منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
157

فيه الشك إلى الشك في ترك بعض ما يعتبر في الصحة، كما لو شك في تحقق الموالاة المعتبرة في حروف الكلمة أو كلمات الآية. لكن الإنصاف ان الإلحاق لا يخلو عن إشكال، لأن الظاهر من اخبار الشك في الشي‏ء انه مختص بغير هذه الصورة ...».

و هذه العبارة لا تخلو عن غموض، و هي مع قطع النّظر عن التعليل المذكور يمكن حملها على أن قاعدة الفراغ محكومة لقاعدة التجاوز، لأن نسبتها إليها نسبة الأصل المسببي إلى الأصل السببي، لأن الشك في الصحة ينشأ من الشك في وجود جزء أو شرط، و يمكن إحرازه بقاعدة التجاوز، فلا يبقى لقاعدة الفراغ موضوع تعبدا. و بذلك يكون حكم الشك في الصحة حكم الشك في الإتيان.

و هذا انما يتحقق فيما إذا كان منشأ الشك مما له وجود مستقل بحيث يصدق التجاوز عنه و يكون قابلا للتعبد بنفسه، أما ما لا يكون كذلك، كالموالاة بين حروف الكلمة و الترتيب بين الكلمات، فلا يتم ما ذكر، لعدم جريان قاعدة التجاوز في مثل هذه الأمور لعدم استقلاليتها في الوجود فلا يتحقق التجاوز عنها فهذه الفروض تكون محل إشكال.

و لكن هذا التفسير لا يتلاءم مع التعليل المذكور لأن ظاهره رجوع مورد قاعدة الفراغ إلى مورد قاعدة التجاوز لا انتفاء موضوعها تعبدا بجريان قاعدة التجاوز الظاهر في تعدد المورد نوعا.

و على هذا تكون العبارة غير واضحة المراد، لأن ما ذكره بعد التعليل من كون محل الكلام ما لم يرجع الشك فيه إلى الشك في ترك بعض ما يعتبر في الصحة كالموالاة. غير تام- بحسب النّظر البدوي- لأن المنشأ إذا كان هو الشك في مثل الموالاة يرجع الشك إلى الشك في وجود العمل الصحيح أيضا.

فالجمع بين التعليل و ما ذكره بعده مشكل [1].

____________

[1] يمكن ان يكون نظره (قدس سره) إلى التفصيل بين الشرائط المعتبرة شرعا في الصحة مما

158

و يمكن ان يقال في مقام التوفيق: ان ما يعتبر في الصحة عنوانا تارة: يكون في نفسه خارجا عن حقيقة الشي‏ء، كالطهارة و الاستقبال، فانهما من شروط الصلاة و لكنهما خارجان عن حقيقتهما، إذ صدق الصلاة لا يتقوم بهما. و أخرى: يكون مقوما، كالموالاة بين الحروف و الكلمات، فانها مقومة عقلا لصدق الكلمة و الآية و بدونها لا تصدقان، و لذلك كانت من الشروط العقلية، فإذا وجد الشك في الموالاة حصل الشك في وجود نفس الكلمة أو الآية.

و من هنا يتضح المراد من كون محل الكلام ما لم يكن من هذا القبيل- أعني:

من قبيل الشك في الموالاة-، فان ما كان من هذا القبيل تجري فيه قاعدة التجاوز رأسا، فلا إشكال فيه.

فالمراد: ان محل الكلام في السراية- أعني: سراية أدلة قاعدة التجاوز إليه باعتبار رجوع الشك فيه إلى الشك في الوجود- هو النحو الأول. أما النحو الثاني فلا إشكال فيه لأن الشك فيه شك في الوجود، فلا يتكلم في السراية بالنسبة إليه لشموليته لقاعدة التجاوز بلا كلام.

____________

- لا يتقوم بها العمل المشروط كالطهارة و الاستقبال بالنسبة إلى اجزاء الصلاة، و بين الشرائط المقومة عقلا للعمل و ليست معتبرة شرعا في صحته، و لا وجود لها مستقل عن وجود المشروط كالموالاة في الكلمة، فان فقدانها يستلزم عدم صدق الكلمة على الحروف الملفوظة. ففي الأول تجري القاعدة مع الشك في الشروط لأنها ذات وجود مستقل و متعلقة للأمر الشرعي.

و اما في الثاني فيشكل جريانها في نفس الشرط لعدم تعلق الأمر به و لا في المشروط لظهور الأدلة في كون موضوع القاعدة هو الشك في أصل الوجود لا ما إذا علم وجود شي‏ء و شك في انه هو الجزء أو غيره. فمراده ان محل الكلام في إلحاقه بالشك في الوجود هو القسم الثاني لا الأول لأن الأول، مجرى القاعدة بنفسه بلا حاجة إلى الإلحاق. كما انه يشكل الإلحاق في القسم الثاني للاستظهار المتقدم، فلا بد من التماس دليل آخر على إثبات صحة العمل مع الشك فيه. فتدبر.

و قد تحمل بعض الاعلام في توجيه كلام الشيخ (رحمه الله) و اللّه سبحانه العالم.

159

و بهذا لا يكون هناك تناف بين التعليل و ما ذكره بعده، إذ ليس المفاد ما قد يستظهر من ان ما كان من قبيل الموالاة محل إشكال في إرجاعه إلى مورد قاعدة التجاوز كي تشمله أدلتها، بل المفاد انه من مواردها فلا كلام فيه، و انما الكلام في غيره.

و عليه، فلا وجه لما ذكره المحقق الأصفهاني من: انه ان أراد عدم جريان قاعدة الفراغ في الفرض فهو وجيه، لأن موردها الشك في صحة الموجود لا في الموجود. و ان أراد عدم جريان قاعدة التجاوز في نفس الموالاة فهو وجيه أيضا، لعدم استقلالها في الوجود، إلّا انه يمكن جريان القاعدة في نفس الجزء للشك في وجوده (انتهى). فانه لا مجال حينئذ إلى مثل هذا كما لا يخفى.

الجهة الثامنة: فيما يعتبر في قاعدة التجاوز

. و الكلام في موضعين:

الأول: في اعتبار التجاوز عن المحل و تعيينه.

لا إشكال في اعتبار التجاوز عن المحل في جريان قاعدة التجاوز، فانه من مقومات موضوعها، لما عرفت من ان التجاوز عن نفس المشكوك مع فرض الشك غير متصور إنما الإشكال في تعيين المحل الّذي لا بد من تحقق التجاوز عنه، فهل هو خصوص المحل الشرعي الّذي قرره الشارع، أو هو أعم منه و من غيره من العقلي و العادي؟- فان المحل ..

تارة: يكون مقررا من قبل الشارع، كمحل اجزاء الصلاة، فان الترتيب الخاصّ بينها من مقررات الشارع.

و أخرى: يكون مقررا من قبل العقل بمقتضى الوضع أو غيره و ليس مقررا من قبل الشارع، نظير تقدم: «اللّه» على «أكبر» في التكبيرة، أو تقدم حروف الكلمة بعضها على بعض، فان ذلك ليس من مجعولات الشارع بحيث يكون العكس إتيانا بالمأمور به من غير ترتيب، بل من مقررات العقل، فلو عكس لم يتحقق المأمور به بالمرة بنظر العقل.

160

و ثالثة: يكون بمقتضى العادة و الالتزام العادة و الالتزام النوعيّ أو الشخصي، كما لو كان من عادة شخص الصلاة في أول الوقت أو الموالاة في الغسل أو نظير ذلك-.

أما التجاوز عن المحل الشرعي فمما لا كلام فيه أصلا.

و انما الكلام في التجاوز عن المحل العقلي أو العادي، فهل تجري قاعدة التجاوز مع حصوله أو لا.

أما التجاوز عن المحل العقلي، فالتحقيق كفايته في جريان القاعدة لإطلاق الأدلة، إذ لم يقيد التجاوز فيها بالمحل المقرر شرعا بل أخذ مطلقا، و يصدق على الدخول في الغير مطلقا تجاوز عن محل الشي‏ء، و لو كان الترتيب غير شرعي، فيكون مشمولا للأدلة.

هذا مع انه يمكن ان يقال: ان المحل العقلي معتبر شرعا، فيكون محلا شرعيا، و ذلك لأن الأمر يتعلق بالكلمة بكيفيتها الخاصة لا بذات الحروف كيف ما تحققت.

و بعبارة أخرى: ان الأمر متعلق بالكلمة الخاصة، و هي عبارة عن الحروف بالكيفية الخاصة، فالترتيب بين حروف الكلمة ملحوظ في متعلق الأمر، فيكون شرعيا.

هذا مع ما تقدم من عدم جريان قاعدة التجاوز في مثل الكلمة و التكبيرة مع الشك في جزئها مع قطع النّظر عن كون المحل عقليا أو شرعيا. و على هذا فالبحث المزبور يخلو عن الفائدة، فالتفت.

و أما التجاوز عن المحل العادي، فقد بنى الشيخ (رحمه الله) على التأمل في كفايته في جريان القاعدة، لإطلاق الأدلة و عموم التعليل في قوله: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»، فانه ظاهر في تقديم الظاهر على الأصل، فالمدار على الظهور النوعيّ و لو كان من العادة، و لأنه يلزم من جريانها تأسيس فقه جديد و مخالفة إطلاقات كثيرة (1).

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 411- الطبعة القديمة.

161

و لكن الإنصاف ان ما ذكره من شمول إطلاق الأدلة للفرض و عموم التعليل له غير ثابت، و ذلك لأن الظاهر من الأدلة ان الشي‏ء المتجاوز عنه مما له محل بالنظر إلى ذاته و بقول مطلق، بحيث لا يختلف فيه مكلّف عن آخر.

و هذا غير متحقق بالنسبة إلى ما له محل عادي، فان كون محل الشي‏ء هو هذا ليس بلحاظ ذاته بل بالإضافة إلى الشخص أو النوع، فمثل هذا لا يكون مشمولا للأدلة من رأس.

و نظير هذا ما يقال من عدم شمول ما دل على حرمة الصلاة في اجزاء محرم الأكل لما كان محرما بالعرض بالنسبة إلى مكلف خاص- كما لو كان لحم الغنم مضرا له فيحرم أكله عليه-، باعتبار ظهور الدليل في إرادة محرم الأكل بقول مطلق و بالنظر إلى ذاته.

و أما التعليل، فهو لا يقتضي التعميم، لأن ظاهره انه مقام تقديم خصوص ظهور حال المسلم في انه في مقام أداء الوظيفة الشرعية لا يترك ما هو جزء أو شرط على الأصل لا مطلق ظهور حاله، فلا يشمل تقديم ظهور حاله في عدم ترك ما اعتاده النوع أو بشخصه بلحاظ الاعتياد النوعيّ أو الشخصي كما ذكره (قدس سره)، لعدم دخله في مقام أداء الوظيفة الشرعية، لعدم ارتباطه بها، كما لا يخفى.

الثاني: في اعتبار الدخول في الغير و تعيينه.

لا إشكال في اعتبار الدخول في الغير في جريان قاعدة التجاوز، لأخذه في الرواية في موضوع القاعدة. و إنما الإشكال في أن الغير الّذي لا بد من الدخول فيه هل هو مطلق الغير و لو لم يكن مترتبا شرعا على المشكوك كما هو مقتضى إطلاق الغير في النصوص، كمقدمات الأفعال، نظير الهوي إلى السجود بالنسبة إلى الركوع؟

أو خصوص الغير المترتب شرعا، كالسجود بالنسبة إلى الركوع، فلا يدخل ما كان من قبيل المقدمات؟. فان كان المراد هو مطلق الغير، كان قيد الدخول في الغير المأخوذ في الرواية قيدا توضيحيا للتجاوز و الخروج عن الشي‏ء، لأن التجاوز لا

162

يتحقق إلّا بالدخول في الغير، و لا يكون قيدا احترازيا.

و من هنا لا يتضح المراد من ما ذكره الشيخ في الموضع الثالث من أن الدخول في غير المشكوك تارة: يكون محققا للتجاوز. و أخرى: لا يكون، بل يكون التجاوز حاصلا بدونه، لأن التجاوز مطلقا لا يتحقق إلا بالدخول في الغير (1).

و قد ذهب المحقق العراقي (قدس سره) إلى: ان مقتضى الإطلاقات الدالة على اعتبار التجاوز عن المحل هو اعتبار الدخول في الغير المترتب شرعا، لعدم تحقق التجاوز عن المحل بدونه، و ان أخذه في لسان النصوص لأجل كونه محققا للتجاوز عن المحل لا لخصوصية فيه‏ (2).

أقول: ان التجاوز عن المحل لا يتحقق إلا بالاشتغال بما يكون بينه و بين المتجاوز عنه طولية و ترتب، فالاشتغال بالذكر في أثناء القيام لا يعد تجاوزا عن محل القراءة لعدم الترتب و الطولية بينهما، بخلاف ما إذا دخل في الركوع.

و بما ان الركوع عن قيام لا يمكن بدون الهوي إليه عقلا فاعتبار القراءة عن قيام و اعتبار الركوع بعدها مستلزم لترتب الهوي إلى الركوع على القراءة، و تأخره عنها إما بحكم الشرع بدعوى ان اعتبار ذي المقدمة- و هو الركوع- مستلزم لاعتبار مقدمته. و اما بحكم العقل بلحاظ توقف الركوع على الهوي، فإذا فرض تأخر الركوع عن القراءة كان الهوي إليه متأخرا عنها أيضا. و عليه فالدخول في الهوي مستلزم للتجاوز عن محل القراءة و هو القيام غاية الأمر التجاوز عن محله العقلي لا الشرعي، لعدم أخذ الهوي متعلقا للأمر.

و عليه، فلا بد من البحث في ان المحل الّذي يعتبر التجاوز عنه هو المحل الشرعي، كالدخول في الركوع بالنسبة إلى القراءة، أو ما يعم المحل العقلي كالدخول‏

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 411- الطبعة القديمة.

(2) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 54- طبعة المؤسسة النشر الإسلامي.

163

في الهوي بالنسبة إليها.

و أما الالتزام باعتبار الدخول في الغير المترتب شرعا لأجل تقوم التجاوز به فهو، مصادرة و أول الدعوى، إذ عرفت ان التجاوز عن المحل يتحقق بالدخول في مثل الهوي. نعم، التجاوز عن المحل الشرعي لا يكون إلّا بالدخول في الغير المترتب شرعا، فينبغي إيقاع الكلام في هذه الجهة كما عرفت.

هذا مضافا إلى ما أشار إليه المحقق الأصفهاني من: ان عنوان التجاوز عن المحل لم يؤخذ في لسان النصوص، بل المأخوذ التجاوز عن الشي‏ء المشكوك، و المراد به التجاوز بالعناية و المسامحة، لأن التجاوز الحقيقي لا يصدق إلا إذا فرض وجود الشي‏ء. و من الواضح صدق التجاوز عن القراءة مسامحة إذا دخل في الهوي، و لا يعتبر فيه الدخول في المترتب شرعا.

إذن، فالمطلقات لا تقتضي اعتبار الدخول في الغير المترتب شرعا، بل يكفى مطلق المترتب، و يقع الكلام بعد ذلك في وجود ما يقيد هذه العمومات أو المطلقات ظاهره اعتبار الدخول في المترتب شرعا.

و قد ذهب الشيخ (رحمه الله) إلى ذلك و أفاده في بيانه: ان الظاهر من صحيحة إسماعيل بن جابر- المتقدمة- هو ذلك، و ذلك لظهور انه (عليه السلام) ذكر الأمثلة المذكورة في الصدر توطئة و تحديدا للقاعدة الكلية المذكورة في الذيل، فمقتضاه ان الغير الّذي لا بد من الدخول فيه في جريان القاعدة ما كان من قبيل السجود بالنسبة إلى الركوع و القيام بالنسبة إلى السجود، و ان ما كان من قبيل الهوي و النهوض لا يعد غيرا، يكون الدخول فيه محققا لموضوع القاعدة، و إلّا لقبح ذكر السجود و القيام في مقام التحديد و التوطئة. «انتهى» (1).

و قد نفاه المحقق الأصفهاني (قدس سره): بان الظاهر ان الأمثلة المذكورة في‏

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 411- الطبعة القديمة.

164

الصدر من باب التمثيل لا التحديد، و إلّا للزم الأخذ بجميع خصوصيات الصدر فيقتصر فيها على مورده و هو الشك في الركوع بعد الدخول في السجود و الشك في السجود بعد الدخول في القيام.

و القول بالتفكيك بين موضوع الشك و الغير، بحمل ذكر الأول على التمثيل و ذكر الثاني على التحديد تحكم بحت. و عدم تعرض الإمام (عليه السلام) للانتصاب و الهوي ليس من جهة عدم اعتبار الدخول فيهما، بل لأجل ان الغفلة الموجبة للشك لا تحصل- عادة- في حالهما لقربهما من الفعل المشكوك‏ (1).

و لكن ما ذكره لا يمكن الالتزام به، لظهور ان ذكر الخصوصيات في رواية إسماعيل انما هو في مقام تحديد الغير.

و اما ما ذكره من استلزام ذلك للالتزام بجميع خصوصيات الصدر المستلزم للاقتصار على خصوص مورد الرواية ..

فهو ممنوع، للعلم بأن خصوصية الركوع و السجود لم تؤخذ في موضوع الشك، و إلا لكان تعقيب الصدر بالقاعدة الكلية لغوا محضا- كما لا يخفى- فبالجملة: ان الصدر ظاهر في كونه في مقام التحديد و التوطئة للقاعدة الكلية، و هو يشتمل على جهتين:

موضوع الشك.

و الغير الّذي لا بد من الدخول فيه.

و مقتضى القواعد الأولية هو الأخذ بكلتا الجهتين بخصوصياتهما، إلّا انه حيث كان هناك مانع من الأخذ بخصوصيات الجهة الأولى لاستلزامه لغوية ذكر القاعدة الكلية اقتصر على الأخذ بخصوصيات الجهة الثانية حيث لا مانع منه.

فالتفكيك في الصدر بالقول بأنه تحديد من جهة و تمثيل من جهة مما لا بد منه‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 309- الطبعة الأولى.

165

فتدبر.

إلحاق‏

: أفتى صاحب المدارك (قدس سره) بعدم الاعتناء بالشك في الركوع لو كان في حال الهوي إلى السجود، و بالاعتناء بالشك في السجود في حال نهوضه إلى القيام‏ (1).

و قد أشكل عليه صاحب الحدائق (رحمه الله)، بان هذه الفتوى أشبه بالفتوى بالمتناقضين‏ (2).

و قد أورد على صاحب الحدائق: بان هذا الكلام مما لا يصلح صدوره من الفقيه، لأن قاعدة التجاوز ليست من القواعد العقلية التي لا تقبل التخصيص و التقييد، بل هي من القواعد التعبدية التي يقتصر فيها على مورد الدليل، فكما لا تجري القاعدة بالنسبة إلى اجزاء الوضوء لورود النص، فكذلك يمكن ان لا تجري في مورد الشك في السجود في حال النهوض لورود النص أيضا (3).

و لكنه يمكن الاعتذار عنه، بان نظره إلى ان قاعدة التجاوز من القواعد العامة، فاما أن يكون دليلها شاملا لمورد الشك في الشي‏ء بعد الدخول في مقدمة الفعل الآخر فيكون عاما لجميع الموارد. و اما ان لا يكون شاملا فيكون عالما لجميع الموارد أيضا. فالتفكيك بين الموارد غير ظاهر.

و على كل، فالظاهر استناد صاحب المدارك في فتواه إلى روايتي عبد الرحمن الواردتين في كلا الموردين المتضمنتين لمضمون الفتوى ..

أما الأولى فهي: «قلت لأبي عبد اللّه: رجل أهوى إلى السجود فلم يدر أ ركع أم لم يركع؟. قال (عليه السلام): قد ركع» (4).

____________

(1) العاملي الفقيه السيد محمد. مدارك الأحكام 4- 249- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) البحراني الفقيه الشيخ يوسف. الحدائق الناظرة 9- 177- الطبعة القديمة.

(3) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 302- الطبعة الأولى.

(4) وسائل الشيعة 4- 937 باب: 13 من أبواب الركوع، الحديث: 6.

166

و أما الثانية، فهي: «قلت لأبي عبد اللّه رجل رفع رأسه عن السجود فشك قبل أن يستوي جالسا فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟. قال (عليه السلام): يسجد قال: فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أ سجد أم لم يسجد؟. قال (عليه السلام): يسجد» (1).

و هاتان الروايتان غير متباينتين منطوقا لاختلاف موردهما.

و انما الكلام في نسبتهما مع رواية إسماعيل بن جابر .. فمن يذهب إلى اعتبار الدخول في مطلق الغير بمقتضى الإطلاق- كالمحقق الأصفهاني- كان في سعة، لأن غاية ما يترتب على قوله هو خروج الدخول في النهوض عن الاعتبار بمقتضى الرواية الثانية بالتقييد، لأن المستفاد من رواية إسماعيل قاعدة كلية يقيد إطلاقها في هذا المورد.

و لا محذور فيه و لا التواء. هذا مع ان التأمل في الرواية الثانية يقرب حملها على قاعدة الفراغ، و ذلك لأنه في سؤاله الأول فرض رفع رأسه عن السجود ثم تحقق الشك، و هو ظاهر في وقوع السجود منه، فشكه في السجود و عدمه لا بد ان يرجع إلى الشك في انه سجد واحدة أو اثنتين، و لكنه لا يتلاءم مع تقييد الشك بما قبل الاستواء جالسا، إذ لا يختلف الحال في ذلك بين كونه قبل الجلوس أو بعده. مع ان ظاهر النص كون المشكوك فيه نفس ما رفع رأسه عنه.

و عليه، فاما ان تحمل الرواية على إرادة رفع رأسه عن السجود متخيلا ذلك ثم شك فيه، أو تحمل على إرادة الشك في صحة سجوده الواقع، و يمكن ان ينفى السجود بانتفاء بعض خصوصياته المعتبرة فيه- فالشك فيها يصحح قوله: «أ سجد أم لم يسجد»- كما ورد في بعض النصوص انه لا سجود لمن لم يصب أنفه بما يصيب جبينه، و هو مستعمل عرفا و ليس ببعيد، و في مثله يحتمل الفرق بين الجلوس و ما

____________

(1) وسائل الشيعة 4- 972 باب: 15 من أبواب السجود، الحديث: 6.

167

قبله باعتبار ان الجلوس حالة أخرى و السائل يشك في ان النهوض للجلوس هل هو حالة أخرى أو لا؟. و قد ورد في بعض روايات قاعدة الفراغ اعتبار الدخول في حالة أخرى و حمل النص على هذا الاحتمال اقرب عرفا [1]، فيكون أجنبيا عن قاعدة التجاوز فتدبر. و مثله سؤاله الآخر، لوحدة السياق و اتحاد التعبير في السؤالين.

و أما من يرى دلالة الرواية على اعتبار الدخول في خصوص الغير المترتب شرعا، فالتنافي بين هذه الرواية- أعني: رواية إسماعيل- و الرواية الأولى عنده حاصل، لأن رواية إسماعيل بصدرها تقتضي- بمقتضى ورودها للتحديد- إلغاء الدخول في الهوي عن الاعتبار، و هذه الرواية- أعني: رواية عبد الرحمن- تدل على اعتباره، فالتنافي ظاهرا حاصل بينهما. أما الرواية الثانية فهي واردة على مقتضى القاعدة المستفادة من رواية إسماعيل. فلا بد من علاج هذا التنافي و حلّه.

و قد قرب المحقق النائيني عدم التنافي و العلاج بما بيانه: ان السجود تارة: نقول بأنه من الأفعال. و أخرى: نقول بأنه من الهيئات.

فعلى الأول: لا بد من القول باعتبار آخر مرتبة الهوي المتصل بالهيئة الساجدية أو تمام الهوي بعد الركوع في حقيقة السجود، فإذا تحقق أول جزء منه فقد تحقق السجود.

و على هذا لا تكون هناك منافاة بين الروايتين، لأنه على الاعتبار الثاني- أعني: اعتبار تمام الهوي في حقيقة السجود- تكون رواية عبد الرحمن موضوعها الشك في الركوع بعد السجود، لأن المفروض انه دخل في السجود بمجرد تحقق الهوي منه، و هذا الموضوع هو بنفسه موضوع رواية إسماعيل.

____________

[1] لم يظهر وجه الأقربية، بل الأقرب هو الأول، فيكون المورد من موارد قاعدة التجاوز قبل الدخول في الغير المترتب و هو الجلوس بعد السجود. فلاحظ (منه عفي عنه).

168

و على الاعتبار الأول- أعني: اعتبار آخر مراتب الهوي في حقيقة السجود- تحمل رواية عبد الرحمن على هذه المرتبة بقرينة رواية إسماعيل الواردة في مقام التحديد، فيتحد موردهما، فلا منافاة بينهما بل بينهما تمام الوفاق.

و على الثاني: فيخرج الهوي عن حقيقة السجود، فيحصل التعارض بين الروايتين، إلّا انه يمكن علاجه بالالتزام بتقييد رواية إسماعيل لرواية عبد الرحمن، و ذلك لأن دلالة رواية عبد الرحمن على كفاية مطلق الدخول في الهوي انما كانت بالإطلاق، فيمكن تقييده و حمله على خصوص الهوي المنتهى إلى السجود بواسطة رواية إسماعيل الدالة على اعتبار الدخول في السجود (1).

و لكن [1] ما أفاده في بيان تقييد رواية عبد الرحمن عجيب منه، و ذلك لما تقرر من ان التقييد إنما يقتضي تخصيص موضوع الحكم بالطبيعة الملازمة للقيد.

و بعبارة أوضح انه عبارة عن تقييد موضوع الحكم في الدليل المطلق، و هو الطبيعة السارية بحصة خاصة منه مع المحافظة على موضوعية الطبيعة للحكم، فأحد الدليلين انما يكون مقيدا للآخر فيما كان مفاده أن موضوع الحكم ليس هو الطبيعة على الإطلاق بل الطبيعة المتقررة في الفرد الخاصّ منها.

أما إذا كان مفاد أحد الدليلين أن موضوع الحكم هو الحصة الخاصة لا الطبيعة المتحصصة، فلا يكون هذا مقيدا للدليل الآخر الدال على ان موضوع الحكم‏

____________

[1] يمكن ان يناقش أيضا: ان دلالة رواية إسماعيل على الاعتناء بالشك قبل السجود إنما هي بالمفهوم- على ما يأتي- و من الواضح ان المفهوم بالنسبة إلى رواية عبد الرحمن مطلق لشموله لحالتي القيام و الهوي، و اختصاص رواية عبد الرحمن بحالة الهوي و مقتضى القواعد الصناعية تقييد المفهوم برواية عبد الرحمن و الالتزام بتعدد الشرط في إلغاء الشك في الركوع.

و يحتمل ان إلغاء الشك حال الهوي يستلزم إلغاء خصوصية الشك حال السجود، لأنه متأخر عن الهوي، فيتحقق التعارض بين النصين، فلاحظ. (منه عفي عنه).

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 474- الطبعة الأولى.

169

هو الطبيعة السارية، بل يكون متعارضا معه و منافيا له.

فحمل المطلق على المقيد انما يصلح لو كان لسان المقيد بالنحو الأول لا الثاني. فمثلا لو ورد: «أكرم العالم» ثم ورد: «أكرم العادل»، فتارة: يستفاد من الدليل الثاني تقييد موضوع الحكم و هو العالم بالعادل. و أخرى: يستفاد منه ان موضوع الحكم هو العادل بلا دخل للعلم فيه.

فعلى الأول: يحمل المطلق عليه. و على الثاني: لا يحمل لتنافيهما في مقام الدلالة- كما لا يخفى- و ما نحن فيه من قبيل الثاني، و ذلك لأن مفاد رواية عبد الرحمن على ما ذكره الاعتبار بالشك الحادث حال الهوي مطلقا سواء تعقبه السجود أو لم يتعقبه.

و مفاد رواية إسماعيل الاعتبار بالشك الحادث في خصوص السجود، فقد أخذ حدوثه في حال السجود موضوعا للحكم فيها. و أما بقاؤه إلى حال السجود مع كون حدوثه حال الهوي فهو غير معتبر في هذه الرواية.

و بالجملة: ليس مفاد رواية إسماعيل على اعتبار الشك الحاصل في السجود و لو بقاء كي يقيد به إطلاق رواية عبد الرحمن لعدم المنافاة بينهما حينئذ، بل مفادها ان موضوع الاعتبار هو الشك الحادث في السجود دون الحادث في حال الهوي، فهما متنافيان مفادا، و لا وجه لحمل إحداهما على الأخرى، إذ مقتضى كونها مقيدا للإطلاق كون مفادها هو عدم الاعتناء بالشك الحاصل حال الهوي المتعقب بالسجود، و هو أجنبي عن مفادها بالمرة كما هو واضح جدا.

كما أن أعجب منه إيراد السيد الخوئي عليه: بان التنافي بين المنطوقين غير حاصل، و إنما هو بين مفهوم رواية إسماعيل و منطوق رواية عبد الرحمن، و لا مفهوم لرواية إسماعيل إلّا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع لأخذ الشك في مدخول الشرط،

170

فلا تصلح للتقييد حينئذ (1).

و وجه العجب: ان الاستدلال برواية إسماعيل على نفي اعتبار الدخول في الهوي لم يكن باعتبار مفهوم الشرط كي يقال بأنه هنا سالبة بانتفاء الموضوع كمفهوم آية النبأ. بل كان باعتبار مفهوم التحديد الّذي قيل عنه بأنه أقوى المفاهيم و ان لم يذكر في كتب الأصول، و هو تام هاهنا كما لا يخفى. فالإيراد بما ذكر خروج عن الفرض.

مع انه يمكن الالتزام بمفهوم الشرط هاهنا و عدم كون الشرط لبيان تحقق الموضوع، كي يكون المفهوم بنحو السالبة بانتفاء الموضوع. بتقريب ان موضوع الكلام في الحديث هو الشاك و المقام مقام بيان حكمه، فقوله (عليه السلام): «ان شك في الركوع بعد ما سجد» تفصيل في الشاك، فالموضوع المقسم هو الشاك في الركوع، فيكون المفهوم انه ان شك قبل ما سجد يعتني بشكه، و ليس الموضوع هو الشاك في الركوع بعد السجود، فانتبه.

هذا، مع ان الشرط المسوق لبيان تحقق الموضوع إذا كان مقيدا بما لا يكون دخيلا في الموضوع عقلا- كما فيما نحن فيه و آية النبأ- قد يلتزم بثبوت المفهوم فيه إذا انتفى ذلك القيد، و ان ناقشناه في محله، فراجع مبحث الاستدلال على حجية خبر الواحد بمفهوم آية النبأ، و قد تقدم ان من جملة القائلين بالمفهوم السيد الخوئي.

ثم أنه (حفظه اللّه) أجاب عن الصحيحة بقصورها عن إثبات المدعى بنفسها.

بتقريب: انه قد عبر فيها بلفظ: «أهوى» بصورة الماضي، و هو يدل على تحقق الهوي و مضيه، فيكون موردها هو الشك بعد الوصول إلى السجود، و لا دلالة فيها على عدم الاعتناء بالشك في الركوع حال الهوي.

نعم، لو عبر بلفظ المضارع لدلت على المدعى، و استشهد لما ذكر بمراجعة

____________

(1) الواعظ الحسيني. محمد سرور. مصباح الأصول 3- 303- الطبعة الأولى.

171

الاستعمالات العرفية و ان قولنا: «زيد يصلي» يختلف مفادا عن: «زيد صلى»، فالأوّل يدل على اشتغاله في الصلاة و الثاني يدل على انتهائه منها و تحققها منه.

و هذا التقريب منه غير تام، فان لفظ: «أهوى» و ان دل على تحقق الهوي و مضيه، إلا انه لا ينافي إرادة الشك حال الهوي، نظير قوله (عليه السلام) في بعض النصوص: «بعد ما سجد» و شبهه، فانه لا إشكال في إرادة الشك حال السجود منه مع دلالة اللفظ على تحققه بعد تحقق السجود.

نعم، ما ذكره في مثل: «صلى» و «يصلي» تام، و نكتة الفرق: ان اللفظ تارة يكون موضوعا لمجموع اجزاء العمل بحيث لا يصدق على كل جزء بخصوصه.

و أخرى يكون موضوعا للمجموع و لكن يصدق على كل جزء من أجزائه. فالأوّل نظير لفظ: «الصلاة»، فانها موضوعة لمجموع الاجزاء و لا يصدق على كل جزء لفظ: «الصلاة»، و لا تصدق الصلاة قبل الإتيان بالمجموع. و الثاني نظير لفظ السجود، فانه يصدق على كل جزء من هذه الهيئة الخاصة سجود، و يصدق السجود بتحقق أول جزء منه.

فما كان من قبيل الأول لا يصح التعبير به بلفظ الماضي بعد تحقق مجموع الاجزاء، و لذلك كان التعبير بلفظ: «صلى»، دالا على تحقق الصلاة منه و مضيها، و التعبير بلفظ: «يصلي» دالا على الاشتغال بها.

أما ما كان من قبيل الثاني، فيصح التعبير به بلفظ الماضي بعد الإتيان بأول جزء منه و لو لم ينته منه، فيقال: «زيد سجد» إذا تحقق منه السجود و لو كان حين الاخبار عنه مشغولا بعد بالسجود. و من قبيل: «السجود» لفظ: «الهوي» فانه لم يوضع لمجموع اجزاء العمل الخاصّ بل يصدق على كل جزء منه لفظ الهوي، فلا مانع من التعبير بلفظ: «أهوى» الدال على تحقق الهوي و مضيه مع إرادة حال الهوي، و لا منافاة بين الأمرين و يشهد له التعبيرات الكثيرة الواردة في لسان‏

172

النصوص، فراجع.

و عليه، فلا ظهور في الرواية في كون موردها هو الشك في الركوع بعد الوصول إلى السجود.

فالأولى في الجمع بين الروايتين أن يقال: أن رواية عبد الرحمن تدل على إلغاء الشك الحاصل بعد تحقق الهوي، و هذا مطلق يحتمل فردين:

الأول: الشك حال الهوي.

الثاني: الشك بعد الانتهاء منه و الوصول إلى السجود.

فان كلا منهما يصدق عليه شك بعد الهوي. و رواية إسماعيل تدل على إلغاء خصوص الفرد الثاني من الشك دون الأول، فيقيد بها إطلاق رواية عبد الرحمن. و لا يرد على هذا الحمل الإشكال المزبور الّذي ذكرنا وروده على ما ذكره المحقق النائيني، لأن المطلق لم يؤخذ هاهنا هو الشك حال الهوي، كي يقال بان رواية إسماعيل منافية مفادا لتلك الرواية، لأن مفادها كون موضوع الحكم هو الشك الحادث حال السجود فقط، فالطبيعة السارية غير مأخوذة في موضوع الدليل المقيد، بل أخذ هاهنا الشك بعد الهوي، و هو مأخوذ في موضوع رواية إسماعيل، لأن موضوعها هو الشك الحادث حال السجود، و هو شك بعد الهوي كما لا يخفى.

هذا، مع ان التحقيق عدم تصور تحقق التجاوز عن الركوع بالهوي إلى السجود، لأن الهوي إذا لم يكن قد وصل إلى حد الركوع و شك في الركوع لم يكن متجاوزا عن محل الركوع لتمكنه من الركوع فعلا بلا أي شي‏ء، بل هذا الهوي من مقدمات الركوع. و ان كان الهوي متجاوزا حد الركوع، فهو ليس بنفسه مما يترتب على الركوع بل المترتب هو مجموع الهوي بين القيام و السجود. إذن فلا يتصور تحقق التجاوز عن الركوع بتحقق الهوي، لأنه بكلا حدّيه غير محقق للتجاوز، لأنه ليس من الدخول في الغير المترتب و لو بالترتب غير الشرعي.

173

و عليه، فاما ان تحمل الرواية على بيان حكم تعبدي بإلغاء الشك في الركوع إذا وجد الإنسان نفسه مشغولا بالهوي إلى السجود و لو لم يكن من مصاديق قاعدة التجاوز. و اما ان تحمل على تحقق الشك بعد السجود لا قبله و يكون المراد بقوله:

«أهوى إلى السجود» هو الكناية عن سجوده. و الاحتمال الأول بعيد جدا بل يقطع بخلافه فيتعين الثاني [1].

____________

[1] ثم انه يقع الكلام في موردين:

المورد الأول: في جريان قاعدة التجاوز مع الدخول في جزء مستحب كالشك في القراءة بعد الدخول في القنوت.

و تحقيق الكلام: انه إما ان نلتزم بان القنوت جزء مستحب بالتصوير المتقدم في أواخر مبحث الصحيح و الأعم، و اما ان لا نلتزم بذلك، و نقول باستحالته كما ذهب إليه بعض و نلتزم بأنه مستحب في واجب.

فعلى الأول: تجري قاعدة التجاوز في القراءة.

و على الثاني لا تجري. و ذلك لأن التجاوز عن المحل المعتبر في قاعدة التجاوز لا يتحقق إلا إذا فرض أخذ المشكوك سابقا على المدخول فيه بان اعتبر سابقيته عليه كما اعتبر تأخر المدخول فيه عنه.

و إلا فمجرد الدخول في الغير المترتب المعتبر تأخره عن المشكوك لا يوجب صدق التجاوز عن محل المشكوك، لعدم أخذ المشكوك سابقا عليه، فلم يفت محله، و لا يصدق التجاوز عنه.

و لذا بيّنا ان قاعدة التجاوز لا تجري في صلاة الظهر مع الشك فيها بعد الدخول في صلاة العصر، لعدم اعتبار سابقيتها على صلاة العصر فيها و ان اعتبر ذلك في صلاة العصر، نعم، بمقدار شرطيتها لصلاة العصر تجري فيها قاعدة التجاوز.

و على هذا فإذا كان القنوت جزء للواجب بحيث يشمله الأمر المؤكد على ما قربناه، كان يعتبر في القراءة المتعلقة لهذا الأمر ان تكون سابقة على القنوت، فإذا دخل في القنوت تحقق التجاوز عن القراءة فمع الشك فيها تجري القاعدة.

و أما إذا لم يكن القنوت جزء، بل كان مستحبا ظرفه الصلاة. فهو و ان اعتبر فيه ان يكون‏

174

...........

____________

- مسبوقا بالقراءة. لكن لم يؤخذ في القراءة ان تكون سابقة على القنوت و لذا لو تركه لا يلزم إخلال في القراءة. و مقتضاه ان الدخول في القنوت لا يحقق التجاوز عن القراءة لعدم فوات محلها، فلا تجري قاعدة التجاوز فيها مع الشك إلا بمقدار تصحيح القنوت بها، لأنها بهذا المقدار مما تحقق التجاوز عنه، كما في مثل صلاة الظهر و صلاة العصر. فتدبر.

المورد الثاني: في جريان قاعدة التجاوز في مثل السجدة إذا شك فيها و هو في القيام للثالثة مع علمه بنسيان التشهد.

و الحق عدم الجريان و وجهه: ان المعتبر في التجاوز الدخول في ذات الغير المترتب- كما عرفت-. و من الواضح ان القيام المترتب على السجود هو القيام المسبوق بالتشهد لا مطلق القيام. فمع العلم بعدم تحقق التشهد يعلم بان هذا القيام ليس هو القيام المترتب بذاته على السجود، فلا يتحقق به التجاوز عن محل السجدة.

و هذا الوجه هو العمدة. لا ما ورد في بعض الكلمات من لغوية القيام شرعا في تنزيله منزلة العدم، أو انه بالعود إلى التشهد يكون الشك شكا في المحل. فتدبر. هذا حكم ما لو علم بترك التشهد.

أما لو شك فيه أيضا بان شك في الإتيان بالسجدة و التشهد فله صورتان:

إحداهما: ان يشك فيهما بنحو التلازم و بشك واحد، بان كان يدور أمره بين الإتيان بهما معا و تركهما معا.

و الأخرى: ان يشك في كل منهما بشك مستقل بلا تلازم بينهما.

أما الصورة الأولى: فالحكم فيها انه لا تجري فيها قاعدة التجاوز لا في السجدة و لا في التشهد.

أما في السجدة، فلأنه مع الشك في تحقق التشهد لا يعلم ان القيام الّذي هو فيه المترتب على السجود أو غيره، كما أشرنا إليه، فلا يجوز تحقق التجاوز، فيكون من موارد الشبهة المصداقية لعموم القاعدة.

و أما في التشهد، فلعدم إحراز تجاوز المحل بالنسبة إليه و ذلك لأن المعتبر في التشهد ان يكون بعد السجود و قبل القيام، فمحله ما بين السجدة و القيام، فمع الشك في تحقق السجدة لا يحرز تجاوز محل التشهد عند الدخول في القيام، لأن تجاوز محله يتوقف على تحقق السجدة، و المفروض‏

175

تذنيب: [1] في الشك في الجزء الأخير من العمل‏

، و هو يتصور على وجوه:

____________

- تحقق الشك فيها.

و من هنا يظهر الحال في الصورة الثانية و انه لا مجال لجريان قاعدة التجاوز في السجدة و لا في التشهد.

[1] تحقيق الكلام في جريان قاعدة التجاوز عند الشك في الجزء الأخير: ان الاحتمالات أو الأقوال فيها أربعة:

عدم الجريان مطلقا سواء دخل في امر مرتب شرعا كالتعقيب، أو دخل في المنافي السهوي و العمدي كالاستدبار.

و الجريان مطلقا.

و التفصيل بالجريان في الأول دون الثاني.

و التفصيل بالعكس.

و هذا هو الأقوى. و بيانه: ان التجاوز عن المحل يعتبر فيه أخذ المتجاوز عنه سابقا على المدخول فيه و لا يكفي فيه مجرد أخذ المدخول فيه متأخرا عن المشكوك كما عرفت في القنوت و القراءة و صلاة الظهر و صلاة العصر. و بعبارة أخرى، يكون السبق مأخوذا في صحة السابق، و لا يكفي أخذه في صحة اللاحق.

و عليه، فمثل التعقيب و ان أخذ متأخرا عن التسليم، إلا أنه لم يؤخذ في التسليم ان يكون قبل التعقيب، بل يصح و لو لم يتعقبه تعقيب. فلو قدم التعقيب لم يبطل التسليم، بل يبطل التعقيب لفقدان شرطه. و عليه فلا يتحقق التجاوز عن التسليم بالدخول في التعقيب- كما ادعي لأجل انه دخول في الغير المترتب شرعا-، نظير الوضوء لو أخذ بنفسه شرطا للصلاة فانه قد عرفت ان قاعدة التجاوز انما تجري فيه بمقدار ما يصحح به الصلاة لا بإتيانه بقول مطلق و هكذا في مثل صلاة الظهر لو شك فيما بعد الدخول في العصر.

و من الغريب ان من يذهب في تلك الموارد إلى عدم إجراء قاعدة التجاوز إلّا بمقدار تصحيح المشروط بالمشكوك، يذهب في ما نحن فيه إلى جريان القاعدة لإثبات التسليم، مع انهما من واد واحد. فتدبر. فظهر بهذا البيان وجه عدم جريان القاعدة عند الشك في التسليم بعد الدخول في التعقيب.

176

...........

____________

- و أما جريانها عند الشك فيه بعد الدخول في المنافي السهوي و العمدي، فقد ينفي بان المنافي ليس أمرا مترتبا على التسليم كي يكون الدخول فيه محققا للتجاوز.

و لكن التحقيق: ان التسليم و ان لم يؤخذ سابقا على المنافي في لسان الأدلة. إلا انه من ملاحظة دليل مانعية المنافي إذا وقع أثناء الصلاة يستفاد اعتبار تعقب التسليم للتشهد بلا فصل بالمنافي، فيعتبر في التسليم ان يقع عقيب التشهد بلا ان يفصل المنافي بينهما. فمحل التسليم بعد التشهد بلا فصل، فإذا فرض تحقق المنافي في الأثناء لزم من ذلك فوات محل التسليم و تجاوزه، فالشك فيه و الحال هذه يكون من الشك بعد التجاوز، فيكون من موارد القاعدة.

هذا تحقيق الحال في هذه المسألة و قد ظهر مما ذكرناه وجوه الأقوال الأخرى و مناقشتها. هذا بالنسبة إلى قاعدة التجاوز.

و أما جريان قاعدة الفراغ عند الشك في الجزء الأخير فتحقيق الكلام فيه بإجمال: ان الشك في الجزء الأخير تارة: يكون مع عدم الدخول في الغير أصلا، بل هو بعد على هيئة المصلى و لكن يشك انه جاء بالجزء الأخير أو لم يجئ. و في مثله لا تجري قاعدة الفراغ لعدم العلم بتحقق المضي و الفراغ من العمل لاحتماله ان يكون سكوته من الآنات المتخللة بين أفعال الصلاة، لا الآن المتعقب للتسليم، فلا يحرز موضوع القاعدة. و أخرى: يكون مع الدخول في المنافي السهوي كالاستدبار. و محل الكلام ما إذا وجد نفسه في حالة غير صلاتية، بمعنى انه لم يكن ناويا للصلاة و شك في أن ذلك كان منه قبل التسليم سهوا أو انه كان منه بعده، و مثّل له بما إذا أفاق فرأى نفسه في السجود و شك في انه سجود الشكر بعد الصلاة أو انه سجود الركعة الأخيرة، فان حالته الفعلية حالة غير صلاتية، و قد اعتبر المحقق النائيني في جريان القاعدة بتحقق معظم الاجزاء.

و نوقش بان تحقق المعظم يلحظ في تحقق عنوان الصلاة في قبال عدمه لا في كون الشك بعد الفراغ في قبال كونه في الأثناء الّذي هو المقصود فيما نحن فيه.

و التحقيق: ان المراد من لفظ الفراغ ما يقابل الاشتغال بالعمل فان مفهومه يساوق ذلك فانه بمعنى الخلو، و من الواضح ان تحقق المنافي السهوي بالنحو الّذي فرضناه يحقق عدم الاشتغال بالعمل و الخلوّ عنه لعدم كونه ناويا للصلاة فعلا، فيصدق به الفراغ فيكون من موارد القاعدة.

و ليس المراد بالفراغ هو الإتمام و الانتهاء من العمل في قبال كونه في الأثناء، بل صدق الفراغ على‏

177

...........

____________

- الإتمام من باب استلزامه للخلو و عدم الشغل.

و لو سلم كون المراد منه هو إتمام العمل و الانتهاء منه، فلا يخفى ان المراد بالعمل ما يعم الصحيح و الناقص لا خصوص الصحيح التام، لأنه ينافي فرض الشك في الصحة. و من الواضح انه يصدق بتحقق المعظم، فإذا تحقق المعظم صدق الفراغ عن العمل و الانتهاء منه بعد الدخول في القاطع، فان الدخول في القاطع دخول في حالة مباينة للصلاة، و المفروض تحقق الصلاة بتحقق المعظم، فقد صدق الانتهاء من الصلاة- بالمعنى الأعم- و لعل هذه النكتة هي السبب في اعتبار المحقق النائيني تحقق المعظم في جريان القاعدة، فلا يتوجه عليه النقاش المزبور.

هذا مع انه ليس في روايات الباب ما ورد فيه التعبير بالفراغ الا رواية زرارة الواردة في الوضوء المتكفلة للتفصيل بين الشك في أثناء الوضوء و الشك بعده و هي واضحة الدلالة بملاحظة صدرها على كون المراد بالفراغ ما يقابل الاشتغال بالعمل و عدم الخلو منه. فلا فلاحظها.

هذا كله بالنسبة إلى عنوان الفراغ.

و أما لفظ المضي، فقد ذهب السيد الخوئي إلى انه بمعنى الفوات و عدم إمكان التدارك و لذا لم يلتزم بجريان القاعدة إذا كان الشك بعد الدخول في المنافي العمدي خاصة كالتكلم لاحتمال كونه سهويا فيمكن التدارك.

و لكن فيه: انه لا قرينة على هذا الظهور بل الظاهر انه بمعنى التحقق في الزمان الماضي و السابق، و عليه، فلا يختلف الحال فيه بين الدخول في المنافي السهوي أو العمدي، بعد تحقق معظم الاجزاء لصدق مضي الصلاة إذا وجد نفسه فعلا في حالة غير صلاتية. كما هو محل الكلام.

ثم لا يخفى انه بناء على ما ذكرناه من كون المراد بالفراغ ما يقابل الاشتغال بالعمل، لا يتحقق الفراغ إلا بالبناء على تمامية العمل، فيكون الفراغ المقصود هو الفراغ البنائي، لكن لا من باب استعمال لفظ الفراغ في الفراغ البنائي دون الحقيقي كي يقال انه لا دليل عليه بعد كونه خلاف الظاهر، بل الفراغ مستعمل في الفراغ الحقيقي، لكن الفراغ الحقيقي بالمعنى الّذي عرفته لا يتحقق إلا بعدم نية العمل و بنائه على تماميته، إذ ما دام ناويا للعمل يكون مشتغلا به.

نعم، الفراغ بمعنى الإتمام و الانتهاء في مقابل الأثناء يتحقق حقيقة و لو بدون بناء إذ العمل يتم‏

178

الأول: أن يكون الشك فيه مع عدم الاشتغال بشي‏ء أصلا و عدم تحقق السكوت الطويل الموجب لفوات محل التدارك، و لا إشكال في عدم كون مثل هذا الشك موردا لقاعدة التجاوز، لعدم تحقق التجاوز عن المحل و الدخول في الغير المعتبر في جريان القاعدة.

الثاني: ان يكون الشك بعد الاشتغال بأمر غير مرتب على الجزء الأخير و لكنه كان منافيا له بوجوده العمدي، كما لو شك في التسليم و هو مشغول في الكلام.

و قد بنى السيد الخوئي (حفظه اللّه)- في مصباح الأصول- على عدم جريان قاعدة التجاوز في مثل هذا الفرض، لعدم التجاوز في مثل هذا الفرض، لعدم التجاوز عن المحل و إمكان التدارك لكون المفروض انه ليس منافيا للجزء الأخير بوجوده المطلق بل بوجوده العمدي، فيمكن التدارك لاحتمال كون الكلام صدر عن سهو (1).

و فيه:

أولا: ان فوات محل التدارك ليس مقوما لتحقق التجاوز عن المحل و إلا للزم أن يخص جريانها في موارد الشك في الشي‏ء مع الدخول في الغير الركن، فلا تشمل مورد الشك في التكبيرة و هو في القراءة و الشك في السجود و هو في التشهد أو في القيام، و لا ملتزم بذلك، كيف؟ و هذه الموارد مورد النصوص.

و ثانيا: انه لم يؤخذ في لسان الرواية التجاوز عن المحل من مقومات قاعدة التجاوز كي يقال بأنه في مثل هذا الفرض لا تجري القاعدة لعدم التجاوز عن المحل، بل المقوم لجريان القاعدة هو صدق التجاوز عن الشي‏ء بالعناية، سواء تجاوز عن المحل أم لم يتجاوز، لأنه هو المأخوذ في لسان الرواية موضوعا للقاعدة.

____________

- و لو فرض انه بعد بانيا على عدم التمامية اشتباها و سهوا. و اما الاشتغال فلا حقيقة له الا نية العمل لأن الصلاة معنى قصدي يتقوم بالقصد فما دام ناويا للصلاة فهو بعد مشتغلا بها و لو كان اشتغاله سهويا، فلاحظ تعرف.

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 293- الطبعة الأولى.

179

و في مثل الفرض يصدق التجاوز بالعناية باعتبار أن الملتفت إلى العمل لا يترك الجزء الأخير و يأتي بالمنافي، فمع إتيانه بالمنافي يصدق لا محالة التجاوز عن التسليم بالعناية، فيتحقق موضوع القاعدة.

و هذا الوجه مأخوذ مما أفاده المحقق الأصفهاني في مقام تحقيق معنى الغير الّذي لا بد من الدخول فيه، و به جزم بان المراد به مطلق الغير مما لا يجتمع مع ترك المشكوك حال الالتفات‏ (1).

و مما ينبغي ان يعلم ان هذا الكلام في هذا الفرض مبني على اعتبار الدخول في مطلق الغير، و إلا فمع اعتبار الدخول في الغير المترتب شرعا بالخصوص لا إشكال في عدم جريان القاعدة حينئذ.

الثالث: ان يكون الشك فيه بعد الاشتغال بأمر مرتب عليه شرعا، و لكنه غير مانع من تداركه، كالشك في التسليم بعد الدخول في التعقيب.

و قد بنى المحقق النائيني (قدس سره) في هذا المثال بالخصوص على جريان قاعدة التجاوز لصدق الدخول في الغير، و استشهد على ذلك بإلغاء الشك في الأذان بعد الدخول في الإقامة الوارد في رواية زرارة السابقة. بتقريب: ان الحكم بعدم الاعتناء بالشك في الأذان بعد الدخول في الإقامة يشرف الفقيه على القطع بعدم الاعتناء بالشك في التسليم بعد الدخول في التعقيب، لاتحادهما في الخروج عن حقيقة الصلاة (2).

و أورد عليه السيد الخوئي (حفظه اللّه) بإيرادين:

الأول: انه لا ملازمة بين الموردين في جريان قاعدة التجاوز، لأنه منوط بالتجاوز عن المحل، و هو لا يصدق إلّا فيما كان محل المشكوك سابقا بحسب الجعل‏

____________

(1) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 309- الطبعة الأولى.

(2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 2- 234- الطبعة الأولى.

180

الشرعي على الغير الّذي صار الشك بعد الدخول فيه، و كان محل الغير مؤخرا عن المشكوك فيه.

و هذا المعنى موجود في الأذان و الإقامة دون التسليم و التعقيب فان الأذان قد أخذ محله شرعا سابقا على الإقامة أخذ محلها متأخرا عن الأذان و لو بلحاظ أفضل افرادها.

و التعقيب و ان أخذ مؤخرا عن التسليم، لكن التسليم لم يؤخذ شرعا سابقا على التعقيب، إذ لا يشترط في التسليم وقوعه قبل التعقيب كما لا يخفى، فالتجاوز عن المحل صادق عند الشك في الأذان حال الاشتغال بالإقامة، و غير صادق عند الشك في التسليم حال الاشتغال بالتعقيب، فجريان قاعدة التجاوز هناك لا يستلزم جريانها هنا.

الثاني: بالنقض بما لو شك في إتيان الصلاة حال الاشتغال بالتعقيب، فانه مع الالتزام بجريان القاعدة في الشك في التسليم مع الاشتغال بالتعقيب باعتبار الدخول في الغير المترتب شرعا، لا بد من الالتزام بجريانها في الشك في الصلاة مع الاشتغال بالتعقيب بنفس الاعتبار، لأن التعقيب مترتب شرعا على الصلاة. مع انه لا ملتزم بذلك من الفقهاء بل المتفقهين‏ (1).

و هذان الإيرادان وجيهان في الجملة، و لكنه يمكن مناقشتهما في أنفسهما ..

أما الأول: فهو تام لو لم يلتزم بما أفاده المحقق الأصفهاني الّذي ذكرناه في الوجه الثاني، لتقوم صدق التجاوز عن المحل باعتبار السابقية على الغير شرعا.

أما مع الالتزام بما أفاده (قدس سره) من عدم اعتبار صدق التجاوز عن المحل في جريان القاعدة، بل المعتبر هو صدق التجاوز بالعناية، فلا يبقى فرق فارق بين الصورتين- أعني: صورة الشك في الأذان و صورة الشك في التسليم- لتحققه في‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 294- الطبعة الأولى.

181

صورة الشك في التسليم حال الاشتغال بالتعقيب بنفس الاعتبار السابق، و هو ان الملتفت لا يترك التسليم و يأتي بالتعقيب، فمع إتيانه بالتعقيب يصدق التجاوز عن التسليم بالعناية.

فالفرق الّذي ذكره مع الالتزام بهذا القول لا يكون فارقا.

و أما الثاني: و هو النقض، فحله بناء على الالتزام بهذا الرّأي بان صدق التجاوز المسامحي عن الشي‏ء غير المترتب شرعا انما يتحقق بملاك ان الملتفت لا يجمع بين الأمر الداخل فيه و ترك المشكوك عمدا. و هذا الملاك انما يوجب الصدق المسامحي فيما لو كان عدم ترك المشكوك لأجل امتثال الأمر المتعلق به، أما لو كان عدم تركه ليس لأجل امتثال الأمر المتعلق به، بل لأجل امتثال الأمر المتعلق بالغير الداخل فيه، فلا يكون هذا الملاك موجبا لصدق التجاوز المسامحي عن المشكوك، فلا يكون المورد مجرى لقاعدة التجاوز.

بيان ذلك فيما نحن فيه: ان عدم ترك التسليم و الدخول في التعقيب عمدا من الملتفت انما يكون لأجل امتثال الأمر المتعلق بالتسليم، و لأن تركه يوجب بطلان الصلاة و ليس هو لأجل تحقق مشروعية التعقيب- لأنه غير مشروع قبل انتهاء الصلاة- و ان كان بعدم الترك يصير مشروعا. أما عدم ترك الصلاة عمدا من الملتفت و الدخول في التعقيب، فهو ليس إلا لأجل تحقق مشروعية التعقيب و حتى لا يكون الإتيان به بدون الصلاة لغوا، و ليس لأجل امتثال الأمر المتعلق بالصلاة، إذ بالترك لا يتحقق شي‏ء و لا يفوت محلها.

و لأجل ذلك لا يصدق التجاوز عن الصلاة فلا تكون موردا لقاعدة التجاوز، بخلاف التسليم فانه يصدق التجاوز عنه فتجري فيه قاعدة التجاوز. فالفرق بين الصورتين بجريان قاعدة التجاوز في الأولى دون الثانية هو هذه الجهة، فالتفت و لا تغفل.

ثم انه قد يشكل على جريان القاعدة في التسليم بعد الدخول في التعقيب ..

182

بان رواية إسماعيل لما كانت واردة في مقام التحديد، فهي كما تدل على تحديد الغير بالغير المترتب شرعا كذلك تدل على تحديد موضوع الشك و الغير بالجزء الشرعي، بحيث يكون كل من المشكوك المتعبد به و الغير الداخل فيه جزء للعمل، فلا تشمل القاعدة ما كان الشك في جزء مع الدخول في غير الجزء المترتب كالتسليم و التعقيب. و لو تنزل عن ظهورها في ذلك، فلا أقل من احتماله و مع احتمال ذلك يلزم إجمال العموم المذكور في الذيل من هذه الجهة، لاحتفافها بما يصلح للقرينية، فلا يصح التمسك به على التعميم، بل يقتصر فيه على القدر المتيقن، و هو ما ذكرناه من كون المشكوك و المدخول فيه جزءين لعمل واحد.

و الجواب: منع ظهورها في ذلك، فانه لا دلالة في الكلام على ذلك كي يؤخذ به بمقتضى مفهوم التحديد. و أما احتماله فهو و ان كان موجبا لإجمال العام المذكور في الذيل، إلّا ان ذلك لا يضر بالتعميم لعموم رواية زرارة، و إجمال رواية إسماعيل لا يضير بظهور عموم رواية زرارة في التعميم.

الرابع: ان يكون الشك فيه بعد الدخول في المنافي المطلق- أعني: العمدي و السهوي- كالاستدبار و الحدث.

و لا إشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز لو التزم باعتبار الدخول في الغير المترتب، لأن المنافي غير مترتب كما لا يخفى.

و أما مع الالتزام بكفاية الدخول في مطلق الغير، فلا مانع من جريان القاعدة فيه لصدق التجاوز المسامحي بالملاك السابق الذّكر.

و قد بنى السيد الخوئي على عدم جريانها، لعدم صدق التجاوز عن المحل لأن التسليم غير مأخوذ سابقا على المنافي‏ (1).

و لكنه يرد عليه ما عرفت من عدم اعتبار صدق التجاوز عن المحل، بل ليس‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 293- الطبعة الأولى.

183

المعتبر إلا صدق التجاوز العنائي. و قد عرفت صدقه.

و قد ذكر المحقق النائيني (قدس سره) في المقام: بان مختاره في الدورة السابقة كان جريان القاعدة حيث يصدق الدخول في الغير المترتب شرعا، لأن المنافي مباح بعد الصلاة لقوله: «تحليلها التسليم» فيكون مترتبا على الصلاة، لأن التسليم محلل للمنافيات. إلا انه عدل عنه في هذه الدورة باعتبار اختصاص أدلة القاعدة بما كان الغير المدخول فيه من اجزاء المركب أو من ملحقاته لا مطلق الغير و لو كان أجنبيا، فلا تكون الصورة مجرى للقاعدة، لأن الغير المدخول فيه أجنبي عن المركب‏ (1).

و لكن ما ذكره أخيرا يندفع بإطلاق النصوص و عدم ظهورها في الاختصاص بمورد خاص.

و أما ما ذكره أولا- و الظاهر ارتضاؤه له بنفسه و عدم عدوله عنه بذاته، بل انما عدل عن نتيجته- من ترتب المنافي على التسليم باعتبار كون التسليم محللا، فلا نعرف له وجها ظاهرا، لأن المنافي كالاستدبار لا معنى لترتبه بلحاظ ذاته على التسليم، و انما يتصور ترتبه باعتبار حكمه، و هو ذو أحكام أربعة: الحرمة التكليفية، و الحرمة الوضعيّة- و هي القاطعية و المنافاة- و الجواز التكليفي و الجواز الوضعي.

و الأولان يترتبان عليه إذا حصل في الأثناء، و الأخير- ان يترتبان عليه إذا حصل بعد الفراغ. فإذا كان المنافي محكوما بهذه الأحكام بالاعتبارين، فلا يتصور ترتبه بنفسه على الصلاة كي يكون الدخول فيه محققا للدخول في الغير المترتب، و انما هو بأحد صوره مترتب و هو الفرد المحلل، و لكن الواقع حيث لا يعلم حاله فلا يمكن الجزم بأنه الفرد المترتب أو غيره فلا يعلم بتحقق الدخول في الغير المترتب. نعم، لو كان بجميع أحكامه ملحوظا بعد الفراغ كان مترتبا شرعا و لكنه ليس كذلك، فتصور ترتب مثل الاستدبار على التسليم غير واضح. فتدبر.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 472- الطبعة الأولى.

184

تنبيه:

قد يقال: بان اعتبار الدخول في الغير المترتب شرعا يستلزم عدم جريان قاعدة التجاوز في جزء الجزء، لما عرفت من ان الترتيب بين أجزاء الجزء ليس بشرعي، بل هو مقوم للمأمور به بحيث يكون الإخلال به إخلالا بنفس الجزء المأمور به لا إتيانا به بغير ترتيب، كما تقدم تقريبه في تكبيرة الإحرام. و عليه فمع الشك في جزء الجزء مع الدخول في الجزء الآخر للجزء، كالشك في كلمة: «اللّه» مع الدخول في كلمة: «أكبر» لا يتحقق الشك بعد الدخول في الغير المترتب شرعا لعدم ترتب كلمة: «أكبر» على كلمة: «اللّه» شرعا، بل الترتيب بينهما عقلي، فلا مجال لجريان قاعدة التجاوز.

و لكنه يمكن التفصي عن هذا الإشكال بأحد وجهين:

الأول: أن الترتيب و ان كان مقوما للمأمور به عقلا إلا ان هذا لا ينافي تعلق الأمر به، و ذلك لأن المأمور به إذا كان متقوما بالترتيب كان مركبا من مادة و صورة، فالمادة هي نفس الألفاظ الخاصة كلفظ: «اللّه» و: «أكبر» في التكبير، و الصورة هي الهيئة الخاصة التي يؤتى بالألفاظ عليها. و حينئذ فالأمر بهذا المركب أمر بمادته و صورته، لأن معناه الإتيان بهذه الألفاظ بالنحو الخاصّ من التقديم و التأخير، فالصورة التي هي عبارة أخرى عن الترتيب مأمور بها كما أن المادة مأمور بها، و ذلك لا يتنافى مع تقوم المأمور به بالترتيب. فمثلا بيت الشعر عبارة عن الألفاظ الخاصة على الهيئة المخصوصة بحيث إذا كان الإتيان بالألفاظ لا على الهيئة المخصوصة لا يعد ذلك شعرا، فالوزن مقوم لصدق الشعر، فالأمر بالشعر لما كان معناه الأمر بالألفاظ الموزونة يكون في الواقع أمرا بالوزن كما هو أمر بنفس الألفاظ.

و عليه، فإذا كان الترتيب مأمورا به شرعا كان الدخول في الجزء الآخر للجزء دخولا في الغير المترتب شرعا.

185

الثاني: انه لو تنزل عن هذا و قيل بعدم تعلق الأمر بالترتيب، فرواية إسماعيل لا دلالة لها على عدم إلغاء الشك في جزء الجزء بعد الدخول في غيره غير المترتب شرعا، و ذلك لأن غاية ما تدل عليه بمقتضى مفهوم التحديد هو عدم اعتبار الدخول في المقدمات عند الشك في الجزء، أما عدم اعتبار كون المشكوك جزءا مستقلا للعمل فهو و ان كان محتملا إلا انه لا دلالة لها بوجه على ذلك، كما لا دلالة لها على اعتبار كون المشكوك و ظرف الشك جزءين لعمل واحد على ما عرفت.

و عليه، فيمكن التمسك على تعميم القاعدة لجزء الجزء برواية زرارة فالتفت.

هذا تمام الكلام فيما يعتبر في جريان قاعدة التجاوز.

الجهة التاسعة: في اعتبار الدخول في الغير في جريان قاعدة الفراغ.

و الكلام في هذه الجهة في مقامين:

المقام الأول‏

: فيما إذا كان الشك في صحة العمل ناشئا عن الشك في غير الجزء الأخير، بحيث يتحقق الفراغ بمجرد الإتيان بالجزء الأخير.

فهل يعتبر الدخول في الغير مطلقا، أو لا يعتبر مطلقا بل يكتفي بمجرد الفراغ، أو يفصل بين الوضوء و غيره فيعتبر في الأول دون الثاني؟ وجوه و أقوال.

و مقتضى إطلاق الأدلة الدالة على اعتبار القاعدة عدم اعتبار الدخول في الغير، إذ لم يؤخذ في موضوعها سوى تحقق المضي عن العمل، و هو يتحقق بمجرد الفراغ و لو لم يدخل بعد في غير العمل.

و قد قيل بتقييد هذه المطلقات برواية زرارة الواردة في باب الوضوء عن أبي جعفر (عليه السلام): قال (عليه السلام): «إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنك لم تغسله أو لم تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت إلى حال أخرى في الصلاة أو غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه مما

186

أوجب اللّه عليك فيه وضوءه لا شي‏ء عليك فيه ..» (1).

بتقريب: انه أخذ في إلغاء الشك بعد الفراغ الصيرورة في حال أخرى و لم يكتف بمجرد الفراغ. و هي و ان كان موضوعها الشك في الوضوء إلّا انه بضميمة عدم القول بالفصل بين الوضوء و غيره من الأعمال تدل بالالتزام على اعتبار الدخول في الغير عند الشك في غير الوضوء بعد الفراغ عنه، فيبنى حينئذ على تقييد المطلقات بهذه الرواية كما هو شأن كل مطلق و مقيد.

إلّا ان هذا القول غير وجيه، إذ لم يثبت عدم الفصل بين الوضوء و غيره، فيحتمل ان يكون الوضوء له خصوصية تقتضي اعتبار الدخول في الغير في جريان قاعدة الفراغ فيه، و هي لا توجد في غيره من الأعمال، بل ثبت بعدم قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء و جريانها في غير اجزائه، وجود الفرق بين الوضوء و غيره، فلا يبعد ان يعتبر الدخول في الغير في جريان قاعدة الفراغ فيه دون غيره.

ثم انه قد استشكل في دلالة الرواية على أصل المدعى- أعني: اعتبار الدخول في الغير- من وجوه:

الأول: أن موضوع الشك بعد الفراغ لم يبين في الرواية، فيمكن ان يحمل على الجزء الأخير فيكون الدخول في الغير من محققات الفراغ عن الوضوء لا أمرا زائدا عليه.

و وجه الحمل: هو ظهور المطلقات في كفاية مطلق الفراغ، فوجه الجمع بينهما حمل الرواية على كون موضوع الشك هو الجزء الأخير، فلا يكون هناك تغاير و تناف بينهما حتى بالإطلاق و التقييد، بل تكون الرواية واردة في بيان إحدى صغريات الكبرى الدالة عليها المطلقات، لما عرفت ان المضي عن العمل لا يتحقق مع الشك في الجزء الأخير إلّا بالدخول في الغير.

____________

(1) وسائل الشيعة 1- 330، باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 1.

187

و فيه ما لا يخفى: فان هذا انما يتجه ان يقال لو لم يذكر في الصدر مورد الشك، فيقال الرواية مجملة من هذه الجهة فتحمل على إرادة الشك في الجزء الأخير جمعا بينها، و بين المطلقات. أما بعد ان ذكر صريحا في الصدر بكون موضوع الشك هو جميع اجزاء الوضوء من غسل و مسح، فلا وجه لهذا القول حينئذ، و ذلك لأن الظاهر من الرواية هو المقابلة بين حال القعود على الوضوء و حال القيام عنه في الحكم المترتب على الشك في الاجزاء، و هي تقتضي ان يكون موضوع الشك الّذي أخذ في حال القعود عينه موضوعا للشك الحاصل في حال القيام، و إلا لانتفت المقابلة، لأن المقابلة انما تتحقق بين الحكمين، إذا كانا واردين على موضوع واحد، أما إذا تعدد موضوعهما و اختلف فلا مقابلة بينهما كما لا يخفى.

و بالجملة: فموضوع الشك بعد القيام هو عين موضوع الشك حال القعود و هو جميع الأجزاء.

الثاني: أن ظاهر الرواية كون الذيل بيانا لمفهوم الصدر، و هو: «إذا كنت قاعدا ...» لا لخصوصية فيه بنفسه، فالظاهر حينئذ كون المدار هو الشك في الأثناء كما هو مقتضى المنطوق، و الشك بعد الفراغ كما هو مقتضى المفهوم، سواء دخل في الغير أو لم يدخل.

و عليه، فلا منافاة بين هذه الرواية و بين المطلقات، بل هما بمفاد واحد.

و الجواب: ان الذيل ليس كذلك، لأن المذكور فيه موضوع وجودي، فلا معنى لكونه مفهوما للصدر، لأن المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم عند انتفاء الأمر المترتب عليه فلا بد ان يؤخذ فيه موضوع عدمي يترتب عليه عدم الحكم، كما ان مفهوم الشرط فيما نحن فيه: «إذا لم يكن قاعدا» بنحو السالبة بانتفاء الموضوع و ليس هو «إذا كنت قائما» عن الوضوء أو نحوه من التعبيرات.

و بالجملة: ترتيب الحكم على موضوع وجودي أجنبي عن بيان المفهوم، و كون الحكم المترتب عليه باعتبار كونه محققا لمفهوم الشرط، فالتفت.

188

الثالث: ان الفراغ عن العمل ملازم مع الكون على حال أخرى و لو كانت هي السكون، و إلا لما صدق الفراغ. و ليس المذكور في الرواية الا الصيرورة في حال أخرى و هو ليس بأمر زائد عما يقتضيه صدق الفراغ و المضي، فليس في الرواية قيد زائد على نفس الموضوع و هو الفراغ و المضي. فلا دلالة لها على التقييد.

و هذا الوجه انما يتجه لو لم تفسير الحال الأخرى في الرواية و ذكرت مطلقة، إذا يمكن حملها على ما لا يزيد على تحقق الفراغ، إلا انها فسرت في الرواية بالدخول في ما يغاير العمل الّذي كان فيه، كما يدل عليه قوله: «و صرت إلى حال أخرى في الصلاة و غيرها»، فلا يتجه هذا القول حينئذ، فالتفت.

فالمحصل: ان هذه الوجوه غير ناهضة لنفي دلالة الرواية على التقييد مطلقا.

فلا بد من الالتزام بدلالتها على التقييد بالدخول في الغير لكن لا مطلقا بل في خصوص الوضوء.

و قد ذهب المحقق النائيني (قدس سره) إلى اعتبار الدخول في الغير مطلقا سواء في ذلك الوضوء و غيره.

ببيان: ان الأدلة الدالة على حجية القاعدة منها ما يدل على التقييد بالدخول في الغير كرواية زرارة، و منها ما لم يعتبر في أكثر من المضي و التجاوز كموثقتي ابن بكير و ابن أبي يعفور. فيدور الأمر بين حمل المطلق على الفرد الغالب، فان الغالب من موارد الشك موارد الدخول في الغير. و بين حمل القيد على الغالب، فلا يظهر في كونه قيدا احترازيا. و الأول هو المتعين، لا من جهة اقتضاء الدليل المقيد للمفهوم و لا لحمل المطلق عليه، و انما هو لأجل انصراف المطلق في نفسه إلى الفرد الغالب باعتبار كون الماهية تشكيكية بحيث يكون شمولها للفرد النادر خفيا بنظر العرف، فان ذلك يوجب انصراف المطلق عنه إلى الفرد الغالب لا باعتبار نفس الغلبة فانها لا توجب الانصراف. و لو تنزل عن ذلك فلا أقل من كونه قدرا متيقنا في مقام‏

189

التخاطب، فالمطلق في نفسه قاصر عن شمول مورد عدم الدخول في الغير (1).

و هذا الّذي ذكره لا تمكن الموافقة عليه بجميعه، لوجوه:

الأول: انه عدّ رواية زرارة من أدلة قاعدة الفراغ، مع انك عرفت انها تعد من أدلة قاعدة التجاوز- و ان ناقشنا في دلالتها على ذلك- الثاني: أنه جعل وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مانعا عن انعقاد الإطلاق، مع انه: (قدس سره) لا يرى ذلك في مبحث المطلق و المقيد، و يورد على المحقق الخراسانيّ في اختياره ذلك‏ (2).

الثالث: ان ما ذكره من إيجاب التشكيك للانصراف مناقش فيه كبرويا و صغرويا ..

أما كبرويا، فلأنه قد حقق في محله بان نظر العرف انما يتبع في تعيين المفاهيم و تشخيصها من حيث السعة و الضيق، أما نظره في تشخيص المصداق فهو مردود لا يعتمد عليه، فعدم صدق المطلق على الفرد النادر بنظر العرف لخفائه غير قادح في التمسك بإطلاقه و لا يوجب صرفه عنه بعد ان كان يصدق عليه حقيقة.

و أما صغرويا، فلان التشكيك انما يوجب الانصراف- لو سلم كبرويا- فيما كان التفاوت بين الافراد من حيث الظهور و الخفاء. أما فيما كان التفاوت بينها من حيث الأظهرية و الظهور، بمعنى ان صدق الطبيعة على هذا الفرد كان أظهر من صدقها على ذلك فلا يتحقق الانصراف. و ما نحن فيه كذلك، فان صدق الطبيعة (الفراغ) على مورد الدخول في الغير أظهر من صدقه على مورد عدم الدخول في الغير كما لا يخفى، لا ان صدقه على مورد عدم الدخول في الغير خفي و صدقه على مورد الدخول ظاهر. فتدبر.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 471- الطبعة الأولى.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 530- الطبعة الأولى.

190

و إذا لم يثبت القول بالتقييد مطلقا و لم يثبت القول بعدم التقييد مطلقا، فالالتزام بالتفصيل بين باب الوضوء و بين غيره باعتبار الدخول في الغير فيه دون غيره هو المتعين.

و المقام الثاني‏

: فيما كان الشك في صحة العمل ناشئا عن الشك في الجزء الأخير.

و لا بد من تحقق الدخول في الغير- في الجملة- في جريان القاعدة لتوقف صدق الفراغ عن العمل و المضي عنه بالدخول في الغير، لأنه مع عدم الدخول في الغير و بقاء محل التدارك لا يتحقق مضي العمل، إذ يمكن ان لا يكون قد أتى بالجزء الأخير المحقق للمضي و الفراغ.

و قد ذكر بعضهم ان الشك في الجزء الأخير تارة: يكون بعد الدخول في الغير.

و أخرى: يكون قبل الدخول في الغير إلّا انه كان قد حصل اليقين آناً ما بتحقق الفراغ عن العمل. و ثالثة: يكون قبل الدخول في الغير و عدم حصول اليقين بتحقق الفراغ. فالقاعدة في الصورتين الأولتين تجري دون الصورة الثالثة (1).

و أورد الشيخ (قدس سره) عليه في ذهابه إلى جريان القاعدة في الصورة الثانية: بأن الفراغ لا يصدق باليقين به آناً ما، و نفس اليقين الآني السابق المتبدل إلى الشك لا موضوعية له، بل هو طريق إلى الواقع، فلا دليل على حجيته بعد تبدله بالشك إلا أحد أمرين ... قاعدة اليقين، و هي غير ثابتة. و ظهور حال اليقين في كونه مطابقا للواقع، و هذا الأمر لا دليل عليه و غير ثابت.

و أما جريان القاعدة في الصورة الأولى و عدم جريانها في الثلاثة، فملاكه واضح لا يحتاج إلى بيان و لا إشكال فيه‏ (2).

____________

(1) النجفي الفقيه الشيخ محمد حسن. جواهر الكلام 2- 361- الطبعة الحديثة.

(2) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. كتاب الطهارة- 162- الطبعة القديمة.

191

و لكن ما ذكره الشيخ (رحمه الله) يمكن الخدشة فيه بتقريب: ان صدق الفراغ و المضي عن العمل المركب يكون بأحد امرين ... الإتيان بالجزء الأخير منه. و قطعه و الاقتصار على بعض أجزائه بعد مضي قسم منه يصدق عليه لفظ المركب في نفسه، فانه بالإتيان بهذا المقدار لا يصدق الفراغ عرفا ما دام مشغولا بباقي الاجزاء، و لكنه مع قطعه و عدم المضي في باقي الاجزاء يصدق تحقق العمل و الفراغ منه. و هذا واضح و لا إشكال فيه.

و لما كانت وحدة المركبات الاعتبارية- و منها الصلاة- انما هي بالقصد و النية- إذ لا وحدة لها حقيقية لاختلاف اجزائها ماهية و مقولة- كان اليقين بالفراغ و لو آناً ما سببا لتحقق الفراغ، لأنه موجب لتبدل القصد و النية فيتحقق الانقطاع، و بذلك يصدق العمل و الفراغ عنه.

فجريان القاعدة في هذه الصورة ليس من جهة موضوعية اليقين في نفسه، بل لأجل تحقق الانقطاع بحصوله الموجب لصدق موضوع القاعدة، و هو الشك في صحة العمل بعد الفراغ عنه.

و بذلك يظهر انه لا محيص عن الالتزام بما ذكره صاحب الجواهر من جريان القاعدة في الصورتين الأولتين، و انه لا وجه لما ذكره الشيخ في مقام الإشكال عليه.

و لبعض الفقهاء تقريب لتصحيح كلام الجواهر و الخدشة في كلام الشيخ بيانه:

انه مع اعتبار تحقق الفراغ في جريان القاعدة يدور الأمر بين إرادة الفراغ الحقيقي، و إرادة الفراغ الادعائي، و إرادة الفراغ البنائي- يعنى البناء على تحقق الفراغ عن العمل- لا يمكن الالتزام بإرادة المعنى الحقيقي و المعنى الادعائي للفراغ.

أما الأول، فلأنه انما يصدق عند الإتيان بالعمل بجميع أجزائه و شرائطه، فاعتباره يلزم تعطيل قاعدة الفراغ، لأن موردها الشك في صحة العمل لفقد جزء أو شرط، و الفراغ الحقيقي غير صادق مع هذا الشك.

و أما الثاني، فلأنه يصدق بالإتيان بمعظم الاجزاء، فاعتباره يستلزم صحة

192

جريان القاعدة مع الشك في الصحة بعد الإتيان بالمعظم و قبل الانتهاء من العمل، مع انه لا إشكال في عدم صحة ذلك، لعدم صحة جريان القاعدة في أثناء العمل.

و إذا لم يمكن الالتزام بإرادة الفراغ الحقيقي و لا الفراغ الادعائي تعين الالتزام بإرادة الفراغ البنائي، و هو يحصل باليقين بالتمام. فجريان القاعدة مع تحقق اليقين الآني بالفراغ ليس لأجل حجية اليقين بعد زواله أو لأجل ظهور الحال كي ينفى بعدم الدليل عليه بل لأجل صدق الموضوع المأخوذ في لسان الدليل، و هو الفراغ البنائي‏ (1).

و لكن ما ذكره لا تمكن الموافقة عليه لوجهين:

الأول: انه يمكن الالتزام بإرادة الفراغ الحقيقي بلا استلزام للمحذور المذكور- أعني: محذور التعطيل- و ذلك بالالتزام بكون متعلق الفراغ العمل الجامع بين الصحيح و الفاسد- لا خصوص العمل الصحيح كي يلزم ما ذكر- و بذلك يتحقق الفراغ الحقيقي بلا عناية و لا تكلف مع الشك في فقد جزء أو شرط كما لا يخفى.

و توهم: أن الأمر يدور حينئذ بين التصرف في لفظ الفراغ و التصرف في متعلقه بحمله على الأعم فما هو المرجح؟ كي يلتزم بالأخير.

فاسد، فان التصرف في المتعلق بحمله على الأعم مما لا بد منه على القولين، بل هو صريح الروايات، لأن فيها اسناد الفراغ إلى العمل مع الشك فيه مما يكشف عن إرادة الأعم، فالالتزام بإرادة المعنى الحقيقي للفراغ لا يستدعي مئونة زائدة بخلاف العكس.

الثاني: ان اعتبار تحقق الفراغ البنائي في جريان قاعدة الفراغ مطلقا يستلزم عدم جريان القاعدة مع الإتيان بالجزء الأخير و الشك في الإتيان بما قبله بلا فصل، كالإتيان بالتسليم مع الشك في التشهد، فانه في حال الشك لا يقين له بالفراغ، إذ

____________

(1) الحكيم الفقيه السيد محسن، مستمسك العروة الوثقى 2- 518- الطبعة الأولى.

193

يحتمل ان يكون إتيانه بالتسليم عن غفلة لا أنه عن التفات و بعد الإتيان بالتشهد، و في تلك الحال كان غافلا، فلم يتحقق منه الفراغ البنائي أصلا. مع أنه لا إشكال في جريان القاعدة في هذه الصورة.

فالمحصل: ان ما ذكره هذا القائل لا يعرف له وجه ظاهر، فالمتعين هو ما ذكرناه.

بقي الكلام في جريان قاعدة الفراغ في الصور الأربع التي ذكرناها للشك في الجزء الأخير عند الكلام في جريان قاعدة التجاوز فيه.

فالتحقيق: ان جريان القاعدة في الصورتين الأوليتين- و هما: صورة تحقق الشك مع عدم الاشتغال بشي‏ء مناف أصلا و عدم تحقق السكوت الطويل الماحي لصورة الصلاة. و صورة تحقق الشك مع الإتيان بالمنافي العمدي كالكلام بالنسبة إلى الصلاة- انما يصح لو تحقق في الحالين اليقين بالفراغ و لو آناً ما. أما مع عدم تحققه فنفس الحالين لا يحققان المضي و الفراغ كما لا يخفى.

و أما الصورتان الأخيرتان- و هما: صورة تحقق الشك مع الاشتغال بأمر مرتب على العمل، كالتعقيب بالنسبة إلى الصلاة. و صورة تحقق الشك مع الاشتغال بالمنافي العمدي و السهوي- فالقاعدة جارية فيهما.

أما جريانها في الأخيرة فواضح، لانقطاع العمل بالاشتغال بالمنافي و تحقق الفراغ عنه و صدق مضيه كما لا يخفى.

و أما جريانها في الثلاثة، فلأن الاشتغال في الأمر المترتب بعنوانه الخاصّ- كالاشتغال في التعقيب بما انه تعقيب لا بما انه دعاء أو ذكر مثلا- لا يكون إلا بعد البناء على الفراغ و اليقين بالانتهاء من العمل، و ذلك موجب لصدق المضي، لانقطاعه بتبدل القصد. هذا تمام الكلام في جريان قاعدة الفراغ عند الشك في الصحة للشك في الجزء.

194

الجهة العاشرة [1]: في تحقق جريان قاعدة الفراغ‏

لو كان منشأ الشك هو

____________

[1] تحقيق الكلام في جريان قاعدة التجاوز أو الفراغ عند الشك في الشرط، ان يقال: ان الشرط على أقسام:

ما يكون شرطا مقوما للمأمور به عقلا بحيث يتقوم به صدق عنوان المأمور به كقصد الصلاتية في تحقق عنوان الصلاة، و قصد الظهرية في تحقق عنوان الظهر.

و ما يكون شرطا مقوما للجزء، كقصد الركوع في تحقق الركوع، إذ ليس كل انحناء ركوع بل الانحناء الركوعي هو المأتي بعنوان الركوع. و كالموالاة بين الحروف في تحقق الكلمة.

و ما يكون شرطا شرعيا للكل، كالاستقبال بالنسبة إلى الصلاة.

و ما يكون شرطا شرعيا للجزء، كالجهر بالنسبة إلى القراءة.

أما الشرط المقوم عقلا للمأمور به كالنية، فقد التزم البعض بجريان قاعدة التجاوز فيه إذا تحققت شرائطها. و ذهب البعض إلى عدم جريانها فيه، كما يظهر من مراجعة الفرع الأول من فروع العلم الإجمالي من العروة و ما كتب حوله.

و التحقيق: ان متعلق الأمر هو عنوان الصلاة أو الظهر، و قصد الصلاتية أو الظهرية محقق لعنوان المأمور به. من دون ان يلحظ في متعلق الأمر جزء أو شرطا و انما هو شرط تكويني.

و على هذا فلا معنى لإجراء القاعدة فيه، إذ لا يقع مثله مورد التعبد الشرعي لعدم دخله شرعا في المأمور به، فالتعبدية لا يجدي شيئا و لا يترتب عليه أثر شرعي مترقب، و ترتب عنوان المأمور به عليه ترتب عقلي لا ينفع فيه التعبد.

و بهذا يظهر انه لا وجه يقتضي جعله موردا للكلام كما ارتكبه الاعلام.

و لعله إلى ذلك ينظر المحقق العراقي في منعه جريان القاعدة فيه معللا بان المعتبر في العمل نشوؤه عنه لا نفسه، فانه يمكن ان يكون نظره إلى ما ذكرناه من عدم اعتباره في العمل و انما المعتبر هو عنوان الصلاتية أو الظهرية.

و لو تنزلنا عن هذه الجهة فنقول: ان القصد المعتبر إما يكون قصدا واحدا مستمرا و عليه يبتني مبطلية نية القطع أو القاطع، كما التزم به بعضهم، و اما يكون متعددا بتعدد الاجزاء فهو معتبر في كل جزء و لذا لا تبطل الصلاة بنية القطع.

195

...........

____________

- و لا يخفى ان قاعدة التجاوز انما تجري في القصد إذا كان اعتباره بالنحو الثاني لصدق التجاوز عنه بتجاوز الجزء.

أما إذا كان اعتباره بالنحو الأول، فلا مجال لجريان القاعدة فيه لأن المفروض انه امر واحد مستمر و محله جميع العمل، فلا يتحقق التجاوز عنه في الأثناء.

هذا بالنسبة إلى جريان قاعدة التجاوز في النية. و أما بالنسبة إلى قاعدة التجاوز في نفس العنوان المأمور به، فتحقيق الحال فيه: انه يتصور على أنحاء.

فتارة يقال: انه أمر واحد مستمر يعنون به مجموع العمل.

و أخرى يقال: انه متعدد بتعدد الاجزاء، و هو تارة: يكون متقوما بمجموع الاجزاء بحيث لا ينطبق إلا على المجموع، نظير الحمى القائمة باجزاء البدن فان كل جزء لا يقال انه محموم، بل مجموع البدن محموم. و أخرى: يكون متقوما بكل جزء فكل جزء ينطبق عليه انه صلاة أو ظهر.

و لا يخفى انه لا مجال لتوهم جريان قاعدة التجاوز في العنوان بناء على الاحتمالين الأولين، لعدم تحقق التجاوز عنه بعد تقومه بالكل.

نعم، لتوهم جريان القاعدة فيه مجال على الاحتمال الثالث لتجاوز محله بتجاوز الجزء، و ان وقع محل الإشكال من جهات أخرى.

و أما الشرط المقوم للجزء عقلا، كقصد الركوعية في الركوع، فقد ظهر الحال فيه مما ذكرناه في شرط الكل، إذ عرفت انه لا مجال لتوهم جريان القاعدة في الشرط العقلي التكويني لعدم ترتب أثر شرعي عليه.

و أما إجراء القاعدة في وصف الركوعية، فللمنع عنه مجال، لأن الانحناء الركوعي مباين عرفا للانحناء غير الركوع و الذاتان متباينان، و المطلوب هو الذات المعنونة بعنوان الركوع. و من الواضح ان إثبات تحقق الركوعية لا يثبت تحقق الذات المعنونة و هي الركوع إلا بالملازمة.

و أما إجراء القاعدة في نفس الركوع فقد تقدم الاستشكال فيه بدعوى انصراف اخبار القاعدة إلى الشك في أصل الوجود لا في اتصاف الموجود بعنوان الجزء.

نعم، يمكن إجراء قاعدة الفراغ في الانحناء و إثبات صحته بناء على عدم اعتبار إحراز العنوان في جريانها. و سيجي‏ء البحث فيه.

و أما الشرائط الشرعية المعتبرة في الكل، فالحق فيها هو التفصيل بين ما هو معتبر حال‏

196

...........

____________

- العمل كالاستقبال و الستر و نحوهما، و ما هو معتبر سابقا على العمل كالوضوء على قول، فتجري القاعدة في الثاني دون الأول.

و الوجه في ذلك- على سبيل الإجمال- أن التجاوز عن المحل بالنسبة إلى ما هو معتبر في حال العمل لا يصدق و لو مع دخول المكلف في الجزء اللاحق، إذ غاية ما يمكن تصوير تحقق التجاوز عن محل الشرط مع الدخول في الجزء اللاحق هو ما يقال: من ان المعتبر في كل جزء تقيده بالشرط المفروض، فمع التجاوز عن الجزء يتحقق التجاوز عن التقييد المأخوذ فيه فتجري القاعدة في تقيده بالشرط، و يترتب الأثر مع إحراز التقيد بالنسبة إلى الاجزاء اللاحقة.

و لكن هذا المطلب لا يمكن الالتزام به، فان التقيد من شأن المفاهيم و العوارض و لا يتصور في المعاني المتباينة مثل الطهارة و الركوع، فان كلا منهما يباين الآخر فلا معنى لأن يكون أحدهما مقيدا بالآخر إذ الطهارة من عوارض المكلف لا الركوع.

نعم، يتصور أخذ التقييد بنحو آخر، و هو ان يكون الواجب هو الركوع المقارن للطهارة، فيؤخذ القيد وصف المقارنة للطهارة.

و لكن هذا مما لا يلتزم به، و إلا لأشكل الأمر في استصحاب الطهارة، فانه لا يثبت الوصف الملحوظ المأخوذ في الواجب و هو وصف المقارنة.

و عليه، فالذي يلتزم به في باب الشروط هو أخذ الشرط بنحو المعية في الوجود مع الجزء، نظير نفس الاجزاء فيما بينها إلا ان الفرق تعلق الأمر بالجزء دون الشرط.

و من الواضح ان أخذ الشرط بهذا النحو لا يستلزم كون الجزء محلا له و ظرفا بحيث يكون التجاوز عنه تجاوزا عن الشرط، بل بالإتيان بالجزء دون الشرط لم يفت محل الشرط و يمكن الإتيان به مع الجزء في كل وقت و لو بإعادة الجزء.

و قد يلتزم في باب الشروط بوجه آخر و هو اعتبار الإضافة إلى الشرط بمعنى ان الواجب هو إيقاع الجزء في ظرف الشرط، فيلحظ الجزء مضافا إلى الزمان الخاصّ و هو زمان الشرط.

و لكن لو تم هذا لم ينفع في المطلوب، لأن طرف الإضافة هو نفس الزمان دون الخصوصية، فالشك في الخصوصية- أعني الشرط- لا يستلزم الشك في طرف الإضافة بل في خصوصيته.

و الوجه فيه:

197

...........

____________

- ان طرف الإضافة لو كان هو الزمان الخاصّ لا شكل الأمر في مثل استصحاب الشرط كالطهارة، لعدم إثباته إضافة الجزء للطهارة حتى يتحقق طرف الإضافة، فكيف يجدي في الامتثال؟ فمقام الثبوت و الإثبات يساعدان على كون طرف الإضافة نفس الزمان و الخصوصية للزمان نفسه لا مأخوذة في الإضافة، فيعتبر ان تكون الصلاة في زمان فيه طهارة، فيصح إجراء استصحاب الطهارة لإثبات خصوصية الزمان، نظير استصحاب الخمرية لإثبات حرمة شرب المائع المشكوك، فانه لا يثبت كون شرب هذا المائع شرب خمر، و لكن يثبت به انه شرب مائع هو خمر، و ليس الملحوظ في الحكم أزيد من ذلك، فليس المحرم الشرب المضاف إلى الخمر بل الشرط المضاف إلى مائع هو خمر.

و عليه، فإذا ثبت ان طرف الإضافة هو الزمان، و الشرط لوحظ كخصوصية للزمان لا طرفا للإضافة، فالمشكوك لا يكون طرف الإضافة بل خصوصية الطرف، و هي مما لم يفرض لها محل.

هذا مع أخذ الشرط طرفا للإضافة لا يظهر منه سوى كون الشرط ظرفا للجزء لا العكس، فاعتبار كون الركوع في حال الطهارة ظاهر بحسب لسان الدليل في كون الطهارة ظرفا للركوع لا كون الركوع ظرفا للطهارة فانتبه.

فتبين من جميع ذلك انه لا مجال لجريان قاعدة التجاوز في الشرط المقارن.

و أما الشرط السابق على العمل، فالقاعدة تجري فيه إذا شك فيه بعد الدخول في العمل لتجاوز محله بعد الدخول، لأن ظرفه هو الزمان السابق على العمل. و هذا مما لا إشكال فيه. إنما الإشكال في انه هل يعتبر إحرازه للاجزاء اللاحقة أو لا؟ ذهب المحقق العراقي إلى لزوم ذلك، و ان القاعدة لا تنفع إلا في ما مضى من الاجزاء، إذ ما يأتي من الاجزاء لم يتجاوز عنه، و دليل القاعدة انما يتعبد بها بمقدار ما تحقق التجاوز عنه، و هذا منه مبني على اعتبار التجاوز عن نفس المشروط لا خصوص المشكوك، و هو مما لا دليل عليه، إذ غاية ما يدل عليه الدليل اعتبار التجاوز عن المشكوك، و هو فيما نحن فيه حاصل، إذ الشرط إذا كان مأخوذا سابقا على العمل فمع الدخول في العمل يتحقق التجاوز عن محله حتى بالنسبة إلى الاجزاء اللاحقة لأن شرطها هو الفعل السابق عن العمل.

نعم، بالنسبة إلى الأعمال المستقلة الأخرى كصلاة ثانية لا تنفع، لأن قاعدة التجاوز

198

الشك في الشرط، و ذلك يتوقف على بيان أقسام الشروط.

و قد ذكر المحقق العراقي (قدس سره) أقساما عديدة للشروط و ذكر حكمها مما يرتبط بما نحن بصدده من جريان قاعدة الفراغ، مع ذكره حكمها بالنسبة إلى جريان قاعدة التجاوز.

و محصل ما أفاده: ان الشروط.

منها: ما يكون شرطا عقليا في تحقق عنوان المأمور به من الصلاتية و الظهرية و نحوهما، كالنية، فان هذه العناوين لما كانت أمورا قصدية فلا تتحقق إلا بالقصد و النية.

و منها: ما يكون شرطا شرعيا لصحة المأمور به بعد الفراغ عن تحقق عنوانه، كالطهور و الستر و الاستقبال و نحوها.

و منها: ما يكون شرطا عقليا لنفس الجزء، بمعنى كونه مما يتوقف عليه وجود الجزء عقلا، كالموالاة بين حروف الكلمة.

و منها: ما يكون شرطا شرعيا للجزء، كالجهر و الإخفات بناء على القول بكونهما شرطا للقراءة، لا للصلاة في حال القراءة.

ثم ما كان شرطا شرعيا إما أن يكون مما له محل مقرر شرعا، بان يكون قبل‏

____________

- انما تتعبد بالمشكوك بمقدار التجاوز عنه، و الوضوء للصلاة الأخرى لم يتجاوز عن محله بالدخول في هذه الصلاة.

نعم، هو تجاوز عن محل الوضوء لهذه الصلاة، فلا تثبت القاعدة إلا وضوء هذه الصلاة لا غير، فيلزمه الوضوء للصلوات الأخرى. و من هنا ظهر الحال ما إذا شك في صلاة الظهر بعد دخوله في صلاة العصر، فان قاعدة التجاوز في صلاة الظهر انما تثبت تحقق صلاة الظهر بمقدار تأثيرها في صحة العصر، و اما صلاة الظهر بما هي واجبة مستقلا فلم يتجاوز عن محلها، إذ لا يعتبر فيها ان تكون قبل العصر بل المعتبر ان تكون العصر بعدها فيلزمه على هذا الإتيان بالظهر بعد العصر. هذا تمام الكلام في الشروط

199

الدخول في المشروط كصلاة الظهر بالنسبة إلى العصر، و كالطهارة على قول. أو لا يكون له محل مقرر، كالستر و الاستقبال.

فالأقسام خمسة.

أما ما كان شرطا عقليا لعنوان المأمور به، بمعنى أنه مقوم لتحققه عقلا كالنية، فلا إشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز فيه مع الشك، و ذلك لأنه مضافا إلى عدم وجود محل له مقرر شرعا مع اختصاص القاعدة بذلك، لا تكون القاعدة تجدي في إحراز عنوان المشروط، فان جهة نشوء الأفعال عن قصد الصلاتية و نحوها من اللوازم العقلية للقصد و النية، فالتعبد بوجود القصد لا يجدي في إثبات هذه الجهة. و كذلك لا تجري قاعدة الفراغ في المشروط مع الشك، لاختصاصها بما إذا كان العمل محرزا بعنوانه و كون الشك في صحته و فساده، نظير قاعدة الصحة في عمل الغير- فانهما من سنخ واحد- و مع فرض الشك في القصد يشك في تعنون العمل بعنوانه المطلوب، فلا مجال لقاعدة الفراغ.

هذا بالنسبة إلى النية المقومة لعنوان المأمور به.

أما بالنسبة إلى النية بمعنى قصد القربة، فمع الشك فيها في الأثناء لا تجري قاعدة التجاوز- و ان قلنا بكونها مأخوذة في المأمور به شرعا لا عقلا- لعدم كونها ذات محل مقرر شرعا كي يصدق عليها عنوان التجاوز من المحل.

و أما قاعدة الفراغ فهي تجري بناء على كونها شرطا شرعيا و لو بنحو التقييد. و أما بناء على القول بكونها شرطا عقليا فلا تجري، لعدم الشك في صحة المأتي به الشرعية، بمعنى استجماع المأتي به للاجزاء و الشرائط الشرعية، فانه محرز مع القطع بعدم اقترانه بقصد القربة فضلا عن الشك.

و أما ما كان شرطا شرعيا للصلاة مع عدم وجود محل له شرعي كالستر، فلا تجري فيه قاعدة التجاوز لعدم صدق التجاوز عن المحل بالدخول في المشروط.

و أما قاعدة الفراغ: فتجري في المشروط للشك في صحته بالشك في الشرط.

200

هذا بعد الفراغ منه. أما إذا كان الشك في الأثناء، فقاعدة الفراغ انما تجري إذا كانت الاجزاء الماضية بنحو يكون لها بنظر العرف عنوان مستقل كالركعة، دون غيره مما لا يعد كذلك كالآية. إلا ان قاعدة الفراغ انما ينفع جريانها في الأثناء لو كان الشرط محرزا حال الشك بالنسبة إلى الاجزاء اللاحقة، أما مع الشك فيه حتى بالإضافة إلى الاجزاء اللاحقة و الحالية، فلا ينفع جريانها فيما مضى من الاجزاء، فلا مجال على هذا لجريانها.

و أما الشرط الشرعي ذو المحل، كصلاة الظهر بالنسبة إلى صلاة العصر و نحوها، فما ذكره (قدس سره) مما يرتبط بالمقام من جريان قاعدة التجاوز و قاعدة الفراغ لا يزيد عما ذكرناه سابقا نتيجة فراجع.

و أما ما يكون شرطا عقليا للجزء كالموالاة بين حروف الكلمة، فلما كان الشك فيه يرجع إلى الشك في وجود الكلمة، تجري فيها- أي: في الكلمة- قاعدة التجاوز.

و أما ما يكون شرطا شرعيا للجزء، كالجهر و الإخفات- لو قيل بكونهما شرطا للقراءة- فلا تجري فيه قاعدة التجاوز لعدم صدق الشي‏ء على مثله، فالأدلة منصرفة عنه.

و أما المشروط، فهو و ان صدق عليه الشي‏ء إلا ان الشك ليس في وجوده بل في صحته، فهو مورد لقاعدة الفراغ. إلا ان البحث عنه قليل الجدوى لورود النص على عدم الإعادة مع نسيان الجهر و الإخفات فضلا عن صورة الشك، و لم نعثر على مثال للفرض غير هذا.

هذا ملخص ما أفاده (قدس سره) (1)، و لكن في كلامه مواقع للنظر.

الأول: ما ذكره من عدم جريان قاعدة التجاوز مع الشك في تحقق القصد

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 63- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

201

بتقريب: أن موضوع الأثر ليس هو القصد، بل ما يلازم القصد عقلا من تعنون العمل بعنوان المأمور به أو جهة نشوء الأفعال عن قصد العنوان المأمور به- كما قد يظهر من كلامه- أعني: الترديد في موضوع الأثر فإثبات تحقق القصد بالقاعدة لا يقتضي ثبوت الجهة المرغوبة.

و وجه النّظر فيه: أن الشك في تحقق القصد ملازم للشك في تعنون العمل بعنوان المأمور به أو نشوء الأفعال عن قصد العنوان، فلا ملزم حينئذ لإجراء قاعدة التجاوز في نفس القصد كي يتأتى ما ذكره، بل يمكن حينئذ إجراء القاعدة في نفس موضوع الأثر- و هو أحد الأمرين- لتحقق الشك فيه بالشك في تحقق القصد، فلا يرد ما أفاده كما لا يخفى.

الثاني: ما ذكره من عدم جريان قاعدة الفراغ في الفرض نفسه لعدم إحراز عنوان العمل مع اعتباره في جريانها قياسا على أصالة الصحة في عمل الغير، لأنهما من سنخ واحد و الاختلاف في مورد جريانهما.

و وجه النّظر فيه: ان هذا- على تقدير تسليمه- انما يتأتى في صورة الشك في تحقق أصل قصد العنوان كالشك في تحقق قصد الصلاتية، لعدم إحراز العنوان. أما مع العلم بقصد الصلاتية و الشك في خصوصية القصد من الظهرية و العصرية و نحوهما، فلا مجال لما ذكره من منع جريان قاعدة الفراغ، لإحراز عنوان العمل من كونه صلاة و الشك في صحته و فساده.

مع ان ما ذكره من لا بدية إحراز عنوان العمل في جريان قاعدة الفراغ، كاعتباره في قاعدة الصحة غير مسلم لأن اعتباره في أصالة الصحة لم يكن لقيام دليل عليه، بل لعدم الدليل على عدم اعتباره، حيث ان دليل أصالة الصحة- كما عرفت- دليل لبي لا لفظي، و هو السيرة العقلائية، و معه يقتصر على القدر المتيقن بمجرد الشك، فمع الشك في اعتبار إحراز عنوان العمل و عدمه، يبنى على الاعتبار من باب عدم الدليل على عدمه و الأخذ بالقدر المتيقن من دليل الأصل، و هو غير

202

صورة عدم الإحراز.

و ما نحن فيه ليس كذلك، لأن دليل قاعدة الفراغ ليس دليلا لبيا بل هو دليل لفظي، يمكن التمسك بعمومه مع الشك و لم يقم دليل آخر على اعتبار إحراز العنوان، فلا وجه لتخصيص القاعدة بصورة إحرازه، بل الوجه تعميمها لصورة عدم الإحراز تمسكا بالعموم.

و عليه، فيصح جريانها فيما نحن فيه للشك في أن هذا العمل المأتي به مطابق للمأمور به أو غير مطابق، فتجري فيه قاعدة الفراغ و تثبت صحته و لو لم يحرز العنوان، فتدبر.

و بالجملة: لا دليل صناعيا على ما أفاده، فلا وجه لرفع اليد عن العموم لأن الشك في الصحة يجامع الشك في العنوان فيشمله الدليل. إلا ان يدعى انصراف لفظ الشي‏ء في قوله: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1)، إلى كونه مشيرا إلى الأفعال بعناوينها المأخوذة في ترتب الأثر لا إلى ذات العمل، و هي غير سهلة الإثبات.

الثالث: ما ذكره من عدم جريان قاعدة الفراغ مع الشك في تحقق قصد القربة، بتقريب: انه لا شك في صحة المأتي به بمعنى مطابقته للاجزاء و الشرائط المأمور بها شرعا، للعلم بالمطابقة مع اليقين بعدم تحقق قصد القربة فضلا عن صورة الشك فيه.

و وجه النّظر فيه: انه بعد عدم معقولية أخذ قصد القربة في متعلق الأمر بالعمل أو في متعلق أمر آخر، و حكم العقل بوجوب الإتيان بالعمل مقارنا لقصد القربة، لتوقف تحقق الغرض عليه و تحصيله واجب في مقام الامتثال، لا يمتنع على الشارع الاكتفاء في مقام الامتثال بالإتيان بما يحتمل معه تحقق الغرض، إذ لا مانع من ذلك عقلا، إذ أي محذور في ان يقول الآمر بأني اكتفي في مقام الامتثال باحتمال تحقق الغرض دون الجزم به.

____________

(1) وسائل الشيعة 5- 336 باب 23 من أبواب الخلل، الحديث: 3.

203

و إذا ثبت ذلك في نفسه، فيمكن أن يثبت فيما نحن فيه، بان يكتفي الشارع بالإتيان بما يحتمل تحقق الغرض به في الامتثال، فيكتفي بما يحتمل مقارنته لقصد القربة.

و يكون الدليل المتكفل لذلك هو عموم دليل قاعدة الفراغ، فانه يدل على عدم الاعتناء بالشك و الاكتفاء بالمأتي في مقام الامتثال، و منه ما نحن فيه، فيكون من الاكتفاء بما يحتمل تحقق الغرض به، و قد عرفت انه لا مانع منه، و انه من صلاحيات الشارع. فالتفت.

الرابع: ما ذكره من عدم جريان قاعدة الفراغ في الأثناء مع الشك في الشرط الشرعي للعمل، إلا إذا كان ما مضى من الاجزاء بنحو يعد عملا من الأعمال.

فانه غير وجيه، لأنه إن كان لأجل استفادته من بعض النصوص كقوله (عليه السلام): «كل ما مضى من صلاتك و طهورك ...»- فانه يستفاد منه كون مجرى القاعدة أمرا ذا عنوان مستقل كعنوان الصلاة و الطهور- فذلك يدفعه إطلاق قوله (عليه السلام): «كل ما شككت فيه مما مضى فشكك ليس بشي‏ء»، فانه بإطلاقه يشمل الكل و الجزء و ذا العنوان و غيره.

مضافا إلى ان ما ذكره هاهنا ينافي ما ذكره في آخر كلامه من كون الجزء المشكوك في شرطه موردا لقاعدة الفراغ في نفسه، إلا انها لا تجري لانتفاء الأثر.

و أما ما ذكره من عدم جريان قاعدة التجاوز عن ما لا محل له من الشروط الشرعية كالستر و الاستقبال و قصد القربة- على أحد القولين- فيعرف صحته بإطلاقه و عدم صحته مما نقحناه سابقا. فراجع.

الجهة الحادية عشرة: في جريان قاعدة التجاوز في الطهارات الثلاث.

و التحقيق: انه لا إشكال في عدم جريان قاعدة التجاوز عند الشك في فعل من افعال الوضوء بعد الدخول في غيره و قبل الفراغ من الوضوء فقد انعقد الإجماع على ذلك، و ادعى الشيخ ورود الاخبار الكثيرة في ذلك‏ (1).

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 412- الطبعة القديمة.

204

و قد ألحق الأصحاب الغسل و التيمم بالوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز، فأدلة قاعدة التجاوز مخصصة بالأخبار و الإجماع.

هذا كله مما لا كلام فيه، و انما الكلام في موثقة ابن أبي يعفور: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكّك بشي‏ء. انما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1)، حيث ان ظاهرها إلغاء الشك في أحد الاجزاء الوضوء مع الدخول في الجزء الآخر، و هو يقتضي جريان قاعدة التجاوز في أجزاء الوضوء.

و ذلك ينافي معقد الإجماع و دلالة الاخبار على خروج أفعال الوضوء عن عموم القاعدة.

و قد تخلص الشيخ من هذه المنافاة بإرجاع الضمير في: «غيره» إلى الوضوء، فيكون مفاد الصدر إلغاء الشك في جزء الوضوء مع الدخول في غير الوضوء لا غير الجزء من الاجزاء الأخرى. و هذا لا يتنافى مع معقد الإجماع و الأخبار، لأن مفادهما عدم إلغاء الشك ما دام في الأثناء.

ثم أنه (قدس سره) أفاد: ان الظاهر من الموثقة كون هذا الحكم- و هو عدم إلغاء الشك في أثناء الوضوء- ليس حكما تعبديا صرفا خارجا عن مقتضى القاعدة و ثبت بالتخصيص، و انما هو حكم على طبق القاعدة، بمعنى انه حكم جزئي لقاعدة كلية تنطبق موردا على الوضوء، كما هو مقتضى ذيلها، فان ظاهره انه حكم كلي طبق على المورد، فالمستفاد من الرواية قاعدة كلية مقتضاها عدم إلغاء الشك في جزء العمل، ما دام في أثناء العمل و اختصاص الإلغاء بما إذا دخل في غير العمل‏ (2).

و من هنا يتوجه عليه إشكالان:

أحدهما: ان هذا يستلزم إلغاء الشك في جزء من اجزاء الوضوء باعتبار

____________

(1) وسائل الشيعة 1- 330، باب: 42 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.

(2) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 412- الطبعة القديمة.

205

الشك في جزئه بعد الدخول في غيره، كالشك في غسل بعض اليد بعد الفراغ منها و الدخول في غيرها من إعمال الوضوء، لأنه يصدق عليه انه شك في جزء العمل بعد الفراغ عن العمل و الدخول في غيره، مع ان إلغاء هذا الشك خلاف الإجماع لانعقاده على الاعتناء بمطلق الشك في الأثناء.

و الآخر: هو حصول التعارض بين هذا الخبر و بين الأخبار الدالة على إلغاء الشك في الشي‏ء بعد التجاوز عنه، فيما إذا شك في جزء من أجزاء الوضوء بعد الدخول في غيره من الاجزاء و قبل الفراغ من الوضوء، إذ باعتبار انه شك بعد تجاوز المحل يكون مشمولا لاخبار قاعدة التجاوز. و باعتبار انه شك في جزء العمل قبل الفراغ عن العمل يكون موردا لهذا الخبر.

و قد يستشكل: بان التعارض المذكور حاصل دائما بين منطوق دليل قاعدة التجاوز و مفهوم قاعدة الفراغ عند الشك في الجزء بعد تجاوزه و قبل الفراغ عن العمل، إذ مفاد قاعدة التجاوز عدم الاعتناء بالشك و مفهوم قاعدة الفراغ الاعتناء به لأنه في الأثناء.

و لكنه فاسد جدا، لما عرفت ان هذا التعارض البدوي ينحل بحكومة دليل قاعدة التجاوز على دليل قاعدة الفراغ، لأن الشك في الصحة مسبب عن الشك في الجزء، فيرتفع بجريان قاعدة التجاوز فيه.

و هذا غير ما نحن فيه، لأن المورد واحد لكلتا القاعدتين، و موضوع إحداهما عين موضوع الأخرى، إذ لا شك الا شك واحد تنطبق عليه كلتا القاعدتين.

و قد تفصى الشيخ (رحمه الله) عن هذين الإشكالين: بان الوضوء بأجزائه كلها فعل واحد بنظر الشارع، بمعنى: ان هذا الأمر المركب في الحقيقة اعتبره الشارع أمرا واحدا، فلم يلحظ كل جزء منه فعلا مستقلا بل لوحظ المجموع فعلا واحدا.

و المصحح لهذا الاعتبار هو وحدة المسبب و هو الطهارة، فانها أمر بسيط غير مركب يترتب على الوضوء، و هذا أمر ليس بالغريب المستبعد لارتكاب المشهور مثله‏

206

بالنسبة إلى افعال الصلاة، فانهم لم يجروا قاعدة التجاوز في كل جزء من اجزاء الفاتحة أو الآية أو الكلمة، بل الظاهر كون الفاتحة- بل القراءة- بنظرهم فعلا واحدا، بل القرينة على هذا الاعتبار و الشاهد له هو إلحاق المشهور الغسل و التيمم بالوضوء في هذا الحكم، إذ لا وجه له بحسب الظاهر إلا ملاحظة كون الوضوء أمرا واحدا باعتبار وحدة مسببه، فيطرد في الغسل و التيمم. و إذا ثبت هذا الأمر و تقرر، فلا وجه حينئذ لكلا الإشكالين، لأن اجزاء الوضوء لم تلحظ بنظر الشارع أفعالا مستقلة كي يتحقق التجاوز عنها و الدخول في غيرها- فتكون موردا للتعارض- أو يتحقق الشك في اجزائها بعد الفراغ عنها- فيشملها الذيل فيلزم مخالفة الإجماع-، بل لوحظ مجموعها فعلا واحدا، فالتجاوز عنها لا يتحقق إلّا بعد الفراغ من الوضوء، فالاعتناء بالشك في الأثناء انما كان لعدم صدق التجاوز بنظر الشارع.

و من الغريب ما جاء في تقريرات السيد الخوئي (دام ظله) من حمل كلام الشيخ في نفي جريان قاعدة التجاوز في الوضوء على: ان المطلوب في باب الوضوء هو الطهارة، و هي أمر بسيط لا اجزاء له، و أما الوضوء فهو مقدمة للمأمور به و ليس متعلقا للأمر الشرعي، فلا تجري فيه قاعدة التجاوز. ثم أورد عليه بإيرادين‏ (1). و وجه الغرابة: ان كلام الشيخ في المقام لا غموض فيه، بل هو صريح فيما بيناه و لا إشارة فيه إلى ما جاء في التقريرات. فلاحظه تعرف.

و قد أورد المحقق العراقي (قدس سره) على الشيخ في تقريبه المزبور بوجهين:

الأول: ان وحدة الوضوء الاعتبارية (لا تجتمع مع) تنافي التصريح في صدر الرواية بالشك في شي‏ء من الوضوء الّذي يفيد كون الوضوء عملا ذا أجزاء.

الثاني: انه لو كان الملاك و العلة في هذا الاعتبار وحدة الأثر المترتب على العمل، لاطرد ذلك في سائر العبادات من الصلاة و غيره، فان الصلاة مما يترتب‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول- 3- 314- الطبعة الأولى.