منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
57

منه كما لا يخفى‏ (1).

و لكن الّذي يظهر من كلام المحقق الحلي انه ليس في مقام إنكار حجية اليد على الملكية الّذي هو خارج عن محل الكلام. بل هو في مقام إنكار حجية اليد على الملكية التي هي موضوع التخاصم و النزاع و محل النفي و الإثبات- كي تجوز الشهادة بالملك استنادا إليها- في فرض تمامية شروط حجية اليد على الملكية من جهل العنوان و القابلية و غيرهما.

فمراده: ان هذه اليد المفروض كونها حجة على الملكية الظاهرية في المقام لو كانت موجبة للملك الّذي هو محل النزاع و موضوع الخصام، لكان الاعتراف بها اعترافا بالملكية المتنازع فيها، فمقتضى القاعدة عدم سماع دعوى المعترف حينئذ، لأنه أقر لذي اليد بما يدعيه، فيكون كإقراره الصريح بملكية المدعى عليه في عدم سماع دعواه حينئذ.

فاليد و ان كانت تفيد ملكية ذيها، لكن الملكية الثابتة بها لا تنفع في خصم الدعوى، و الإقرار بها ضمنا لا يجدي المدعى عليه نفعا أصلا.

و بعبارة مجملة: المراد كون الملكية التي هي موضوع الدعوى غير الملكية الثابتة بمقتضى اليد، و إلّا لكان الإقرار باليد موجبا لعدم سماع دعوى المعترف و اللازم منتف.

و عليه، فلا مورد للإشكالين المذكورين عليه، لأنه ليس في مقام إنكار أصل حجية اليد على الملكية، بل كلامه لا ينافي حجيتها عليها، و ان الثابت بها ملكية ظاهرية و لكنها لا تنفع.

كما انه لا فرق بين الدعويين- من جهة ان الاعتراف في إحداهما بالسبب و هو يقبل الفساد- إذ ليس المراد ان إيجاب اليد الملكية الظاهرية موجب لعدم‏

____________

(1) الأصفهاني الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 341- الطبعة الأولى.

58

سماع الدعوى بالإقرار، كي يقال: إن الإقرار هاهنا بالسبب بذاته و هو يقبل الفساد لا بالسبب بما هو سبب، إذ المفروض كون الإقرار بالسبب بما هو سبب، هو العلة التامة لثبوت الملكية ظاهرا الّذي هو محل الكلام في جواز الاستناد إليه في الشهادة و لا جوازه.

بل المراد ان الملكية الثابتة باليد ان كانت هي الملكية التي تكون موضوع الدعوى و مصبها بالإقرار بها لزم ما هو منتف، و هو عدم سماع دعوى المعترف بها لأن إقراره يكون مكذبا لدعواه، فلا بد ان تكون ملكية أخرى غير ما هي مصب الدعوى.

و بهذا التوجيه لكلام المحقق لا يتوجه عليه شي‏ء أصلا، إلا ما قد يقال- كما عرفت من كلام صاحب المستند- من: ان موضوع الدعاوي ليس إلا الملكية الظاهرية لعدم ثبوت الملكية الواقعية خارجا، لأن إحراز الملكية بأسبابها انما يكون بتوسط الأصول و الطرق، فالثابت هو الملكية الظاهرية و اليد تثبتها.

فيأتي الإشكال و هو: لزوم عدم سماع الدعوى بالإقرار بها مع انه يناقش فيه. فلا بد من رجوع كلامه إلى نفي حجية اليد على الملكية بالمرة لا نفي حجيتها على الملكية التي تكون موضوع الخصام لعدم تماميته حينئذ.

و لكن يمكن التخلص عنه: بان الطرق و الأصول الجارية في إثبات الملكية ليست كلها في عرض واحد، بل هي طولية، لأن بعضها يجري في أصل السبب كأصالة القصد الجارية عند الشك في تحقق قصد الإنشاء في البيع، و اليد الجارية عند الشك في ملكية البائع و غيرهما. و بذلك تتحقق الملكية من ناحية السبب. ثم الدليل على هذه الملكية انما هو اليد و البينة و الاستصحاب و شبهها، و الملكية الثابتة بهذه الطرق كلها ظاهرية و ليست واقعية. فعند دعوى المدعى ملكية المال و إقراره باليد يعلم منه بقرينة الإقرار باليد بان موضوع دعواه ليست الملكية الظاهرية مطلقا و لو كانت الثابتة باليد- لأنه تكذيب لدعواه-، بل الملكية الظاهرية التي تكون في‏

59

مرحلة سابقة على اليد و في مرتبة الأصول في السبب- مثلا- و كذلك لو لم يقر باليد و لكن كانت اليد معلومة له.

و عليه، فموضوع الدعوى غير الملكية الثابتة باليد، فيشكل جواز الشهادة استنادا إلى اليد، لأن المشهود به غير مصب الدعوى. فلا إشكال على المحقق في كلامه.

نعم، في صورة عدم إقراره باليد و عدم وضوحها له، لا مانع من جواز الشهادة لمن يعلم باليد. لأن دعواه انما هي الملكية الظاهرية مطلقا- ان لا قرينة على إرادة الملكية الظاهرية في المرحلة السابقة على اليد- و هي معلومة بالوجدان بمقتضى اليد، فتجوز الشهادة بها.

فالمتحصل: انه لا بد من التفصيل بين صورة الإقرار باليد أو العلم بها و صورة عدمها. ففي الأولى لا تجوز الشهادة بمقتضى اليد، لأن المشهود به غير مصب الدعوى. و في الثانية لا مانع منها لاتحاد مصب الدعوى مع المشهود به. فالتفت و تدبر.

و أما الاستدلال على جواز الشهادة بمقتضى اليد برواية حفص بن غياث المتقدمة في أدلة حجية اليد و رواية معاوية بن وهب التي ذكرها في الوسائل مستشهدا بها على جواز الشهادة بمقتضى الاستصحاب، ففيه منع:

أما رواية حفص، فهي مضافا إلى ما تقدم من مناقشة دلالتها على حجية اليد على الملكية ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها في إثبات الحكم.

و أما رواية ابن وهب، فهي غير دالة على المطلوب، لأن ظاهر السؤال فيها ان الشخص يرى استحقاق الورثة للمال بمقتضى الموازين الظاهرية، لكن القاضي لا يعمل بذلك تعنتا بل متوقف على الشهادة، كما هو ظاهر قوله: «و لا تقسم»، فسأل الإمام (عليه السلام) عن جواز الشهادة في مثل ذلك لأجل إيصال الحق إلى أصحابه.

60

فالحكم بجواز الشهادة هنا لا يستلزم صحة الشهادة في كل مورد حتى المورد الّذي يتوقف ثبوت الحق ظاهرا على الشهادة، إذ الحق في مورد الرواية ثابت ظاهرا مع قطع النّظر عن الشهادة لعدم المدعي في مقابل الورثة المعلومين، فانتبه و لا تغفل.

الجهة الثامنة: في الأيدي المتعددة على العين الواحدة.

لا شبهة و لا إشكال في الحكم بالملكية المشتركة المشاعة عند تعدد الأيدي عن العين الواحدة.

إلا ان الإشكال في ان الحكم بالملكية المشاعة هل هو من جهة تحقق اليد على الحصة المشاعة أو من جهة أخرى، فالبحث علمي صرف، و هو يقع في جهات ثلاث:

الجهة الأولى: في إمكان تحقق الاستيلاء و اليد على الحصة المشاعة.

الجهة الثانية: في وجود ما يدل على تحققها عليها فيما نحن فيه بعد الفراغ عن إمكان الاستيلاء ثبوتا.

الجهة الثالثة: في جهة الحكم بالملكية المشاعة على القول بعدم تحقق الاستيلاء على الحصة المشاعة ثبوتا أو إثباتا.

أما الجهة الأولى و هو- مقام الثبوت- فتحقيق الكلام فيه يتوقف على بيان المحتملات في معنى ملكية المشاع و معنى الاستيلاء الّذي هو معنى اليد.

أما ملكية المشاع، فقد قيل- كما هو المختار- بأنها ملكية واحدة طرفها متعدد، و هو طرف المالك. فأحد طرفي العلقة الملكية مشدود بالمال و الآخر مشدود بذوي الأيدي، فكل فرد له انتساب إلى هذه الملكية، بحيث تترتب آثار الملكية المستقلة عند انضمام الجميع.

و قيل بأنها ملكيات متعددة بتعدد الحصص، فكل فرد له ملكية مستقلة لحصته الخاصة به. و هذه الملكيات المتعددة ..

61

تارة يقال: بأنها متعلقة بأمر شخصي خارجي، و يعبر عنه بالكسر المشاع، بحيث تكون كل حصة من كل جزء يمكن فرضه للعين مملوكة للفرد، فالمملوك جزء خيالي فرضي.

و أخرى يقال: بأنها متعلقة بأمر كلي من قبيل الكلي في المعين- لامتناع تحقق السريان و الشيوع في الأمر الجزئي- بان يكون المملوك هو الحصة الخاصة من العين المتحققة في ضمن هذا المعين و هو العين.

ثم ان الاحتمالين في الكلي في المعين، و هما كونه امرا خارجيان من قبيل الفرد على سبيل البدل، و كونه أمرا كليا من قبيل الكلي في الذّمّة، فالمملوك أمر كلي في الذّمّة يتصوران هاهنا.

و ان كان الاحتمال الثاني فيه لا مجال له فيما نحن فيه، بل لا معنى له كما لا يخفى [1]. فمن يقول بان الكلي في المعين من مصاديق الكلي في الذّمّة لا وجه له لأن يقول بان ملكية المشاع بنحو ملكية الكلي في المعين. فالاحتمالات في ملكية المشاع- على هذا- ثلاثة:

و أما الاستيلاء، فليس المراد منه قطعا خصوص الاستيلاء الخارجي المقولي، كالاستيلاء على الخاتم بلبسه و على الدّابّة بركوبها، لصدق اليد على الأراضي الواسعة مع عدم تحقق الاستيلاء الخارجي عليها.

فلذلك ذكر المحقق الأصفهاني: بان المراد منه أعم من الاستيلاء المقولي و الاستيلاء الاعتباري، كالاستيلاء على الأعيان الواسعة، فانه بالبناء العرفي يعتبر الاستيلاء عليها و ان لم يكن بمستول عليها حقيقة (1).

و لكن الإنصاف ان الاستيلاء امر انتزاعي ينتزع عن التصرفات الخارجية

____________

[1] وجهه ان مقتضى ذلك كون العين مملوكة لصاحبها الأول و الشريكان لهما في ذمته- لأن الملكية لم تتعلق بأمر خارجي في المعين أصلا- و لا يظن وجود قائل بذلك فالتفت.

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 331- الطبعة الأولى.

62

في العين، حتى في مثل لبس الخاتم و ركوب الدّابّة، فالاستيلاء الحاصل على الأعيان الواسعة و غيرها استيلاء انتزاعي لا اعتباري قائم بوجود المعتبر، بل له وجود حقيقي، غاية الأمر انه انتزاعي و لا حقيقي مقولي. ففي الاستيلاء احتمالان.

ثم ان الاستيلاء الحقيقي المقولي في مورده لا يمكن تصوره على الحصة المشاعة بأي معنى من المعاني التي ذكرناها لملكية المشاع، لأنه يكون على العين كلها، إذ لا وجود للحصة المشاعة متعينا كي يتحقق الاستيلاء عليه خارجا.

و أما الاستيلاء الاعتباري، فهو خفيف المئونة، إذ لا يحتاج إلى مئونة خارجية أصلا، لتقومه بنفس المعتبر و ليس له ما بإزاء في الخارج، فيمكن تحققه على الحصة المشاعة بأي تصوير ذكر لملكيتها، و يكون شأنه شأن ثبوت الملكية لها الّذي هو ثبوت اعتباري، فكما يتصور ملكية الحصة المشاعة و اعتبارها على جميع الاحتمالات، كذلك يمكن تصور اعتبار الاستيلاء عليها.

و أما الاستيلاء الانتزاعي، فتصوره بالنسبة إلى الحصة المشاعة على الاحتمال الأول لملكيتها ممكن، لأن العقلاء ينتزعون من تصرف الشخصين بالعين تصرفا خارجيا مع استئذان كل واحد منهما من الآخر و بلا مزاحمة ثالث لهما، استيلاؤهما على العين بنحو يناسب ملكيتهما للعين، بحيث يكون استيلاء كل منهما ناقصا و بانضمامهما يكون استيلاؤهما استيلاء تاما، فهو يناسب الملكية بالمعنى الّذي اخترناه.

و أما على الاحتمال الثاني، فانتزاع الاستيلاء على الحصة المشاعة من التصرفات الخارجية لا يمكن تحققه، لأن التصرفات الخارجية لا تكون في الكسر المشاع، لأنها انما تكون في الأمور المفروزة المتعينة، فهي تقع على العين كلها.

نعم، التصرفات المعاملية كالبيع و الهبة و الصلح يمكن تحققها بالنسبة إلى الكسر المشاع. فمنها يمكن انتزاع تحقق الاستيلاء على الكسر المشاع.

و مثله- في الكلام- الاحتمال الثالث الّذي هو جعل الحصة المشاعة بنحو الكلي في المعين، و لكنه أمر خارجي على سبيل البدل.

63

هذا كله في مقام الثبوت.

و أما الجهة الثانية- و هو مقام الإثبات- الّذي يكون الكلام فيه في تحقق الاستيلاء على الحصة المشاعة خارجا و عدم تحققه.

فأما على الاحتمال الأول في ملك المشاع، فلا إشكال في انتزاع الاستيلاء خارجا و الحكم بالتنصيف من جهة اليد، إذ لا يحتاج ذلك إلى أكثر من موضوع المسألة المفروض، و هو كون العين بيد شخصين أو أكثر يتصرفان فيها. كما ان اعتبار الاستيلاء أيضا متحقق.

و أما على الاحتمالين الأخيرين، فحيث لا تصرفات خارجية واقعة على الحصة المشاعة تكشف عن اعتبار الاستيلاء عليها، أو ينتزع عنها الاستيلاء، لأنها تقع على العين كلها فلا تحقق لليد على الحصة المشاعة، بل اليد على العين بمجموعها.

نعم، إذا رؤي منهما التصرفات المعاملية الواقعة على الحصة المشاعة يحكم باستيلائهما على الحصة أو ينتزع عنها ذلك.

و لكنه فرض زائد على موضوع المسألة- كما لا يخفى.

ثم انه في صورة عدم ثبوت الاستيلاء على الحصة المشاعة إثباتا أو ثبوتا، فلا بد من بيان الوجه في الحكم بالملكية المشتركة المشاعة- و هو الجهة الثالثة من جهات البحث-:

و قد ذكر للحكم بالتنصيف و الملكية المشاعة وجوه:

الوجه الأول: ما في المستند من دلالة رواية يونس بن يعقوب- الواردة في المتاع- على ذلك، لقوله (عليه السلام): «و من استولى على شي‏ء منه فهو له»، فانها تدل على ان المستولي على شي‏ء فهو له، و هذان الشخصان قد استوليا على هذا المال فهو لهما، و بمقتضى قاعدة التساوي في الشركة المبهمة انه بينهما نصفين.

و يعضده الروايات الدالة على الحكم بالتنصيف فما لو تداعى شخصان مالا

64

و كان بيدهما و لم يكن لأحدهما بينة أو كانت لكليهما (1)، ثم انه نفي دلالة رواية حفص على ذلك، فانه بعد ما ذكر توهم دلالتها باعتبار انها تدل على الملازمة بين جواز الشراء ممن بيده المال و الشهادة بملكيته، فكلما جاز الشراء جازت الشهادة بالملكية، و لا إشكال في جواز شراء العين من هذين الشخصين، فمقتضى الرواية الدالة على الملازمة هو الحكم بملكيتهما للعين. ذكر: ان هذا غير تام، لأن الرواية إنما تدل على ان هذا المال الّذي بيديهما بينهما دون غيرهما، فملكيته لا تتعداهما إلى ثالث، اما انه لكليهما أو لأحدهما فذلك لا تدل عليه الرواية و أجنبي عن مفادها (2).

و لا يخفاك ان ما ذكره بجهاته الثلاثة غير تام ..

أما رواية يونس بن يعقوب، فهي انما تدل على المدعى لو قلنا بأن لهما استيلاء واحدا يرتبط بهما معا، كما قررناه على الاحتمال الأول لملكية المشاع، فانه يكون مشمولا للرواية، لأن هذا المال يكون لهما استيلاء عليه فهو لهما، لاندراجهما تحت: «من استولى» أما لو قلنا بان لكل منهما استيلاء مستقلا تاما- كما عليه صاحب المستند- فلا يتم ما ذكره من دلالتها على المدعى، لأن كلا منهما يكون مشمولا للرواية- لا كليهما معا- لأن له استيلاء على المال كله، و مقتضى الرواية ثبوت المال له، فيتعارضان.

و أما ما ذكره من انه تعضده الروايات الواردة في مقام التداعي، فلا وجه له، لما ستعرفه من أن محل الكلام ما لم يكن أي دعوى و تداع في البين و وجود الفرق بين الصورتين.

و أما ما ذكره بالنسبة إلى رواية حفص، فالوجه الّذي يرتكز عليه ما ذكره‏

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 188 باب: 12- من أبواب كيفية الحكم، الحديث: 3.

(2) المحقق النراقي ملا أحمد. مستند الشيعة 2- 579- الطبعة الأولى.

65

بحيث يخرج عن كونه دعوى جزافية، هو انه لاحظ بان الحكم بملكية ذي اليد انما هو بلحاظ نفي ملكية الغير باليد، و استفادة ملكية الشخص ذي اليد تكون بالملازمة، فمصب الرواية انما هو على نفي ملكية الغير كما يشهد به قول السائل:

«فلعله كان لغيره».

و لكنه غير سديد، فان الظاهر من الرواية كون الملحوظ هو الحكم بملكية ذي اليد باليد بلا لحاظ نفي ملكية الغير. و أما قول السائل المذكور، فهو لبيان وجود الشك في ملكية ذي اليد، إذ لو لم يشك في انه لغيره لا وجه للتوقف في ملكية ذي اليد، فالحكم بالملكية لا يرجع أولا إلى نفي ملكية الغير، بل إلى إثبات ملكية ذي اليد و عدم الاعتناء بالشك.

و على أي حال فليس تحقيق ذلك بمهم بعد ضعف سند الرواية و عدم دلالتها على حجية اليد على الملكية.

الوجه الثاني: قاعدة العدل و الإنصاف. المستفادة من الروايات الواردة في الموارد الجزئية، و مقتضاها الحكم بالتنصيف و الشركة فيما لو دار المال بين شخصين مع عدم المرجح لملكية أحدهما بالخصوص، لأنه مقتضى الإنصاف، فان الترجيح بدون مرجح ينافيه.

و لكن الإنصاف عدم تمامية الاستدلال بها فيما نحن فيه، لأنها- على تقدير تسليمها- انما تتم في صورة العلم بعدم ملكية غير هذين الشخصين، و دوران ملكية العين بينهما فقط، فلا بد في الاستدلال بها على المدعى من فرض العلم بعدم ملكية غير من بيدهما المال، أو ادعاء ان اليد من الأمارات و ان الأمارة تثبت اللوازم و حجة في الدلالة الالتزامية فاليد حجة فيها. و قد تقرر في محله انه في صورة وقوع المعارضة بين الأمارتين يسقط عن الحجية خصوص مورد المعارضة من الدلالات و يبقى الباقي على حجيته، فيسقط في المقام خصوص الدلالة المطابقية التي موضوعها ملكية ذي اليد للمال لكل من اليدين لمعارضتها بالدلالة الالتزامية لليد الأخرى.

66

أما الدلالة الالتزامية على نفي ملكية غير ذوي اليدين فهي باقية على حجيتها، لعدم كونها موضوع المعارضة.

و كلا الفرضين ممنوعان ..

أما فرض العلم، فلأنه خلاف الفرض و محل الكلام، لأن المفروض تردد الملكية بينهما و بين غيرهما، لا بينهما بالخصوص. مضافا إلى ان المدعى ثبوت الحكم المذكور لهذه الصورة مطلقا، و القاعدة لا تشملها بجميع افرادها.

و أما الفرض الثاني، فقد عرفت عدم ثبوت أمارية اليد، كما عرفت انها لو كانت فلا تكون حجة في الدلالة الالتزامية، لأن الأمارات ليست حجة فيها بقول مطلق.

و أما الحكم بعدم ملكية الغير في صورة الحكم بملكية شخص، فهو ليس لأجل الدلالة الالتزامية، بل لأجل الملازمة الظاهرية بين ثبوت ملكية الشخص و عدم ملكية غيره، و هي غير متحققة فيما نحن فيه، لأن اليد سقطت عن الحجية على الملكية بالمعارض فلا يترتب عليها ما هو أثر الملكية الظاهرية.

الوجه الثالث: الاستدلال بالخبر المرسل الدال على التنصيف في ما لو تداعى في عين اثنان و لا يد لهما عليها (1). ففي الفرض لما كانت يد كل منهما حجة على ملكيته فيتساقطان لمزاحمة كل منهما الأخرى، إذ لا يمكن اجتماع سببين متزاحمين على مسبب واحد، لاستحالة اجتماع ملكيتين مستقلتين لعين واحدة، و إذا سقطت اليدان عن الحجية تكون العين كما لو لم يكن للمتداعيين عليها يد فيشملها المرسل الحاكم بالتنصيف.

و هذا الوجه- كأخويه- غير وجيه، لأن مورد الخبر صورة التداعي و وجود الدعوى على الملكية. و المفروض في المقام عدم وجود شي‏ء من ذلك غير اليد،

____________

(1) سنن البيهقي 10- 255، إلّا ان فيها (ليس لأحدهما بيّنة).

67

بحيث يكون الشك في ملكيتهما أو عدم ملكيتهما و ملكية غيرهما، لا في ملكيتهما أنفسهما و انه أيهما المالك.

و عليه فلا يتجه الاستدلال بالخبر المذكور، إذ الحال يفترق بين وجود الدعوى و عدمه، لأن الدعوى لما كانت بمنزلة الاخبار، فدعوى كل منهما الملكية كما تكون إخبارا بها تكون اخبارا بلازمها و هو عدم ملكية غيره- لأن الاخبار بالشي‏ء اخبار بلازمه- فدعواهما بالنسبة إلى نفي ملكية غيرهما معا دعوى بلا معارض. و من المعلوم الحكم على طبقها، فملكية الغير معلومة العدم حكما في صورة الدعوى، فيكون الفرض من موارد قاعدة العدل و الإنصاف التي يحكم فيها بالتنصيف المشاع مع عدم المرجح لأحد المتداعيين.

و هذا بخلاف صورة عدم الدعوى، لعدم العلم بعدم ملكية الغير. و المفروض فيما نحن فيه ذلك. فتعدية الحكم من تلك الصورة إلى هذه بلا ملاك و مستند.

و من هنا ظهر عدم صحة التمسك بالروايات الدالة على الحكم بالتنصيف في صورة التداعي و كون العين بيد المتداعيين و عدم المرجح- كما فعل صاحب المستند كما مر عليك-.

و على هذا يتضح عدم صحة التمسك بأحد هذه الوجوه.

فالذي ينبغي أن يقال: انه على الاحتمال الأول في ملكية المشاع حيث انه لا إشكال في تحقق الاستيلاء على الحصة المشاعة، فالحكم بملكيتها لأجل اليد و شمول دليل اعتبارها.

و أما على الاحتمالين الأخيرين، فقد عرفت عدم تحقق الاستيلاء على الحصة المشاعة.

فان قلنا: بان الاستيلاء على تمام العين و ان كان استيلاء مستقلا، إلّا انه استيلاء ناقص ضعيف بحيث يكون استيلاؤهما بمنزلة استيلاء واحد تام- بتقريب ان التصرف إذا خرج عن الاختيار و كان قهريا لم ينتزع عنه عنوان الاستيلاء،

68

و التصرف منهما و ان لم يكن في نفسه قهريا بل باختيارهما، لكنه حيث يتوقف على الاذن من الطرف الآخر كان قهريا من هذه الجهة، فيكون استيلاء كل منهما استيلاء ضعيفا لأن فيه جهة غير اختيارية- أمكن دعوى وجود بناء العقلاء على ملكيتهما للمال دون غيرهما من دون تعيين الحصة، و بمقتضى قاعدة التساوي في الشركة المبهمة يكون الحكم هو التنصيف.

و ان قلنا: بان استيلاء كل منهما استيلاء مستقل تام- كما عليه صاحب المستند فانه ذكر انه لا مانع من تحقق استيلاءين كذلك على عين واحدة- بحيث لو كان وحده لدل على ملكية المستولي وحده للعين، فلا محيص عن القول بسقوط اليدين عن الحجية للتزاحم.

و لا وجه حينئذ للحكم بالتنصيف و الملكية المشتركة المشاعة، فتدبر جيدا.

الجهة التاسعة: في الحجية اليد مع شك ذيها في الملكية.

و قد حررت هذه المسألة على نحوين:

الأول: يرتبط بتكليف نفس ذي اليد بالنسبة إلى ما في يده لو شك في ملكيته له، فهل يترتب آثار الملكية بملاك اليد أو لا؟

الثاني: يرتبط بتكليف الغير بالنسبة إلى ما في يد الشاك المصرح بعدم العلم، فهل يترتب على ما في يده آثار ملكيته له مع تصريحه بعدم علمه بملكيته للمال، أو تختص حجية اليد بصورة دعواه الملكية أو سكوته.

و قد حرر المسألة بهذا النحو صاحب المستند (قدس سره). كما حررها بالنحو الأول المحقق الأصفهاني (قدس سره). و لا يختلف الحال فيما هو المهم على التقديرين.

و العمدة في ثبوت دعوى الاختصاص- كما عليه صاحب المستند- خبرا جميل بن صالح و إسحاق بن عمار.

أما صحيحة جميل بن صالح: «رجل وجد في بيته دينارا. قال: يدخل منزله‏

69

غيره؟ قلت: نعم كثير. قال: هذه لقطة. قلت: فرجل وجد في صندوقه دينارا؟ قال:

يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا؟ قلت: لا. قال: فهو له» (1)، فقد قرب صاحب المستند الاستدلال بها على المدعى- بعد ان بين قصور أدلة اعتبار اليد عن شمول هذه الصورة- بأنه (عليه السلام) حكم فيما هو في داره الّذي لا يعلم انه له مع كونه في يده على ما مر و مستوليا عليه أنه ليس له. و أيضا علل كون ما وجد في الصندوق له بما يفيد العلم بأنه ليس لغيره.

فالصدر يدل على عدم حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد في صورة التردد (2).

و يرد عليه ما أفاده السيد الطباطبائي (قدس سره) في ملحقات العروة من:

ان عدم إدخال شخص غيره يده في صندوقه لا يلزم منه ارتفاع الشك في كون الدينار له أو لغيره، و لا يوجب العلم بعدم كونه لغيره، إذ يمكن ان يكون الشك من جهة كونه عارية أو أمانة أو غيرهما، أو من جهة وضع غيره للدينار في صندوقه اتفاقا، و لا ينافي ذلك ما هو المفروض من عدم إدخال شخص غيره يده عادة (3).

فالذيل يدل على عدم الاختصاص، لأنه حكم بملكية ذي اليد مع تحقق الشك لديه في ان الدينار له أو لغيره.

و لكنه (قدس سره) أورد على استدلال صاحب المستند بالصدر: بأنه لم يصرح فيه بأنه لا يعلم انه له أو لغيره، بل الظاهر علمه بأنه ليس له، فهو أجنبي عما نحن فيه.

و لكن ما ذكره (رحمه الله) غير واضح الوجه، إذ لا ظهور في الرواية و لا قرينة على ما ادعاه من فرض العلم بعدم كون الدينار له، بل الموارد الغالبة على خلافه، فان الغالب فيما لو وجد الشخص في داره مالا حصول الشك في كونه له أو

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 353 باب 3 من أبواب اللقطة، الحديث: 1.

(2) المحقق النراقي ملا أحمد. مستند الشيعة 2- 577- الطبعة الأولى.

(3) الطباطبائي الفقيه السيد محمد الكاظم. العروة الوثقى 3- 120- الطبعة الأولى.

70

لغيره، و العلم بعدم ملكيته انما يكون في موارد خاصة- ليس في الرواية ما يدل على المورد منها- كما لو كان صاحب الدار عارفا بمقدار ما يملكه من المال، أو كان ما وجده نحوا من المال يخالف نحو ما يملكه عادة.

و قد أورد المحقق الأصفهاني (رحمه الله) على الاستدلال بصدر الرواية على المدعى بما يرجع إلى ان عدم حكم الإمام (عليه السلام) في المورد بملكية ذي اليد انما كان لأجل معارضة غلبة اليد المالكية بغلبة أخرى.

و ذلك لأنه مع كثرة الداخلين يكون احتمال كون المال لذي الدار معارضا بالاحتمالات الكثيرة التي موضوعها كون المال لغيره، يكون ضعيفا، فلا غلبة في صورة وجود الداخل، فينتفي ملاك حجية اليد على الملكية (1).

و لكن ما ذكره (قدس سره) عجيب، لأنه جار في جميع موارد الشك في ملكية ذي اليد التي يدور الأمر بين ملكيته و ملكية غيره غير المعين، لتعدد الاحتمالات المعارضة لاحتمال كون المال لذي اليد و كثرتها، كما لا يخفى.

و أما احتمال انه مع تعدد الداخل للدار أو الواضع في الصندوق يتعدد الاستيلاء على الدار و على الصندوق، و معه تكون اليد معارضة بيد أخرى، دون صورة التفرد.

فهو و ان لم يبعد بالنسبة إلى الصندوق، إذ قد يتعارف إذن صاحب الصندوق لغيره في الاستفادة من صندوقه بوضع المال، لكنه بعيد بالنسبة إلى الدار، إذ دخول الناس في دار الغير و لو كان كثيرا لا يحقق الاستيلاء على الدار.

و الّذي ينبغي ان يقال: ان الاستيلاء كما عرفت منتزع عن التصرف الخارجي الاختياري، فإذا لم يكن وضع الشي‏ء في دار إنسان بعلمه و اختياره لم يعد عرفا مستوليا على ذلك المال.

____________

(1) الأصفهاني المحقق محمد حسين. نهاية الدراية 3- 333- الطبعة الأولى.

71

نعم، إذا وضعه بنفسه أو بإذنه كان مستوليا عليه و ان غفل بعد ذلك عنه.

فمع عدم إحراز استيلائه و ان هذه العين التي يشك في ملكيتها الآن هو كان قد وضعها في هذا المكان ليكون مستوليا عليها عرفا، أو وضعها غيره بلا علمه و اختياره فلا يكون مستوليا عليها لعدم تحقق منشأ الاستيلاء عليها منه أصلا.

لا يصح الحكم بملكيته لعدم إحراز يده على المشكوك فلا ملاك للحكم بملكيته.

و من هذا القبيل مورد الصدر- أعني: الدينار الموجود في الدار- فانه بعد ان كان يدخل إلى الدار غيره كان استيلاؤه على الدينار الموجود فيها غير محرز، لاحتمال كونه من غيره و لم يكن وجوده في الدار عن اختياره، فلا يكون مستوليا عليه. فلذلك لم يحكم (عليه السلام) بملكية صاحب الدار للدينار، بل حكم بأنه لقطة.

و أما مع إحراز استيلائه كان الحكم بملكية المشكوك متعينا لتحقق ملاكه.

و منه مورد الذيل، و هو الدينار الموجود في الصندوق، لأنه إذا لم يكن أحد غيره يدخل يده في الصندوق يتعين كون الواضع للدينار صاحب الصندوق، فيكون الدينار بيده و تحت استيلائه، فالحكم بملكيته على طبق قاعدة اليد.

فالمتعين في المقام التفصيل بين صورة إحراز الاستيلاء فيحكم بملكية ذي اليد- إذ لا يبعد بناء العقلاء على ذلك- و بين عدم إحرازه فلا يحكم بالملكية لعدم تحقق ملاكها.

و التفصيل في الرواية بين صورة دخول غيره الدار و عدمه و بين إدخال غيره يده في الصندوق و عدمه، إنما هو لأجل ما ذكرناه.

هذا، و لكن الإنصاف ان ذيل رواية جميل لا دلالة له على حجية اليد على ملكية ذي اليد نفسه، إذ هي ظاهرة في انحصار الاستيلاء بذي اليد بنحو يطمئن بكون المال له و عدم احتمال كونه لغيره احتمالا معتدا به، إذ المراد من وضع أحد شيئا

72

في الصندوق ليس وضعه من دون علمه و باستيلاء خاص به، بل وضعه فيه بواسطته و بطريقه بحيث يكون الواضع مباشرة هو صاحب الصندوق، و ذلك بقرينة تقابل وضع شي‏ء مع إدخال أحد يده في الصندوق. و حينئذ فإذا نفي إدخال أحد يده في الصندوق مع نفي وضع صاحب الصندوق مال الغير فيه، يتعين بحكم العادة كون المال لصاحب الصندوق و كون التردد في غير محله و أشبه بالوسوسة، فقوله (عليه السلام): «فهو له» ليس حكما تعبديا، بل هو اخبار عن نتيجة نفي الأمرين. فتدبر.

و أما رواية إسحاق بن عمار الموثقة: «عن رجل نزل في بعض بيوت مكة، فوجد فيها نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه و لم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: فاسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها. قلت: فان لم يعرفوها.

قال: يتصدق بها» (1). فقد قرب صاحب المستند دلالتها على ما ذهب إليه: بأنه لا شك ان الدراهم كانت في تصرف أهل المنزل على ما عرفت، و لو انهم قالوا لا نعلم انها لنا أو لغيرنا فيصدق انهم لا يعرفونها فلا يحكم بملكيتها لهم‏ (2).

و المهم في رد الاستدلال بها أمران:

الأول: عدم وضوح تحقق الاستيلاء على المدفون.

و الثاني: ورودها في الكنز، و هو ذو أحكام خاصة لا ترتبط بالقواعد الكلية و الأصول العامة. فلا يتجه الاستدلال بها على الاختصاص.

و الحاصل: أن الظاهر تحقق بناء العقلاء على حجية اليد بالنسبة إلى ذي اليد نفسه مع إحراز استيلائه و يده، و إلا فلا ملاك للحكم بملكيته خارجا. فتدبر.

الجهة العاشرة: في حجية يد المسلم على التذكية.

و ثمرة الكلام انما تظهر في ما لم تكن على المشكوك تذكيته أمارة على التذكية

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 355 باب 5 من أبواب اللّقطة، الحديث: 3.

(2) المحقق النراقي ملا أحمد. مستند الشيعة 2- 578- الطبعة الأولى.

73

من سوق المسلمين أو أرض الإسلام أو تصرف المسلم بل لم يكن إلّا في يد المسلم من دون انضمام تصرفه المتوقف على التذكية إليها، أو سوق المسلمين أو غير ذلك من الأمارات الدالة على التذكية، كما لو وجد اللحم في يد المسلم و هو في الطريق و لم يعلم انه ذاهب به ليأكله أو ليلقيه و ينبذه.

فان قلنا: بأمارية يد المسلم بنفسها جاز ترتيب آثار التذكية على هذا اللحم، و إلا فلا يجوز ترتيبها ما لم ينضم إليها التصرف المتوقف على التذكية.

و حيث تعين محل الكلام، فعدم أمارية اليد على التذكية- بحيث تكون أمارة في قبال أرض الإسلام و سوق المسلمين و تصرف المسلم واضح، لعدم الدليل عليها أصلا، لأن الاخبار واردة في بيان أمارية سوق المسلمين و أرض الإسلام، و أما يد المسلم فلا دليل على أماريتها.

نعم، هناك خبر واحد وارد في يد المسلم و هو خبر إسماعيل بن عيسى الآتي- إلا أن الحكم بالحلية فيه مرتب على تحقق التصرف المتوقف على التذكية من المسلم دون مجرد كونه في يده، و كون التصرف موردا و لا يخصص الوارد، فلا يدل أمارية اليد بما هي يد.

و على هذا، فلا حاجة إلى صرف الكلام إلى مرحلة الثبوت و تحقيق وجود ملاك الأمارية في يد المسلم و غير ذلك مما يتعلق بهذا الشأن.

نعم، لا بأس في التعرض إلى أمرين:

الأمر الأول: ان حجية سوق المسلمين و أرض الإسلام و تصرف المسلم على التذكية، هل مرجعه إلى أصالة الصحة في فعل المسلم أو أنه جعل مستقل لأمارات مستقلة لا يرتبط بأصالة الصحة؟.

ذهب صاحب الجواهر (قدس سره) إلى ان مرجع الجميع إلى أصالة الصحة في فعل المسلم. و لأجل ذلك حكم بعدم أمارية اليد المجردة عن التصرف المتوقف‏

74

على التذكية (1).

و يورد عليه بما أفاده المحقق الهمداني (قدس سره) في مصباحه من: أن أصالة الصحة في فعل الغير المسلم انما تثبت صحة العمل الصادر من المسلم المشكوك في صحته للشك في وجود بعض شرائطه- مثلا- و لا تثبت وجود المشكوك و تحققه خارجا، فهي في المقام تثبت صحة البيع أو صحة الصلاة بمشكوك التذكية، أما أنها تثبت التذكية المشكوكة كي تصح صلاة المشتري فيه فلا، فلا وجه لإرجاع أمارية هذه الأمور إلى أصالة الصحة.

و لا يخفى ان البحث المذكور بحث علمي صرف، و لا أثر له في مقام العمل.

الأمر الثاني: ان اليد على تقدير ثبوت أماريتها على التذكية، فهل هي أمارة مستقلة منفصلة عن سوق المسلمين، أو ان سوق المسلمين أمارة على التذكية باعتبار أماريته على يد المسلم لا باعتباره نفسه، فهو أمارة على الأمارة؟.

و الأثر العملي في هذا الكلام ظاهر، فانه لو كان سوق المسلمين أمارة مستقلة على التذكية للحكم بما في يد الكافر الموجود في سوق المسلمين بالتذكية.

بخلاف ما لو لم يكن أمارة مستقلة، بل كان أمارة على الأمارة للعلم بعدم تحقق يد المسلم التي هي الأمارة في الفرض، فلا أثر لسوق المسلمين. نعم، في صورة الشك بتحقق يد المسلم بان شك في كون ذي اليد مسلما أو كافرا يحكم بمسلميته بمقتضى السوق، و هذا معنى أمارية سوق المسلمين.

و قد ذهب المحقق الهمداني (قدس سره) إلى الثاني مستظهرا ذلك من رواية إسماعيل بن عيسى (موسى خ): «عن الجلود الفراء يشتريها الرّجل في سوق من أسواق الجبل، أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟. قال (عليه السلام): عليكم أنتم ان تسألوا عنه إذا رأيتم المشتركين يبيعون ذلك. و إذا رأيتم‏

____________

(1) النجفي الشيخ محمد حسن. جواهر الكلام 8- 56- الطبعة الحديثة.

75

يصلون فيه فلا تسألوا عنه».

و وجه الاستظهار: انه (عليه السلام) في فرض الشراء من السوق فصل في مقام وجوب السؤال عن ذكاة الجلد بين كون البائع مشركا فيجب السؤال و كونه مسلما فلا يجب، مما يكشف عن ان السوق بنفسه لا عبرة فيه، بل انما يعتبر باعتبار كشفه عما هو أمارة و هو يد المسلم و لذلك لم يعتبر في صورة العلم بيد الكافر في مورد الرواية، إذ لا موضوع لأمارية السوق حينئذ (1).

و فيه ما لا يخفى، فانه لا ظهور و لا قرينة في الرواية المذكورة على كون المورد من موارد سوق المسلمين، و كون الملحوظ فيها أماريته و عدمها، بل ذيل الرواية الّذي يقتضي إيكال عدم وجوب السؤال إلى رؤية تصرف المسلم بالصلاة يدل على عدم لحاظ السوق أصلا، و إلا لكان المناسب إيكال عدم وجوب السؤال إلى رؤية بيع المسلمين لإحراز يدهم و تصرفهم.

فالإنصاف ان هذه الرواية لا تدل على ما ذهب إليه الفقيه الهمداني (رحمه الله)، فتبقى عمومات اعتبار سوق المسلمين في الحكم بالتذكية سالمة عن المخصص.

و بذلك يكون السوق أمارة بنفسه على التذكية.

الجهة الحادية عشرة: في أمارية يد الكافر على عدم التذكية

. و يلحق بهذا البحث الكلام في أمارية أرض الكفر و سوق الكفار على عدم التذكية.

فهل أن يد الكافر بنفسها أمارة على عدم التذكية، أو انها ليست بأمارة، و الحكم بعدم التذكية في موردها لأصالة عدم التذكية؟ و مثلها أرض الكفر و سوق الكفار.

و الثمرة في هذا الكلام تظهر في موارد:

منها: ما لو تعارض سوق المسلمين و يد الكافر، بان كان اللحم بيد كافر بائع‏

____________

(1) الفقيه الهمداني الشيخ آغا رضا مصباح الفقيه- 141- كتاب الطهارة- الطبعة القديمة.

76

في سوق المسلمين، فانه بناء على ان الحكم بعدم تذكية ما في يد الكافر لأجل أمارية يده على عدم التذكية، تتعارض الأمارتان- أعني سوق المسلمين و يد الكافر- و بناء على ان الحكم المذكور من جهة أصالة عدم التذكية يكون السوق مقدما على اليد، لأنه إمارة و هي واردة على الأصل كما لا يخفى.

و منها: ما لو اجتمعت يد الكافر و يد المسلم و يتصور ذلك فيما لو كانت يد الكافر على جزء من الحيوان و يد المسلم على جزء آخر، لأن الحكم بالتذكية أو عدمها إنما يكون بالنسبة إلى مجموع الحيوان لا إلى خصوص الجزء الموجود في اليد إذ التذكية التي تكون اليد أمارة عليها أو على عدمها إنما هي تذكية الحيوان كله لا تذكية هذا الجزء خاصة الّذي تحت اليد. فتدبر- فانه على القول بأمارية يد الكافر تتعارضان. و على القول بعدم أماريتها تكون يد المسلم مقدمة على أصالة عدم التذكية.

و منها: ما لو كانت الذبيحة فعلا بيد كافر و كانت قبلا بيد مسلم فانه بناء على أمارية يد الكافر تكون متعارضة مع يد المسلم لأنها حين حدوثها كانت أمارة على التذكية حدوثا و بقاء، فتتعارض الأمارتان. و بناء على عدم أماريتها تكون يد المسلم مقدمة على الأصل.

و قد استدل لأمارية يد الكافر و أرض الكفر و سوق الكفار بأمور:

الدليل الأول: مصحح إسحاق بن عمار: «لا بأس في الصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام. قلت: فان كان فيها غير أهل الإسلام؟. قال (عليه السلام): إذا كان الغالب عليها المسلمين فلا بأس» (1).

و الاستدلال بها على المدعى من وجوه:

الوجه الأول: مفهوم الشرط، حيث انه (عليه السلام) علق عدم البأس على‏

____________

(1) وسائل الشيعة 2- 1072 باب: 50 من أبواب النجاسات، الحديث: 5.

77

كون الغالب على الأرض المسلمين، فيدل التعليق على ثبوت البأس عند عدم غلبة المسلمين و بذلك يثبت المدعى.

و لكنه كما ترى، فان ثبوت البأس عند عدم غلبة المسلمين بمقتضى التعليق أجنبي عن أمارية سوق الكفّار الّذي هو المدعى، فانه موضوع آخر و غاية ما يقتضيه التعليق هو ثبوت البأس في هذا المورد، أما ملاكه فلا تتكفل بيانه الرواية، فقد يكون الملاك هو أصالة عدم التذكية لتحقق موضوعها و عدم الأمارة على خلافها، لكون المفروض عدم غلبة المسلمين، فلا سوق لهم كي يرد على الأصل المذكور. فترتيب البأس على ارتفاع الغلبة قد يكون لأجل ارتفاع الرافع لموضوع الأصل.

الوجه الثاني: مفهوم الوصف، حيث انه (عليه السلام) علق الحكم بنفي البأس على الغلبة الموصوفة بغلبة المسلمين، و مقتضاه ثبوت البأس عند الغلبة الموصوفة بغلبة غير المسلمين. فيكون المراد: إذا كان الغالب عليها غير المسلمين ففيه بأس.

و ظاهر ذلك استناد ثبوت البأس إلى غلبة غير المسلمين لا إلى أمر آخر، لأن موضوع ثبوت البأس و عدمه في الموردين هو الغلبة، و الاختلاف في الحكم انما كان من جهة الاختلاف في الوصف.

و هذا الوجه غير سديد، لما حقق في محله من عدم حجية مفهوم الوصف و عدم اعتباره شرعا.

الوجه الثالث: ان الظاهر كون الإمام (عليه السلام) في مقام إعطاء الضابط في الطرفين- أعني: التذكية و عدمها- لا أنه في مقام بيان حكم طرف دون آخر.

و حيث انه جعل المناط في الحكم بالتذكية هو غلبة المسلمين يكون ذلك قرينة منه على اعتبار الغلبة في الطرف الآخر، فان المناط ثبوتا في التذكية و عدمها هو الغلبة.

فاستفادة اعتبار غلبة الكفار في الحكم بعدم التذكية ليس من جهة المفهوم، كي يقال بان الوصف غير المعتمد على موصوف لا مفهوم له، بل من جهة قرينة المقام، و هي‏

78

كونه (عليه السلام) في مقام إعطاء الضابط في الطرفين لا إعطاؤه في طرف، و إيكال السائل إلى جهله في طرف آخر.

و هذا الوجه- كأخويه- لا يجدي لإثبات المدعى، لأن ما يرتكز عليه من كون الإمام (عليه السلام) بصدد بيان الضابط للطرفين غير مسلم لأن المسئول عنه و الّذي كان الإمام بصدد بيان حكمه ليس إلّا ما كان مصنوعا في أرض الإسلام. أما ما كان في أرض الكفر أو سوق الكفار، فلا ظهور في الخبر على انه (عليه السلام) كان بصدد بيان حكمه. فجعل الضابط في طرف هو الغلبة لا يستفاد منه كونه هو الضابط في الطرف الآخر لقرينة المقام. فالتفت.

الدليل الثاني: رواية إسماعيل بن عيسى المتقدمة.

و قرب المحقق الأصفهاني (قدس سره) دلالتها على أمارية يد الكافر: بأنها- بمقتضى الأمر بالسؤال- تدل على وجوب الاجتناب عما كان بيد الكافر، فيدور الأمر بين ان يكون منشأ ذلك أصالة عدم التذكية، أو عدم الأمارة الرافعة و هي يد المسلم أو يد الكافر. و حيث ان الظاهر كون المنشأ هو الثالث تحفظا على ظهور كون الإسناد إلى ما هو له، كان ذلك دليلا على أماريتها، لأنها لا تكون بنفسها حجة على عدم التذكية إلّا إذا كانت أمارة (1).

و لكن الإنصاف انها لا تدل على المدعى، لأن الظاهر ان وجوب السؤال هو الّذي تدل عليه الرواية و هو وجوب شرطي لا نفسي. فيرجع مفادها إلى انه إذا أريد ترتيب آثار التذكية على هذا اللحم الّذي هو بيد المشرك فلا بد من الفحص، و لا يكفي في ترتيب الآثار كونه بيد المشرك. بخلاف ما إذا كان بيد المسلم فان ترتيب آثار التذكية جائز بمجرد كونه بيد المسلم بلا فحص و سؤال. فينتزع من هذا حجية يد المسلم و أماريته دون يد المشرك، و لا ينتزع منه أمارية يد المشرك على‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 344- الطبعة الثانية.

79

العدم، لأن مرجع وجوب السؤال إلى عدم الاعتناء بيد المشرك و عدم ترتيب آثار التذكية عليها، و هذا لا يدل إلّا على عدم الأمارية لا على الأمارية على العدم.

و بالجملة: حيث كان الأمر في الرواية بالسؤال و ظهور ذلك في كون وجوبه شرطيا- بمعنى انه شرط لترتيب آثار التذكية- لا يكون في الرواية أي دلالة على أمارية يد الكافر، بل انما تدل على عدم أماريته.

نعم، لو كان الحكم في الرواية بوجوب الاجتناب، لأمكن ادعاء ظهور استناده إلى يد الكافر، فيدل على حجيته على العدم.

و لكن الأمر ليس كذلك، إذ الحكم بوجوب السؤال، و وجوب الاجتناب مستلزم له، و هو- أعني: وجوب السؤال- لا يدل إلّا على عدم الاعتناء بيد الكافر في مقام ترتيب آثار التذكية.

و هذا انما ينفي الأمارية على التذكية، لا انه يثبت الأمارية على عدمها.

كما يقرر مثل هذا الكلام في وجوب التبين عند اخبار الفاسق المستفاد من آية النبأ، فانه يقال: انه وجوب شرطي مرجعه إلى عدم جواز ترتيب آثار الواقع المخبر به عند اخبار الفاسق الا بعد السؤال و العلم بصحته و هذا انما يدل على عدم حجية خبر الفاسق لا على حجيته على عدم وقوع المخبر به.

الدليل الثالث: انه من المسلم عند الأصحاب انه إذا كانت الذبيحة بيد الكافر في سوق المسلمين أو أرضهم، فهي محكومة بعدم التذكية.

و هذا دليل على اعتبارهم يد الكافر أمارة بحيث تعارض أمارية السوق، فيتساقطان و يرجع إلى أصالة عدم التذكية. و إلّا فنفس أصالة عدم التذكية لا تجدي، لأنها محكومة للسوق لأنه أمارة بلا معارض.

و فيه: ان تسليمهم ليس بحجة بحيث يمكن التمسك به في قبال القواعد المقررة، لأنهم بين ..

من لا يرى السوق و الأرض أمارة مستقلة، بل هما أمارة على الأمارة- كما

80

عرفت عن الفقيه الهمداني- ففي صورة العلم بيد الكافر تنتفي أمارية السوق أو الأرض.

و من يرى رجوع هذه الأمارات إلى أصالة الصحة في فعل المسلم كما عرفت عن صاحب الجواهر- و هي غير جارية في صورة العلم بكون اليد يد كافر.

و من يرى تخصص عموم أمارية السوق بيد الكافر، لرواية إسماعيل بن عيسى، فلا يكون تسليمهم بذلك حجة على من لا يرى رأيهم- بل ليس بناء منهم على أمارية يد الكافر- فيلتزم بعدم الاعتناء بيد الكافر في سوق المسلمين.

هذا، مضافا إلى ان تسليمهم لا يدل على بنائهم على أمارية يد الكافر، بل يمكن أن يكون لأجل انتفاء ملاك أمارية سوق المسلمين بالنسبة إلى يد الكافر و هو الغلبة- و ستأتي الإشارة إليها عن قريب-. كما يلتزمون بسقوط خبر الواحد عن الحجية عند معارضته للشهرة مع التزامهم بحجية الخبر و عدم حجية الشهرة.

بتوجيه: ان الشهرة توجب عدم الوثوق بصدق الخبر الّذي هو ملاك حجيته- و ان أورد عليهم بان الملاك خبر الثقة لا الخبر الموثوق به-.

و بالجملة: فمن الممكن ثبوتا تصور التزام الأصحاب بتقدم اللاحجة على الحجة لبعض الوجوه.

و المتحصل: انه لا دليل على أمارية يد الكافر و أرض الكفار و سوقهم على عدم التذكية، و ليس الثابت إلا عدم حجيتها.

الجهة الثانية عشرة: في ان يد المسلم نفسها أو مع اقترانها بالتصرف‏

، هل هي حجة على التذكية مطلقا أو تختص بغير المستحل للميتة بالدباغ؟.

قد ذكر المحقق الأصفهاني‏ (1): ان الكلام يكون تارة في مقام الثبوت. و أخرى‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 347- الطبعة الأولى.

81

في مقام الإثبات.

أما الكلام في مقام الثبوت، فمحصله: ان الحكم بالتذكية إما أن يكون لأجل توقف حفظ النظام عليه و التسهيل على المؤمنين به. أو لأجل الغلبة- أعني: غلبة كون ما في أيدي المسلمين من ذبائحهم- و إما لأجل ظهور حال المسلم في إحراز التذكية عند تصرفه المتوقف على التذكية.

فعلى الأول: فهو متحقق بالنسبة إلى ذبيحة المستحل، لأن غالب المسلمين من أهل السنة، و هم يستحلون ذبيحة الكتابي، فالتحرز عن ذبائحهم يوجب العسر و الاختلال غالبا.

و على الثاني: فكذلك، لأن معنى الغلبة كون الغالب مما في أيدي المسلمين مذكى لا غيره، و هو متحقق بالنسبة إلى المستحلين، إذ الغالب مما في أيديهم كونه مذكى بالذبح لا بالدباغ.

و على الثالث: فالامر مشكل، لأن ظهور حال المسلم بالنسبة إلى المستحل غير جار، للعلم بأنه يحرز التذكية بالدباغ، فظهور حاله في إحراز التذكية لا يكشف عن التذكية بالذبح دون الدباغ.

و على كل، ففي الوجهين الأولين لإحراز ملاك الأمارية كفاية.

و أما مقام الإثبات: فالإطلاقات الدالة على أمارية اليد على التذكية مطلقا تامة، و لا يتوهم وجود مقيد لها الا خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«كان علي بن الحسين (عليه السلام) رجلا صردا فلا تدفئه فراء الحجاز لأن دباغها بالقرظ. فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه. فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الّذي يليه، و كان يسأل عن ذلك فيقول: ان أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة و يزعمون ان: دباغه ذكاته» (1). و الاستدلال بها على‏

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 338 باب: 61 من أبواب لباس المصلي، الحديث: 2.

82

التقييد واضح.

و لكنه يشكل بضعف سندها، و عدم صراحتها في الإلزام- إذ يمكن ان يكون فعله (عليه السلام) للتنزه اللائق منه بمثل الصلاة أو الاحتياط فانه حسن- بحيث يمكن معارضتها للإطلاقات الواردة في هذه الموارد و تقييدها لها.

و أما ما ذكر: من أنها كما يستدل بها على المنع كذلك يستدل بها على الجواز، للإجماع القائم على عدم جواز الانتفاع بالميتة مطلقا، و عدم التفكيك بين الاستعمال في الصلاة و غيرها، فلبس الإمام (عليه السلام) لفرو العراق في غير الصلاة مع استحلالهم الميتة بالدبغ دليل على الجواز، فلا بد ان يحمل نزعه في الصلاة على التنزه.

فغير سديد، إذ لم يعلم قيام الإجماع بنحو يصح الاعتماد عليه، كيف؟ و قد خالف في ذلك بعض مستدلا بهذه الرواية على حلية استعمال الميتة أو ما في حكمها في غير الصلاة.

مضافا إلى ما تشير إليه بعض الاخبار من الفرق بين الاستعمال في الصلاة و غيرها، حيث يسأل السائل عن الصلاة فيما اشتراه من السوق. مما يكشف عن ان جواز الشراء للمشكوك و ما يترتب عليه من استعمال مفروغ عنه لدى السائل، و انما الإشكال في جواز الصلاة فيه.

و على أي حال، فلا إشكال في عدم نهوض هذه الرواية للتقييد فتبقى الإطلاقات على حالها.

الجهة الثالثة عشرة: في أمارية اليد على غير الملكية من الاختصاصات كالزوجية و النسب.

فهل يثبت بالاستيلاء على المرأة زوجيتها له، و على صبي بنوته له أم لا؟.

و البحث في هذه الجهة ليس بمهم، إذ لا يتصور الاستيلاء على الزوجة و الابن خصوصا في زماننا هذا. مضافا إلى عدم الدليل على أمارية اليد في الموردين، الا ما يتوهم من شمول إطلاق قوله (عليه السلام): «و من استولى على شي‏ء منه فهو له».

83

و لكن شمولها للمدعى- بعد تسليم دلالتها على أمارية اليد مطلقا بإلغاء خصوصية المورد- يستلزم فروضا [1]، بعيدة عن الظاهر و الذوق السليم كما لا يخفى.

و عليه، فلا إشكال في عدم أمارية اليد بالنسبة إلى إثبات الزوجية و النسبية، و ان نسب إلى العلامة (1)، السيد الطباطبائي (قدس سرهما) (2) ظهور أماريتها على البنوة من كلاميهما. فتدبر.

و قد يستدل لثبوت الزوجية بأصالة الصحة، بتقريب: ان المسلم حيث لا يجوز له النّظر و سائر العلاقات إلى الأجنبية، فظاهر حاله يقتضي زوجية المرأة التي ينظر إليها و يباشرها.

إلا انه يشكل: بأن الثابت بها ليس إلا حلية نظره و غيره و عدم حرمته، و أما نفس الزوجية المقصود ثبوتها لترتيب آثارها، فلا تثبت إلا بالملازمة، و ستعرف عدم تكفل أصالة الصحة لإثبات اللوازم.

الجهة الرابعة عشرة: «في قبول قول ذي اليد و أخباره بطهارة ما في يده أو نجاسته و نحوهما مما يكون من شئون العين.

و قد حكي عن الحدائق ظهور الاتفاق عليه من الأصحاب، و ادعى عليه السيرة المستمرة (3).

____________

[1] منها: ان يفرض كون المراد من اللام في «له» أعم من الاختصاص بالملك و الاختصاص بالحق ليشمل مثل الزوجية. و منها: الالتزام بعموم: «شي‏ء» للإنسان فانه و ان صح إطلاقه عليه بحسب اللغة، إلا انه يندر عرفا ذلك في الاستعمالات فلا يستفاد من لفظ: «شي‏ء» ما يعم الإنسان.

____________

(1) العلامة الحلي. قواعد الأحكام- 230- كتاب القضاء- الطبعة القديمة.

(2) الطباطبائي الفقيه السيد محمد كاظم. العروة الوثقى 3- 196- الطبعة الثانية.

(3) البحراني الفقيه الشيخ يوسف. الحدائق الناظرة 5- 252- الطبعة الأولى.

84

و قد استدل على ذلك بروايات عديدة:

منها: رواية محمد بن الحسين الأشعري- الواردة في التذكية- «كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): ما تقول في الفرو- يشتري من السوق؟. قال (عليه السلام): إذا كان مضمونا فلا بأس» (1). فان الظاهر من الضمان هو اخبار البائع بالتذكية.

و يشكل الاستدلال بها ...

أولا: بان الظاهر كون موردها سوق المسلم و يده، و كلاهما حجة على التذكية، فلا وجه لتوقف جواز الشراء على أخباره، فالرواية غير واضحة المفاد.

و ثانيا: بأنه لو حمل المورد على غير وجود الحجة، بان حمل على الشراء ممن يستحل الميتة بالدباغ- مثلا- فلا ظهور في إرادة اخبار البائع بالتذكية من الضمان، فيحتمل ان يراد منه توصيف البائع الرافع للغرر، لأن اختلاف الجلد بين المذكى و غيره يوجب تفاوته من حيث السعر و القيمة السوقية، فشراء الجلد مع الجهالة يكون شراء غرريا، بخلاف ما إذا وصفه البائع و كان الشراء للموصوف بالتذكية، فان الغرر يرتفع بذلك و هذا لا ينافي عدم حجية اخبار البائع. أو يراد من الضمان هو الالتزام بكونه مذكى و التعهد بذلك، و هو لا ينافي عموم حجية أخباره- كما أشار إليه المحقق الأصفهاني‏ (2)-.

و منها: ما ورد في بيع الدهن المتنجس من لزوم إعلام المشتري‏ (3). فانه لو لا حجية خبره و لزوم الأخذ به لما كان وجه لوجوب إعلامه.

و يشكل الاستدلال بها ...

أولا: بان الغالب حصول الاطمئنان بصحة المخبر بالنجاسة، لأنه اخبار عن‏

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 338 باب 61 من أبواب لباس المصلّي، الحديث: 3.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 349- الطبعة الأولى.

(3) وسائل الشيعة 12- 66 باب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث: 3 و 4.

85

نقص في ماله المبيع، و هو سبب للاطمئنان بصحة الخبر.

و ثانيا: بان الاخبار في الشبهة المصداقية غير لازم، و انما يجب فيما إذا كان عدم الاعلام منشأ لتسبيب ارتكاب النجس- مثلا- كأكله- لما دل على حرمة التسبيب-. و ما نحن فيه من هذا القبيل، فانه بدون الاعلام يكون البائع مسببا إلى شرب النجس، فوجوب الاعلام انما هو لأجل دفع التسبيب، و هذا لا يرتبط بحجية قوله و اخباره- كما لا يخفى-.

و منها: رواية ابن بكير الواردة فيمن أعار ثوبا لا يصلى .. فيه حيث قال (عليه السلام): «لا يعلمه بذلك. قلت: فان أعلمه؟ قال (عليه السلام): يعيد (1)، فان الأمر بالإعادة دليل على حجية خبره و إعلامه، و إلا فلا وجه للأمر بالإعادة.

و للمناقشة فيه مجال، لأن الطهارة شرط بوجودها العلمي لصحة الصلاة لا بوجودها الواقعي، فمع علمه بوقوع صلاته في النجس مع عدم سبق علمه بالنجاسة قبل الفراغ من الصلاة لا تجب عليه الإعادة فضلا عن اخباره بذلك، فالأمر بالإعادة لا يكشف عن حجية إعلامه بالنجاسة، فلا بد من حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب و الاحتياط، و هو غير ملازم لحجية خبره، بل يكفي فيه الاحتمال.

و منها: ما ورد من أمر الإمام (عليه السلام) باشتراء الجبن من السوق و النهي عن السؤال من البائع‏ (2). فانه يدل على حجية خبره، إذ لو لا حجيته لما اتجه النهي عن السؤال.

و الاستدلال بها غير وجيه لوجهين:

الأول: انه من المعلوم ان كون الجبن من الميتة أو فيه الميتة لا يضر بطهارته و جواز استعماله، للاتفاق على استثناء الإنفحة و اللبن في الضرع من ما لا يجوز

____________

(1) وسائل الشيعة 2- 1069 باب 47 من أبواب النجاسات، الحديث: 3.

(2) وسائل الشيعة 17- 91 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث: 4 و 8.

86

استعماله من الميتة، فالنهي عن السؤال و لو كان خبر البائع حجة غير واضح الوجه كما لا يخفى.

الثاني: انه على تقدير القول بحرمة استعمال الجبن الّذي فيه الميتة، فمن المحتمل ان يراد من السؤال المنهي عنه الفحص عن حاله، نظير السؤال المأمور به في قوله (عليه السلام): «عليكم أنتم ان تسألوا إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك» (1).

و منها: ما ورد في اخبار البائع بالكيل و الوزن الدال على تصديقه في ما يدعيه من الكيل‏ (2).

و لكنه لم يظهر منه ان ذلك من باب تصديقه فيما يدعيه و حجية اخباره، إذ يمكن ان يكون من باب ارتفاع الجهل بتوصيفه، فيرتفع به الغرر، و هذا لا يلازم حجية خبره.

و من الأمور التي استدل بها على حجية قول ذي اليد: السيرة المستمرة القائمة على ان ذا اليد إذا أقر لأحد المتداعيين فيما في يده به كان المقر له بمنزلة ذي اليد منكرا و يكون الآخر مدعيا فيطالب بالبينة، و ليس هذا أثر الإقرار، لأن اثره خصوص نفيه عن نفسه، اما ثبوته لغيره المعين فليس من مقتضيات الإقرار، فلا بد أن يكون ذلك لحجية قول ذي اليد، فيكون المقر له منكرا لموافقة قوله الحجة.

و يشكل الاستدلال بها، لأنه لم يعلم كون الاتفاق المذكور انما حصل لأجل حجية قول ذي اليد، بل ظاهر المستند- بل صريحه- التمسك لهذه الفتوى بالمستفيضة الدالة على ان لو أقر ذو اليد بما في يده لغيره فهو له‏ (3). و لصدق انه ذو يد عرفا بالإقرار له. و كلاهما أجنبي عن حجية قول ذي اليد كما لا يخفى.

و اما الاستدلال بالمستفيضة الدالة على ان من أقر لعين لأحد فهي له،

____________

(1) وسائل الشيعة 2- 1072 باب 50 من أبواب النجاسات، الحديث: 7.

(2) وسائل الشيعة 12- 257 باب 5 من أبواب عقد البيع و شروطه، الحديث: 6.

(3) المحقق النراقي ملا أحمد. مستند الشيعة 2- 580- الطبعة القديمة.

87

بدعوى ان ذلك يرجع إلى حجية الاخبار، إذ أثر الإقرار انما هو نفي الملكية عن نفسه لا أكثر.

ففيه: انه يمكن ان الحكم المذكور الّذي تدل عليه المستفيضة من باب نفوذ الإقرار في حق الغير- بملاك: من ملك شيئا ملك الإقرار به- مضافا إلى كون موردها ما لم يكن المقر له طرفا للتداعي مع آخر، فاستفادة كون الحكم بالملكية بالإقرار لا لخصوصية الإقرار بل لحجية الاخبار. و إلغاء خصوصية موردها بحيث يستفاد حجية الاخبار مطلقا مشكل جدا. فتدبر.

فالمتعين هو الاستدلال بالسيرة المستمرة على الأخذ بقول ذي اليد و اعتباره مطلقا من دون اعتبار شروط حجية خبر الواحد فيه. و يسندها خبر معاوية بن عمار: «عن الرّجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج‏ (1)، و يقول: قد طبخ على الثلث: و انا أعرفه انه يشربه على النصف فأشر به بقوله و هو يشربه على النصف؟.

فقال (عليه السلام): لا تشربه. قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه انه يشربه على الثلث و لا يستحله على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟. قال (عليه السلام): نعم‏ (2). فان ذيلهما بقرينة الصدر يدل على جواز الاعتماد على قول ذي اليد مع انتفاء ما يوجب اتهامه في خبره، فتدبر. و باللَّه الاعتصام. هذا تمام الكلام في قاعدة اليد (3).

و الكلام بعدها في أصالة الصحة.

____________

(1) العصير المطبوخ.

(2) وسائل الشيعة 17- 234 باب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث: 4.

(3) تم الفراغ منها: في 22- 6- 1382 ه

88

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

89

أصالة الصّحّة

90

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

91

أصالة الصحة [1] و الكلام فيها في جهات ثلاث:

الأولى: في موارد جريانها.

الثانية: في مقدار الآثار المترتبة عليها.

الثالثة: في نسبتها مع الأصول و الأمارات.

____________

[1] لا يخفى ان ما ذكره المحقق الأصفهاني من تقريب وحدة قاعدة الفراغ و أصالة الصحة بإرجاعهما إلى أصالة الصحة في عمل نفسه و عمل غيره لا يخلو عن منع. و ذلك لاختلاف القاعدتين موضوعا، لأن موضوع قاعدة الفراغ هو الشك الحادث بعد العمل، و اما موضوع قاعدة الصحة هو الشك في عمل الغير و لو في أثناء مباشرته للعمل مع اختلافهما موردا، لأن الغالب في موارد قاعدة الفراغ ما إذا كان الشك في الصحة ناشئا عن الشك في الغفلة. و الغالب في موارد قاعدة الصحة ما إذا كان الشك في الصحة ناشئا عن الشك في مبالاة العامل و تسامحه و بينهما فرق بعيد. فتدبر. و الأمر سهل لعدم الأثر العملي الواضح لهذه الجهة.

92

و يتضح الكلام فيها بعد معرفة دليل اعتبارها و حجيتها.

و لا بد قبل التعرض إلى ذكر الدليل من بيان أمرين:

الأمر الأول: ان لحمل الصحة مقامات ثلاثة:

المقام الأول: حسن الظن و الاعتقاد بان يكون الشخص حسن الظن بعمل غيره و يعتقد صحته بلا لحاظ الأثر الخارجي المترتب عليه أصلا.

و هو- أعني: الظن و الاعتقاد- و ان كان أمرا غير اختياري، إلّا ان مقدماته من تصفية النّفس و تمرينها اختيارية، فالتكليف به بلحاظ أسبابه. ان لم نقل بان الاعتقاد أمر اختياري، لأنه عبارة عن عقد القلب، فيصح تعلق التكليف به.

المقام الثاني: مقام المعاشرة، بمعنى ترتيب آثار الصحيح على عمل الغير و قوله في مقام المعاشرة. فيعاشره معاشرة القائل للصحيح واقعا.

و هذان المقامان يرتبطان بعالم الأخلاق و تحسين الحالة الاجتماعية و حفظ التحابب بين الافراد.

المقام الثالث: مقام ترتيب الأثر الخارجي العملي، بمعنى ترتيب الآثار الخارجية العملية للعمل الصحيح على عمل الغير.

الأمر الثاني: ان هناك حسنا و قبيحا، و صحيحا و فاسدا. و هما يختلفان، بمعنى ان الفساد لا يساوق القبح، و الصحة لا تساوق الحسن- لا يخفى ان المراد من الحسن عدم القبح- فقد يكون العمل فاسدا و لكنه ليس بقبيح، لمعذورية العامل في عمله الفاسد. كما أنه قد ينعكس الفرض فيكون العمل قبيحا و ليس فاسدا، كما في المعاملات التي ينطبق عليها عنوان محرم.

و لا يخفى ان المقام الأول يرتبط بعالم الحسن و القبح لا الصحة و الفساد، كما لا يخفى عليك ان ما نحن بصدده هو المقام الثالث من مقامات الحمل على الصحة المرتبط بالصحّة و الفساد لا بالحسن و القبح.

إذا عرفت هذين الأمرين، فاعلم: انه قد استدل لاعتبار أصالة الصحة في‏

93

الجملة

بالأدلة الأربعة:

اما الكتاب: فقد استدل منه بآيات:

الأولى‏

: قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (1). و وجه الاستدلال بها: انه قد جاء تفسيرها في الكافي: «لا تقولوا الا خيرا حتى تعلموا»، و المراد بالقول هو الظن و الاعتقاد، و بما انهما ليسا من الأمور الاختيارية كي يصحح التكليف بهما، فلا بد ان يراد ترتيب آثار الاعتقاد الصحيح، و معاملة الناس في أفعالهم معاملة الصحيح.

و يشكل الاستدلال بها ...

أولا: ان الظاهر انها في مقام النهي عن السب و اللعان و الأمر بالقول الطيب الحسن، كما فسرت في رواية أخرى بذلك [1].

و ثانيا: انه لو سلم إرادة الاعتقاد من القول، فقد عرفت إمكان تعلق التكليف به فلا حاجة إلى تقدير الآثار.

و ثالثا: انه لو سلم دلالتها على الأمر بترتيب الآثار، فهي انما تدل على ترتيب آثار الحسن لا الصحيح، و قد عرفت الفرق بينهما.

الثانية

: قوله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ‏ (2). حيث يراد من الظن الإثم هو ظن السوء قطعا لا ظن الخير، و حيث ان الظن غير قابل لتعلق التكليف به فلا بد ان يكون المتعلق ترتيب آثار الظن السوء، فهو منهي عنه، فلا بد من الحمل على الصحة.

____________

[1] عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: (و قولوا للناس حسنا) قال (عليه السلام): قولوا للناس أحسن ما تحبون ان يقال لكم فان اللّه يبغض اللّعان السباب الطعان على المؤمنين الفحاش المتفحش السائل الملحف و يحب الحليم العفيف المتعفف.

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 83.

(2) سورة الحجرات الآية: 12.

94

و الإشكال في الاستدلال بها يعلم مما تقدم، فان الظن قابل لتعلق التكليف به باعتبار أسبابه الاختيارية. مضافا إلى انها لو دلت على حرمة ترتيب الآثار، فهي انما تدل على حرمة ترتيب الآثار، فهي انما تدل على حرمة ترتيب آثار العمل السيئ لا الفاسد.

الثالثة

: قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1). حيث تدل على وجوب الوفاء بكل عقد واقع، و معناه ترتيب آثار العقد الصحيح عليه، و الخطاب للناس جميعا.

فهي تدل على وجوب ترتيب آثار الصحة من كل أحد على المعاملة الواقعة.

و يمنع الاستدلال بها لوجوه:

أحدها: ان الخطاب فيها لخصوص المتعاملين لا لجميع المكلفين.

ثانيها: ان المفروض كون مورد الحمل على الصحة مشتبه بالشبهة المصداقية، إذ لا يعلم ان الواقع هل هو العقد الصحيح أو العقد الفاسد الّذي خرج عن العموم بالتخصيص، و لا يصح التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية.

ثالثها: انها أخص من المدعى، لأن المدعى جريان أصالة الصحة في جميع الأعمال لا في خصوص العقود كما تدل عليه الآية.

و أما السنة: فروايات:

منها: ما في الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه، و لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوء و أنت تجد لها في الخير سبيلا» (2).

و لا يتجه الاستدلال بها لجهتين:

الأولى: ان ظاهرها انها في مقام الأمر بحسن الظن و الاعتقاد، خصوصا بملاحظة ذيل الرواية حيث يقول فيها: «و لا تظنن بكلمة خرجت ...»

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 1.

(2) الكافي: باب التهمة و سوء الظن، الحديث: 3. إلّا انّ فيها كلمة محملا بدل سبيلا.

95

الثانية: انه لو سلم دلالتها على وجوب ترتيب الآثار- و لا دلالة لصدرها على خصوص وجوب الظن الحسن-، فهي انما تدل على وجوب ترتيب آثار العمل الحسن لا الصحيح. فهي على كلتا الجهتين لا ترتبط بما نحن بصدده.

و منها: قول الصادق (عليه السلام) لمحمد بن الفضل: «يا محمد كذب سمعك و بصرك عن أخيك، فان شهد عندك خمسون قسامة انه قال و قال لم أقل فصدقه و كذبهم» (1).

و لكنها انما تدل على وجوب حمل الأخ المؤمن على الصحة في مقام المعاشرة و ترتيب آثار الصدق على دعواه، فان موردها ذلك و موضوعها موردها.

و لا يخفى انها لا ترتبط بمقام القلب و حسن الظن، إذ يبعد ان يأمر بالظن بصحة قول فرد مؤمن و تكذيب خمسين قسامة. فلا بد من حملها على التكذيب العملي و الأمر بعدم ترتيب ما يترتب على الكذب و شبهه.

و منها: ما ورد أن المؤمن لا يتهم أخاه المؤمن، و انه إذا اتهم أخاه انماث الإيمان في قلبه كانمياث الملح في الماء (2). و تقريب الاستدلال بها: ان حمل المعاملة الصادرة من المؤمن على الفاسدة اتهام له بعدم المبالاة و المعرفة بشئون المعاملات الدينية، فهو منهي عنه، فلا بد من الحمل على الصحيح، و ترتيب آثار الصحيح عليها.

و لكنه محل تأمل و منع، فان الرواية تحتمل وجوها أربعة:

الأول: انها واردة في مقام عقد القلب على كون الواقع من المؤمن صحيحا، فلا ترتبط بمقام الخارج أصلا.

الثاني: انها واردة في مقام ترتيب آثار الصحيح في مقام المعاشرة.

____________

(1) وسائل الشيعة 8- باب: 157 من أبواب أحكام العشرة، الحديث: 4. و فيها عن محمد بن فضيل عن أبي الحسن موسى (عليه السلام).

(2) الكافي، باب التهمة و سوء الظن، الحديث: 1.

96

الثالث: انها واردة في مقام ترتيب آثار الصحيح الخارجية.

الرابع: انها واردة في النهي عن اتهام المؤمن في أقواله بالكذب.

و إذا كانت تحتمل وجوها أربعة و لا معين لأحدها، فلا يتجه الاستدلال بها على المدعى، بل القرينة معينة لغير ما نحن بصدده.

و ذلك لأنه لو حملت على الاحتمال الثالث لشملت أقوال المؤمن، لأن لسانها آب عن التخصيص، و ذلك يقتضي ترتيب آثار الصدق على أقواله، و هو مما لا يمكن الالتزام به، لأنه يرجع إلى حجية قول المؤمن بحيث يترتب عليه ما يترتب على الواقع.

كما ان الظاهر ان الاتهام انما هو بحمل فعل المؤمن على السوء لا على الفاسد.

هذا لو قلنا بان الاتهام من الأفعال الخارجية، اما مع القول بأنه من الأفعال القلبية، فنحن في غنى عما ذكر كما لا يخفى.

و أما الدليل العقلي‏

: فهو لزوم اختلال النظام من ترك الحمل على الصحة، و هو واضح بالوجدان- و عليه فيدل على اعتبارها فحوى التعليل الوارد في خبر حفص المتقدم- و تفيده بان تخلفها في موارد الحاجة لا يستدعى ذلك. فاسد، لأن أظهر مواردها العقود النكاحية، و الإيقاعات الطلاقية، فلو لا أصالة الصحة لاختل نظام الزواج بلا ارتياب.

و اما الإجماع‏

: فالقول منه لا وجود له، إذ تحرير المسألة كان متأخرا زمانا.

و أما العملي، المعبر عنه بالسيرة و بناء العقلاء، فلا إشكال في انعقاده- على ترتيب آثار الصحة على العمل الصادر من الغير- و لا ارتياب. و عدم الردع في صحة التمسك بها.

و دعوى: كون البناء قد يكون لوجود الأمارات أو الأصول الخاصة. واضحة البطلان، ضرورة ان البناء حاصل في صورة انتفاء الأمارة و الأصل.

إذا تبين ذلك‏

فمقامات البحث في هذه المسألة متعددة

. و لكن يجمعها الجهات‏

97

الثلاث التي ذكرناها آنفا.

المقام الأول: في ان المحمول عليه الفعل هل هو الصحة الواقعية أو الصحة عند الفاعل؟

. فإذا صدر من شخص عمل فهل يحمل على انه صحيح واقعا، فيترتب عليه آثار الواقع. أو يحمل على انه صحيح باعتقاد الفاعل و نظره، فيترتب عليه آثاره ان كانت له آثاره بالنسبة إلى الحامل؟

و تظهر ثمرة ذلك: انه لو بنينا على إجراء أصالة الصحة عند الفاعل، فلا تجدي في ترتيب الآثار على علمه إلا في موارد اتفاق الحامل مع الفاعل في الرّأي اجتهادا أو تقليدا. أو الموارد التي يكون الحكم الظاهري في حق أحد نافذا واقعا في حق الآخرين، و محل ذلك مما لا نعهده. أو الموارد التي يكون الحكم الظاهري في حق الشخص موجبا لصحة عمله واقعا لديه أيضا كمعتقد الجهر في مورد الإخفات، فان صلاته صحيحة واقعا في حقه للنصوص الخاصة أو لحديث لا تعاد. و اما في غير ذلك، فلا يمكن ترتيب آثار العمل الصحيح على ما أتى به. بخلاف ما إذا بنينا على إجراء أصالة الصحة الواقعية، فانه يترتب الأثر على عمله مطلقا. كما ان لازم الحمل على الصحيح عند الفاعل انه يختص بمن يعرف الصحيح و الفاسد، اما من لا يكون عالما بالصحيح و الفاسد فلا معنى للحمل على الصحيح عنده، إذ هو جاهل على الفرض، فلا صحيح عنده و في علمه. فانتبه.

و لا بد في تحقيق الكلام أن يقال: ان الحامل تارة: يعلم علم الفاعل بالصحيح و الفاسد. و أخرى: يعلم بجهله بهما. و ثالثة: يجهل حاله و لا يعلم بأنه عالم بالصحيح و الفاسد أم جاهل بهما.

و في صورة علمه بأنه يعلم الصحيح و الفاسد تارة: يعلم موافقته اجتهادا أو تقليدا. و أخرى: يعلم مخالفته. و ثالثة: يجهل الحال من موافقته له و مخالفته. فالصور خمس ..

أما صورة علمه بعلم الفاعل بالصحيح و الفاسد و موافقته له اجتهادا أو

98

تقليدا، فلا أثر في الخلاف في الحمل على الصحة الواقعية أو الصحة عند الفاعل، إذ الأثر المرغوب يترتب على كلا الحالين.

و أما صورة مخالفته له في الصحيح و الفاسد، فالمخالفة تارة: تكون بالتباين، كما لو اعتقد أحدهما وجوب الجهر في ظهر يوم الجمعة و الآخر وجوب الإخفات.

و أخرى: تكون بالعموم المطلق، كما لو اعتقد أحدهما صحة العقد بالفارسي و الآخر فساده و اختصاص الصحيح بالعربي.

فعلى الأول: لا إشكال في الحمل على الصحة عند الفاعل، لأن الحمل على الصحة الواقعية في الفرض حمل للفاعل على خلاف ما يعتقده و يدين به، و لا إشكال في عدم صحة ذلك.

نعم، على الثاني للحمل على كلا المعنيين مجال، فمع حمله على الصحة الواقعية تترتب عليه آثار الواقع. و اما مع حمله على الصحة عند الفاعل فلا يمكن ترتيب آثار الواقع عليه، إذ يمكن ان يكون الصادر منه ما هو فاسد بنظر الحامل، فكيف يترتب عليه آثار الواقع؟

و هكذا الحال في صورة جهله بموافقته له و مخالفته كما لا يخفى.

و أما صورة العلم بجهله بالصحيح و الفاسد، فلا معنى لحمله على الصحيح عند الفاعل، إذ المفروض كونه جاهلا لا اعتقاد له. فلو فرض جريان أصالة الصحة في المورد، فلا إشكال في كونها الصحة الواقعية.

و مثل هذه الصورة في الحكم صورة الجهل بحاله، و انه هل يعلم الصحيح و الفاسد أو يجهلهما؟

هذه هي شقوق المسألة المحررة.

و تعيين الحكم بالنسبة إلى الموارد مشكل جدا بعد أن لم يكن دليل الأصل المزبور لفظيا، كي يتمسك بإطلاقه، بل كان دليلا لبيا. و لذلك اختلفت فيه كلمات‏

99

الاعلام. و الّذي يظهر من المحققين العراقي في تقريرات بحثه‏ (1)، و الأصفهاني في رسالته‏ (2)، العموم ما عدا صورة اختلافهما بنحو التباين. و المنسوب إلى الفقيه الهمداني العموم حتى لهذه الصورة.

و الكلام يقع في مرحلتين:

الأولى: في ان المحمول عليه الفعل ما هو- و هو عنوان البحث-؟

و التحقيق ان يقال: انه ان استند في أصالة الصحة إلى ظاهر حال المسلم و انه لا يأتي إلا بما يوافق الموازين، فهو لا يقتضي أكثر من الصحة عنده، لأن هذا هو ما يقتضيه ظاهر حاله. و ان استند فيها إلى السيرة، فهي تقتضي الحمل على الصحة الواقعية لقيامها على ذلك.

الثانية: في عموم جريان الأصل للموارد المذكورة و عدمه.

و الأقرب هو العموم، لقيام السيرة على جريان الأصل بلا توقف و تردد في جميع الموارد. نعم، لا يمكن الجزم بقيام السيرة على جريان أصالة الصحة في مورد العلم بجهل العامل بالصحيح و الفاسد، بحيث تكون مطابقة عمله للصحيح الواقعي من باب الصدقة و الاتفاق، و لذلك يكون الحكم بجريانها في هذا المورد محل إشكال و توقف و ان كان ليس ببعيد، فان كثيرا من العوام يجهلون الصحيح و الفاسد، مع ان السيرة على حمل عملهم على الصحيح.

المقام الثاني: في أصالة الصحة في العقود.

و محل الكلام- كما أشار إليه الشيخ‏ (3)- هو جريان أصالة الصحة عند الشك في صحة العقد و فساده قبل استكمال أركانه و انعقاده- بأن كان منشأ الشك الشك في تحقق أحد الأركان-، و عدم جريانه قبل الاستكمال.

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار: 4- 80- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 312- الطبعة الأولى.

(3) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 418- الطبعة القديمة.

100

و الّذي نقله الشيخ عن المحقق الثاني (قدس سره) هو القول الثاني مستدلا على ذلك بوجهين:

الأول: ان نسبة الأصل إلى العقد نسبة الحكم إلى موضوعه، لأن مؤداه صحة العقد و موضوعه الشك في الصحة و الفساد، و ذلك في مرتبة متأخرة عن تحقق العقد كي يتصف بالصحّة و البطلان. و مع الشك في تحقق بعض أركان العقد يكون الشك في وجود العقد لا في صحته، فلا مجال لجريان أصالة الصحة.

الثاني: ما ذكره بعنوان التفريع على دعواه، و لكن الظاهر من تفصي الشيخ عنه انه وجه مستقل، و هو: الفتوى بتقديم قول من يدعي وقوع المعاملة على الحر فيما لو ادعى أحد المتعاقدين بيع العبد و ادعى الآخر بيع الحر. و لو كانت أصالة الصحة جارية في المقام لما توجهت هذه الفتوى.

و أجاب الشيخ عن الأول: بأنه ان كان المراد من وجود العقد وجوده الشرعي، فهو عين الصحة، إذ العقد غير المؤثر ليس عقدا شرعا. و ان كان المراد منه وجوده العرفي، فهو متحقق مع الشك، بل مع القطع بالعدم، إذ العقد الواقع على الحر عقد عرفا و ان كان فاسدا، فالحال لا يختلف بالنسبة إلى جميع الشروط غير العرفية على كلا التقديرين.

و أما الثاني: فالجواب عنه بما قرره الفقيه الهمداني (قدس سره) في حاشيته على الرسائل، و بيانه: ان عدم جريان أصالة الصحة في المورد المذكور ليس من أجل عدم تحقق موضوعها و هو العقد، و إلّا للزم ان لا تجري في صورة كون موضوع الدعوى هو الثمن، بأن ادعى البائع البيع بعبد و المشتري بحر، لأن نسبة الثمن و المثمن إلى وجود العقد متساوية، مع انه قد أفتى جملة من الفقهاء بان القول قول مدعي الصحة للأصل. فلا بد ان يرجع تقديم قول مدعي الفساد و عدم إجراء أصالة الصحة في مورد كون الموضوع للدعوى هو المثمن إلى وجه آخر غير ما تخيله المحقق الكركي و استدل به على دعواه.

101

و لعل الوجه هو: انه لما كان موضوع الأثر في هذه الصورة هو وقوع العقد الصادر على العبد، إذ لا أثر لوقوعه على الحر أصلا، لأنه يكون حينئذ بمنزلة العدم، فجريان أصالة الصحة في العقد الواقع لا يثبت كون المبيع هو العبد فلا أثر لجريانها، فلا تجري، فتكون أصالة عدم السبب الناقل بلا حاكم.

و هذا بخلاف صورة ما إذا كان موضوع الدعوى هو الثمن، و انه حر أو عبد، لأن مورد الأثر صحة العقد الواقع على المثمن المعين و تحقق النقل و الانتقال به، فجريان أصالة الصحة يجدي في ترتب الأثر و يلزمه ثبوت الثمن في ذمة المشتري و ان لم يكن معينا- لأن الأصل المزبور لا يعينه-.

و ان كان قد يرد على هذا التوجيه: بأنه في الصورة الأولى يمكن جريان أصالة الصحة باعتبار طرف الثمن فانه يشك في ثبوت الثمن في ذمة القابل بواسطة العقد الواقع فتجري أصالة الصحة فيه، فتأمل. و لكنه ليس بمهم إذا المهم هو إثبات ان عدم إجراء أصالة الصحة في المثال لم يكن لما ادعاه المحقق (قدس سره) من عدم تمامية الأركان لإجرائها فيما لو كان الخلاف في الثمن. أما توجيه الفرق بما ذكر فليس إثبات صحته بمهم.

و عبارة الشيخ (قدس سره)- في بعض النسخ- في مقام الجواب لا تخلو عن إبهام ..

و الّذي يظهر منها التفريق بين صورة التمليك المجاني و العوضي.

أما الأول: فحيث ان المالك بدعواه تمليك الحر لا يدعي على الآخر شيئا و لا يطالبه بشي‏ء، و انما الأثر على ثبوت دعوى تمليك العبد، كان موضوع الدعوى و أحكامها هو دعوى ثبوت تمليك العبد- أما دعوى تمليك الحر، فهي ساقطة عن الاعتبار لعدم الأثر- فيكون القول قول منكر التمليك المذكور فعليه اليمين إن لم تقم البينة على خلافه. و لا مجال لأصالة الصحة للشك في تحقق موضوعها لعدم العلم بتحقق التمليك كي تجري فيه أصالة الصحة. أما التمليك الواقع فجريان أصالة

102

الصحة فيه لا يثبت وقوعه على العبد كما لا يخفى.

و أما الثاني: فهو داخل في المسألة المعنونة في كلام الأصحاب. و قد أجرى بعضهم أصالة الصحة. و لا يفرق فيه- كما يظهر من تعبيره بالعوضين- بين أن يكون الاختلاف في الثمن أو المثمن، و إن كان ظاهر عنوان المسألة كون الاختلاف في الثمن. لكن الملاك في كلتا الصورتين واحد. فالتفت و تدبر. فعبارته و مقابلته لا تخلو من غموض، و أكثر نسخ الكتاب قد حذف فيها الشق الأول من الترديد.

و على كل فليس الأمر بهذه المثابة من الأهمية.

و أعلم ان الأعلام المتأخرين (قدس سرهم) عدلوا عن تحرير محل النزاع بنحو ما ذكره الشيخ (رحمه الله) إلى نحو آخر و هو: ان أصالة الصحة هل يختص جريانها في ما إذا كان الشك في صحة العقد ناشئا عن الشك في شرائط العقد بما هو عقد، كالماضوية و العربية و غيرهما. أو يعم ما إذا كان الشك ناشئا عن الشك في شرط شرعي يعتبر في العقد أو المتعاقدين أو العوضين مع إحراز شرائطه العرفية.

أو يعم ما إذا كان الشك ناشئا عن الشك في شرط شرعي أو عرفي مع إحراز إنشاء البيع؟ وجوه و أقوال ...

و قد ذهب المحقق النائيني إلى الأول، و استدل عليه: بان معقد الإجماع القولي على أصالة الصحة هو أصالة الصحة في العقود، و ظاهره تعلق الصحة و الفساد بالعقد بما هو عقد، و ذلك انما يتحقق فيما إذا كان الشك في أحد شرائط العقد بما هو عقد. أما إذا كان الشك في أحد شرائط المتعاقدين أو العوضين، فالشك في الصحة و الفساد لا يتعلق بالعقد ابتداء، بل هو يتعلق بأمر آخر، و لازمه تعلق الشك بالعقد، فاتصاف العقد بالصحّة حينئذ من باب الوصف بحال متعلق الموصوف، و إلّا فالعقد بما هو لا قصور فيه و انما القصور من جهة المتعلق أو العاقد (1).

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 2- 245- الطبعة القديمة.

103

و قد دفعه المحقق الأصفهاني (قدس سره) بوجوه ثلاثة:

الأول: بان قصور معقد الإجماع غير ضائر بعد قيام السيرة العملية على إمضاء المعاملات المشكوكة و لو كان منشأ الشك هو الشك في الإخلال بشرط من شرائط العوضين أو المتعاقدين.

الثاني: ان الصحة و الفساد في أي حال تضافان إلى العقد دون غيره. و هذا لا يرتبط بإضافة الشرط إلى غيره، فكون الشرط لغيره لا يضر في إضافة الفساد للعقد عند انتفاء هذا الشرط. و معقد الإجماع هو البناء على صحة العقد عند الشك لا البناء على وجود شرط العقد، كي لا يكون شاملا لمورد يكون الشك فيه في شرط المتعاقدين أو العوضين.

الثالث: ان الدعوى المذكورة تبتني على انعقاد إجماعين قولين أحدهما في باب العبادات و الآخر في باب العقود و الإيقاعات بعنوانها.

و أما مع انعقاد الإجماع على البناء على صحة كل عمل له أثر- سواء كان عباديا أم معامليا- فلا وجه للدعوى المذكورة، لأن الصحة في معقد الإجماع لم تسند إلى العقد بما هو عقد، بل إلى العمل العبادي أو المعاملي، و ظاهر أن جميع الشرائط دخيلة في ترتب الأثر على المعاملة بما هي معاملة (1).

و لا يخفى أنه يمكن توجيه ما أفاده المحقق النائيني بنحو لا يرد عليه الوجهان الأخيران، ببيان: ان المتداول في تعبيرات الفقهاء هو إطلاق الصحة على العقد بمجرد تمامية شرائطه الراجعة إليه، مع عدم إطلاقهم الصحة على مثل العوضين و المتعاقدين، بل يطلقون القابلية على العوضين و الأهلية على المتعاقدين فيقولون عقد صحيح وقع من أهله و في مورد قابل. إلّا ان الّذي يهون الخطب اننا لا نعترف بحجية مثل هذا الإجماع كما عرفت، و الدليل الّذي لدينا على أصالة الصحة هو

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 313- الطبعة الأولى.

104

السيرة خاصة، فلا بد من ملاحظة موردها، و على هذا فالأمر في صحة ما ذكره النائيني و عدمه سهل.

و قد ذهب المحقق العراقي إلى ما نتيجته توافق ما ذهب إليه الشيخ- و هو جريان الأصل عند الشك في أي شرط مع إحراز الشرائط العرفية للعقد الّذي هو الوجه الثاني- فانه بعد أن ذكر أمرين:

أحدهما: ان الشرائط المعتبرة في صحة العقد و تأثيره الفعلي لترتب الأثر ليست على نمط واحد ..

فمنها: ما يرجع اعتباره إلى دخله في السبب، و هو العقد، كالموالاة بين الإيجاب و القبول، و الماضوية و غيرهما.

و منها: ما يرجع اعتباره إلى دخله في قابلية المسبب للتحقق، و هذه الطائفة بين ما يكون محله المتعاقدين كالبلوغ و العقل و غيرهما. و بينما يكون محله العوضين كالمعلومية و المالية. و بين ما يكون محله نفس المسبب كعدم الربوية و الغررية في البيع.

و ثانيهما: ان صحة كل شي‏ء بحسبه، لكونها بمعنى التمامية، و تمامية كل شي‏ء انما هي بلحاظ وفائه بالأثر المرغوب عنه في قبال فاسدة الّذي لا يكون كذلك فصحة الإيجاب بمعنى أنه لو تعقبه قبول صحيح لحصل أثر العقد.

و صحة العقد عبارة عن تماميته في نفسه، بحيث لو ورد على محل قابل لأثر فيه النقل و الانتقال و ترتب عليه الأثر المرغوب. فهي- أعني: الصحة- في العقد عبارة عن مفاد قضية تعليقية لا تنجيزية، و هو كونه بحيث لو ورد على محل قابل لا تصف بالمؤثرية الفعلية.

بعد أن ذكر هذين الأمرين. أفاد: ان الشك في الصحة و الفساد ..

ان كان مسببا عن الشك في وجود بعض الشرائط العرفية للسبب أو المسبب، كالشك في التوالي بين الإيجاب و القبول المعتبر عرفا، و مطلق المالية في‏

105

العوضين، فلا تجري أصالة الصحة لا في السبب و لا في المسبب، لرجوع هذا الشك إلى الشك في مجرى أصالة الصحة، مع انه لا بد من إحراز عنوان موضوعه عرفا.

و ان كان مسببا عن الشك في وجود بعض الشرائط الشرعية مع إحراز الشرائط العرفية، فان كان الشرط المشكوك فيه من شرائط العقد جرت أصالة الصحة في العقد، لأنه عقد عرفي مشكوك الصحة و الفساد شرعا. و ان كان من شرائط المسبب كالبيع، فلا تجري أصالة الصحة في العقد لإحراز صحته، لأنها مفاد قضية تعليقية و هي محرزة و لو مع القطع بانتفاء شرط المسبب، و انما تجري في نفس المسبب و هو البيع مثلا، لأنه بيع عرفي مشكوك الصحة و الفساد شرعا. و ان كان من شرائط السبب و المسبب، بان كان الشك من الجهتين، جرت أصالة الصحة في السبب و المسبب‏ (1).

هذا محصل ما ذكره المحقق العراقي (قدس سره)، و هو نتيجة يوافق الشيخ و ان كان يختلف عنه بحسب المقدمات.

و قد استدل على ذلك بالسيرة و لزوم اختلاف النظام، و انهما يقتضيان التعميم لجميع صور الشك مع إحراز عنوان موضوع الصحة عرفا، و لا بد حينئذ من التفصيل بين موارد الأصل من كونه السبب أو المسبب.

و لكن السيد الخوئي- كما في بعض تقريرات بحثه- لم يرتض هذا الاستدلال، و لذلك التزم بما التزم به المحقق الثاني و العلامة و أستاذه النائيني من اختصاص جريان أصالة الصحة في مورد الشك في شروط العقد دون غيره، إذ اعتبر في جريانها إحراز القابلية الشرعية و العرفية في الفاعل و المورد.

فانه بعد ما حرر موضوع المسألة، و بيّن صور الشك، و ذكر ان المحقق الثاني و العلامة (قدس سرهما) ذهبا إلى عدم جريان أصالة الصحة عند الشك في قابلية

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 82- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

106

الفاعل أو المورد العرفية و الشرعية. حكم بصحة ما ذهب إليه متمسكا لذلك بعدم وجود دليل لفظي لأصالة الصحة كي يتمسك بعمومه و إطلاقه، بل دليلها ليس سوى السيرة و لم يحرز قيامها على ترتيب آثار الصحيح عند الشك في القابلية- و هو كاف في الحكم بعدم جريان أصالة الصحة- بل المحرز قيامها على عدم ترتيب الآثار، و ضرب لذلك مثالين:

أحدهما: ما لو باع زيد دار عمرو مع اعترافه بكونها دار عمرو، و شك في كونه وكيلا عن عمرو أو لا.

و الثاني: ما لو طلق زيد زوجة عمرو و شك في كونه وكيلا عنه.

فان العقلاء لا يرتبون آثار البيع الصحيح أو الطلاق الصحيح على ما صدر من زيد، و هذا لا يرجع إلا لعدم ترتيب آثار الصحة عند الشك في القابلية. ثم أشار إلى ما ذكره الشيخ من قيام السيرة على ترتيب آثار الصحة على المعاملات الصادرة من الناس في الأسواق مع عدم إحراز قابلية الفاعل. و ذكر ان ترتيب الآثار ليس من جهة أصالة الصحة بل من جهة قاعدة اليد و إحراز القابلية باليد، و لذلك لا تجري أصالة الصحة فيما تقدم من المثالين لعدم كونه موردا لقاعدة اليد (1).

و للمناقشة فيما ذكره مجال، فان السيرة قائمة على إجراء أصالة الصحة في الموارد التي لا يكون هناك أصل أو أمارة يستند إليها، كالشك في البلوغ، أو الرشد، أو في مجهولية العوضين، أو زيادة أحدهما على الآخر في المعاملة الربوية، أو وقوع الطلاق في أيام الطهر، أو حضور عدلين عند إنشائه، و غير ذلك مما لا طريق إلى إثباته من يد أو غيرها. و اليد انما تثبت المالكية، أما بلوغ البائع أو رشده فلا تقتضي شيئا منهما، فلا وجه لما ذكره من أن قابلية الفاعل تحرز بقاعدة اليد. مع أن الشك لا ينحصر في قابلية الفاعل، إذ قد يكون في قابلية المورد.

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 327- الطبعة الأولى.