منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
207

عليها أثر واحد بسيط و هو النهي عن الفحشاء و نحوه، مع انه لا إشكال في عدم اطراده لعدم الاعتناء بالشك في جزء الصلاة بعد التجاوز عنه و قبل الفراغ من الصلاة، بلا ريب و لا إشكال. و ذلك دليل عدم اعتبار الوحدة، و إلّا لما جرت قاعدة التجاوز في الأثناء (1).

و كلا الوجهين مخدوش فيهما:

أما الأول: فلأن الواحد بالاعتبار لا بد و ان يكون مركبا في نفسه و واقعه، و إلا لما احتيج إلى اعتبار وحدته.

و عليه، فهو ذو مرتبتين: مرتبة الاعتبار، و هو فيها أمر واحد بسيط. و المرتبة السابقة على الاعتبار، و هو فيها أمر مركب ذو أجزاء. و لا إشكال في صحة إطلاق المركب عليه باعتبار المرتبة السابقة على الاعتبار، بل لا إشكال في صحته مع التصريح باعتبار الوحدة، بان يقول المعتبر: «هذا الأمر ذو الاجزاء قد اعتبرته واحدا»، فمع قيام الدليل و ثبوت اعتبار الوحدة يحمل التعبير الدال على التركيب على لحاظ المرحلة السابقة على الاعتبار، و منه ما نحن فيه، فالتعبير في الصدر بالشك في شي‏ء من الوضوء لا ينافي اعتبار الوحدة لو ثبت و تم الدليل عليه.

و أما الثاني: فلأن الأثر الّذي يترتب على العمل تارة: يكون تكوينيا.

و أخرى: يكون جعليا. و الأثر الشرعي تارة: تكون نسبته إلى ذي الأثر نسبة الحكم إلى الموضوع. و أخرى: تكون نسبته إلى ذيه نسبة المسبب إلى السبب- و الفرق بين السبب و الموضوع ليس محل بيانه هنا بل يذكر في مبحث النهي عن المعاملة- و الأثر المترتب على الوضوء و أخويه أثر شرعي نسبته إلى ذيه نسبة المسبب إلى السبب. فملاكية وحدة المسبب لاعتبار وحدة الوضوء انما تقتضي اطراد ذلك في كل أمر يترتب عليه أثر نسبته إليه نسبة المسبب إلى السبب دون كل أمر

____________

(1) البروجردي الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 49- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

208

يترتب عليه أثر ما.

و هذا انما يكون في العقود، لأنها سبب في ترتب آثار عليها. أما الصلاة و نحوها من العبادات فآثارها تكوينية لا جعلية، فلا تصلح مادة للنقض على الاطراد، لعدم اعتبار الوحدة فيها، بل النقض انما يتوجه بباب العقود.

و لكن لم يثبت الالتزام بجريان قاعدة التجاوز في اجزائها قبل تمامها كي يكون ذلك دليلا على عدم اعتبار الوحدة مع وحدة المسبب. كما ان عدم الالتزام بها في هذا الباب لا يستلزم أي محذور.

ثم أنه (قدس سره) ذكر تقريبا للتخلص عن منافاة الموثقة للأدلة الخاصة، و محصله: انه يلتزم برجوع الضمير في: «غيره» إلى الوضوء بقرينة الإجماع و النص و قرب المرجع، و ذلك يرجع إلى الالتزام بتقييد التجاوز عن المشكوك فيه في خصوص اجزاء الوضوء بالتجاوز الخاصّ المساوق للتجاوز عن الوضوء مع إبقاء التجاوز في الذيل على إطلاقه و ظهوره في مطلق التجاوز عن الشي‏ء، و مرجع الالتزام بتقييد التجاوز في باب الوضوء إلى التوسعة في محل الجزء و انه لا يتحقق التجاوز عن محله الا بعد الفراغ من الوضوء.

و بالجملة: الموثقة صدرا و ذيلا ظاهرة في اعتبار القاعدة، إلا أن موضوعها- و هو التجاوز- مقيد بنحو خاص في خصوص مورد الرواية و هو الوضوء. و لا محذور في تقييد المورد، بل هو واقع، مثل تقييد مورد مفهوم آية النبأ المفروض كونه في الموضوعات الخارجية بصورة انضمام خبر عدل آخر، مع إبقاء الكبرى على شمولها لقبول خبر العادل بلا ضميمة خبر عدل آخر إليه في غير المورد.

و بهذا البيان يندفع ما ذكر من الإشكال على الموثقة.

و قد ذكر الإشكالات و بيان اندفاعها بهذا التقريب. و لا حاجة لنا ببيانه.

و ما ذكره (قدس سره) من توجيه الرواية و ان كان أمرا دقيقا وجيها في نفسه، إلّا ان إرادته من مثل هذا التعبير لا يساعد عليه الذوق العرفي لأساليب‏

209

الكلام، و ذلك لأن لفظ الوضوء و ان كان اقرب إلى الضمير من لفظ: «شي‏ء»، لكن المسوق له الكلام هو: «شي‏ء»، و الوضوء ملحوظ من متعلقات ما هو المسوق له الكلام، و ذلك يقتضي كون مرجع الضمير هو: «شي‏ء»، لا الوضوء. مضافا إلى ان تقييد مورد العام، أو المطلق بقيد و إثبات حكم العام له بلسان ثبوت الحكم لسائر افراد العام- كما لو قال: «أكرم زيدا العالم إذا كان عادلا» لوجوب إكرام العالم- مستهجن عرفا و ان رجع إلى أخذ الموضوع في المورد بنحو خاص، كما لا يخفى على من له مرانة في كلام العرب.

و أما ما ذكره بالنسبة إلى آية النبأ ففيه: ان مورد الآية لم يطرأ عليه تقييد، إذ ليس المورد هو الموضوع الخارجي، بل موردها خبر الفاسق في الموضوع الخارجي. و المفروض ان الآية نفت حجيته بلا تقييد.

و المتحصل: ان ما أفاده الشيخ (قدس سره) في مدلول الرواية و توجيهه بنحو لا يرد عليه الإشكالات و ان كان في نفسه متينا و لكنه احتمال لا دليل عليه. كما ان ما ذكره المحقق العراقي وجيه لو لا بعده عن الذوق العرفي.

فالأولى في حل إشكال معارضة الإجماع و النص أن يقال: [1] ان الضمير في‏

____________

[1] ان ضمير «غيره» يرجع إلى الجزء المشكوك فيه، و لكن المراد بالشك فيه ليس الشك في وجوده- كما هو ظاهره الأولى مثل الشك في صحته-، فتكون الرواية ناظرة إلى إهمال الشك في صحة الجزء بعد الدخول في غيره، فلا تنافي بما دل على الاعتناء بالشك في وجود الجزء إذا كان في أثناء الوضوء، كرواية زرارة المتقدمة، و القرينة على حمل الشك في الشي‏ء في رواية ابن أبي يعفور على الشك في الصحة هي الذيل الوارد مورد التطبيق، و ذلك لأن تجاوز الشي‏ء لا يصدق إذا لم يكن نفس الشي‏ء موجودا. فقوله و «انما الشك إذا كنت في شي‏ء لم تجزه» ظاهر في المفروغية عن تحقق الشي‏ء، فيكون قرينة على كون المراد بالشك فيه هو الشك في صحته لا في وجوده، و قد تقدم صحة إرادة الشك في الصحة من الشك في الشي‏ء، و ان كان خلاف الظهور الأول لكن يحمل الكلام عليه مع القرينة.

210

«غيره» و ان كان بالظهور البدوي راجعا إلى الشي‏ء المشكوك فيه، إلّا ان إرجاعه إلى الوضوء بقرينة الإجماع و النص على عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء، و قرب المرجع لا يكون فيه مخالفة صريحة للظاهر، فإذا أرجع الضمير في:

«غيره» إلى الوضوء، كان الصدر ظاهرا في عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء، و ان عدم الاعتناء بالشك انما يكون بعد الفراغ من الوضوء، و حينئذ يرتفع التنافي بين الصدر و بين الإجماع و النص كما لا يخفى.

يبقى تطبيق الحصر في الذيل على الصدر، و الأفضل ان يقال فيه: ما أشرنا إليه سابقا في روايات الباب، و هو: ان الذيل ليس ظاهرا في ضرب قاعدة كلية بمفاد قاعدة التجاوز- كما أفاده العراقي- بل يمكن ان يكون لضرب قاعدة كلية بمفاد قاعدة الفراغ، و ذلك بقرينة اسناد التجاوز إلى نفس الشي‏ء الظاهر في كون أصل الشي‏ء مفروغا عن وجوده و الشك في صحته، و ان كان الشك في الشي‏ء ظاهرا بدوا

____________

- و يمكن ان يحل الإشكال في الرواية بوجه آخر و هو أن يقال: بان المراد من ضمير: «غيره» هو الوضوء و الملحوظ في الرواية نفي الشك في الصحة لا في الوجود، بأن يكون المراد بالشك في الشي‏ء ليس مدلوله المطابقي بل المدلول الالتزامي بنحو الكناية و هو الشك في الصحة، لأن الشك في وجود بعض الأجزاء يلازم الشك في صحة الوضوء، فتكون رواية ناظرة بصدرها و ذيلها إلى بيان جريان قاعدة الفراغ في الوضوء إذا كان الشك بعد الانتهاء عنه، و عدم جريانها إذا كان الشك في الأثناء.

و بهذا البيان نتخلص عن إشكال تقييد المورد الّذي تقع فيه إذا كان المنظور في الصدر جريان قاعدة التجاوز. و لكن هذا الوجه انما نلتزم به و نرفع اليد عن الوجه الأول الّذي هو أقرب للظاهر إذا فرض ان رواية زرارة الدالة على الاعتناء بالشك في أثناء الوضوء تشمل مطلق الشك الأعم من الشك في صحة الجزء أو وجوده، فتكون قرينة على التصرف في هذه الرواية و حمل صدرها على إرادة الدخول في غير الوضوء و اما لو فرض استظهار كون موردها خصوص الشك في وجود الجزء- كما هو القريب- فلا وجه لرفع اليد عن التوجيه الأول و حمل الرواية على بيان جريان قاعدة الفراغ في أثناء الوضوء مع الشك في صحة الجزء، فتدبر.

211

في الشك في أصل وجود الشي‏ء، إلّا انه يحمل على الشك في الصحة بقرينة اسناد التجاوز، و كونه تطبيقا على الصدر الّذي عرفت انه من موارد قاعدة الفراغ.

و حمل الذيل على ما أفاده الشيخ خلاف الظاهر، لأنه يستلزم ان يكون متعلق الشك غير متعلق التجاوز، و هو خلاف ظاهر الكلام، كما انه يلزم منه التأويل المذكور للتخلص عما يرد عليه من الإشكال و هو مئونة زائدة غير ظاهرة من الكلام.

فالحاصل: ان الرواية أجنبية بالمرة عن جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء، بل هي متكفلة صدرا و ذيلا لبيان جريان قاعدة الفراغ فيه، فلا منافاة بينها و بين الإجماع و النص فالتفت.

ثم انه لا وجه لإلحاق الغسل و التيمم بالوضوء في عدم جريان قاعدة التجاوز بعد اختصاص الإجماع و النص بالوضوء، لشمول مطلقات القاعدة لهما بلا مخصص و مقيد. فتدبر [1].

____________

[1] قد عرفت عدم جريان قاعدة التجاوز في أجزاء الوضوء. فهل تجري قاعدة الفراغ فيها مع الشك في صحتها أو لا؟. فمثلا إذا دخل في غسل اليد اليسرى و شك في صحة غسل اليمنى أو الوجه لفقد بعض شرائطه، فهل تجري قاعدة الفراغ لإثبات صحة الغسل أو لا؟.

و لا يخفى ان البحث في ذلك بعد الفراغ عن جريان القاعدة في الشك في صحة الجزء بعد الفراغ منه بقول مطلق و في سائر المركبات.

و التحقيق: ان مقتضى العموم كقوله (عليه السلام): «كل شي‏ء شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» هو جريان القاعدة في الوضوء. و انما الشبهة من جهة رواية زرارة الآنفة الذّكر الدالة على الاعتناء بالشك في الأثناء. لكن عرفت انها ظاهرة في كون موضوعها خصوص الشك في وجود الجزء فلا تشمل الشك في صحة الجزء المشكوك.

هذا و قد استثنى السيد الخوئي- كما في مصباح الأصول- من ذلك ما إذا كان الشك فيما سماه اللّه سبحانه في كتابه كما لو شك في الغسل بالماء المطلق أو المضاف، فانه لا تجري قاعدة الفراغ في الجزء المشكوك لكون الشك فيما سماه اللّه كما يظهر من قوله: «فاغسلوا وجوهكم ...» بضميمة

212

الجهة الثانية عشرة

: هل يختص جريان قاعدة الفراغ بصورة الشك في الغفلة و الذّكر حال العمل أو يعم صورة ما إذا علم بالغفلة و لكنه احتمل الإتيان بالمشكوك من باب الاتفاق؟.

التزم المحقق النائيني‏ (1)، بالتعميم لعموم الأدلة. و خالفه السيد الخوئي‏ (2)،

____________

- «فان لم تجدوا ماء»، و إذا كان الشك فيما سماه اللّه سبحانه كان مشمولا لرواية زرارة الدالة على الاعتناء بالشك فيه.

و ما ذكره حفظه اللّه تعالى لا يخلو عن كلام و ذلك: لأن المستفاد من رواية زرارة إن كان الاعتناء بالشك في خصوص وجود الاجزاء غسلا أو مسحا بحيث كان قوله (عليه السلام) فيها:

«مما سماه اللّه ...» قيدا توضيحيا، لأن جميع الغسلات و المسحات مما ذكرت في الكتاب الكريم، فلا نظر للرواية حينئذ إلى الشك في مثل الغسل بالماء أو من الأعلى أو غير ذلك مما يرتبط بصحة الجزء.

و إن كان المستفاد منها هو الاعتناء بالشك في كل ما يرتبط بالوضوء من اجزاء و شرائط بقول مطلق، فيكون قوله (عليه السلام) «مما سماه اللّه» قيدا احترازيا.

و من الواضح ان مقتضاها حينئذ تخصيص قاعدة الفراغ أيضا فلا تشمل مورد الشك في أثناء الوضوء، لكن لا يخفى ان التقييد بما سماه اللّه كما يستلزم طرح قاعدة الفراغ في اجزاء الوضوء في خصوص ما إذا رجع الشك فيه إلى الشك فيما سماه اللّه كذلك يستلزم تقييد إلغاء قاعدة التجاوز في خصوص ذلك المورد، فالالتزام بعدم جريان قاعدة التجاوز في اجزاء الوضوء و شرائطه بقول مطلق، و تخصيص عدم جريان قاعدة الفراغ بخصوص ما إذا رجع الشك إلى الشك فيما سماه اللّه ليس بصحيح. فما أفاده لا يخلو عن إشكال، و بعبارة أوضح نقول: ان القدر المتيقن من الرواية هو نظرها إلى إلغاء قاعدة التجاوز في الوضوء بلا إشكال لدى الكل، و عليه فيكون التقييد المزبور راجعا إلى تقييد إلغاء قاعدة التجاوز لا خصوص قاعدة الفراغ. فانتبه.

ثم أنك قد عرفت ان الرواية تختص بالشك في خصوص وجود الغسلات و المسحات و لا نظر لها إلى غير ذلك. و عليه فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في اجزاء الوضوء بقول مطلق. فتدبر.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 481- الطبعة الأولى.

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 306- الطبعة الأولى.

213

فالتزام بالتخصيص، بمقتضى التعليل المذكور في الرواية، و لكون مرجع القاعدة إلى أصالة عدم الغفلة، و هي انما تجري مع الشك في الغفلة، اما مع العلم بها فلا وجه لجريانها.

و التحقيق ان يقال: ان القاعدة إن كانت من الأصول التعبدية، فمقتضى عموم دليلها هو تعميم جريانها للصورتين لتحقق موضوعها و هو الشك في الصحة.

و ان [1] كانت من الأمارات، فالأمر يختلف باختلاف ملاك الأمارية، فقد ذكر لها ملاكات ثلاثة:

الأول: ما ذكره المحقق النائيني، و هو الملازمة النوعية بين الإرادة المتعلقة بالمركب و الإتيان بالجزء، فان إرادة المركب هي المحركة لكل واحد من الاجزاء في محله و ان كان الجزء حال الإتيان به مغفولا عنه إلّا ان الإتيان به ناش عن الإرادة الإجمالية الارتكازية و لا يحتاج إلى تعلق الإرادة التفصيلية به‏ (1).

الثاني: ان العاقل إذا أراد الإتيان بعمل ما فمقتضى القاعدة عدم غفلته عن الإتيان بخصوصياته و اجزائه، فهذا الوجه في الحقيقة يرجع إلى أصالة عدم الغفلة.

الثالث: ان العاقل إذا اعتاد على عمل ما، و أراد الإتيان به فهو بمقتضى طبعه و عادته لا يترك اجزاء العمل و خصوصياته.

____________

[1] تحقيق الحال في ذلك بإجمال: ان ما ذكر لكون قاعدة الفراغ أمارة وجوه استحسانية لا دليل عليها، مع ان الأول يرتبط بقاعدة التجاوز و لا يشمل قاعدة الفراغ، لأن من مواردها المتيقنة مورد احتمال الغفلة من حين العمل، و لا يتأتى فيه الملاك المزبور.

و اما استفادة الأمارية من التعليل المذكور في رواية الوضوء، و هو قوله (عليه السلام): «هو حين يتوضأ اذكر من حين يشك» فسيأتي الكلام فيه و بيان اختصاصه بصورة خاصة، فلا يصلح لتقييد المطلقات.

اذن، فالعمل على طبق مطلقات الباب الشاملة لصورة العلم بالغفلة متعين.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 463- الطبعة الأولى.

214

فعلى الملاك الأول، يختص جريان القاعدة بصورة العلم بتحقق الالتفات أول العمل المركب و ان احتمل تبدله إلى الغفلة في الأثناء، إذ مع عدم العلم بالالتفات لا يحرز تحقق ملاك جريان القاعدة، و هو الملازمة بين إرادة المركب و الإتيان بالجزء، إذ لا يعلم بتحقق الإرادة للمركب.

و على الملاك الثاني: تشمل القاعدة صورة الشك في الغفلة و الذّكر من أول العمل لأصالة عدم الغفلة من العاقل عن خصوصيات العمل الّذي يشرع فيه.

و لكنها لا تشمل صورة العلم بالغفلة و ان احتمل تبدلها إلى الذّكر في الأثناء لمزاحمة استصحاب الغفلة لهذا الأصل العقلائي في أماريته و كشفه.

و على الملاك الثالث: فالقاعدة تشمل جميع الصور حتى صورة العلم بالغفلة و استمرارها إلى ما بعد محل المشكوك فيه، لثبوت الملاك في هذه الصورة- و هو اقتضاء الطبع و العادة للإتيان بالجزء و ان كان مغفولا عنه بالمرة- نعم، يستثنى منها صورة ما إذا كانت الغفلة عن الجزء أو الشرط ناشئة عن الجهل بحكمه فان العادة لا تقضي بالإتيان به لعدم تحققها بالنسبة إليه، كما لو لم يكن يعلم بوجوب السورة و لم يكن يخطر على باله وجوبها و شك بعد الإتيان بالعمل في أنه جاء به مع السورة أو بدونها.

فالمتحصل ان الصور أربع:

الأولى: العلم بتحقق الالتفات حال العمل و الشك في تبدله في الأثناء إلى الغفلة.

الثانية: الشك في تحقق الغفلة أو الذّكر حال العمل.

الثالثة: العلم بالغفلة حال العمل و الشك في تبدله إلى الالتفات في الأثناء.

الرابعة: العلم بالغفلة و استمرارها.

فالقاعدة بالملاك الأول تجري في خصوص الصورة الأولى.

و بالملاك الثاني تجري في الصورتين الأولتين.

215

و بالملاك الثالث تجري في جميع الصور إلا ما عرفت استثناءه من الصورة الأخيرة.

و قد يستدل على جريان قاعدة الفراغ في صورة العلم بالغفلة عن المشكوك فيه برواية الحسين بن أبي العلاء: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت؟ قال: حوّله من مكانه. و قال: في الوضوء تديره فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد الصلاة» (1)، فانها تدل على عدم الاعتناء بالشك في وصول الماء إلى البشرة بعد الفراغ مع العلم بالغفلة عن ذلك و عدم الالتفات إليه لنسيان تحريك أو تحويل الخاتم.

و قد نوقش الاستدلال بها: بان الظاهر من الخبر ان التحويل و الإدارة مطلوبان في أنفسهما لا باعتبار وصول الماء إلى البشرة المخفية بالخاتم، إذ لا وجه لذكر التحويل في الغسل و الإدارة في الوضوء لو كانا مطلوبين لا لإيصال الماء لكفاية العكس في ذلك، بل كل منهما كاف في ذلك في الوضوء و الغسل. فهذا التفريق بينهما شاهد في مطلوبيتهما في أنفسهما، غاية الأمر علم من الخارج عدم وجوبهما، بل نفس الخبر يدل على ذلك لقوله: «فان نسيت فلا آمرك ان تعيد الصلاة»، فانه يدل على انهما ليسا شرطين لصحة الغسل و الوضوء، بل هما امران راجحان فيهما. و على كل فالخبر أجنبي عن المدعى.

و لكن هذه المناقشة لا تخلو من إشكال، فانه مما لا يخفى على من له أدنى ذوق ان سؤال السائل عن الخاتم في الغسل ليس إلّا لما يترتب عليه من منع لوصول الماء أو شك في ذلك، أما السؤال عن الخاتم لاحتمال خصوصية فيه فهذا بعيد عن ظاهر السؤال. فتوجيه الجواب بما ذكر بعيد عن ظاهر السؤال.

فالتحقيق في الإشكال على الاستدلال بهذه الرواية، أن يقال: ان طريق العلم‏

____________

(1) وسائل الشيعة 1- 329، باب 41 من أبواب الوضوء، الحديث: 2.

216

بوصول الماء إلى البشرة تحت الخاتم و عدمه موجود غالبا، و ذلك بملاحظة الخاتم من ناحية الضيق و السعة، و لو وصل إليه الماء فهو بغير الشرط الشرعي من الترتيب، فلا بد من حمل الرواية على صورة العلم بعدم وصول الماء- لا الشك فيه لعدم تحققه غالبا- فيكون غرض الإمام (عليه السلام) هو الأمر بإيصال الماء و لزوم غسل ما تحت الخاتم، و الإدارة و النزع طريقان إليه و الاختلاف بينهما تفنن في التعبير لا لخصوصية فيهما و الإشارة إلى كفايتهما معا. ثم ما ذكره من عدم الأمر بالإعادة عند النسيان يحمل على العفو عن عدم وصول الماء إلى بعض البشرة في صحة الصلاة بعد فراغها و يكون مقيدا لحديث: «لا تعاد» ان التزمنا بشموله لصورة الإخلال بغسل بعض البشرة، و لم نقل بظهوره في الاختصاص بصورة ترك أصل الطهارة و لا يشمل صورة الإخلال بها.

الجهة الثالثة عشرة: في جريان القاعدة مع الشك في الصحة مع كون صورة العمل محفوظة.

و توضيح الحال: ان الشك في الصحة تارة: يكون ناشئا عن الشك في أمر اختياري للمكلف، كالإتيان بالجزء أو الشرط. و أخرى: يكون ناشئا عن الشك في أمر غير اختياري له، كما لو صلى إلى جهة معينة، ثم يشك في ان هذه الجهة هي القبلة أو لا؟ فان كون هذه الجهة هي القبلة ليس بأمر اختياري للمكلف. و يعبر عن هذه الصورة بالشك في الصحة مع كون صورة العمل محفوظة.

فالقسم الأول، هو القدر المتيقن من موارد قاعدة الفراغ.

و أما القسم الثاني، فهو محل الكلام.

و قد اختار المحقق النائيني عدم جريان القاعدة فيه، لأن الأدلة انما تشمل صورة الشك في انطباق المأتي به على المأمور به. أما صورة الشك في انطباق المأمور

217

به على المأتي به- كما فيما نحن فيه- فلا تشمله الأدلة (1).

و لم يذكر وجه عدم شمول الأدلة له.

و لا يخلو الحال في الوجه فيه عن أحد أمور ثلاثة:

اما إجمال الأدلة فيقتصر فيها على القدر المتيقن، و هو غير هذه الصورة.

و اما انصرافها إلى غير هذه الصورة.

و اما دعوى: ان سياق الكلام يدل على ان مورد القاعدة ما إذا كان الشك راجعا إلى العمل بحيث يكون محله العمل لا ان يكون المشكوك فيه أمرا خارجا عنه و ان ارتبط به.

و الأول: لا يعترف به (قدس سره)، إذ لا يقول بإجمال الأدلة.

و الثاني: ممنوع في نفسه، مضافا إلى أنه لا يقول بالانصراف الا في موارد خاصة- و هي موارد التشكيك في الصدق- ليس ما نحن فيه منها.

و الثالث: لا يخلو عن المغالطة، لأن الشك و ان تعلق أولا، و بالذات بالأمر الخارج عن العمل، لكنه يسبب الشك في صحة العمل باعتبار تحقق الشرط بالموجود، فيكون موردا للقاعدة.

و بهذا البيان يندفع ما يظهر منه (قدس سره) من: ان الشك هاهنا راجع إلى وجود الأمر، و مجرى قاعدة الفراغ هو الشك في الامتثال، و وجه اندفاعه: ان أصل وجود الأمر لا شك فيه، إذ لا شك في شرطية الاستقبال، و انما يشك في موافقة ما أتي به لما هو المأمور به، و هو مجرى القاعدة.

فالتحقيق ان يقال: ان بني على أصلية القاعدة، فالقول بجريانها في هذه الصورة متعين، لإطلاق الأدلة، و لا دليل يعتد به على التخصيص، إلّا ان يدعى انصرافها إلى ما إذا كان الشك في الموافقة و عدمها إلى ما يرجع إلى اختياره بحيث‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 482- الطبعة الأولى.

218

يكون عدم مطابقة المأتي به للمأمور به ناشئة عن تركه الاختياري، لا عن امر آخر، فتأمل.

و أن بني على الأمارية بمقتضى التعليل بالأذكرية، أو بغيره من الملاكات، فلا وجه لجريانها، لأن الأذكرية انما هي بالنسبة إلى ما يمكن صدوره منه و تحققه باختياره، أما بالنسبة إلى ما هو خارج عن اختياره فلا يتحقق ملاك الأذكرية، إذ الشك في الصورة لا يرجع إلى الغفلة و عدم الالتفات و لا يرتبط بها أصلا، إذ هو حاصل حتى مع العلم بالاتجاه إلى هذه الجهة و الالتفات إليه. فتدبر.

الجهة الرابعة عشرة: فيما إذا كان الشك في الصحة ناشئا عن الشبهة الحكمية

، كما لو صلى و شك في ان صلاته كانت مع السورة أو بدونها مع الجهل بوجوب السورة.

و قد ذكر المحقق النائيني (قدس سره): ان الشك تارة: يكون في مطابقة عمله لفتوى مجتهده الّذي تحقق منه تقليده. و أخرى: يكون في مطابقة عمله للمأمور به الواقعي مع عدم تحقق تقليد منه.

ففي الشق الأول تجري القاعدة، لكون الشك في مطابقة المأتي به للمأمور به المعين، فيكون كالشبهة الموضوعية.

و أما الشق الثاني، فلا تجري فيه القاعدة، لأن التكاليف الواقعية تكون منجزة بواسطة العلم الإجمالي، فيجب الخروج عن عهدته اما بإحراز إتيانه أو بإتيان بدله الظاهري، كما في صورة الانحلال بالتقليد. و قاعدة الفراغ لا تثبت انطباق الأمر الواقعي المجهول على المأتي به‏ (1).

و ما أفاده في كلا الشقين ممنوع ..

أما الشق الأول، فلا بد من التفصيل بين الأمارية و الأصلية، فتجري على‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 481- الطبعة الأولى.

219

الثاني دون الأول، لعدم تحقق ملاكها مع الجهل بالحكم حال العمل كما تقدم.

مع ان ما ذكره من كونه من الشبهة الحكمية عجيب، لأنه بعد تقليده تعين لديه المأمور به و انه مع السورة- مثلا- فالشك يرجع حينئذ إلى انه جاء بالمأمور به أو لا، و هذا شك في الموضوع كما لا يخفى. نعم، قبل التقليد كان جاهلا حكما، إلا أنه في حال إجراء القاعدة بعد التقليد يرتفع جهله الحكمي، فالشق المذكور من صور الشبهة الموضوعية.

و أما الشق الثاني، فما ذكره من عدم انحلال العلم الإجمالي و تنجزه، ان كان تمهيدا لبيان عدم جريان القاعدة، فلا كلام فيه، و اما ان كان تتمة للاستدلال على عدم جريانها، فلا يعرف له وجه، لأن قاعدة الفراغ مؤمنة في صورة العلم التفصيليّ بالتكليف، فضلا عن صورة العلم الإجمالي، فلا فرق في الانحلال بين التقليد و عدمه.

الجهة الخامسة عشرة: هل يعتبر في جريان قاعدة الفراغ ان يكون الشك حادثا بعد العمل أو لا

، فتجري و لو كان الشك قد حدث في الأثناء؟

التحقيق: هو الأول.

أما على القول بان القاعدة أمارة، فواضح: لأنه إذا فرض ان الشك كان في أثناء العمل فلا تتحقق أذكريته، بل لا معنى لها، إذ حاله قبل الفراغ كحاله بعد الفراغ لأنه شاك في الحالين.

و أما على القول بأنها أصل، فلظهور الروايات في كون موضوع الإلغاء هو الشك المتعلق حدوثا بالعمل الماضي المفروغ عنه لا الشك الحادث قبل الفراغ المستمر إلى ما بعد الفراغ كما لا يخفى [1].

____________

[1] و قد تعرض بعض الاعلام في هذا المبحث إلى فرع تقدم تحقيق الكلام فيه في أوائل الاستصحاب و هو ما إذا شك الإنسان قبل صلاته في الطهارة و الحدث و كانت حالته السابقة هي الحدث فاستصحبه ثم غفل و صلى، و بعد صلاته تنبه، و حصل له الشك في صحة صلاته لاحتمال الطهارة واقعا.

220

...........

____________

- و لهذا الفرع صورتان: إحداهما: ان يعلم بأنه لم يتوضأ بعد الاستصحاب و انما يتمحض احتمال الصحة باحتمال الطهارة الواقعية، و الأخرى: ان يحتمل أنه توضأ بعد الاستصحاب كما يحتمل ان يكون غفل و صلى بدون وضوء رافع للحدث الثابت بالاستصحاب.

و قد التزم المحقق النائيني بجريان قاعدة الفراغ في الصورة الثانية دون الأولى، و وجّه جريانها بان حكم استصحاب الحدث لا يزيد على حكم اليقين الوجداني به و لا شك انه مع اليقين بالحدث قبل الصلاة ثم شك بعد الصلاة في أنه توضأ ثم صلى أو غفل و صلى تجري في حقه قاعدة الفراغ، فكذلك ما إذا كان مستصحب الحدث.

و أما عدم جريانها في الصورة الأولى، فلأجل الاستصحاب الجاري قبل العمل و عدم احتمال انتقاضه، و قاعدة الفراغ ناظرة إلى الاستصحاب الجاري بعد العمل بلحاظ الشك الحاصل بعد العمل، و لا نظر لها إلى الاستصحاب الجاري قبل العمل بلحاظ الشك الحاصل قبل العمل.

و قد ناقشه المحقق العراقي: بأنه لا وجه للتفكيك بين الصورتين، فإن القاعدة لا تجري في كلتا الصورتين، و ذلك لأن المعتبر في القاعدة ان لا يكون الشك في الصحة مسبوقا بشك آخر قبل العمل من سنخه أو غير سنخه. و بما ان الشك في كلتا الصورتين مسبوق بشك آخر قبل العمل لم يكن من موارد القاعدة.

كما انه ناقش ما أفاده في الصورة الأولى من عدم حكومة قاعدة الفراغ على الاستصحاب الجاري قبل العمل، بان الاستصحاب بما أنه حكم مجعول بلحاظ التنجيز و التعذير فلا يجري إلا مع الالتفات، اما مع الغفلة كما هو المفروض فيما نحن فيه فلا مجال لتأثيره لامتناع التنجيز في حق الغافل، إذن فلا استصحاب أثناء العمل كي يكون مقدما على قاعدة الفراغ.

أقول: قد تقدم منا تقريب جريان استصحاب الحدث مع الغفلة ببيان: ان الاستصحاب إنما يتكفل التنجيز في الأحكام التكليفية دون الوضعيّة كالحدث و الطهارة و الملكية و الزوجية و نحو ذلك، فلا مانع من جريانه مع الغفلة، فكما أن وجودها الواقعي لا يرتفع بالغفلة كذلك وجودها الظاهري، و لذا تترتب آثار الملكية و نحوها من الأحكام الوضعيّة مع الغفلة عنها.

و أما ما أفاده في مناقشة جريان قاعدة الفراغ في الصورة الثانية، من عدم جريان قاعدة الفراغ في الشك المسبوق بشك آخر من سنخه أو من غير سنخه.

221

...........

____________

- فيمكن التأمل فيه بأن أصل الكبرى التي فرضنا و ان كانت لا تخلو عن قرب بعد حملها على ان يكون المراد من إرادة الشك غير المسانخ ما لو نحو ارتباط بالشك في الصحة لا مطلق الشك غير المسانخ و لو كان أجنبيا بالمرة عن الشك في الصحة إذ لا وجه له محصل.

و وجه قرب ذلك: ان الشك في الصحة و ان كان حادثا بعد العمل إلا ان المرفوع بقاعدة الفراغ هو الشك في أداء الوظيفة و الخروج عن العهدة، و مع وجود الشك السابق، لا يرجع الشك في الصحة إلى الشك في أداء الوظيفة لأن الشك السابق معين لوظيفة خاصة على المكلف و المعلوم عدم أدائها.

لكن الإشكال في تطبيقها على ما نحن فيه، فانها تختص بما إذا كان الشك السابق حادثا حين العمل لا ما إذا كان قبل العمل بمدة و احتمل الالتفات حال العمل، و العمل بما هو مقتضى وظيفة الشاك من الوضوء و رفع الحدث الاستصحابي، فان أداء الوظيفة مشكوك في هذا الحال لا معلوم العدم. فلا مانع من جريان القاعدة.

و على هذا فالتفصيل بين الصورتين كما أفاده المحقق النائيني وجيه. فتدبر.

ثم ان المحقق العراقي تعرض إلى البحث في جهتين آخرتين:

الجهة الأولى: في ان المضي على المشكوك فيه في مورد قاعدة التجاوز رخصة أو عزيمة، و قد ذهب (قدس سره) إلى انه عزيمة، فلا يجوز الإتيان بالمشكوك و لو برجاء الواقع و يكون الإتيان به من الزيادة العمدية بالنسبة إلى المشكوك و الغير الّذي دخل فيه و ذلك يوجب البطلان، و استند في ذلك إلى ظهور الأمر بالمضي في اخبار الباب و قوله (عليه السلام): «بل قد ركعت» في وجوب البناء على وجود المشكوك فيه و تحققه في محله، فلا يشرع الاحتياط لعدم الموضوع له بعد حكم الشارع بوجود المشكوك. هذا ما أفاده (قدس سره).

و يمكن المناقشة في استدلاله و ما رتبه من الأثر على مدعاه.

أما استدلاله، فلأنه من الواضح ان قوله (عليه السلام): «بلى قد ركعت» لا يراد به الاخبار عن تحقق الركوع واقعا، و انما هو تعبد ظاهري بتحقق الركوع و من البين ان الحكم الظاهري لا يمنع من الاحتياط فيما نحن فيه، لأنه مسوق مساق التأمين و التعذير فهو رخصة لا عزيمة.

و أما الأمر بالمضي، فهو أمر واقع مورد توهم الحظر يعني: حظر المضي و لزوم العود و إتيان‏

222

...........

____________

- المشكوك، فلا يفيد سوى عدم الحظر و عدم لزوم العود لا لزوم المضي و حرمة العود، فالتفت.

و أما ما رتبه من الثمرة، و هو ان الإتيان بالمشكوك يكون من الزيادة العمدية، فيرد عليه: انه لا يتم في الاجزاء التي يتقوم صدق زيادتها بإتيانها بقصد الجزئية كالقراءة و التشهد و نحو ذلك، إذ بالإتيان بها رجاء لا تصدق الزيادة لعدم قصد الجزئية.

نعم، في مثل السجود و الركوع بناء على القول بتحقق زيادتهما بمجرد الإتيان بهما بذاتهما و لو لم يقصد بهما الجزئية يتأتى ما ذكره. مع إمكان الرجوع إلى أصالة عدم زيادة الركوع في نفى عروض المبطل على الصلاة الواقعية. فتأمل.

الجهة الثانية: في انه إذا دار امر الجزء الفائت بين ما يستلزم فواته البطلان كالركن و ما لا يستلزم فواته البطلان كغير الركن، فهل تجري قاعدة التجاوز في كلا الجزءين و تسقط بالمعارضة أو لا؟ كما لو علم إجمالا بفوات الركوع منه أو التشهد فانه قد يقال ان كلا من الركوع و التشهد مجرى القاعدة و مقتضى ذلك التساقط. لكنه «(قدس سره)» ذهب إلى عدم جريان القاعدة في مثل التشهد، و ذلك لأنه يعتبر في قاعدة التجاوز ان يكون المشكوك على تقدير وجوده واقعا مما يجزم بأنه مأتي به على طبق أمره، فلو لم يكن المشكوك كذلك لم تجر القاعدة لعدم ترتب أثر عملي على التعبد بالمضي عليه، و ما نحن فيه كذلك، لأن وجود التشهد ملازم لفوات الركوع و هو مستلزم لبطلان صلاته، فلا يترتب على وجوده أثر عملي حتى يثبت بالقاعدة.

و ببيان آخر يقال: انه في الفرض يعلم تفصيلا بعدم الإتيان بالتشهد موافقا لأمره، إما لعدم الإتيان به رأسا و اما للإتيان به في صلاة باطلة. و مع العلم التفصيليّ المزبور لا مجال لجريان القاعدة فيه. فتكون قاعدة التجاوز في الركوع بلا معارض.

و قد تلقي ما أفاده بالقبول و طبق في فروع متعددة من فروع العلم الإجمالي في العروة الوثقى.

و هو بيان علمي رصين، لكنه لا يخلو عن مناقشة و ذلك: لأن قاعدة التجاوز إما ان يكون مفادها الصحة الفعلية للصلاة بحيث يكون مقتضى جريانها إثبات الأمر بغير المشكوك فيكون العمل المأتي به موافقا للأمر، و اما ان يكون مفادها الصحة من جهة المشكوك خاصة فهي تتكفل التأمين من ناحية المشكوك من دون إثبات أمر ظاهري آخر غير الأمر بالمقام.

فعلى الأول: لا يمكن إجراء القاعدة مع تعدد الجزء المشكوك ركنا كان أم غير ركن، لأن‏

223

الجهة السادسة عشرة

: في جريان قاعدة الفراغ فيما إذا كان منشأ الشك احتمال عدم صدور الأمر من المولى، كما لو صلى ثم شك في دخول وقتها حين الإتيان بها و عدمه، فان الشك في الصحة هاهنا ناشئ عن الشك في تعلق الأمر بالصلاة. و كما لو اغتسل للجنابة ثم شك في انه كان جنبا فيصح غسله أو لا؟.

و قد ذكر السيد الخوئي- كما في مصباح الأصول- انه لا إشكال في عدم جريان قاعدة الفراغ، لأن قاعدة الفراغ أمارة على وقوع الفعل من المكلف باجزائه و شرائطه، فلا كاشفية لها بالنسبة إلى ما هو من فعل المولى و صدور الأمر منه.

و يدل عليه ما ورد من التعليل بالأذكرية، فانه من المعلوم ان كونه أذكر حال العمل‏

____________

- إجراءها في كل واحد منهما يقتضي إفادة الصحة الفعلية و إثبات أمر ظاهري بغير المشكوك و هذا يمتنع مع فرض الشك في إتيان الجزء الآخر المستلزم للشك في الصحة، و ليس لدينا قاعدة واحدة تجري في كلا الجزءين المشكوكين معا، لأن كل جزء مشكوك موضوع مستقل لعموم دليل القاعدة.

و على الثاني: فلا مانع من جريان القاعدة في التشهد في نفسه لعدم العلم بتركه و المفروض انهما تتكفل التأمين من ناحية عدم الإتيان به خاصة و هو غير معلوم، فلا يتجه ما ذكره من العلم بعدم امتثال أمره إما لتركه أو لترك الركن الموجب للبطلان، فانه يتم لو فرض تكفل القاعدة للتأمين الفعلي لا التأمين من جهة كما هو الفرض.

نعم، يبقى إشكال اللغوية و ان التأمين من ناحية التشهد لا أثر له مع عدم صحة العمل.

و يندفع: بان قاعدة التجاوز الجارية في الركوع تثبت الصحة و تنفي البطلان. فلا يكون جريانها في التشهد بلا أثر و لغوا.

نعم، لمكان العلم الإجمالي تتحقق المعارضة بين القاعدتين، و بعبارة أخرى: يكفي في رفع اللغوية ترتب المعارضة على جريانها لأن اللغوية ترتفع بأدنى أثر. و لا وجه لطرح قاعدة التجاوز في التشهد خاصة. فتدبر و اللّه سبحانه العالم.

224

بالنسبة إلى ما يصدر منه من الأعمال دون ما هو من أفعال المولى‏ (1).

و لكن التحقيق أن هذا التقريب لعدم الجريان غير واف فيه، فان الشك في كلا المثالين يرجع إلى ما هو من أفعال المكلف، فالتعليل بالأذكرية يشمله بلا توقف.

أما مثال الصلاة، فلأن صحة الصلاة لا تدور مدار تعلق الأمر بها فعلا، كما يدل على ذلك صحة صلاة الصبي بعد دخول الوقت و قبل بلوغه لو بلغ في أثناء الوقت، مع انه لم يكن مأمورا بها فريضة. بتقريب: ظهور دليل وجوب الصلاة كون المقصود تحققها بشرائطها المعتبرة فيها، فلا يشمل الدليل من تحققت منه الطبيعة التي تكون متعلقا للأمر و لو كان ذلك بلا أمر، بل المدار هو تحقق ما هو قابل في نفسه لتعلق الأمر به- و بعبارة أخرى: تحقق فرد الطبيعة التي تعلق بها الأمر و ان لم يشمل الأمر هذا الفرد- و هو الصلاة بشرائطها و منها الوقت. فالشك يرجع إلى الشك في كون الصلاة في الوقت أو لا، و هذا من أفعال المكلف، و ان لازم الشك في صدور الأمر من المولى. فالمورد مشمول للتعليل كما هو ظاهر.

نعم، هاهنا شي‏ء و هو ان الظاهر من لسان أدلة قاعدة الفراغ و إلغاء الشك في العمل بعد مضيه، ان الإلغاء يكون في مقام لولاه لوقع المكلف في كلفة الإعادة، فهي بلسان رفع الكلفة. أما في غير هذه الصورة فلا تجري القاعدة و لا يتحقق الإلغاء.

و على هذا فلا بد اتباع السيد الطباطبائي «(قدس سره)» (2) في التفصيل فيما نحن فيه بين ما إذا كان الشاك في صحة الصلاة للشك في دخول الوقت جازما بدخول الوقت حال الشك فتجري القاعدة. و ما إذا لم يكن جازما بدخول الوقت حال الشك، بل كان شاكا أيضا، فلا تجري القاعدة. اما جريانها في الأول، فلأنه مع‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 308- الطبعة الأولى.

(2) الطباطبائي الفقيه السيد محمد كاظم. العروة الوثقى- المسألة الخامسة في أحكام الأوقات.

225

عدم الحكم بإلغاء الشك يكون المكلف مأمورا بالصلاة حال الشك لدخول الوقت، فيقع في كلفة الإعادة، و هذا مما تنفيه أدلة القاعدة.

و أما عدم جريانها في الثاني، فلأنه لو لم يحكم بصحة الصلاة لا يقع المكلف في الكلفة لفرض الشك فعلا بدخول الوقت الملازم للشك في صدور الأمر، و بمقتضى استصحاب عدم دخول الوقت يثبت عدم الأمر تعبدا، فيكون هذا المورد خارجا عن الأدلة في نفسه.

و أما مثال الغسل، فلأن الشك فيه شك فيما يرجع إلى المكلف، و هو الكون جنبا، فهو مشمول للتعليل بالأذكرية، فيكون من موارد القاعدة في نفسه. لكن المشهور و المسلم عدم جريانها فيه.

و لعل السر فيه ما يقال من: أن عدم وجوب الوضوء للصلاة لا يترتب على صحة الغسل، بمعنى ان صحة الغسل موضوع لعدم وجوب الوضوء، حتى يكون إجراء قاعدة الفراغ في الغسل ذا أثر شرعي و هو رفع وجوب الوضوء و جواز الدخول في الصلاة بدونه، لأن وجوبه يترتب على أمرين- بنحو الجمع- و هما:

تحقق الحدث الأصغر، و عدم الكون جنبا، فمع تحققهما يجب الوضوء.

و لا يخفى انه بجريان القاعدة في الغسل مع الشك في أصل الجنابة لا يثبت تحقق الجنابة كي ينتفي موضوع وجوب الوضوء، فانه أجنبي عن مفاد القاعدة، فباستصحاب عدم الجنابة يثبت موضوع وجوب الوضوء، فلا يجدي إثبات صحة الغسل في رفع كلفة الوضوء، فتبقى القاعدة بلا أثر، فلا يتجه جريانها من جهة عدم الأثر.

الجهة السابعة عشرة: في كون القاعدة من الأصول أو الأمارات.

و قد ذكرنا انه قد ذكر للأمارية ملاكات ثلاثة:

أحدها: ما ذكره المحقق النائيني من الملازمة النوعية بين إرادة المركب‏

226

و الإتيان بالجزء في محله و لو مع الغفلة حال الجزء (1).

و الثاني: ما أشار إليه المحقق الأصفهاني من كون الإتيان بالاجزاء و الشرائط أمرا بمقتضى العادة و الطبع المستند إليها (2).

و الثالث: ما قرره السيد الخوئي، من الأصل في العاقل القاصد للإتيان بالمركب عدم الغفلة عن الإتيان بأجزائه و شرائطه‏ (3).

و كل من هذه الملاكات غير صالح لاعتبار قاعدة الفراغ من باب الأمارية و الكشف.

أما الأول: فلعدم ثبوت الملازمة النوعية بين إرادة المركب و الإتيان بالجزء في ظرفه و لو مع الغفلة- بلا استناد إلى العادة- إلا في صورة كون الاجزاء من سنخ واحد كالمشي و القراءة المتكررة و نحوهما. أما ما كانت الاجزاء فيها ليست من سنخ واحد بل متغايرة، فالملازمة مع الغفلة لا تثبت إلا مع الاعتياد، بحيث يكون الإتيان به مستندا إلى العادة لا إلى الملازمة.

و أما الثاني: فهو مختص بصورة الاعتياد على العمل، فلا ينبغي- مع اعتبار القاعدة بلحاظه- أن تجري في صورة عدم الاعتياد، ككثير من المعاملات و بعض العبادات كالحج لغير المعتاد و كالصلاة في أول الإسلام أو التكليف إذا لم يسبق منه الاعتياد على الصلاة.

و أما الثالث: فهو يقتضي إلغاء قاعدة الفراغ بالمرة، لأن أصالة عدم الغفلة من الأصول العقلائية المسلمة فاعتبار القاعدة بلحاظه لا يكون إلا إمضاء للعمل به لا تأسيسا لقاعدة مستقلة.

مضافا إلى أنه لم يعلم من حال العقلاء العمل بهذا الأصل في عمل الشخص‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 463- الطبعة الأولى.

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 305- الطبعة الأولى.

(3) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 262- الطبعة الأولى.

227

نفسه بل المتيقن هو العمل به في عمل الغير، فلا يصلح للملاكية لظهور كون موارد القاعدة عمل الشخص نفسه. فتدبر جيدا.

فالمتحصل: ان شيئا من هذه الملاكات لا يصلح ملاكا لأمارية قاعدة الفراغ.

يبقى الكلام في التعليل بالأذكرية الوارد في بعض الروايات و هو قوله «(عليه السلام)»: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك».

و هو يحتمل معان ثلاثة:

الأول: التعبد بالواقع من باب غلبة الذّكر نوعا.

الثاني: التعبد بالذكر الشخصي من باب غلبة الذّكر النوعيّ، فيثبت الواقع بالملازمة.

الثالث: التعبد بالذكر الشخصي رأسا بلا لحاظ شي‏ء فيه، فيثبت الواقع بذلك.

فمع حمل التعليل على الوجه الأول يكون شاملا لصورة العلم بالغفلة الشخصية. بخلاف ما إذا حمل على الوجهين الأخيرين، فانه لا يكون شاملا لهذه الصورة، إذ يمتنع التعبد بالذكر الشخصي مع العلم بالغفلة.

و الظاهر منه هو الوجه الأخير، فانه (عليه السلام) يسند الأذكرية إلى نفس الشاك بلا تعليل بشي‏ء من غلبة الذّكر نوعا و نحوه.

ثم انه لا يخفى ان الالتفات و الذّكر غير قابل للتفضيل مع اتحاد موضوعه، فان الشخص إما أن يكون ملتفتا أو غير ملتفت، فالتفاضل في الالتفات و الذّكر لا يكون إلا بنحو المسامحة.

و عليه، فلا بد من أن يكون التفضيل المسند إلى الذّكر بلحاظ موجباته، فيكون المراد أن موجبات الذّكر في حال العمل أكثر منها في حال الشك، و إنما جعل التفضيل في نفس الذّكر تسامحا و تجوزا.

ثم أن المشهور في معنى التعليل: ان المكلف في حال العمل أذكر منه في حال‏

228

الشك، فهو يأتي بالعمل في محله و ظرفه لالتفاته إليه.

و لكن الوجه المذكور أجنبي عن مدلول الكلام، لأن الشاك ملتفت إلى نفس الجزء في حال شكه، فليس هو في حال العمل أكثر التفاتا منه في حال الشك.

كما أنه ليس الملحوظ في حال الشك هو الإتيان فعلا بالجزء، كي يقال بأنه في حال العمل أذكر منه فيأتي به دون حال الشك لعدم التفاته، بل متعلق الشك انما هو تحقق إيقاع العمل المشكوك في محله، و انه هل جاء به أو لا؟ فمورد التفضيل انما هو هذا الأمر.

فيكون مفاد الرواية [1]: ان المكلف في حال العمل تكون موجبات الالتفات إلى تحقق جزء العمل منه بالنسبة إليه أكثر منها في حال الشك، لقربه من محل الجزء حال العمل و بعده منه حال الشك، و لوجود بعض القرائن من حس أو حال قد يغفل عنها بعد عمله، فاستمراره في العمل و بناؤه على الإتيان بالجزء، يكون كاشفا

____________

[1] التحقيق في مفاد الرواية: انها ناظرة سؤالا و جوابا إلى صورة خاصة، فلا تصلح للتقييد، لأن المسئول عنه صورة خاصة لا مطلق الشك بعد الفراغ كي يكون التعليل مقيدا.

و توضيح ذلك: ان المراد بالأذكرية هاهنا هو توفر موجبات الذّكر و الالتفات لا التفاضل في نفس الذّكر، فانه لا يقبل التفاضل- كما أشير إليه في المتن.

و عليه، فالمراد ان الإنسان حين وضوءه تكون موجبات ذكره أزيد مما إذا كان في حالة أخرى، و ذلك لأنه يستطيع أن يرى ما غسل و ما لم يغسل من أعضائه، بخلاف حالة شكه، فان الأعضاء تيبس فلا يستطيع التمييز، و هذا أمر يقال في حق الوسواسي الّذي يكثر من التأمل و الغسل ثم يحصل له الوسوسة بعد الشك فلا يستطيع ان يتميز ما غسله عما لم يغسله، فيقال له:

انك حين العمل تستطيع المعرفة أكثر من حال الشك، فالرواية واردة في مثل هذا الشخص، و القرينة على ذلك نفس السؤال بلفظ المضارع: «رجل يشك بعد ما يتوضأ»، فانه ظاهر في كونه أمرا استمراريا لا من باب الصدفة، و هذا إنما يكون عند الوسواسي.

و إذا كان المسئول عنه صورة خاصة، كان الجواب مختصا بها، و لا نظر له إلى مطلق الشك بعد الفراغ فتدبر.

229

عن تحقق الجزء منه، فيلغى الشك فيه و لا يعتنى به، لأن بناءه على الإتيان به في حال كثرة موجبات الالتفات يكون مقدما على الشك فيه في حال قلتها.

و لا يخفى ان هذا يختص بصورة تحقق الالتفات منه حال العمل و البناء على تحقق المشكوك، ثم حدث عنده الشك بعد العمل.

أما صورة العلم بالغفلة أو التردد فيها، فلا يشملها التعليل، لعدم تحقق الظاهر المقدم على الشك لديه- و هو البناء على تحقق المشكوك في حال كثرة موجبات الالتفات- أو عدم إحرازه.

و من هنا يمتنع القول بكون هذا الكلام واردا للتعليل بحيث يدور الحكم مداره وجودا و عدما و ضابطا و ملاكا للأمارية، ضرورة أن صورة الشك في الغفلة و عدمها من الموارد المتيقنة لجريان قاعدة الفراغ، مع أنها تخرج بمقتضى هذا الكلام.

مضافا إلى عدم ظهور ذلك من نفس اللفظ- كما لا يخفى- فلا محيص عن الالتزام بكونه من قبل الحكمة لا العلة، و بهذا يثبت عدم الدليل على لحاظ جهة الطريقية و الكشف في جعل قاعدة الفراغ، بل لو ثبت ذلك لم يكن دليلا على كونها من الأمارات، بل تكون من الأصول المحرزة التي تتفق مع الأمارة بلحاظ جهة الطريقية فيها، و تختلف عنها بكون الشك مأخوذا في موضوعها- كما هو الحال في قاعدة الفراغ- دون الأمارة.

فالحاصل: انه لا دليل على أمارية القاعدة و لو ثبت لحاظ جهة الطريقية في اعتبارها، فيتعين كونها من الأصول.

الجهة الثامنة عشرة: في شمول القاعدة لصورة احتمال الإخلال العمدي.

و المقصود بالكلام ليس هو احتمال الإخلال العمدي في الأثناء، إذ العاقل لا يستمر بالعمل عادة إذا أخلّ به عمدا، و انما الفرض هو ما إذا رأى نفسه خارجا عن العمل و احتمل ان يكون لانتهائه عن العمل، أو لرفعه اليد عنه عمدا لغاية من الغايات. و على هذا، فالتعليل الوارد في رواية الوضوء لا يشمل المورد بالتقريب‏

230

الّذي أفاده الشيخ و تبعه عليه العراقي، و هو ان مفاد التعليل ان احتمال الترك السهوي خلاف فرض الذّكر، و احتمال الترك العمدي خلاف إرادة الإبراء، لأنه يحتمل انه عدل عن قصد الإبراء. نعم، المطلقات تشمل المورد.

و قد تقدم المراد من التعليل و انه بنحو لا يصلح لتقييد المطلقات. فلاحظ.

الجهة التاسعة عشرة: في نسبتها مع الاستصحاب.

و لا إشكال في تقدمها عليه ..

أما مع فرض الأمارية أو كونها من الأصول المحرزة دون الاستصحاب، فواضح.

و أما مع فرض تساويهما في الأصلية، فتقدمها عليه بالتخصيص، إذ ما من مورد قاعدة الفراغ إلا و الاستصحاب جار فيه موضوعا، فيلزم من تقدم الاستصحاب عليها إلغاؤها بالمرة، فتدبر جيدا و تأمل.

و قد تقدم- بحمد اللّه- الكلام في قاعدتي الفراغ و التجاوز في يوم الأحد الموافق 1- 2- 1383.

و الكلام بعده في:

231

القرعة

232

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

233

القرعة و قد وردت فيها روايات مختلفة المؤدى- كما قيل- فمورد: «القرعة لكل أمر مجهول» (1)، و: «القرعة لكل أمر مشتبه» (2)، و: «القرعة لكل أمر مشكل» (3).

و قد أفاد المحقق العراقي: بان دليل القرعة ..

ان كان هو الأخير، لم يكن هناك علاقة للقرعة بأي أصل من الأصول، لظهور المشكل فيما لا تعين له في الواقع، كما لو أعتق أحد عبيده، و ما لا تعين له في الواقع- و بعبارة أخرى الأمر المردد- لا يكون موردا لأصل من الأصول.

و أما لو كان دليلها الروايتين الأوليين، فتكون موردا للتعارض مع الأصول، و لكنه في خصوص موارد الشبهة الموضوعية المقرونة بالعلم الإجمالي دون الشبهة الحكمية مطلقا و الشبهة الموضوعية البدوية، لظهور المشتبه و المجهول في كونه وصفا لذات الشّي‏ء المعنون من جهة تردده بين الشيئين أو الأشياء، لا وصفا لحكمه و لا

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 189 باب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث: 11.

(2) وسائل الشيعة 18- 189 باب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث: 11.

(3) عوالي اللئالي 2- 112- الطبعة الأولى.

234

عنوانه، فلا يشمل موارد الشبهات الحكمية لأن الاشتباه فيها في حكم الشي‏ء لا في ذاته، و لا الشبهات الموضوعية لأن الاشتباه في انطباق عنوان ما هو موضوع الحكم على الموجود الخارجي لا فيما قد انطبق عليه العنوان بعد الفراغ عن تحقق الانطباق خارجا، بل يختص في المشتبه موضوعا المردد.

ثم أنه في هذا الحال ..

تارة: يكون المشتبه متعلقا لحكم اللّه، فلا تجري القرعة لوجود المانع، و هو العلم الإجمالي المنجز غير المنحل بالقرعة. ثم استقرب انحلاله بها، لكونها من باب جعل البدل، فالعمدة في المنع هو الإجماع على عدم جريانها في المورد.

و أخرى: يكون متعلقا لحق الناس، فلا بد فيه من الاحتياط التام أو الناقص- ان لم يمكن التام- للعلم الإجمالي، و مع عدم إمكان كلا النحوين من الاحتياط كالولد المردد كان المورد من موارد القرعة، و ان احتمل العمل بقاعدة العدل و الإنصاف في بعض هذه الموارد. ثم يتعرض بعد ذلك إلى نسبتها مع الاستصحاب‏ (1).

هذا فهرست ما أفاده (قدس سره)، و لكنه لا يخلو من نظر في أغلب مقطوعاته ..

فما ذكره من تفسير المشكل، و تفسير المشتبه بنحو يختص بالشبهة الموضوعية المقرونة بالعلم الإجمالي، و من عدم انحلال العلم الإجمالي بها. كل ذلك موضوع المناقشة، و ليس المورد محل الكلام فيها، لأنه لا أثر يترتب عليه.

و انما الّذي لا بد ان يقال: هو أن القرعة بمقتضى رواياتها عامة لجميع موارد الاشتباه البدوية و المقرونة بالعلم الإجمالي الحكمية و الموضوعية.

و لكن الاستصحاب التزموا بها في موارد خاصة و لم يلتزم بها أحد في جميع الموارد.

فلا بد من رفع اليد عن ظاهر الأدلة، لأن إبقاءها يستلزم تخصيص الأكثر

____________

(1) البروجردي. الشيخ محمد تقي. نهاية الأفكار 4- 104- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

235

المستهجن.

و بهذا يظهر انه لا يتجه البحث عن نسبتها مع الاستصحاب، لأنه إذا قام الدليل من إجماع أو رواية على العمل بها في خصوص مورد، فلا يتوهم حينئذ تقدم الاستصحاب أو غيره من الأصول أو الأمارات عليها، بل يكون الدليل مخصصا لعموم أدلة الأصول و الأمارات.

و مع عدم قيامه على العمل بها في خصوص مورد لم يكن مجال لأن يعمل بها فيه كي تلاحظ نسبتها مع الأصول الجارية في ذلك المورد. فتدبر و التفت و اللّه الموفق [1].

و قد تم البحث فيها في يوم الثلاثاء 3- 2- 1383.

____________

[1] الكلام في القرعة من ناحيتين:

الناحية الأولى: في تحقيق مواردها، و الضابط العام لمجراها، و هي ناحية فقهية ليس المقام محل ذلك الناحية الثانية: في نسبتها مع الاستصحاب و سائر الأصول، و هي محل الكلام فيما نحن فيه ..

و قد يتوهم معارضتها للأصول باعتبار ورود قوله (عليه السلام): «كل مجهول ففيه القرعة» الظاهر في جريان القرعة هي جميع موارد الجهل. و لكن التحقيق انه توهم فاسد، لأن أدلة الأصول أخص منها، لأن كل أصل يشبه دليله في مورد خاص من موارد الجهل.

حتى الاحتياط، فانه و ان كان عقليا، لكن ورد في موارده تقرير الشارع له و عدم إيجاب القرعة.

فالالتزام بالقرعة يوجب طرح جميع الأصول و هو مما لا معنى له، فلا بد من حمل القول المزبور على تقدير صحة سند الرواية، اما على إرادة المجهول المطلق، من حيث الواقع و الظاهر المساوق للمشكل، فتكون موارد الأصول خارجة موضوعا، أو على بيان أصل تشريع القرعة في المجهول و عدم تشريعها في غير موارد الجهل، ردا على احتمال جريانها مطلقا. الّذي يمكن ان يكون جاء في ذهن السائل و السؤال مجمل من هذه الناحية، فيكون الجواب مما لا إطلاق له، فلاحظ. و الحمد للّه رب العالمين.

انتهى مبحث القرعة في هذه الدورة الثلاثاء 25- 11- 1394 ه.

236

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

237

تعارض الاستصحاب مع الأصول‏

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

تعارض الاستصحاب مع الأصول‏

أما أصالة البراءة ..

فما كان منها مدركه العقل لا يعارض الاستصحاب لأنه بيان للحكم الظاهري، فينتفي موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و مثله ما كان مدركه النقل المساوق لحكم العقل، كالمستفاد من الآية الشريفة: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) بناء على دلالتها على البراءة.

و إذا كان مدركه مثل قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي‏ (2)، فقد ذكر في الرسائل وجوها ثلاثة لعدم المعارضة:

____________

(1) سورة الإسراء: الآية 15.

(2) وسائل الشيعة: 18- باب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

240

الوجه الأول: ان مورد الاستصحاب خارج تخصصا عن عموم هذه الرواية، لأنه يصدق على المستصحب انه شي‏ء ورد فيه نهي و لو بلحاظ الزمان السابق.

الوجه الثاني: ان مورد الاستصحاب خارج بالورود، و ذلك لأن النهي الثابت بعدم نقض اليقين محقق للغاية، فترتفع به الرخصة المغياة.

الوجه الثالث:- و هو الّذي اختاره الشيخ (قدس سره)- هو تقريب الحكومة.

و بيانه: ان مفاد الاستصحاب هو تعميم النهي السابق إلى الزمان اللاحق تنزيلا، فيكون رافعا لموضوع الإباحة تعبدا، فيتقدم على البراءة الثابتة بالرواية بالحكومة، فانه كما لو ثبت بنفس الدليل الأولى للحرمة استمرارها و عمومها لجميع الأزمان حقيقة يتقدم ذلك الدليل على البراءة، فكذلك ما يتكفل لإثبات الاستمرار تنزيلا و ان كان الأول يتقدم بالتخصص أو الورود.

و الثاني: بالحكومة و الاستصحاب من قبيل الثاني فانه بمنزلة المعمم للنهي إلى الزمان اللاحق، فيكون حاكما على البراءة، فان الرخصة مغياة بورود النهي المحكوم عليه بالدوام، و الاستصحاب يثبت الدوام و لو بنحو التنزيل.

و قد أورد الشيخ (قدس سره) (1) على الوجه الأول: بان الفرد المشكوك حرمته لا حقا غير المعلوم حرمته سابقا، فهما فردان متغايران، فورود النهي عن أحدهما لا يوجب صدق وروده عن الآخر، كالأفراد العرضية لكلي، فكما ان النهي عن فرد لا يكون نهيا عن الآخر، فكذلك ما نحن فيه. و التفريق في الافراد بين ما كان تغايرها بتبدل الأحوال و الأزمان- و هي الافراد الطولية- و غيرها من الافراد شطط من الكلام.

و فيه ما لا يخفى: فان المفروض ان المورد في نفسه من موارد الاستصحاب،

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 423- الطبعة القديمة.

241

و مبنى الاستصحاب على اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة بحيث يصدق النقض أو الإبقاء.

و مع الالتزام بان المشكوك فرد غير الفرد المتيقن لا يتحقق حينئذ ما هو الأساس في الاستصحاب من الاتحاد، و هذا خلاف الفرض و الواقع، فان تبدل الحالات لا يوجب التعدد.

فالأولى في الإيراد أن يقال: بان مفاد الرواية كون الغاية هي الوصول و فعلية الحكم لا مجرد وروده و لو آناً ما، و هي غير متحققة حال الشك، لأن الحكم فيه غير و أصل و ليس فعليا لفرض الشك. و كونه فعليا في السابق لا يجدي في تحقق الغاية لأنها: «ما وصل حكمه فعلا» لا: «ما كان حكمه واصلا» كما هو مقتضى التعبير بالمضارع.

و أورد (قدس سره) أيضا على الوجه الثاني: بان ظاهر الرواية كون الغاية ورود النهي عن الشي‏ء بعنوانه الأولي لا بما انه مشكوك الحكم، و النهي الثابت بالاستصحاب بعنوان كونه مشكوكا، و إلا فيمكن عكس القضية بان يقال: ان النهي عن النقض انما يثبت في صورة عدم ثبوت الإباحة بالأصل، فيختص الاستصحاب في غير مورد جريان البراءة.

و تقريب ما ذكره بنحو لا يتجه عليه ما قد يوجه من ان ذلك مجرد دعوى:

بان أساس كون الرواية من أدلة البراءة إرادة الوصول و العلم بالحكم من الورود لا ثبوته الواقعي- و إلا خرجت عن أدلة البراءة- فمفادها يكون كل شي‏ء مجهول الحكم مطلق حتى يعلم حكمه الواقعي، ففرض الجهل و العلم بالحكم يقتضي أخذ الحكم المعلوم أو المجهول في مرحلة سابقة على الشك و الجهل الفعلي، سواء كان ثبوته السابق للشي‏ء بعنوان الأولي أو بعنوان الشك كالحكم الثابت بالأصل سابقا ثم يشك في استمراره.

و عليه، فالغاية هي العلم بالحكم الثابت في المرحلة السابقة عن الشك‏

242

الفعلي، فلا يكون النهي الثابت بالاستصحاب محققا للغاية، لأن ثبوته كان بلحاظ الشك الفعلي لا في المرحلة السابقة عليه. فالتفت.

و أما ما ذكره الشيخ (قدس سره)، فهو انما يتم بناء على ان مفاد أدلة الاستصحاب تنزيل الشك منزلة اليقين و الحكم بان الشاك متيقن، فان الغاية و هي العلم بالحكم تتحقق به تنزيلا فيكون حاكما. أما بناء على ان مفادها تنزيل المشكوك منزلة المتيقن- كما هو مذهب الشيخ-، فلا تتم دعوى الحكومة، لأن الغاية هي العلم بالواقع و الحكم لا ثبوت الواقع، فثبوت الحكم تعبدا بالاستصحاب لا يحقق الغاية.

و لا بد [1]، في تحقيق الحال في نسبة الاستصحاب مع البراءة من بيان المجعول‏

____________

[1] العمدة في الإشكال ما كان من أدلة البراءة مفاده جعل الحلية الظاهرية كقوله (عليه السلام): «كل شي‏ء حلال ...». و أما ما كان مفاده رفع المؤاخذة، فقد عرفت انه كالبراءة العقلية.

و دعوى ارتفاع موضوع الحلية الظاهرية تعبدا بقيام الاستصحاب لتكفل دليله جعل اليقين و فرض الشاك متيقنا، فيكون الاستصحاب حاكما.

يدفعها- بعد تسليم ذلك- أولا: ان موضوع الحلية ليس امرا عدميا و هو مجرد عدم العلم و الجهل كي يرتفع بالإثبات، بل هو أمر وجودي و هو الاحتمال و ذلك لعدم جريان دليل البراءة في حق الغافل مع انه غير عالم، بل تجري في حق الملتفت المتردد، فيكشف ذلك عن أخذ جهة وجودية في الموضوع و ليس هو مجرد عدم العلم، و ليست تلك الخصوصية سوى الاحتمال و التردد، و من الواضح ان التعبد بالعلم لا يلازم التعبد بعدم الاحتمال، فان التعبد بأحد الضدين لا يلازم التعبد بعدم الآخر.

و عليه، فلا يرتفع موضوع البراءة بقيام الاستصحاب.

و ثانيا:- و هو العمدة- ان ظاهر دليل الاستصحاب المتكفل للنهي عن النقض بمثل «لا ينبغي» الظاهر في كون متعلقه أمرا اختياريا- لعدم صحة حمل «لا ينبغي» على الإرشاد- كون المجعول هو اليقين بمعنى لزوم ترتيب آثار بقائه عملا، فلا نظر في الدليل إلى جعل صفة اليقين و التعبد بها، بل نظره إلى لزوم ترتيب آثار اليقين بقاء، و أين هذا من جعل اليقين؟! فلا يتصرف‏

243

بأدلة الاستصحاب، فنقول- و به سبحانه الاعتصام-: الأقوال في المجعول ثلاثة:

الأول:- و هو ما اختاره الشيخ‏ (1)، و الخراسانيّ‏ (2)- ان المجعول بها هو المتيقن، بمعنى ان التعبد انما كان بالمتيقن حال الشك فاليقين و الشك لوحظا مرآتا لمتعلقهما موضوعا أو حكما و لم يلحظا بأنفسهما.

الثاني: ان المجعول هو الطريقية، بمعنى أن التعبد بنفس اليقين من جهة طريقيته و كاشفيته عن الواقع.

الثالث:- و هو الّذي التزم به المحقق النائيني‏ (3)- ان المجعول هو نفس اليقين، و لكن لا من باب الطريقية بل بلحاظ الجري العملي.

و الوجه الأخير لا نعرف له وجها في مقام الثبوت، لأن المجعول ان كان هو نفس الجري العملي، بمعنى ان التعبد انما هو بتحقق الجري العملي نحو المكلف به، فهو أجنبي عما نحن بصدده من إثبات الحكم أو نفيه بالاستصحاب لأنه مرتبط بمقام الامتثال، و مفاده الحكم بموافقة الأمر و تحقق الامتثال، و المفروض انه بالاستصحاب يثبت التكليف- مثلا-، فيجب امتثاله، لا أن مفاده انه لا يجب عليه لموافقته و عمله‏

____________

- دليل الاستصحاب في موضوع البراءة بل هو يتنافى معها رأسا، لأن مقتضاها الحلية و مقتضاه الإلزام فيتصادمان من دون مرجح على الآخر.

و لكن الّذي يهون الخطب، انا لم نلتزم بجعل الحلية في الشبهات الحكمية لاختصاص الدليل بالشبهات الموضوعية. و لا نعهد- فعلا- موردا يصطدم فيه الاستصحاب الحكمي مع البراءة فيها، و أما الاستصحاب الموضوعي فهو مقدم على البراءة، لما سيجي‏ء من تقديم الأصل السببي على المسببي. فلاحظ و سيأتي التوقف في ذلك بالنسبة إلى البراءة و بيان الحكومة بوجه آخر.

و أما ما ذكره في الكفاية من تقديم الاستصحاب على البراءة بما ذكر وجهه في حاشيته على الرسائل- كما حكي عنه- فجوابه ظاهر كما أفاده المحقق الأصفهاني فراجع تعرف.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 318 الطبعة القديمة.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 384- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 343- الطبعة الأولى.

244

بالأمر [1].

و ان كان التعبد باليقين- لا بنفس الجري العملي- و لكن بلحاظ الجري العلمي- كما هو الظاهر من كلامه- فلا يخفى ان المحركية و الجري العملي على طبق اليقين فرع انكشاف الواقع باليقين و تنجزه عليه، فليس هو متفرعا على اليقين رأسا، بل عليه بضميمة جهة الطريقية فيه، فلا معنى لاعتباره بهذا اللحاظ بلا لحاظ جهة الطريقية، فيرجع حينئذ إلى القول الثاني الّذي فرّ منه.

و على هذا فالأمر ثبوتا يدور بين القولين الأولين، و هما: جعل المتيقن. و جعل اليقين من باب الطريقية.

و أما إثباتا، فروايات الاستصحاب على نحوين:

فمنها: ما هو بلسان الاخبار عن عدم انتقاض اليقين بالشك، و هذا النحو ظاهره التعبد بنفس اليقين، و ذلك لأنه يرجع إلى الاخبار عن اعتبار عدم نقض اليقين بالشك، و اعتبار صفة اليقين في مرحلة الشك، إذ لا معنى للاخبار عن عدم الانتقاض حقيقة كما لا يخفى.

و منها: ما هو بلسان الإنشاء كقوله: «و لا ينقض اليقين بالشك». و لا يخفى ان النهي عن نقض اليقين بالشك لا معنى له على حقيقته، لانتقاضه حقيقة فالنهي عنه محال لأنه تكليف بغير الممكن، فلا بد من رجوعه إلى أمر ممكن و هو النهي عن النقض عملا و إيجاب الإبقاء عملا.

و العمل على طبق اليقين لازم لأمرين: أحدهما: اليقين باعتبار كاشفيته و محركيته. و الآخر: المتيقن، فان الامتثال بنظر العامل من آثار نفس المتيقن و الواقع المنكشف باليقين دون نفس اليقين، و لكنه في الحقيقة من آثار اليقين فهو عمل على‏

____________

[1] لاحظ ما ذكرناه حول كلام المحقق المذكور في بيان عدم إمكان تكفل الأدلة لجعل الاستصحاب و قاعدة اليقين، فعله ينفعك.

245

طبق اليقين. فالنهي عن النقض عملا كما يمكن ان يكون للتعبد بنفس اليقين كذلك يمكن ان يكون للتعبد بنفس المتيقن. و الكلام و ان كان ظاهرا في الأول، لكنه يظهر في الثاني بعد ملاحظة بعض النصوص مما يكون التعبد فيها بلحاظ ما يترتب على الوجود الواقعي للمتيقن لا العلمي، كرواية زرارة الأولى التي يكون التعبد فيها بلحاظ ما يترتب على الطهارة من الآثار، كالدخول في الصلاة و أمثاله. فان الطهارة شرط واقعي للصلاة لا علمي، فلا بد من رجوع التعبد فيها إلى نفس المتيقن- و هو الطهارة- لا إلى اليقين بها، إذ اليقين بها ليس الملاك في ترتيب الأثر المرغوب عليه.

و يشهد لما ذكرنا أيضا: ان سؤال السائل في أغلب الروايات انما هو عما يترتب على شكه، و انه بشكه هل يبني على انقلاب الواقع عما كان عليه أو على عدم ترتيب آثاره أو يبني على بقائه و عدم تبدله فتترتب عليه آثاره؟. فالتفت.

و عليه، فإذا تعيّن ان المجعول انما هو المتيقن لا صفة اليقين، فيشكل الأمر في تقدم الاستصحاب على البراءة المأخوذ في موضوعها الجهل بالحكم و في غايتها العلم بالحكم- بل يشكل الأمر أيضا في تقدم الأمارات عليها بناء على ما هو التحقيق من كون مفاد أدلتها تنزيل المؤدى منزلة الواقع- لأن التعبد بنفس الحكم لا بالعلم به كي يكون حاكما عليها لتكفله تحقيق الغاية و رفع الموضوع تنزيلا و تعبدا. و قد تقدم إيضاح ذلك في نفي حكومة الأمارات على الأصول إذا كان مؤداها تنزيل المؤدى منزلة الواقع- و العلم الوجداني بهذا الحكم المتعبد به لا يكفى في الورود، لما عرفت من أخذ متعلق العلم الحكم السابق في ثبوته على مرحلة الشك الفعلي، و الحكم المتعبد باستمراره و دوامه انما هو بلحاظ حال الشك- كما لا يخفى- فلا يكون العلم به محققا للغاية- و توهم: ان ملاك الحكومة هو نظر أحد الدليلين إلى الآخر بمدلوله اللفظي، و هو متحقق هاهنا، لأن التعبد و ان كان واقعا بالحكم لكنه بلسان التعبد باليقين فيكون حاكما على الأدلة المأخوذ في موضوعها اليقين، نظير: «لا شك لكثير الشك»

246

و: «الطواف بالبيت صلاة»، فان التعبد فيها واقعا بالحكم و الآثار مع أنها حاكمة على الأدلة الأخرى باعتبار أخذ نفس الشك و الصلاة في الدليل.

فاسد: لأن تحقق نظر أحد الدليلين إلى الآخر فيما إذا كان التعبد فيه بنفس آثار الموضوع أو بنفيها بلسان إثبات الموضوع أو نفيه كما في: «لا شك»، فان المتعبد به نفي الآثار المترتبة على الشك بلسان نفي الشك، و لذلك كان ناظرا لأدلة اعتبار الشك، و مثله على العكس: «الطواف بالبيت صلاة» [1].

أما ما نحن فيه، فليس كذلك، لأن التعبد لم يكن بآثار اليقين بلسان التعبد باليقين حتى يكون ناظرا إلى الأدلة الأخرى و حاكما عليها. بل التعبد بالمتيقن بلسان التعبد باليقين، و المتيقن ليس من آثار اليقين كما لا يخفى. فلا يكون الدليل المتكفل واقعا للتعبد به ناظرا إلى أدلة اليقين، و لو كان التعبد بلسان اليقين فلا يكون حاكما، لأن التنزيل الموجب للحكومة هو التوسعة أو التضييق في الموضوع بلحاظ ترتيب آثاره أو نفيها. دون غيره، فالتفت.

و تحقيق الحال بوجه يرتفع به الإشكال: ان روايات البراءة على أنحاء ثلاثة:

النحو الأول: ما كان بنحو: «رفع عن أمتي ما لا يعلمون». و التحقيق: ان المراد بالعلم فيها ليس هو الصفة الوجدانية النفسانيّة، بل مطلق الحجة و الدليل على الحكم، و ذلك لأنه مما لا إشكال فيه ان مفادها ليس هو نفي الواقع بعدم العلم و بيان ان ثبوت الحكم الواقعي دائر مدار العلم، كما انه لا إشكال في عدم كون الشارع في مقام إهمال الواقع و عدم نصب طرق و أمارات عليه. فالمفهوم من هذا النص ان الشارع في مقام عدم العلم و الطريق إلى الواقع لم يجعل الاحتياط- إذ كان بإمكانه جعله فلم يجعله- لأنه إذا لم يكن في مقام نفي الواقع و رفعه واقعا، كما انه ليس في مقام إهمال الواقع و إيكال العلم به إلى الصدفة و الاتفاق، فلا بد ان يكون المراد هو

____________

[1] إشارة إلى ان التعبد فيها بنفس الآثار لا بنفيها بلسان إثبات الموضوع.

247

عدم جعل الاحتياط و رفع الحكم ظاهرا عند عدم الطريق إلى الواقع، و إلا- فلو كان المراد رفع الحكم و عدم جعل الاحتياط و الطرق- لكان إهمالا للواقع، و هو خلف.

و بتقريب آخر: انه لا إشكال في وجود طرق غير علمية إلى الواقع. و لا إشكال انه عند ورود هذا النص لم يفهم منه أحد إلغاء اعتبار هذه الطرق، بل المفهوم انما هو رفع التكليف و عدم جعل الكلفة بالاحتياط منة على الأمة و لطفا.

و بما ان نفي الاحتياط امتنانا انما يتحقق في مقام يكون في جعله كلفة، و هذا انما يكون مع عدم وجود ما يثبت التكليف، أما مع وجود الدليل المثبت له فنفي الاحتياط لا يكون منة و لطفا، إذ ليس فيه رفع كلفة.

فبهاتين المقدمتين- و هما: كون الرواية في مقام نفي الاحتياط فقط لا نفى طرق الواقع أجمع من أمارة و استصحاب و احتياط، لأنه ليس في مقام إهمال الواقع، كما انه ليس في مقام نفيه، و كون نفي الاحتياط من باب الامتنان و هو انما يتحقق في صورة عدم الطريق المثبت للحكم. بهاتين المقدمتين- يثبت كون موضوع البراءة عدم الطريق و الحجة على الحكم لا عدم العلم الوجداني.

و ان أبيت إلا عن استظهار الصفة الوجدانية من العلم، فنقول: ان البراءة انما تجري في حال عدم العلم في صورة عدم وجود الطريق إلى الحكم، فيرجع ذلك إلى تقييد الموضوع. و بهذا يكون الاستصحاب واردا على البراءة لأنه رافع لموضوعها حقيقة ببركة التعبد.

و لو لم يثبت- جدلا- ما ذكرناه، فلا مفرّ عن الالتزام بالمعارضة بين الاستصحاب و البراءة.

و لكن نحو المعارضة يختلف باختلاف الآراء في مفاد الرواية، فانه اختلف في ان المرفوع بها ما هو؟ و الأقوال ثلاثة:

الأول: كون المرفوع بها الحكم الكلي، فتختص بالشبهات الحكمية.

248

الثاني: كون المرفوع بها مطلق الحكم الكلي و الجزئي، فتعم الشبهات الحكمية و الموضوعية.

الثالث: ان المرفوع بها خصوص الموضوع، فتختص بالشبهات الموضوعية.

و الفرق بين هذا الوجه و سابقه: ان الرفع في السابق متعلق بنفس الحكم الجزئي، و هاهنا متعلق بموضوعه، و ان كان في الحقيقة متعلق به بلسان رفع موضوعه.

فبناء على القول الأول: لا تجري البراءة- بهذا الدليل- في الشبهات الموضوعية، فتختص المعارضة في خصوص الشبهات الحكمية، و لا محذور في الالتزام بالمعارضة و عدم الالتزام بالاستصحاب في هذه الشبهات- كما قد التزم به بعض بغير هذا الوجه.

و بناء على القول الثاني: تختص المعارضة أيضا في موارد الشبهات الحكمية، لأن الاستصحاب الجاري في الموضوع يكون حاكما على البراءة الجارية في الحكم الجزئي- كما سيأتي بيانه في الشك السببي و المسببي- و بناء على القول الثالث:- تكون المعارضة بين الاستصحاب و البراءة في مطلق موارد الشك الموضوعي، فالالتزام بالتساقط مشكل، إذ يلزم منه نفي جريان الاستصحاب مطلقا أو في الغالب و هو مما لا يمكن الالتزام به، فلا بد من الالتزام بتقدمه عليها بالتخصيص، كما لا بد من الالتزام بذلك في تقدم الأمارات على البراءة- لعين الملاك فلاحظ- و لكن عرفت ان النوبة لا تصل إلى هذا الحل، بل الأمارات و الاستصحاب واردة على البراءة على الأقوال كلها، فتدبر.

النحو الثاني: قوله: «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي». و لم تثبت صراحة هذه الرواية في ثبوت أصالة البراءة، إذ يمكن ان يكون المراد من الورود الثبوت الواقعي للأحكام، فيكون مفادها بيان الإباحة الأصلية للأشياء حتى يتعلق بها

249

نهي من المولى، و بهذا يكون مفادها أجنبيا عن البراءة بالكلية.

نعم، لو لم يكن المراد بالورود هو الثبوت الواقعي، بل الوصول كانت دليلا على البراءة، و لكنه لم يؤخذ في الغاية إحراز النهي و الوصول العلمي بل أخذ مطلق الوصول و الورود و ظاهره إرادة وصول الحكم الواقعي و ثبوته في ذمة المكلف بأي طريق كان، و منه الاستصحاب، فيكون واردا لأنه محقق للغاية تكوينا، كما لا يخفى.

النحو الثالث: مثل: «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه ..».

و دلالة هذه الرواية على البراءة مناقشة في ان ثبوت الحلية في المصاديق المذكورة في الموثقة انما هو بواسطة الأصول و الأمارات الموضوعية السابقة بالرتبة على الاستصحاب و البراءة، كأصالة الصحة و قاعدة اليد، فيكون الحكم بالحلية حكما بمفاد تلك القواعد الظاهرية و في مقام الأمر بعدم الاعتناء بالاحتمال الناشئ عن الوسواس و نحوه مع وجود القواعد، لا حكما بمفاد أصالة البراءة كي يستكشف جعل البراءة في مثل هذه الموارد.

و أما أصالة الاشتغال ..

فالاستصحاب مقدم عليها، لأن موردها الشك في براءة الذّمّة بملاك لزوم دفع الضرر المحتمل، و مع قيام الاستصحاب على التعيين يزول احتمال الضرر لقيام الحجة الشرعية على تعيين أحد الافراد.

و هكذا الكلام بالنسبة إلى أصالة التخيير. فان حكم العقل بالتخيير في فرض التحير، و بالاستصحاب يرتفع التحير.

و بالجملة: الاستصحاب وارد على الأصول العقلية من براءة و احتياط و تخيير، لأنه رافع لموضوعها تكوينا ببركة التعبد الشرعي.

250

تعارض الاستصحابين [1]

و يقع الكلام بعد ذلك في تعارض الاستصحابين.

و قد ذكر الشيخ‏ (1) (رحمه الله) صورا متعددة للاستصحابين المتعارضين من كونهما موضوعيين أو حكميين أو مختلفين. و من كونهما وجوديين أو عدميين أو مختلفين. و غير ذلك. إلا أن هذا الاختلاف لا أثر له في اختلاف حكم المتعارضين.

و انما الكلام يقع في صورتين هما الجامع بين هذه الصور المختلفة في محل الكلام، و هما:

الأولى: ان يكون الشك في أحدهما مسببا عن الشك في الآخر، كالشك في بقاء نجاسة الثوب المغسول بماء كان متيقن الطهارة، فان الشك في بقاء نجاسة الثوب مسبب عن الشك في بقاء طهارة الماء.

الثانية: ان يكون الشك فيهما مسببا عن أمر غيرهما.

و أما تصور كون الشك في كل منهما مسببا عن الآخر- كما ينسب إلى المحقق النراقي- فهو باطل لما ستعرفه من ان السببية و المسببية تنشئان من كون أحد المشكوكين من أحكام الآخر، و هذا يعني كون أحدهما موضوعا للآخر، فيمتنع ان يكون كل من المشكوكين موضوعا للآخر- كما لا يخفى- و عليه، فالكلام يقع في مقامين:

المقام الأول: في الشك السببي و الشك المسببي.

و تحقيق الكلام فيه: انه مما لا إشكال فيه عند الاعلام تقدم الأصل السببي على الأصل المسببي، و انما الإشكال في وجه التقديم من حكومة، و ورود و غيرهما،

____________

[1] لم أتوفق لحضور درس سيدنا الأستاذ (حفظه اللّه) في هذه المباحث لبعض الموانع و نظرا إلى طلبي منه تقريرها لي، أجابني إلى ذلك. و لعل هذا التقرير يخالف تقريرات الآخرين نظرا لتبدل الرّأي. فلينتبه.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 424- الطبعة القديمة.

251

فالكلام في جهتين:

الجهة الأولى: في وجه التقديم.

و قد ذكر لذلك وجوه متعددة:

الأول: ما ذكره الشيخ من الإجماع على ذلك كما يظهر للمتتبع، فان الفقهاء لا يتوقفون في تقدم الأصل السببي على المسببي.

و لكن الاعتماد على الإجماع في مثل ما نحن فيه مشكل، إذ لا يحرز كونه إجماعا تعبديا بعد وجود الوجوه العقلية و غيرها المستدل بها على التقديم، فلا يكشف عن قول المعصوم (عليه السلام).

الثاني: [1] ما أفاده الشيخ أيضا- و هو المهم من الوجوه التي ذكرها- من ان‏

____________

[1] ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في الوجه الثاني مرجعه [حمل السيد الأستاذ (دام ظله) عبارة الشيخ على ما حمل عليه في الدرس في الدورة السابقة، لا على ما هو مذكور في المتن. فالتفت (المقرر)] إلى الورود و يمكن ان يقرب بوجهين:

الأول: ان يكون المراد بالشك عدم الحجة فيكون نقض اليقين في مورد الأصل المسببي بالحجة و فيه:

أولا: انه ينافي ما التزم به قريبا من حكومة الأمارة على الاستصحاب لا ورودها كما هو مقتضى هذا التوجيه.

و ثانيا: ان المراد بالحجة الرافعة هي الحجة على الواقع المتيقن في السابق كالخبر فان مفاده الكشف عن الواقع و المفروض انه حجة في مؤداه. و ليس الاستصحاب كذلك، لأنه حكم ظاهري مجعول في ظرف الجهل لا بعنوان انكشاف الواقع، و ان تكفل التنجيز و التعذير كسائر الأحكام الظاهرية كأصالة الطهارة.

الثاني: ان يكون المراد بالشك عدم العلم و لو بعنوان آخر، و مع العلم بالحكم بعنوان ظاهري يرتفع الموضوع قهرا.

252

...........

____________

- و فيه: ما تقدم في مناقشة صاحب الكفاية عند البحث في تقدم الأمارة على الاستصحاب فراجع.

و قد يوجه كلام الشيخ (رحمه الله) بان الأصل السببي يحقق موضوع دليل الحكم الثابت لمجراه فيكون هو الحكم، و هو المقدم على الأصل المسببي لا الأصل.

و هذا مما لا تأباه عبارته، و لعله مأخذ ما ذكره صاحب الكفاية من إجزاء الأمر الظاهري الجاري في تحقيق متعلق التكليف كأصالة الحل و الطهارة و استصحابهما.

و قد أورد على هذا الالتزام بإيرادات متعددة عمدتها ان مقتضاه الحكم بطهارة المغسول بالماء المستصحب الطهارة و لو انكشف بعد ذلك انه نجس و هو مما لا يلتزم به أصلا. و في مراجعة مبحث الاجزاء فائدة.

ثم ان هذا الوجه يختص بما إذا كان مجرى الأصل السببي حكما شرعيا قابلا للجعل بنفسه كالطهارة و الحلية و نحوهما. و لا يتأتى فيما إذا كان مجراه موضوعا تكوينيا كالعدالة و الحياة، لعدم ثبوته به حقيقة حتى يمكن تطبيق الدليل. فانتبه.

و بالجملة: فما أفاده الشيخ (رحمه الله) في الوجه الثاني غير تام.

و أما ما ذكر في الوجه الثالث: فقد تصدى (قدس سره) لمناقشته بما لا يخلو عن إشكال.

و التحقيق في مناقشته: ان قلة المورد لا تعد محذورا إذا لم يساعد الدليل على العموم، فأي ضرر في أن يكون الاستصحاب قاعدة في موارد خاصة.

و إن كان مراد المستدل ان ذلك يتنافى مع مورد الرواية، حيث ان موردها إجراء الاستصحاب في الموضوع و هو الطهارة. ففيه: انه يمكن ان لا يكون المنظور في النص إجراء الاستصحاب في نفس الطهارة و الوضوء، بل في عدم وجوب الوضوء كما هو مورد السؤال، فالمستصحب هو المسبب رأسا لا السبب. و مما يؤيد عدم تقدم الأصل السببي على المسببي انه لم يتصد في النص إلى إجراء الاستصحاب في السبب و هو عدم الرافع، و هو النوم.

و أما ما ذكره في الوجه الرابع، ففيه: ان الاشتغال لا يكون مجرى للاستصحاب كما تقدم بيانه في مبحث الأقل و الأكثر، و الأصل المسببي في مورد الرواية هو الأصل الجاري في نفي وجوب الوضوء و هو يوافق الأصل السببي، و قد تقدم إمكان كون المنظور في الرواية هو جريان الأصل في المسبب رأسا.

253

...........

____________

- و أما ما أفاده أخيرا تحت عنوان ..، ففيه: ان الكلام ليس في ترتيب آثار الأصل السببي بل الكلام في عدم معارضته بالأصل المسببي و ليس فيما ذكره إشارة إلى ان ارتكاز العرف عليه، مع ان المبحث عقلي لا عرفي.

و المتحصل: ان شيئا من هذه الوجوه الأربعة لا يفي بالمطلوب. و لا يخفى عليك ان مقتضى الوجه الثاني هو الورود، أما الثالث و الرابع فمقتضاه من هذه الجهة مجمل، و انما هما يتكفلان التقديم لا أكثر.

و أما دعوى تقديم الأصل السببي على المسببي بالحكومة- كما عليه المحقق النائيني على ما نقل كلامه في المتن- فيدفعها ما عرفت في تقديم الاستصحاب على البراءة من ان المفهوم من أدلة الاستصحاب بملاحظة النهي عن النقض بمثل «لا ينبغي» إرادة النقض و الإبقاء العملي، و هذا لا يرجع إلى جعل اليقين و اعتباره، بل إلى الأمر بترتيب آثار بقاء اليقين. هذا مع غض النّظر عما أشرنا إليه في المتن من ان التعبد باليقين بشي‏ء لا يستلزم التعبد باليقين بآثاره. و النافع في دعوى الحكومة إثبات التعبد باليقين بالأثر لا التعبد باليقين بالموضوع. فلاحظ.

و الّذي يمكن ان يقال في وجه تقديم الأصل السببي على المسببي: هو ان الأصل السببي ناظر إلى مفاد الأصل المسببي و ملغ له، فيكون حاكما. و ذلك لأن التعبد بطهارة الماء- مثلا- مرجعه إلى ترتيب آثار طهارته و من جملتها حدوث الطهارة للمغسول به بعد نجاسته و صيرورته طاهرا.

و من الواضح ان مرجع التعبد بالحدوث هنا إلى إلغاء الحالة السابقة و عدم الاعتناء بها، و هذا ينافي جريان الاستصحاب في المغسول به، لأن إبقاء الحالة السابقة يتنافى مع إلغائها و عدم الاعتناء بها. فيكون الأصل السببي ناظرا لمفاد الأصل المسببي فيتقدم عليه بالحكومة.

و بالجملة: إطلاق دليل الاستصحاب الشامل لمورد الشك السببي يمنع من شمول الإطلاق للشك المسببي.

و هذا هو معنى الحكومة في ما نحن فيه، فلا يرد الإشكال فان الحكومة تكون بين دليلين لا في دليل واحد.

إلا ان هذا انما ينفع في إثبات حكومة الاستصحاب السببي على خصوص الاستصحاب الجاري في الشك المسببي، لأنه متفرع على ملاحظة الحالة السابقة، فيكون محكوما لما يقتضي إلغاءها.

254

...........

____________

- و أما مثل أصالة الإباحة أو الطهارة الجارية في الشك المسببي فلا ينفع البيان المزبور لإثبات محكوميتها للاستصحاب السببي لعدم النّظر فيها إلى الحالة السابقة، بل هي تتكفل مجرد الثبوت.

فتصطدم مباشرة مع أثر الأصل السببي.

و تحقيق الكلام في هذا المجال: ان المولى إذا ألزم المكلف المتحير و المتردد بين احتمالين بأحد الطرفين بأي لسان كان الإلزام. من جعل المؤدى أو جعل اليقين وصفا أو عملا أو المنجزية، كان مرجع الإلزام- عرفا- إلى إلغاء الاعتناء بالطرف الآخر من الترديد و لعل هذا ما يقصده الشيخ بإلغاء احتمال الخلاف- لا بمعنى جعل العلم و اعتباره- لأنه يلتزم بجعل المؤدى و نتيجة ذلك هو نفي ما يقتضي اعتباره لأن لسانه لسان نفي ترتيب الأثر لا مجرد عدم الاعتناء به. و عليه فيكون الاستصحاب حاكما على البراءة في مورده، لتكفل دليل الاستصحاب تعيين أحد طرفي الترديد لأن لسانه لسان عدم النقض و الإبقاء و هو ناظر إلى إلغاء احتمال الخلاف و عدم الاعتناء به فينفي أصالة الإباحة الراجعة إلى الاعتناء بالاحتمال. و هكذا الكلام في أصالة الطهارة.

و لا تصح دعوى العكس، لأن كلا من أصالة البراءة و أصالة الطهارة لا يتكفل تعيين أحد المحتملين، بل تتكفل بيان وظيفة المكلف مع فرض تردده و شكه و غض النّظر عن الواقع. و ليس كذلك الأمارة و الاستصحاب.

و المتحصل: ان حكومة الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي بالبيان السابق.

و أما حكومة الاستصحاب السببي على البراءة و أصالة الطهارة في الشك المسببي بل مطلقا فهي بالبيان الأخير. فتدبر و اعرف. و من هذا البيان ظهر تقريب حكومة الأمارة على الاستصحاب لو لم تتم دعوى الورود بالبيان السابق، فان الأمارة بمقتضى دليل اعتبارها تتكفل إلغاء احتمال الخلاف فتنصرف في موضوع الاستصحاب و تنفيه، و الاستصحاب و ان كان كذلك لكن لم يؤخذ الجهل موضوعا في الأمارات بل موردا.

و معه لا وجه لإنكار صاحب الكفاية- في مباحث التعادل و الترجيح- دعوى الحكومة بعدم النّظر، إذ عرفت منشأ نظر دليل اعتبار الأمارة إلى دليل الاستصحاب و لو لم يلتزم بان المجعول فيها الطريقية.

و أما ما يظهر من عبارته- في ذلك المبحث- من احتمال تكفل دليل الاعتبار مطلقا و لو في الأصول لإلغاء احتمال الخلاف فهو غير واضح، إذ لا يحتمل هذا المعنى في أدلة البراءة أصلا.

255

الأصل السببي بجريانه يمنع من شمول العموم لمورد الأصل المسببي، و ذلك لأن العام انما هو عدم نقض اليقين بالشك، و مع جريان الأصل السببي لا يكون نقض اليقين في مورد الأصل المسببي بالشك، بل بالدليل، و ان كان موضوع الحكم و هو الشك و اليقين ثابتا. بخلاف العكس، فانه بجريان الأصل المسببي لا يرتفع صدق النقض بالشك في مورد الأصل السببي، فالأصل السببي بجريانه يتصرف في محمول الأصل المسببي- و هو النقض بالشك- لا في موضوعه- و هو الشك- فالتفت‏ (1).

و الإشكال عليه: بان ما ذكر من عدم قابلية مورد الشك المسببي لشمول العموم له انما يتحقق على تقدير الالتزام بالأصل السببي، و لكنه محل الكلام و ما هو الوجه في الالتزام به و طرح الأصل المسببي؟.

مندفع: بان مقتضى شمول العام- و هو حرمة النقض في مورد الشك السببي- ثابت لصدق النقض بالشك و المانع مشكوك فينفي بأصالة عدم التخصيص. بخلاف الشك المسببي، فان مقتضى الشمول- و هو صدق النقض بالشك- معلق على عدم ثبوت العام في مورد الشك السببي، و قد عرفت ثبوته بأصالة عدم التخصيص.

و عليه: فقد يشكل: بأنه بعد فرض ان موضوع الحكم في كلا الموردين ثابت و هو اليقين السابق و الشك اللاحق- و لما كانت نسبة الحكم بعدم النقض إليهما على حد سواء إذ نسبة حكم العام إلى افراده بالسوية، لأنها جميعها في عرض واحد، لم يكن وجه لجعل شمول الحكم العام لفرد ببناء العقلاء على أصالة عدم التخصيص مانعا عن شموله لفرد آخر، لأن أصالة عدم التخصيص جارية فيهما على حد سواء مع قطع النّظر عن الآخر.

و عليه، فلا وجه لجعل أصالة عدم التخصيص في مورد الشك السببي مانعة عن شمول العام لمورد الشك المسببي، إذ لو لا جريانه و ثبوت حكم العام لمورد الشك‏

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 425- الطبعة القديمة.

256

السببي بواسطتها، كان حكم العام ثابتا في مورد الشك المسببي، و لم يثبت بناء العقلاء على جريانها في الفرد السببي دون المسببي و يندفع بما أفاده (قدس سره): من الوجه العقلي في بيان عدم صلاحية الشك المسببي لمانعيته عن شمول حكم العام للشك السببي.

و محصله: ان فردية الشك المسببي لحكم العام بحيث يكون مشمولا له انما تتحقق بعد فرض رفع اليد عن حكم العام في مورد الشك السببي المفروض فرديته، و رفع اليد عنه في هذا المورد لا وجه له بعد فرض فرديته إلا ثبوت حكم العام و شموله لمورد الشك المسببي، و هذا دور، فمانعية الأصل المسببي عن الأصل السببي انما تكون بوجه دائر، فثبوت أصالة عدم التخصيص في مورد الشك السببي و اقتضائها لشمول حكم العام له لم يكن عن دعوى تعبد محض من العقلاء، كي يقال بعدم ثبوت ذلك منهم، بل كان من جهة ثبوت المقتضي فيه و عدم صلاحية الشك المسببي للمانعية عنه إلا على وجه دائر.

و بالجملة: أن الأصل في مورد الشك السببي يجري لثبوت مقتضى الجريان فيه، و بجريانه لا يبقى مورد الشك المسببي قابلا لفرديته الفعلية لحكم العام و شمول الحكم له للتصرف في محموله، و هو النقض بالشك، و يمتنع كون الأصل المسببي مانعا عن جريان الأصل السببي إلا على وجه دائر. فلا وجه حينئذ لطرح الأصل السببي و الأخذ بالأصل المسببي، لثبوت مقتضية و عدم المانع بخلاف العكس كما عرفت.

هذا محصل ما يمكن ان يستفاد من عبارة الرسائل فانها تبدو بألفاظها و معانيها مرتبكة غير متلائمة.

الثالث: ما أفاده الشيخ (رحمه الله) بعنوان الجواب عن الإشكال الأخير على الوجه الثاني بقوله: «و ان شئت قلت: ان حكم العام من قبيل لازم الوجود للشك السببي كما هو شأن الحكم الشرعي و موضوعه ...» (1) و قد حملها المحقق الخراسانيّ في‏

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 426- الطبعة القديمة.