إلى عنوان الخاصّ مثبت.- ذكر (قدس سره) بعد هذا الإيراد- ان الغرض من الأصل هنا و في أمثاله ليس نفي عنوان الخاصّ بدوا، بل الغرض هو إحراز عنوان مضاد لعنوان الخاصّ يكون داخلا في العموم فيثبت له حكم العام، و بمضادة هذا العنوان لعنوان الخاصّ ينفي حكم الخاصّ لكونه محكوما بخلاف حكمه، فالمترتب على الأصل مباشرة هو حكم العام الثابت بأي عنوان غير العنوان الخارج، و ثبوت حكم العام لهذا الموضوع المضاد للعنوان الخارج يوجب نفي ضده و هو حكم الخاصّ.

ثم أورد على نفسه و أجاب عنه بما لا يهمنا نقله. و لكن بعد جميع ذلك استشكل فيما أفاده صاحب الكفاية فقال: «التحقيق ان ما أفاده (قدس سره) من كفاية إحراز العنوان الباقي تحت العام في إثبات حكمه لا يخلو عن محذور، لأن العناوين الباقية ليست دخيلة في موضوع الحكم العمومي بوجه من الوجوه، فلا معنى للتعبد بأحدها ليكون تعبدا بالحكم العمومي حتى ينفي حكم الخاصّ بالمضادة».

و مرجع كلامه (قدس سره) إلى ان الإطلاق ليس في الحقيقة جميعا بين القيود، كي يرجع إلى دخالة كل قيد في الحكم، بل هو رفض القيود الّذي يرجع إلى نفي دخالة أيّ قيد في الحكم‏ (1).

و الّذي نستفيده من كلامه امران:

أحدهما: ما فرضه من كون النّظر إلى نفي حكم الخاصّ و لو بواسطة نفى إثبات حكم العام.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 342- الطبعة الأولى.

361

و ثانيهما: ما يظهر منه من تفسير عبارة الكفاية، بان العام بعد التخصيص يكون معنونا بكل عنوان غير عنوان الخاصّ.

و لنا معه في كلا الأمرين كلام:

اما الأول: فلان المنظور في الأصل الأزلي أولا و آخرا هو إثبات حكم العام به للمشكوك، و انه يؤدّي ثمرة أصالة العموم على القول بالتمسك بها في الشبهة المصداقية و يقلل أثر البحث الطويل العريض فيها، فلا موهم لكون ثمرة الأصل نفي حكم الخاصّ.

هذا مع ان الدليل المخصص قد لا يكون متكفلا لإثبات أي حكم، بل مفاده ليس إلّا نفي حكم العام عن بعض افراده، كما لو قال: «أكرم العلماء» ثم قال: «لا يجب إكرام فساقهم»، و منه تخصيص دليل نفوذ الشرط بالشرط المخالف للكتاب فان الشرط المخالف لا حكم له، بل هو غير نافذ. أو يكون متكفلا لما هو نقيض حكم العام فينتفي حكمه قهرا بثبوت حكم العام للفرد المشكوك بواسطة الأصل، و ذلك كالمثال المشهور في ما نحن فيه و هو مثال الحيض. فان العام يتكفل إثبات الحيض لكل امرأة لغاية الخمسين، و الخاصّ يتكفل تحديده إلى ستين بالنسبة إلى القرشية، فالتنافي بين الدليلين في تحديد الحيض لا في أصل حكمه، إذ لا تنافي بينهما بلحاظه، بل الاختلاف في تحديده بالخمسين- و هو مفاد العام- و نفي تحديده بها- و هو مفاد الخاصّ-، فمع إجراء الأصل و إثبات تحديد الحيض بالخمسين للمرأة المشكوكة ينتفي حكم الخاصّ قهرا، لأن ثبوت أحد النقيضين ملازم قهرا لنفي الآخر.

نعم قد يكون المخصص متكفلا لما هو ضد حكم العام، كما لو قال: «يجب إكرام العلماء» ثم قال: «يحرم إكرام النحويين»، و لكنه نستطيع نفي حكم الخاصّ بأصل البراءة بلا احتياج للأصل الأزلي.

فقد ظهر انه لا يحتاج في نفي حكم الخاصّ إلى استصحاب العدم الأزلي‏

362

في جميع هذه الصور، و انما يحتاج إليه في إثبات حكم العام. فلاحظ.

ثم ان ما أفاده من ان ثبوت حكم العام للموضوع المضاد للعنوان الخارج يوجب نفي ضده و حكم الخاصّ. غير مسلم و ذلك لأن إثبات حكم العام له ظاهرا اما يستلزم نفي حكم الخاصّ عنه واقعا. أو ظاهرا.

و الأول: ممنوع، إذ لا وجه له إلا عدم إمكان اجتماع حكمين متنافيين، و هو مندفع بما تقرر في محله من جواز اجتماع الحكمين المتنافيين إذا كان أحدهما واقعيا و الآخر ظاهريا.

و الثاني: ثابت في نفسه، إذ يكفي في عدم ثبوت حكم الخاصّ ظاهرا عدم الدليل عليه، لتوقف الحكم الظاهري على الدليل عليه.

هذا مع ان نفي حكم الخاصّ بالأصل القائم على إثبات حكم العام يتوقف على القول بالأصل المثبت، للملازمة بين أحدهما و عدم الآخر عقلا.

فتدبر.

و اما الثاني: فقد وافقه المحقق النائيني، و حمل عبارة الكفاية على ما عرفت و أورد عليه بإيرادين:

أحدهما: انه يتنافى مع بدء كلامه حديث نفي تعنون العام بعنوان خاص.

و ثانيهما: انه يلزم ان يكون العام معنونا بالعناوين المتضادة (1).

و لكن يمكن حمل عبارة الكفاية على ما لا يرد عليه إشكال، بان يقال:

ان مراده انه لا يتعنون بأيّ عنوان الا عدم كونه من الخاصّ، فالتخصيص لا يستلزم تقييد موضوع الحكم إلّا بمقدار عدم الخاصّ، و هذا العدم مأخوذ بنحو العدم المحمولي لا النعتيّ، و بنحو التركيب لا التوصيف، بقرينة ما يذكره بعد ذلك من جريان استصحاب العدم الأزلي و ترتب حكم العام عليه.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 473- الطبعة الأولى.

363

ثم ان المحقق النائيني استشكل في عبارة أخرى و هي قوله: «أو كالاستثناء من المتصل»، و جهة الإشكال هي: ان المخصص المتصل يوجب التصرف في الظهور التصديقي، و انعقاد الظهور رأسا في الخصوص، فكيف يذهب صاحب الكفاية إلى عدم استلزام التخصيص بالمتصل لتعنون العام و انه كالمنفصل؟! (1).

و يمكن دفع هذا الإشكال بما بيانه: ان المقصود بالتعنون هاهنا ما يرادف من أخذ القيد بنحو التوصيف و النعتية.

و عليه، فالمخصص المتصل على نحوين:

نحو يتكفل إخراج بعض العناوين عن حكم العام من دون ان يدل على التوصيف إثباتا، و هو كالاستثناء.

و النحو الآخر يتكفل الإخراج، و لكن يدل على التوصيف إثباتا نظير:

«غير» في مثل: «أكرم العلماء غير النحويين»، فالنحو الآخر يدل على أخذ العدم بنحو النعتية و التركيب.

اما النحو الأول فلا دلالة له على ذلك، بل غاية ما يقتضيه التخصيص المتصل هو تقيد العام بالعدم، اما انه مأخوذ بنحو النعتية فلا دلالة للكلام على ذلك، و قد عرفت ان التقييد لازم أعم لأخذ العدم بنحو التركيب و أخذه بنحو التوصيف. فمراد صاحب الكفاية من قوله: «أو كالاستثناء» هو النحو الأول، إذ عرفت ان النحو الثاني يقتضي إثباتا تعنون العام و أخذ العدم فيه بنحو النعتية.

و هذا التفصيل لا يتأتى في المخصص المنفصل لعدم إخلاله بظهور العام.

ثم ان المحقق العراقي ذهب إلى التفصيل في جريان الأصل الأزلي بين ما إذا كان العرض مأخوذا في رتبة متأخرة عن وجود الذات، و ما إذا كان‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 473- الطبعة الأولى.

364

مأخوذا في مرحلة نفس الذات لا وجودها. فيجري في الثاني دون الأول، و ذلك لأن نقيض الوصف الملحوظ عروضه على الوجود هو العدم في تلك المرتبة، لاتحاد المتناقضين في الرتبة، فلا يجوز ان يكون أحدهما في رتبة و الآخر في رتبة أخرى.

و عليه، فالعدم الأزلي الثابت في ظرف عدم الوجود لا يكون نقيضا للوصف العارض على الوجود، كي يكون استصحابه مجديا في نفي الأثر الثابت للوصف.

و اما في ما كان الوصف بلحاظ الذات، فالعدم الأزلي يكون نقيضا له، لأن نقيض المقيد أعم من نفي القيد و الذات و النسبة، فيترتب على استصحابه نفي أثر الوصف.

و لا يختلف الحال في كلتا الصورتين بين أخذ الوصف بنحو النعتية أو بنحو التركيب و المقارنة.

ثم استشكل فيما أفاده المحقق النائيني بعد حمله كلامه على التفصيل بين أخذ الوصف بما هو شي‏ء في حيال ذاته و أخذه بما هو قائم في الغير، فعلى الأول يجري استصحاب العدم الأزلي، لأنه نقيض نفس وجود الوصف، فينتفي به أثر الوجود. و على الثاني لا يجري لأن العدم الأزلي و في ظرف عدم الموصوف لا يكون نقيضا للوصف القائم بالذات، لتأخر الوجود القائم بالذات عن وجود الذات فلا يكون نقيضه الا العدم في ظرف وجود الذات‏ (1).

و لا يهمنا بيان جهة استشكاله في هذا الكلام.

و التحقيق: ان ما ذكره أجنبي عما هو محطّ النّظر في الاستصحاب الأزلي، فان محل الكلام بين صاحب الكفاية و النائيني- كما عرفت- في ان العدم المأخوذ

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 200- 203 طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

365

في موضوع الحكم هل هو مأخوذ بنحو العدم النعتيّ أو بنحو العدم المحمولي؟.

فالمفروض في كلامهما أخذ عدم الوصف في نفس الموضوع، فالاحتياج للاستصحاب المزبور لإثبات الحكم لا لنفي الحكم الثابت لوجود الوصف. فقد عرفت ان المنظور في الأصل الأزلي إثبات حكم العام و استحصال نتيجة أصالة العموم منه، لا انه من باب نفي موضوع الأثر كما هو محط كلامه، فالاستصحاب الّذي أوقع البحث فيه يشترك مع ما هو محطّ الكلام في الاسم فقط. و منه يظهر ما في توجيهه لكلام المحقق النائيني بما عرفت. فانه بعيد كل البعد عما هو محط نظر المحقق النائيني فراجع كلامه.

و إذا ظهر بوضوح عدم ارتباط كلامه (قدس سره) بما هو محط الكلام، فلا يهمنا حينئذ تحقيق مواقع النّظر في كلامه في هذا المقام الّذي أشرنا إلى بعض قليل منه، فانه لا يخلو عن إشكال في بعض جهاته:

كالتزامه بلا بدية كون نقيض الوجود النعتيّ هو العدم في ظرف وجود الذات للزوم اتحاد المتناقضين في الرتبة.

فانه التزام بلا وجه، إذ لا وجه للزوم اتحاد رتبة المتناقضين، لأن التقدم و التأخر الرتبي يكون بملاك خاص فقد يوجد في أحدهما دون الآخر. و عليه فنستطيع ان نقول: ان نقيض الوجود الرابط هو عدم الوجود الرابط لا العدم الرابط- كما عبر به المحقق الأصفهاني في بعض كلماته-، هذا مع استلزامه ارتفاع النقيضين في ظرف عدم الذات، و امتناع ارتفاعهما كامتناع اجتماعهما من الواضحات.

إيقاظ

: لا يخفى ان البحث في جريان استصحاب العدم الأزلي بلحاظ مبحث الاستصحاب صغروي، إذ بعد تحقيق كبرى الاستصحاب و نفي الأصل المثبت يقع الكلام في ان الأصل الأزلي مثبت أو لا.

و اما بلحاظ مبحث العموم، فهو كبروي، لأن البحث يقع في ان العدم‏

366

مأخوذ في موضوع حكم العام بنحو العدم النعتيّ فلا يجري الأصل، أو بنحو العدم المحمولي فيجري الأصل و يثبت حكم العام للمشكوك، و لأجل ذلك ناسب ذكره في مبحث العموم دون مبحث الاستصحاب.

و مما ذكرنا يظهر وهن ما ذكره بعض مراجع العصر من ان الأصل الأزلي لا يستفاد من أدلة الاستصحاب عرفا، كيف؟ و قد عرفت ما هو فيه من الدقة و العمق، فان عدم استفادته عرفا لا يمنع من جريانه لأن العرف مرجع في تشخيص المفاهيم لا في تعيين المصاديق، و قد عرفت ان البحث صغروي بلحاظ أدلة الاستصحاب.

فلو شخّص بالدقة و التأمل وجود قطرة بول في الإناء حكم بنجاسته و ان لم يرى العرف فيه بولا. فلاحظ و تدبر و اللّه سبحانه ولي العصمة و التوفيق.

انتهى مبحث استصحاب العدم الأزلي، و به ينتهي البحث العلمي في باب العموم و الخصوص، فان ما يليه من الأبحاث غير علمية دقيقة، و لأجل ذلك نكتفي بالتعرض في غالبها لمطلب الكفاية فيها و ما يدور حوله و في إطاره.

فصل‏

ذكر صاحب الكفاية انه قد يستظهر من البعض التمسك بالعمومات مع الشك في فرد من غير جهة احتمال التخصيص، كما إذا شك في صحة الوضوء أو الغسل بمائع مضاف، فيستكشف صحته بعموم مثل: «أوفوا بالنذور» إذا وقع متعلقا للنذر، فيقال: يجب الإتيان بهذا الوضوء وفاء للنذر لعموم وجوب الوفاء، و كل ما يجب الوفاء به يقع صحيحا للقطع بأنه لو لا صحته لما وجب الوفاء به.

و ليس هذا المعنى غريبا، بل هو واقع شرعا، فقد ورد صحة الإحرام قبل الميقات و الصوم في السفر إذا تعلق بهما النذر بهذا القيد.

و قد ناقشه صاحب الكفاية بان العمومات إذا كانت متكلفة لأحكام‏

367

العناوين الثانوية.

فتارة: يؤخذ في موضوعاتها أحد الأحكام الثابتة بالعنوان الأولي، كعموم وجوب إطاعة الوالد، فانه مأخوذ في موضوعه جواز المأمور به من قبل الوالد و عدم حرمته. و كعموم وجوب الوفاء بالنذر، فانه مأخوذ في موضوعه رجحان متعلقه و كونه طاعة.

و أخرى: لا يؤخذ في موضوعاتها حكم أصلا.

ففي النحو الأول: مع الشك في الحكم المأخوذ في موضوع الحكم الثانوي لا مجال للتمسك بالعموم و لا يتوهم عاقل صحة التمسك به. كيف؟ و الشبهة مصداقية بلحاظ نفس العام.

و في النحو الثاني: يتمسك بعموم الدليل في إثبات حكمه مع الشك في فرد فيثبت له الحكم بعنوانه الثانوي، فإذا كان محكوما بعنوانه الأولي بغيره وقعت المزاحمة بين المقتضيين، فيؤثر الأقوى منهما لو كان، و إلّا كان محكوما بحكم آخر كالإباحة فيما كان أحد المقتضيين مؤثرا في الحرمة و الآخر في الوجوب.

و اما مسألة نذر الإحرام قبل الميقات، و الصوم في السفر، فصحتهما لدليل خاص، و هو يوجه بأحد وجوه ثلاثة:

الأول: ان يكون الدليل كاشفا عن رجحانهما ذاتا في هذه الحال، و انما لم يؤمر بهما لمانع يرتفع بالنذر.

الثاني: ان يكون الدليل كاشفا عن تحقق رجحانهما بنفس النذر.

الثالث: ان يكون الدليل مخصصا لعموم ما دل على اشتراط الرجحان في متعلق النذر.

هذا ما أفاده صاحب الكفاية (1).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 223- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

368

و لا بد من التنبيه على امرين:

أحدهما: انه ما المراد بالعموم الّذي يظهر من البعض التمسك به، هل هو عموم: «وجوب الوفاء» مثلا- كما هو الظاهر-، أو عموم مشروعية الوضوء، فان كان المراد عموم وجوب الوفاء، فلا متوهم له و لا يلتزم به أحد. و ان كان عموم مشروعية الوضوء فالمقصود من الشك من غير جهة التخصيص ان كان هو الشك في شمول الدليل له في حد ذاته لإجماله و عدم إطلاقه فلا يتمسك به كما هو واضح.

و ان كان هو الشك في كونه مضافا و عدمه مع العلم بعدم شمول الدليل للمضاف، فهو شبهة مصداقية للمخصص، كما انه خلاف الفرض لأن الفرض انه يعلم انه وضوء بالماء المضاف.

اذن فلم نعرف المقصود من موضوع الكلام نفيا و إثباتا.

و ثانيهما: انه (قدس سره) التزم في القسم الثاني لا دلالة الأحكام الثانوية بوقوع التزاحم بين الحكمين الأولي و الثانوي.

و هذا لا يتلاءم مع ما سيأتي منه في بحث التعادل و الترجيح و غيره من تقدم دليل الحكم الثانوي على دليل الحكم الأولي بالنظر العرفي. فالتفت و لا تغفل.

فصل في العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصص.

و قد حدد صاحب الكفاية محل البحث، فذكر ان البحث في جواز العمل بالعامّ قبل الفحص عن المخصص و عدم جوازه، انما هو بعد الفراغ عن ان أصالة العموم معتبرة من باب الظن النوعيّ لا الشخصي، و انها معتبرة في حق المشافه و غيره، و عدم كون العام من أطراف العلم الإجمالي بالتخصيص، بعد الفراغ عن هذه الجهات الثلاثة نوقع البحث في جواز العمل بالعامّ قبل الفحص‏

369

و عدمه، ليكون البحث شاملا لجميع المباني و التقادير.

و منه يظهر ان الاستدلال على عدم جواز العمل بالعامّ قبل الفحص بعدم حصول الظن الشخصي قبله، أو عدم إحراز حكم المشافه قبله، أو لأجل العلم الإجمالي المانع من جريان أصالة العموم، ليس كما ينبغي لأن البحث كما عرفت بعد الفراغ عن جميع هذه الجهات.

ثم انه ذهب إلى عدم جواز العمل قبل الفحص إذا كان العام في معرض التخصيص كما هو الحال في عمومات الكتاب و السنة، و ذلك لأن العمل بأصالة العموم بلحاظ بناء العقلاء عليها، و لم يثبت بناء العقلاء على العمل بها قبل الفحص عن المخصص لو لم يقطع بعدمه.

و بالجملة: لو لم يقطع ببنائهم على عدم العمل بالعامّ قبل الفحص، فلا أقل من الشك فيه، و هو يكفي في التوقف لعدم الدليل حينئذ على العمل بالعامّ قبل الفحص.

و اما إذا لم يكن العام في معرض التخصيص كالعمومات الواقعة في المحاورات العرفية فلا إشكال في ثبوت السيرة على العمل بها قبل الفحص عن المخصص.

و ذكر بعد ذلك ان مقدار الفحص في المورد اللازم هو المقدار الّذي يخرج به العام عن المعرضية للتخصيص، إذ الملاك- على ما عرفت- في وجوب الفحص هو معرضية العام للتخصيص.

هذا ما ذكره في الكفاية (1)، و قد أطال المحقق النائيني (قدس سره) الكلام في المقام، و تعرض إلى بيان وجود العلم الإجمالي و أوقع البحث الطويل في انحلاله‏ (2)، و لا حاجة لنا في التعرض إليه، إذ سيأتي البحث عنه في محله و يوفى‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 226- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 480- الطبعة الأولى.

370

حقه، فما ذكره في الكفاية به الكفاية.

هذا بالنسبة إلى احتمال المخصص المنفصل.

و اما بالنسبة إلى احتمال المخصص المتصل، فقد ذكر صاحب الكفاية ان الظاهر عدم لزوم الفحص عنه، بل حاله حال احتمال قرينة المجاز، و قد اتفقت كلماتهم على عدم الاعتناء به مطلقا و لو قبل الفحص. انتهى ما أفاده في الكفاية (1).

و تحقيق الكلام فيه: ان صور الشك في القرينة المتصلة ثلاث:

الأولى: الشك في قرينية الموجود لفقد انه كما لو فقدت بعض كلمات الرسالة الموجهة إلى شخص بحيث يحتمل ان تكون دخيلة في تغيير ظاهر الكلام. و في هذه الصورة لا إشكال في التوقف عن العمل بظاهر الكلام الباقي.

الثانية: الشك في قرينية الموجود لإجماله، كما لو كان الكلام محتفا بما هو مجمل في معناه و احتمل اعتماد المتكلم عليه في تفهيم مرامه لصلاحيته للقرينية.

و الحكم في هذه الصورة هو التوقف كسابقتها و هو مما لا إشكال فيه.

الثالثة: ان يشك في مراد المتكلم، لاحتمال انه كان في نيّته نصب قرينة و غفل فلم يذكر القرينة، بل ذكر الكلام مجردا. و لا إشكال في جواز التمسك بالظاهر هاهنا و عدم الاعتناء بالاحتمال المزبور لأصالة عدم الغفلة. و لا معنى للفحص هاهنا للعلم بعدم القرينة، كما انه قد يتمسك بالكلام مع فقدان المتكلم و انتفاء موضوع الفحص كما في موارد الوصايا.

و إذا تبين حصر موارد الشك في القرينة المتصلة بهذه الصور الثلاث، و عرفت حكمها، تعرف انه لا وجه لإنكار لزوم الفحص مع احتمال القرينة المتصلة، لأنه اما لا يجوز العمل بالعامّ، و اما لا معنى للفحص كي ينفي لزومه.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 226- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

371

فتدبر.

ثم ان صاحب الكفاية ذكر ان الفحص هاهنا يختلف عن الفحص اللازم في باب الأصول العملية، فانه هاهنا عما يمنع عن الحجية و في الأصول العملية عما يتم الحجية، إذ بدونه لا حجة (1). و تابعة على ذلك المحقق النائيني‏ (2). و قد ناقشه المحقق الأصفهاني بمناقشة متينة (3). و الأمر سهل جدا بعد ان كان هذا البحث عديم الثمرة بالمرّة فلاحظ.

فصل‏

وقع الكلام في الخطابات الشفاهية في أنها هل تختص بالحاضر مجلس التخاطب أو تعم غيره من الغائبين و المعدومين؟. و قد ذكر صاحب الكفاية ان الكلام يمكن ان يقع في جهات ثلاثة:

الأولى: في صحة تعلق التكليف- الّذي يشتمل عليه الخطاب- بالمعدومين كما يصح تعلقه بالموجودين.

الثانية: في صحة مخاطبة غير الحاضرين من الغائبين و المعدومين.

الثالثة: في عموم الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب لغير الحاضرين من الغائبين، بل المعدومين، و عدم عمومها لهم بقرينة الأداة.

و ذكر ان النزاع في الجهتين الأوليتين عقلي و في الثالثة لغوي.

اما الجهة الأولى: فقد أفاد في مقام تحقيقها انه لا يصح تعلق التكليف الفعلي بالمعدوم عقلا، بمعنى بعثه أو زجره فعلا، لعدم قابلية المعدوم للانبعاث أو الانزجار فعلا، نعم يصح تعلق التكليف به بنحوين:

أحدهما: التكليف الإنشائي غير المشتمل على البعث و الزجر، فانه‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 227- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 480- الطبعة الأولى.

(3) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية- 345- الطبعة الأولى.

372

خفيف المئونة و لا مانع من تعلقه بالمعدوم فيصير فعليا حين تحقق شرائطه. و هذا نظير إنشاء الملكية في باب الوقف للبطون اللاحقة لتصير فعلية حين وجودها بنفس الإنشاء السابق.

و ثانيهما: ان يتعلق به التكليف الفعلي بقيد الوجود، بمعنى ان يتعلق التكليف الفعلي بالموجود الاستقبالي بهذا القيد، نظير الواجب المعلق، لكنه هاهنا بالنسبة إلى الموضوع لا المتعلق.

و من هنا يظهر انه لا وجه لإشكال المحقق الأصفهاني على صاحب الكفاية بأنه يصح تعلق التكليف بأمر استقبالي، و انه لا فرق بين تعلق التكليف بما لا يمكن تحققه الا في الاستقبال- كما هو مورد الواجب المعلق- و تعلقه بما لا يوجد إلّا في المستقبل‏ (1) فانه غفلة عن تعرض صاحب الكفاية له و إرادته من قوله: «و اما إذا أنشئ مقيدا بوجود المكلف و وجدانه الشرائط فإمكانه بمكان من الإمكان». فلاحظ و انتبه.

و اما الجهة الثانية: فقد ذكر انه لا يصح توجيه الخطاب الحقيقي إلى غير الحاضر، لأجل التقوم الخطاب الحقيقي بالتفات المخاطب، و هو مفقود في الغائب و المعدوم.

و اما الجهة الثالثة: فقد ذكر في تحقيقها: ان الأدوات ان كانت موضوعة للخطاب الحقيقي كان استعمالها فيه موجبا للتصرف في المدخول و قصره على الحاضرين، كما ان استعمال المدخول في العموم يكون قرينة على عدم استعمال الأداة في الخطاب الحقيقي. و اما إذا كانت موضوعة للخطاب الإنشائي، فلا تكون موجبة للتصرف في المدخول لصحة تعلق الخطاب الإنشائي بالغائب و المعدوم. و الظاهر انها موضوعة للخطاب الإنشائي الإيقاعي، و الاختلاف من‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 346- الطبعة الأولى.

373

حيث الدواعي كما هو الحال في بعض الصيغ الإنشائية، كأدوات الاستفهام و التمني و الترجي كما تقدم منه ذلك.

نعم، المنصرف منها عند إطلاقها هو الإنشاء بداعي الخطاب الحقيقي، لكنه مع عدم المانع عنه، و هو موجود في كلام الشارع للعلم بعدم اختصاص التكاليف المنشأة بمن حضر مجلس الخطاب. و قد استشهد على كونها موضوعة للخطاب الإنشائي بصحة إرادة العموم من مدخولها مع عدم ملاحظة علاقة و عناية.

و دعوى انه أمر ارتكازي تندفع: بأنه لا يلتفت إليه مع الالتفات و التفتيش، و لو كان ارتكازيا لعلم به بالالتفات، إذ لا طريق إلى معرفة انه ارتكازي الا ذلك.

ثم تعرض إلى توهم: ان وضع الأداة للخطاب الحقيقي لا يستلزم اختصاص المخاطبين بالحاضرين في خطاباته تعالى، لإحاطته بالموجود و المعدوم، و الكل لديه على حد سواء.

و دفعه: بان الإحاطة لا تلازم صحة الخطاب، إذ المانع من صحة الخطاب هو عدم قابلية المعدوم للمخاطبة و هي لا ترتفع بإحاطته جلّ شأنه.

ثم انه بعد كل هذا ذكر ان ما تقدم، يبتني على القول بان المخاطب بالخطابات الإلهية هو غير النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و اما إذا كان المخاطب حقيقة هو النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فلا محيص عن الالتزام باستعمال أدوات الخطاب في الخطاب الإنشائي- و لو كان بنحو المجاز- إذ مدخولها غير مقصود بالخطاب حقيقة كما هو الفرض، فلا بد ان يكون موردا لإنشاء الخطاب لا حقيقة.

هذا ما أفاده صاحب الكفاية في المقام‏ (1)، و قد نحا المحقق النائيني في‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 227- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

374

تحقيقه نحوا آخر، فأفاد (قدس سره): ان الكلام تارة يقع في القضايا الخارجية.

و أخرى في القضايا الحقيقية.

اما القضايا الخارجية، فالحق فيها اختصاص الخطاب بالمشافهين، لأن خطاب الغائب فضلا عن المعدوم يحتاج إلى تنزيل و عناية، و هو خلاف ظاهر الخطابات.

و اما القضايا الحقيقية- و هي القضايا المحكوم فيها على الموضوع المقدر الوجود كالقضايا الشرعية-، فالحق عموم الخطاب للغائب و المعدوم و الحاضر، كعموم الحكم ثبوتا لهم جميعا، إذ مخاطبة الغائب و المعدوم لا تحتاج إلى أكثر من تنزيلهما منزلة الموجود و هو حاصل، إذ به تتقوم القضية الحقيقية، فلا يدفعه الأصل لأنه ليس أمرا زائدا عن حقيقة القضية الحقيقية (1).

و قد أورد عليه السيد الخوئي‏ (2) تبعا للمحقق الأصفهاني‏ (3) بأنه لا يكفى في صحة خطاب المعدوم و الغائب تنزيلهما منزلة الموجود، بل يعتبر تنزيلهما منزلة الحاضر و هو أمر زائد على مقتضى القضية الحقيقية، فينفيه الأصل مع عدم الدليل عليه.

ثم ان صاحب الكفاية نقل للبحث ثمرتين و ناقشهما، فيكون البحث مما لا ثمرة له عملية، و هما:

الأولى: حجية ظهور الخطابات للمعدومين و الغائبين- بناء على عمومها لهم- و عدم حجيته بناء على عدم عمومها لهم.

و ناقشها:

أولا: بأنه تبتني على اختصاص حجية الظاهر بالمقصود افهامه و قد تقرر

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 490- الطبعة الأولى.

(2) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 5- 277- الطبعة الأولى.

(3) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين- نهاية الدراية 3- 219 هوامش الجزء الأول- الطبعة الأولى.

375

عدم الاختصاص.

و ثانيا: انه لو سلم اختصاص حجية الظاهر بالمقصود افهامه، فلا يختص المشافهون بكونهم مقصودين بالإفهام، بل الناس كلهم مقصودون به و ان لم يعمهم الخطاب.

الثانية: انه بناء على التعميم يصح التمسك بإطلاقات الخطابات القرآنية للمعدومين إذا وجدوا و لو اختلفوا مع المشافهين بالصنف، و بناء على عدم التعميم لا يصح التمسك لهم بالإطلاق، لأنها انما تتكفل حكم المشافهين فقط، فلا بد من تسرية الحكم لغيرهم من وحدة الصنف، لأنها موضوع قاعدة الاشتراك في الأحكام، لأن دليلها الإجماع و لا ثبوت له في غير مورد اتحاد الصنف.

و قد ناقشها: بان المقصود باتحاد الصنف هو الاتحاد في ما أخذ قيدا للحكم، و عليه فيمكننا إثبات اتحاد الصنف و نفي دخالة الأوصاف الموجودة في المشافهين المفقودة في غيرهم بإطلاق الخطاب من دون تقييد بالوصف، فان إرادة المقيد واقعا مع عدم البيان يكون مخلا بالغرض بالنسبة إلى الأوصاف القابلة للتبدل.

و عليه، فسواء قلنا بالتعميم أو بعدمه يمكن إثبات الحكم لغير المشافهين، و لو مع اختلافهم في الأوصاف التي لم تؤخذ قيدا في الحكم في لسان الدليل، لإمكان نفيها بالإطلاق‏ (1).

فصل‏

إذا ورد عام ثم ورد بعده ضمير يرجع إلى بعض افراده، فهل يستلزم تخصيص العام أو لا؟. و موضوع الخلاف- على ما ذكره في الكفاية- ما إذا وقعا في كلامين أو في كلام واحد مع استقلال العام بما حكم عليه في الكلام،

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 231- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

376

كما في قوله تبارك و تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ... إلى قوله: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ (1)- فان المراد بضمير بعولتهن المطلقات الرّجعيات- و اما إذا كان مثل:

«و المطلقات أزواجهن أحق بردهن» فلا شبهة في تخصيصه به، إذ ليس للعام حكم آخر كي يتخيل عمومه، بل ليس له إلّا الحكم الخاصّ فيخصص بلا كلام.

و قد ذكر صاحب الكفاية في مقام تحقيق الكلام: ان الأمر يدور بين التصرف في العام بإرادة خصوص المراد من الضمير الراجع إليه، و التصرف في ناحية الضمير اما بإرجاعه إلى بعض ما يراد من مرجعه- و هو العام-، أو بإرجاعه إلى تمامه بنحو المجاز في الإسناد، فيسند الحكم المسند حقيقة إلى البعض- يسند- إلى الكل مجازا. و المتعين هو العمل بأصالة العموم و إبقائه على عمومه، و ذلك لجريانها بلا معارض، إذ لا تجري أصالة الحقيقة في جانب الضمير للعلم بالمراد الجدّي منه، و أصالة الحقيقة انما تجري مع الشك في المراد، اما مع العلم بالمراد و الشك في كيفية الاستعمال فلا تجري أصالة الحقيقة لأن المتيقن من دليل أصالة الظهور هو الصورة الأولى‏ (2).

و قد وافقه المحقق النائيني في اختيار جريان أصالة العموم و عدم جريان أصالة عدم الاستخدام- التي جعلها هي المعارضة بدوا مع أصالة العموم-، و وجهه بوجوه ثلاثة:

الأول: ان الاستخدام انما يلزم من إرادة خصوص الرَّجعيات من الضمير لو كان العام المخصص مجازا ليكون الخاصّ معنى آخر للعام، و الصحيح خلاف ذلك كما عرفت، فليس هناك معنى آخر للعام يراد من ضميره كي يستلزم ذلك الاستخدام.

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 228.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 232- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

377

الثاني: ان أصالة عدم الاستخدام انما تجري مع الشك في المراد لا في كيفية الإرادة.

ثم أورد على نفسه: بأنه إذا كان لجريان أصالة عدم الاستخدام مع الشك في كيفية الإرادة أثر فلا مانع من جريانها، و ان لم يكن لها أثر في تعيين المراد للعلم به- و ما نحن فيه كذلك-، إذ جريانها يلازم تخصيص العام فيثبت بها، نظير جريان الأصل العملي لإثبات لازم مجراه، كما لو كان ثوب نجس فلاقته اليد مع الرطوبة و شك في انه هل طهر قبل الملاقاة أو لا؟. و كان الثوب عند الشك و العلم بنجاسته خارجا عن محل الابتلاء، فان استصحاب نجاسته يجري لإثبات نجاسة اليد و ان لم تكن نجاسته قابلة للتعبد لخروجه عن محل الابتلاء، و إذا صححنا ذلك في الأصل العملي فليكن الحل كذلك في الأصل اللفظي.

و أجاب عنه: بان نجاسة الملاقي من الآثار الشرعية لنجاسة الملاقى- بالفتح-، فاستصحاب نجاسته يترتب عليه نجاسة ملاقيه و يكون حاله حال استصحاب الأمر التكويني لإثبات أثره الشرعي مع انه في نفسه غير قابل للتعبد.

و اما تخصيص العام، فليس أثرا شرعيا لأصالة عدم الاستخدام، بل هو من ملازماته العقلية، فيكون أصل عدم الاستخدام بالنسبة إليه مثبتا، فلا بد من إثبات الملزوم في نفسه كي يثبت لازمه تبعا له، و قد عرفت عدم جريان الأصل في إثبات عدم الاستخدام في نفسه.

أقول لا ملزم لهذا التطويل في الإيراد و الجواب، إذ لنا ان نقول بان عدم جريان الأصل اللفظي مع العلم بالمراد و الشك في كيفية الإرادة ليس من جهة عدم ترتب الأثر عليه، بل من جهة ان المتيقن من دليله غير هذه الصورة، و انه لا دليل عليه في هذه الصورة إذ ليس بناء العقلاء على جريانه فيها، كما أشار إلى ذلك صاحب الكفاية في كلامه.

378

الثالث: ان المقال خارج عن مورد الاستخدام، إذ المستعمل فيه الضمير هو مطلق المطلقات لا خصوص الرجعيات، و إرادة الرجعيات كان بدليل آخر و هو عقد الحمل، فلا اختلاف بين المستعمل فيه العام و المستعمل فيه الضمير.

هذا ما أفاده (قدس سره) نقلناه ملخصا (1).

و تحقيق الحال ان يقال: ان المراد بالاستخدام تارة: يكون استعمال اللفظ في معنى و إرادة معنى آخر له من ضميره. و أخرى: يكون عبارة عن اختلاف المراد الجدّي من اللفظ و ضميره. فأصالة عدم الاستخدام على الأول تفيد وحدة المستعمل فيه الضمير مع اللفظ. و على الثاني تفيد وحدة المراد الجدي منهما و لو مع اختلاف المستعمل فيه.

و عليه، فنقول: ان أصالة العموم لا تعارضها أصالة عدم الاستخدام بالمعنى الأول، و ذلك لما تقدم من ان الحق ان إرادة الخاصّ جدا من العام لا تستلزم استعمال العام في الخصوص لانفكاك المراد الاستعمالي عن المراد الجدي.

و عليه، فالاستخدام ثابت سواء أريد من العام العموم أو الخصوص، لاستعماله في العموم على كلا التقديرين فلا وجه حينئذ لإجراء أصالة عدم الاستخدام، فأصالة العموم تكون بلا معارض.

و اما أصالة عدم الاستخدام بالمعنى الثاني، فقد ادعى: ان مستندها هو ان وحدة المراد الجدي من الضمير و مرجعه من الظهورات السياقية. و عليه فيحصل التعارض بينها و بين أصالة العموم، لاختلاف مؤداهما، فلو لم تكن مقدمة على أصالة العموم كانت معارضه و تكون النتيجة هي التساقط، و النتيجة تكون هي التخصيص حكما.

و لكن يرد على هذا القول:

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 493- الطبعة الأولى.

379

أولا: ان الاستخدام بهذا المعنى لا يتأتى إلّا في باب العام و الضمير.

اما في مثل: «رأيت أسدا و ضربته» فلا وجه لأن يدعي وحدة الاستعمال بان يراد من: «أسد» و ضميره هو الحيوان المفترس، لكن يختلفان في المراد الجدي فيراد من أسد جدا الحيوان المفترس و يراد جدا من الضمير الرّجل الشجاع.

نعم، في ما نحن فيه يمكن تأتيه، فيكون المستعمل فيه العام و الضمير واحدا، و لكن يراد جدا من العام العموم و من الضمير الخصوص. اذن فلا معنى لتفسير الاستخدام بهذا الوجه لعدم تأتيه في مطلق الموارد التي يحتمل فيها الاستخدام.

فان قلت: يمكن تأتي هذا المعنى من الاستخدام في مثل: «رأيت أسدا و ضربته»، إذ يمكن استعمالهما معا في الحيوان المفترس و يراد من الضمير الرّجل الشجاع بنحو الحقيقة الادعائية.

قلت: هذا خلاف الوجدان، و ذلك لأن استعمال اللفظ الموضوع للطبيعي و إرادة الفرد انما هو من باب الإطلاق لا الاستعمال، إذ لا يستعمل لفظ: «الخبز» في: «أكلت الخبز» في الفرد المأكول بل يطلق عليه، فالحقيقة الادعائية عبارة عن إطلاق لفظ الأسد المستعمل في معناه الحقيقي على زيد بادعاء انه فرد للحيوان المفترس. ثم ان الواضح ان الضمير لا يستعمل في المعنى المراد من مرجعه، بل يستعمل في معناه المبهم و يراد به مرجعه بنحو الإطلاق.

فإرادة الرّجل الشجاع من الضمير بنحو الحقيقة الادعائية تستلزم تعدد الإطلاق و ان يكون هناك إطلاقان أحدهما إطلاق الضمير على الحيوان المفترس و الآخر إطلاق الحيوان المفترس على فرده الادعائي، و التعدد خلاف المرتكز في مثل هذا الاستعمال. فتدبر.

و ثانيا: ان ما ادعي لهذا الأصل من المنشأ و هو الظهور السياقي و عورض به أصالة العموم، امر لا أساس له عند العقلاء، بل وحدة المراد الجدي من‏

380

الضمير و مرجعه انما تستفاد في سائر الموارد من البناء العقلائي على مطابقة مقام الإثبات لمقام الثبوت و ان المراد الاستعمالي هو المراد الجدي. فانه إذا اتحد المراد الاستعمالي للضمير و مرجعه، فبضميمة هذا البناء العقلائي يستفاد وحدة المراد الجدي للضمير و مرجعه، و ليس لدينا وراء هذا الأمر أمر آخر نعبّر عنه بالظهور السياقي يبني عليه العقلاء في محاوراتهم، بل لا معنى له بعد أداء نتيجته بأصل آخر عقلائي لا تشكيك فيه.

و إذا اتضح هذا المعنى فنقول: في المقام حيث يعلم بالمراد الجدي من الضمير و انه يخالف المراد الاستعمالي لو كان عاما، فلا يجري فيه الأصل العقلائي المزبور، و انما يجري في طرف العام فقط، فكانت أصالة العموم في العام محكمة و لا مزاحم لها أصلا.

و النتيجة: ان أصالة العموم جارية و لا تزاحمها أصالة عدم الاستخدام بالمعنى الأول. هذا مع ما تقدم من المحقق النائيني من ان المستعمل فيه الضمير هو العموم فلا اختلاف فيه، فالمورد أجنبي عن الاستخدام بهذا المعنى. كما عرفت ان أصالة عدم الاستخدام بالمعنى الآخر لا أساس لها. فما اختاره صاحب الكفاية هو المتبع.

ثم ان صاحب الكفاية بعد ما ذكر ما عرفته قال: «لكنه إذا عقد للكلام ظهور في العموم بان لا يعدّ ما اشتمل عليه الضمير مما يكتنف به عرفا، و إلّا فيحكم عليه بالإجمال و يرجع إلى ما يقتضيه الأصول» (1). و لم يرتضه المحقق النائيني ببيان: ان ملاك باب اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية هو ان يكون في الكلام لفظ مجمل بحيث لو كان المتكلم متكلا عليه في بيان مراده لم يكن مخلا بالغرض، و هو غير متوفر فيما نحن فيه، إذ الجملة المشتملة على الضمير تتكفل‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 233- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

381

حكما غير الحكم الّذي تتكفله الجملة المشتملة على العام، فلا يصح للمتكلم الاتكال على جملة الضمير في مقام البيان‏ (1).

أقول: تحقيق الصحيح من هذين الكلامين يتضح عند التعرض لتحقيق أصل موضوع احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية في مبحث حجية الظواهر فانتظر و اللَّه سبحانه الموفق.

فصل:

ذكر صاحب الكفاية وقوع الاتفاق على جواز تخصيص العام بمفهوم الموافقة، و لعل الوجه فيه ما قيل: من ان المنطوق لا يعارض العموم و انما يعارضه المفهوم، فتقديم العموم على المفهوم اما ان يكون مع عدم التصرف في المنطوق أو معه، و الأول ممتنع لاستلزام المفهوم للمنطوق بنحو الأولوية، و الثاني يستلزم رفع اليد عما ليس بطرف المعارضة للعموم و هو لا وجه له، فيتعين تقديم المفهوم على العموم و تخصيصه بغير مورده. كما ذكر (قدس سره) وقوع الاختلاف في جواز تخصيص العام بمفهوم المخالفة و قال: «تحقيق المقام انه إذا ورد العام و ما له المفهوم في كلام أو كلامين، و لكن على نحو يصلح ان يكون كل منهما قرينة متصلة للتصرف في الآخر، و دار الأمر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم، فالدلالة على كل منهما ان كانت بالإطلاق بمعونة مقدمات الحكمة أو بالوضع، فلا يكون هناك عموم. و لا مفهوم لعدم تمامية مقدمات الحكمة في واحد منهما لأجل المزاحمة، كما في مزاحمة ظهور أحدهما وضعا لظهور الآخر كذلك، فلا بد من العمل بالأصول العملية فيما دار فيه بين العموم و المفهوم، إذا لم يكن مع ذلك أحدهما أظهر، و إلّا كان مانعا عن انعقاد الظهور أو استقراره في الآخر.

و منه قد انقدح الحال فيما إذا لم يكن بين ما دل على العموم و ما له المفهوم ذلك‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 495- الطبعة الأولى.

382

الارتباط و الاتصال، و انه لا بد ان يعامل مع كل منهما معاملة المجمل لو لم يكن في البين أظهر، و إلّا فهو المعوّل، و القرينة على التصرف في الآخر بما لا يخالفه بحسب العمل» (1). و المراد من كلامه (قدس سره) واضح لا يحتاج إلى بيان.

لكن يتوجه عليه:

أولا: ان تقديم المفهوم الخاصّ على العام امر مسلم فقهيا، فإيقاع البحث فيه لا نعرف وجهه، فهل يتوقف أحد في ان المولى إذا قال: «أكرم كل عالم» ثم قال: «أكرم كل عالم إذا كان عادلا» ان الدليل الآخر يكون مخصصا للعام بمفهومه؟.

و ثانيا: ان بيانه إجمالي و لا يتكفل حل المشكلة، إذ هو يتكفل بيان كبرى معروفة لكل أحد، و المهم تحقيق صغرى ما ذكره، فجعله ما ذكره تحقيقا للمقام ليس كما ينبغي.

و ثالثا: ان عمدة الوجه في ثبوت المفهوم هو الإطلاق، فترديده بين ان يكون المفهوم وضعيا أو إطلاقيا مستدرك.

ثم انه كان ينبغي بيان مركز التنافي بين العام و المفهوم، و هو دلالة المنطوق على الخصوصية الملازمة للمفهوم، فلا بد من علاج التنافي في هذا المقام، و ستعرف إن شاء اللّه تعالى عن قريب.

و قد تعرض المحقق النائيني (رحمه الله) إلى هذا البحث و أطال فيه الكلام، فتعرض أولا لبيان معنى مفهوم الموافقة و انه ما وافق المنطوق سلبا و إيجابا، و معنى مفهوم المخالفة و انه ما خالف المنطوق في السلب و الإيجاب، ثم تعرض إلى ان مفهوم الموافقة تارة يكون بالأولوية. و أخرى بالمساواة كما في موارد العلّة المنصوصة، و ذكر الاختلاف في مؤدّى مثل قوله: «الخمر حرام لأنه مسكر» و مثل:

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 233- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

383

«الخمر حرام لإسكاره»، و ان الأول يستفاد من عموم الحكم لمطلق المسكر دون الثاني، و بيّن وجه الاختلاف. و لا يهمنا التعرض إليه لعدم ارتباطه بما نحن فيه.

ثم تعرض لتحقيق البحث في مفهوم الموافقة بقسميه:

اما مفهوم الموافقة بالأولوية فذكر: انه قد يدعي تقدمه على العموم للوجه السابق الّذي عرفته في صدر البحث، و ناقشه (قدس سره) بان المنطوق كما يدل بالأولوية على حكم آخر مناف للعام كذلك العام يدل بالأولوية على ما ينافي حكم المنطوق. و ذلك لأن العام بعمومه ينفي الحكم عن مورد المفهوم فهو يدل بالأولوية على نفي حكم المنطوق. فيتحقق التعارض بين المنطوقين.

و عليه، فان كان المنطوق أخص مطلقا من العموم كما لو ورد: «لا تكرم الفساق» و ورد: «أكرم فساق خدّام العلماء» الدال بالأولوية على وجوب إكرام العلماء، كان المفهوم مقدما على العام و لو كانت النسبة بينهما هي العموم من وجه- كما في المثال-، لعدم إمكان رفع اليد عن المفهوم بنفسه، و لا يمكن رفع اليد عن المنطوق لأنه أخص مطلقا من العموم فيقدم عليه، فيكون المورد من موارد تقديم أحد العامين من وجه على الآخر لمرجح فيه.

و ان كان بين المنطوق و العام عموما من وجه كما لو ورد: «لا تكرم الفساق» و ورد: «أكرم خدام العلماء» الدال بالأولوية على وجوب إكرام العلماء.

فان قدم المنطوق على العموم في مورد التعارض كان المفهوم مقدما على العموم أيضا، و ان قدم العموم على المنطوق فخرج الخادم الفاسق عن المنطوق فلا يثبت بالأولوية الا وجوب إكرام العلماء العدول فلا تعارض بينهما حينئذ.

و اما مفهوم الموافقة بالمساواة فقد ذكر: ان الكلام فيه هو الكلام في سابقه بلا اختلاف في الحكم‏ (1).

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 498- الطبعة الأولى.

384

و قد أورد عليه المقرر (دام ظله): بأنه لا وجه للتفكيك بين قسمي المفهوم في البيان بعد ان كان حكمهما واحدا (1). و لا يخفى ان هذا الإيراد إيراد أدبي لا يرتبط بواقع البحث، مع انه لا وجه له لتعارض التفكيك في البيان لغرض الإيضاح، هذا لو لم يكن التفكيك البياني من المقرر نفسه في تقريره و إلّا فالإشكال عليه.

و الّذي يرد على المحقق النائيني (قدس سره) فيما أفاده في مفهوم الموافقة بالأولوية: ان مفروض الكلام أولا هو عدم المنافاة بين المنطوق و العام بذاتيهما أصلا، فدعوى المدعي لتقديم المفهوم كانت على هذا الأساس، ففرضه (قدس سره) كون نسبة المنطوق إلى العام نسبة الخصوص المطلق أو العموم و الخصوص من وجه خروج عن مفروض البحث، إذ التعارض فيما فرضه يكون بين المنطوق و العموم رأسا، فيتقدم عليه في الأول قهرا و يتساقطان مع عدم المرجح في الثاني.

و لا يحتاج حينئذ إلى ما أتعب به نفسه في إثبات منافاة العموم للمنطوق بالأولوية لأنه ينافيه بدلالته اللفظية و منطوقه. فالمثال الّذي يتناسب مع مفروض البحث هو ما إذا ورد: «لا تكرم العلماء» ثم ورد: «أكرم خدام الفقهاء غير العلماء» فانه يدل بالأولوية على وجوب إكرام أسيادهم الفقهاء، مع عدم التنافي بين المنطوقين بذاتهما أصلا، و نسبة المفهوم إلى العموم نسبة الخاصّ إلى العام. و مثل: «لا تقل لها أف» (2) الدال بالأولوية على حرمة ضرب الوالدين بالنسبة إلى دليل: «يجوز ضرب الأقارب»، لو فرض وجوده.

و تحقيق الكلام فيه: ان التعارض يكون في الحقيقة بين المنطوق و العام، إذ دلالة مثل: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (3) عقلا على حرمة الضرب، انها تكون باعتبار

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 500- الطبعة الأولى.

(2) سورة بني إسرائيل، الآية: 23.

(3) سورة بني إسرائيل، الآية: 23.

385

استفادة ان تحريم قول الأف باعتبار انه أضعف افراد الإيذاء، فانه يلازم عقلا حرمة الأقوى منه من افراد الإيذاء، و هو بهذه الدلالة المستلزمة عقلا لما عرفت، يتنافى مع عموم جواز ضرب الأقارب الشامل للوالدين، فان تجويز الفرد الأقوى يتنافى مع تحريم الفرد الأضعف- و إلّا فلا منافاة بحسب ذات المنطوقين لاختلاف موضوعيهما-، و هكذا الحال في المثال الأول، فان دليل: «أكرم خدام الفقهاء» حيث دل على وجوب إكرامهم لارتباطهم بالفقهاء لا لخصوصية فيهم، كان دالا بالملازمة العقلية على وجوب إكرام الفقهاء و منافيا لأجل ذلك لما دل بعمومه على حرمة إكرامهم.

و عليه، فإذا كانت المنافاة بين المنطوقين، فلا بد في تقديم أحدهما من ملاحظة الأقوى منهما و إلّا فيتساقطان، كالدليلين الدال أحدهما على وجوب إكرام زيد و الآخر على حرمته، فانهما يتنافيان باعتبار لازمهما العقلي و هو نفى الآخر و إلّا فمدلولاهما مختلفان.

و بالجملة: ما نحن فيه كسائر موارد المعارضة بالتباين، فيقدم الأقوى منهما ظهورا لو كان و إلّا تساقطا. فلاحظ.

و اما ما أفاده في المفهوم بالمساواة و عطفه على مفهوم الموافقة. ففيه: ان الدليل المتكفل لحكم المنطوق إذا كان يتكفل بيان التعليل، راجعا إلى بيان كلي على موضوع كلي، فالدليل يتكفل بيان حكمين أحدهما على الموضوع الخاصّ و الآخر على الموضوع العام. و عليه فلا بد من ملاحظة نسبة الحكم المنشأ بالعلة المنافي لعموم آخر لذلك العام، و إجراء القواعد المقررة المعلومة و لا وجه لفرض التعارض بين المنطوق و العام فانه خلف الفرض، إذ الفرض عدم منافاة المنطوق بنفسه للعموم، كما لو قال: «يحرم الفقاع لأنه مسكر» ثم قال: «يجوز شرب كل ما يتخذ من العنب»، فان النسبة بينه و بين الحكم بحرمة كل مسكر العموم من وجه، و لا ينافي المنطوق بوجه كما لا يخفى.

386

و بعد ان تعرض (قدس سره) إلى مفهوم الموافقة بما عرفت، تعرض إلى تحقيق الكلام في مفهوم المخالفة، فذهب إلى ان المستفاد من ظاهر كلام الشيخ (رحمه الله) التفصيل بين ما إذا كان العموم آبيا عن التخصيص فلا يخصصه المفهوم و ما إذا كان غير آب عنه فيخصصه، و جعل (قدس سره) بنائه على تقدم عموم العلّة في مفهوم النبأ على المفهوم، و عدم تخصيصه بالمفهوم من هذا الباب، لأن إصابة القوم بجهالة أمر مرغوب عنه شرعا و غير قابل للاختصاص بمورد دون آخر.

و اما بالنسبة إلى سائر العمومات الدالة على عدم جواز العمل بالظن، فبنى على تقدم المفهوم على العام لحكومته عليها، لأن خبر الواحد بدليل حجيته يخرج موضوعا عن العمل بالظن‏ (1).

و ناقشه (قدس سره) صدرا و ذيلا: بان الحكومة تجري في كلا الموردين و إلّا لامتنع تقديم المفهوم على غير عموم العلة من العمومات.

ثم انه (قدس سره) تعرض لدعوى التفصيل بين صورة اتصال العام بما له المفهوم فيقدم عليه و يمنع عن انعقاد ظهور الكلام في المفهوم. و صورة انفصاله عنه فيقدم المفهوم لأخصيته‏ (2). و ناقشها: بأنه يمتنع تقدم العام على المفهوم في صورة الاتصال، و انه يستحيل ان يكون العام مانعا عن انعقاد الظهور في المفهوم، و ذكر لذلك وجوها ثلاثة:

الأول: ظهور الكلام في المفهوم و ان كان بالإطلاق كظهوره في العموم، إلّا ان جريان مقدمات الحكمة في إثبات المفهوم أسبق رتبة من جريانها في العموم، فيكون ما له المفهوم حاكما على العموم، و احتفاف الكلام بما يصلح‏

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 72- 74- الطبعة الحجرية.

كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 210- الطبعة الأولى.

(2) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 72- 74- الطبعة الحجرية.

كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطارح الأنظار- 210- الطبعة الأولى.

387

للقرينية انما يمنع من انعقاد الظهور في غير موارد الحكومة.

الثاني: ان الاحتياج لمقدمات الحكمة في إثبات المفهوم لأجل نفي البدل و الشريك، اما رجوع القيد إلى الحكم لا إلى الموضوع- و هو مناط ظهور الكلام في المفهوم- فهو يستفاد من ظهور وضعي، و هو مقدم على الظهور الإطلاقي في جانب العموم، و لا يصلح هذا لمنع الظهور الوضعي، فيقدم على العموم لا محالة.

الثالث: ان المفهوم حيث يثبت من جهة ظهور الكلام الوضعي في رجوع القيد إلى الحكم، و ظهوره الإطلاقي في نفي البدل و الشريك، فتقدم العموم عليه لا بد و ان يكون منشؤه اما تصرفه في الظهور الأول أو الثاني. و كلاهما منتف، لأن الأول ظهور وضعي لا يقاومه ظهور العموم لأنه إطلاقي. و الثاني لا تعرض للعام لنفيه، إذ هو يتكفل جعل الحكم على موضوعه المقدر الوجود من دون تعرض لإثبات البدل و نحو ذلك. هذا خلاصة ما أفاده (قدس سره) (1).

تحقيق الكلام: ان جهة الإشكال و الشبهة التي كان منشأ لإيقاع البحث في تقدم المفهوم الخاصّ على العام و افراده في الكلام عن سائر الخصوصيات هي:

ان المفهوم انما يستفاد من دلالة المنطوق على خصوصية ملازمة للمفهوم كخصوصية العلية المنحصرة في الشرط، و بما ان الدلالة على هذه الخصوصية بالإطلاق، لم يناهض المفهوم العام، لأن الدال عليه هو الإطلاق و هو لا يتقدم على ظهور العموم، بل مقتضى القاعدة تقدم العموم عليه بناء على كون ظهوره وضعيا، و تقدم الخاصّ على العام ليس لدليل خاص كي يؤخذ بإطلاقه، بل لأجل أظهريته و هي منتفية في مورد كون الخاصّ مدلولا للإطلاق، بل يكون شأنهما شأن العامين من وجه.

و الجواب عن هذه الشبهة: ان تعارض الإطلاقين أو الدليلين اللذين بينهما

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 501- الطبعة الأولى.

388

عموم من وجه لا يلازم دائما سقوطهما، بل قد يلتزم بتقديم أحدهما لخصوصية، كما لو كان الالتزام بتقديم أحدهما في المجمع موجبا لإلغاء دخالة خصوصية أحدهما في الحكم بالمرة، كما يقال بتقديم ما دل على طهارة بول و خرء الطائر على ما دل على نجاسة بول و خرء غير مأكول اللحم مع ان بينهما عموما من وجه، ببيان: ان الالتزام بنجاسة بول و خرء الطائر غير مأكول اللحم و تخصيص الطهارة بالطائر المأكول اللحم يستلزم إلغاء خصوصية دخالة الطير في الطهارة، إذ مأكول اللحم طاهر مطلقا بلا خصوصية للطير و غيره، و هو ينافي ظهور الدليل في دخالة الطير في الحكم بالطهارة الّذي هو أقوى من الظهور الإطلاقي. و هذا البيان لا يتأتى لو قدم دليل طهارة بول و خرء الطير على الدليل الآخر كما لا يخفى. فيقدم هذا الدليل، لأن تقديم الدليل الآخر عليه يلازم طرحه بالنسبة إلى موضوعية العنوان المأخوذ فيه.

و فيما نحن فيه يجري نظير هذا البيان، و ذلك لأن الدليل المشتمل على الشرط- مثلا- ظاهر في حد نفسه في دخالة الشرط في ثبوت الحكم بنحو الإجمال، و إذا انضم إليه الإطلاق الدال على نفي العدل و الشريك تتم الدلالة على المفهوم. فإذا فرض تقديم العام كان ذلك ملازما لإلغاء ظهور دليل المفهوم في دخالة الشرط في ثبوت الحكم، إذ العموم ينفي دخالة القيود، و هذا الظهور ليس بإطلاقي كي لا يصلح لمصادمة العام.

و بالجملة: العام انما يصادم دليل المفهوم في دلالته على أصل دخالة الشرط في الحكم التي هي أسبق رتبة من دلالته على المفهوم. و دليل المفهوم بلحاظ هذه الدلالة أقوى من دلالة العام على العموم. فلاحظ.

و بهذا البيان ينحل الإشكال، و لذا لم يتوقف أحد عملا كما عرفت في تقديم دليل: «أكرم العلماء إذا كانوا عدولا» على دليل: «أكرم كل عالم».

و بهذا البيان لا بد من تحقيق الكلام، لا بالنحو الّذي سلكه في الكفاية،

389

أو بالنحو الّذي سلكه المحقق النائيني من تعرضه لصغرى من صغريات المورد، و البحث فيها مع الشيخ مع موافقته له في الكبرى، و عدم بيان نكتة تقديم الدليل الدال على المفهوم إذا كان منفصلا عن العام، بل اكتفي بمجرد الدعوى و إرساله إرسال المسلمات مع أنك عرفت قوة شبهة التوقف في التقديم، و كلامه مع الشيخ و ان كان لا تخلو عن بعض المناقشات لكن أهملنا التعرض لها إيكالا ذلك إلى محله فانتظر. فتدبر و اللّه سبحانه العالم الموفق.

فصل‏

إذا تعقب الاستثناء جملا متعددة، كما إذا قال المولى: «أكرم العلماء و أكرم التجار و أكرم الأدباء الا الفساق منهم»، فهل الظاهر رجوعه إلى الكل أو إلى خصوص الأخيرة أو لا ظهور له في أحد الأمرين؟.

و قد ذكر صاحب الكفاية انه لا إشكال و لا خلاف في تخصيص الأخيرة به على كل حال، إذ رجوعه إلى غيرها بالخصوص على خلاف طريقة أهل المحاورة، و لا إشكال في صحة رجوعه إلى الكل ثبوتا و ان تراءى من كلام المعالم‏ (1) وجود الإشكال فيه، و علّل عدم الإشكال ثبوتا في رجوعه إلى الكل بقوله: «و ذلك ضرورة ان تعدد المستثنى منه كتعدد المستثنى لا يوجب تفاوتا أصلا في ناحية الأداة بحسب المعنى، كان الموضوع له في الحروف عاما أو خاصا، و كان المستعمل فيه الأداة فيما كان المستثنى منه متعددا هو المستعمل فيه فيما كان واحدا كما هو الحال في المستثنى بلا ريب و لا إشكال، و تعدد المخرج أو المخرج عنه خارجا لا يوجب تعدد ما استعمل فيه أداة الإخراج مفهوما»، ثم تعرض إلى مقام الإثبات‏ (2).

أقول: الإشكال الثبوتي بحسب النّظر الأولي قوي و متين، و ذلك لأنه‏

____________

(1) العاملي جمال الدين. معالم الدين- 137- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 235- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

390

بناء على ان الموضوع له الحروف و الأدوات هو النسبة الكلامية- بتعبير المحقق النائيني‏ (1)-، و الوجود الرابط- بتعبير المحقق الأصفهاني‏ (2)- و قد عرفت اختياره، بناء على هذا الرّأي يمتنع استعمال الأداة في الاستثناء من جميع الجمل، لتعدد الربط بين المستثنى و المستثنى منه بتعدد المستثنى منه، و أداة الاستثناء موضوعة لخصوصيات الربط و واقعه، فيمتنع ان تستعمل و يراد بها الربط المتعدد لاستلزام ذلك استعمال اللفظ في أكثر من معنى و هو محال كما تقدم بيانه.

و بالجملة: الإشكال الثبوتي في رجوع الاستثناء إلى الجمل كلها هو استلزام ذلك لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى و هو محال.

و قد عبر المحقق الأصفهاني في مقام تقريب الإشكال، بان الأداة موضوعة للإخراجات الخاصة (3). و هو لا يتلاءم مع ما ذهب إليه من ان الموضوع له هو الوجود الرابط، و هو غير الإخراج الخاصّ فيما نحن فيه، بل هو النسبة الإخراجية الاستثنائية.

و قد يقال في دفع هذا الإيراد: انه انما يلزم لو كان الاستثناء من كل واحد واحد من الجمل على حدة و بنحو العموم الاستغراقي و اما إذا كانت العمومات ملحوظة في الاستثناء بنحو العموم المجموعي، بان يكون الاستثناء من المجموع لا من كل واحد واحد، فيكون طرف الربط واحدا لا متعددا، فلا تعدد للربط فلا يلزم المحذور المدعي‏ (4).

و يرد هذا القول ان أخذ المجموع طرفا للربط اما بلحاظ عنوان آخر منطبق على الكل، و الاستثناء منه. و اما بلحاظ نفس العمومات بنحو المجموع، و الاستثناء منها كذلك. و الأول: يتنافى مع الوجدان، إذ لا نرى عنوانا آخر أخذ

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 18- 23- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 16- 19- الطبعة الأولى.

(3) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 348- الطبعة الأولى.

(4) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 348- الطبعة الأولى.

391

طرفا للاستثناء. و الثاني: بعيد عن طريقة المحاورة العرفية، لاستلزامه ان يلحظ كل واحد من العمومات بلحاظين، أحدهما استقلالي في مقام تعلق الحكم به، و الآخر ضمني في مقام الاستثناء، و هو لو لم يكن محالا عقلا فلا أقل من انه تكلف لا دليل عليه.

و تحقيق الحال ان يقال: ان بعض الحروف لا يتكفل في بعض موارد استعماله بيان الربط بين مدخوله و المفهوم السابق عليه في الكلام، نظير ما يقال في مثل: «زيد في الدار» من ان طرف الربط ليس زيدا، بل هو مقدر مثل: كائن أو مستقر.

و قد يتكفل في بعض استعمالاته الربط بين المفهوم اللّاحق و السابق في الكلام مثل: «زيد في الدار جاءني» فان: «في» رابطة بين زيد و الدار في هذا المثال دون المثال الأول. و عليه فنقول: ان أداة الاستثناء تارة نقول: انها متكفلة لبيان الربط بين المستثنى و المستثنى منه. و أخرى نقول: انها لا تكون متكفلة لربط المستثنى منه، بل تتكفل بيان ربط المستثنى مع المستثنى- بالياء-، نظير الفعل الدال على الإخراج كقوله: «اخرج». فعلى الأول يتوجه المحذور بالبيان السابق، و على الثاني لا يتوجه الإشكال، إذ لا تعدد لطرف الربط كما لا يخفى.

و الّذي نبني عليه هو الوجه الثاني، لبداهة صحة الاستثناء من الجميع من دون توقف، فانه يكشف عن ان وضعها و مفادها يتلاءم مع ذلك، و ليس ذلك إلّا الوجه الثاني.

و إذا انتفى المحذور الثبوتي في رجوع الاستثناء إلى الجميع، يقع الكلام في مرحلة الإثبات. و لا كلام في معنى: «الا» و الخاصّ، انما الكلام و ما عليه تشخيص الظهور هو معرفة المراد بالضمير و تعيين مرجعه، فما هو المقصود من الضمير في قوله «الا الفساق منهم»؟ هل الجميع أو العام الأخير أو هو مجمل؟.

فنقول: ان الضمير يؤتي به للإشارة إلى معنى متعين، و لا يصح إرادة المعنى منه‏

392

من دون ان يكون معينا. فمع عدم سبق معنى بالمرة لا ذكرا و لا ذهنا، لا معنى لأن يقال: «هو كذا» إذ يتساءل ما المراد ب: «هو»؟ و يستنكر عليه مثل هذا الإبهام في مقام التفاهم. فالتعين لا بد منه في صحة استعمال الضمير.

و عليه، فتارة: يتحد المحمول و يتكرر ذكر العمومات فقط، بان يقال:

«أكرم العلماء و التجار و الأدباء الا الفساق منهم».

و أخرى: يتكرر المحمول سواء اتحد نوعه أم اختلف بدون عطف بان يقال: «أكرم العلماء، أضف التجار، احترم الأدباء الا الفساق منهم».

و ثالثة: يتكرر المحمول مع العطف بان يقال: «أكرم العلماء و أضف التجار و احترم الأدباء الا الفساق منهم».

ففي الصورة الأولى: يكون الضمير راجعا إلى الجميع، و ذلك لأنه المعنى المتعين الصالح لرجوع الضمير إليه، اما الخصوص الأخيرة فلا تعين له ذهنا من بين العمومات الأخرى، و كونه اقرب العمومات إلى الضمير لا يوجب التعين، و إلّا فالأبعد أيضا فيه خصوصية و هي الأبعدية. فلا يصلح العام الأخير لرجوع الضمير إليه، فيتعين رجوعه إلى الجميع.

و في الصورة الثانية: يتعين رجوع الضمير إلى الأخيرة، إذ بيان كل حكم بجملة مستقلة غير مرتبطة بسابقتها برابط يوجب كون الجملة السابقة في حكم المغفول عنها و المنتهى عن شئونها، و هذا الأمر يوجب نوع تعين للأخيرة من بين الجمل الأخرى السابقة عليها، إذ هي المعهودة فعلا دون السوابق لفرضها كالمغفول عنها، و على هذا جرت سيرة العرف، فانه إذا تعددت مطالب الكتاب أو الكلام الواحد المتصل، ثم الحق الاستثناء بأحدهما كان راجعا إليه و لا يلتزم برجوعه إلى جميع المطالب السابقة لأجل ذكرها، إذ الأخير له تعين من بينها يوجب صرف الضمير إليه فقط.

و اما الصورة الثالثة: يكون الكلام مجملا، إذ يحتمل ان يكون استقلال‏

393

الأخير في الحكم موجبا لتعينه عرفا من بينها، كما يحتمل ان يكون ربط الأخير بحرف العطف موجبا لعدم تعينه لكون الجميع بمنزلة الجملة الواحدة، فهي من جهة العطف يحتمل كونها كالصورة الأولى، و من جهة الاستقلال في الحكم يحتمل كونها كالصورة الثانية، فيكون الكلام مجملا، و لكن تخصيص الأخيرة قدر متيقن.

هذا غاية تحقيق الكلام، و قد عرفت ان موضوعه هو تعيين مرجع الضمير المذكور في الكلام أو المقدر، لوضوح إرادة استثناء العنوان المضاف إلى العام و ان لم يضف إليه لفظا و لأجل ذلك كان خاصا، فالمراد من: «أكرم العلماء الا الفساق» «الا فساقهم» و إلّا فعنوان الفساق عام و نسبته إلى العلماء نسبة العموم من وجه، فلا معنى لتخصيص العام به.

ثم انه لا يخفى على المتأمل ما في كلام المحقق النائيني من النّظر، حيث ذكر (قدس سره): ان الموضوع تارة يكون مكررا في الجملة الأخيرة. و أخرى لا يكون مكررا، بل هو يكون مذكورا في الجملة الأولى، كما إذا قال: «أكرم العلماء و أضفهم و أطعمهم الا فساقهم». ففي الصورة الأولى حيث ان عقد الوضع ذكر في الجملة الأخيرة فقد أخذ الاستثناء محلّه فيحتاج تخصيص غيرها إلى دليل آخر. و في الصورة الثانية رجع الاستثناء إلى الجميع لعدم ذكر الموضوع الا في صدر الكلام، فلا يصلح الاستثناء للرجوع الا إليه و إذا رجع إليه خصص الجميع لا محالة (1).

فإن ما ذكره غير تام في كلتا الصورتين. اما ما ذكره في الصورة الأولى فلان أخذ الاستثناء محله ليس امرا يحكم في باب الظهور و ما يفهم عرفا من الكلام كما لا يخفى، فهو استدلال خارج عن الطريقة الصناعية. و اما ما ذكره‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 496- الطبعة الأولى.

394

في الصورة الثانية فقد أورد عليه المحقق الأصفهاني: بأنه خلط بين «الا» الوصفية و «الا» الاستثنائية، فان الأولى لا ترجع إلى الضمير لأن الضمير لا يوصف. اما الاستثناء منه فلا مانع منه‏ (1).

و اما ما ذكره صاحب الكفاية من تشبيه المقام بصورة تعدد المستثنى‏ (2).

فهو ليس كما ينبغي و ذلك: لأن المستثنى تارة: يكون متعددا مصداقا، لكنه واحد بالعنوان، كعنوان: «الفساق». و أخرى: يكون متعددا عنوانا. فالأوّل: لا إشكال فيه لوحدة طرف الربط و لكنه لا يشبه المورد. الثاني: تارة يكون مع العطف كان يقول: «أكرم العلماء الا الفساق و النحويين». و أخرى بدون العطف.

فالأوّل: لا إشكال فيه، لأن الربط و ان تعدد لكن الدال متعدد أيضا، إذ هو في الأول أداة الاستثناء و في الثاني أداة العطف. فهو لا يشبه المورد من جهة تعدد الربط و وحدة الدّال المذكورة في الإشكال.

و الثاني: لم يثبت جوازه، بل محذور تعدد المستثنى منه يسري إليه و يرد فيه بلا تفاوت لتعدد الربط و وحدة الدال. فتدبر.

و الخلاصة: ان ما ذكرناه هو الّذي ينبغي ان يقال فان فيه تحقيق المقال [1].

فصل: [في جواز تخصيص العام الكتاب بخبر الواحد]

وقع الكلام في جواز تخصيص العام الوارد في الكتاب بخبر الواحد

____________

[1] تنبيه: قد عرفت ان الإشكال الثبوتي لا ينحل بما ذكر من رجوع الاستثناء إلى المجموع، لأنه يتصور بأحد نحوين كلاهما بعيدان عن طريقة المحاورة.

و لكن سيدنا الأستاذ (دام ظله) عدل عن ذلك- بعد البحث معه (مد ظله)- و التزم بإمكان رجوع الاستثناء إلى المجموع، لوجود عنوان واحد جامع للعمومات، و هو الضمير، فانه عنوان مبهم قابل للانطباق على الجميع كما عرفت. و عليه فيندفع المحذور الثبوتي بهذا الوجه أيضا، و ينحصر البحث حينئذ في تعيين مرجع الضمير. فلاحظ و تأمل جيدا و اللّه سبحانه الموفق. (منه عفي عنه).

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 294 من هوامش الجزء الأول- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 235- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

395

غير المحفوف بالقرينة القطعية، مع الاتفاق بجواز تخصيصه بالكتاب و بالخبر المتواتر و بخبر الواحد المحفوف بالقرينة القطعية.

و قد التزم صاحب الكفاية بجوازه بلا ارتياب لوجهين:

أحدهما: قيام سيرة الأصحاب على العمل بخبر الآحاد في قبال عمومات الكتاب إلى زمن الأئمة (عليهم السلام).

و ثانيهما: لزوم إلغاء الخبر أو ما بحكمه لندرة خبر لا ينافي عموم الكتاب لو سلم وجود ما لم يكن كذلك.

و قد قرب عدم جواز التخصيص به بوجوه:

أولها: ان العام الكتابي قطعي الصدور، و الخبر ظني السند فلا يقاوم العام.

و رده صاحب الكفاية: بان ذلك لا يمنع التصرف في دلالته الظنية، و إلّا لامتنع تخصيصه بالخبر المتواتر مع انه جائز بلا كلام.

و ذكر ان السرّ فيه: ان المعارضة بين أصالة العموم و دليل حجية الخبر، و بما ان الخبر بدلالته و سنده صالح للتصرف في أصالة العموم، لحكومته أو وروده عليها، لأنه رافع لموضوعها تعبدا، و لذا لو تيقن بمضمون الخبر يرتفع موضوع أصالة العموم تكوينا، كان الخبر مقدما على العام. و أصالة العموم لا تصلح للتصرف في أصالة الحجية لأنها لا ترفع موضوعها كما لا يخفى.

و ثانيهما: ان ما يدل على حجية الخبر هو الإجماع، و القدر المتيقن منه ما لا يوجد على خلافه دلالة و لو كان مثل عموم الكتاب.

و رده في الكفاية: بان الدليل لا ينحصر بالإجماع، كيف؟ و قد عرفت قيام السيرة على العمل بخبر الواحد في قبال عمومات الكتاب.

ثالثها: ما دل من الاخبار على وجوب طرح المخالف للكتاب من الاخبار، و ضربه عرض الجدار، و انها زخرف، و مما لم يقله الإمام (عليه السلام)، و هي كثيرة جدا.

396

و رده في الكفاية بوجوه:

الأول: ان المراد بالمخالفة هي غير المخالفة بنحو العموم و الخصوص، لأنها ليست مخالفة بنظر العرف، و لا يرى العرف تنافي الدليلين إذا كانا كذلك.

الثاني: انه لو لم نقل بانصراف المخالفة عن المخالفة بالعموم و الخصوص، فلا بد من كون ذلك للقطع بصدور الاخبار الكثيرة المخالفة للكتاب بهذه المخالفة.

الثالث: قوة احتمال كون المراد انهم (عليهم السلام) لا يقولون بغير قول اللّه تعالى واقعا و ان خالفه ظاهرا، لاطلاعهم على مراده الواقعي، و ما يرى من كونه مخالفا لا يعدو سوى التخيل لا الواقع.

رابعها: انه إذا جاز التخصيص جاز النسخ بخبر الواحد، لأنهما من واد واحد، إذ النسخ في الحقيقة تخصيص أزماني، و قد قام الإجماع على عدم جواز النسخ به، فيدل على عدم جواز التخصيص به.

و ردّه في الكفاية: بان عدم جواز النسخ به لقيام الإجماع، و هو لا يلازم الإجماع على عدم جواز التخصيص به و ان اشتركا في كونهما معا من التخصيص، لوجود الفرق و هو توفّر الدواعي إلى نقل النسخ و ضبطه دون التخصيص، فلا يكتفي في النسخ بالظن دون التخصيص.

هذا توضيح كلام الكفاية، و ليس فيه ما يحتاج إلى تطويل البحث الا ما ذكره في تفسير الروايات الآمرة بطرح المخالف للكتاب، و بما انه يقع البحث فيها في مبحث حجية خبر الواحد و مبحث التعادل و التراجيح فنوكل الكلام فيه إلى محله منهما. فتدبر (1).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 235- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

397

فصل: في دوران الأمر بين النسخ و التخصيص‏

. و قد ذكر في الكفاية ان الخاصّ و العام المتخالفين يختلف حالهما من حيث التخصيص و النسخ، فتارة يكون الخاصّ مخصصا. و أخرى يكون ناسخا. و ثالثة يكون منسوخا بالعامّ، و ذكر في بيان ذلك- بعد تسليم أمرين: أحدهما: امتناع التخصيص بعد وقت العمل بالعامّ لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة. و ثانيهما: امتناع النسخ قبل حضور وقت العمل- ان الخاصّ ان كان مقارنا مع العام أو بعده قبل حضور وقت العمل به كان مخصصا، و ان كان بعد حضور وقت العمل به كان ناسخا، إذ التخصيص يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، نعم يستثنى من ذلك صورة ما إذا لم يكن العام واردا لبيان الحكم الواقعي كما هو الحال في غالب العمومات الواردة في لسان الشرع، فانه يكون الخاصّ مخصصا له. و ان كان العام واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص دار الأمر بين كون الخاصّ مخصصا و كونه منسوخا، و يتحقق التصادم بين ظهور العام في العموم و ظهور الخاصّ في الدوام و الاستمرار، و بما ان التخصيص اشتهر و ذاع كان ظهور العام و لو كان وضعيا أضعف من ظهور الخاصّ الإطلاقي، و بذلك يتعين الالتزام بالتخصيص.

ثم انه تعرض لصورة الجهل بتاريخ ورود الخاصّ بعد العام و انه بعد العمل به أو قبله، و حكم بها بالرجوع إلى الأصول العملية، و لا تنفع كثرة التخصيص في ترجيحه، إذ غاية ما تستلزم، الظن بالتخصيص بلحاظ الغلبة و لا دليل على اعتبار هذا الظن.

ففرق بين الصورة السابقة و هذه الصورة، فان شهرة التخصيص تستلزم أقوائية أحد الظهورين على الآخر- في الصورة السابقة-. و ليس الأمر كذلك في صورة الجهل بالتاريخ لعدم الدوران بين الظهورين و التصادم بينهما.

398

ثم انه بعد ذلك ذكر ان تعين الخاصّ للتخصيص فيما لو ورد قبل حضور وقت العمل بالعامّ، أو ورد العام قبل وقت العمل بالخاص، يبتني علي امتناع النسخ قبل حضور وقت العمل، و إلّا فلا يتعين التخصيص، بل يدور امره بين النسخ و التخصيص، و لكن يلتزم بالتخصيص لأقوائية الظهور في الدوام من الظهور في العموم من جهة شهرة التخصيص و ندرة النسخ.

هذا ما أفاده صاحب الكفاية في المقام‏ (1).

تحقيق الكلام: ان المراد من تأخير البيان عن وقت الحاجة المحكوم بالقبح أحد وجوه ثلاثة:

الأول: تأخير البيان عن وقت العمل و الامتثال، كالإنشاء الفعلي لوجوب الجلوس في المسجد أمس، فانه عبث لغو، إذ الحكم المذكور لا يترتب عليه شي‏ء من الداعوية فيكون قبيحا.

الثاني: تأخير البيان عن وقت البيان، بمعنى تأخير البيان عن الوقت الّذي يكون المتكلم في مقام البيان، فانه قبيح أيضا لأنه خلف.

الثالث: تأخير البيان المفوت للمصلحة و استيفاء الغرض، فانه قبيح لأجل تفويت الغرض. و هذا غير مرتبط بالعامّ و الخاصّ، بل هو وجه سار في كل مورد من موارد عدم البيان المستلزم لذلك. كما لا يخفى.

و العمدة في وجه الإشكال في تأخير الخصوصيات هو الأول، فانه لا معنى للإنشاء الفعلي للأحكام الخاصة في الزمان الماضي، فتأخير التخصيص عن وقت الامتثال و العمل قبيح سواء كان الخاصّ متكفلا لحكم إلزاميّ أو ترخيصي، إذ بعد مضي الوقت لا يبقى مجال لإنشاء الإلزام أو الترخيص فيه لعدم ترتب الأثر المرغوب من جعل الحكم عليه.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 237- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

399

و لكن هذا الوجه مع أهميته و متانته مغفول عنه في كلمات الاعلام، و انما يتعرضون لوجهين الآخرين.

و الّذي يظهر من صاحب الكفاية إرادة الوجه الثاني، فان ما ذكره من تعين الخاصّ للنسخ إذا ورد بعد وقت العمل بالعامّ إذا كان العام واردا لبيان الحكم الواقعي دون ما إذا لم يكن واردا لذلك، ظاهر جدا في كون نظره في تأخير البيان هو الوجه الثاني.

و هكذا المحقق النائيني فانه تابعة في ذلك، لأنه و ان أورد عليه بعدم إمكان تكفل العام لبيان الحكم الظاهري، لكنه وافقه في ما هو المهم، و هو عدم تكفل العام لبيان الواقع فانه مشترك بينهما (1).

و على كل، فقد عرفت ان صاحب الكفاية ذهب إلى تعين الخاصّ للتخصيص في مورد دوران الأمر بين كونه مخصصا و ناسخا أو مخصصا و منسوخا، و علّله بأقوائية الظهور في الدوام على الظهور في العموم لشهرة التخصيص و ندرة النسخ.

و أورد عليه المحقق النائيني بوجوه عديدة:

منها: ان أصالة العموم من الأصول اللفظية، و أصالة عدم النسخ من الأصول العملية لأنها مفاد استصحاب عدم النسخ لا انها مفاد الإطلاق، إذ الدليل المتكفل لأصل الحكم لا يمكن ان يكون بنفسه متكفلا لإثبات استمراره لتأخر الاستمرار رتبة عن الحكم. و عليه فعند التعارض يتقدم الأصل اللفظي على العملي لحكومته عليه، فلا بد من الحكم بالنسخ لا بالتخصيص.

و قد اختار (قدس سره) التخصيص بوجه آخر، فانه بعد ان قدم مقدمات ثلاث، تعرض في الأولى منها بكلام الكفاية المرتبط بتكفل العام لبيان‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 506- الطبعة الأولى.

400

الحكم الظاهري. و في الثانية لبيان ان النسخ قبل وقت الحاجة معقول في الجملة و في بعض صور جعل الأحكام. و في الثالثة لبيان عدم قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا كان من عادة المتكلم ذلك، لمصلحة هناك، كما هو الحال في المولى الشرعي. بعد ذلك ذكر ان مجي‏ء الخاصّ المتأخر يمنع من جريان مقدمات الحكمة في العموم لصلاحية الخاصّ للتخصيص، و مع وجود ما يصلح للتخصيص و تقييد موضوع العام لا تتم مقدمات الحكمة، فأصالة العموم لا تكون جارية في نفسها عند ورود المخصص، لعدم المقتضي و هو مقدمات الحكمة لا لوجود المانع.

و لا يختلف الحال بين ان يكون الخاصّ متأخرا أو متقدما، بل فيه أولى لأبعدية احتمال النسخ فيه، إذ قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة لو سلم المانع من الالتزام بتخصيص الخاصّ المتأخر فلا يسلم قبح تقديم البيان عن وقت الحاجة.

فلاحظ (1).

و لكن ما أفاده لا يمكننا الالتزام به.

اما التزامه بان نفي النسخ مفاد الاستصحاب لا الإطلاق، فهو محل منع كما سيأتي الكلام فيه في محله، و خلاصة ما يدفع به: ان الدليل كما يتكفل بإطلاقه ثبوت الحكم لافراده الدفعيّة، كذلك له إطلاق يتكفل ثبوته لافراده التدريجية و هو معنى استمراره و هذا الوجه ذكره المحقق الأصفهاني (رحمه الله) أيضا (2).

و اما ما ذكره من ان مخصصية الخاصّ لأجل عدم تمامية مقدمات الحكمة، فلو سلم على مبناه من ان عدم النسخ و الاستمرار يثبت بالاستصحاب لا بالإطلاق- في الخاصّ المتأخر، فلا يسلم في الخاصّ المتقدم على العام، و ذلك لأن التنافي بين الخاصّ و العام انما يتحقق إذا كان زمان الحكمين متحدا، و عليه فلا

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 506- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 295 من هوامش الجزء الأول- الطبعة الأولى.

401

يكون الخاصّ المتقدم منافيا للعام إلّا إذا فرض ثبوت حكمه في وقت العام، و هذا انما يكون على مبناه بالاستصحاب، و إذا كان ثبوت حكم الخاصّ في وقت ورود العام بالاستصحاب لم يصلح لمناهضة أصالة العموم كما لا يخفى، فانه مما لا يتوهمه فاضل. فما أفاده (قدس سره) عجيب منه.

كما ان ما أفاده صاحب الكفاية من أقوائية الظهور الإطلاقي من ظهور العموم، يرد عليه:

أولا: انه انما ينفع في إثبات التخصيص بالنسبة إلى الخاصّ المتقدم لا المتأخر، و ذلك لوجود ظهور إطلاقي في الاستمرار يتكفله الخاصّ، و ظهور وضعي في العموم يتكفله العام.

و هذا غير متوفر في صورة تأخر الخاصّ، لأن ورود الخاصّ المتأخر موجب لانتفاء الإطلاق جزما، سواء لوحظ بالإضافة إلى ما بعد ورود الخاصّ كما هو واضح، أو لوحظ بالإضافة إلى حين وروده من حين ورود العام، لأنه اما ان يكون مخصصا فلا استمرار لعدم موضوعه أو ناسخا. و إذا تبين عدم الإطلاق المتكفل للاستمرار فلا دوران بين أصالة العموم و أصالة الإطلاق، بل القاعدة تقضي بجريان أصالة العموم لعدم المعارض.

و ثانيا:- أشار إلى هذا الإيراد بنحو الإجمال المحقق العراقي في مقالاته‏ (1)- ان كثرة التخصيص و ندرة النسخ متأخرة عن زمان ورود الخاصّ، بمعنى انه لم تكن ثابتة قبل ورود الخصوصيات بالنحو المزبور، بل هي ناشئة عن الالتزام بالتخصيص دون النسخ في الخصوصيات المزبورة، فلو التزم بالنسخ كان الأمر بالعكس.

و عليه، فلا بد من بيان علة الالتزام بالتخصيص دون النسخ من أول‏

____________

(1) العراقي المحقق الشيخ ضياء الدين. مقالات الأصول 1- 162- الطبعة الأولى.

402

الأمر و قبل تحقق الاشتهار المزبور، و لم يثبت في وجهه ما يستلزم أقوائية أحد الظهورين على الآخر، إذ لعل الالتزام بالتخصيص من جهة الالتزام بانقطاع النسخ و بيانه بموت الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) و عدم معقوليته حتى بنحو البيان من الأئمّة (عليهم السلام)، أو من جهة لزوم تذبذب الأحكام و الشريعة لو التزم بالنسخ في هذه الخصوصيات جميعها. و هذا المعنى لا يستلزم قوة الظهور كما لا يخفى.

و قد ذهب المحقق الأصفهاني (قدس سره) إلى عدم احتمال النسخ ببيان:

ان كلام الأئمة (عليهم السلام) كله بمنزلة كلام واحد، لأنه بيان لحكم اللّه الواقعي الثابت من أول الأمر لا انه تشريع فعلي للحكم. و عليه فلا تأخر و لا تقدم، بل الكل بمنزلة المقارن، فيتعين الخاصّ للتخصيص و لا يحتمل النسخ حينئذ (1).

و يتوجه عليه: ان الأمر و ان كان كذلك، فبيانهم (عليهم السلام) يكشف عن سبق جعل الحكم، لكن إثبات كون المجعول سابقا يحتاج إلى دليل، إذ يحتمل ان يكون ابتداء الحكم من حين بيان المعصوم (عليه السلام) و ان كان جعله سابقا، و لا طريق إلى جرّ الحكم إلى السابق و إثبات تحققه من أول الأمر سوى الإطلاق.

و عليه، يدور الأمر بين التصرف بأصالة العموم أو رفع اليد عن الإطلاق، إذ لو لا الإطلاق لا تعارض، فالدال على الحكم المنافي للعام هو الإطلاق فيتعارضان، فاحتمال النسخ ثابت كما لا يخفى.

و خلاصة الكلام: ان ما ذكره الاعلام الثلاثة (قدس سرهم) لم يوصلنا إلى حل سليم في المقام.

و التحقيق ان يقال: انه إذا التزم بامتناع النسخ في زمن الأئمة (صلوات اللّه عليهم) لانتهائه في زمن الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) حتى بنحو البيان، لم يكن لاحتمال‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 294- من هوامش الجزء الأول- الطبعة الأولى.

403

النسخ مجال حينئذ فيتعين الخاصّ للتخصيص، و ان التزم بإمكان النسخ في زمانهم (عليهم السلام)، اما لإمكان تشريعهم الأحكام ابتداء، أو لأجل بيانهم النسخ الثابت من السابق، كان احتمال النسخ في كل خاص ثابتا. لكن الالتزام بالنسخ في هذه المخصصات الكثيرة ممتنع لملازمته للالتزام بتذبذب الشريعة و عدم استقرارها بهذا النحو الغريب الّذي يلازم السخرية و الهزو لو كان صادرا في القوانين العرفية المبنية على الجهل بالواقع فضلا عن المولى الشرعي.

و عليه، فلا يدور الأمر بين النسخ و التخصيص في هذه المخصصات الواردة بالبيان المتعارف، نعم قد يدور الأمر بينهما في حكم خاص بيّن بنحو يتلاءم مع النسخ و التخصيص. و عليه فيتعين الالتزام بالتخصيص في هذه المخصصات.

و لكن في التخصيص بالخاص المتأخر محذور تقدمت الإشارة إليه و هو:

استلزامه تأخير البيان عن وقت العمل بيان ذلك: ان الدليل اما يتكفل إنشاء الحكم فعلا بوجوب العمل أو بالترخيص فيه فيما سبق من الأزمنة. أو يتكفل بيان ثبوته من السابق.

و الأول، لغو محض، إذ لا يترتب عليه ما يلحظ في التكليف من البعث أو إطلاق العنان لتصرم الزمان و مضيه، فلا معنى لإيجاب شي‏ء في الأمس أو الترخيص فيه.

و الثاني: ممتنع أيضا، إذ جعل الحكم في السابق مع الجهل به و عدم إمكان الجري على طبقه بوجه من الوجوه، لقيام الحجة على خلافه، و هي أصالة العموم الدالة على الحكم الإلزامي المنافي له، يكون لغوا قبيحا كما هو واضح.

و غاية ما نقوله في رفع المحذور المذكور هو: ان البداهة و الضرورة الفقهية قامت على عدم اختلاف الموضوع الواحد في الحكم في زمانين لا وحدة الحكم فيهما- نظير المتلازمين-.

404

و عليه، فالدليل الخاصّ الدال على ثبوت الحكم في مورد فعلا يدل بالملازمة على نفي غيره عنه في الزمان السابق، فينافي الدليل العام الدال على ثبوت غيره له سابقا، فإذا قدم الخاصّ لأقوائيته كان كاشفا عن عدم شمول العام لموضوعه من الأول. فالتنافي بين العام و المخصص بدلالته الالتزامية. فتدبر جيدا.

ثم ان صاحب الكفاية أوقع الكلام بعد ذلك في حقيقة النسخ و البداء (1).

و تبعه غيره في ذلك، و لكن رأينا الأولى عدم التعرض لذلك، لعدم دخالته في علم الأصول، و عدم القناعة بما ذكر له من الحلول، فنوكل علمه إلى أهله فان إثبات الشبهات غير محمود.

انتهى مبحث العام و الخاصّ، و يتلوه مبحث المطلق و المقيد.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 238- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).