منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
107

و أما ما ذكره من النقض، فهو لا يدل على المدعى من جهتين:

الأولى: ان استناد العقد أو الإيقاع إلى المالك مما هو مأخوذ في موضوع أصالة الصحة، لأن مفاد أصالة الصحة مفاد: (أوفوا) في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و ظاهر أنه قد أخذ في موضوع الوفاء استناد العقد إلى المالك كما أخذ في موضوعه العقد، لظهور الكلام في ذلك عرفا بحيث لا يكون ما يدل على عدم نفوذ بيع غير المالك مخصصا لعموم: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

و عليه، فعدم جريان أصالة الصحة انما هو لأجل عدم إحراز موضوعها و هو العقد المستند إلى المالك، لا من جهة قيام السيرة على عدم جريانها عند الشك في القابلية.

الثانية: أن حصول الأثر و ترتبه في المثالين يتوقف على إحراز المالك أو الزوج استناد المعاملة إليه، لا من جهة كون الاستناد مأخوذا في موضوع النفوذ، بل من جهة أن المالك انما يجب عليه تسليم الدار للمشتري إذا صدر منه العقد، و هكذا الزوج. و أصالة الصحة في العقد الواقع لا تثبت خصوصية استناد العقد إلى المالك كي يجب على المالك ترتيب الآثار، بل هي أجنبية عن المالك.

و بالجملة: عدم جريان أصالة الصحة في المثالين ليس لأجل قيام السيرة على عدم ترتيب الآثار عند الشك في القابلية، بل هو من جهة خصوصية في المقام، فلا يرد النقض بهما.

و على هذا، فالالتزام بجريان الأصل المزبور عند الشك في مطلق الشرائط الشرعية المعتبرة في العقد أو في غيره مع إحراز الشرائط العرفية للعقد مما لا إشكال فيه، لتمامية الدليل، و هو السيرة و اختلال النظام، سواء قلنا بان صحة العقد مفاد قضية تعليقية- كما هو شأن المقتضيات أجمع- و ان الأصل يجري في المسبب- كما ذهب إليه المحقق العراقي على ما عرفت-. أو قلنا بان للعقد صحة أخرى هي التي تكون مجرى الأصل لا تلك، و هي صحة فعلية منتزعة عن تأثيره و ترتب الأثر

108

عليه- فانه و إن كان مقتضيا للأثر لا علة تامة، و الشرائط متممات التأثير و شرائط تأثيره، لكنه هو المباشر للتأثير، فانه هو المؤثر و الأثر يترتب عليه، كمباشرة النار للإحراق مع كونها مقتضية له لا علة تامة، فصحته يراد بها هذا المعنى و هي فعلية- فالأصل دائما يجري في العقد و لو كان الشك في شرائط غيره، لأنه سبب للشك في صحته- كما سيتضح لك ذلك عن قريب إن شاء اللّه تعالى- و لا يجري في المسبب اما لعدم الحاجة إلى ذلك، أو لعدم قابليته للاتصاف بالصحّة و الفساد، كما يذكر ذلك في مبحث الصحيح و الأعم، و تحقيقه ليس هذا موضعه.

كما انه لا يمكن الالتزام بما التزم به المحقق الأصفهاني (قدس سره) من جريان أصالة الصحة مع الشك في الشرائط العرفية، لما سنذكره في بعض التنبيهات إن شاء اللّه تعالى. فانتظر.

ثم ان السيد الخوئي (حفظه اللّه) بعد كلامه المزبور نسب إلى الشيخ (قدس سره) جريان أصالة الصحة- مع التنزل و الالتزام بعدم جريان الأصل مع الشك في القابلية- فيما إذا شك في صحة عقد من جهة الشك في قابلية أحد المتعاقدين مع إحراز قابلية الآخر. بتقريب: انه مع إحراز قابلية الموجب- مثلا- و كان الشك في صحة العقد من جهة الشك في قابلية القابل تجري أصالة الصحة في الإيجاب، فيحكم بتأثير الإيجاب و هو معنى صحة العقد. و أورد عليه بان صحة كل شي‏ء بحسبه، فصحة الجزء معناها قابليته للجزئية و لا يثبت بها وجود الجزء الآخر و لا صحته، فجريان أصالة الصحة في الإيجاب لا يثبت وجود القبول و لا صحته فلا وجه لما ذكره.

و لكن ما نسبه إلى الشيخ و أورد عليه بما عرفت أجنبي عن ظاهر كلام الشيخ. فانه في مقام الإيراد على المحقق الثاني الّذي ادعى ان ظاهر حال المسلم لا يصح ان يتمسك به المضمون له- فيما إذا اختلف مع الضامن في وقت الضمان- و انه كان قبل بلوغ الضمان أو بعده- لأنه لا يتم إلا مع استكمال العقد للأركان التي‏

109

منها شروط المتعاقدين. و ان كلامه على إطلاقه ممنوع لإمكان التمسك به في صورة و تعدد طرفي العقد و إحراز قابلية أحد الطرفين لأن الظاهر انه لا يتصرف فاسدا.

و أين هذا من جريان أصالة الصحة في الإيجاب و ترتب الأثر عليه؟ بل هو أجنبي عن أصالة الصحة بالمرة. فالتفت و لا تغفل.

المقام الثالث: في اختلاف الصحة بحسب مواردها

. و بيان ذلك: ان الصحة على نحوين تأهلية، و فعلية.

فالأولى عبارة عن قابلية الشي‏ء لترتب الأثر عليه لو انضم إليه غيره مما له الدخل في ترتب الأثر.

و الثانية: تنتزع عن ترتب الأثر الخارجي فعلا على الشي‏ء و الصحة التأهلية انما يتصف بها أجزاء المؤثر و لا تتصف بغيرها لأن الأثر لا يترتب فعلا على كل جزء بل على المجموع، فالصحة في الجزء عبارة عن كونه بحيث لو انضم إليه سائر الاجزاء و الشرائط لترتب الأثر، فالصحيح ما كان بهذه الحيثية، كالإيجاب بالعربي فانه جزء العقد المؤثر، و الفاسد ما لم يكن بهذه الحيثية، كالإيجاب بالفارسي على القول باعتبار العربية فيه.

و عليه، فجريان أصالة الصحة في الجزء لا يثبت الجزء الآخر، لعدم توقف صحته عليه، و لا يقتضي ترتب الأثر المتوقف على المركب عليه.

و الصحة الفعلية انما يتصف بها المجموع المركب المؤثر. و هو لا يتصف بغيرها كما لا يخفى.

و من هنا تبين أن صحة كل شي‏ء بحسبه، إذ الأشياء ليست على حد سواء في الصحة، فالجزء لا يتصف إلّا بالصحّة التأهلية، و الكل بالنسبة إلى اثره على العكس لا يتصف إلا بالصحّة الفعلية.

و به يندفع ما قد يتوهم من: ان جريان أصالة الصحة في الإيجاب- مثلا- تكفي في ترتيب آثار الصحة و لو لم يحرز القبول، إذ لا وجه لتخصيص دليل أصالة

110

الصحة بغير المورد، و مع جريانها يترتب الأثر، لأنه معنى: الصحة الفعلية. و وجه الاندفاع واضح، فان جريان أصالة الصحة في الإيجاب لا تجدي في المطلوب، لأن صحته تأهلية و الأصل يجري بمقدارها، فلا تخصيص لدليل الأصل، كما انه لا يترتب الأثر على جريانها فيه، فالتفت.

و هذا الأمر هو الّذي عقد له الشيخ فصلا مستقلا، و هو واضح لا غبار عليه و لا إشكال فيه.

و إنما الإشكال فيما فرعه الشيخ عليه من الموارد التي ذكر أن جريان أصالة الصحة فيها لا تثبت المشكوك المتوقف ترتب الأثر عليه و ان جريان أصالة الصحة في العقد في عدم ثبوت المشكوك بها نظير جريانها في عدم ثبوت القبول بها، و هي ما لو شك في تحقق القبض في الهبة أو في الصرف أو السلم بعد العلم بتحقق الإيجاب و القبول، أو شك في إجازة المالك لبيع الفضولي، أو كان العقد في نفسه مبنيا على الفساد كبيع الوقف بحيث يكون المصحح من الطوارئ، أو شك في وقت بيع الراهن الرهن مع إذن المرتهن و رجوعه و انه كان قبل الرجوع أو بعده، فانه أفاد: ان جريان أصالة الصحة في الهبة أو الصرف أو السلم لا تثبت تحقق القبض، كما أن جريانها في بيع الفضولي لا يثبت إجازة المالك، و الأولى بعدم الجريان مورد بيع الوقف مع الشك في وجود المسوغ له، و ان جريانها في الاذن لا يثبت وقوع البيع صحيحا و جريانها في الرجوع لا يقتضي فساد البيع، لأن صحة كل منهما تعليقية تأهلية، فهي في الاذن كونه بحيث لو وقع البيع بعده و قبل الرجوع كان صحيحا، و في الرجوع كونه بحيث لو وقع البيع بعده لكان فاسدا، و هي محرزة وجدانا. كما ان جريانها في نفس البيع لا يجدي، لأنه لا يثبت بها رضا المالك المرتهن، لأنه بظاهره يوهم المنافاة، لما ذكره في الفصل السابق من الالتزام بجريان أصالة الصحة عند الشك في شرط من شروط المتعاقدين أو العوضين، إذ الموارد المذكورة كلها من هذا القبيل.

111

فالمهم: بيان مراد الشيخ و نظره و التوفيق بين ما ذكره أولا و أخيرا، بنحو يرتفع توهم التنافي و يتضح الحال للمستشكل.

و الّذي ينبغي أن يقال: أما في مسألة الهبة و الصرف و السلم و توقفهما على القبض، فالوجه في عدم جريان أصالة الصحة يمكن أن يكون هو: ان الشك في الصحة الفعلية للعقد في مرحلة البقاء لا في مرحلة الحدوث لأن العقد حين تحققه كان متصفا بالصحّة التأهلية، و يشك بقاء في صحته الفعلية و عدمها، و أصالة الصحة لا تجري فيما إذا كان الشك بين الصحة و البطلان بقاء، بل يختص جريانها فيما إذا كان الشك من حين حدوث العقد- لأنه هو المناسب لدليل أصالة الصحة ثبوتا- و هو في المقام غير متحقق إذ لا شك حين حدوثه في صحته، كما لا يخفى.

و أما مسألة بيع الفضولي، أو الراهن بلا إجازة المرتهن، فالسبب في عدم جريان أصالة الصحة فيه يمكن أن يكون أحد وجوه ثلاثة:

الأول: ما ذكر في مسألة الهبة و أخويها، لأن الشك في الصحة و البطلان بقاء لا حدوثا، لأن صحة العقد التأهلية محرزة حين حدوثه.

الثاني: أنه على تقدير جريان أصالة الصحة في مرحلة البقاء، فهي انما تجري لو كان الشك بين الصحة و الفساد رأسا- إذ هو ظاهر أدلتها- أما مع كون الشك في الصحة التأهلية و الصحة الفعلية، فلا دليل على جريانها و تعيينها المعنى الثاني و المقام من هذا القبيل، لأن الشك في إجازة المالك يوجب الشك في بقاء العقد على صحته التأهلية، أو صيرورته صحيحا فعليا بالإجازة.

الثالث: ما أشرنا إليه سابقا من أن موضوع الصحة هو العقد المضاف إلى المالك، و أصالة الصحة انما تجري مع إحراز موضوع الصحة، و هو غير محرز في الفرض للشك في إجازة المالك، فلا مجال لجريانها. بل تكون صحة العقد تأهلية لأنه جزء المؤثر.

و أما مسألة بيع الوقف، فلا يعرف لها وجه خصوصا مع كون الشك في‏

112

الصحة الفعلية و الفساد رأسا.

إلّا أن يكون نظر الشيخ إلى انه بعد ان كان العقد الواقع على الوقف بنفسه فاسدا، و كان طرو المسوغ مصححا له كان طرو المسوغ جزء الموضوع للأثر بحيث يكون موضوع الصحة هو العقد و المسوغ، فالعقد جزء المؤثر، فصحته تأهلية، فلا تجدي في إثبات الجزء الآخر و هو المسوغ، فتأمل.

و أما مسألة بيع الراهن الرهن و الاختلاف بينه و بين المرتهن في وقت البيع، فعدم جريان أصالة الصحة يمكن أن يكون الوجه فيه هو دوران صحة العقد حين صدوره بين التأهلية و الفعلية- لأنه ان كان قبل الرجوع، فصحته فعلية. و ان كان بعده، فصحته تأهلية، لأنه يكون كبيع الفضولي- و قد عرفت أنه غير مورد أصالة الصحة.

و لكن ظاهر الرسائل كون الوجه فيه: كون العقد بدون إجازة من له الحق- و هو المرتهن- جزء الموضوع، فصحته تأهلية لا فعلية نظير العقد بالنسبة إلى إجازة المالك في بيع الفضولي، فالتفت.

نعم، قد يستشكل في هذا الفرع: بأنه لم لا يجري الأصل في نفس المسبب- و هو البيع- مع ان المفروض كون الشك في صحته الفعلية و فساده، و يمكن الجواب عنه: بان الأمر في المسبب أيضا دائر بين الصحة الفعلية و الصحة التأهلية، كما في نفس العقد حرفا بحرف، فلا تجري أصالة الصحة فيه. فتدبر جيدا.

المقام الرابع: في وجوب إحراز عنوان موضوع الأثر.

و بيان ذلك: انه لا بد في ترتيب آثار الصحة على العمل الصادر من إحراز عنوانه الّذي به يكون موضوعا للأثر، فمع عدم إحراز عنوانه لا تجري أصالة الصحة.

113

و قد عقد الشيخ (رحمه الله) لذلك فصلا مستقلا (1). و لكنه ذكره فقط بلا ان يبين الوجه فيه و الدليل عليه، و لعله [1] لوضوحه، لأن العمل إذا لم يكن بنفسه‏

____________

[1] تحقيق الكلام في هذه الجهة بإجمال: انه لا إشكال في انه يعتبر في جريان أصالة الصحة من كون الفاعل في مقام الإتيان بالعمل الّذي هو موضوع الأثر، فما لم يكن الشخص في مقام التطهير لا يحمل عمله على الصحة، و كذا إذا لم يكن في مقام البيع و النكاح و غيرهما من المعاملات، لا يحمل ما يصدر منه على الصحة. إنما الإشكال في انه إذا أحرز انه في مقام الإتيان بالعمل ذي الأثر الخاصّ، و لكن شك في تحقق ما هو مقوم عقلا لتحقق موضوع الأثر كالقصد في العقود الإنشائية و كإزالة النجاسة في غسل الثوب أو العصر بناء على تقدم الغسل به، فهل تجري أصالة الصحة أو لا؟ قد يقال: ان أصالة الصحة تتكفل ترتب الأثر على العمل، و لا تتكفل تحقق نفس العمل، فمع الشك في نفس العمل لا مجال لأصالة الصحة.

و يمكن الإشكال في ذلك: بان الأثر يترتب على إجراء الماء- مثلا- و لكن بواسطة تعنونه بعنوان الغسل أو ترتب الغسل عليه بنحو المسببية التوليدية، و كذا يترتب على الإيجاب و القبول بواسطة القصد.

و عليه، فينبغي ان يبحث في أن أصالة الصحة هل تتكفل ترتب الأثر المترتب على الفعل بلا واسطة، أو الأعم منه و من المترتب بواسطة؟ و لا بد في ذلك من ملاحظة ما عليه السيرة و بناء العقلاء، لا سلوك طريقة الاستدلال العقلي- كما أشير إليه- ثم ان بعض من ذهب إلى إجراء أصالة الصحة مع عدم إحراز القصد المقوم، كمثال التطهير، التزم في إجراء أصالة الصحة في عمل الغائب مع عدم إحراز قصد النيابة في عمله.

فقد يورد عليه: ان ذلك ينافي مبناه من جريان أصالة الصحة مع عدم إحراز القصد المقوم.

و يمكن ان يدفع الإيراد: بان أصالة الصحة إنما تلغي احتمال الفساد في العمل الصادر، و هذا يختص بما إذا كان الشك راجعا إلى جهة دخيلة في الصحة. و ليس قصد النيابة دخيلا في صحة العمل، إذ العمل صحيح حتى إذا لم يقصد النيابة، نعم، لا يقع عن المنوب عنه، و هذا أجنبي عن الصحة.

و بعبارة أخرى: ان العمل إذا فرض انه صحيح قصد فيه النيابة أم لم يقصد، لم تكن أصالة

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 419- الطبعة القديمة.

114

و بذاته موضوع الأثر بل بما هو معنون بالعنوان الكذائي، فلا بد في إجراء أصالة الصحة من إحراز موضوع الصحة و هو العمل المعنون بعنوان كذا لا مجرد نفس العمل، إذ الأثر غير مترتب عليه بنفسه، فمع عدم إحرازه لا يحرز موضوع الصحة، فلا تصل النوبة إلى إجراء أصالة الصحة.

و بعبارة أخرى: ان الوجه فيه هو وجوب إحراز موضوع الصحة عرفا في ترتيب آثار الصحيح، إذ مع عدم إحرازه لا يعقل ترتبها، فإذا كان الموضوع هو العمل المعنون، فلا بد من إحراز العنوان الّذي به يكون العمل موضوعا، كعنوان الصلاة في الأفعال الخاصة، أو التعظيم في القيام، أو الخضوع في السجود، أو غير ذلك.

و عليه، فبلا إحراز موضوع الصحة عرفا، لا مجال لجريان أصالة الصحة.

و قد يستشكل: بان ما ذكر يتم بالنسبة إلى ترتيب آثار الصحة الشرعية عند الشك في الشرائط الشرعية، فانه مع إحراز الشرائط العرفية يحرز الموضوع العرفي «الصحة الشرعية خ ل» لأصالة الصحة. أما بالنسبة إلى الشرائط العرفية عند الشك فيها فلا يتم، إذ لا يحرز موضوع الصحة عرفا عند الشك فيها، فيلزم ان لا تجري أصالة الصحة عند الشك في الشرائط العرفية، مع انه لا إشكال في جريانها، كيف؟! و السيرة العرفية و بناء العقلاء قامت على جريانها- غير السيرة المتشرعة- و معناه إجراء العرف الأصل عند الشك في بعض شرائط العمل عندهم، و هو لا يتفق مع ما ذكر في توجيه لزوم إحراز العنوان العرفي في جريان الأصل.

____________

- الصحة متكفلة لإثبات النيابة مع الشك، نظير ما إذا دار أمر الصلاة بين كونها نافلة الصبح أو فريضة، فأصالة الصحة لا تثبت قصد الفريضة بها.

ثم انه يقع الكلام في جهة أخرى، و هي انه إذا أحرز قصد النيابة، و لكن احتمل فساد العمل من جهات أخرى، فهل ينفع إجراء أصالة الصحة في العمل لإثبات براءة ذمة المنوب عنه أم لا؟

و هذا ما يأتي تحقيقه، فلاحظ.

115

و الجواب عن الإشكال المذكور: ان المراد من الموضوع الواجب إحرازه هو ما كانت نسبة الأثر إليه نسبة العرض إلى معروضه، و المسبب إلى سببه، و المقتضي إلى مقتضية، و الأثر إلى ذي الأثر إذ لا يخفى انه ليس كل ما له دخل في ترتب الأثر يكون دخيلا في التأثير و سببا للأثر، و يتضح ذلك في العلل و المقتضيات التكوينية، فان مجرد النار ليست علة تامة للإحراق، بل يبوسة المحل و الملاقاة شرط في ترتب الأثر- أعني الإحراق-، و لكن الإحراق انما يستند إلى النار و نسبته إليها نسبة العرض إلى معروضه، فانها هي المؤثرة فيه، و الشرائط من الملاقاة و يبوسة المحل دخيلة في تأثير النار لا أنها بنفسها مؤثرة. فالشرط العرفي ان كانت نسبته إلى الأثر نسبة المعروض إلى العروض و المقتضي إلى المقتضى بحيث يكون جزء المؤثر، وجب إحرازه عند إجراء أصالة الصحة شرعا و عرفا. و ان لم تكن نسبته كذلك بل كانت من قبيل الشرط و عدم المانع لم يلزم إحرازه في إجراء أصالة الصحة شرعا و عرفا، لعدم دخالته في موضوع الأثر و هو مورد جريان أصالة الصحة التي قامت عليها السيرة العرفية كما في الإشكال.

فجملة القول: انه لا بد في إجراء أصالة الصحة من إحراز الموضوع للصحة، و هو ما كان مباشرا للتأثير، و لا يلزم إحراز جميع الشرائط العرفية و لو لم تكن دخيلة في الموضوعية.

و عليه، فلا يرد الإشكال المذكور. إلا ان يدعى قيام السيرة على جريان أصالة الصحة بمجرد إحراز صورة العنوان و لو لم يحرز العنوان أو غيره من اجزاء الموضوع، كجريانها بالنسبة إلى الغسل مع الشك في وصول الماء إلى بعض الاجزاء، مع انه مقوم للموضوع عقلا، كما ذهب إلى هذا المحققان الخراسانيّ‏ (1)

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. حاشية فرائد الأصول- 245- الطبعة الأولى.

116

و الأصفهاني‏ (1). (قدس سرهما).

و لكن ثبوت ذلك محل نظر و شك، و هو كاف في منع هذه الدعوى.

و قد مثل الشيخ (رحمه الله) لصغرى المقام- أعني: ما يشترط فيه إحراز العنوان- بالغسل، و انه لا تجري فيه أصالة الصحة ما لم يحرز كون الفاعل بعنوان التطهير، لأن الغسل بظاهره ليس فيه صحيح و لا فاسد.

و هذا بظاهره قد يستغرب وقوعه من الشيخ، لأن الطهارة انما هي من آثار نفس الغسل، إذ لا يشترط في حصولها كونه بعنوان التطهير كما لا يخفى.

و لم أجد من المحققين من تعرض لتوجيه كلام الشيخ.

و غاية ما يمكن ان يقال في هذا المجال: ان اتصاف الشي‏ء بالصحّة و الفساد لا يدور مدار ترتب الأثر و عدم ترتبه فقط، فلا يقال للغسل الحاصل بواسطة قوة الريح و إلقائها الثوب في الماء انه صحيح لو طهر الثوب أو فاسد لو لم يطهر.

و انما يدور مدار ترتبه و عدم ترتبه مع كون الفعل صادرا بداعي ترتب الأثر، فالغسل إذا كان صادرا بعنوان التطهير يتصف بالصحّة و الفساد، أما إذا لم يكن متحققا بهذا الداعي فلا يتصف بهما، فمع عدم إحراز العنوان لا تحرز قابلية الفعل للاتصاف بالصحّة و الفساد.

ثم ان الشيخ بعد ان تعرض إلى هذه الجهة ذكر أمرا آخر، و هو: بيان الفرق بين مثل الصلاة على الميت، و الصلاة عنه تبرعا أو استيجارا، أو الحج عن العاجز، حيث حكم الأصحاب بإجراء أصالة الصحة في الأول و رتبوا عليها سقوط الوجوب عن الغير، و عدم إجرائها في الثاني حيث اشترطوا الثقة و العدالة في النائب و المستأجر مما يكشف عن عدم اعتبارهم أصالة الصحة فيه.

و قد ذكر (قدس سره) لتوجيه التفريق وجهين:

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 318- الطبعة الأولى.

117

الأول: انه في صلاة النائب لا يعلم كونه في مقام إبراء ذمة الميت في صلاته أو لا يعلم كونه في مقام الصلاة، و إلا فمع العلم بحاله و انه في مقام الإتيان بالصلاة إبراء لذمة الميت يلتزم بالحمل على الصحة و جريان الأصل في العمل عند الشك، و الطريق إلى الوصول إلى ذلك هو العدالة بحيث يوثق بقوله و دعواه انه في مقام الإبراء.

الثاني: ان لفعل النائب الصادر بعنوان النيابة حيثيتين: إحداهما: حيثية كونه فعلا للنائب. و الأخرى: حيثية كونه منتسبا إلى المنوب عنه بلحاظ جهة التسبيب، و يترتب على الفعل باعتبار كل من الحيثيتين ما لا يترتب عليه باعتبار الأخرى.

و الصحة من الحيثية الأولى لا تثبت الصحة من الحيثية الثانية التي هي موضوع الأثر و هو فراغ الذّمّة و عدم وجوب الإعادة.

و هذا بخلاف مثل الصلاة على الميت مما يكتفي في إسقاط الذّمّة تحقق الفعل من الغير.

و قد صار هذا الكلام محلا للنقض و الإبرام بين المحققين الأعلام.

و التحقيق: انه لا محيص عن الالتزام به. و ذلك لأن هاتين الحيثيتين عرضيتان، فالفعل- بمعناه الاسم المصدري- بذاته ينتسب إلى النائب باعتباره المباشر له، و ينتسب إلى المنوب عنه بلحاظ التسبيب بالاستئجار، فإذا شك المنوب عنه في صحة هذا الفعل المتحقق في الخارج باعتبار انتسابه إليه، فلا مجال له لإجراء أصالة الصحة فيه كي يترتب عليه آثار الفعل الصحيح المنتسب إليه من فراغ الذّمّة، لأنه بهذا اللحاظ فعل نفسه، و أصالة الصحة موضوعها فعل الغير لا فعل الشخص نفسه.

نعم، لو شك المنوب عنه في صحة الفعل باعتبار انتسابه إلى النائب بلحاظ ترتيب آثاره من استحقاق الأجرة و غيره، أمكنه إجراء أصالة الصحة فيه، لأنه بهذا الاعتبار فعل الغير، و لكن الصحة من هذه الحيثية لا تثبت الصحة من‏

118

الحيثية الأخرى. إلا بأحد وجوه ثلاثة:

الأول: ان يكون مفاد أصالة الصحة ثبوت المشكوك تكوينا و خارجا حقيقة، فمع جريانها بالاعتبار الأول يثبت المشكوك تكوينا فيرتفع شك المنوب عنه حقيقة و يحصل له العلم الوجداني باجتماع الاجزاء و الشرائط.

الثاني: ان يكون أثر الصحة بالاعتبار الثاني في طول أثر الصحة بالاعتبار الأول، بان يكون هذا موضوعا لذاك شرعا، فإذا ثبت بأصالة الصحة أثر الصحة بالاعتبار الأول يترتب جزما أثر الصحة بالاعتبار الثاني.

الثالث: ان تكون الإضافة الثانية في طول الإضافة الأولى- فالطولية بين الإضافتين لا بين الأثرين- بان يكون الفعل الصادر من النائب هو موضوع الإضافة إلى المنوب عنه لا نفس الفعل بذاته، و يكون موضوع الأثر هو فعل النائب الصحيح. و عليه فبجريان أصالة الصحة في فعل النائب يترتب الأثر المرغوب.

و جميع هذه الوجوه منتفية:

أما الأول: فواضح، لأن مفاد أصالة الصحة هو التعبد بصحة العمل الصادر لا إثبات تحقق المشكوك تعبدا فضلا عن إثباته تكوينا و حقيقة.

و أما الثاني: فلأن دعوى كون فراغ الذّمّة- أعني: ذمة المنوب عنه الّذي هو أثر الصحة بالاعتبار الثاني- حكما من أحكام استحقاق الأجرة الّذي هو من آثار الصحة بالاعتبار الأول، واضحة المنع.

و أما الثالث: فلأن موضوع الإضافة هو نفس العمل الخارجي، فهو بنفسه مضاف إلى النائب، كما انه بنفسه مضاف إلى المنوب عنه، فالإضافتان غير طوليتين بل عرضيتين.

فإذا ثبت التعبد بصحة العمل باعتبار إضافته إلى النائب التي مرجعها إلى ثبوت آثار عمل النائب الصحيح لا غير، لا تترتب آثار عمل المنوب عنه الصحيح، كما لا يخفى.

119

و لكن هذا انما يتم في صورة حياة المستنيب كالنيابة في الحج عن العاجز.

أما في صورة استئجار الولي أو الوصي، فلا مانع من جريان أصالة الصحة في العمل بلحاظ إضافته إلى المنوب عنه، لأن الاستئجار يكون من الولي أو الوصي، و عمل المنوب عنه بالنسبة إليهما فعل الغير، فيكون موردا لأصالة الصحة و تترتب آثار الصحيح بالنسبة إليهما.

ثم لا يخفى ان هذا كله مبني على تفسير النيابة، بأنها تنزيل الفاعل نفسه منزلة المنوب عنه في فعله، بحيث يكون الفاعل وجودا تنزيليا للمنوب عنه فيكون للفعل انتسابان عرضيان.

أما لو قيل: بان النيابة ليست سوى فعل الشخص عملا لنفسه، غاية الأمر ان نتيجة هذا العمل ترجع إلى الغير، فيكون منوبا عنه، فلا إشكال في كون جريان أصالة الصحة في فعل النائب بما هو فعل للنائب كافيا في فراغ ذمة المنوب عنه، لأن فراغ ذمته أثر للعمل الصحيح الصادر من الغير، فالتفت.

المقام الخامس: فيما يثبت بأصالة الصحة من الآثار.

و التحقيق: ان الثابت بها ليس إلّا آثار العمل الصحيح الشرعية، دون لوازمه و ملزوماته العقلية و العادية، كما لا يثبت بها الجزء المشكوك كي تترتب عليه آثاره.

و لا يفترق الحال في هذا بين أن نقول بأن قاعدة الصحة إمارة أو أصل- كما هو الأقرب، لاعتبارها في مورد ينتفي فيه ملاك الأمارية، و هو مورد جهل الفاعل بالصحيح و الفاسد- لما ذكرناه آنفا من أن الأمارة بنفسها ليست حجة في لوازم مفادها و ملزوماته- نعم، قد يكون قيام الأمارة على الملزوم أو اللازم منشئا لقيام إمارة من فصيلتها على اللازم أو الملزوم، كما في الخبر، لأن الاخبار بالملزوم اخبار باللازم و بالعكس، فيثبتان بالأمارة الثانية، و لكن هذا ليس من حجية الأمارة في اللوازم و الملزومات- كما لا يخفى- و هذا مما لا إشكال فيه.

و انما الإشكال فيما فرّعه الشيخ (رحمه الله) على هذا من: أنه إذا شك في ان‏

120

الشراء الصادر من الغير كان بما لا يملك كالخمر و الخنزير أو بعين من أعيان ما له، فلا يحكم بخروج تلك العين من تركته، بل يحكم بصحة الشراء و عدم انتقال شي‏ء من تركته إلى البائع، لأن كون الثمن خلا أو شاة- مثلا- ليس مفاد أصالة الصحة، كما انه ليس من آثار الصحة شرعا، بل هو من اللوازم العقلية، لأن صحة البيع متوقفة عقلا على ان يكون الثمن هو هذا، فلا يثبت بأصالة الصحة.

و قد ذكر في مقام الإشكال على هذا التفريع وجهان:

الأول: انه ان جرت أصالة الصحة في العقد الواقع بلا ان يترتب عليها انتقال المثمن إلى المشتري، كان جريانها بلا أثر- إذ أثرها هو حصول النقل و الانتقال و هو غير متحقق كما هو الفرض- فلا معنى لجريانها. و ان ترتب عليها انتقال المثمن إلى المشتري بلا انتقال العين من تركته إلى البائع، كان البيع بلا عوض و هو خلاف مفهوم البيع.

الثاني: العلم الإجمالي بكون أحد العينين ليس ملكا له، لأنه ان وقع البيع بالخل- مثلا- فقد خرج عن ملكه. و ان وقع بالخمر فالمبيع ليس ملكه. فإجراء الأصلين- أعني: أصالة الصحة، و أصالة بقاء العين على ملكيتها للمشتري- يستلزم مخالفة قطعية للعلم الإجمالي، و هي غير جائزة.

و لكن هذين الوجهين لا ينهضان لمنع جريان أصالة الصحة في المورد المزبور.

أما الأول: فيدفع بان الحكم بعدم انتقال الخل لا يستلزم الحكم بوقوع البيع بلا عوض، بل يقتضي عدم ثبوت العين الخاصة ثمنا، أما عدم ثبوت الثمن بالمرة فهذا أجنبي عن ذلك، بل ثمن المثل ثابت في الذّمّة.

و أما الثاني: فهو أجنبي عن عدم قابلية الأصل للجريان، إذ عدم جريان الأصل في الفرض يكون لأجل وجود المانع، لا لأنه في نفسه غير قابل- الّذي هو محل الإشكال- و لذلك فلا مانع من جريانه فيما لو لم يكن العلم الإجمالي منجزا، كما

121

لو كان أحد الطرفين خارجا عن محل الابتلاء، فالتفت و تأمل جيدا و اللّه سبحانه ولي التوفيق.

المقام السادس: في معارضة أصالة الصحة مع غيرها من الأصول.

و الكلام.

تارة: يكون في حكم الأصل بالنسبة إلى الأصل الحكمي الجاري في نفسه في جميع مواردها، و هو أصالة عدم ترتيب الأثر و تحقق النقل و الانتقال في العقود.

و أخرى: يكون في حكمها بالنسبة إلى الأصل الموضوعي الجاري في نفسه في بعض الموارد، كأصالة عدم البلوغ عند الشك في صحة العقد و فساده من جهة الشك في البلوغ، فان البلوغ أمر حادث فالأصل عدمه.

ثم انه حيث لم يثبت أمارية القاعدة أو أصليتها- و ان لم يكن فرق بينهما من حيث عدم ثبوت اللازم و الملزوم بها كما أشرنا إليه- لا بد من الكلام من الجهتين، فيتكلم في حكمها بناء على الأمارية، كما يتكلم في حكمها بناء على الأصلية.

أما نسبتها مع الأصل الحكمي، فهما في رتبة واحدة لاتحاد موردهما، فأصالة الصحة معناها ترتب الأثر، كما ان أصالة الفساد معناها عدم ترتب الأثر.

فان قلنا بأنها أمارة، سواء أثبتت اللازم أو لم تثبته، تكون مقدمة على الأصل الحكمي بالورود- كما حققناه- و إلّا فبالتخصيص لا بالحكومة، و ان كانت قول المشهور. و على كل فهي مقدمة عليه لا محالة، لأنها رافعة لموضوعه اما تكوينا- كما هو مبنى الورود- أو تنزيلا- كما هو مبنى الحكومة-.

و ان قلنا بأنها أصل، فمقتضى القاعدة التي تقتضيها الصناعة هو تعارضهما و تساقطهما، لكن الاتفاق تم على تقدم أصالة الصحة، إما للزوم اللغوية- لأن أكثر مواردها بل كلها يوجد فيها أصل حكمي، فيلزم من سقوطها تخصيص الأكثر و هو قبيح- أو للزوم اختلال النظام، أو لقيام سيرة المتشرعة على جريانها في مثل هذه الموارد.

122

و أما حكمها بالنسبة إلى الأصل الموضوعي ..

فان قلنا بأنها إمارة و هي تثبت اللازم و الملزوم، كانت حاكمة على الأصل أو واردة عليه- على الخلاف الّذي عرفته- لأن قيامها على الصحة يثبت تحقق الموضوع المشكوك، فلا يبقى مجال للأصل النافي لقيام الأمارة في مورده.

و ان قلنا بأنها أمارة، و لكن لا تثبت اللوازم و الملزومات ..

فقد يتوهم: تقدم الأصل عليها، حيث أنه أصل موضوعي و هي أمارة حكمية، و ما هو في رتبة الموضوع- و لو كان أصلا- مقدم على ما هو في رتبة الحكم- و لو كان أمارة-.

و لكنه توهم فاسد، لأنه انما يتم إذا كان مفاد الأمارة ثبوت الحكم على تقدير ثبوت الموضوع- أعني: ثبوت الحكم للموضوع بنحو القضية الحقيقية- فان الأصل الجاري في رتبة الموضوع ينقح الموضوع فيتقدم عليها.

أما إذا كان مفاد الأمارة ثبوت الحكم في مورد الشك في الموضوع- كما فيما نحن فيه- لم يكن الأصل الجاري في الموضوع مقدما عليها، لأنه و ان رفع الشك تعبدا، و لكنه- أعني: الشك- لم يؤخذ في موضوع الأمارة كي ينتفي موضوعها بجريانه، بل هو مأخوذ بنحو الموردية.

و عليه، فالأمارة في نفسها لا مانع من جريانها. كما ان الأصل الموضوعي يترتب عليه نفي ترتب الأثر، فيتعارضان و النتيجة هي التساقط.

و ان قلنا بأنها أصل لم يكن شك- بمقتضى القواعد الصناعية- في تقدم الأصل الموضوعي عليها لرفعه لموضوعها كما لا يخفى.

و لكن الصناعة و ان كانت على هذين القولين تقتضي عدم جريان أصالة الصحة فعلا. و لكن الالتزام بها في هذه الموارد قول الأصحاب، و عللوه: بلزوم اللغوية و السيرة العقلائية. و كلا التعليلين غير صالحين لإسناد القول المذكور.

أما لزوم اللغوية فلأن دليل أصالة الصحة ليس لفظيا كي يقال بأنه يلزم من‏

123

نفي أصالة الصحة في هذه الموارد استعمال المطلق في الفرد النادر.

و أما السيرة العقلائية، فلأنها انما تكون حجة لو لم يردع عنها. و يمكن ان يكون الشارع قد اكتفي في مقام الردع بهذه الأصول النافية للترتب الأثر، فلا دليل على حجيتها. نعم، الّذي يمكن التمسك به في إثبات القول المذكور هو قيام سيرة المتشرعة بما هم متشرعة على التمسك بأصالة الصحة في هذه الموارد. فتدبر.

هذا بالنسبة إلى أصل المطلب. يبقى الكلام في كلام الشيخ بالنسبة إلى الأصل الموضوعي، فقد اضطربت نسخ الرسائل في نقل كلام الشيخ و وقع الخلط فيها بين كلامه و كلام السيد الشيرازي (قدس سرهما). و الّذي نقله المحقق الأصفهاني عن الشيخ يخالف ما في النسخ بالمرة، فقد نقل كلاما له و السيد الشيرازي و ذكر ان الشيخ صحح كلام السيد الشيرازي كما رآه بخطه الشريف.

أما ما نقله عن الشيخ، فمحصله: ان أصالة الصحة تقتضي صحة العقد، بمعنى جامعيته للشرائط التي منها البلوغ- مثلا- فيترتب عليها النقل و الانتقال.

و الاستصحاب يقتضي- بضميمة الجزء الآخر المحرز بالوجدان و هو العقد- عدم ترتب الأثر لتمامية موضوع الفساد، و هو العقد الصادر من غير البالغ. فيتعارض الأصلان.

ثم اعترض على هذه المعارضة: بأن الأثر يترتب على العقد الصادر من البالغ، فنفي هذا الأثر بإثبات ضد السبب يكون بالملازمة، لأن عدم الأثر بعدم السبب لا بوجود ضد السبب، فيبقى الاستصحاب بلا أثر فلا يجري فتبقى أصالة الصحة بلا معارض.

ثم عدل عن هذا الأصل- أعني: أصالة عدم البلوغ- إلى أصل آخر و هو أصالة عدم السبب الناقل، أو أصالة عدم صدور العقد من البالغ الّذي هو موضوع عدم الأثر- كما مر- فتتحقق المعارضة بين الأصلين، لأن أحدهما ينفي الأثر و الآخر يثبته.

و لكنه (قدس سره) أجاب عن هذه المعارضة: بان أصالة عدم السبب‏

124

بالنسبة إلى نفي الأثر من باب اللااقتضاء، لأن عدم السبب انما لا يقتضي وجود المسبب لا انه يقتضي عدمه. و أصالة الصحة بالنسبة إلى إثبات الأثر من باب الاقتضاء، لأنها تثبت مقتضى الأثر، و لا مزاحمة بين ما له الاقتضاء و ما لا اقتضاء له. و عليه فتجري أصالة الصحة بلا مزاحم و لا معارض و تتقدم على الأصل الموضوعي.

هذا ما نقله عن الشيخ (قدس سره) (1).

و الإشكال على ما ذكره أخيرا واضح، لأن ما يتكفل لبيان شي‏ء بنحو اللااقتضاء و ما يتكفل لبيان ضده بنحو الاقتضاء لم يثبت كون تنافيهما من باب التزاحم، كي يقال بعدم المزاحمة، بل سيأتي انه من باب التعارض. و على تقدير كونه من باب التزاحم فهما انما لا يتزاحمان فيما لو لم يكن في الدليل الدال على الأمر اللااقتضائي اقتضاء للااقتضاء. أما مع وجود المقتضى للاقتضاء يحصل التزاحم طبعا. و ما نحن فيه كذلك، لأن التعبد بالأصل انما يكون بلحاظ وجود المصلحة في المتعبد به و المقتضي لثبوته، فالامر اللااقتضائي الثابت بالاستصحاب له مقتضي قهرا فيحصل التزاحم.

و اما ما ذكره عن السيد الشيرازي‏ (2)، فحاصله: ان المراد بالصحّة في أصالة الصحة إن كان نفس ترتب الأثر، فلا إشكال في تقدم أصالة عدم البلوغ عليها، لأن الشك في ترتب الأثر يكون ناشئا عن الشك في بلوغ العاقد، و الأصل المذكور يرفعه تعبدا كما هو شأن كل أصل سببي مع الأصل المسببي. و ان كان بمعنى استجماع الشرائط التي منها البلوغ، يحصل التعارض بين الأصلين بلا حكومة لأحدهما على الآخر، لأن أصالة الصحة مقتضاها صدور العقد من البالغ، و مقتضى الاستصحاب- بضميمة الجزء الآخر- صدوره من غير البالغ.

و بعد ان ذكر هذا اعترض على هذه المعارضة: بان مفاد أصالة الصحة هو

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 323- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 323- الطبعة الأولى.

125

التعبد بوجود العقد الصحيح، و مفاد الاستصحاب التعبد بعدم سببية العقد الموجود، و لا تقابل الا بين وجود العقد الصحيح و عدمه، أو بين سببية العقد الموجود و عدمها.

و هذا الاعتراض مجمل المفاد و يحتمل فيه وجوه ثلاثة:

الأول: ما ذكره الشيخ من كون الاستصحاب من الأصول المثبتة، لأن نفى الأثر المترتب على الضد بإثبات الضد الآخر يكون بالملازمة.

الثاني: ان الأثر انما يترتب على وجود العقد الصحيح، فنفي صحة العقد الواقع لا تستلزم نفي ترتب الأثر، بل الّذي يستلزم هو نفي العقد الصحيح، و هو غير مفاد الاستصحاب.

الثالث: اختلاف مورد الأصلين، فان المعارضة بين الأصلين انما تكون إذا كان موردهما واحدا، و أما مع تعدد موردهما، فلا يحصل بينهما التعارض. و مورد الاستصحاب هو عدم سببية العقد الموجود، و مورد أصالة الصحة هو وجود العقد الصحيح، فمورد كل منهما يختلف عن الآخر، فلا تعارض بينهما.

و هذا الوجه هو الّذي حمل عليه المحقق الأصفهاني عبارة السيد، مستشهدا على ذلك بما ذكره السيد في مقام دفع هذا الاعتراض، بان مفاد أصالة الصحة ليس هو التعبد بوجود العقد الصحيح، بل هو التعبد بصحة العقد الواقع، فيتحد مورد النفي و الإثبات، فيحصل التعارض.

و عليه، فالسيد التزم بالمعارضة بين أصالة الصحة و الاستصحاب الموضوعي الجاري في المقام.

و عليه، فمقتضى الصناعة تساقط الأصلين، و لكن سيرة المتشرعة قائمة على العمل بأصالة الصحة في هذه الموارد كما ذكرنا. فتدبر جيدا و اللّه ولي التوفيق. انتهى الكلام في أصالة الصحة (1) و الكلام بعده في:

____________

(1) و ذلك في يوم الأربعاء 19- 8- 82.

126

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

127

قاعدة الفراغ و التّجاوز

128

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

129

قاعدة الفراغ و التجاوز

و الكلام فيها في جهات:

الجهة الأولى: في أنها قاعدة أصولية أو قاعدة فقهية.

لا إشكال في كونها قاعدة فقهية، لأن جميع التعاريف للمسألة الأصولية بشتى أنواعها تشترك في كون مورد المسألة الأصولية هو الشبهة الحكمية، و مورد القاعدة التي نحن بصددها انما هو الشبهة الموضوعية كما لا يخفى، فلو انطبقت جميع خصوصيات المسألة الأصولية على القاعدة لما استلزم كونها مسألة أصولية لكون موردها هو الشبهة الموضوعية.

هذا و لكن تقدم تعريف المسألة الأصولية بما لا يختص إجراؤه بالمجتهد، بل بما يعم حكمه الشبهة الموضوعية، فراجع.

إلّا ان يراد من بيان ضابط المسألة الأصولية بيان الضابط لمسائل معينة

130

حررت لغرض الاستنباط، فلا تشمل مسائل الشبهة الموضوعية و الأمر سهل.

الجهة الثانية

: ان الشك تارة: يكون متعلقا بوجود الشي‏ء، و أخرى: يتعلق بصحة العمل الموجود و الأول مورد قاعدة التجاوز و الثاني مورد قاعدة الفراغ فما يتكفل الإلغاء حكم هذين الشكين هل هو قاعدة واحدة أو قاعدتان؟. وقع الكلام، في ذلك، و هو يقع في مرحلتين: مرحلة الثبوت، و مرحلة الإثبات.

أما مرحلة الثبوت فالكلام فيها يقع في إمكان كون ما يتكفل إلغاء الشكين قاعدة واحدة.

و قد بين في وجه عدم إمكان كونه قاعدة واحدة تقريبات متعددة:

أحدها: ان متعلق الشك الأول وجود الشي‏ء، و هو مفاد كان التامة، و متعلق الشك الثاني صحة الموجود، و هو مفاد كان الناقصة. و هما- أعني: نسبة كان التامة و نسبة كان الناقصة- نسبتان متغايرتان لا جامع بينهما، كي يمكن بيان حكمهما بدليل واحد.

و لكن نسب إلى الشيخ (قدس سره) المناقشة في هذا التقريب ببيان: انه يمكن إرجاع الشك في صحة العمل الموجود إلى الشك فيها بمفاد كان التامة، و ذلك بان يكون الشك في وجود العمل الصحيح، و هو مفاد كان التامة، فكلا المتعلقين بهذه النسبة، فيمكن بيان حكم الشكين بدليل واحد، لإمكان الجامع‏ (1).

و لكن المحقق العراقي (رحمه الله) [1]، أورد على الشيخ: بان مورد الأثر

____________

[1] التحقيق ان ما أفاده قابل للمناقشة، فان الأثر العملي يترتب على مجرد وجود العمل الصحيح، سواء كان ذلك في العبادات أم في المعاملات.

اما العبادات، فلأنه يكفي في فراغ الذّمّة و حكم العقل بالبراءة إحراز تحقق العمل الصحيح، و لو لم يعلم صحة هذا المأتي به، لأن الامتثال يتحقق بإتيان المأمور به.

و أما في المعاملات:

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 414- الطبعة القديمة.

131

يختلف، فتارة: يكون موضوعه وجود الشي‏ء بمفاد كان التامة. و أخرى: يكون اتصاف شي‏ء بشي‏ء بنحو مفاد كان الناقصة. فإرجاع الشك في الصحة إلى الشك بنحو مفاد كان التامة لا يجدي في ترتب الأثر المرغوب، حيث أخذ مورد الأثر الشك في اتصاف العمل بالصحّة، و هو مفاد كان الناقصة (1).

كما أورد عليه المحقق الأصفهانيّ (قدس سره): بان العمل الصحيح المأخوذ وجوده في موضوع الشك إما ان يكون بالإضافة إلى الصحة مطلقا، بمعنى انه لا يلحظ فيه كونه صحيحا، بل يلحظ الشك في وجوده فيرجع إلى القسم الأول من الشك. و اما ان يكون بالإضافة إليها مقيدا، بان يلحظ العمل المتصف بالصحّة

____________

- فقد يشكل بان إحراز وقوع العقد الصحيح لا ينفع في ترتب الأثر، بل لا بد من إحراز ان هذا العقد صحيح.

و فيه: انه يكفي في ترتب الأثر إحراز وقوع البيع الصحيح على العين الكذائية بين الشخصين، لأن مقتضاه انتقال كل من العينين إلى مالك الأخرى. و لا حاجة إلى إحراز صحة العقد الواقع.

و اما ما ذكره (قدس سره) من مثال قضاء السجدة المنسية و بيان ترتب الأثر فيه على إحراز صحة العمل الواقع، و لا يكفي مجرد وقوع العمل الصحيح.

ففيه: ان دليل لزوم قضاء السجدة لم يقيد بما إذا كانت الصلاة صحيحة، بل هو مطلق من هذه الناحية، و انما اعتبر صحة العمل في لزوم القضاء من جهة استظهار ورود الأمر بالقضاء لتصحيح العمل، فلا يثبت الأمر به مع فساد العمل للغويته.

و لا يخفى ان اللغوية ترتفع في ما إذا ترتب على القضاء فراغ الذّمّة و القطع بالامتثال و لو لم يحرز ان هذا العمل صحيح، و ما نحن فيه كذلك، فانه إذا ثبت بالقاعدة المبحوث عنها وجود الصلاة الصحيحة و جاء المكلف بالسجدة بعد العمل الّذي في يده، يحرز فراغ ذمته. بخلاف ما إذا ترك القضاء، فانه لا يقطع بفراغ الذّمّة، فالأثر لا ينحصر بصورة إحراز صحة العمل الموجود بمفاد كان الناقصة، بل يترتب على إحراز وجود الصحيح بمفاد كان التامة.

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 38- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

132

فيكون بنحو مفاد كان الناقصة. كما انه لا يمكن ان يكون مهملا، لامتناع الإهمال في مقام الثبوت.

و لكنه (قدس سره) أفاد في مقام التفصي عن هذا الإشكال- أعني: إشكال اختلاف النسبتين- مع التزامه بان مورد الأثر الشك في الصحة: ان الصحة المشكوكة تارة تلحظ بمفاد كان التامة. و أخرى تلحظ بمفاد كان الناقصة. فان لوحظ في مورد الشك وجود الصحة بلا لحاظ اتصاف عمل خاص بها، كان ذلك بمفاد كان التامة. و ان لوحظ وجود اتصاف عمل بها، بان لوحظت وصفا لعمل خاص كانت بمفاد كان الناقصة. و عليه فلا ملزم للالتزام بان الملحوظ في هذا القسم هو اتصاف العمل بالصحّة، بل ليس هو إلّا صحة العمل فانه مورد الأثر، فيمكن لحاظه بمفاد كان التامة.

و عليه، فلا مانع للجمع بين القاعدتين من جهة تباين نسبتيهما، لاتحادهما ذاتا (1).

ثانيها: ما ذكره المحقق الأصفهاني بعد تفصيه عن إشكال تباين النسبتين بما عرفت و هو: انه لا جامع بين الشك في وجود الشي‏ء و الشك في صحة الشي‏ء كي يتكفل بيان حكمهما دليل واحد (2).

و ربما يقال: انه يمكن تصوير الجامع بان يكون عنوان المشكوك، فيتكفل الدليل إلغاء الشك، و البناء على تحقق المشكوك و ثبوته أعم من نفس العلم و صحته.

و يشكل على هذا: بان موضوع الكلام تصوير الجامع في مرحلة متقدمة على الشك، فالمطلوب تصوير الجامع في متعلق الشك، بحيث يكون الدليل متكفلا لبيان إلغاء الشك فيه فيعم القسمين، و هو لا يتصور بين الصحة و الوجود.

و للمحقق الأصفهاني بيان لإمكان تصوير الجامع و عدم مانعية ما ذكره من‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدّراية 3- 296- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدّراية 3- 296- الطبعة الأولى.

133

اختلاف متعلق الشك و عدم الجامع له، محصله: ان الصحة التي تكون متعلقا للشك و يكون الشك فيها موردا للقاعدة، تارة: تكون بمعنى ترتب الأثر. و أخرى: تكون بمعنى استجماع العمل للاجزاء و الشرائط و ثالثة: تكون عنوانا انتزاعيا للاستجماع.

فإن كان المراد بها الأول و الثالث، كان ما ذكر من عدم تصور الجامع بين المتعلقين مسلما كما لا يخفى. و لكن الأمر ليس كذلك، إذ ليس مفاد القاعدة المتكفلة لإلغاء الشك ترتب الأثر و لا العنوان الانتزاعي، إذ ليس هو موضوعا للأثر، بل مفادها استجماع العمل للشرائط و الاجزاء الّذي هو موضوع الآثار الشرعية و العقلية، فيرجع الشك في الصحة إلى الشك في وجود الكل، فيكون متعلق الشك بقسميه هو الوجود- و ان اختلف موضوعه، حيث انه تارة يكون الكل و أخرى يكون الجزء- و ذلك كاف في تحقق الجامع‏ (1).

و لكن ما أفاده (قدس سره) لا يجدي شيئا، لما أشار إليه المحقق العراقي‏ (2) من: ان موضوع الأثر قد يكون صحة العمل الخارجي لا وجود العمل التام و تحققه في الخارج، فرجوع متعلق الشك إلى وجود الكل، بحيث يكون مفاد القاعدة وجود الكل لا كلية الموجود. لا يتلاءم مع ما ذكرناه من كون موضوع الأثر في بعض الموارد تمامية الموجود لا وجود التام.

هذا، و لكن بعد ان أرجعت الصحة إلى مفاد كان التامة، بحيث اتحد المتعلقان نسبة، فما ذكر من عدم تصور الجامع بالتقريب الثاني لا مجال له، إذ يمكن تصور جامع عنواني يشار به إلى كلتا الصورتين- لأنه لا يلزم كونه جامعا حقيقيا ذاتيا- كلفظ الموصول، أو لفظ: «شي‏ء»، فيقال مثلا: «إذا شككت في وجود شي‏ء فابن على وجوده» أو: «كل ما شككت في وجوده فابن عليه»، فانه يعم الشك في وجود

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدّراية 3- 296 الطبعة الأولى.

(2) البروجردي الشيخ محمد حسين. نهاية الأفكار 4- 38- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

134

ذات العمل و وجود صحة العمل فانها شي‏ء من الأشياء.

ثالثها: ان متعلق أحد الشكين أصل وجود الشي‏ء و متعلق الآخر صحة الشي‏ء مع الفراغ عن أصل وجوده. فالشي‏ء في أحدهما مفروض الوجود و في الآخر ليس بمفروضه، و لا جامع بين ما هو مفروض الوجود و ما هو ليس بمفروضه.

و لكن هذا التقريب غير تام كأخويه السابقين، لأنه بعد ان عرفت ان إمكان أخذ متعلق كلا الشكين بمفاد كان التامة، فلا ملزم حينئذ لأخذ فرض الوجود في أحدهما بل هو غير ملحوظ أصلا، لأنه فرع كون المأخوذ مفاد كان الناقصة، بحيث يكون أصل الوجود مفروغا عنه و الشك فيما يتعلق به من الصحة. أما مع أخذ المتعلق هو الصحة بمفاد كان التامة، فلا تصل النوبة إلى أخذ فرض الوجود في المتعلق، إذ لا معنى له.

نعم، العمل في المورد مفروض الوجود، و لكن ذلك أجنبي عن متعلق الشك.

رابعها و خامسها: ان الجزء لما كان في مرحلة جزئيته مندكا في الكل فلا يلاحظ مع لحاظ الكل إلّا بنحو الاندكاك و باللحاظ الآلي، و انما يلاحظ بالاستقلال في مرحلة سابقة عن لحاظ الكل، فلحاظه الاستقلالي سابق رتبة على لحاظه الآلي.

فإذا أريد بيان حكم الشك في الكل و الجزء بدليل واحد، فلا بد من لحاظهما معا بنحو الاستقلال، فيلزم حينئذ اجتماع لحاظين للجزء أحدهما آلي و الآخر استقلالي، كما و يلزم تأخر المتقدم رتبة و هو اللحاظ الاستقلالي كما لا يخفى. و كلا هذين الأمرين ممتنعان.

و قد تفصى المحقق النائيني (قدس سره) عن ذلك بما محصله: ان الشك في الاجزاء لم يلحظ في جعل القاعدة الواحدة كما لوحظ نفس المركب، و انما المجعول ابتداء هو عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز عن العمل، ثم قامت الأدلة الخاصة على اعتبار القاعدة في موارد الشك في الاجزاء، فهي حاكمة على الأدلة الأولية.

135

فلو لا قيام الأدلة الخاصة لاختص مورد القاعدة بالشك بعد الفراغ، و لذلك يقتصر في التعدي إلى الاجزاء بمقدار ما قام الدليل بالنسبة إليه.

و من هنا يظهر الوجه في خروج اجزاء الطهارات الثلاث عن موضوع القاعدة، لاختصاص الأدلة باجزاء الصلاة، فلا يتعدى منها إلى غيرها لعدم الدليل على إلحاقها بها، كما انها ليست بداخلة «تحت خ ل» في ضمن الدليل الأولي.

و لا حاجة بعد هذا إلى تعليل خروجها بورود تخصيصها بالأخبار أو الإجماع.

هذا ملخص ما أفاده المحقق المذكور (قدس سره). و وجه التفصي به واضح بين، إذ الملحوظ ابتداء ليس إلّا الكل فلا يجتمع لحاظان كما لا يلزم تأخر المتقدم‏ (1).

و لكنه غير تام، لأن الدليل الحاكم المتكفل لبيان اعتبار القاعدة في الاجزاء ..

ان كان لسانه و مفاده هو الكشف عن أن المراد بموضوع الحكم في الدليل الأولي أعم من الجزء و الكل، فيكون مفاده إخباريا، و يثبت للجزء نفس الحكم الثابت للكل بدليله، عاد المحذور بالنسبة إلى الدليل الأولي- كما لا يخفى- و ان كان مفاده تنزيل الجزء منزلة الكل في الحكم بجعل حكم مماثل له، كان ذلك التزاما بتعدد القاعدة، و هذا يعني الالتزام بالمحذور.

و بالجملة: فما ذكره (قدس سره) إما لا يجدي في دفع المحذور، أو يرجع إلى الالتزام بالمحذور.

فالأولى في التفصي عنه أن يقال: ان المحذور انما يرد لو كان الملحوظ عند جعل القاعدة نفس الجزء و الكل، و لكن لحاظ المصاديق بخصوصياتها في جعل الحكم عليها غير لازم- كما هو الحال في القضايا الحقيقية- بل هو غير ممكن‏

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 2- 232- الطبعة الأولى.

136

بالنسبة إلى بعض الموارد لعدم تناهي المصاديق أو تميزها فيها، بل يكفي في جعل الحكم على المصاديق من لحاظها بعنوانها المنطبق عليها- كما يقرر ذلك في بيان الوضع العام و الموضوع له الخاصّ- و الحكم عليها بواسطة العنوان، فيكون موضوع الحكم هو العنوان و هو الملحوظ دون المصاديق.

و على هذا فلا ملزم للحاظ الجزء و الكل بأنفسهما عند جعل القاعدة، بل مع لحاظ جامعهما العنواني و هو لفظ: «الشي‏ء» مثلا و جعله موضوع الحكم فيها.

و عليه، فلا يبقى لما ذكر مجال، لوحدة اللحاظ و عدم تعدده، كي يلزم ما ذكر من اجتماع اللحاظين و تأخر السابق لعدم لحاظ الجزء و لا الكل بأنفسهما.

سادسها: ما ذكره الشيخ في التنبيه الرابع لا بعنوان المحذور (1)، و لكن المحقق النائيني ذكره محذورا يتحقق من وحدة القاعدة، و هو محذور التدافع.

و محصل ما ذكره (قدس سره): انه إذا شك في الإتيان بالجزء في أثناء العمل بعد التجاوز عن محله، فباعتبار لحاظ الجزء بنفسه يصدق انه تجاوز عن محله فلا يعتنى بالشك و باعتبار لحاظ المركب بما هو يصدق انه لم يتجاوزه فيجب عليه التدارك. فيلزم التدافع في مفاد القاعدة بلحاظ الاعتبارين.

و بعد ان ذكر هذا، أورد على نفسه: بان التدافع حاصل على القول بتعدد القاعدة، فانه بمقتضى قاعدة التجاوز لا يعتني بالشك لحصول التجاوز عن محل المشكوك، و بمقتضى قاعدة الفراغ يعتني بالشك لعدم حصول التجاوز عن المركب.

و أجاب عنه: بأنه مع تعدد الجعل تكون قاعدة التجاوز حاكمة على قاعدة الفراغ، لأن الشك في صحة العمل و فساده مسبب عن الشك في الإتيان بالجزء، و المفروض ان الشك السببي يلغى بقاعدة التجاوز فينتفي موضوع قاعدة الفراغ تعبدا، و هو الشك في الصحة و الفساد.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 412- الطبعة القديمة.

137

ثم أورد على نفسه: بأنه لا فرق في حكومة أحد الأصلين على الآخر بين ان يكونا مجعولين بجعلين- كما هو الحال في الاستصحاب و البراءة- أو بجعل واحد- كحكومة أحد الاستصحابين على الآخر-. فمع شمول القاعدة لمورد قاعدة التجاوز- و هو الشك في الجزء بعد التجاوز عنه- تتحقق الحكومة بلا فرق بين الجعل الواحد و الجعلين.

و أجاب عنه: بان حكومة أحد الأصلين على الآخر- المجعولين بجعل واحد- تتوقف على تحقق موردهما في حد أنفسهما، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، لأن جريان قاعدة الفراغ يتوقف على الانتهاء من العمل، و هو غير متحقق لفرض الشك في الأثناء، فلا موضوع لقاعدة الفراغ كي يقال بحكومة قاعدة التجاوز عليها، بل المتحقق فيه عكسها. فالمورد باعتبار يدخل في القاعدة، و باعتبار آخر يدخل في عكسها، و لا وجه لدعوى الحكومة في مثل هذا.

هذا ملخص ما أفاده في تقريب المحذور (1).

و لكنه لا يرجع إلى محصل، لأن التدافع المدعى ..

ان كان بين قاعدة التجاوز و قاعدة الفراغ، فالمفروض انه لا موضوع لقاعدة الفراغ، لكون الشك في أثناء العمل- و بذلك قرر عدم الحكومة- فليس في البين إلّا قاعدة التجاوز.

و ان كان التدافع بين منطوق القاعدة و مفهومها بلحاظ الاعتبارين، فإذا كان المورد- بلحاظ الجزء- مشمولا للقاعدة الواحدة المجعولة- لأنه مورد قاعدة التجاوز المفروض شمول القاعدة لمواردها لأنها قاعدة جامعة- يندفع التدافع بالحكومة، لأن الشك في الصحة مسبب عن الشك في وجود الجزء كما عرفت، فجريان القاعدة بلحاظ الجزء يوجب انتفاء الشك بلحاظ الكل تعبدا.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 465- الطبعة الأولى.

138

هذا، مع انه يمكن ان يقال: بعدم وصول النوبة إلى الحكومة، و ذلك لأنه سيأتي في دفع المحذور السابع: انه قد أخذ التجاوز في مورد القاعدة- بناء على وحدتهما- بالمعنى الأعم من الحقيقي- المتحقق في الشك في الصحة- و الادعائي المسامحي- المتحقق في الشك في الوجود على ما سيظهر- فمورد الحكم بالتعبد هو التجاوز بالمعنى الأعم، و مقتضى ذلك انه إذا تحقق التجاوز بأي معنى كان يتحقق موضوع التعبد و الحكم بإلغاء الشك، و المفروض ان التجاوز بأحد معنييه- و هو المسامحي- متحقق في الفرض فيتحقق موضوع القاعدة، و تجري بلا إشكال و لا تدافع. فالتفت.

سابعها: ان اسناد التجاوز إلى الشي‏ء في مورد قاعدة التجاوز اسناد مجازي مسامحي، لأن الشي‏ء لا يعلم تحققه كي يتجاوز عنه، و انما يسند حقيقة في هذا المورد إلى المحل. و اسناده إلى الشي‏ء في مورد قاعدة الفراغ اسناد حقيقي لتحقق العمل خارجا فيصدق التجاوز عنه حقيقة، فنسبة التجاوز إلى الشي‏ء في أحد الموردين مجازية و في الآخر حقيقية، و حيث لا جامع بين النسبتين- لأن النسبة من المعاني الحرفية- امتنع تكفل دليل واحد لبيان حكم الموردين بالنسبة إلى المتجاوز عنه.

و يمكن التخلص من محذور هذا التقريب بان اختلاف النسبتين انما يتحقق في صورة ما إذا أريد من التجاوز في كلا الموردين معناه الحقيقي الموضوع له، فان اسناده إلى الشي‏ء يختلف حقيقة و مجازا باختلاف الموردين.

اما إذا أرجعنا المسامحة في الإسناد المتحققة في مورد قاعدة التجاوز إلى المسامحة في الكلمة، بان التزمنا في التجاوز بمعنى أعم، بحيث يكون اسناده إلى الشي‏ء في هذا المورد بهذا المعنى حقيقيا. لم تختلف النسبتان حينئذ.

و بالجملة: التخلص عن المحذور يكون بالالتزام بمعنى للتجاوز أعم من معناه الحقيقي، بحيث يكون اسناده إلى الشي‏ء في كلا الموردين بهذا المعنى حقيقيا، فيرجع‏

139

المجاز إلى الكلمة لا الإسناد، فانه بذلك لا اختلاف بين النسبتين، فيمكن تكفل دليل واحد لحكمهما معا.

و بهذا جميعه تبين انه لا مانع ثبوتا من الجمع بين القاعدتين و وحدتهما، إذ لم يتم شي‏ء من هذه المحذورات المذكورة كما عرفت.

و في قبال القول بعدم إمكان وحدتهما ثبوتا القول بلا بدية وحدتهما ثبوتا، و رجوع قاعدة الفراغ إلى قاعدة التجاوز. بتقريب: ان الشك في صحة العمل ينشأ دائما عن الشك في وجود جزء أو شرط في ذلك العمل باعتبار ان الصحة عبارة عن الوصف الانتزاعي المنتزع عن مطابقة المأتي به للمأمور به. و قاعدة التجاوز تتكفل إلغاء الشك في وجود الشي‏ء بعد تجاوز محله، فيرتفع الشك في الصحة تعبدا، فاعتبار قاعدة الفراغ على هذا يكون لغوا (1).

و لكنه محل نظر، لأن قاعدة الفراغ تجري في موارد لا تجري فيها قاعدة التجاوز، كما لو شك بعد الفراغ من الصلاة في تحقق الموالاة بين حروف الكلمة أو كلمات الآية، فان مثل هذا الموالاة لا تعد عرفا وجودا مستقلا يتعلق به الشك و يكون الشك فيه موضوعا للتعبد بإلغائه، كي يكون الشك فيها من موارد قاعدة التجاوز، بل الشك فيها يرجع في نظر العرف إلى الشك في صحة الكلمة أو الآية- لأنها بنظره من شئونهما و أطوارهما-، ففي مثل هذا المورد لا يكون الشك في صحة الصلاة مسببا عن الشك في وجود شي‏ء كي يكون محكوما بقاعدة التجاوز و مرتفعا بها تعبدا.

و أيضا: يعتبر في قاعدة التجاوز- كما سيتضح- الدخول في الغير المترتب على المشكوك، و هذا لا يعتبر في قاعدة الفراغ، بل المعتبر فيها هو البناء النفسيّ على الانتهاء من العمل، سواء دخل في الغير أم لم يدخل. و بذلك يتعدد موردهما أيضا

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 271- الطبعة الأولى.

140

و لا يتحد كي ترجع الثانية إلى الأولى للحكومة و لزوم اللغوية، و ذلك كما يظهر في مثل ما لو شك بعد الفراغ من العمل في الجزء الأخير منه و لم يكن قد دخل في عمل آخر مترتب عليه، فانه لا مجال في مثل هذا لجريان قاعدة التجاوز لعدم توفر شرطها مع انه مورد لقاعدة الفراغ.

و المتحصل: ان ما ذكر انما يتم لو كانت موارد قاعدة الفراغ كلها أو الأغلب منها قابلة لجريان قاعدة التجاوز، و لكن الأمر ليس كذلك، فان هناك موارد جمة تكون مجرى لقاعدة الفراغ دون قاعدة التجاوز، فاعتبار قاعدة الفراغ على هذا لا يكون لغوا.

هذا، مع أن الحكومة انما تثبت في موارد السببية و المسببية الشرعية و ليس ما نحن فيه كذلك، لأن الصحة ليست من الآثار الشرعية لوجود الجزء بل هي معنى انتزاعي يحكم به العقل، و ليس مجعولا شرعيا فالأصل الجاري في إثبات الجزء لا يكون حاكما على الأصل الجاري في إثبات الصحة، فلاحظ و لا تغفل.

هذا كله في مقام الثبوت، الّذي بقين منه: انه يمكن ثبوتا أن يكون كل من القاعدتين قاعدة مستقلة بنفسها، كما يمكن كونهما قاعدة واحدة، كما يمكن رجوع قاعدة التجاوز إلى قاعدة الفراغ- كما عليه المحقق النائيني- و هناك احتمال آخر و هو عدم وجود قاعدة التجاوز بالمرة و انه ليس إلا قاعدة الفراغ، فالاحتمالات أربعة.

و أما الكلام في مقام الإثبات، فهو حول ما يتكفله الدليل من تعيين أحد هذه الاحتمالات الأربعة، فنقول- و باللَّه الاعتصام-.

أما الاحتمال الثاني- و هو كونهما قاعدة واحدة- فلا يساعد عليه الدليل، لأنه مبني- كما عرفت- على الالتزام بالتوسع في معنى التجاوز و كونه أعم من المعنى‏

141

الحقيقي، و هذا لا مجال له بالنسبة إلى بعض النصوص‏ (1)، مما يمكن ان تكون نسبة التجاوز و المضي فيها إلى الشي‏ء بمعناه الحقيقي نسبة حقيقية، فانه مع إمكان حمل اللفظ على ظاهره اللغوي لا وجه للتصرف فيه و حمله على غير معناه الموضوع له.

و أما الاحتمال الثالث- و هو رجوع قاعدة التجاوز إلى قاعدة الفراغ بالتقريب السابق الّذي ذكرناه في دفع المحذور الرابع من كون المجعول أولا هو قاعدة الفراغ ثم نزل الشك في وجود الجزء منزلة الشك في الكل في خصوص باب الصلاة- فهو ممتنع من جهتين.

الأولى: عدم اختصاص قاعدة التجاوز موردا بالصلاة، بل تجري في غيرها كما ستعرف.

الثانية: انه مع تسليم الاختصاص بالصلاة، فلا دليل على ان ذلك- أعني عدم الاعتناء بالشك في الجزء فيها- كان من باب التنزيل أو الحكومة، كما قرره (قدس سره)، كي يرجع الجعل إلى قاعدة واحدة هي قاعدة الفراغ، إذ لا ظهور من لفظ النصوص في ذلك.

هذا، و يمكن ان يقرب ما أفاده (قدس سره): ان الروايات الواردة في إلغاء الشك في اجزاء الصلاة مذيلة بحكم عام، كقوله (عليه السلام) في رواية زرارة الآتية: «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء» (2)، و قوله في رواية إسماعيل الآتية: «كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» (3). و هذا الحكم العام ظاهر في كون موضوعه الشك في الصحة لا الوجود، كما هو مقتضى لفظ التجاوز و المضي على المشكوك و الخروج منه فان جميع ذلك ظاهر في كون الشي‏ء مفروغا عن وجوده، و إنما الشك في شأن من شئونه و هو

____________

(1) كقوله (عليه السلام): كل شي‏ء شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو.

(2) وسائل الشيعة 5- 336 باب: 23 من أبواب الخلل، الحديث: 1.

(3) وسائل الشيعة 4- 971 باب: 15 من أبواب السّجود، الحديث 4.

142

الصحة.

و إذا تم هذا، يظهر ان تطبيق هذا الحكم على المصاديق المذكورة في الصدر لا يكون إلا من باب تنزيل الشك فيها منزلة الشك في الصحة، و هو مما يقتصر فيه على مورده المتيقن و هو خصوص اجزاء الصلاة.

هذا غاية ما يمكن ان يوجّه به ما أفاده (قدس سره)، لكن يرد عليه: ان الذيل إذا كان ظاهرا في كون الموضوع هو الشك في الصحة فالتحفظ عليه يستلزم التصرف في ظهور الصدر و حمل المصاديق المذكورة فيه على بيان مصاديق الشك في الصحة لا الوجود، إذ ليست دلالتها على إرادة الشك في الوجود بنحو النص الّذي لا يمكن التصرف فيه.

فتكون الروايات ظاهرة صدرا و ذيلا في بيان قاعدة الفراغ كما سنقرّبه.

و لو لم يمكن الجمع بذلك، فما أفاده من الجمع بحمل الرواية على التنزيل ليس جمعا عرفيا و نتيجة ذلك إجمال النصوص و عدم استفادة شي‏ء منها. فلاحظ.

و أما الاحتمال الأخير (الرابع)- و هو عدم الأساس لقاعدة التجاوز، و ان المجعول ليس إلّا قاعدة الفراغ، فلا يلغي الشك في الوجود شرعا- فهو و ان كان احتمالا في قبال الفتاوى و الإجماع، لكنه مما يمكن الجزم به عند لحاظ روايات الباب المستدل بها على ثبوت القاعدة، فان عمدتها روايتا زرارة (1)، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل شك في الأذان و قد دخل في الإقامة؟ قال (عليه السلام):

يمضي. قلت: رجل شك في الأذان و الإقامة و قد كبر؟. قال (عليه السلام): يمضي.

قلت: رجل شك في التكبير و قد قرأ؟. قال (عليه السلام): يمضي. قلت: شك في القراءة و قد ركع؟. قال (عليه السلام): يمضي، قلت: شك في الركوع و قد سجد؟. قال (عليه السلام): يمضي على صلاته. ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت‏

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 326 باب: 23 من أبواب الخلل الحديث: 1.

143

في غيره فشكك ليس بشي‏ء- و إسماعيل بن جابر (1)- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض، و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه-.

و قبل الكلام فيهما لا بد من بيان شي‏ء، و هو: ان الشك في الشي‏ء قد يطلق و يراد به الشك في أصل وجود الشي‏ء. و قد يطلق و يراد به الشك في شأن من شئون الشي‏ء مما يرجع إلى صحته مع تسليم وجوده، فهو قابل لكلا الإطلاقين، إلّا انه مع عدم القرينة ظاهر عرفا في الأول- أعني الشك في وجود الشي‏ء- إذا عرفت هذا فنقول:

أما رواية زرارة، فصدرها و ان كان يشتمل على التعبير بالشك في الشي‏ء الظاهر عرفا في الشك في وجوده، إلّا ان ذيلها الوارد بنحو تطبيق كبرى كلية على الموارد الجزئية المذكورة في الصدر ظاهر في كون الشك في صحة الشي‏ء، لقوله فيه:

«يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء»، فان الخروج من الشي‏ء ظاهر عرفا في كون أصل الشي‏ء موجودا، لأنه مع عدم وجوده لا يتحقق الخروج عنه.

فلو لم نقل بان ظهور الذيل في الشك في الصحة مع الفراغ عن أصل الوجود موجب لتغيير ظهور الصدر في الشك في الوجود، بأن يكون المراد من الشك في صحة الشي‏ء، فان التعبير قابل لذلك، لأنه وارد مورد التطبيق، و أقوائية ظهوره في مؤداه من ظهور الصدر. فلا أقل من تصادم الظهورين، فتكون الرواية مجملة لا يعتمد عليها في شي‏ء من القاعدتين.

و أما رواية إسماعيل، فالكلام فيها كالكلام في سابقتها، فان قوله: «شك فيه»

____________

(1) وسائل الشيعة 4- 971 باب: 15 من أبواب السجود، الحديث: 4.

144

ظاهر- كما عرفت- في الشك في الوجود، و لكن قوله: «جاوزه» ظاهر في التجاوز عن نفس الشي‏ء، و هو يقتضي تحقق وجود الشي‏ء، فيتصادم الظهوران، لدوران الأمر بين حمل: «جاوزه» على خلاف ظاهره و التصرف فيه بإسناده إلى المحل، أو حمل: «شك فيه» على الشك في صحته. و لا مرجح لأحدهما على الآخر، بل إبقاء ظهور لفظ التجاوز على اسناده الحقيقي أولى، لظهور قوله: «فليمض عليه» في ان تحقق أصل الشي‏ء مفروغ عنه و إلّا فلا يتحقق المضي عليه، كما لا يخفى.

فالمتحصل: عدم إمكان الاعتماد على هاتين الروايتين في إثبات قاعدة التجاوز، فلا يثبت لها أساس في النصوص، فلا يبقى الا قاعدة الفراغ.

و على هذا فلو شك في الصلاة في جزء سابق و قد دخل في غيره، ينبغي له العود للإتيان به، إلّا إذا كان قد دخل في ركن لفوات محل التدارك حينئذ، حتى مع العلم بترك الجزء. و عليه فان كان الجزء المشكوك من غير الأركان، كالقراءة أو التشهد فلا يبطل عمله بمقتضى حديث: «لا تعاد». و ان كان من الأركان، كالركوع بعد دخوله في السجدة الثانية حكم ببطلان عمله و لزوم الإعادة.

و لو انتفى هذا الاحتمال أو لم يمكن الالتزام به، فلا محيص عن الالتزام بتعدد القاعدتين، و ان أحدهما- و هي قاعدة التجاوز- موضوعها الشك في وجود الشي‏ء بعد التجاوز عن محله. و الأخرى- و هي قاعدة الفراغ- موضوعها الشك في صحة الشي‏ء بعد فرض وجوده، و على هذا البناء يقع الكلام في الجهات الأخرى للبحث.

الجهة الثالثة: في عموم قاعدة التجاوز لجميع صور الشك في الوجود

، أو اختصاصها بالصلاة، كما ذهب إليه المحقق النائيني على ما عرفت.

و قد استدل للعموم بإطلاق لفظ: «شي‏ء» في رواية زرارة، و عموم لفظ: «كل شي‏ء» في رواية إسماعيل. فانهما غير ظاهرين في خصوص شي‏ء دون آخر، فلا محيص عن الالتزام بالعموم، لدلالتهما على ذلك.

و لكن من خص جريانها باجزاء الصلاة قرب عدم دلالة الروايتين على‏

145

العموم، بان: «شي‏ء» في رواية زرارة لفظ مطلق و دلالة المطلق على الإطلاق انما هو بتمامية مقدمات الحكمة، و إحداها عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، و هي منتفية في المقام لوجود القدر المتيقن في مقام التخاطب و هو اجزاء الصلاة- باعتبار كونها مورد الرواية- فلا يمكن التمسك بإطلاق لفظ: «شي‏ء» لعدم انعقاده. و اما لفظ: «كل شي‏ء»، فهو كسابقه، لأن، «كل» لا تدل على العموم بنفسها و انما بلحاظ دلالة مدخولها، و بعبارة أخرى: ان: «كل» تدل على عموم ما يراد من مدخولها، و إلّا فهي بنفسها غير دالة على الاستغراق و العموم، فتتوقف دلالتهما على العموم على انعقاد مقدمات الحكمة في لفظ: «شي‏ء» الّذي هو مدخولها، و إحداها- و هي عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب- منتفية، لوجوده و هو مورد السؤال.

و لكن هذا التقريب انما يتجه صدوره ممن يقول باعتبار عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب من مقدمات الحكمة- كالمحقق الخراسانيّ- اما من لا يقول بتوقف انعقاد الإطلاق على عدم وجود القدر المتيقن- كالمحقق النائيني-، فصدور هذا التقريب منه غير واضح الوجه.

مع ان نفس المبنى مناقش فيه، إذ لا يلتزم أحد بحمل المطلقات على خصوص مواردها- حتى المحقق الخراسانيّ- فلا وجه لاعتبار عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب في التمسك بالمطلقات.

و لو تنزل على ذلك، فما ذكر في الرواية الثانية من ان لفظ: «كل» لا تدل على العموم بالوضع، بل بمقتضى دلالة مدخولها، فالمتبع هو عموم المدخول، و هو يكون بتمامية مقدمات الحكمة، و هي غير تامة كما عرفت.

غير وجيه، لما حقق في محله من ان: «كل» من ألفاظ العموم بحيث تدل عليها بالوضع، فلا يحتاج في دلالتها عليه إلى تمامية مقدمات الحكمة. و كلام المحقق الخراسانيّ مختلف من هذه الناحية.

و بالجملة: فما ذكر في التخصيص باجزاء الصلاة انما يتم بتمامية أمرين:

146

أحدهما: اعتبار عدم القدر المتيقن في مقام التخاطب من مقدمات الحكمة.

و الآخر: عدم دلالة: «كل» على العموم بالوضع، بل باعتبار ما يراد من مدخولها.

أما قاعدة الفراغ، فهي عامة لجميع الأعمال، لأنه و ان كانت بعض رواياتها واردة في الطهور و الصلاة، إلّا ان هناك روايتين يتمسك بهما للعموم:

إحداهما: رواية: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» فان: «كل» دالة على العموم و لا ظهور لها في فرد دون آخر.

و الأخرى: رواية باعتبار ما ذكر فيها من قوله (عليه السلام): «فانه حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»، فانه و ان لم يكن تعليلا- كما قيل- لكنه أشبه به، و لسانه لا يختص بالوضوء- و ان كان موضوعه- بل هو ظاهر في ان الشخص حين يتوجه للعمل أو حين يشتغل فيه يكون أكثر التفاتا إلى خصوصيات العمل و جزئياته المعتبرة فيه من وقت شكه، و هذا لا يختص بعمل دون آخر.

فالمتحصل مما ذكرناه: ان كلتا القاعدتين تجريان في جميع الموارد التي تنطبقان عليها.

الجهة الرابعة: في عموم قاعدة التجاوز للشك في جزء الجزء

، كما لو شك في الآية السابقة و هو في اللاحقة، أو في الكلمة السابقة في الآية و هو في اللاحقة، أو في الحرف السابق من الكلمة و هو في اللاحق.

و قد قرب عدم عمومها و اختصاصها بجزء العمل بوجوه ثلاثة:

الأول: ما قرره المحقق النائيني من: انه لا وجود لقاعدة التجاوز كي يتمسك بعموم دليلها أو إطلاقه، و انما هي من باب تنزيل الجزء منزلة الكل، و إلحاقه حكما بالكل، فلا بد من الاقتصار على المقدار المنزل منزلة الكل، و ليس في أدلة التنزيل ما يتكفل تنزيل جزء الجزء منزلة الكل، بل هي مقتصرة في التنزيل على خصوص الاجزاء كما لا يخفى على من لاحظ الروايات.

147

و هذا الوجه قد عرفت ما فيه من عدم الدليل إثباتا على تكفل الدليل تنزيل الجزء منزلة الكل، بل ظاهره- لو تم- بيان قاعدة كلية عامة.

الثاني: ان المعتبر في قاعدة التجاوز، التجاوز عن محل المشكوك، فلا بد من فرض محل له قد جعله الشارع و قرره، بحيث يكون فرض المحل امرا زائدا على المأمور به لا أمرا يتقوم به المأمور به، فمع عدم وجود محل مقرر له شرعا لا يتحقق موضوع قاعدة التجاوز، فلا وجه لجريانها، و جزء الجزء لا محل له كي يقال تجاوز عنه، فمثلا: امر الشارع بتكبيرة الإحرام في الصلاة و هي: «اللّه أكبر»، فسبق كلمة:

«اللّه» على كلمة: «أكبر» ليس امرا ملحوظا لدى الشارع و مأمورا به، بل ليس المأمور به الا التكبيرة لا إجزاءها، و السبق المذكور من مقوماتها، فلا يقال لمن عكس و قال: «أكبر اللّه» انه جاء بالمأمور به (التكبيرة خ ل) من غير ترتيب، بل يقال انه لم يجئ بالمأمور به، فالترتيب المذكور من مقومات المأمور به لا أمر زائد عليه تعلق به الأمر الشرعي.

و هذا الوجه غير تام، لأنه لا دليل على ما ذكره فيه من فرض كون المحل امرا زائدا على المأمور به مقررا من قبل الشارع، بحيث يلحظ الترتب الشرعي، بل الأدلة بالنسبة إلى المحل عامة فهي تدل على انه لو تجاوز عن محل الشي‏ء المقرر له مطلقا سواء كان التقرير شرعيا- كأجزاء الصلاة- أو غيره- كما في آيات السورة و كلمات الآية و أحرف الكلمة- فانه يصدق التجاوز عن المحل بالنسبة إلى كل هذه الأمور.

الثالث: دعوى الانصراف ببيان: ان لفظ: «الشي‏ء» في الروايات منصرف إلى الأجزاء بخصوصها دون أجزائها، فعليها يحمل اللفظ، فتختص القاعدة بها. و هذا كانصراف لفظ: «الحيوان» في أدلة عدم جواز الصلاة في اجزاء غير المأكول منه عن الإنسان إلى غيره.

و قد ذهب المحقق الأصفهاني إلى تمامية هذه الدعوى بالنسبة إلى أحرف‏

148

الكلمة، لأنها و ان كانت شيئا بالدقة، لكن لفظ: «الشي‏ء» في الرواية لا يشملها عرفا و ينصرف عنها.

و هذه الدعوى لا تبتني على برهان كي يناقش فيه، بل هي دعوى وجدانية يسهل لكل أحد المناقشة فيها بدعوى عدم الانصراف.

و التحقيق: ان المعتبر في جريان قاعدة التجاوز هو الدخول في الغير المترتب، بحيث تكون ذات الغير المأمور بها محرزة، و ان لم يحرز بكونها امتثالا لفرض الشك في الجزء السابق.

و عليه، نقول: ان المركب المؤلف من اجزاء ..

تارة: يكون الإخلال بأحد اجزائه لا يوجب سلب وصف الجزئية عن سائر الاجزاء بحيث يكون ذات الجزء متحققة، كما لو لم يجئ بالركوع و أتى بالسجود، فانه يصدق على السجود انه ذات الجزء المترتب عليه، فمع الشك في الركوع و هو في السجود يكون الشك بعد الدخول في غير المترتب.

و أخرى: لا يكون كذلك، بل يكون الموجود من الاجزاء في ظرف فقدان البعض الآخر مباينا عرفا للموجود مع وجود البعض الآخر، و في مثله لو شك في بعض الاجزاء و قد دخل في غيرها لا يصدق انه دخل في الغير المترتب على المشكوك لاحتمال فقدان المشكوك، فيكون هذا الجزء مباينا للمأخوذ في العمل بذاته، فلا يكون قد دخل في الغير المترتب- و لو كان ترتبه عقليا- و هذا نظير اجزاء الكلمة الواحدة فان الراء من: «أكبر» لا تتصف بأنها جزء: «أكبر» إلّا إذا جي‏ء بالكلمة بتمامها، فالانضمام كما هو شرط للامتثال يكون مقوما لصدق عنوان المأمور به و صيرورة كل حرف جزء لذات المأمور به.

و عليه، فمع الشك في التلفظ بالكاف و قد دخل في الراء لا يصح إجراء قاعدة التجاوز، لعدم إحراز الدخول في الغير. و مثله التكبير المتقوم بكلمة: «اللّه أكبر».

بالنحو الخاصّ، فان انضمام الكلمتين مقوم لصدق عنوان التكبير على اجزائه، و كل‏

149

كلمة بمفردها لا تكون جزء للتكبير، فمع الشك في قول: «اللّه» و هو في: «أكبر» لا مجال لإجراء قاعدة التجاوز. و لعل مثله اجزاء الآية، و كل عنوان واقعي يتقوم بالمجموع كالحمد و الشهادة و نحو ذلك.

و الضابط: هو ما عرفت من عدم تحقق ذات الجزء مع الإخلال بالجزء الآخر، بحيث يعد المتحقق مباينا بذاته لجزء المأمور به المنضم إلى غيره و قد يقع الإشكال في تشخيص بعض المصاديق.

فالتفصيل في جريان قاعدة التجاوز في جزء الجزء بالنحو الّذي عرفت هو المتعين.

ثم إن ثمرة هذا المبحث تكون كثيرة لو لم نقل بجريان قاعدة الفراغ في مورد الشك في صحة الجزء بعد الفراغ منه، فانه مع البناء على جريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى جزء الجزء لو شك بعد الفراغ من الجزء في جزء الجزء لا تجب الإعادة، و مع البناء على عدم جريانها تجب.

أما مع القول بجريان قاعدة الفراغ في الجزء بعد الفراغ منه، فلا يختلف الحال عملا في مورد الشك بعد الفراغ عن الجزء في جزئه باختلاف البناءين، لجريان قاعدة الفراغ في الجزء نفسه، لأن الشك المذكور يرجع إلى الشك في صحته بعد الفراغ منه، و هو مورد القاعدة. فظهور الثمرة العملية ينحصر- على هذا القول- في مورد الشك في أثناء العمل.

الجهة الخامسة: في عموم قاعدة التجاوز للشك في الشرط في أثناء المشروط.

و قد ذكر الأصفهاني لمنع العموم وجوها و أجاب عنها.

الأول: ان نسبة الشرط إلى جميع الاجزاء نسبة واحدة، فمع الشك في تحققه في الجزء السابق يشك قهرا بتحققه في الجزء اللاحق الفعلي، فإحرازه بالقاعدة بالنسبة إلى الجزء السابق لا يجدي شيئا، لعدم إمكان إحرازه بها بالنسبة إلى الجزء

150

الفعلي، لعدم تحقق التجاوز عنه، فيكون اعتبار قاعدة التجاوز في الفرض لغوا، للتلازم بين الشك في شرط الجزء السابق و شرط الجزء الفعلي اللاحق.

و الجواب: ان هذا الوجه انما يتم بالنسبة إلى ما لا يمكن تبدله (حدوثه خ ل) في الأثناء كالطهارة، أما ما يمكن تبدله كالستر، فلا يتم هذا الوجه فيه، و مثاله: لو لبس في أثناء الصلاة ما يستره قطعا و شك بعد ذلك في ان ما كان لابسه سابقا كان ساترا أو لم يكن، فانه لا ملازمة في مثل الفرض كما لا يخفى، فاعتبار قاعدة التجاوز لا يكون لغوا لجريانها في هذه الموارد، و هو كاف في رفع اللغوية، فإطلاق المنع لا يخلو عن الخدش.

الثاني: انه يعتبر في قاعدة التجاوز ان يكون الشي‏ء ذا محل، و الشروط لا محل لها كي يتحقق التجاوز عنه.

و الجواب: انه ...

ان أريد بعدم المحل ان المشروط ليس ظرفا و محلا للشرط، كما ان الكل ليس محلا للجزء، فهذا لا يختص بالشرط المقارن بل يعمه و يعم السابق و اللاحق، فكما تجري القاعدة بالنسبة إلى الشرط السابق- كالوضوء على القول بشرطية نفسه- باعتبار كون محله هو الزمان السابق، فكذلك فلتجر بالنسبة إلى المقارن باعتبار كون محله الزمان المقارن و قد تجاوز عنه الفاعل.

و ان أريد بان الشرط انما هو شرط للمجموع لا لكل جزء جزء، فلا محل له، و انما المجموع محله. ففيه: انه قد حقق في محله ان الشرط انما هو للمركب، و ثبت بان المركب هو عين الاجزاء بالأسر، فهو شرط للاجزاء بأسرها فيكون شرطا لكل جزء جزء.

و استشهد على ذلك: بأنه لو انتفى الشرط في بعض الاجزاء دون بعض و أمضى العمل، لا يقال بتبدل الشرط و انه شرط جديد باعتبار ان الشرط الواقعي للمجموع و هذا للبعض، بل يقال بانتفائه في بعض دون آخر. فالتفت.

151

الثالث: ان الشروط من الكيفيات و الحالات للمشروط، فلا يتحقق التجاوز عنها لا بالحقيقة و لا بالمسامحة، بل التجاوز بكلا معنييه يتحقق بالنسبة إلى المتكيف بها دونها، فلا مجال حينئذ لجريان قاعدة التجاوز فيها، لعدم صدق موضوعها.

و الجواب: ان الشروط على قسمين: قسم له وجود مستقل، كالستر و الاستقبال و الطهارة، و قسم لا يكون كذلك، بل يكون كيفا للغير، كالترتيب و الموالاة. فالقسم الأول يتحقق بالنسبة إليه التجاوز، فلا يكون مشمولا لهذا التقريب. نعم يبقى القسم الثاني، فان الكلام فيه تام، لأنه من كيفيات المشروط فلا وجود له إلا بتبع مشروطه.

إلى هنا يظهر ان المحقق الأصفهاني يلتزم بالتفصيل بين ما له وجود مستقل من الشروط و بين ما لا وجود له كذلك، فتجري القاعدة في الأول دون الثاني.

و قد سبقه إلى ذلك الشيخ و تقريبه واضح، لأخذ الشي‏ء موضوعا للشك الّذي هو مورد القاعدة، و واضح عدم صدقه عرفا على ما لا وجود له بنفسه.

إلا أنه (قدس سره) ذكر بيانا آخر يحقق فيه عدم جريان القاعدة في مطلق الشروط، و محصله: ان التجاوز قد فسر في بعض النصوص بالخروج عن الشي‏ء و الدخول في غيره، و هذا يستدعي المغايرة بين المتجاوز عنه و المتجاوز إليه، و لا إشكال في عدم صدق هذا المعنى عرفا في الشروط. فان الاستقبال- مثلا- واحد مستمر، لأنه متعدد بحيث يصدق على الاستقبال في الركعة الثانية انه غير الاستقبال في الأولى، و مع عدم المغايرة لا يتحقق الخروج و الدخول في الغير كما لا يخفى، فلا موضوع لقاعدة التجاوز في الشروط، فلا مجال لجريانها (1).

و هذا التقريب و ان كان بحسب النّظر الأولى وجيها، إلّا انه يمكن المناقشة فيه بما ذكر في باب استصحاب الأمور التدريجية، من: ان الأمر التدريجي و ان كان‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 302- الطبعة الأولى.

152

مستمرا و متصلا و واحدا دقة إلّا انه قد يعد عرفا متعددا بلحاظ طرو بعض الحالات عليه، كما بالنسبة إلى الليل و النهار، فانهما يعدان عرفا أمرين، مع ان الزمان مستمر لا انقطاع فيه.

و عليه، فالاستقبال- مثلا- و ان كان مستمرا غير منقطع، إلّا انه بلحاظ اعتبار الشروط للمركب- و هو الاجزاء بالأسر- يعد شرطا لكل جزء، فيرى متعددا بنظر العرف بهذه الجهة و ان كان واحدا بالنظر الدقي، فتتحقق المغايرة عرفا بين الاستقبال في جزء و الاستقبال في جزء آخر، فيصدق الخروج عن الشي‏ء و الدخول في غيره.

هذا كله بالنسبة إلى الشروط التي تكون بنفسها متمحضة في الشرطية و ليس فيها جهة أخرى غير جهة الشرطية.

و بعده يقع الكلام في الشروط التي تكون فيها جهة أخرى غير جهة الشرطية، بأن تكون بنفسها متعلقا للأمر و موضوعا لأثر ما، نظير صلاة الظهر، فانها شرط في صحة صلاة العصر مع انها بنفسها متعلق للأمر و موضوعا للأثر، فهل مثل هذه الشروط يكون الشك فيها مجرى قاعدة التجاوز بعد الفراغ و البناء على جريانها في الشروط الأخرى.

و وجه تخصيصها بالكلام جهتان:

الأولى: احتمال اختصاص أدلة القاعدة بموارد الشك في القسم الأول من الشروط مضافا إلى الاجزاء.

و يدفعه: ان الأدلة عامة لجميع موارد الشك في الوجود مما كان المشكوك، له محل مقرر و لو كان مركبا تاما، فيتمسك بعمومها، و لا وجه لاحتمال اختصاص الأدلة بموارد دون أخرى.

و يؤيده ورود إلغاء الشك في النص بالنسبة إلى الأذان و الإقامة، مع انها ليست جزءا للصلاة، و هي مأمور بها بالاستقلال، لكن لها جهة ارتباط بالصلاة،

153

و مثلها الأذان.

الثانية: ان مفاد قاعدة التجاوز ليس هو ترتيب الأثر على وجود المشكوك، بل هو البناء على تحقق المشكوك و وجوده، بحيث لا يلزم الإتيان به بعد هذا.

و عليه، فجريان القاعدة في صلاة الظهر في أثناء العصر أو بعدها يقتضي عدم لزوم الإتيان بالظهر بعد تمام العصر، لأن مفادها هو البناء على تحقق المتجاوز عنه، فمقتضاها تحقق الإتيان بالظهر، فلا وجه حينئذ لوجوب الإتيان بها بعد العصر، مع انه لا يلتزم به أحد. فالالتزام بجريان قاعدة التجاوز يلزم منه ما ذكر، كما ان عدم الالتزام به يستلزم تخصيص دليلها بلا وجه.

و التحقيق في رفع هذه الشبهة، و التوفيق بين عدم الالتزام بعدم لزوم الإتيان بالظهر و جريان القاعدة فيها: ان قاعدة التجاوز و ان كان مفادها هو البناء على وجود المشكوك و تحققه، إلّا انها انما تقتضي التعبد بالمشكوك بمقداره.

و المشكوك الّذي يكون موردا للقاعدة هاهنا ليس هو صلاة الظهر بقول مطلق، لأنها بنفسها و بلحاظها ذاتها، لم يتجاوز عن محلها، و انما يكون التجاوز عن محلها بلحاظ جهة شرطيتها لصلاة العصر. فالمشكوك الّذي يكون مورد القاعدة في الفرض انما هو صلاة الظهر بهذا الاعتبار- أعني باعتبار شرطيتها للعصر و دخالتها في صحة العصر- لا بلحاظها نفسها و ذاتها، فجريان قاعدة التجاوز في صلاة الظهر لا ينافي الالتزام بوجوب الإتيان بها بعد العصر.

ثم إن الشيخ (رحمه الله) فصّل- احتمالا لا اختيارا- بين الشروط التي يكون محل إحرازها قبل العمل- كالوضوء- و الشروط التي يكون محل إحرازها أثناء العمل- كالاستقبال- فأجرى قاعدة التجاوز في الأول مع الشك في أثناء العمل دون الثاني، لأنه لا بيد من إحرازه للاجزاء المستقبلة.

فلا بد من الكلام في هذه الجهة، كما لا بد من دفع توهم سراية ما ذكر بالنسبة إلى صلاة الظهر بالإضافة إلى اجزاء العمل، لأن فيها جهة الشرطية للاجزاء

154

اللاحقة- لارتباطيتها- فإحراز الإتيان بالجزء يجدي لما سبق من الاجزاء دون ما لحق لعدم التجاوز عن محله.

و توضيح الكلام على وجه يتضح به الحال يتوقف على بيان أقسام الشروط- بلحاظ جهة ارتباطها بالعمل التي هي شرط له- و أحكامها.

فنقول: الشروط على أقسام أربعة:

الأول: ان يكون فيه جهة زائدة على جهة الشرطية، كأن يكون موضوعا لحكم بنفسه مضافا إلى جهة شرطيته، كأجزاء الصلاة، فان كلا منها مأمور به بنفسه، كما انه شرط لغيره.

الثاني: ان يكون متمحضا في جهة الشرطية، و كان بوجوده الواحد المستمر أو بوجوده المجموعي شرطا لكل جزء من أجزاء العمل، كما لعله يظهر من أدلة اعتبار الاستقبال انه كذلك و أنه أمر واحد معتبر في جميع أجزاء الصلاة.

الثالث: ما كان كذلك و كان شرطا لكل جزء في ظرفه، كالتستر.

الرابع: ما كان كذلك، و لكنه كان مما لا بد من إحرازه قبل العمل، كالوضوء- على قول- أما النحو الأول، فلا إشكال في ان جريان قاعدة التجاوز فيه في الأثناء مجد، لأنه بذاته له محل مقرر شرعا قد تجاوز عنه، فإذا جرت قاعدة التجاوز فيه بلحاظ جهة جزئيته تحقق هذا الجزء تعبدا، فيتحقق شرط الاجزاء اللاحقة تعبدا.

فلا وجه حينئذ لأن يقال بعدم إجرائه لعدم تحقق التجاوز عن المحل بالنسبة إلى ما لحق من الاجزاء، لأن إجراءها فيه لا يكون بلحاظ جهة شرطيته كي يتأتى ما ذكر، بل لحاظه نفسه و جهة جزئيته.

و أما النحو الثاني، فلا مجال لقاعدة التجاوز فيه في الأثناء مع فرض إحرازه بالنسبة إلى الاجزاء اللاحقة لوجهين.

الأول: إن الشرط انما هو الشرط المستمر لا كل جزء منه، فجريان قاعدة

155

التجاوز فيه بالنسبة إلى الاجزاء السابقة لا يثبت الشرط إلّا بالملازمة- كما لا يخفى- و هو بنفسه لا أثر له شرعا، لأن الأثر يترتب على وجوده المستمر.

و قد يقال: بأنه يمكن إجراء قاعدة التجاوز فيه و يضم إليها الاستصحاب، بان يستصحب فيثبت استمراره بالاستصحاب، لأنه موضوعه، فيترتب الأثر لأن الشرط هو موضوع الاستصحاب، و لا مانع من استصحاب الشرط كيف ما كان.

لكنه يشكل: بان الاستصحاب يتوقف على ثبوت اليقين السابق بالمستصحب إما الوجداني، أو التعبدي، و كلاهما منتف.

أما الأول: فواضح، لأنه الفرض.

و أما الثاني: فلأنه انما يثبت بقاعدة التجاوز، و جريانها يتوقف على كون موضوعها مما يترتب عليه الأثر بنفسه، و قد عرفت ان لا أثر له مطلقا، فلا تجري بنفسها فيه.

الثاني: انه يعتبر في جريانها تحقق التجاوز عن محل المشكوك، و إذا كان الشرط هو المجموع أو المستمر لا يتحقق التجاوز عنه ما دام في الأثناء، كما لا يخفى.

و أما النحو الثالث، فلا يرى هناك مانع لجريانها بالنسبة إلى الاجزاء السابقة، لأن المفروض كونه شرطا لكل جزء في ظرفه، فقد تحقق التجاوز عنه بالتجاوز عن نفس الجزء.

و أما النحو الرابع، و هو موضوع الكلام الشيخ، فالحق فيه عدم جريانها فيه في الأثناء، لعدم إجرائها. و ذلك لأن ذات الشرط لا يكون مأمورا به بنفسه، و إلّا لكان دخيلا في المركب فيكون جزءا، و هو خلاف الفرض، و انما أخذ التقيد به دخيلا، و جزءا في الصلاة، فالشرطية تنتزع عن أخذ التقيد بالعمل. و معنى التقيد في هذا النحو من الشروط، هو كون العمل المركب مسبوقا بالعمل و هو الوضوء، فحيث ان العمل المركب عبارة عن اجزائه، فكل جزء أخذ فيه مسبوقيته بالوضوء، فإحراز المسبوقية بالقاعدة بالنسبة إلى الاجزاء السابقة لا يجدي بالنسبة إلى اللاحقة، لأنها

156

لم يتجاوز عن محلها، فلا يتحقق موضوع القاعدة بالنسبة إليها.

و هذا الكلام بعينه جار في مورد الشك في صلاة الظهر في أثناء العصر، لأن الصورتين بملاك و نحو واحد.

هذا تمام الكلام في جريان قاعدة التجاوز في الشروط، فتدبر جيدا.

الجهة السادسة: في عموم قاعدة الفراغ للإجزاء

، بمعنى انه إذا شك في صحة الجزء بعد الفراغ عنه، فهل تجري قاعدة الفراغ فيه فيبني على صحته، أو لا بل تختص بمورد الشك في صحة الكل؟. الّذي يقتضيه عموم رواية زرارة: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» هو جريانها في مورد الشك في صحة الجزء، إذ لا وجه لاختصاصها بالكل. و ان كانت الرواية الثانية موضوعها الصلاة و الطهور. و التمسك بالعموم على التعميم كاف في المطلوب، فلا حاجة حينئذ إلى الاستدلال بفحوى قاعدة التجاوز، من انه إذا كان الشك في وجود الجزء ملغى في نظر الشارع فإلغاء الشك في صحته أولى.

مضافا إلى انه لم يعلم كون هذه الأولوية من أي نوع هي، هل هي من الأولوية القطعية أو الظنية التي ترجع إلى القياس؟

نعم، يستثنى من ذلك ما إذا كانت جهة الشك مقومة لتحقق الجزء كالموالاة في حروف الكلمة، أو الترتيب بين حروفها، فانه مع الشك فيها لا يمكن إجراء القاعدة لإثبات صحة الكلمة لعدم إحراز الكلمة كي يتعبد بصحتها، فتدبر.

الجهة السابعة: في ان قاعدة الفراغ هل تعم ما إذا كان منشأ الشك في الصحة هو الشك في الشرط أو لا؟

و الحق العموم، لمقتضى عموم رواية زرارة السابقة، إذ لا ظهور فيها في كون المنشأ هو الشك بالإخلال بجزء دون شرط.

ثم ان للشيخ (رحمه الله) كلاما في الموضع السادس يرتبط بهذه الجهة من الكلام، و هذا نصه: «ان الشك في صحة المأتي به حكمه حكم الشك في الإتيان، بل هو هو، لأن مرجعه إلى الشك في وجود الشي‏ء الصحيح، و محل الكلام ما لا يرجع‏