منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج3

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
480 /
405

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

406

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

407

المطلق و المقيد

عرف المطلق: بما دل على شائع في جنسه، و قد أورد عليه: بعدم الاطراد و عدم الانعكاس.

و قد ذكر صاحب الكفاية- كما عادته في كل تعريف- ان هذه الإيرادات لا وجه لها، لأن التعريف يقصد به شرح الاسم لا بيان الحد أو الرسم‏ (1).

و لا يخفى انه لا أثر لذلك فالمتعين إهمال البحث فيه و إيقاع البحث في‏

الألفاظ المعدودة من المطلق‏

و نحوها و تعيين الموضوع له فيها.

و هي موارد:

الأول: اسم الجنس‏

، سواء كان اسما للجوهر كإنسان و رجل و فرس و حيوان. أو للعرض سواء كان متأصلا، كسواد و بياض. أو انتزاعيا، كالملك و نحوه. و عبّر صاحب الكفاية عن اسم الجنس للعرض الانتزاعي بالعرضي‏ (2)، كما عبر عنه بذلك في باب المشتق‏ (3) و أورد عليه هنا كما أورد عليه هناك: بأنه‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 243- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 243- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 40- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

408

خلاف اصطلاح أهل الفن، فانهم يصطلحون بالعرضي على العنوان الاشتقاقي، و بالعرض على المبدأ أعمّ من كونه انتزاعيا أو غيره.

و هذا ليس بمهم فيما نحن فيه، و انما المهم تحقيق الموضوع له اسم الجنس، و المنسوب إلى المشهور كونه موضوعا للطبيعة الملحوظ معها عدم لحاظ شي‏ء، المعبر عنها في الاصطلاح بالماهية لا بشرط القسمي. و اختار صاحب الكفاية كونها موضوعة للماهية المبهمة المهملة بلا شرط أصلا حتى لحاظ انها كذلك، ثم قال: «و بالجملة: الموضوع له اسم الجنس هو نفس المعنى و صرف المفهوم، الغير الملحوظ معه شي‏ء أصلا الّذي هو المعنى بشرط شي‏ء، و لو كان ذلك الشي‏ء هو الإرسال و العموم البدلي. و لا الملحوظ معه عدم لحاظ شي‏ء معه، الّذي هو الماهية اللابشرط القسمي»، و استدل على نفي وضعه للماهية بشرط الإرسال، انه لو كان كذلك لم يصدق على كل فرد من الافراد في نفسه مع وضوح صدقه عليه بما له المعنى بلا عناية. كما استدل على نفي وضعه للماهية بنحو اللابشرط القسمي، بان المفهوم اللابشرط القسمي موجود ذهني لتقيده باللحاظ، فيمتنع صدقه على الفرد الخارجي إلّا بالتجريد، مع انّه يصدق عليه بلا مسامحة و عناية (1).

و قد تعرض المحقق الأصفهاني إلى بيان اعتبارات الماهية، و انها تارة:

يكون النّظر مقصورا فيها على ذاتها و ذاتياتها من دون لحاظ أي امر خارج عنها معها، و هي المعبر عنها بالماهية بما هي هي، التي لا يحمل عليها الوجود و العدم و غير ذلك، بل هي ليست إلّا هي. و أخرى: تلاحظ بالإضافة إلى امر خارج عن ذاتها و ذاتياتها، و هي بهذا الاعتبار تارة: تقيد بوجود ذلك الأمر الخارجي.

و أخرى: تقيد بعدمه. و ثالثة: لا تقيد بأحدهما، و يعبر عنها بالماهية اللابشرط

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 243- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

409

القسمي. و يعبر عن الثاني بالماهية بشرط لا. و عن الأول بالماهية بشرط شي‏ء.

كما يعبر عن المعنى الجامع لهذه الاعتبارات الثلاثة الّذي لا تعين له بدون أحدها باللابشرط المقسمي، فاللابشرط المقسمي غير الماهية المبهمة و بما هي هي‏ (1)، كما تعرض المحقق النائيني إلى تقسيم البشرطلا إلى قسمين‏ (2).

و لا يخفى ان التعرض إلى هذه التقسيمات، و بيان المصطلح على كل منها، و الإيراد و النقض في صحة إطلاق بعض المصطلحات على بعض هذه الاعتبارات، امر لا يرتبط بما نحن فيه، و ما نرومه، فان الّذي نحاول البحث فيه و تحقيقه جهتان:

الأولى: بيان الموضوع له اسم الجنس، و انه هل الماهية اللابشرط القسمي أو لا؟ و الأثر فيه، انه إذا كان الموضوع له هو الماهية اللابشرط القسمي، فلو وقع موضوعا للحكم يستفاد عموم الحكم لجميع الافراد من الوضع لا بالقرينة، بخلاف ما لو لم يكن موضوعا لها فانه يستفاد العموم من القرينة.

و الثانية: بيان ان حقيقة اللابشرط القسمي و واقعه هو رفض القيود أو الجمع بينها، فقد تكرر هذا الحديث منا تبعا للمحقق الأصفهانيّ من دون تحقيق الحال فيه.

و من الواضح ان معرفة كل من الأمرين لا تتوقف على التقيد بمصطلحات اعتبارات الماهية، بل هو يرتبط بواقع الماهية و الاعتبار.

و البحث في الجهة الثانية نوكله إلى ما بعد الانتهاء من تعداد الألفاظ و معرفة وضعها.

و يقع البحث الآن في الجهة الأولى، فنقول: الموضوع له اسم الجنس هو

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1: 351- 352- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1: 522- الطبعة الأولى.

410

ذات الماهية و الطبيعة التي تطرأ عليها هذه الاعتبارات، و الثابتة في جميع هذه التقسيمات بلا تقيد لها باعتبار دون آخر، فليست هي الماهية بما هي هي، و لا الماهية بشرط الإرسال، و لا الماهية اللابشرط المقسمي أو القسمي.

و بعبارة أخرى: ان هناك امرا واحدا ثابتا لا يتغير باختلاف الاعتبارات، بل الاعتبارات تطرأ عليه و هو نفس الماهية، فيقال الماهية تارة تلحظ كذلك و أخرى تلحظ بهذا النحو و هكذا. فالمدعى: ان الموضوع له هو هذا الشي‏ء الثابت في جميع هذه الأقسام. و دليلنا على ذلك- و به ننفي سائر الاحتمالات- هو: صحة استعمال اللفظ في جميع هذه الأقسام بلا أي عناية و مسامحة، فانه يكشف عن كون الموضوع له ما ذكرنا، و إلّا لم يصح الاستعمال بلا عناية في جميع الأقسام. فظهر بطلان احتمال كون الموضوع له الماهية بنحو اللابشرط القسمي.

و امّا ما ذكره صاحب الكفاية في وجه إبطاله من: انه يلزم ان يكون الموضوع له أمرا ذهنيا لا يصدق على الخارجيات إلّا بالتجريد (1).

ففيه: ان اللابشرط القسمي يرجع إلى لحاظ الماهية من دون دخل القيد و عدمه في الحكم، و حينئذ فتارة: يدعي وضع اللفظ إلى الماهية الملحوظة بنحو يكون قيد اللحاظ مأخوذا في الموضوع له. و أخرى: يدعي وضع اللفظ إلى ذات ما تعلق به اللحاظ، فيكون التعبير باللحاظ للإشارة إلى تلك الذات.

فعلى الأول: يتم ما ذكره من الإشكال.

و اما على الثاني: فلا يتم لصلاحية الموضوع له بنفسه للانطباق على الخارج من دون أي عناية كما لا يخفى.

و الظاهر هو الثاني، بل يكفينا مجرد إمكان ادعائه، إذ به تصحيح دعوى‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 244- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

411

الوضع للابشرط القسمي. فتدبر.

الثاني: علم الجنس‏

كأسامة للأسد، و ثعالة للثعلب، و نحوهما.

و قد نسب صاحب الكفاية إلى المشهور من أهل العربية وضعه للطبيعة بما هي متعين بالتعين الذهني لا بما هي هي، و لأجل ذلك يعامل معاملة المعرفة بدون أداة التعريف. و خالفهم (رحمه الله) في ذلك، فذهب إلى وضعه إلى صرف المعنى بلا لحاظ شي‏ء معه أصلا، و ان التعريف فيه لفظي لا معنوي كالتأنيث اللفظي، فلا فرق بينه و بين اسم الجنس في الموضوع له. و نفي ما ذكره المشهور بوجهين:

الأول: انه يكون امرا ذهنيا لا يصدق على الخارجيات إلّا بالتصرف بالتجريد، مع ان صدقه عليها لا يكون بعناية كما لا يخفى.

الثاني: ان الوضع لمعنى مع خصوصية يحتاج في استعمالاته إلى تجريده عنها لا يصدر عن الجاهل فضلا عن العاقل الحكيم‏ (1).

و قد وافقه المحقق الأصفهاني بناء على كون المراد من التعين هو التعين الذهني، و لكنه احتمل إرادة التعين الجنسي منه- كما في الفصول‏ (2) تبعا للسيد الشريف- ببيان: ان كل معنى طبيعي متعين بنفسه ممتاز عن غيره و هو امر ذاتي له، فالمدعى ان علم الجنس موضوع للمتعين بما هو متعين، و اسم الجنس موضوع لذات المتعين و الممتاز (3).

أقول: لا بد أولا من معرفة ما به يكون اللفظ معرفة و نكرة، فنقول: لا يمكن ان يكون التعريف مستندا إلى امتياز مفهوم اللفظ عن غيره من المفاهيم و تعينه في نفسه، و ذلك لأن المفاهيم كذلك، فكل واحد منها له تعين في نفسه و امتياز

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 244- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الحائري الشيخ محمد حسين. الفصول الغروية- 166- الطبعة الأولى.

(3) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 354- الطبعة الأولى.

412

عن غيره، فيلزم ان تكون جميع الألفاظ معارف، بل الّذي يستند إليه التعريف هو تعين المصداق و الامتياز في مرحلة الانطباق بحيث يكون مصداق المعنى معينا في فرد خاص. فمثل: «رجل في: «جئني برجل، لا يكون معرفة لعدم التعين المقصود منه، و تردده بين افراد بلا تعين لأحدها في الصدق. و هكذا اسم الجنس فانه و ان كانت افراده ممتازة عن غيرها، فأفراد الإنسان لها تعين، لكن لا حدّ لها، بل كل ما يفرض وجوده من الطبيعة يصدق عليه الإنسان. فلها تعين من جهة دون أخرى. فسبب التعريف تعين المصداق و المنطبق خارجا و تحدده. و ليس المراد به التعين عند المتكلم، و إلا لكان «رجل في: «رأيت رجلا» معرفة لتعينه عند المتكلم، و لا عند السامع و إلّا لكان: «زيد» في: «جاء زيد» نكرة إذا لم يعرفه السامع و كان مرددا بين اشخاص كل منهم مسمى بذلك. بل المراد التعين الواقعي و في نفسه بحسب ما يدل عليه اللفظ و يوضع اللفظ له، فمتعلق الرؤية و ان كان متعينا واقعا، لكن لا يستفاد المعين من اللفظ بنفسه و مجردا عن القرينة.

كما ان من أسباب التعريف التعين الذهني، كالمعهود في المعرف باللام، و أسماء الإشارة و الضمائر، فان تعريفها باعتبار تعين معناها ذهنا و ان كان ينطبق على الكثير كما إذا كان المرجع للضمير هو الكلي.

و عليه، فعلم الجنس يصير معرفة إذا كان موضوعا للطبيعة بقيد التعيين الذهني.

اما إيراد الكفاية على ذلك: بأنه يستلزم عدم الصدق على الخارجيات، لصيرورة المعنى أمرا ذهنيا فلا يصدق على الخارج إلّا بالتجريد، و هو مسامحة لا تلحظ في الاستعمال وجدانا، كما انه خلاف الحكمة (1).

فيندفع:

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 244- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

413

أولا: بالنقض في مثل الضمائر و أسماء الإشارة، فانها لا تستعمل إلّا في مورد التعين الذهني، فمدلولها هو المعنى المتعلق للإشارة الذهنية، و المتعين بالتعيين الذهني، مع انه ينطبق على الخارج فأقول: «جاء زيد و هو راكب»، فان الركوب وصف لزيد الخارجي لا الذهني.

و ثانيا: بالحل في الجميع، و قبل بيانه نشير إلى شي‏ء و هو: ما يقال بان العلم لا يتعلق بالخارج و انما يتعلق بالصورة الذهنية، و يعبّر عن الخارج بالمعلوم بالعرض لا المعلوم بالذات، و هذا أمر دقي فلسفي، و إلّا فالعرف يرى ان المعلوم رأسا هو الخارج.

و على كل، فالخارج يكون له ربط بالعلم واقعا، و هو ربط المعلومية بالعرض- بالدّقة- و ربط المعلومية بالذات- في العرف-، و يدل على حدوث الربط بينه و بين العلم وصفه بالمعلومية دون غيره، و لا يمنع تعلق العلم بالشي‏ء من صدقه على الخارجيات كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول: الإشارة الذهنية و ان كانت تتعلق بالأمر الذهني حقيقة و لكن للخارج و الواقع نحو ارتباط بها، و لذا يقال ان هذا المعنى- و يشار إلى الخارج- مشار إليه دون غيره، مما يدل على حدوث إضافة و ربط بينهما لا يوجد بين الإشارة و غيره من المعاني التي لم تتعلق بها الإشارة، و الّذي يلتزم به ان الموضوع له هو هذا المعنى الخارجي الّذي تعلقت الإشارة بصورته الذهنية و في ظرف تعلق الإشارة بالصورة الذهنية له، أو فقل: ان الموضوع له هو المشار إليه بالعرض لا بالذات، و المشار إليه بالعرض يصدق على الخارجيات كالمعلوم بالعرض. و ان شئت فعبر عما ذكرنا بان الموضوع له هو المعنى الّذي يكون طرف الإضافة إلى التعين الذهني على ان يكون القيد خارجا و التقيد داخلا، فيؤخذ التعين الذهني في الموضوع له بنحو المعنى الحرفي.

و الخلاصة: ان ما يلتزم به في الموضوع له اسم الإشارة و الضمير هو الّذي‏

414

يلتزم به في علم الجنس فيندفع المحذور.

الثالث: المفرد المعرف باللام‏

، و قد ذكر صاحب الكفاية ان المشهور كونه على أقسام، المعرف بلام الجنس أو الاستغراق أو العهد بأقسامه على نحو الاشتراك بينها لفظا أو معنى. ثم انه ذكر ان المدخول يستعمل فيما يستعمل فيه المجرد، و الخصوصية تستفاد من اللام أو من قرائن المقام بنحو تعدد الدال و المدلول، و بعد ذلك قال: «و المعروف ان اللام تكون موضوعة للتعريف و مفيدة للتعيين في غير العهد الذهني. و أنت خبير بأنه لا تعين في تعريف الجنس الا الإشارة إلى المعنى المتميز بنفسه من بين المعاني ذهنا، و لازمه ان لا يصح حمل المعرف باللام بما هو معرف على الافراد ...» (1).

و نتيجة كلامه هو: منع أخذ التعيين الذهني في مدلول المعرف باللام لاستلزامه عدم صدقه على الخارجيات إلّا بالتجريد و المسامحة، و هو خلاف الملموس في باب الاستعمالات و خلاف الحكمة. و هذان هما الوجهان اللذان أورد بهما على أخذ التعيين الذهني في مفهوم علم الجنس.

و قد عرفت التفصي عن هذا الإشكال بالالتزام بكون الموضوع له هو طرف الإضافة، و أخذ القيد بنحو المعنى الحرفي بان يكون التقيد داخلا و القيد خارجا بالمعنى الّذي عرفته، و هو لا يتنافى مع صدق المعنى على الخارجيات.

ثم انه أضاف هنا إشكالا ثالثا أشار إليه بقوله: «و استفادة الخصوصيات ...»، و مراده ان خصوصيات اللام من الاستغراقية و الجنسية و غيرهما تستفاد من القرائن، و معها لا تحتاج إلى تلك الإشارة الذهنية و تكون لغوا (2).

و أنت خبير بأنه لا وقع لهذا الإشكال بعد التزامه بصحة الاشتراك، لأنه يتأتى في جميع موارد الاشتراك لعدم استفادة أحد المعاني بعينه إلا بالقرينة.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 245- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 245- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

415

فلاحظ تعرف.

ثم ان المحقق الأصفهانيّ قرب وضع اللام للتعيين بنحو آخر و هو: الالتزام بكونها موضوعة للدلالة على ان مدخولها واقع موقع المعروفية و التعيين، فهي تدل على تحقق النسبة بين التعيين و المتعين، كدلالة كلمة: «من» على وجود النسبة بين المبتدأ به و المبتدأ منه، و: «في» على وجود النسبة بين الظرف و المظروف.

و بالجملة: الموضوع له أداة التعريف كالموضوع له في سائر الحروف هو الربط الخاصّ و النسبة الخاصة، فلا تدل الا على وقوع مدخولها موقع التعيين، لا ان مدخولها أخذ ملحوظا بما هو ملحوظ انتهى‏ (1).

و قد يشكل: بان المتقرر- كما تقدم- هو كون الحروف موضوعة للربط الذهني بين المفاهيم لا غير، و ليست الإشارة الذهنية من المفاهيم، بل هي كالإشارة الخارجية من سنخ الموجودات و الأفعال فان فعل النّفس كالفعل الخارجي ليس مفهوما كما لا يخفى. فالالتزام بان اللام موضوعة للربط بينها و بين المشار إليه خروج عما هو المقرر، و ليس الربط بين مفهوم الإشارة و مفهوم المشار إليه كالربط بين مفهوم زيد و مفهوم الدّار في مثل: «زيد في الدار»، بل الربط بين واقع الإشارة الذهنية لا مفهومها الموجود في الذهن، بل نفس توجه الذهن إلى المعنى هو طرف الربط لا مفهوم التوجّه. فلاحظ.

و يندفع: بان الحرف و ان كان موضوعا للربط الّذي يكون طرفه المفهوم، لكن لا يلزم ان يكون كلا طرفي الربط مفهومين الا فيما قصد بالحرف الدلالة على الربط المضاف إلى كلا الطرفين. و ما إذا كان مدلوله هو الربط المضاف إلى أحد طرفيه- بان لم تلحظ إضافته إلى الطرف الآخر في مقام الكشف و ان كانت ثابتة واقعا- كان اللازم كون ذلك الطرف مفهوما.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 354- الطبعة الأولى.

416

و عليه، فيمكن القول بان مدلول أداة التعريف هو الربط المضاف إلى متعلق الإشارة.

و اما إضافته إلى الإشارة فلم تلحظ في مدلوله. و ليس دلالة الحرف على الربط المضاف إلى أحد الطرفين دون لحاظ إضافته إلى الآخر امرا بعيدا، بل له شواهد كثيرة، منها: ما إذا سألت شخصا عن مكان زيد فأجاب: في الدار. فان مدلول: «في» هو الربط الملحوظ إضافته إلى أحد الطرفين دون الآخر، و ان كان الربط واقعا متقوما بكلا الطرفين.

ثم ان صاحب الكفاية (رحمه الله) أشار إلى الجمع المعرف باللام بمناسبة البحث في دلالة اللام على التعيين، حيث جعل من شواهد دلالة اللام على التعيين دلالة الجمع المعرف على الاستغراق‏ (1).

و تحقيق الكلام: هو انه لا إشكال في دلالة الجمع المعرف على العموم، انما الإشكال في منشائه و هو يدور بين ثلاثة محتملات.

الأول: ان اللام تدل على التعيين و لا تعين الا للمرتبة الأخيرة فيلازم العموم.

الثاني: ان اللام بنفسها موضوعة للعموم بنحو المعنى الحرفي.

الثالث: ان المجموع موضوع للعموم.

و قد ناقش صاحب الكفاية في الأول: بان لا تعين للمرتبة الأخيرة بل أقل المراتب أيضا متعينة (2).

و أشكل عليه: بان أقل المراتب و ان تعينت من جهة العدد و هو الثلاثة، لكن لا تعين له من حيث الانطباق لصلاحيتها للانطباق على كل ثلاثة من الطبيعة، بخلاف أكثر المراتب فانها متعينة من حيث الصدق لا تردد فيها (3).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 245- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 245- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 445 هامش رقم (1)- الطبعة الأولى.

417

و قد أورد على الوجه الثالث: بان وضع الهيئة لذلك يستلزم ان يكون استعمال الجمع المعرف باللام في موارد العهد الذكرى أو الخارجي استعمالا مجازيا (1).

و هذا الوجه غير واضح المستند، فما هو منشأ الملازمة بين الأمرين؟.

نعم يرد على الوجه الثالث: بان المجموع إذا كان موضوعا للعموم لزم تجريد المدخول عن معناه عند الاستعمال، و ذلك لأن المدخول بهيئته و هو:

«علماء»- مثلا- معناه عدة من العالم أو المتعدد منه أو جماعة منه، غاية الأمر انه يفيد ذلك بنحو المعنى الحرفي، و معناه الاسمي ما عرفت، و هو مردد بين افراد، إذ كل عدّة من العلماء يصدق عليهم: «علماء». فإذا فرض وضع المجموع لعدة خاصة و هي الشاملة لجميع العلماء، فعند الاستعمال لا بد من تجريد هيئة المدخول عن معناها، إذ بقاؤها على معناها لغو، لأدائه باستعمال المجموع، فان معناه العدّة بإضافة خصوصية.

هذا لو فرض وضع المجموع للخاص، اما لو وضع للخصوصية فقط، فيؤدّي العموم من مجموع الكلام و هيئة المدخول، فالهيئة تدل على العدّة و المجموع يدل على خصوصية للعدة، استلزم ذلك محذور استعمال اللفظ في أكثر من معنى، لاستعمال الهيئة مستقلا و ضمنا في آن واحد في معنيين، فيلزم لحاظها بلحاظين.

و لا يدفع هذا الإيراد سوى دعوى عدم الوضع للخصوصية فقط، بل للخاص بما هو خاص و دعوى تحقق التجريد و انه ليس خلاف الظاهر من الكلام.

و عليه، فتكون جميع هذه المحتملات قابلة للثبوت إثباتا، و لا نستطيع‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 445 هامش رقم (1) الطبعة الأولى.

418

الجزم بأحدها، و ليس ذلك بمهم بعد عدم الإشكال في أصل دلالة الجمع المعرف على العموم. فتدبر.

الرابع: النكرة

ك: «رجل في: «رأيت رجلا»، أو: «جئني برجل.

و قد ادعي وضعها للفرد على البدل بتعبير. و للفرد المردد بتعبير آخر.

و لكن صاحب الكفاية ذهب إلى غير ذلك باعتبار انه يرى انه لا وجود.

للفرد المردد أصلا، بل كل فرد في الخارج هو هو لا هو أو غيره، مع ان النكرة تصدق على الخارج. فذهب إلى ان المفهوم منها في مورد الخبر هو الفرد المعين في الواقع المجهول عند السامع. و في مورد الإنشاء هو الطبيعة المقيدة بالوحدة، فتكون كليا صالحا للانطباق على كثيرين، فالنكرة اما فرد معين في الواقع أو حصة كلية (1).

أقول: البحث في وجود الفرد المردد و قابليته لتعلق الأحكام و الصفات و عدم ذلك امر ذو أثر عملي يظهر في موارد:

منها: بيع الصاع من الصبرة، و يعبّر عنه بالكلي في المعين، فانه يقع البحث في حقيقة الكلي في المعين و انه هو الفرد المردد أو غيره.

و منها: مورد العلم الإجمالي، فانه يبحث عن ان متعلقه الفرد المردد، أو انه عبارة عن علم تفصيلي بالجامع و شكين في الطرفين.

و منها: الواجب التخييري، فانه يبحث عن تعلقه بالفرد المردد.

و البحث المفصل فيه يقع في أبحاث العلم الإجمالي، و لأجل ذلك نوكله إلى هناك، و لا أثر عملي منهم على تحقيقه هنا، و معرفة حقيقة الموضوع له النكرة- من كونه الفرد المردد أو ما يذكره صاحب الكفاية أو غيره- بعد الاتفاق على قابليتها للصدق على كثيرين بنحو البدلية. فتدبر.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 246- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

419

و بعد هذا يقع الكلام فيما ذكره المحقق النائيني في مقدمة الدخول في بحث المطلق و المقيد، فانه ذكر أمورا لا بأس بالإشارة إليها، و إلى ما فيها من كلام، و هي:

الأمر الأول: ما ذكره في المقدمة الأولى، من ان محل الكلام في المقام هو:

الإطلاق المتصف به المعاني الإفرادية الموجب للتوسعة دائما، اما الإطلاق المتصف به الجمل التركيبية- أعني به ما يوجبه طبع نفس القضية الموجب للتوسعة مرة و للتضييق أخرى- فلم يقع التكلم عنه في المقام لعدم ضابط كلي له يتكلم عنه في خصوص مورد، بل التكلم انما وقع فيه باعتبار أنواعه في الموارد المناسبة له، كمباحث الأوامر حيث يتكلم فيها عن اقتضاء إطلاق القضية للوجوب التعييني العيني النفسيّ، و كمباحث المفاهيم التي يتكلم فيها عن اقتضاء إطلاق القضية الشرطية للمفهوم‏ (1).

هذا كلامه (قدس سره) نقلناه بنصّه.

و يتوجه عليه:

أولا: انه لم يثبت للجملة التركيبية معنى ثالث غير معانيها الإفرادية، كي يتمسك بإطلاقه، فلا موضوع لكلامه.

و ثانيا: ان ما ذكره من المثال ليس مثالا للتمسك بإطلاق الجملة، بل هو من موارد التمسك بإطلاق المعاني الإفرادية، فان الّذي يتمسك به في صيغة الأمر هو مدلول الهيئة- كما قد يظهر من بعض كلمات الكفاية (2)- أو المادة كما حققناه أو المادة المنتسبة- كما حققه (قدس سره) (3)- و الجميع من المعاني الإفرادية و ليس من معاني الجمل. و هكذا الّذي يتمسك به في مورد الشرط، فانه اما أداة

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 516- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 108- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 169- الطبعة الأولى.

420

الشرط أو نفس الشرط، و كل منهما معنى افراده تجري فيه مقدمات الحكمة كما تجري في سائر موارد الإطلاق بلا فرق، فالحديث فيها واحد لا يتعدد.

ثم ان التعبير بما يوجبه «طبع» نفس القضية لا يخلو عن تكلف، فليس للقضية طبع يقتضي شيئا، فتدبر.

الأمر الثاني: ما ذكره من اختلاف نتيجة الإطلاق من حيث البدلية و الاستيعاب، ببيان: ان المطلق تارة يكون مفاد اسم الجنس، و هو الطبيعة غير المقيدة بشي‏ء. و أخرى بكون مفاد النكرة، و هي الطبيعة المقيدة بالوحدة المعبر عنها بالحصة. و كل منهما اما ان يقع في سياق النفي أو الإثبات. فعلى الأول كانا دالين على العموم و الاستيعاب. و على الثاني يكون الحكم استيعابيا، إلّا إذا كان هناك ما يقتضي البدلية من طرف المادة كما في النكرة، أو الهيئة كما في أسماء الأجناس المتعلقة للأمر، لأن الأمر يتعلق بصرف الوجود، و هو يتحقق بأول الوجودات لا بعينه‏ (1).

أقول: هذا تعرض لأمر في غير محله. و قد تعرض له صاحب الكفاية بعد بيانه لمقدمات الحكمة، و هو كما ينبغي بحسب فن التحرير و سيأتي هناك ما ينقح به أصل المطلب، و ان البيان الصحيح لاستفادة البدلية في متعلق الأمر غير ما ذكره. فانتظر.

الأمر الثالث: ما ذكره في مقام الفرق بين العام الأصولي و المطلق، بان الشمول في العام بالدلالة اللفظية، بخلافه في المطلق فانه بحكم العقل، و لأجله يتقدم العام على المطلق الشمولي، كما انه يتقدم المطلق الشمولي على البدلي‏ (2).

أقول: وقع هذا الأمر- أعني تقديم العام على المطلق، و تقدم المطلق‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 518- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 519- الطبعة الأولى.

421

الشمولي على البدلي- محلا للكلام، و يتعرض له مسهبا في مبحث التعادل و الترجيح، كما يشار إليه في مبحث دوران الأمر بين تقييد المادة و تقييد الهيئة، و قد استشكل في تقديم المطلق الشمولي على البدلي، لكن تقدم منا تصحيح ما أفاده المحقق النائيني فراجع تعرف.

الأمر الرابع: ما ذكره في تحقيق ان التقابل بين الإطلاق و التقييد من تقابل العدم و الملكة، ببيان: ان الوجود و العدم تارة يلحظان بالإضافة إلى نفس الطبيعة و الماهية، فيكونان متناقضين فلا يمكن اجتماعهما كما لا يمكن ارتفاعهما.

و أخرى يلحظ العدم بالإضافة إلى ما يقبل الاتصاف بالوجود فيكون الملحوظ هو العدم الخاصّ و هو العدم الناعتي، ففي مثل ذلك يكون التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، فعدم الملكة هو العدم فيما يقبل الاتصاف بالوجود، كالتقابل بين البصر و العمى فان العمى هو عدم البصر في مورد يقبل الاتصاف بالبصر، و لذا لا يقال للجدار انه أعمى، و المتقابلان تقابل العدم و الملكة يرتفعان عن المورد غير القابل للاتصاف.

و عليه، فنقول: ان الإطلاق عبارة عن عدم التقييد في مورد يقبل التقييد فيكونان من موارد العدم و الملكة، و الوجه في ذلك هو ان الإطلاق عبارة عن تسرية الحكم لمورد القيد و غيره، في قبال التقييد الّذي هو عبارة عن اختصاص الحكم بمورد القيد، فلا بد من كون المطلق مقسما للمقيد و غيره، و إذا لم يكن مقسما لها امتنع الإطلاق، إذ لا معنى لتسرية الحكم لمورد القيد و غيره بعد ان لم يكن مورد القيد من اقسامه، و عليه ففي كل مورد يمتنع فيه التقييد يمتنع فيه الإطلاق، و لذا لا يصح الالتزام بإطلاق متعلق الوجوب في إثبات انه توصلي لامتناع تقييده بقصد القربة.

ثم ردّ على الشيخ في التزامه بالإطلاق في هذا المورد بعد التزامه بامتناع التقييد، و في التزامه بالإطلاق في إثبات عموم الحكم للعالم به و الجاهل لامتناع‏

422

تقييده بالعلم به، و التزامه به في إثبات عموم الوجوب الغيري لمطلق المقدمة و عدم اختصاصه بالموصلة لامتناع تقييده بالإيصال.

فانه التزام بالإطلاق في مورد يمتنع فيه التقييد. و قد عرفت امتناع الإطلاق مع امتناع التقييد (1).

أقول: هذا التحقيق منه (قدس سره) لا يخلو عن إشكال، و ذلك: لأن المراد من كون المطلق هو المقسم للمقيد و غيره اما ان يكون ما هو ظاهر عبارته من انه اللابشرط المقسمي، و ان معنى المطلق هو اللابشرط المقسمي فيتوجه عليه:

أولا: ان كون موضوع الحكم هو اللابشرط المقسمي التزام بكون موضوع الحكم امرا مهملا، لإهمال اللابشرط المقسمي و تردده- كما عرفت- بين أنواع ثلاثة، و قد صرح (قدس سره) مرارا بامتناع الإهمال في مقام الثبوت، فلا بد من كون الموضوع معينا و يمتنع كونه مهملا (2).

و ثانيا: ان اللابشرط المقسمي يجتمع مع التقييد الّذي هو البشرطشي‏ء، لأنه الجامع بينه و بين اللابشرط القسمي و البشرطلا، فكيف يجعل مقابلا للبشرط شي‏ء بنحو العدم و الملكة. فهذا الاحتمال باطل جدا و بوضوح.

و اما ان يريد به اللابشرط القسمي، و هو يتوقف على كون الذات قابلة في نفسها للتقييد، فان عدم التقييد في المورد غير القابل للتقييد لا يكون لا بشرط قسمي، إذ معنى كونه قسما ثبوت قسم آخر و هو التقييد و هو ممتنع على الفرض، فمع امتناع التقييد يمتنع الإطلاق بمعنى اللابشرط القسمي.

أو فقل: انه مع امتناع الحكم على الحصة المقيدة يمتنع الحكم على غير

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 520- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 565- الطبعة الأولى.

423

المقيد، لفرض وجود الجامع في ضمنه، فالحكم عليه حكم على الجامع، و المفروض امتناع الحكم على الجامع.

و هذا الوجه ليس بطلانه من الوضوح كالوجه السابق، لكنه غير صحيح أيضا، و ذلك لأنه يرد على البيان الثاني: ان امتناع الحكم على بعض حصص الجامع لا ينافي ثبوته لغيره من حصصه، فمثلا لو امتنع الحكم على عمرو و امتنع كونه فردا فعلا للإنسان لزم امتناع الحكم على زيد و غيره، لوجود الطبيعي في ضمنه، و لا يلتزم بذلك أحد. و عليه فامتناع الحكم على البشرطشي‏ء القسمي، و هو المقيد، لا يلازم امتناع الحكم على اللابشرط القسمي.

و على البيان الأول: ان المأخوذ في الجامع و المقسم و تعدد الأقسام ليس الانطباق الفعلي كي يكون امتناع أحد الافراد موجبا لانتفاء فردية الأخرى و كونها قسما من الجامع، بل الملحوظ هو الانطباق الشأني و قابلية الصدق، و هي متحققة و لو امتنع الحكم فعلا على الفرد المعين.

و النتيجة: ان ما أفاده في تقريب بيان كون التقابل بين الإطلاق و التقييد من تقابل العدم و الملكة لا يمكن الالتزام به.

و التحقيق: ما ذكرناه سابقا في مبحث التعبدي و التوصلي من: ان امتناع التقييد تارة يلازم امتناع الإطلاق، و هو ما إذا امتنع الحكم على الخاصّ. و أخرى يلازم ضرورة الإطلاق، و هو ما إذا كان الممتنع تخصيص الحكم بالفرد الخاصّ.

فالتقابل تارة يكون من تقابل العدم و الملكة. و أخرى من تقابل السلب و الإيجاب فراجع ما تقدم تعرف حقيقة المطلب.

الأمر الخامس: ما ذكره من خروج الاعلام الشخصية عن محل الكلام- و هو ان الإطلاق بالوضع أو بمقدمات الحكمة-، لعدم الإطلاق فيها الا من جهة الحالات و لا يحتمل الوضع فيها من هذه الجهة، و خروج الهيئات التركيبية

424

أيضا بناء على عدم ثبوت الوضع المستقل لها، و إلّا كانت داخلة في البحث كأسماء الأجناس‏ (1).

أقول: ما ذكره من وقوع البحث في الهيئة التركيبية بناء على ثبوت الوضع المستقل لها غير وجيه، و ذلك لأن البحث في ثبوت الإطلاق و عدمه انما هو بلحاظ الأثر الشرعي المترتب، سواء كان الإطلاق في موضوع الحكم أم في متعلقه، اما مع عدم الأثر الشرعي فإثبات الإطلاق و البحث فيه بلا محصل.

و عليه فنقول: انه بناء على كون الهيئة التركيبية موضوعة لمجموع المعنى المستفاد من المفاهيم الإفرادية من هيئة أو مادة، فلا أثر يترتب على إطلاق الهيئة التركيبية، و ذلك لأن الأثر انما يترتب بلحاظ مقام تعلق الحكم، سواء كان الشي‏ء متعلقا أو موضوعا، و من الواضح ان المفهوم التركيبي لا يكون في حال من الحالات موضوعا للحكم أو متعلقا له، فمثلا المفهوم التركيبي لقول الآمر:

«صلّ»، نتيجة هو وجوب الصلاة، و وجوب الصلاة بنحو المجموع لا يكون موردا للحكم، كيف؟ و هو نتيجة تعلق الحكم بشي‏ء و ينتزع عن ثبوت الحكم فالبحث في إطلاقه لا محصل له، نعم نفس الوجوب يصح فيه البحث عن الإطلاق، و هكذا نفس الصلاة، و لكن كل منهما مفهوم افرادي.

و خلاصة الحديث: ان ما ذكره في هذه المقدمات غير متين في أغلبه.

فلاحظ.

ثم ان صاحب الكفاية (قدس سره) بعد ما أنهى الكلام عن الألفاظ المطلقة تعرض إلى أمر و هو: الّذي أفاده بقوله: «إذا عرفت ذلك ...» (2). و ما ذكره لا يخلو عن غموض و خلط، و لتوضيحه لا بد من التكلم في جهتين:

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 521- الطبعة الأولى.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 246- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

425

الجهة الأولى: انه قد عرفت وقوع البحث في الموضوع له اسم الجنس، و انه هل هو الطبيعة المهملة، أو انه الطبيعة المقيدة بالإرسال بنحو البشرطشي‏ء أو اللابشرط القسمي؟ و قد عرفت ان الإنصاف يقتضي وضعها لذات الماهية الموجودة في جميع التعينات و الاعتبارات، لشهادة الوجدان و الارتكاز العرفي.

و قد أضاف المحقق النائيني إلى ذلك وجها آخر و هو: ان الحكمة تقضي بالوضع للماهية المهملة، لأن حكمة الوضع هي التفهيم و التفهم، و بما ان الماهية المهملة كثيرا ما تقع مورد التفهيم فلا بد ان يكون قد وضع لها ما يدل عليها، و ليس لدينا لفظ سوى اسم الجنس‏ (1).

و هذا وجه خطابي لا بأس به و العمدة ما ذكرناه.

و يترتب على البحث في هذه الجهة ثمرتان:

الأولى: انه بناء على الوضع للماهية المهملة لا يكون التقييد مستلزما للتجوز إذا كان بنحو تعدد الدّال و المدلول، و ذلك لاستعمال اسم الجنس في معناه الموضوع له، و الخصوصية استفيدت من القيد. و اما بناء على الوضع للماهية بقيد الإرسال، فيكون التقييد مستلزما للتجوز لمنافاة القيد مع الإرسال، فلا بد من استعمال اسم الجنس في غير معناه الموضوع له.

الثانية: انه بناء على الوضع للطبيعة المرسلة، لو ورد اسم الجنس في الكلام و شك في إرادة الإطلاق منه كان المحكم أصالة الحقيقة، فيستفاد إرادة العموم من اللفظ نفسه لوضعه له، فالأصل الأولي هو العموم. و اما بناء على الوضع للطبيعة المهملة، فلا مجال لأصالة الحقيقة لإفادة الإطلاق، بل يستفاد العموم بواسطة قرينة خارجية خاصة أو عامة كمقدمات الحكمة. و هذا أثر مهم جدا في مقام الاستنباط.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 527- الطبعة الأولى.

426

الجهة الثانية: ان لفظ: «المطلق» هل يصح إطلاقه على اسم الجنس بالمعنى الّذي ذكرناه أو لا؟. و قد ذكر صاحب الكفاية ان المعنى اللغوي لا يأبى مع إطلاقه على اسم الجنس، و لم يثبت للقوم اصطلاح جديد فيه، نعم لو تم ما نسب إلى المشهور من انه موضوع لما قيد بالإرسال و الشمول البدلي لم ينطبق على اسم الجنس بالمعنى المذكور. و لا يخفى ان هذا البحث لغوي و اصطلاحي صرف لا أثر له عملا أصلا، و انما المهم البحث الأول.

إذا عرفت ذلك، فقد ذكر صاحب الكفاية ان لفظ المطلق لو كان موضوعا للطبيعة المقيدة بالإرسال و الشمول البدلي كان تقييد اسم الجنس موجبا للتجوز في الاستعمال.

و واضح ان ما ذكره خلط بين مقامين، مقام المفهوم و مقام المصداق، إذ التجوز يرتبط بتعيين الموضوع له في اسم الجنس كما عرفت، و لا يرتبط بمفهوم المطلق و المراد من لفظ المطلق. فأيّ شي‏ء كان الموضوع له لفظ المطلق لا علاقة له بحصول التجوز في اسم الجنس، بل ما يرتبط بالمجاز هو تعيين الموضوع له في اسم الجنس، لأنه هو الّذي يطرأ عليه التقييد، فالتفت و لا تغفل و هذا المعنى لم نعهد أحدا تنبه إليه قبل الحين. فاحفظه.

427

مقدمات الحكمة

ثم انه إذا تبين ان اسم الجنس و نحوه موضوع للطبيعة المهملة، فلا بد من استفادة إرادة الإطلاق منها من قرينة خاصة أو عامة تفيد ان الموضوع هو مطلق الافراد.

و البحث يقع هاهنا في القرينة العامّة، فقد ادعي ثبوتها بنحو عام إذا تمت بعض المقدمات، و يصطلح عليها بمقدمات الحكمة.

و هي- بحسب ما ذكره صاحب الكفاية- ثلاثة:

الأولى: كون المتكلم في مقام البيان.

الثانية: انتفاء ما يوجب التعيين.

الثالثة: عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، و يراد به ما تكون نسبة الكلام إليه بنحو لو أريد غيره كان مستهجنا عرفا و بحسب المتفاهم العرفي، كالمورد الّذي يقع محط السؤال، فان إرادة غيره من الجواب المطلق مستهجن عرفا. و ليس كذلك الحال في القدر المتيقن من الخارج، فانه لا يرتبط بالكلام، بل هو قدر متيقن ثبوتا، فلا تكون إرادة غيره من الكلام امرا مستهجنا عرفا بالنظر إلى الأساليب الكلامية.

فإذا تمت هذه المقدمات الثلاثة ثبتت إرادة الإطلاق، و ذلك لأنه لو أراد المقيد لبيَّن، لأنه في مقام البيان و المفروض انه لم يبين، فإرادته المقيد مع عدم البيان خلف الفرض و نقض للغرض، و هو امر لا يتحقق من الحكيم.

اما إذا انتفت إحدى هذه المقدمات لم يثبت الإطلاق.

فلو لم يكن في مقام البيان أصلا، بل صدر منه الكلام لا بقصد التفهيم، أو كان مقام البيان من غير الجهة المشكوكة الدخل في الحكم و لم يكن في مقام‏

428

البيان من تلك الجهة، لم تكن إرادته المقيد مع عدم البيان خلف، لأنه ليس في مقام بيانه مراده.

و لو كان في مقام البيان و كان هناك ما يوجب التعيين، فعدم ثبوت الإطلاق واضح.

و لو كان في البين قدر متيقن في مقام التخاطب- و ان كان في مقام البيان و لم يكن هناك ما يوجب التعيين- فلا يثبت الإطلاق، و ذلك لأنه لو كان مراده هو القدر المتيقن لم يكن عدم التنصيص عليه نقضا للغرض و خلفا، لاستفادته من الكلام، فمثلا إذا كان القدر المتيقن من قوله: «أكرم العالم» هو الفقيه، كان وجوب إكرام الفقيه مستفادا من مقام المحاورة، فلو كان هو تمام مرامه لم يكن مخلا ببيانه، و لا يكون عدم التنصيص عليه منافيا لكونه في مقام بيان تمام مرامه.

ثم انه ذكر انه إذا كان بصدد بيان انه التمام كان مخلا، و توضيحه: ان المتكلم تارة: يكون في مقام بيان ذات المراد و واقعه، و لو لم يعلم المخاطب انه تمام المراد، و بعبارة أخرى: ما كان بالحمل الشائع تمام المراد. و أخرى: يكون في مقام بيان تمام المراد بما هو كذلك، يعني مع بيان انه تمام المراد و إعلام المخاطب بذلك، بعبارة أخرى: ما هو بالحمل الأولي تمام المراد.

فعلى الثاني: لا ينفع وجود القدر المتيقن في نفي الإطلاق، إذ غاية ما يقتضيه التيقن هو اليقين بإرادة هذا المتيقن، و اما انه تمام المراد أو لا فلا يعرف بالقدر المتيقن، بل يبقى ذلك مجهولا لدى المخاطب، فلا يعلم إلّا ان المتيقن مراد اما غيره فلا يحرز عدم إرادته، فيمكن التمسك بالإطلاق و عدم التقييد ان المطلق هو المراد.

و على الأول: كان وجود القدر المتيقن مخلا بالإطلاق، لأن تمام المراد لو كان هو المتيقن لم يكن عدم التنصيص عليه خلف الفرض، لفرض فهمه في مقام الكلام، كما ان جهل المخاطب بعدم كونه التمام لا يضر بعد ان لم يكن على المولى‏

429

رفع الجهل من هذه الناحية، إذ ليس عليه الا بيان تمام المراد بواقعه لا بوصف التمامية.

و بما ان المتكلم في مقام بيان واقع تمام المراد لا وصف التمامية كان وجود القدر المتيقن مخلا بالتمسك بالإطلاق. فلاحظ.

هذا تمام مطلب الكفاية بتوضيح منا (1).

و قد استشكل في ما أفاده من مانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب للإطلاق. و بالنقض بالقدر المتيقن من الخارج، و انه إذا التزم بمانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب فلا بد من الالتزام بمانعية القدر المتيقن من الخارج، و بأنه يستلزم عدم صحة التمسك بالمطلقات الواردة بعد السؤال عن حكم مورد خاص. و كلاهما لا يلتزم به صاحب الكفاية (2).

أقول: الإنصاف ان النقض عليه بالقدر المتيقن من الخارج غير وارد، إذ لا يتأتى البيان المذكور في وجه مانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب فيه، إذ لا دلالة للكلام عليه بوجه من الوجوه و لا يفهم منه أصلا، فإرادته من الكلام من دون التنصيص عليه خلف فرض كونه في مقام البيان.

ثم ان النقض به لا يرفع الإشكال بل يوسّع دائرته، كما ان عدم التزام صاحب الكفاية بما أفاده في بعض الموارد لا ينفع في نفي المطلب إذا تم من الناحية البرهانية الصناعية، فالمهم هو تحقيق انه تام في نفسه أو غير تام.

و الحق انه غير وجيه لوجهين:

الوجه الأول: انه على تقدير تماميته، فهو انما يتم في المطلق الشمولي لا البدلي، و ذلك لأن إرادة بعض الافراد في المطلق الشمولي لا يختلف الحال فيها

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 247- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 530- الطبعة الأولى.

430

عملا بين إرادتها بالخصوص أو في ضمن المجموع، إذ يجب إكرام كل فرد و لا يرتبط امتثال أحدها بامتثال الأخرى، و هذا بخلاف المطلق البدلي، فانه يختلف الحال عملا بين تعلق إرادته بالبعض و تعلقها بالمجموع، إذ تعلقها مثلا بإكرام خصوص الفقيه- و هو القدر المتيقن فرضا- يلازم عدم صحة الامتثال بإكرام غيره، بخلاف تعلقها بإكرام مطلق العالم فانه يصح معه الامتثال بإكرام غير الفقيه.

و مرجع هذا إلى التردد في ان الملحوظ في متعلق الحكم هو خصوصية الفقيه، أو مطلق العالم، فيتردد الأمر في مراده بين الخصوصيّتين.

و بالجملة: فيختلف الحال في الحكم البدلي بين إرادة المقيد و المطلق عملا و واقعا، و وجود القدر المتيقن لا ينفع في إثبات الخصوص، فلا يكتفي به في مقام البيان فيثبت الإطلاق بذلك.

و من هنا نستطيع ان نقول: بعد مانعية القدر المتيقن في مورد الإطلاق الشمولي، بعد فرض ان الحال في سائر المطلقات بنحو واحد، بضميمة ان الشمولية و البدلية تستفاد ان من قرينة خارجية، و مقدمات الحكمة تجري في مرحلة سابقة عن نحو تعلق الحكم، و في موضوع الشمول و البدلية- كما سيصرح به صاحب الكفاية فيما بعد-، فإذا صح التمسك بالإطلاق في موارد الإطلاق البدلي مع وجود القدر المتيقن صح التمسك به في موارد الإطلاق الشمولي.

الوجه الثاني: ان ما أفاده غير تام في نفسه، و ذلك لأن ثبوت الحكم للقدر المتيقن يختلف بحسب الواقع بين ان يكون ثبوته له بخصوصه و بين ان يكون ثبوته له في ضمن المطلق، إذ ثبوته له بخصوصه يقتضي دخالة عنوانه في ثبوته، و اما إذا كان ثابتا له في ضمن المطلق فلا يكون عنوانه دخيلا في ثبوته، بل ثبوته له بما انه من افراد المطلق، و هذه جهة واقعية و ان لم يترتب عليها أثر عملي في‏

431

الإطلاق الاستغراقي.

و عليه، فيتردد في ان موضوع الحكم هل هو الفقيه- مثلا- أو العالم؟، و وجود القدر المتيقن لا يرفع الشك من هذه الجهة، بل غاية ما ينفع فيه هو ثبوت الحكم للفقيه، اما انه بعنوانه أو بعنوان العالم، فلا دلالة له على شي‏ء منه، فإذا لم يرد القيد يثبت ان موضوع الحكم هو المطلق لا المقيد.

و نتيجة ما ذكرناه هو: ان أخذ عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب في عداد مقدمات الحكمة لا وجه له، لعدم إخلاله بثبوت الإطلاق.

و قد التزم المحقق النائيني (قدس سره) بثلاثية المقدمات أيضا، لكنه أنكر كون عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب من المقدمات، و التزم بان أولى المقدمات لزوم كون اللفظ بمعناه مقسما للمقيد و غيره، و إلّا فمع عدم كونه كذلك لن يصح التمسك بعدم البيان في نفي التقييد (1).

و الّذي نراه ان إدراج هذه المقدمة في مقدمات الحكمة غير متجه، كإدراج عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب.

و ذلك لأن المراد من كون المعنى مقسما ...

ان كان هو اللابشرط المقسمي، و هو الطبيعة الملحوظة بالنظر إلى ما هو خارج عن ذاتها و ذاتياتها في قبال الماهية من حيث هي، فاعتباره لا إشكال فيه لتوقف الإطلاق و التقييد على لحاظ الماهية بالإضافة إلى الخارج عن ماهيتها من القيود، فمع امتناع ذلك يمتنع الإطلاق قهرا، لكنه لا يتلاءم مع تشبيهه و تنظيره لذلك بمثل مورد عدم إمكان أخذ قصد القربة و عدم إمكان أخذ العلم بالحكم، إذ لا يمتنع لحاظ الماهية بالإضافة إلى هذه القيود، و انما الممتنع أخذها في متعلق الحكم و موضوعه، و هو غير امتناع لحاظ الماهية مضافة إليها.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 528- الطبعة الأولى.

432

و ان كان المراد اشتراط كون مجرى الإطلاق مقسما فعليا للمقيد و غيره، بمعنى انه ينقسم فعلا إليهما، ففي مورد يمتنع الانقسام الفعلي- كمورد أخذ قصد القربة في متعلق الأمر بناء على امتناعه- يمتنع الإطلاق.

ان أراد هذا المعنى، فهو مما لا دليل عليه أصلا، و قد عرفت المناقشة فيه فيما تقدم من البحث عن نوع تقابل المطلق و المقيد.

و نتيجة مجموع ما ذكرناه: هو ان مقدمات الحكمة ثنائية لا ثلاثية، كما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية و المحقق النائيني، إذ عرفت المناقشة فيما أفاداه. فمقدمات الحكمة عبارة عن كون المتكلم في مقام البيان، و انتفاء ما يوجب التعيين.

ثم انه قد يشكل استفادة الإطلاق من مقدمات الحكمة، و ذلك باعتبار ان اللفظ موضوع للطبيعة المهملة- كما هو الفرض-، و الإطلاق و التقييد خصوصيتان تردان عليها، فكما يحتاج التقييد إلى بيان زائد على اللفظ، كذلك يحتاج الإطلاق إلى البيان الزائد، لكون نسبة اللفظ إليهما على حد سواء، فلا وجه لدعوى ان عدم ذكر القيد يكشف عن إرادة الإطلاق و إلّا لزم الخلف، إذ هذا يمكن عكسه فيقال: عدم ذكر الإطلاق يكشف عن إرادة المقيد و إلّا لزم الخلف.

و لا يندفع هذا الإشكال إلّا بدعوى ثبوت بناء عقلائي عرفي على انه إذا كان في مقام البيان و لم يذكر القيد كان مراده الإطلاق، و بدون ذلك لا يمكن الالتزام بان هذه المقدمات تنفع في إثبات إرادة الإطلاق. فتدبر.

كما انه بشكل أيضا ما قيل في هذا الباب من: ان الإطلاق بمقدمات الحكمة لا بالوضع، هو ان كون المتكلم في مقام البيان- بمعنى عدم إحراز انه في مقام جهة أخرى- مما يحتاج إليه في مطلق الظهورات حتى الوضعيّة، فانه لا يمكن الاستناد إلى كلام المتكلم في تشخيص مراده ما لم يحرز انه في مقام البيان،

433

و إلّا فلو كان نطقه باللفظ الموضوع لأجل تجربة صوته لا يمكننا ان نقول ان مراده هو معنى اللفظ. و هكذا الحال في عدم القرينة، فان وجود القرينة المنافية لمقتضى الوضع توجب الإخلال بظهور اللفظ في معناه و صرفه إلى معنى آخر.

فاذن هاتان المقدمتان لا بد منهما في تشخيص المراد الوضعي من اللفظ الموضوع لمعناه، و لا اختصاص لهما في باب المطلق بحيث لا يحتاج إليهما في غير مورده.

و التحقيق: هو تعين الالتزام بان استفادة الإطلاق ليس بمقدمات الحكمة، بل من ظهور الكلام في كون الطبيعة تمام الموضوع.

بيان ذلك: ان اللفظ المأخوذ في موضوع الحكم موضوع للطبيعة بما هي- كما عرفت-. و ظاهر أخذ الطبيعة في موضوع الحكم انها تمام الموضوع، كما ان ظاهر أخذ: «زيد» في الموضوع في قوله: «أكرم زيدا» انه تمام الموضوع. و هكذا ظاهر قوله: «أكرم ابن عمرو» ان: «ابن عمرو» تمام الموضوع. و هذا الظهور تصطلح عليه الظهور السياقي و هو ثابت لا كلام فيه، و إذا كان الطبيعة تمام الموضوع ثبت الحكم في كل مورد تثبت فيه و توجد، فثبوت الإطلاق و استفادته من جهة أخذ الطبيعة في الموضوع و ظهور ذلك في كونها تمام الموضوع، و مما يؤيد ان الإطلاق يستفاد مما ذكرناه هو الاصطلاح على ظهور المطلق بالظهور الإطلاقي، فانه ظاهر في وجود ظهور للمطلق، و هو انما يتلاءم مع ما ذكرناه، إذ ليس مرجع مقدمات الحكمة إلى ظهور اللفظ في شي‏ء.

و عليه، فلا نقع في الإشكال السابق و هو: ان الإطلاق خصوصية زائدة كالتقييد، فكيف يثبت بعدم التقييد؟. كي نضطر إلى التخلص عنه بدعوى بناء العقلاء على الإطلاق عند عدم التقييد.

إذ ما التزمنا به يرجع إلى التمسك بظهور وضعي و ظهور سياقي.

كما لا نقع في إشكال آخر من جهة لزوم إحراز كون المتكلم في مقام‏

434

البيان من جميع الجهات، و سيأتي الكلام فيه. فانتظر.

ثم انه وقع الكلام في ان مجرى مقدمات الحكمة هل هو المراد الاستعمالي أو المراد الجدي الواقعي؟. فهل تجري في تنقيح المراد الاستعمالي بمعنى ما قصد المتكلم تفهيمه للمخاطب و إحضاره من المعنى في ذهن السامع لا ما اراده من نفس اللفظ- فلا يرد حينئذ بأنه لا معنى لأن يكون المراد الاستعمالي هو المطلق لعدم استعمال اللفظ فيه قطعا، بل هو مستعمل في معناه و هو الطبيعة-؟ أو تجري في تنقيح المراد الواقعي، و بيان ان المراد جدا هو المطلق؟. الّذي ذهب إليه صاحب الكفاية هو الأول‏ (1). خلافا للشيخ (رحمه الله) حيث ذهب إلى الثاني‏ (2).

و تبعه عليه المحقق النائيني‏ (3).

و لا تخفي ثمرة هذا الخلاف العملية، حيث تظهر في موارد البحث عن انقلاب النسبة، إذ المقيد المنفصل لا يخل بظهور المطلق في الإطلاق على رأي صاحب الكفاية، بل يزاحمه في مقام الحجية.

و لكنه يخل بإطلاق المطلق على رأي الشيخ، لكشفه عن تقيد المراد الجدي و عدم إطلاقه.

و قد استشهد صاحب الكفاية على مدّعاه: بان ما ذهب إليه الشيخ يلازم عدم إمكان التمسك بالمطلقات إذا قيدت بقيد منفصل، لأنه يكشف عن عدم كون المتكلم في مقام البيان في كلامه، فتنهدم أولى المقدمات بورود المقيد المنفصل، و هذا اللازم باطل إذ لا يلتزم به أحد، فيكشف عن بطلان المبنى الّذي يبتني عليه‏ (4).

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 247- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) كلانتري الشيخ أبو القاسم. مطابع الأنظار- 218- الطبعة الأولى.

(3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 529- الطبعة الأولى.

(4) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 248- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

435

و استشكل فيما ذكره (قدس سره): بان غاية ما يكشف عنه المقيد هو عدم كونه في مقام البيان من جهة القيد و عدمه، اما سائر جهات المطلق فلا يرتبط بها المقيد و لا ينظر إليها، فيمكن التمسك بالإطلاق من سائر الجهات.

و لم يفرض كونه في مقام البيان بالنسبة إلى تمام مراده بنحو العموم المجموعي من جهة الخصوصيات، بل بنحو العموم الاستغراقي، فانكشاف عدم كونه في مقام البيان من جهة لا يلازم انكشاف عدم كونه في مقام البيان من سائر الجهات‏ (1).

و يمكن ان يوجه كلام صاحب الكفاية: بان الإطلاق من سائر الجهات في فرض التقييد موضوعه الحصة الخاصة، فهو في طول المقيد، لا ان الإطلاق و القيد يرد ان على الطبيعة في عرض واحد، فإذا ثبت الحكم للعالم العادل، فإطلاق الموضوع من حيث السيادة و عدمها موضوعه العالم العادل لا ذات العالم، إذ لا معنى للإطلاق من حيث السيادة الا في حدود و إطار العالم العادل، إذ لا يثبت الحكم- مع فرض موضوعه العالم العادل- للعالم المطلق من جهة السيادة و عدمها و لو لم يكن عادلا.

و بعبارة أخرى: ان الإطلاق بلحاظ تمام الموضوع لا بلحاظ كل جزء جزء، و تمام الموضوع في الفرض هو الحصة الخاصة و ذات الطبيعة جزء الموضوع و هو ليس مجرى الإطلاق الا في موارد خاصة، و لذا لا يجري الإطلاق بالنسبة إلى كل جزء من اجزاء الصلاة، بل إلى مجموع الصلاة في موارد تعلق الحكم بها.

و عليه، فإذا ورد المقيد الكاشف عن كون الموضوع هو الحصة اختل التمسك بالإطلاق من جميع الجهات، لأن ما ينبغي ان يكون مجرى المقدمات و موضوع الإطلاق هو الحصة لأنها تمام الموضوع، و المتكلم لم يكن في مقام البيان‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 355- الطبعة الأولى.

436

من جهاتها و خصوصياتها، إذ لم يكن في مقام ذاتها. و ما كان في مقام بيانه- و هو الطبيعة- ليس مورد الإطلاق بعد ورود المقيد لأنه ليس موضوع الحكم.

و قد يتوهم: ان هذا البيان مستلزم لمنع التمسك بالإطلاق مع كون المتكلم في مقام البيان من جهة دون أخرى، و ذلك لاحتمال ان يكون مراده الواقعي من الجهة التي ليس في مقام منها هو الحصة الخاصة فيكون الإطلاق من الجهة الأخرى في طولها، و مع هذا الاحتمال يمتنع التمسك بالإطلاق، لأنه لا يحرز انه في مقام بيان الموضوع هو الطبيعة كي يتمسك بإطلاقها، لأنه في مقام بيانها.

و هو ليس في مقام بيان الحصة، فان المفروض انه مهمل من هذه الجهة.

و بالجملة: إذا فرضنا انكشاف ان كون المراد الواقعي هو المقيد مانع عن التمسك بالإطلاق من سائر الجهات لعدم كونه في مقام بيان المقيد، فاحتمال ذلك- مع عدم كونه في مقام بيانه- يكفي في المنع عن التمسك بالإطلاق، لأنه انما يصح التمسك بإطلاق الموضوع الواقعي إذا كان المتكلم في مقام بيانه، و هو مشكوك على الفرض، فمثلا: لو قال: «أكرم العالم» و لم يكن في مقام البيان من جهة العدالة و الفسق، لم يصح التمسك بإطلاق العالم بالنسبة إلى السيادة و عدمها، لعدم إحراز انه تمام الموضوع، لاحتمال انه العالم العادل و هو ليس في مقام بيانه.

مع ان هذا اللازم لا يقول به أحد، فان التفكيك في مقام البيان بين الجهات يلتزم به الكل و لا يرون فيه إشكالا.

و يندفع هذا التوهم: بالفرق بين مقام الحدوث و البقاء، فانه مع الالتفات حدوثا إلى ان المتكلم في مقام البيان من جهة دون أخرى كما لو صرح بذلك، فمرجع ذلك إلى تصريحه- مثلا- بأنه مقام البيان من هذه الجهة- كجهة السيادة- بالنسبة إلى الموضوع الواقعي على واقعه المردد بين المطلق من الجهة الأخرى و المقيد- كالمردد بين العادل و مطلق العالم- من دون تعرض لبيان ما هو الموضوع‏

437

الواقعي، فلو انكشف انه المقيد لم يضر بالإطلاق، لأنه كان في مقام بيانه من الجهة الأخرى، و هذا بخلاف ما لم يكن حدوثا كذلك، فلا ظهور يدل على انه في مقام بيان الموضوع الواقعي على واقعه، إذ لم يكن الكلام حدوثا ظاهرا في الإجمال، بل ظاهرا في الإطلاق من هذه الجهة أيضا، فإذا ورد القيد كشف عن كون الموضوع هو الحصة و لم يكن في مقام البيان بالنسبة إليها، بل في مقام الذات لا غير فيكشف عن عدم كونه في مقام البيان بالنسبة إلى الموضوع الواقعي، و إلّا لنبّه على ذلك بعد ان لم يكن للكلام ظهور فيه. فالتفت فانه لا يخلو عن دقة.

و عليه، فإيراد الكفاية موجه بالبيان الّذي عرفته.

و لكن هذا لا يصحح كلام الكفاية و اختيار صاحبها، أعني كون مجرى المقدمات هو المراد الاستعمالي فانه غير سالم عن الإشكال.

بيان ذلك: ان الواقع في باب الإنشائيات يختلف عنه في باب الإخباريات، فان وجود واقع وراء الاستعمال امر متصور في باب الاخبار يحكي عنه الخبر، يطابقه أو لا يطابقه، و ليس كذلك الحال في باب الإنشاء، فان الأمور الإنشائية لا واقع لها سوى مقام الإنشاء، و الأحكام منها، اذن فما هو المراد من المراد الواقعي في باب الأحكام في قبال المراد الاستعمالي، بناء على ان واقع الحكم ليس إلّا الإنشاء، و هو استعمال اللفظ بقصد إيجاد المعنى بوجود إنشائي أو اعتباري؟. لا يقصد من ذلك إلّا مقام الداعي للإنشاء، فإذا أنشأ الطلب بداعي البعث حقيقة كان وجوبا حقيقة، و ان إنشاءه بداعي غير البعث لم يكن وجوبا حقيقة، فاتفاق المراد الواقعي مع المراد الاستعمالي معناه صدور الإنشاء بداعي البعث جدا و اختلافه معناه صدور الإنشاء بداعي غير البعث كالتهديد.

و عليه، فنقول إذا فرض ان المراد الاستعمالي هو المطلق، بان أنشئ الحكم على جميع الافراد، و لكن كان المراد الجدي على طبق المقيد بان كان الواجب حقيقة بعض الافراد فما هو الأثر من تفهيم المطلق؟. الّذي ذكره صاحب‏

438

الكفاية ان إنشاء الحكم على الكل بداعي ان يكون قاعدة و قانونا (1).

و قد تقدم الإشكال فيه في مبحث العموم: بأنه ان أريد قاعدة و كاشفا عن حكم الخاصّ بعد التقييد بما انه عام، فهو خارج عن طريقة المحاورة، إذ لا معنى لإنشاء الحكم على الكل و إرادة البعض، فهو نظير ان يقول: «أكرم عشرة» ثم يبين انه يريد إكرام خمسة، و بالخصوص إذا كان معنى الإطلاق ثبوت الحكم للطبيعة من دون أي خصوصية، فانه ينافي التصريح بدخول الخصوصية بعد ذلك منافاة توصل الكلام الأول إلى حد الاستهجان. و ان أريد كونه كاشفا عن حكم الخاصّ بما انه بعض مدلوله، فهو يبتني على حجية الدلالة التضمنية لو سقطت المطابقية عن الحجية، كما انه ما الملزم للاستعمال في العموم؟ مع إمكان ان ينشئ الحكم على المقيد رأسا.

هذا مضافا إلى ما أورده المحقق الأصفهاني من: ان الإنشاء بداعي البعث جدا بالنسبة إلى الجميع ممتنع لفرض إرادة المقيد لا المطلق، و الإنشاء بداعي البعث بالنسبة إلى البعض، و بداعي آخر بالنسبة إلى البعض الآخر يستلزم صدور الفعل الواحد و هو الإنشاء عن داعيين و هو محال‏ (2).

و ان كان ما ذكره قابل للرد. فتأمل.

نعم ينحل الإشكال على صاحب الكفاية بالالتزام بكون الإنشاء بداعي البعث جدا بالنسبة إلى الجميع فيثبت الحكم الحقيقي للجميع، و لكنه يرتفع عن البعض بورود المقيد لانتهاء مصلحته.

و لكنه التزام بتعدد الحكم و بالنسخ و هو غير صحيح قطعا لبداهة وحدة الحكم و عدم تعدده.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 248- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 337- الطبعة الأولى.

439

و نتيجة مجموع ما ذكرناه ان كلا المذهبين لا يخلو ان من إشكال.

و الّذي نراه ان منشأ إشكال صاحب الكفاية على المذهب الآخر و الجواب غير الصحيح عنه الّذي عرفته، هو الغفلة عن شي‏ء، و هو: ان المدعي لكون المتكلم في مقام بيان المراد الجدي و جريان المقدمات في ذلك المقام يرى ان من المقدمات عدم القرينة إلى زمان لا يقبح تأخيرها عنه، لا عدم القرينة في حال الخطاب.

و عليه، فلا يكون ورود القيد كاشفا عن عدم كونه في مقام البيان و اختلال الإطلاق المنعقد بدوا، بل لا ينعقد الإطلاق أصلا قبل ورود القيد، نعم ينعقد بعد مرور زمان يقبح تأخير البيان عنه. فإذا ورد القيد قبل مرور هذا الزمان كان موجبا للإخلال بالمقدمة الثانية، أعني عدم ما يوجب التعيين، و لا يكون مخلا بالمقدمة الأولى، إذ لا تنافي بين تأخير البيان عن الخطاب و كونه في مقام البيان. فإذا كان المتكلم في مقام بيان مرامه بالتدريج لم ينعقد الإطلاق قبل مرور الزمان الّذي يفرضه لبيان مرامه، و لم يكن ورود القيد في الأثناء منافيا لكونه في مقام البيان، فورود القيد في أثناء هذا الزمان يوجب انعقاد الظهور الإطلاقي في المقيد و الحصة الخاصة، لأنه كان في مقام بيانها.

و بالجملة: القيد المنفصل على هذا المذهب كالقيد المتصل يوجب انعقاد الظهور في المقيد.

و منشأ إشكال الكفاية هو: تخيل ان المفروض انه في مقام البيان في مقام الخطاب، ورود القيد المنفصل يستلزم الكشف عن عدم كونه في مقام البيان، فيلزم المحذور السابق، فإشكال الكفاية متجه بناء على هذا التخيل لكنه تخيل غير صحيح.

و يتلخص من مجموع ما ذكرناه مسالك ثلاثة:

الأول: ما قربناه من ان استفادة الإطلاق بواسطة ظهور أخذ الطبيعة

440

المدلول عليها باللفظ في موضوع الحكم في كونها تمام الموضوع، و هذا الظهور يكون حجة على المراد الواقعي بمقتضى أصالة الظهور.

الثاني: ان استفادة الإطلاق بواسطة مقدمات الحكمة الجارية في تشخيص المراد الاستعمالي، و يكون الظهور الإطلاقي حجة على المراد الواقعي بمقتضى حجية الظهور.

الثالث: ان استفادة الإطلاق بواسطة جريان مقدمات الحكمة في تشخيص المراد الواقعي رأسا.

و الجميع يشترك في أمر، و هو ان الدليل المقيد يتقدم على المطلق إذا لم يمض وقت بيان المراد الواقعي.

لكنه لا يتصرف في أصل الظهور على الأولين، بل ينفي حجيته. و يتصرف فيه على الأخير بحيث ينعقد الإطلاق في المقيد رأسا.

و الوجه في تقدم المقيد على المطلق في الفرض المزبور: اما على الأخير فواضح كما تقدم تقريبه، انه كالقيد المتصل و اما على الأولين، فالظهور و ان كان حجة على الواقع لكنه في مقام لا يكون من شأن المتكلم بيان الواقع ببيان متعدد، اما إذا كان من شأنه ذلك كما هو الحال بالنسبة إلى الشارع الأقدس، فلا يكون الظاهر حجة على الواقع ما لم يمض زمان البيان، إذ مع عدم مضيه يكون الكلام في معرض التقييد، و لا يكون حجة مع كونه كذلك.

و من هنا يقال: بأنه يلزم على هذا عدم انعقاد الإطلاق للكلام، أو عدم حجيته قبل انتهاء زمان الأئمة (عليهم السلام) لأن كلامهم بمنزلة كلام واحد، و من الواضح ان المطلق الّذي يصدر من السابق منهم (عليهم السلام) في معرض التقييد ممن يلحقه منهم (عليهم السلام)، فلا يمكن الكشف عن المراد الواقعي بالتمسك بإطلاق كلامهم (عليهم السلام) ما لم ينته زمان البيان منهم.

و تحقيق الحال: ان لدينا صورا ثلاث:

441

الأولى: ان يكون السائل للمعصوم (عليه السلام) ممن لا يرجو لقاءه أو لقاء أحد الرّواة عادة، كما إذا كان من البلاد البعيدة، فلا معنى لأن يقال في مثل هذا الفرض ان الإمام (عليه السلام) في مقام بيان مرامه بكلام متعدد، بل لا بد ان يكون في مقام بيان مرامه بنفس كلامه مع السائل، فله التمسك بإطلاق الكلام و استكشاف المراد الواقعي به. فإذا ورد مقيد بعد حين كان معارضا للمطلق لا مقدما عليه رأسا، بل تلحظ قواعد المعارضة بينهما.

الثانية: ان يكون السائل من يجتمع مع الإمام (عليه السلام) كثيرا و سؤاله لمعرفة الحكم و تعلمه كمثل زرارة. ففي مثل هذا الفرض يمكن ان يقال ان العادة على عدم بيان تمام مرامه في مجلس واحد و كلام واحد بل في مجالس متعددة.

و عليه، فلا يمكنه التمسك بإطلاق كلامه الأول ما لم يمض وقت البيان عادة و لم يرد القيد، فإذا ورد القيد في الأثناء كان مقدما على الإطلاق جزما.

الثالثة: ان يكون السائل كذلك، لكن القيد يأتي من المعصوم اللاحق، و في مثله لا يمكننا ان نقول بان العادة على تأخير البيان و الاعتماد على الإمام اللاحق (عليه السلام) بحيث يظهر ذلك من حال الإمام السابق (عليه السلام).

و عليه، فيمكن التمسك بالإطلاق و يكون المقيد معارضا له كما في الصورة الأولى، و لا يصح تقديمه عليه إلّا إذا كان أظهر، على إشكال ستأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى.

فظهر انه لا معنى للجزم بتقديم المقيد على المطلق رأسا، حتى بناء على كون مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الواقعي، لانعقاد الإطلاق إذا مضى وقت البيان و لم يرد القيد.

و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في مبحث الجمع بين المطلق و المقيد مزيد تحقيق و توضيح. فانتظر.

442

في الشك في كون المتكلم في مقام البيان‏

ثم انه إذا أحرز كون المتكلم في مقام البيان فلا إشكال. و لو شك في كونه في مقام البيان فلدينا صورتان:

الأولى: ان لا يحرز انه في مقام البيان من أيّ جهة من الجهات، بل يحتمل انه في مقام الإهمال من جميع الجهات.

الثانية: ان يحرز انه في مقام البيان من جهة و يشك في كونه في مقام البيان من جهة أخرى، كما لو قال: «أكرم العالم» و أحرز انه في مقام البيان من جهة العدالة و الفسق و شك فيه من جهة السيادة و عدمها.

اما الصورة الأولى: فلا إشكال في ان بناء العقلاء على حمل المتكلم على كونه في مقام البيان، و حينئذ فيجوز التمسك بالإطلاق من جميع الجهات لعدم المرجح لإحداها على الأخرى.

و اما الصورة الثانية: فظاهر الكفاية ثبوت البناء العقلائي على ان المتكلم في مقام البيان، و استشهد على ذلك بالتمسك بالإطلاقات من دون فحص و إحراز لكون المتكلم في مقام البيان‏ (1). و خالفه المحقق النائيني (قدس سره) فذهب إلى عدم الدليل على إثبات انه في مقام البيان من الجهة المشكوكة، لارتفاع اللغوية بكونه في مقام البيان من الجهة الأخرى- كما هو الفرض- (2).

أقول: استدلاله (قدس سره) بعدم اللغوية في غير محله، إذ لم يكن البناء على ان المتكلم في مقام البيان من جهة صون كلامه عن اللغوية، كيف؟ و قد التزم (قدس سره) بإمكان ورود الكلام في مقام التشريع لا أكثر.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 248- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 529- الطبعة الأولى.

443

و تحقيق الحال: انه ان قلنا بان استفادة الإطلاق من مقدمات الحكمة أشكل الجزم بأحد الرأيين لعدم الطريق إلى تعيين الحق منهما، و انّا إذا قلنا بان استفادة الإطلاق من ظهور ترتيب الحكم على الطبيعة في كونها تمام الموضوع- كما قرّبناه- فلا يعتبر إحراز كون المتكلم في مقام البيان، و ذلك لأن مقتضى أصالة الحقيقة هو إرادة المعنى الظاهر من الكلام، و مقتضى حجية الظاهر مطابقة المراد الواقعي للظاهر، و مقام الثبوت لمقام الإثبات.

و عليه، فيكون الكلام دليلا على ثبوت الحكم للطبيعة بلا دخل الخصوصية، و ان شك في كون المتكلم في مقام البيان من جهتها، لأن بناء العقلاء- بلا تشكيك- على العمل بظاهر الكلام بلا توقف و تردد، و قد عرفت ان الظاهر هو ترتيب الحكم على ذات الطبيعة بلا دخل الخصوصية، و مع الشك في إرادة الظاهر يرجع إلى أصالة الحقيقة كما هو الحال في كل مورد يشك في إرادة ظاهر الكلام منه.

نعم إذا أحرز انه ليس في مقام البيان من بعض الجهات، و انه في مقام الإهمال من تلك الجهة، لا يكون الظاهر حجة على مراده من تلك الجهة و هو واضح. فان بناء العقلاء على حجية الظاهر ما لم يحرز انه لا يقصد الكشف عن مراده الواقعي به.

فظهر ان ما اخترناه في بيان استفادة الإطلاق أمر عرفي خال عن بعض التكلفات، كتكلف دعوى بناء العقلاء على إرادة المطلق لو لم ينصب قرينة على التقييد، مع ان الإطلاق خصوصية زائدة كالتقييد، و تكلف دعوى بناء العقلاء على كونه في مقام البيان، مع الشك في جهة و إحراز انه كذلك من جهة أخرى.

و لكن ما ذكرناه انما ينفع في استفادة الإطلاق في موارد يؤخذ المعنى المقصود إثبات تعميمه لافراده في موضوع الحكم، كي تتأتى دعوى ان أخذه في موضوع الحكم ظاهر في انه تمامه.

444

و اما لو لم يكن ذلك، فلا ينفع ما ذكرناه، كما في المثال المذكور في أجود التقريرات‏ (1)، و هو قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ‏ (2) حيث يشك في انه في مقام البيان من جهة نفي الحرمة الثابتة للميتة، أو أعم منها و من نفي الحرمة من جهة النجاسة باعتبار ملاقاة محل الإمساك. فان عدم الحرمة له فردان، عدم الحرمة من جهة الميتة، و عدم الحرمة من جهة النجاسة.

فإذا شك في ان المقصود بيانه هل هو عدم الحرمة من جهة الميتة أو الأعم، لم ينفع البيان الّذي ذكرناه.

اما بالنسبة إلى إجرائه في نفس عدم الحرمة المدلول عليه بالهيئة، فمضافا إلى انه معنى حرفي غير قابل للحاظ الاستقلالي، انه لم يؤخذ في موضوع الحكم، كي يقال بان ظاهر ترتيب الحكم عليه دخالته بنفسه من دون دخل خصوصية فيه، بل لا معنى لذلك، لأن مدلول الهيئة ليس مفهوم الحكم، بل هو النسبة و هي معنى حرفي.

و اما بالنسبة إلى إجرائه بالنسبة إلى الأكل بان يقال: ان الحكم ثابت لطبيعة الأكل و لم يقيد بما قبل الغسل و عدمه فيدل على ان ذات الأكل هو متعلق الحكم، فلأنه لا يقتضي ان الحكم هو الأعم، إذ نفي الحرمة من جهة الميتة ثابت للأكل قبل الغسل و بعده، فإثبات إطلاق المتعلق أو الموضوع لا يلازم إثبات ان المنفي هي الحرمة من كلتا الجهتين.

و في الحقيقة ان المورد ليس من موارد الإطلاق على جميع المسالك، فانه لا معنى للالتزام بمقدمات الحكمة في إثبات الجواز الفعلي. لأنها ان لوحظت بالنسبة إلى مدلول الهيئة، فقد عرفت ان مدلولها ليس مفهوم عدم الحرمة كي‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 529- الطبعة الأولى.

(2) سورة المائدة، الآية: 4.

445

يتمسك بإطلاقه في إثبات كلا فرديه- أعني الجواز من جهة النجاسة و من جهة الميتة. فيلازم الجواز الفعلي، بل مدلولها النسبة الّذي لا يتصور فيها العموم، مضافا إلى انه معنى حرفي ملحوظ آلة فلا تتم فيه مقدمات الحكمة.

و ان لوحظت بالنسبة إلى المتعلق أو الموضوع، فقد عرفت ان نفى الخصوصية لا يثبت الجواز من جميع الجهات فتدبر.

نعم لو كان الدليل متكفلا للجواز الفعلي تم ما ذكر، لكنه هو محل الإشكال و هو موضوع النزاع. اذن فلا طريق لدينا إلى إثبات ان الآية تتكفل نفي الحرمة بالمعنى الأعم، لا خصوص عدم الحرمة من جهة الميتة، فتدبر و لا تغفل.

446

الانصراف‏

ثم انه بعد ان تقدم من ان استفادة الإطلاق بمقدمات الحكمة أو بما ذكرناه، يقع الكلام في مانعية الانصراف إلى بعض الافراد أو الأصناف عن التمسك بالإطلاق.

و قد ذكر صاحب الكفاية للانصراف افرادا ثلاثة:

الأول: الانصراف البدوي الزائل بالتأمّل، و مثل له بانصراف لفظ الماء إلى ماء الفرات أو دجلة في الموضع القريب منهما.

الثاني: الانصراف الملازم لظهور اللفظ في المنصرف إليه.

الثالث: الانصراف الملازم لتيقن المنصرف إليه، مع عدم كونه ظاهرا فيه بخصوصه.

و قد حكم بعدم مانعية الأول من الإطلاق، و مانعية الأخيرين من التمسك فيه‏ (1).

و قد أوقع المحقق النائيني الحديث عن الانصراف، و ذكر له صورا ثلاثة أيضا:

الأول: الانصراف البدوي و هو الناشئ عن غلبه خارجا.

الثاني: الانصراف الناشئ من التشكيك في الماهية بحسب متفاهم العرف، بحيث يرى العرف خروج بعض الافراد عن كونه فردا للطبيعة، كانصراف لفظ ما لا يؤكل لحمه عن الإنسان.

الثالث: الانصراف الناشئ من التشكيك في الماهية، بحيث يشكك العرف‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 249- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

447

في مصداقية بعض الافراد، كانصراف لفظ الماء إلى غير ماء الذاج و الكبريت.

و قد ذكر ان القسم الأول لا مجال لتوهم مانعيته عن الإطلاق.

و اما القسم الثاني فهو يمنع من التمسك بالإطلاق، لأن المورد يكون من قبيل احتفاف الكلام بالقرينة المتصلة، فلا ظهور الا في غير ما ينصرف عنه اللفظ.

و هكذا الحال في القسم الثالث، فانه يمنع من الإطلاق، لكون المطلق فيه يكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينة (1).

أقول: حصره الانصراف غير البدوي بالناشئ عن التشكيك في غير محله، إذ قد يتحقق الانصراف في غير موارد التشكيك، كما قد يدعي انصراف قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (2) إلى البيع الصادر من المالك لا مطلق البيع.

ثم ان جعله انصراف لفظ ما لا يؤكل لحمه عن الإنسان من موارد الانصراف الناشئ من التشكيك يمكن ان يكون من جهة القوة و ان يكون من جهة الضعف، بان يقال ان الإنسان باعتبار انه أقوى افراد الحيوان و رافعها انصرف عنه لفظه، أو يقال ان الحيوانية العرفية فيه ضعيفة فينصرف عنه لفظ الحيوان إلى البهيمة.

و على كل فهذا ليس بمهم و انما المهم تحقيق الكلام فنقول: لا كلام فيما ذكره المحققان من عدم مانعية الانصراف البدوي، لعدم إخلاله بما يعتبر في باب الظهور، كما لا كلام فيما ذكراه من مانعية القسم الثاني من الإطلاق على أي مسلك من مسالكه، لأن وجود ما يوجب تعيين بعض الافراد يتنافى مع استفادة الإطلاق على جميع مسالكه و هو واضح.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 532- الطبعة الأولى.

(2) سورة البقرة، الآية: 275.

448

و اما مورد الانصراف لأجل التشكيك في صدق المفهوم على بعض الافراد، فقد عرفت تعليل مانعيته في كلام المحقق النائيني بأنه يكون من قبيل الاحتفاف بما يصلح للقرينية.

و تحقيق صحة هذا المعنى يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى. فالأولى تعليل المانعية بان الإطلاق إنما ينفع فيما إذا أحرز انطباق المعنى على المشكوك ثبوت الحكم له. فمع الشك فيه- يعني في الانطباق- لا ينفع الالتزام بان المراد هو المطلق، إذ لا يتوصل إلى إثبات الحكم له مع الشك في كونه فردا للطبيعي.

و من هنا يظهر ان مراد صاحب الكفاية في مانعية تيقن المنصرف إليه ان كان ما ذكرناه، فيكون مراده تيقن الفردية دون غيره، فهو تام لا إشكال فيه.

و ان كان من جهة وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، فيكون مراده تيقن الإرادة مع إحراز ان غيره فرد للطبيعة، فقد عرفت الإشكال في مانعيته عن التمسك بالإطلاق فراجع.

ثم ان التعبير الوارد في تقريرات النائيني بان الانصراف ينشأ من رؤية العرف خروج بعض الافراد عن مصداقية الطبيعة (1)، لا يخلو من تسامح، إذ العرف مرجع في تعيين المفاهيم، اما تشخيص المصاديق للمفهوم المحدود عرفا فلا يرجع إليه فيه. فلا بد ان يكون المراد ان العرف يرى ان مفهوم اللفظ بنحو لا ينطبق على هذا الفرد. فتدبر.

فصل في المطلق و المقيد المتنافيين‏

إذا ورد المطلق و ورد مقيد ينافيه، فهل يقدم المقيد على المطلق أو لا؟.

و تحقيق المقام: ان الدليل المقيد على نحوين:

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 532- الطبعة الأولى.

449

الأول: ما يكون متكفلا لحكم إرشادي من امر أو نهي، فيكون الأمر فيه للإرشاد إلى جزئية أو شرطية، متعلقة لموضوع الحكم، و النهي فيه للإرشاد إلى مانعيته، نظير الأوامر الواردة في باب المركبات الاعتبارية، فانها ظاهرة في الإرشاد إلى أخذ متعلقها في المركب.

الثاني: ما يكون متكفلا لحكم مولوي متعلق بالمقيد.

و لا إشكال في تقديم المقيد- إذا كان بالنحو الأول- على المطلق، فإذا ورد دليل يأمر بالصلاة بقول مطلق، و ورد دليل يأمر بها مع الركوع، و كان ظاهرا في الإرشاد إلى جزئية الركوع، قدم المقيد بلا كلام. و سنشير إلى وجه تقديمه.

و على كل، فليس هذا النحو محل الكلام فيما نحن فيه، و انها محل الكلام هو النحو الثاني، كما إذا قال: «أكرم العالم» ثم قال: «يحرم إكرام العالم الفاسق» أو: «يجب إكرام العالم العادل». فقد وقع الكلام في تقديم المقيد على المطلق و في وجه تقديمه.

و عليه، فما يظهر من أجود التقريرات من ابتناء التقديم و عدمه على النحوين في كيفية المقيد، بمعنى انه ان كان ظاهرا في الإرشاد يقدم. و ان كان ظاهرا في المولوية لا يقدم‏ (1).

غير صحيح، إذ محل الكلام في التقديم و عدمه، و في مسألة حمل المطلق علي المقيد هو: ما إذا كان المقيد واردا بالنحو الثاني فالتفت.

و على كل، فقد تعرض المحقق النائيني (قدس سره) قبل الدخول في أصل البحث إلى أمر ذكره كمقدمة للبحث و توطئة لتوضيح الحال فيه.

و هو: ان ظهور القرينة يتقدم على ظهور ذي القرينة من دون ملاحظة أيهما الأقوى.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 535- الطبعة الأولى.

450

و لذا يقدم ظهور: «يرمي» في رمي النبل على ظهور: «الأسد» في الحيوان الخاصّ في قول القائل: «جاء أسد يرمي»، مع ان ظهور يرمي انصرافي، و ظهور أسد وضعي، و هو أقوى من الانصرافي.

و وجّهه بان الشك في إرادة ما يظهر فيه ذو القرينة مسبب عن الشك في إرادة ما تظهر فيه القرينة، فالأخذ بظاهر القرينة يستلزم رفع الشك في المراد بذي القرينة و حمله على خلاف ظاهره الأوّلي، لأن مؤدى القرينة بنفسها يرجع إلى تشخيص المراد بذي القرينة و تعيينه، و ليس الأمر كذلك بالعكس، فان الأخذ بظاهر ذي القرينة لا يستلزم تعيين المراد من القرينة إلّا بالملازمة العقلية- بلحاظ التنافي بين الظهورين-، و الأصل اللفظي و ان كان حجة في اللازم.

العقلي لمجراه، لكنه انما يثبت به اللازم العقلي على تقدير جريانه في نفسه، و أصالة الظهور في ذي القرينة لا تجري الا على وجه دائر، لأن جريانها فيه يتوقف على عدم جريان أصالة الظهور في القرينة- إذ جريانها في القرينة يلغي الشك في ذي القرينة فلا مجال للأصل فيه-، فلو كان عدم جريان أصالة الظهور في ناحية القرينة مستندا إلى جريانه في ذي القرينة لزم الدور.

و بهذا البيان يلتزم بتقدم الأصل الحاكم على الأصل المحكوم.

و لا يختلف الحال فيما ذكر بين القرينة المتصلة أو المنفصلة، و ان كان هناك فرق بينهما من ناحية أخرى، و هي: ان القرينة المتصلة تصادم أصل الظهور التصديقي لذي القرينة، المعبر عنه بالمراد الاستعمالي فتوجب التصرف فيه.

و اما القرينة المنفصلة، فهي تصادم كاشفية الظهور التصديقي لذي القرينة عن المراد الواقعي فتوجب التصرف في حجيته و كاشفيته لا فيه نفسه‏ (1).

هذا ما أفاده (قدس سره)، و قد ذكره مقدمة لبيان ان تقديم المقيد على‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 535- الطبعة الأولى.

451

المطلق من جهة قرينية المقيد.

و هذا البيان منه لا يخلو من مناقشات من جهات عديدة.

الأولى: ما يظهر منه (قدس سره) من فرض ظهورين للقرينة و لذي القرينة، يقع التصادم بينهما و يقدم أحدهما للحكومة بالوجه الّذي عرفته.

فان ذلك غير سديد، فانه ليس لدينا في موارد القرينة المتصلة الا ظهور واحد ينعقد للكلام رأسا بلا ملاحظة ما ذكره من جهة التصادم و التقديم.

اما في مثل موارد التقييد مثل: «أكرم العالم العادل» فواضح، بداهة عدم وجود ظهورين متصادمين يدور الأمر بين تقديم هذا أو ذاك منهما، لعدم تصادم الظهور الأولي للعالم مع الظهور الأولي للعادل، و لذا لا ينتقل السامع من الكلام رأسا إلا إلى الحصة الخاصة، و يرى ان للكلام ظهورا واحدا منعقدا فيها و ليس هناك أي تصادم بين ظهورين.

و اما في مثل موارد المجاز نحو: «جاء أسد يرمي» فكذلك، فان السامع ينتقل ذهنه رأسا إلى معنى واحد و هو الشجاع، بحيث يرى الكلام ظاهرا فيه رأسا بلا ان يرى تصادما و يعمل ترجيحا لأحد الظهورين على الآخر.

و لعل السرّ فيه، هو: انه و ان كان للفظ: «أسد» ظهور طبعي لا يتلاءم مع ظهور لفظ: «يرمي»، لكن الملحوظ في مقام التصادم ليس الظهور الطبعي للفظين، إذ الظهور الطبعي لأي لفظ ثابت فيه و لو مع الجزم بإرادة خلافه، كما انه ليس موضوعا لأي أثر و بناء عقلائي، و انما التصادم- على تقدير وجوده- يكون بين الظهورين التصديقيين، بمعنى يقع التصادم بين بناء العقلاء على إرادة كلا الظهورين الفعليين. و لكنه فيما نحن فيه غير ثابت، إذ لا يتحقق بناء العقلاء على إرادة ظاهر أي لفظ ما لم يتم كلام المتكلم، لأن موضوعه هو الظهور الفعلي لا الظهور الطبعي، و هو لا ينعقد قبل تمامية الكلام، فقبل ورود القرينة لا بناء للعقلاء على إرادة ظهور ذي القرينة، و بعد ورودها في الكلام لا يكون للكلام‏

452

الا ظهور واحد يتناسب مع القرينة، و هو موضوع بناء العقلاء، فأين هو التصادم بين الظهورين، و أين دوران الأمر بين تقديم هذا أو ذاك؟. بل ليس للكلام بملاحظة مجموعه إلا ظهور واحد يكون موضوعا لبناء العقلاء.

و بالجملة: الظهور الذاتي ليس موضوعا لبناء العقلاء كي يقع التصادم و الدوران بين ترجيح ظهور القرينة و ظهور ذيها، بل هو الظهور الفعلي، و هو ليس إلّا ظهور واحد بملاحظة مجموع الكلام.

و مما يشهد لما ذكرنا من وحدة الظهور الفعلي هو: انه لو صدر الكلام من الغافل كالنائم، ينتقل الذهن إلى المعنى المجازي.

و هذا يكشف عن ان ظهور اللفظ في المعنى المجازي أجنبي عن مسألة ترجيح الظهورين، إذ لا مجال لاعمال قواعد الترجيح في الفرض لغفلة المتكلم.

و بعبارة أخرى مختصرة نقول: ان حديث ترجيح أحد الظهورين لا ربط له كلية بانعقاد ظهور الكلام في المعنى، إذ لا ربط للبرهان العقلي في تشكيل ظهور اللفظ و حكايته عن المعنى فعلا الّذي هو موضوع أصالة الحقيقة.

و بهذا يندفع ما قد يتخيل من: ان مقصود القائل هو تصادم الظهورين.

الاقتضائيين في مقام انعقاد الظهور الفعلي، إذ الظهور الاقتضائي يصير فعليا ما لم تقم قرينة على خلافه، فيحصل التدافع بين ظهور القرينة و ذيها.

وجه الاندفاع: ان حديث انعقاد الظهور لا يرتبط بالبرهان العقلي المزبور. فالتفت.

الثانية: ما ذكره من تطبيق الوجه العقلي في تقديم الحاكم على المحكوم على مورد القرينة، و بيان ان تقدمها بهذا الوجه.

و هذا الوجه مأخوذ من الشيخ‏ (1). و نقحه المحقق الخراسانيّ‏ (2).

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 432- الطبعة الحجرية.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 256- الطبعة الأولى.

453

و هو- مع غض النّظر عن صحته و عدمها في نفسه، فان لذلك مجالا آخر- لا ينطبق على ما نحن فيه.

و ذلك لأنه انما يتأتى في الحاكم بلحاظ انه ينظر إلى موضوع المحكوم نفيا أو إثباتا، و فيما نحن فيه ليس كذلك، لأن القرينة و ان رفعت الشك في ذي القرينة، لكن ذلك بلحاظ نظرها إلى المراد بذي القرينة لا بلحاظ ان مدلولها إلغاء الشك فيه- كما هو الحال في مثال الأمارة مع الأصل بناء على الحكومة-.

و عليه، فيتوجه عليه الإشكال الّذي ذكره هو و هو: ان الالتزام بظاهر ذي القرينة يوجب التصرف بظاهر القرينة بالملازمة. و تفصّيه عنه بما عرفت في غير محله، إذ لا وجه لفصل المدلول الالتزامي عن المدلول المطابقي، بحيث يلزم ان يجري الأصل بلحاظ أثر المدلول المطابقي أولا ثم يثبت المدلول الالتزامي، بل يصح جريان الأصل بلحاظ المدلول الالتزامي رأسا، و عليه فيلزم التحاكم من الطرفين، فيقال أيضا: ان أصالة الظهور في القرينة تتوقف على عدم جريانها في ذي القرينة- لاستلزام جريانها فيه التصرف في ظهور القرينة-، فلو توقف عدم جريانها في ذي القرينة على جريانها فيها لزم الدور.

الثالثة: ما ذكره من الفرق بين القرينة المتصلة و المنفصلة، في ان الأولى تتصادم مع أصل الظهور التصديقي. و الثانية تتصادم مع كاشفيته و حجيته.

فانه مشكل من وجهين:

الأول: انه لا يتلاءم مع ما يذكره و يلتزم به من ان مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الواقعي، بحيث لو ورد المقيد كشف عن عدم كون المتكلم في مقام البيان من جهة القيد، فانه يستلزم كون المقيد المنفصل مخلا بالظهور الإطلاقي نفسه، فكيف يقول: ان القرينة المنفصلة لا تصادم نفس الظهور؟ فما ذكره لا يتم في موضوع البحث على مسلكه (قدس سره).

الثاني: ان هذا لا يلتزم به في موارد الأظهر و الظاهر المؤديين لحكمين في‏

454

موضوع واحد، كما لو قال: «أكرم زيدا» ثم قال: «يجوز ذلك ترك إكرامه»، فانه يلتزم بحمل الأمر على الاستحباب و صرفه عن الوجوب و من الواضح ان ما يلتزم به هو التصرف في المراد الاستعمالي لا خصوص المراد الجدي، فلا يلتزم بان المستعمل فيه الصيغة هو الوجوب، لكن المراد الواقعي هو الاستحباب لأن ذلك مستهجن لأهل المحاورة.

ثم انه (قدس سره) بعد ان ذكر: ان أساس حمل المطلق على المقيد على ثبوت التنافي بينهما و هو يتوقف على استفادة وحدة التكليف- في المتوافقين- التزم بتقديم المقيد للقرينية.

و لنا معه كلام في جهتين:

إحداهما: التزامه بان حمل المطلق على المقيد للقرينية.

و ثانيتهما: التزامه بان وحدة التكليف تستفاد من نفس الدليلين لا من الخارج.

و هو في كلتا الجهتين يختلف مع صاحب الكفاية لأنه التزم بان حمل المطلق على المقيد للأقوائية، كما التزم بان وحدة التكليف تستفاد من الخارج.

و على كل فما ذكره المحقق النائيني في كلتا جهتيه لا يمكننا الالتزام به.

اما تقديم المقيد على المطلق بملاك انه قرينة، فلان الملاك في تقديم القرينة على ذي القرينة هو نظر القرينة إلى مدلول ذي القرينة و تصرفها فيه، إذ من الواضح ان الدليل الّذي يكون ناظرا يتقدم على ما ينظر إليه بحسب بناء العقلاء بلا نظر إلى قوة مدلوله أو غير ذلك، بل لا يعد منافيا للدليل الآخر، و انما يستفيد العرف من المجموع حكما واحدا، و لا فرق في النّظر بين ان يكون بمدلوله المطابقي، كما إذا قال: «أكرم العالم» ثم قال: «أعني به العالم العادل»، أو كان بالملازمة العقلية كدلالة الاقتضاء نظير: «لا شك لكثير الشك» بالنسبة إلى أدلة أحكام الشك، فانه لو لا نظره إليها كان لغوا، إذ نفي الشك أو إثباته لا