منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
257

حاشيته على الرسائل و تابعة المحقق الأصفهاني في حاشيته على الكفاية (1) على ما يبدو منها أولا من أن الشك المسببي باعتبار كونه معلولا للشك السببي و ان حكم العام باعتبار كونه- بالنسبة إلى الشك السببي- من قبيل لوازم الوجود كانا متأخرين عن الشك السببي و في مرتبة واحدة، فيمتنع ان يكون الشك المسببي محكوما بحكم العام لأنه يستلزم كونه موضوعا له و ذلك يقتضي تقدمه عليه و لو بالطبع و هو خلاف المفروض من كونهما في مرتبة واحدة.

و قد أورد عليه المحقق الأصفهاني إيرادات متعددة. و الوجه الّذي اشترك به مع أستاذه الخراسانيّ هو ما قرره من ان عموم «لا تنقض» ينحل إلى أحكام متعددة بتعدد أفراد الموضوع، فالحكم الّذي يقصد ترتبه على الشك المسببي غير الحكم الّذي و فرض كونه معه في مرتبة واحدة. كما لا يخفى.

و لكنه يبعد حمل كلام الشيخ (قدس سره) على هذا التقريب لوضوح فساده، فالأولى ان يقال ان مراده (قدس سره) ان الشك المسببي لا يصلح لأن يكون مانعا عن حكم العام الثابت للشك السببي لأن المانع عن الشي‏ء يكون سابقا عليه في المرتبة لأنه في مرتبة موضوعه و علته، و حكم العام و الشك المسببي في مرتبة واحدة، لأنهما معا من قبيل لوازم الوجود بالنسبة إلى الشك السببي، فيمتنع ان يكون الشك المسببي مانعا عن الحكم الثابت في مورد الشك السببي لأن مانعيته عنه تقتضي تقدمه عليه و لو طبعا.

و على هذا الوجه لا يرد شي‏ء مما أورده المحقق الأصفهاني. فلاحظ.

الرابع: ما ذكره المحقق النائيني‏ (2): من أن الأصل في الشك السببي رافع تشريعا لموضوع الأصل في الشك المسببي. و بما ان جعل الأحكام بنحو القضايا الحقيقة فلا نظر للحكم إلى وجود موضوعه و عدمه، بل الدليل يتكفل ثبوته على تقدير وجود الموضوع.

____________

(1) المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 3- 132- الطبعة الأولى.

(2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 683- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي‏

258

و عليه، فلا يصلح الأصل في الشك المسببي للمنع عن الأصل السببي، لأن مانعيته عنه معناها المحافظة على موضوع نفسه، لأنه يمنع عما يمنع عن موضوعه، و قد عرفت أن الحكم لا يصلح لذلك و انما هو يثبت على تقدير ثبوت الموضوع اما انه يكون بنحو يثبت الموضوع فذلك أجنبي عن مفاد أدلة الأحكام، فانها انما تتكفّل ثبوت الأحكام على تقدير ثبوت موضوعاتها، و لا تتكفل ثبوت الموضوعات.

و هذا الوجه غير تام نقضا و حلا ..

أما الأول، فانه ينتقض بالمتزاحمين، فان الحكم في كل منهما يمنع عما يمنع عن موضوعه، و هو الحكم الآخر الموجب لصرف القدرة إلى متعلقه المانع عن موضوع ذاك الحكم، و هو القدرة، نظير التزاحم بين وجوب إنقاذ هذا الغريق و وجوب إنقاذ ذاك الغريق، فان وجوب إنقاذ كل منهما يقتضي صرف القدرة إلى متعلقه و هذا يعنى المحافظة على موضوعه و المنع عن الحكم الآخر المانع عن موضوعه باقتضائه صرف القدرة إلى متعلقه.

و أما الثاني: فمجمله ان امتناع كون حكم الشك المسببي مانعا عن حكم الشك السببي، إما لأجل ان دليل الحكم في القضايا الحقيقية يتكفل ثبوته على فرض ثبوت الموضوع، فيمتنع حينئذ تكفله للمحافظة على موضوعه لأنه خلف.

و إما لأجل ان الحكم بعد فرض كونه ثابتا على تقدير الموضوع كان متأخرا عن موضوعه، فيمتنع ان يؤثر فيما هو في رتبة العلة لموضوعه، و هو المانع، لاستلزامه تقدم المتأخر على مرتبته و هو محال.

فان كان المحذور هو الأول، فهو تام في نفسه، إذ محافظة دليل الحكم على موضوع الحكم خلف فرض كونه متكفلا لثبوته على تقدير الموضوع، و لكنه انما يمتنع ذلك بالمباشرة. اما إذا كان دليل الحكم مؤثرا في شي‏ء يلزمه الموضوع، فلا محذور فيه، نظير تأثير الحكم المأخوذ في موضوعه القدرة في حكم العقل بعدم‏

259

صحة تعجيز المكلف نفسه المستلزم لتحصيل القدرة و المحافظة عليها بنفس الخطاب المتكفل لبيان الحكم. و ما نحن فيه من هذا القبيل، فان دليل الحكم انما يؤثر في رفع المانع المستلزم لثبوت الموضوع، و ليس تأثيره في ثبوت الموضوع بالمباشرة.

و ان كان الثاني فحلّه- في نفسه- بوجهين:- و ان كان ما يرتبط بما نحن فيه هو الثاني دون الأول، إلّا أنه ذكرناه استقصاء للحل بالنسبة إلى غير ما نحن فيه من الموارد- الأول: ان يكون التأثير بقاء لا حدوثا بمعنى: ان الحكم الثابت لموضوعه فعلا يؤثر في المحافظة على موضوع استمرار الحكم، فالحكم المتأخر عن الموضوع المحافظ عليه هو الحكم في مرحلة الاستمرار و البقاء.

أما الحكم المؤثر فهو الحكم في مرحلة الحدوث، و هو غير متأخر رتبة عن موضوع الحكم في مرحلة استمراره و بقائه.

الثاني: ان يكون التأثير في مرحلة الاقتضاء، و ذلك لأن الحكم الثابت على تقدير ثبوت موضوعه انما هو الحكم الفعلي. اما الحكم في مرحلة الاقتضاء و قبل الوصول إلى حد الفعلية فهو ثابت و لو لم يثبت الموضوع، فيمكن ان يكون المؤثر في رفع المانع عن الموضوع فيما نحن فيه إنما هو الحكم في مرحلة الاقتضاء الثابت قبل ثبوت الموضوع، و هو غير متأخر رتبة عن مرحلة الموضوع و علله، و بالمحافظة على الموضوع يثبت الحكم الفعلي فتدبر جيدا.

الخامس: ما عن المحقق النائيني (قدس سره) من أن الأصل المسببي لا يصلح لمعارضة الأصل السببي، لاستلزامه تقدم الشي‏ء على نفسه، لأن الشك السببي علة للشك المسببي، و الحكم المترتب عليه- أي على المسبب- في رتبة متأخرة عنه ضرورة تأخر كل حكم عن موضوعه. و الحكم في الشك السببي بما أنه رافع للشك المسببي يكون في رتبة سابقة عليه، فمعارضة الحكم في الشك المسببي للحكم في الشك السببي يستلزم تقدم الشي‏ء على نفسه- لأنه متأخر عنه‏

260

بمرحلتين-، و هو محال‏ (1).

و هذا الوجه كسابقه غير تام، لأن اتحاد الرتبة بين الأصلين المتعارضين ليس شرطا في إمكان التعارض- كي تكون معارضة المتقدم للمتأخر مستلزمة للمحال من تقدم الشي‏ء على نفسه-، بل المعارضة تصح بين المتقدم و المتأخر زمانا فضلا عن فرض التقدم و التأخر الرتبي. نظير تعارض الأصول في أطراف العلم الإجمالي في الأمور التدريجية.

الجهة الثانية: في كيفية التقديم‏

، فهل هو بالورود أو الحكومة؟ أو غيرهما؟

الحق انه بالورود، و بيانه يتضح بذكر وجه التقديم فانتظر.

و قد ذهب المحقق النائيني (قدس سره) إلى انه بالحكومة، بتقريب انه حيث:

تعتبر السببية الشرعية بين الشك السببي و المسببي، بان يكون أحد المشكوكين من آثار المشكوك الآخر شرعا.

و يعتبر أيضا كون الأصل السببي رافعا لموضوع الأصل المسببي، و هو الشك.

يكون الأصل السببي حاكما على الأصل المسببي، لأنه رافع لموضوعه.

و الإشكال فيه: بان من مقومات الحكومة هو نظر أحد الدليلين إلى الآخر في مرحلة دلالته، و هذا لا يتم في مثل الاستصحابين، إذ الاستصحاب بجميع افراده مدلول لدليل واحد، لأن استناد الحكم الاستصحابي في شتى موارده من دليل واحد، فلا يتحقق فيه شرط الحكومة، و ان قلنا بانحلال الدليل العام إلى قضايا متعددة بتعدد موارده، إذ ذلك لا يستلزم تعدد الأدلة و تحقق النّظر المقوم للحكومة، إذ لا معنى له في القضايا الانحلالية الحاصلة بالتعمل العقلي.

مندفع: بان هذا ناشئ عن عدم التفريق بين الحكومة الظاهرية و الحكومة الواقعية، فان اعتبار نظر أحد الدليلين إلى الآخر المستلزم لتعدد الدليل خارجا انما

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 682- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

261

هو في مورد الحكومة الواقعية، كحكومة أدلة إلغاء شك كثير الشك على أدلة أحكام الشك. دون الحكومة الظاهرية- كما فيما نحن فيه- فانه لا يعتبر فيها إلا كون الدليل الحاكم رافعا لموضوع الآخر في عالم التشريع.

و يؤخذ على هذا الكلام مؤاخذات:

الأولى: ان الحكومة بأي معنى كانت- واقعية أو ظاهرية- لا بد فيها من نظر الدليل الحاكم إلى المحكوم، إذ لا وجه لتقدم الدليل المتكفل لنفي الموضوع على الدليل المتكفل لإثبات الحكم لموضوعه الواقعي إلا كونه ناظرا إلى نفي آثاره و أحكامه الثابتة له بالدليل المحكوم. و إلا فلا وجه لتقدمه عليه، إذ مفاد الحاكم نفي الموضوع تشريعا لا تكوينا كي تنتفي آثاره الشرعية الثابتة له بمقتضى الدليل المحكوم.

الثانية: انه لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بعدم لزوم النّظر في الحكومة الظاهرية، فالمقام ليس من موارد الحكومة الظاهرية كما قرره (قدس سره)، إذ ليس المراد من الحكومة الظاهرية كون الدليلين متكفلين للحكم الظاهري، بل المراد أن أحد الدليلين لا يكون ناظرا إلى مدلول الآخر بحسب الواقع- و ان كان ذلك الآخر دليلا ظاهريا إذ واقع كل بحسبه- بل يكون ناظرا إليه و متصرفا فيه مع فرض الإغماض عن الواقع و الجهل به- و لذلك عرفها (قدس سره) في مبحث التعادل و التراجيح بما كان موضوع الدليل الحاكم متأخر الرتبة عن موضوع الدليل المحكوم، كحكومة الأمارات على الأدلة الواقعية- فتمامية الحكومة الظاهرية في المورد انما تتحقق بفرض الشك في تحقق موضوع الاستصحاب المسببي، و هو غير مفروض بل غير متحقق، إذ موضوعه- و هو الشك و اليقين- لا شك فيه مع قطع النّظر عن الاستصحاب السببي، فالحكومة لو تمت فهي واقعية، و هي تستلزم النّظر بلا كلام، كما اعترف به (قدس سره) في صريح كلامه.

الثالثة:- و هي أهم المؤاخذات- انه لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بإمكان تحقق الحكومة الواقعية بين مدلولي دليل واحد فالأصل السببي غير حاكم على الأصل‏

262

المسببي كما ادعى، إذ الحكومة تتقوم بالتصرف في موضوع المحكوم توسعة و تضييقا.

و الأصل السببي لا يتصرف في موضوع الأصل المسببي، سواء قلنا بان المجعول بدليل الاستصحاب هو اليقين أو المتيقن ..

أما بناء على تكفله جعل المتيقن، فعدم حكومته واضح، و ذلك لأن موضوع الاستصحاب هو اليقين و الشك، و بجريان الأصل السببي لا يرتفع الشك بالأثر الّذي يكون مجرى الأصل المسببي تعبدا، إذ به يثبت الموضوع و تترتب عليه آثاره، فالتعبد انما هو بنفس الآثار لا باليقين بها.

و بعبارة أوضح: ان الّذي يتكفله الأصل السببي انما هو تنزيل الأثر منزلة الواقع، لا تنزيل اليقين به منزلة اليقين بالواقع.

و الحكومة انما تتحقق بالمفاد الثاني لا الأول، و اليقين الوجداني بالواقع التعبدي لا يجدي في رفع الموضوع، إذ المأخوذ في الموضوع هو اليقين بالواقع بنحو التقييد لا التركيب، و الأصل لا يتكفل التعبد بالمقيد بما هو كذلك، بل انما يتعبد بالقيد، و هو لا يحقق ثبوت المقيد بما هو مقيد- و قد مر بيان ذلك تفصيلا في رد إمكان دعوى حكومة الأمارة على الاستصحاب بناء على جعل المؤدى فراجع- و أما بناء على تكفله جعل اليقين بالمستصحب، فتارة: يلتزم بأنه كما يتكفل جعل اليقين بالمشكوك يتكفل أيضا جعل اليقين بآثاره و لوازمه الشرعية. و أخرى:

لا يلتزم بذلك، بل يلتزم بأنه يتكفل جعل اليقين بنفس المشكوك فقط و تترتب عليه نفس الآثار، فالتعبد بنفس الآثار لا باليقين بها.

فالكلام في البناء الأول- أعني: البناء على جعل المتيقن لا اليقين- يجري بعينه على الالتزام الثاني- أعني: الالتزام بالتعبد بنفس الآثار لا باليقين بها- كما هو واضح جدا.

و أما على الالتزام الأول، فالأصل السببي و ان كان يتكفل التعبد باليقين بطهارة الثوب كما يتعبد بطهارة نفس الماء- مثلا- إلا ان الاستصحاب المسببي‏

263

أيضا يتكفل- في نفسه- التعبد باليقين بنجاسة الثوب بقاء، فأحد الأصلين يتكفل التعبد باليقين ببقاء المستصحب و الآخر يتكفل التعبد باليقين بزواله، فكيف يجعل أحدهما حاكما على الآخر؟ و بأي ملاك يكون ذلك؟.

و نتيجة ما ذكرناه: أن الأصل السببي لا يكون بدلالته الالتزامية الشرعية حاكما على الأصل المسببي، إذ لا يتكفل رفع الموضوع تعبدا، بل الأصلان متعارضان، فالأصل المسببي بدلالته المطابقية يعارض الأصل السببي بدلالته الالتزامية- إذ دلالته المطابقية لا تتنافى بنفسها مع دلالة الأصل المسببي- و عليه فالأصل السببي ..

اما ان يكون مجراه ذا أثر آخر غير المشكوك في مورد الأصل المسببي، كطهارة الماء، فان لها أثر غير طهارة الثوب المشكوكة و هو حلية الشرب.

و إما ان ينحصر اثره الشرعي بالمشكوك بالشك المسببي.

فعلى الأول: يكون الأصل السببي متكفلا بالالتزام الشرعي لثبوت كلا الأثرين من حلية الشرب و طهارة الثوب في استصحاب طهارة الماء. و الأصل المسببي بدلالته على نجاسة الثوب إنما ينافيه في إحدى دلالتيه الالتزاميتين، و هي دلالته طهارة الثوب المغسول بالماء، فالمعارضة انما تكون بين هذه الدلالة الالتزامية و بين الأصل المسببي، فتجري قواعد التعارض بينهما بالخصوص و يبقى الأصل السببي بدلالته المطابقية و الالتزامية الأخرى سالما عن المعارض فيلتزم به.

هذا إذا قلنا بان للأصل دلالات التزامية متعددة بتعدد الآثار، و لم نقل بان دلالة الأصل السببي على ترتب آثاره المتعددة بدلالة التزامية واحدة تتكفل ترتب جميع آثاره بنحو الإطلاق، و إلا فمع القول بذلك يكون الأصل المسببي مقيدا لإطلاق الدلالة الالتزامية و بذلك يجمع بينهما عملا.

و على الثاني: فالتعارض بين الدلالة الالتزامية الوحيدة للأصل السببي و الدلالة المطابقية للأصل المسببي، و مقتضى التعارض التساقط، و بعده يبقى مجرى‏

264

الأصل السببي بلا أثر شرعي، فيكون التعبد به لغوا، فيسقط الأصل السببي باللغوية لا بالتعارض، إذ قد عرفت عدم التنافي بين الدلالتين المطابقيتين للأصلين حتى بدوا.

و المحصل: انه في مورد المنافاة بين الأصلين يسقطان معا لتعارضهما و لا يتقدم أحدهما على الآخر. و بعد ذلك فان كان للمستصحب في مورد الأصل السببي أثر آخر غير موضوع المعارضة جرى و ترتب بواسطته ذلك الأثر، و إلا لم يجر أصلا للغوية التعبد، فلاحظ.

و من هنا يظهر ما في بعض كلمات الشيخ في الرسائل، و قرره المحقق الخراسانيّ‏ (1) في الكفاية في تقريب وجه تقدم الأصل السببي على الأصل المسببي من: أنه مع الأخذ بالأصل السببي يكون رفع اليد عن الأصل المسببي بوجه بخلاف العكس فان الأخذ بالأصل المسببي يستلزم رفع اليد عن الأصل السببي بلا وجه أو على وجه دائر.

فان هذا التقرير غير وجيه بعد ما عرفت، إذ مع الأخذ بالأصل المسببي بأي وجه كان، فان كان لمجرى الأصل السببي أثر آخر، لا ترفع اليد عنه بل يبقى ثابتا و يترتب بواسطته ذلك الأثر. و ان لم يكن له أثر، فرفع اليد يكون بوجه غير دوري و هو اللغوية، لا بوجه دائر و لا بلا وجه.

و مركز الغفلة، هو أخذهم الأصل السببي بمجراه و دلالته المطابقية طرف المعارضة مع الأصل المسببي. و معه لا يتم الوجه الّذي ذكروه، إذ الأصل السببي في مورد يؤخذ به و لا ترفع اليد عنه، و في مورد ترفع اليد عنه و لكن بوجه و هو لغوية التعبد به.

و أما ما أفاده الشيخ في الوجه الثاني- على ما وجهنا به عبارة الكتاب- من:

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 431- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

265

أنه بجريان الأصل السببي يرتفع صدق النقض بالشك في مورد الشك المسببي، إذ النقض يكون بالدليل.

ففيه: ما أشرنا إليه في مبحث تقريب ورود الأمارة على الاستصحاب من أنه مع الالتزام بإرادة الشك الوجداني من الشك المأخوذ في موضوع الاستصحاب لا عدم الحجة، لا وجه للالتزام بإرادة السببية من الباء في قوله: «بالشك»، بل يكون المراد عدم نقض اليقين في مورد الشك، سواء كان الاستناد إليه أو إلى غيره، فكون النقض بالدليل في مورد الشك المسببي مع جريان الأصل السببي لا يجدي في خروج المورد عن عموم دليل الاستصحاب مع ثبوت الشك في مورده كما هو الفرض. فتدبر جيدا.

و الّذي ينبغي ان يقال: ان الأصل السببي يتقدم على الأصل المسببي بالورود، و ذلك لما تقدم في تقريب ورود الأمارة على الاستصحاب: ان المراد بالشك المأخوذ في موضوع الاستصحاب، هو عدم الحجة و الدليل لا الصفة الوجدانية الخاصة.

و عليه، فالأصل السببي بجريانه يرفع موضوع الأصل المسببي و هو الشك- بمعنى عدم الحجة- لأنه يكون دليلا و حجة على خلاف الحالة السابقة فيه و معه يرتفع موضوعه.

و بما ان المقتضي لجريان الأصل السببي ثابت لتمامية موضوعه، و ليس هناك ما يمنع من جريانه إلا ما يتوهم من الأصل المسببي، و لما كان الأصل السببي- بدلالته الالتزامية- رافعا لموضوعه تكوينا و نافيا لمقتضيه، فلا يصلح حينئذ للمانعية عن الأصل السببي، إذ مانعيته تتوقف على ثبوته المتوقف على عدم جريان الأصل السببي، فيمتنع ان يستند عدم جريان الأصل السببي إليه للزوم الدور. و ليس الأصل المسببي ناظرا إلى نفس مجرى الأصل السببي بحيث يرتفع بجريانه موضوعه كي يحصل التمانع من الطرفين، و يكون مقتضى كل منهما متوقفا على عدم الآخر، فلا يصلح أحدهما بخصوصه دون الآخر للمنع عن الآخر.

266

و هذا الوجه تام في جميع الصور، سواء كان الأصل المسببي مخالفا للأصل السببي أم موافقا، و سواء كان مجرى الأصل السببي بنفسه أثرا شرعيا- كطهارة الماء- أم لم يكن كذلك بل كان أمرا تكوينيا يترتب عليه أثر شرعي- كالكريّة- و ان كان توهم عدم تقدم الأصل السببي في الأخير أقوى و الاستدلال عليه أوجه لأن المجعول في الحقيقة بالأصل السببي هو الحكم، فيكونان متعارضان، لأن أحد الأصلين يثبت الحكم و الآخر ينفيه.

لكن ذلك لا يجدي بعد ان عرفت ان الملاك هو كون الأصل السببي رافعا لموضوع الأصل المسببي دون العكس إذ لا يرفع الأصل المسببي الشك في مجرى السببي- و هو الأمر التكويني- فيكون المقتضى في أحدهما منجز الثبوت و في الآخر معلقا فلا يصلح للمانعية إلا على وجه دائر، و ليس الملاك هو كون أحدهما يثبت الموضوع و الآخر الحكم كي يتأتى ما ذكر- هذا كله بالنسبة إلى الاستصحابين المتعارضين و كان أحدهما سببا و الآخر مسببا.

و اما لو كان الأصل السببي غير الاستصحاب كأصالة الطهارة، فقد استشكل المحقق الأصفهاني (قدس سره) في تقدمها على الاستصحاب المسببي ..

و لعل الوجه فيه: ان المأخوذ في موضوع الاستصحاب انما هو عدم الحجة، و أصالة الطهارة ليست حجة على الطهارة، بل هي قاعدة منتزعة عن ثبوت الحكم في موارد الشك، و الدليل الدال عليها و ان كان في نفسه حجة إلا انه حجة على الطهارة الظاهرية لا على الواقع، فلا يرتفع بأصالة الطهارة و لا بدليلها موضوع الاستصحاب المسببي.

و هذا الوجه مخدوش بوجهين:

الأول: انه لم يثبت ان المأخوذ في موضوع الاستصحاب هو عدم الحجة، بل يمكن الالتزام بأنه عدم المستند في مقام العمل، و لا يخفى ان الدليل على ان الطهارة

267

الظاهرية مستند في مقام العمل، و لذلك يصح قصد القربة فيما يحتاج إلى الطهارة من الأعمال.

الثاني: انه لو سلم كون المأخوذ عدم الحجة لا مطلق عدم المستند، فالطهارة حجة بالمعنى المأخوذ عدمه في موضوع الاستصحاب، و هو المنجزية و المعذرية، فان المعذر في صورة المخالفة و المنجز في صورة الموافقة ليس إلّا هذا الحكم الظاهري و هو الطهارة، لأنه و ان كان حكما ظاهريا إلا انه حكم طريقي لتنجيز الواقع نظير وجوب الاحتياط المستفاد من الدليل الشرعي في كونه حكما طريقيا لتنجيز الواقع- و لذا يكون العقاب مع عدم الاحتياط و مخالفة الواقع، على مخالفة الواقع لا على مخالفة وجوب الاحتياط- و عليه، فمع الالتزام بما التزم به المحقق الخراسانيّ من كون أدلة الطهارة حاكمة بالحكومة الواقعية على أدلة الاشتراط- أعني: أدلة شرطية الطهارة للصلاة و غيرها- بمعنى انها توجب التصرف في موضوعها بجعل أحد أفراده و لو كان في مرحلة الظاهر فيثبت للطهارة الظاهرية الأثر المترتب على عنوان الطهارة بلسان الأدلة. كان للدليل الدال على ترتب الأثر على الطهارة هو الوارد على الاستصحاب، إذ دليل الطهارة لا يتكفل سوى إثبات الموضوع ليترتب عليه الأثر المدلول لذلك الدليل، فترتب الأثر المخالف للحالة السابقة في الشك السببي بواسطة الدليل الاجتهادي، فهو الوارد على الاستصحاب.

و هذا الكلام [لا يتأتى في‏] الاستصحاب السببي، لأنه انما يتكفل المتيقن على انه الواقع المشكوك، و عرفت ان ما يتكفل إثبات الفرد الواقعي لا يكون حاكما على الدليل الآخر.

و أما مع عدم الالتزام بذلك، بدعوى: ان موضوع الأثر بلسان الأدلة هو الطهارة الواقعية، و دليل الطهارة انما يتكفل ثبوتها في حال الشك و الجهل بالواقع فهي طهارة ظاهرية. فدليل الطهارة بنفسه يكون واردا إذ مرجعه حينئذ إلى إثبات‏

268

أثر الطاهر للمشكوك بنفسه لا بواسطة الدليل الآخر، إذ ذاك انما يثبت ترتب الأثر على موضوعه و هو الطهارة الواقعية.

و بالجملة: فأصالة الطهارة تكون سببا لرفع اليد عن الاستصحاب المسببي على أي تقدير، فتدبر.

المقام الثاني: في الشكين المسببين عن ثالث ..

كالشك في نجاسة هذا الإناء و الشك في نجاسة ذاك المسببين عن العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما، إذ لولاه لما حصل الشك في نجاسة كل منهما بل يعلم بطهارتهما. و العلم الإجمالي تارة: يتعلق بالحكم الاقتضائي أو بما يستتبعه، كالعلم المتعلق بنجاسة أحدهما فانه يستتبع وجوب الاجتناب عنه و هو حكم اقتضائي، فيكون جريان الأصلين معا مستلزما للمخالفة العملية القطعية. و أخرى: يتعلق بحكم غير اقتضائي أو بما لا يستتبعه، كالعلم المتعلق بطهارة أحدهما مع سبق نجاستيهما، فلا يكون جريان كلا الأصلين مستلزما للمخالفة العملية القطعية. نعم، يستلزم المخالفة الالتزامية بالبناء على نجاستيهما مع العلم بطهارة أحدهما.

فالكلام يقع في موردين:

المورد الأول: ما إذا كان يلزم من إجراء كلا الأصلين مخالفة قطعية عملية للتكليف المعلوم بالإجمال.

و الكلام تارة: يكون في وجود المقتضي لجريان كل من الأصلين. و أخرى في ثبوت المانع و عدمه بعد فرض وجود المقتضي.

أما وجود المقتضي: فقد نفاه الشيخ في الرسائل و ادعى قصور الأدلة عن شمول المورد، بتقريب: تحقق المنافاة بين صدر الدليل و ذيله بالنسبة إلى الفرض، و ذلك لأن مجرى كل منهما بخصوصه حيث كان متيقن الحدوث مشكوك البقاء كان مشمولا للصدر و هو: «لا تنقض اليقين بالشك»، و مقتضاه جريان كلا الأصلين و حرمة النقض في كليهما، و بما أن أحدهما متيقن الارتفاع كان مشمولا للذيل، و هو:

269

«و لكن تنقضه بيقين آخر»، و مقتضاه لزوم النقض في أحدهما و عدم جريان أحد الأصلين.

و لا يخفى ان ما يقتضيه الصدر يتنافى مع ما يقتضيه الذيل، إذ السالبة (الموجبة خ ل) الكلية- و هي مدلول الصدر- تناقضها الموجبة (السالبة خ ل) الجزئية- و هي مقتضى الذيل- فيتعارض الصدر و الذيل بالنسبة إلى المورد و لا مرجح لأحدهما على الآخر، فيكون الدليل مجملا، فيؤخذ به بما في القدر المتيقن، و المورد ليس منه فيكون قاصرا عن شموله.

و بهذا الوجه يخرج المورد عن موارد المعارضة، إذ ليس هو من موارد جريان الأصلين كي تتحقق المعارضة بينهما (1).

و لكن ما ذكره الشيخ لا يمكن الالتزام به لوجهين:

الأول: ان ظاهر الخبر لزوم كون اليقين الناقض المذكور في الذيل من سنخ اليقين بالحدوث- كما هو ظاهر المقابلة بين الصدر و الذيل- فلا يصلح اليقين الإجمالي لنقض اليقين التفصيليّ، فيكون المورد مشمولا للأدلة، بلا ان يحصل التنافي فيها.

الثاني: انه لو سلم إرادة اليقين الأعم من الإجمالي و التفصيليّ من اليقين المذكور في الذيل، و عدم ظهور الكلام في لزوم السنخية بين اليقين الناقض و المنقوض، فلا وجه أيضا لدعوى قصور الأدلة عن شمول المورد، إذ من الأدلة ما لا يشتمل على الذيل المزبور، بل يقتصر فيه على الصدر، فهو لا يقصر عن شمول المورد، و لا يسرى إجمال غيره إليه لانفصاله عنه.

و قد أشير إلى هذين الوجهين في الكفاية [1].

____________

[1] و يمكن الخدشة فيما أفاده (قدس سره) ثانيا بأنه انما يتم الرجوع إلى الروايات الخالية عن الذيل لو فرض ان الذيل المزبور كان من القرائن المتصلة فانه يستلزم إجمال ما اتصل به خاصة،

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 429- الطبعة القديمة.

270

و أما الكلام في ثبوت المانع و عدمه، فتحقيقه: أنه مع الالتزام- كما هو الحق- بكون العلم الإجمالي علة تامة لتنجيز الواقع بحيث يمتنع جعل الحكم الظاهري- سواء كان مؤدى الأصل أو الأمارة- في أطرافه يكون العلم الإجمالي بالتكليف في المقام مانعا عن جريان كل من الأصلين، لكون الواقع المنجز محتمل الانطباق على كل من الفردين، فيمتنع أن يجري الأصل في كل منهما- كما مر توضيح ذلك في مبحث العلم الإجمالي.

و مع هذا الالتزام يخرج المورد أيضا عن موارد المعارضة، إذ لا يكون من موارد جريان الأصول في نفسه.

نعم، بناء على ما اختاره المحقق النائيني، من كونه علة تامة بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، و بنحو الاقتضاء بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، فتجوز المخالفة الاحتمالية- بناء على هذا- يكون المورد من موارد المعارضة، إذ العلم‏

____________

- أما لو فرض انه من القرائن المنفصلة كما هو الظاهر لأن: «لكن» هنا للاستدراك، فتكون كلاما مستقلا- فلا يتم ما أفاده لأنها تكون مقيدة لجميع النصوص حتى غير المذيلة بها لأن نسبتها إلى الجميع على حد سواء و التحقيق: انه لا ظهور لكلام الشيخ في إرادة إجمال الأدلة كما حملت عليه عبارته بل نظره (قدس سره) إلى أمر آخر و توضيحه: انه (قدس سره) أخذ انطباق الذيل في مورد العلم الإجمالي مفروغا عنه و بنى إيراده على ذلك، فانه بعد ان كان مقتضى الذيل لزوم نقض الحالة السابقة في المعلوم بالإجمال فلا يخلو الحال إما ان يجري الاستصحاب في كلا الطرفين أو في أحدهما المعين أو في أحدهما المخير، و الجميع باطل.

أما الأول: فلأنه مناف للأمر بالنقض في أحدهما المعلوم بالإجمال المفروض ثبوته.

و أما الثاني: فلأنه ترجيح بلا مرجح.

و أما الثالث: فلأن الفرد المردد ليس فردا ثالثا له وجود في الواقع فيتعين سقوط الاستصحاب في كلا الموردين. هذا توضيح ما أفاده و هو أجنبي عن دعوى الإجمال في الدليل كما لا يخفى.

271

الإجمالي لا يمنع من جريان كل من الأصلين، بل يكون مانعا عن أحدهما، إذ جريانهما معا يستلزم المخالفة القطعية المحرمة، و إذ لا مرجح لأحدهما على الآخر في نفسه يحصل التعارض بينهما- إذ الأخذ بأحدهما ترجيح بلا مرجح-.

و هل الحكم التساقط أو التخيير؟ التحقيق: انه التخيير لا التساقط كما حققناه في مباحث الاشتغال.

المورد الثاني: ما لا يلزم من إجرائهما مخالفة عملية للتكليف المعلوم بالإجمال، فالتحقيق انه مع الالتزام بما هو ظاهر الشيخ- على ما تقدم- من قصور الأدلة عن شمول موارد العلم الإجمالي، فلا مجال لدعوى إمكان إجرائهما أو معارضتهما، إذ المورد مشكوك المصداقية.

إلا ان الّذي يؤخذ على الشيخ في الألسنة و التحريرات، ما التزم به من جريان الأصلين فيما لو توضأ غفلة بمائع مردد بين البول و الماء- فيجري استصحاب بقاء الحدث و استصحاب طهارة الأعضاء- مع العلم بانتقاض الحالة السابقة لأحدهما كما لا يخفى.

و الوجه فيه و حل الإشكال سنتعرض له قريبا إن شاء اللّه تعالى فانتظر.

و مع عدم الالتزام بذلك، و الالتزام بما هو الحق- من كون العلم الإجمالي علة تامة للتنجيز بحيث يمتنع جعل الحكم الظاهري مطلقا في أطرافه- لا وجه أيضا للالتزام بجريان أحد الأصلين و إن كان المعلوم بالإجمال حكما غير اقتضائي، لما تقرر في مبحث الاشتغال من امتناع جعل الحكم الظاهري في أطراف العلم الإجمالي سواء تعلق بحكم اقتضائي أو بغيره.

و أما مع الالتزام بما ذهب إليه المحقق النائيني من كونه مقتض للتنجز فهو علة لحرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية.

أو الالتزام بأنه علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، و لكن امتناع جعل الأصول في أطرافه يختص بما إذا كان المعلوم بالإجمال حكما اقتضائيا تنجيزيا، دون‏

272

ما كان متعلقه حكما غير اقتضائي، إذ لا تنجيز كي يتنافى مع جعل الأصول- كما هو ظاهر الكفاية- (1).

مع الالتزام بأحد هذين الالتزامين، فمقتضى القاعدة صحة جريان كلا الأصلين في الفرض بلا معارضة- كما التزم به في الكفاية- لثبوت المقتضي و عدم المانع من المخالفة القطعية العملية.

إلا ان المحقق النائيني (قدس سره): لم يلتزم بذلك في الأصول المحرزة و التزم به في خصوص الأصول غير المحرزة.

و قرب التفصيل بينهما:- كما في مصباح الأصول‏ (2)- انه حيث كانت الأصول المحرزة- كالاستصحاب- تتكفل جعل الشاك متيقنا، فجريان الاستصحابين في الفرض معناه التعبد بكونه متيقنا بنجاسة هذا و التعبد بكونه متيقنا بنجاسة ذاك، و هذان التعبدان ينافيان العلم الوجداني بطهارة أحدهما.

و أما الأصول غير المحرزة، فحيث لا تتكفل جعل اليقين، بل انما تتكفل تعيين الوظيفة العملية في مرحلة الظاهر، فلا ينافي جعل نجاسة كلا الإناءين ظاهرا العلم الإجمالي بطهارة أحدهما واقعا.

و أورد عليه السيد الخوئي (حفظه اللّه) نقضا و حلا.

أما النقض: فبما لو كان أحد جنبا و صلى و شك بعد الانتهاء من الصلاة في انه اغتسل للصلاة أو لا؟ فانه يحكم بصحة الصلاة بمقتضى قاعدة الفراغ، و بوجوب الغسل للصلوات الآتية بمقتضى استصحاب بقاء الحدث، مع العلم الإجمالي بمخالفة أحد هذين الأصلين للواقع و كلاهما من الأصول الإحرازية.

و أما الحل: بأنه انما يتم لو كان التعبد باليقين بنجاسة كلا الإناءين- بنحو

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 432- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول- 260- الطبعة الأولى.

273

العموم المجموعي- إذ التعبد باليقين بالمجموع ينافي العلم بانتفائه، و الأمر ليس كذلك، إذ لا يقين بنجاسة المجموع بما هو مجموع، بل التعبد يكون بنجاسة كل من الإناءين، لتحقق موضوع الاستصحاب في كلا الطرفين- و هو اليقين السابق و الشك اللاحق- و العلم الإجمالي لا يمنع من جريان كل واحد من الأصلين بخصوصه إذ لا يتنافى معه.

ثم انه بعد هذا تعجب من الشيخ و النائيني في التزامهما بجريان الاستصحاب في مثل ما لو توضأ بمائع مردد بين البول و الماء- كما أشرنا إليه- مع العلم الإجمالي بمخالفة أحد الأصلين للواقع.

إلّا ان التحقيق عدم ورود شي‏ء مما أفاده على المحقق النائيني بعد إمكان رجوع كلامه (قدس سره) إلى أحد وجهين:

الأول: ان التعبد باليقين بنجاسة كل من الإناءين و ان كان يغاير التعبد باليقين بنجاسة الآخر لتعدد الموضوع خارجا، إلا انه في الحقيقة يرجع إلى تعبد واحد بنجاسة كلا الإناءين بنحو التعبد بالمجموع، لا الجمع بين التعبدين، و هو بهذه الجهة ينافي العلم الإجمالي بطهارة أحدهما و انتفاء المجموع.

و نظير ذلك ما يقال في منع الجمع بين طلب المهم و طلب الأهم، بأنه يرجع في الحقيقة إلى طلب الجمع فيكون من طلب الضدين، و ان كان بحسب الظاهر من الجمع بين الأمرين، كما أشار [1] إلى ذلك بقوله: «ان هذا و ان لم يكن من طلب الجمع بحسب الظاهر في نفي إلّا انه بحسب النتيجة و الواقع مرجعه إلى ذلك» و يشهد لذلك مراجعة الوجدان في الأمور التكوينية، فان العلم بوجود زيد و العلم بوجود عمرو يرجع في الحقيقة إلى العلم بوجودهما و يرجع إلى ذلك.

____________

[1] من هنا يتضح وهن ما جاء في تقريرات بحث السيد البروجردي (رحمه الله) من ان نكتة رجوع ذلك إلى طلب الجمع مما لم تدركها افهام من كان سابقا. فلاحظ.

274

الثاني: ان التعبد باليقين و جعل الشاك متيقنا لا ينافي بنفسه العلم الوجداني بالخلاف، لأن التعبد لا يعدو التنزيل و الجعل و هو كثيرا ما يكون على خلاف الواقع كما في سائر موارد الحكومة. و إنما المنافاة بين التعبد باليقين في كلا الطرفين و العلم الإجمالي، ناشئة من كون التعبد باليقين بالنجاسة يقتضي ترتيب الآثار الشرعية للنجس على المشكوك المستصحب، و ذلك انما يكون بتوسط تنجيز [1] الواقع فعلا بجعل اليقين، فالتعبد باليقين بنجاسة كلا الإناءين يقتضي تنجز الواقع في كلا الطرفين، و هذا ينافي العلم بطهارة أحدهما للعلم بعدم كون الواقع في أحدهما منجزا.

و بالجملة: فالتعبد الاستصحابي في كلا الطرفين لما كان يرجع إلى جعل المنجز الفعلي للواقع في كليهما كان منافيا لمقتضى العلم الإجمالي من عدم تنجز الواقع في أحدهما.

و هذا الوجه أمتن من سابقه، إذ الأول وجه تصوري لا برهان عليه.

و بهذا الوجه يندفع الإيراد بالنقض، إذ قاعدة الفراغ و ان كانت من الأصول المحرزة- كما اعترف بذلك المحقق المزبور (قدس سره)- إلا انها لا تتكفل تنجيز الواقع مع استصحاب الحدث كي تنافي العلم الإجمالي، بل تتكفل التعذير و الحكم‏

____________

[1] و بذلك تفترق الأصول المحرزة عن غيرها، إذ غير المحرزة لا تتكفل جعل المنجز الفعلي للواقع، و ان كانت فعلا مؤداها، بل الواقع انما ينجز بها على تقدير المصادفة.

و التنجز الّذي تتكفله الأصول المحرزة هو التنجز الفعلي، و هو واقع التنجز، بحيث يرى المكلّف ان الواقع بقيام الأصل صار في عهدته، كما لو تيقن وجدانا، و هذا ينافي العلم بعدم كونه في أحد الطرفين في العهدة.

و اما التنجز الّذي يتكفله الأصول غير المحرزة فهو التنجز التعليقي، و هو لا ينافي العلم الوجداني، إذ لا يرى المكلّف ان الواقع بقيام الأصل صار منجزا في كلا الطرفين، فلاحظ.

بهذا الوجه تفترق الأصول المحرزة عن غيرها لا بلحاظ كون التقييد في المحرزة بلحاظ ترتيب الإصر، إذ هو مشرك بين كلا الأصلين، فلاحظ و تدبّر.

275

بفراغ الذّمّة فلا تنافي العلم الإجمالي.

و منه يتضح أيضا الوجه في الحكم بجريان الأصول فيما لو توضأ بمائع مردد بين الماء و البول، و نظيره مما يكون التلازم بين مجرى أحد الأصلين و عدم مجرى الآخر، فان استصحاب الطهارة لا يتكفل التنجيز إذ الطهارة ليست حكما اقتضائيا، فلا تنافي بين الأصلين و بين العلم الإجمالي، فتدبر جيدا.

و أما توجيه ما ذكره الشيخ من جريان الأصلين في الفرض مع التزامه سابقا بقصور الأدلة عن شمول موارد العلم الإجمالي، فبتقريب: أن المعلوم بالإجمال- و هو زوال أحدهما- لا يترتب عليه أثر شرعي، إذ الواحد المردد بينهما ليس بموضوع لأثر شرعي، فلا يكون مشمولا للذيل، و هو وجوب النقض إذ لا يشمل إلّا ما كان مورد الأثر.

و عليه فيبقى الصدر بلا مزاحم، فيشمل بإطلاقه المورد، و لا مانع منه، إذ لا يلزم من جريانها مخالفة عملية لتكليف منجز.

و بالجملة: ما يكون مانعا عن ثبوت المقتضي لجريان الأصلين و عن تأثيره مفقود في الفرض، فيثبت الأصلان. و قد أشار (قدس سره) إلى ذلك في كلامه، فلاحظه و تأمل و اللّه ولي العصمة.

انتهى تحرير مبحث تعارض الاستصحاب مع غيره من الأصول و الأمارات في يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رجب في السنة الثالثة و الثمانين بعد الألف و الثلاثمائة، و اما تدريسه فقد انتهى في تمام من ربيع الأول من هذه السنة، و يليه مبحث التعادل و الترجيح.

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

التّعادل و التّرجيح‏

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

التعادل و الترجيح‏

تمهيد

لما كان معنى التعادل هو تساوي الأدلة في المزايا، و الترجيح هو اشتمال أحدها على مزية ليست في الآخر. كان المهم من موارده الروايات المتعارضة، بل كان مورده تعارض الأدلة. فلا بد أولا من تعريف التعارض و بيان ضابطه كي تتميز الموارد التي تجري فيها قواعد الترجيح و التعادل من غيرها. فنقول- و منه نستمد العصمة- الاحتمالات في ضابط التعارض ثلاثة:

الأول: انه تنافي المدلولين، كأن يكون أحد المدلولين منافيا للآخر، كما إذا كان أحدهما الوجوب و الآخر الحرمة. و هو الّذي ينسب إلى المشهور.

الثاني: انه تنافي الدليلين بلحاظ تنافي مدلوليهما، فالتنافي أولا و بالذات بين المدلولين أنفسهما، و ينسب إلى الدليلين بالمسامحة- لما هناك من المناسبة بين الدليل و المدلول- و لا تنافي بين الدليلين في مرحلة الدلالة حقيقة، لأن كلا منهما يفيد الظن النوعيّ، بل مورد الكلام ما كان الدليلان كذلك.

280

نعم، لو كان دليلية الدليل من باب الظن الشخصي، لكان التنافي الحقيقي بينهما ممكن الوقوع، إذ لا مجال لإفادتهما معا الظن الشخصي كما لا يخفى، لكنه خلاف الفرض.

و هذا التنافي المسامحي هو الّذي ينطبق عليه التعارض حقيقة، فالتنافي منسوب إلى الدليلين بالمسامحة، و التعارض منسوب إليهما حقيقة، و لا منافاة كما لا يخفى.

الثالث: انه تنافي الدليلين لكن لا بلحاظ تنافي مدلوليهما، بل بلحاظ مقام الإثبات و الدليليّة، فان كلا منهما يحاول إثبات ما ينافي ما يريد إثباته الآخر.

و ينفي الاحتمال الأول بما أفاده بعض الأعاظم من: ان التعارض انما يتحقق بين أمرين موجودين خارجا- فيعارض أحدهما الآخر- و المدلولان بذاتيهما لا يمكن وجودهما لتنافيهما، فلا معنى لحصول التعارض بينهما، فتأمل‏ (1).

فيدور الأمر بين الاحتمالين الآخرين.

و يمكن ان يقال في ترجيح الاحتمال الثالث: ان المفهوم من لفظ التعارض عرفا هو المدافعة الحاصلة بين شيئين أو أشياء على شي‏ء واحد، بحيث تكون غاية كل منهما الحصول على ذلك الشي‏ء.

و هذا للاحتمال الثالث اقرب منه إلى الاحتمال الثاني، فان كلا من الدليلين- على الاحتمال الثالث- يحاول إثبات مضمونه و جعله حقيقة خارجية.

و ليس على الاحتمال الثاني هذا المعنى، إذ ليس هناك امر يدافع أحد الدليلين الآخر لغاية الحصول عليه.

هذا مع عدم تصور التنافي في مقام الدلالة و الكشف بعد اعتبار الظن النوعيّ في الحجية لا الظن الشخصي، و حمله على التنافي مسامحة و كون التنافي حقيقة بين ذات المدلولين خلاف الظاهر.

____________

(1) الخراسانيّ الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 437- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

281

مضافا إلى ان هناك من لا يقول بتكفل الأمارات أحكاما شرعية ظاهرية، بل يقول بأن مفادها الحجية أو المنجزية و نحوهما.

فالتدافع بين الأمارات انما يكون في مقام الإثبات لا مقام الدلالة، إذ لا نظر للاعتبار إلى المدلول أصلا.

و ما ذكرناه يمكن ان يكون مراد صاحب الكفاية (1)، و ان احتمل غيره و الأمر سهل.

ثم ان التنافي في الدلالة على وجه التناقض غير متصور، لأن الدلالة من الأمور الوجودية، فالتنافي بين الدلالتين لا يكون إلّا على وجه التضاد.

ثم ان صاحب الكفاية ذكر: ان التنافي قد يكون عرضيا، كما لو علم إجمالا بكذب أحدهما مع عدم امتناع اجتماعهما أصلا.

و يبدو من المحقق النائيني الإشكال فيه، و ان مثل ذلك يكون من موارد اشتباه الحجة باللاحجة (2).

و التحقيق: ان العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين له صور ثلاث:

الأولى: ان يعلم بسقوط أحدهما من باب العلم بعدم إمكان الجمع بين الدليلين مع عدم العلم بكذب أحدهما واقعا بحيث لا يتميز، كما في الأصلين المتعارضين في موارد العلم الإجمالي، فان الجمع بين الحكمين الظاهريين ممتنع لاستلزامه الترخيص في المعصية، و لا يعلم بكذب أحدهما في الواقع.

الثانية: ان يعلم بعدم صحة أحد الخبرين واقعا، و هو المعبر عنه بالكذب الخبري، كما لو قام أحد الخبرين على وجوب القصر و الآخر على وجوب التمام، و علم بعدم وجوب إحدى الصلاتين.

الثالثة: ان يعلم بعدم صدق أحد الخبرين بالكذب المخبري.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 437- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 703- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

282

و الصورة الأخيرة هي مورد اشتباه الحجة باللاحجة دون الأولتين، فالإشكال لو كان فإنما هو على إطلاق الكفاية على أصل مراده، فلاحظ.

و على كل حال فهذا ليس بمهم في محل الكلام بعد ما عرفت تحقيق الحال.

و انما المهم من الكلام يقع فيما أفاده من خروج بعض الموارد عن التعارض، و هي: موارد الحكومة و الورود و الجمع العرفي، و الخاصّ و العام و المطلق و المقيد و النص أو الأظهر و الظاهر.

فالكلام في موارد:

المورد الأول: في الحكومة

: و البحث فيها في جهتين:

الأولى: في وجه تقديم الدليل الحاكم على المحكوم، و قد سبق الكلام في ذلك مفصلا، فراجع.

الثانية: في معنى الحكومة بنظره- أي صاحب الكفاية- و انها عنده عبارة عن نظر أحد الدليلين إلى الآخر في مرحلة دلالته، مطلقا بأي نحو من أنحاء النّظر.

أو انها بنظره أخص من ذلك، بمعنى انها نظر أحد الدليلين إلى الآخر بالشرح و التفسير بكلمة: «أعني» و نحوها- كما نسب ذلك إليه المحقق النائيني (قدس سره) (1).

قد يقال: بان الضابط لديه هو النحو الأول و لا أساس لنسبة المحقق المذكور إليه تخصيص ضابطها بالنظر بنحو الشرح، لظهور عبارته في المقام في الأول. و يؤيده ما أفاده في الحاشية (2) من موافقته الشيخ (رحمه الله)(3).

و لكن الإنصاف ان النسبة المذكورة غير مجازفة في القول، بل لها أساس تبتني عليه، و هو ما ذكره في المقام في نفي حكومة الأمارات على الأصول من: ان دليل‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 438- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. حاشية فرائد الأصول- 256- الطبعة الأولى.

(3) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 432- الطبعة القديمة.

283

اعتبارها ليس ناظرا إلى أدلتها و شارحا لها.

و مراده بالشرح خصوص التفسير بألفاظه لا مطلق النّظر و القرينية- إذ انه شرح بالملازمة- لما يذكره بعد ذلك في وجه تقدم الأظهر على الظاهر و منه العام و الخاصّ من انه بالقرينية، مع التزامه انه ليس بنحو الحكومة، بل بنحو الجمع العرفي، فانه ظاهر في ان مطلق القرينية غير موجب للحكومة، و إلّا لكان تقدم الأظهر على الظاهر بنحو الحكومة عنده، و لا يلتزم به، فتدبر.

المورد الثاني: في الجمع العرفي‏

: و الكلام فيه مع صاحب الكفاية من جهتين:

الأولى: في وجود مورد للجمع العرفي غير تقديم النص أو الأظهر على الظاهر، و هو ما كانت ملاحظة كلا الدليلين موجبة للتصرف فيهما.

قد يذكر لذلك ما إذا ورد الدليل على وجوب شي‏ء، و ورد الآخر على وجوب غيره، فانه بملاحظتهما معا يحملان على بيان الوجوب التخييري، و تلغى خصوصية التعيين المستفادة بالإطلاق من كل منهما، الموجبة لحصول التنافي بين الدليلين.

و لكن هذا في الحقيقة من باب تقديم النص على الظاهر، لأن كلا منهما نصّ في الوجوب، ظاهر في التعيين بواسطة الإطلاق، فظاهر كل منهما ينافي نصّ الآخر، فالمثال من موارد تقديم النص على الظاهر، و ما يكون أحدهما قرينة على التصرف في الآخر.

و قد يجعل هذا المورد من موارد تعارض الإطلاقين، و القاعدة تقتضي التساقط، برفع اليد عن إطلاق كل منهما المقتضي للتعيين. و عليه لا يكون المورد من موارد الجمع العرفي أصلا، بل هو نظير تعارض العامين من وجه و تساقطهما في المجمع.

الثانية: ما ذكره من ان تقديم الأدلة المتكفلة للأحكام بعناوينها الثانوية- كأدلة نفي الضرر أو الحرج- على الأدلة المتكفلة للأحكام بعناوينها الأولية بالجمع‏

284

العرفي بحمل الأولى على الحكم الفعلي و الثانية على الحكم الاقتضائي- فهو مثال لما تكون ملاحظة الدليلين موجبة للتصرف في أحدهما كما لا يخفى-.

و فيه تأمل لوجهين:

الأول: ان الحكم الاقتضائي بمعنى لا معنى له فيما نحن فيه، و بمعنى آخر لا يلتزم به صاحب الكفاية.

بيان ذلك: انه [1]، ان أريد بالحكم الاقتضائي ما هو المشهور المصطلح للوجود الاقتضائي للشي‏ء، و هو ان المقتضى- بالفتح- بوجود مقتضية، و ينسب إليه الوجود مسامحة و بالعرض، فالحكم موجود لوجود مقتضية.

فهذا لا معنى له في الفرض، لأن المقتضي الّذي يترشح عنه المعلول في الأحكام هو الجاعل و هو اللّه سبحانه و تعالى، فالأحكام- مطلقا- موجودة منذ الأزل بوجوده الأزلي، و هذا غير ما نحن فيه، لأن المراد ان المحمول على الاقتضاء هو الحكم المدلول للدليل في قبال غيره لا ذات الحكم بلحاظ جاعله و موجده.

و ان أريد به كونه ذا مصلحة يقتضي تحققها، فهو ذو اقتضاء للتحقق باعتبار وجود المصلحة في متعلقه. فهو غير معقول، لأن نفس المصلحة معادلة لمتعلقه بالوجود و متأخرة عنه، فلا يعقل ان تكون موجودة في رتبة الحكم و يكون للحكم بها نحو ثبوت.

و ان أريد به الحكم الطبعي الّذي هو عبارة عن ثبوت الحكم لذات الموضوع بلا لحاظ عوارضها الخارجية، فالموضوع مهمل في مقام الإثبات- إذ لا يعقل‏

____________

[1] أقول: ليس الحكم الاقتضائي ما هو الظاهر في لسان الأصوليين- و هو ما كان واجدا للملاك، فهو ذو اقتضاء للثبوت، لواجديته لملاكه، و لكن هناك مانع من فعلية هذا الملاك- و قد عرضت هذا على السيد الأستاذ- دام ظله- فأقره، و قرب واجدية الملاك بان الأدلة المتكفلة لبيان الأحكام بالعنوان الثانوي، ظاهرة في الامتنان و التسهيل، و ذلك ظاهر في ان رفع الحكم لم يكن لعدم الملاك، بل من باب التسهيل على المكلف، و إلّا فالملاك موجود، و على هذا فما ذكر من التفصيل لا مجال له، فينحصر الإشكال على الآخوند بالثاني، فتدبر.

285

إهماله في مرحلة الثبوت- فالدليل مهمل بالنسبة إلى الفرد الخاصّ.

و يكون الدليل الدال على نفي الحكم عن الفرد الخاصّ مخصصا للموضوع.

فهو و ان كان معقولا إلّا انه (قدس سره) لا يلتزم به، لأنه يقتضي عدم ثبوت الملاك في الموضوع الخاصّ. مع انه يلتزم ببقاء الملاك و يستفيد بقاءه من إطلاق نفس الدليل الدال على الحكم، و مع الالتزام بالإهمال فيه كيف يستفاد منه ثبوت الملاك في مورد المزاحمة؟.

الثاني: انه مع التنزل و التسليم بوجود معنى معقول للحكم الاقتضائي لا محذور فيه. فما ذكره من الحمل العرفي المذكور يحتاج إلى إقامة الدليل عليه. و لا نرى لذلك وجها، كما انه لم يذكر الوجه فيه، فهو يرجع إلى الجمع التبرعي غير المستند إلى وجه، و هو غير حجة كما لا يخفى.

و التحقيق: هو التفصيل بين ما يكون دليل حكم العنوان الأولي متكفلا لحكم اقتضائي كالوجوب، و ما يكون الدليل متكفلا للإباحة، ففي الأول يقع التعارض بين دليل الحكم الأولي و دليل الحكم الثانوي و لا وجه لحمل الأول على الحكم الاقتضائي في الثاني، فالتفت.

المورد الثالث: في الورود

، و قد تقدم الكلام مفصلا في وجه تقديم الوارد على المورود، و في بطلان ما ساقه الآخوند (رحمه الله) من الوجه على التقديم و عدم تماميته فلا نعيد.

و اما تقديم الأمارة على الاستصحاب، فقد تقدم الكلام فيه مفصلا، و تقدم بعض الإشارة إلى ما ذكره في الكفاية في هذا البحث، فراجع.

المورد الرابع: في تقديم الخاصّ و المقيد على العام و المطلق.

و بما ان هناك من يرجع العام و الخاصّ إلى المطلق و المقيد- كالمحقق النائيني‏ (1)- لا بد من تقديم الكلام عن تقدم المقيد و المطلق.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 443- الطبعة الأولى.

286

و في تحقيق الحال في ذلك لا بد من تحقيق امر له كل المساس فيما نحن فيه، كما له المساس المهم فيما يأتي من البحث عن انقلاب النسبة [1].

____________

[1] تحقيق الكلام في هذا المقام ان يقال: ان تعدد الإرادة في الكلام و وجود الإرادة الاستعمالية و الإرادة الجدية بالمعنى المذكور في المتن مما لا إشكال فيه و لا يقبل الإنكار، كما انهما قد يختلفان- كما في موارد الاستعمالات الكنائية- و قد يتفقان.

و انما الإشكال في طريق تشخيص المراد الجدي للمتكلم و كونه على طبق ظاهر كلامه أو غيره، و انه هل هو بواسطة ظاهر اللفظ كما هو المعروف- حيث ان المعروف تشخيص المراد الجدي من طريق ظاهر اللفظ فيكون الظاهر حجة، و هو المعبّر عنه بأصالة الظهور و مطابقة مقام الإثبات لمقام الثبوت-، أو انه بطريق آخر؟. الحق هو الثاني، و ذلك لأن المراد الجدي للمتكلم يعرف بأمرين ينضم أحدهما للآخر.

أحدهما: إحراز كون المتكلم في مقام الجد في كلامه و انه يريد بيان امر واقعي به في قبال الهزل أو غيره.

و الآخر: إحراز مدلول الكلام و ما قصد به تفهيمه.

فإذا حصل هذان الأمران يحصل العلم بالمراد الواقعي و انه مطابق للمراد الاستعمالي و ما قصد تفهيمه.

فمثلا: لو قال: «جاء زيد من مكة المكرمة»، فلدينا أمور ثلاثة: الأمر الخارجي من مجي‏ء زيد و عدمه، و المراد التفهيمي، و المراد الجدي و هو ما قصد الحكاية عنه.

و لا يخفى ان الأول لا يعرف بالخبر، و هو خارج عنه، و لذا يتحقق الخبر مع العلم بعدم المطابقة و الكذب، فليس الأمر الخارجي و هو ذات ما أخبر عنه بمراد جدي، و انما المراد الجدي هو ما قصد الحكاية عنه بما هو متعلق القصد، أو فقل: ان الاخبار عن الشي‏ء هو المراد الجدي.

و هذا هو المطلوب معرفته بالكلام، و هو يعرف- كما تقدم- بإحراز مدلول الكلام، و إحراز قصد الحكاية به، و ان المتكلم في مقام الاخبار لا في مقام آخر.

و هذا ليس من حجية الظهور في شي‏ء، إذ إحراز مدلول الكلام ينشأ من العلم بالوضع و ملاحظة القرائن. و إحراز انه في مقام الجد ينشأ من قرينة حالية أو مقالية.

و قد يقال: ان المراد الجدي قد يتخلف عن المراد الاستعمالي سعة و ضيقا، كما لو كان مراده الجدي المعنى الخاصّ و كان اللفظ المستعمل فيه مطلقا، فإذا حصل هذا الاحتمال في الكلام فلا دافع له إلا ظهور الكلام و عدم التقييد، و هذا معنى حجية الظهور.

و يندفع هذا القول:

أولا: بأنه لا يتم فيما كان المعنى الآخر مباينا للموضوع له، إذ لا يحتمل إرادته من اللفظ بلا

287

...........

____________

- قرينة بعد عدم دلالة اللفظ عليه، إذ كيف يقصد الحكاية عن معنى بما لا يدل عليه؟

و ثانيا: بأنه لا يتم حتى في مثل المطلق و المقيد، لأن الجميع يلتزمون بأن إحراز كونه في مقام الجد في الجملة لا يجدي في إثبات ان مراده المطلق إذا احتمل انه ليس في مقام الجد من بعض الجهات، بل لا بد من إحراز كونه في مقام الجد في تمام المدلول و من جميع الجهات، و إذا أحرز ذلك لم يحتج في إثبات مراده إلى الكشف عنه من طريق الظهور، للعلم بأن مراده تمام المدلول، و إذا لم يحرز ذلك لم يمكن تشخيص ان مراده المطلق من طريق اللفظ.

و عمدة التحقيق: ان المراد بقصد الجد و الحكاية ليس ما يساوق معنى الإرادة و النية، بل ما يساوق معنى الداعي المترتب على الشي‏ء.

و من الواضح انه لا يمكن ان يكون الداعي إلى الشي‏ء ما لا يترتب عليه، فلا يمكن ان يقصد الحكاية عن معنى بما لا يدل عليه لعدم ترتبها عليه، و معنى إحراز الداعي إلى الحكاية يحرز ان مراده لا يتعدى مدلول اللفظ، لأن الفرض انه قصد الحكاية عن امر بما قصد تفهيمه، فتدبر.

و من هنا يظهر ان مجرى مقدمات الحكمة في باب المطلق و المقيد انما هو المراد الاستعمالي لا المراد الجدي، لوضوح تبعية المراد الجدي للمراد الاستعمالي، و ما قصد تفهيمه و الانتقال منه إليه، فلا بد في تشخيص المراد الجدي من معرفة المراد الاستعمالي سعة و ضيقا، و هو يحصل بالقرينة، و القرينة على إرادة الإطلاق هي مقدمات الحكمة- كما يبين في محله- و بدونها لا يمكن إحراز المراد الاستعمالي، و معه لا يمكن تشخيص المراد الجدي، و إذا توفرت المقدمات في المراد الاستعمالي فلا حاجة حينئذ لجريانها في المراد الجدي كما هو واضح.

ثم انه مما ذكرناه يظهر ان دلالة الكلام على المراد الجدي مع إحراز انه في مقام الجد تكون دلالة قطعية لا تحتمل الخلاف، لأنها تنشأ من ضم جهة وجدانية- و هي كونه في مقام الحكاية- إلى جهة عقلية، و هي استحالة ان يكون الداعي إلى الشي‏ء ما لا يترتب عليه.

و على هذا الأساس يشكل الأمر في موارد تقديم النص أو الأظهر على الظاهر، فان المعروف بين الأصحاب تقديم النص- و هو ما لا يمكن إرادة غير معناه المفهوم منه- على الظاهر، و هو ما يمكن أن يراد به غير معناه المفهوم منه، لكنه كان ظاهرا في المعنى المعروف.

و ذلك فانه- على ما ذكرناه- لا فرق بين النص و الظاهر في عدم احتمال إرادة غير معناه المفهوم منه.

فان الظاهر و ان أمكن ان يستعمل و يراد به معنى آخر، لكنه لا يصح بلا نصب قرينة، إذ إرادة غير الظاهر من دون قرينة غير صحيحة، فمع عدم القرينة لا يكون المفهوم من اللفظ سوى المعنى الظاهر فيه، و المفروض ان المدلول الاستعمالي هو ما قصد تفهيمه للمخاطب، فينحصر ان‏

288

...........

____________

- يكون هو المعنى الظاهر لاستحالة إرادة غيره بدون قرينة، لعدم ترتب التفهيم على حاق اللفظ، و إذا ثبت ان المراد الاستعمالي هو المعنى الظاهر، كان هو المراد الجدي قطعا، لما تقدم من ان قصد الحكاية انما هو بما قصد تفهيمه لا بغيره.

و بالجملة: ما يمكن ان يقصد تفهيمه هو ظاهر الكلام، فتكون دلالته على المستعمل فيه قطعية- كالنص- بمقتضى البيان المزبور، كما ان دلالته على المراد الجدي قطعية، لأن المفروض انه قصد الحكاية بما قصد تفهيمه، فبمقتضى ذلك تكون دلالة الكلام على المرادين الاستعمالي و الواقعي قطعية.

و بذلك لا يبقى فرق بين النص و الظاهر في المدلول الفعلي لكل منهما و ان دلالة كل منهما عليه قطعية. فأي وجه لتقديم النص على الظاهر؟.

و قد يقال: ان احتمال وجود القرينة المتصلة بالنسبة إلى الكلام الظاهر و غفلة الناقل لنا عنها في مقام السماع أو النقل، موجود. و انما يدفع بأصالة عدم الغفلة التي عليها مبنى العقلاء في أمورهم. و هذا الأصل لا يعتنى به مع وجود النص على خلاف الظاهر، فيسقط الظاهر عن الدلالة القطعية على مدلوله.

و لكن هذا لو تم في نفسه، فانما يتم لو كان احتمال الغفلة معتدا به، و إلّا فلا مجال له.

هذا، و لكن المشكلة المزبورة انما يظهر أثرها في بعض الموارد، كما لو كان المعنى الآخر الظاهر معنى مباينا للمعنى الظاهر فيه.

و اما الموارد الأخرى التي تجعل من مصاديق تقديم النص على الظاهر، فيمكن حلّ المشكلة فيها، و هي متعددة:

الأول: مورد ورود الدليل الظاهر على الوجوب أو الحرمة، و ورود النص على الترخيص في الترك أو الفعل. فان المشهور هو حمل دليل الإلزام على أصل الرجحان من استحباب أو كراهة.

و يمكن البناء على ذلك بالالتزام بما ذهب إليه المحقق النائيني (قدس سره) في صيغة الأمر و النهي، من عدم دلالتهما وضعا على الإلزام، و انما يدلان على مجرد الطلب و الزجر. غاية الأمر ان العقل يحكم بلزوم الامتثال إذا لم يرد ترخيص من الشارع، و اما مع ثبوته فلا يحكم بوجوب الامتثال.

و عليه، فورود النص على الترخيص- فيما نحن فيه- يرفع موضوع حكم العقل بالإلزام و لا يصطدم مع ظهور الأمر أو النهي أصلا.

الثاني: مورد المطلق و المقيد.

و يمكن ان يقال في الجمع بينهما: بان أساس استفادة الإطلاق هو إحراز كون المتكلم في مقام‏

289

...........

____________

- البيان، و هذا يستفاد غالبا من ظهور الحال و ليس من طريق قطعي.

و عليه، فيمكن ان يجعل ورود الدليل المقيد رافعا لهذا الظهور، سواء أرجع إلى التصرف في المراد الاستعمالي، بحيث يكشف عن عدم كونه في مقام تفهيم المطلق، أو رجع إلى التصرف في المراد الجدي، بأن يكشف عن عدم كونه في مقام الجد بتمام المدلول.

فان كلا منهما كاف في رفع التنافي و ان كان الأول أولى اعتبارا، لأن الالتزام بإفادة المطلق استعمالا مع عدم إرادته منه جدا في جميع هذه المطلقات على كثرتها مستبعد جدا، إذ ليس في ذلك داع عقلائي واضح. و قد نبّه على هذه الجهة الفقيه الهمداني (قدس سره) في بعض كلماته الفقهية.

و من هنا ظهر الكلام في العام و الخاصّ لو التزم برجوع العام إلى المطلق و ان دلالة الأداة على العموم تتبع ما يراد من المدخول.

و اما لو التزم بان الدلالة على العموم وضعية، فالكلام فيه نؤجله إلى مجال آخر خشية الإطالة.

الثالث: ما إذا ورد دليل على تعلق الحكم بأمر ذي اجزاء و ورد دليل آخر يدل على تعلقه ببعض اجزائه، كما ورد في أدلة التيمم ما ظاهره لزوم مسح الوجه و ورد ما ظاهره كفاية مسح الجبهة و الجبينين، فانهما متعارضان بدوا، إذ الوجه اسم لمجموع أجزائه فلا يصدق على الجبين.

و قد بنى الأصحاب على حمل مسح الوجه على مسح بعضه حملا للظاهر على النص، و قد عرفت ما في ذلك من إشكال. و يمكن ان يقال: ان إضافة الفعل إلى الوجه تارة يراد بها تعلق الفعل ببعضه، كما لو قال: «لمست وجهه».

و أخرى: يراد بها تعلقه بتمامه، كما لو قال: «غسلت وجهه». و مثله غيره من الأمور المركبة، فانها قد تصدق على الكل و قد تصدق على البعض.

و إذا ثبت اختلاف موارد الاستعمال، فظهور مسح الوجه في إرادة مسح تمامه لا يكون إلّا بواسطة السياق، و هذا الظهور السياق انما يكون لو لم يكن نصّ على كفاية مسح البعض، و مع النص لا يستظهر العرف من السياق إرادة تمام الوجه، فتدبر و اللّه سبحانه ولي التوفيق.

ثم انه ذكر صاحب الكفاية في أواخر كلامه عن موارد الجمع العرفي: بأنه لا فرق فيما بين ان يكون السند فيها قطعيا أو ظنيا أو مختلفا، فيقدم النص أو الأظهر و ان كان بحسب السند ظنيا على الظاهر و لو كان بحسبه قطعيا.

و هذا الأمر ذكره لدفع ما قد يتوهم من: عدم تقديم النص الظني السند على الظاهر القطعي السند من جهة حصول التعارض بين دليل اعتبار السند في الظني و دليل اعتبار الظاهر في‏

290

و هو ما تعرض إليه في الكفاية في مبحث المطلق و المقيد من: ان المراد من البيان المأخوذ في إحدى مقدمات الحكمة هل هو بيان المراد الاستعمالي أو بيان المراد الجدي الواقعي‏ (1).

و توضيح ذلك: ان كون الآمر في مقام البيان هل المراد منه كونه في مقام بيان مراده الاستعمالي، يعني ما يقصد تفهيمه من اللفظ و إحضاره في ذهن المخاطب بواسطته، من الإطلاق أو التقييد، فإذا لم يأت بالقيد يعلم منه انه أراد منه تفهيم المطلق لا المقيد و إلّا لقيّد.

أو المراد منه كونه في مقام بيان المراد الواقعي لمصب الحكم من نفس الذات أو الذات المقيدة، فإذا لم يرد المقيد في الدليل يكشف عن ان مراده الواقعي هو الذات المطلقة لا المقيدة، و إلّا لبينها بالإتيان بالقيد مع المطلق، فيدلان على المقيد بنحو تعدد الدال و المدلول؟.

و الثمرة في الخلاف تظهر فيما لو ورد المقيد المنفصل.

فانه على الأول لا ينثلم بوروده الإطلاق، لأن المقيد انما يكشف عن ان المراد الواقعي هو غير المطلق، فهو يوجب التصرف في المراد الواقعي لا في الإطلاق، بل المطلق على حاله و استعماله في الإطلاق- إذ لا تصرف للمقيد في المطلق في مرحلة الاستعمال كما لا يخفى- فيصح التمسك به في غير مورد التقييد، في إثبات كون المراد الواقعي غير المقيد مطلقا.

و اما على الثاني: فينثلم إطلاق المطلق، لأن ورود التقييد يكشف عن ان‏

____________

- القطعي، و النسبة بينهما هي العموم من وجه.

و لكنه توهم فاسد المنشأ، و ذلك لأنك عرفت ان ورود النص يستلزم سقوط الظاهر عن ظهوره. و عليه فبما ان دليل الحجية يتكفل التعبد بصدور كل ما كان امرا ممكنا و لا يلزم منه محذور على تقدير ثبوته واقعا، لم يكن مانع من التعبد بصدور النص، إذ لا محذور على تقدير ثبوته لعدم صلاحية الظاهر لمصادمته، بل هو ناف للظاهر و مسقط له، فتدبر.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 248- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

291

الآمر لم يكن في مقام بيان تمام مراده الجدي و إلّا لبينه بالقيد حينذاك. فينتفي أساس مقدمات الحكمة، و هو كون المتكلم في مقام البيان، فلا يصح التمسك بالإطلاق في غير مورد التقييد، لعدم تمامية مقدمات الحكمة في المطلق المصححة للتمسك بإطلاقه.

و قد اختار صاحب الكفاية الأول، و ان المقصود كونه في مقام بيان المراد الاستعمالي ليكون حجة و قانونا على المكلف- لكشفه عن المراد الجدي ببناء العقلاء على مطابقة المراد الاستعمالي للمراد الجدي- حتى تقوم حجة أقوى على تقييد المراد الجدي فيؤخذ بها و لا ينثلم بها إطلاق المطلق.

و استدل على ذلك بتمسك أهل العرف بالمطلقات في غير مورد التقييد في نفى مشكوك القيدية. و هذا يكشف عن ان اعتبارهم للبيان بالنحو الأول لا الثاني، لأنه على النحو الثاني لا يصح التمسك بالمطلق لانهدام أساس مقدماته- كما عرفت- فتمسك أهل العرف دليل إنّي على إرادة كونه في مقام بيان المراد الاستعمالي لا الواقعي‏ (1).

و قد أنكر المحقق النائيني (قدس سره) (2) وجود نحوين للإرادة، و انه ليس للاستعمال- الّذي حقيقته إلقاء المعنى باللفظ و لحاظها ثانية في المعنى- إرادة مغايرة لإرادة المعنى الواقعي، بل المستعمل ان كان قد أراد المعاني الواقعة تحت الألفاظ فهو، و إلّا كان هازلا.

و تتضح عدم وجاهة ما أفاده بما حقق من ان للمتكلم الملتفت إرادتين:

أحدهما: إرادة تفهيم المعنى باللفظ و إحضار المعنى بواسطة اللفظ.

الثانية: إرادته نفس المعنى، بمعنى ان المعنى الّذي قصد تفهيمه كان مرادا له‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 248- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) تعرض إلى ذلك في مبحث العام و الخاصّ في البحث عن مجازية العام المخصص.- راجع التقرير الكاظمي-.

292

واقعا و انه لم يكن في التفهيم في مقام الاستهزاء و نحوه.

فالنحو الأول هو المقصود بالإرادة الاستعمالية و المراد الاستعمالي. و النحو الثاني هو المقصود بالإرادة الجدية الواقعية و المراد الواقعي.

و الكلام فيما نحن فيه: ان الشرط في التمسك بالإطلاق هل هو كون المتكلم في مقام بيان مراده الاستعمالي التفهيمي، أو كونه في مقام بيان مراده الواقعي؟

فما أفاده من عدم التفكيك بين الإرادتين غير وجيه [1].

نعم، يمكن التنظر فيما أشار إليه صاحب الكفاية (1) من الثمرة التي بنى عليها استدلاله على ما ذهب إليه بما أفاده المحقق المزبور- و تعرض له غيره من الأعاظم- من إنكار انثلام الإطلاق بعد ورود التقييد بالنسبة إلى غير مورده على القول الثاني.

و ذلك ببيان: ان ما ذكره صاحب الكفاية انما يتم فيما لو كانت المقدمة كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد بلحاظ التمام بنحو العموم المجموعي، بمعنى ان تكون هناك إرادة واحدة تتعلق ببيان امر واحد و هو تمام المراد. و ذلك لأن ورود التقييد يكشف عن عدم كونه في مقام بيان التمام بنحو المجموع، فينثلم الإطلاق لانتفاء

____________

[1] و قد أنكر المحقق النائيني التفكيك بين الإرادة الاستعمالية و الإرادة الجدية، ببيان: ان المقصود بالإرادة الاستعمالية إذا كان إرادة إيجاد المعنى باللفظ، فهي عين الإرادة الجدية و ليست معنى آخر غيرها، لتقوم الاستعمال بذلك. و ان كان المقصود منها الإرادة الهزلية المنفكة عن إرادة الإيجاد- و بعبارة أخرى: كان المقصود هو الإرادة لا بداعي الجد- فذلك مما لا يتصور له معنى معقول في الإرادة الاستعمالية.

و لا يخفى ان هذا الإنكار بهذا البيان ناشئ عن التعبير بالجد في قبال الإرادة الاستعمالية، و إلّا فهو لا يرتبط بواقع الدعوى، إذ لا إشكال في وجود إرادتين في الاستعمال، إرادة التفهيم و هي الإرادة الاستعمالية، و إرادة الحكاية من الخارج بالمفهم و هي الإرادة الواقعية، و الانفكاك بينهما بديهي الحصول في بعض الاستعمالات كالاستعمالات الكنائية. فالمراد بالإرادة الجدية التي يقال انها غير الإرادة الاستعمالية، و انها مجرى المقدمات، أم الاستعمالية و هي الإرادة الواقعية.

لا الإرادة بداعي الجد، كي يقال ان الإرادة الاستعمالية لا تنقل عن الجد و إلّا كان المتكلم هازلا لا مستعملا، فالإنكار ناشئ عن التعبير فقط دون واقع المطلب.

____________

(1) أفاد- دام ظله- في مباحث العموم ما يرد هذه التنظّر.

293

أساس المقدمات المصححة للتمسك به في مورد الشك.

و لكن لا وجه للالتزام بذلك، بل المقدمة هي كون المتكلم في مقام بيان مراده بالنسبة إلى كل خصوصية و قيد، فالتمام ملحوظ بنحو العموم الاستغراقي، بمعنى ان البيان متعلق بكل خصوصية و يضاعف إلى كل قيد و يلحظ فيه كل وصف بنحو الانفراد، فورود التقييد انما يكشف عن عدم كون المتكلم في مقام البيان بالإضافة إلى هذا القيد بالخصوص دون غيره، فيبقى الإطلاق سالما بالنسبة إلى باقي القيود و يصح التمسك به في مورد الشك لتمامية مقدماته بالنسبة إليها.

نعم، ينثلم إطلاق اللفظ- على هذا القول- بالنسبة إلى مورد القيد، لعدم تمامية المقدمات بالنسبة إليه. بخلافه على القول الآخر لتماميتها بالنسبة إلى مورد القيد أيضا، كما عرفت. و لكنه غير ضائر في ما نحن بصدده من نفي الثمرة المذكورة.

فالتمسك بالإطلاق في غير مورد القيد بعد ورود المقيد صحيح على البناءين.

و من هنا يظهر عدم صحة الاستدلال ببناء العرف على التمسك بالإطلاق بعد التقييد على القول الأول- و هو إرادة كونه في مقام بيان المراد الاستعمالي- لعدم كشف ذلك- إنّا- عن الالتزام بهذا القول بعد ان عرفت صحة التمسك به على القولين.

و لكن قول صاحب الكفاية هو المتعين، و لا بد من تعيين موضوع النزاع قبل تحرير الّذي ينبغي ان يقال في الاستدلال عليه، فنقول: إن انفكاك الإرادة الاستعمالية عن الإرادة الواقعية مما لا إشكال فيه، سواء في الإخباريات أو الإنشائيات.

فالأوّل: نظير الاستعمالات الكنائية، فان المراد تفهيمه باللفظ هو اللازم، و لكن المقصود بالأخبار هو الملزوم من دون أي قصد للاخبار عن اللازم- إذ قد يكون كذبا- و الثاني: كإنشاء الأمر لا بداعي البعث، فان المراد تفهيمه هو الطلب و الأمر و لكن لم يكن ذلك بقصد التحريك و البعث نحو المأمور به، بل كان بداعي آخر

294

كالامتحان.

فالمراد الجدي الواقعي الّذي هو الاخبار و الكشف عن الواقع في الإخباريات و التحريك و البعث و نحوهما- بحسب المنشأ- في الإنشائيات ينفك عن المراد الاستعمالي الّذي هو تفهيم هذا المعنى الخاصّ باللفظ. و إذا ثبت إمكان انفكاكها عنها، فان قلنا ..

بان المراد الجدي الواقعي نحو ثبوت وجود مماثل لوجود المراد الاستعمالي، بحيث يكون الكلام كاشفا عن المرادين بنحو الطولية، بمعنى انه ينتقل من المراد الاستعمالي و هو التفهيم إلى المراد الجدي و هو الاخبار أو البعث- كما يتصور هذا على القول بان الإنشاء إبراز لأمر نفسي موجود في النّفس كما لا يخفى- كان للنزاع في ان المراد من كونه في مقام البيان- هل كونه في مقام بيان المراد الواقعي أو المراد الاستعمالي؟- مجال واسع.

أما لو كان المراد الواقعي متفرعا في الوجود على المراد الاستعمالي، بمعنى انه يتعلق بما قصد تفهيمه باللفظ و انه لا وجود له في غير عالم الكلام، لم يبق للنزاع مجال، و ذلك لأنه بعد ان كان المراد الواقعي قد تعلق بما هو المقصود بالتفهيم فلا معنى لإجراء مقدمات الحكمة فيه لإحرازه من دون إحراز المقصود تفهيمه المتعلق هو به، إذ لا فائدة في ذلك بدون إحراز المراد بالتفهيم، فيتعين ان يكون إجراؤها في المراد الاستعمالي، و يثبت كون المراد الجدي على طبقه ببناء العقلاء بلا حاجة لمقدمات الحكمة.

و الصحيح في المراد الواقعي هو الثاني كما عرفت في تصويره، فانه متفرع في وجوده على المراد الاستعمالي و يتعلق بما قصد تفهيمه، لا انه ذو وجود مستقل في النّفس يكشف عنه اللفظ بواسطة المراد الاستعمالي، لما عرفت من انه من قبيل الداعي للتفهيم، و الداعي- بوجوده الداعوي لا الحقيقي الخارجي- متفرع عما يدعو إليه.

295

إذا تم ما عرفت، فاعلم: ان من يلتزم بأن ظهور المطلق في الإطلاق يتوقف على إحراز كون المتكلم في مقام بيان المراد الجدي- كالمحقق النائيني- يرى ان ورود المقيد كاشف عن عدم كون المتكلم في مقام البيان بالنسبة إلى هذا القيد، فينثلم الإطلاق في هذا المورد كما عرفت، فلا يحصل التعارض و التنافي بين الدليل المقيد و الدليل المطلق في مورد القيد، لعدم شمول المطلق لهذا المورد بعد ورود التقييد، لأنه يكون كالتقييد المتصل الموجب لقلب الظهور. فتقدم المقيد على المطلق على هذا القول واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

و اما على القول بأن المراد من كون المتكلم في مقام البيان كونه في مقام بيان مراده الاستعمالي، فيشكل الأمر، لأن ظهور المطلق في الإطلاق يبقى و لا ينثلم بعد ورود المقيد لنظر المقيد إلى المراد الجدي لا الاستعمالي، فيكون كل من المطلق و المقيد كاشفا عن المراد الجدي في مورد القيد فيحصل التنافي بينهما لاختلاف مفادتيهما. فان مفاد المطلق: ان عدم دخل الخصوصية مراد جدا. و مفاد المقيد: ان دخل الخصوصية مراد واقعا. و الالتزام بتعلق الإرادة بكلا الأمرين لا مجال له. و إذا ثبت التنافي بينهما مفادا فأيهما المقدم؟ و بأي وجه؟

و لا بد من التكلم في مقامين:

الأول: في ان استعمال المطلق في الإطلاق بلا ان يكون على طبقه مراد جدي و واقعي، هل يكون استعمالا لغويا أو لا يكون كذلك بل يكون استعمالا عقلائيا عرفيا؟

الثاني: في وجه تقديم المقيد على المطلق بعد تحقق عدم لغوية استعمال المطلق في الإطلاق بلا إرادة واقعية على طبقه.

اما المقام الأول: فتحقيق الحال فيه: ان الاستعمال المذكور لا يكون لغويا بأحد وجهين:

الأول: ما أفاده صاحب الكفاية من: ان استعمال العام في العموم و المطلق في‏

296

الإطلاق يكون حجة و قاعدة للمكلف حتى تقوم حجة أقوى على خلافه، فاستعمال العام في الاستغراق و ان لم يكن بإرادة جدية للعموم إلّا انه لا يكون بذلك لغوا لكونه مستتبعا لتحقق الحجية بالنسبة إلى مورد القيد، و هو كاف في رفع اللغوية، لأن جعل الحجية بنفسه أثر عقلائي يرفع اللغوية (1).

الثاني: ما أفاده المحقق الأصفهاني من وجود الإرادة الجدية على طبق العموم حين الاستعمال إلّا انها محدودة لورود التخصيص، فهي في غير مورد التخصيص مستمرة لاقتضاء مصلحتها ذلك، و امّا فيه فمرتفعة بورود التخصيص، فيكون ورود التخصيص بالنسبة إلى الإرادة الواقعية من قبيل الناسخ‏ (2).

و ليس المهم في المقام تحقيق أي الوجهين، فانه متروك إلى محله، بل المهم هو الإشارة إلى وجود ما يرفع اللغوية المتوهمة في الاستعمال.

و اما المقام الثاني: فتحقيق الحال فيه: ان المطلق و المقيد تارة يكونان متفقين في الإثبات و النفي ك: «أكرم العالم» و «أكرم العالم العادل» أو: «لا تكرم الجاهل» و: «لا تكرم الجاهل الفاسق». و أخرى يكونان مختلفين نفيا و إثباتا نظير: «أكرم العالم» و: «لا تكرم العالم الفاسق».

فأفاد صاحب الكفاية: انه مع الاختلاف نفيا و إثباتا، فلا إشكال في تقديم المقيد على المطلق.

و اما مع الاتفاق في النفي و الإثبات، فيدور الأمر بين التصرف في المطلق بحمله على المقيد و التصرف في المقيد بحمله على بيان أفضل الافراد. إلّا انه بعد ان ذكر هذا اختار تقديم المقيد و حمل المطلق عليه لأنه أظهر في التعيين- بمعنى دخالة الخصوصية في الحكم لظهور القيد في كونه احترازيا، لا التعيين مقابل التخيير حتى يقال انه يستفاد من إطلاق القيد لا وضعه و ظهوره. فيدور الأمر بين الإطلاقين فلا

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 218- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) الأصفهاني المحقق الشيخ محمد حسين. نهاية الدراية 1- 231- الطبعة الأولى.

297

مرجح فيه- من المطلق في عدمه و نفي دخالة الخصوصية، فيقدم عليه ببناء العرف‏ (1).

إلّا ان ما أفاده من أظهرية المقيد يشكل الالتزام به بناء على الالتزام بما ذهب إليه (قدس سره) من كون المقدمة هي الكون في مقام بيان المراد الاستعمالي.

و ذلك لأن مقدمات الحكمة الجارية في تشخيص المراد الاستعمالي قطعية المفاد، لأنها عقلية، فجريانها يوجب القطع بإرادة الإطلاق من اللفظ. فظهور المطلق في الإطلاق قطعي بواسطة مقدمات الحكمة، فهو نصّ في الإطلاق لعدم احتمال خلافه من الكلام.

و لا يخفى ان الأظهرية و الظاهرية [1] انما هي في عالم الاستعمال و المراد من اللفظ. فان الكلام ان كان يدل على المعنى بحيث لا يحتمل خلافه منه كان نصا فيه.

و ان كان يدل عليه مع احتمال خلافه فهو ظاهر فيه، فقد يكون احتمال الخلاف ضعيفا فهو أظهر، و الآخر الّذي يكون احتمال الخلاف فيه أقوى يكون ظاهرا، و مع نصية المطلق في الإطلاق لا وجه لدعوى أظهرية المقيد في التعيين منه في عدم التعيين.

و قد أفاد المحقق النائيني (قدس سره) ان المقيد المنفصل يقدم على المطلق بالقرينية، إذ ضابط القرينية في حال الانفصال هو ان اللفظ يكون بنحو لو كان متصلا بالكلام لأوجب التصرف في ظهوره، و القدر المتيقن منه هو الوصف و الحال و نحوهما من الفضلات في الكلام. و المقيد المنفصل بهذه المثابة، فانه لو كان متصلا لقلب ظهور المطلق و تصرف فيه. إلّا ان الفرق بين المقيد المتصل و المقيد المنفصل ان الأول يوجب التصرف في ظهور الكلام الكاشف عن المراد الجدي. و الثاني انما

____________

[1] دفع لما قد يتوهم من انه يمكن ان يكون المراد بالأظهرية الأظهرية في مقام الكشف عن المراد الجدّي. كما لا يخفى.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 250- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

298

يتصرف في المراد الجدي دون المراد الاستعمالي، فالمطلق بعد وروده يبقى على ظهوره الإطلاقي‏ (1).

و ما أفاده (قدس سره) محل نظر من جهتين:

الجهة الأولى: ما ذكره من انّ تقدم المقيد على المطلق بالقرينية، و وجه الإشكال فيه: ان القرينة لها اصطلاحان: قرينة بالمعنى الأعم. و قرينة بالمعنى الأخص.

اما القرينة بالمعنى الأخص، فهي على نحوين:

الأول: ما يكون مقترنا بالكلام بحيث يوجب التصرف في موضوع الحجية، و هو ظهور الكلام، نظير: «يرمي» في قولك: «رأيت أسدا يرمي»، فانها توجب- ببناء العرف- قلب ظهور لفظ: «الأسد» في: «الحيوان المفترس» إلى ظهوره في «الرّجل الشجاع»، لأن الرماية بالنبل من شئون الرّجل لا الحيوان المفترس.

و ملاك التقديم واضح: فانه بعد ان كان الالتزام بكلا الظهورين غير ممكن للمنافاة، فيدور الأمر بين التصرف في ظهور لفظ: «الأسد» في معناه الحقيقي و ظهور لفظ: «يرمي» في معناه.

و الأول هو المتعين بعد ان سيق لفظ «يرمي» للقرينية، فان الالتزام بظهوره يوجب قلب ظهور لفظ: «الأسد»، فيرتفع التنافي، بخلاف الالتزام بظهور: «الأسد»، فانه لا يوجب التصرف في ظهور: «يرمي» لعدم كونه قرينة عليه، فيحصل التنافي و لا ترتفع غائلته.

الثاني: ما يكون منفصلا عن الكلام إلّا انه ناظر بدلالته اللفظية إلى المراد الجدي من الدليل الآخر، فيوجب التصرف فيه تضييقا و توسعة، و هذا كالدليل الحاكم بالنسبة إلى المحكوم.

و ملاك تقديمه واضح أيضا، لأن بناء العقلاء على مطابقة المراد الجدي للمراد

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 535- الطبعة الأولى.

299

الاستعمالي فيما لم يقم المتكلم الدليل على ان مراده غير المقدار المفهم. اما مع إقامته الدليل على ذلك، فلا وجه لبنائهم على كون مراده الواقعي ما فهمه بالكلام.

و يجمع هذين النحوين كونهما مقدمين على ذي القرينة مطلقا و لو كانا أضعف ظهورا منه كما لا تلاحظ بينهما النسبة.

و اما القرينة بالمعنى الأعم، فهي ما تشمل الأظهر بالنسبة إلى الظاهر، و نحوه مما كان أحد الدليلين ناظرا إلى المراد الجدي من الدليل الآخر، و لكن لا بالدلالة العرفية بل بالدلالة الالتزامية العقلية، نظير المخصص بالنسبة إلى العام و المقيد بالنسبة إلى المطلق، فانه يقال أيضا بان تقديم الخاصّ و المقيد على العام و المطلق بالقرينية، إلّا انها ليست كالقرينية السابقة و لذا يلاحظ فيها الأظهرية و تراعى فيها النسبة، لعدم وجود ملاك التقدم المطلق فيها كما في تلك.

فالمقيد المنفصل بالنسبة إلى المطلق ليس كالقرينة- بالمعنى الأخص- بالنسبة إلى ذي القرينة، إذ لا يوجب التصرف في الظهور لانفصاله عن الكلام و انعقاد الظهور قبل وروده. كما انه ليس ناظرا بدلالته اللفظية إلى المطلق، كالحاكم بالنسبة إلى المحكوم، بل ناظرا إليه بالالتزام العقلي باعتبار حكم العقل بعدم إمكان اجتماع الحكمين المطلق و المقيد. فالتزامه (قدس سره) بتقدمه على المطلق بالقرينية بالمعنى الأخص بحيث لا يلاحظ فيه الأظهرية و لا يراعى فيه النسبة كالمقيد المتصل، مما لا يعرف له وجه أصلا.

الجهة الثانية: ما ذكره من بقاء ظهور المطلق في الإطلاق على حاله بعد ورود المقيد المنفصل، و انما التصرف في المراد الجدي.

و وجه الإشكال فيه: ما عرفت من انه بعد البناء على جريان مقدمات الحكمة في تشخيص المراد الجدي لا المراد الاستعمالي يكون ورود المقيد مخلا بإطلاق المطلق بالنسبة إلى هذا القيد، لأنه يكشف عن عدم كونه في مقام البيان الّذي هو أساس انعقاد الإطلاق، فيقدم المقيد عليه بلا كلام لعدم الإطلاق المنافي له.

300

و هذا الالتزام لا يجتمع مع الالتزام ببقاء المطلق على إطلاقه. و قد عرفت التزامه (قدس سره) بكلا الأمرين. و هو ما لا يمكن تصور وجهه.

و حيث عرفت انه لم نلتزم بما التزم به (قدس سره) من جريان مقدمات الحكمة في تشخيص المراد الجدي، بل التزمنا بما التزم به صاحب الكفاية من جريانها في المراد الاستعمالي.

فلا محيص حينئذ من الالتزام ببقاء ظهور المطلق على إطلاقه بعد ورود المقيد، إلّا انه من الواضح تقديم المقيد على المطلق في الحجية و تضييق حجيته بالنسبة إلى المراد الجدي، لأقوائية ظهوره في معناه من ظهور المطلق فيه.

و اما ما تقدم من الإشكال على صاحب الكفاية من: ان ظهور المطلق في الإطلاق بمقدمات عقلية فتكون دلالته عليه قطعية.

فيدفع: بان المقدمات و ان كانت عقلية لكنها لا توجب القطع، لأنها غير قطعية بمجموعها، لأن كونه في مقام البيان انما يرجع إلى ظهور حاله في ذلك، و ظهور الحال لا يوجب القطع بما يتعلق به و يترتب عليه، فنتيجة المقدمات غير قطعية لأنها تتبع أخسها، فكل منهما ظاهر في معناه- و إلى ذلك يرجع تعبير القوم بالظهور الإطلاقي- إلّا ان الظهور المستفاد من الوضع أقوى من الظهور المستفاد من ظاهر الحال، فيكون ظهور المقيد أقوى من ظهور المطلق، لأن الأول لفظي و الأخير بظاهر الحال.

و بناء العرف و العقلاء على تقييد حجية الظاهر في الكشف عن المراد الجدي بما إذا لم يقم دليل أظهر منه، فان الظاهر يؤخر عن مقام الحجية و يقدم الأظهر، فلا يكون حينئذ بين المقيد و المطلق تدافع في مقام الحجية عرفا، لأن المقيد هو المقدّم، فلا تعارض بينهما.

هذا كله في المقيد و المطلق.

اما العام و الخاصّ، فتحقيق الكلام فيهما، انه قد وقع الخلاف في ان دلالة العام‏

301

على العموم، هل هي بالوضع أو لا، بحيث يحتاج في العام إلى إجراء مقدمات الحكمة في مدخول الأداة؟. ثم القائلون بالوضع يختلفون في أن المخصص المنفصل هل يوجب التصرف في ظهور العام في العموم- بتقريب: ان لفظ العموم موضوع لإرادة استيعاب جميع الافراد ما لم تقم قرينة متصلة أو منفصلة على العدم- أو لا، بل يبقى العام على ظهوره العمومي، و يكون المخصص ناظرا إلى المراد الجدي.؟

و قد عرفت أيضا الكلام في مقدمات الحكمة، و انها تجري في تعيين المراد الجدي أو المراد الاستعمالي، و هو يجري أيضا فيما نحن فيه إذا قلنا بالاحتياج إلى مقدمات الحكمة في المدخول في استفادة العموم.

فالاحتمالات أربعة، و الخاصّ مقدم على العام على جميعها.

أما على القول بأن اللفظ موضوع للعموم و الخاصّ المنفصل موجب للتصرف في ظهوره، و القول بعدم الوضع و جريان مقدمات الحكمة في المراد الجدي، فواضح، لأن ورود الخاصّ موجب لانهدام ظهور العام في العموم فلا تنافي.

و أما على القولين الآخرين، فالعام و ان كان يبقى على ظهوره العمومي، إلّا ان الخاصّ مقدم عليه لأقوائية ظهوره- وجه الأظهرية: ان دلالة الخاصّ على الفرد المخصص دلالة مطابقية، بخلاف دلالة العام عليه فانها دلالة تضمنية، لوضوح ان العام ليس بموضوع لكل فرد فرد، بل لمجموع الافراد.

و الدلالة المطابقية أقوى من التضمنية و ان كانتا لفظيتين، فلاحظ- و قد عرفت تقييد حجية الظاهر عرفا بما إذا لم يكن دليل أظهر منه.

المورد الخامس: في تقديم النص أو الأظهر على الظاهر

. و الكلام فيه يتضح مما سبق من بيان ان حجية الظاهر مقيدة بما إذا لم يقم ما هو أقوى منه ظهورا، فورود النص أو الأظهر يوجب خروج الظاهر عن موضوع الحجية فلا يكون بينهما تدافع في هذا المقام فلا تعارض.

و بذلك اتضح خروج موارد المقيد و المطلق و الخاصّ و العام و الظاهر و الأظهر

302

عن مفهوم التعارض بالمعنى الّذي اخترناه، لعدم التدافع بينهما في مقام الحجية و الدليليّة بحسب بناء العرف و العقلاء. كما عرفت- قبل الآن- خروج موردي الحكومة و الورود عن تعريفه. فلا تجري فيها جميعا أحكام التعارض فتدبر.

تتمة: فيما يتعلق بالخاص و العام و المقيد و المطلق‏

قد عرفت ان الخاصّ بعد وروده يدفع العام عن موضوع الحجية، لتقييد حجية العام بما إذا لم يقم دليل أقوى منه على خلافه كالخاص. و هكذا الحال في المطلق بالنسبة إلى ورود المقيد.

فعليه ..

ان كان الخاصّ أو المقيد قطعي الورود، كان موجبا لخروج العام أو المطلق عن الحجية بالتخصص، لانتفاء موضوع الحجية تكوينا و حقيقة، لأن موضوعها هو العام الّذي لم يرد دليل على خلافه أقوى ظهورا منه، و قد ورد قطعا على خلافه في الفرض، فلا حجية للعام بالتخصص.

و ان كان ظني الورود، كان دليل حجيته المتكفل للبناء على وروده و العمل به حاكما على دليل حجية العام أو المطلق، لأنه ينفي القيد تعبدا و تنزيلا لا تكوينا فيكون حاكما.

و عليه، فلا وجه لما أفاده المحقق النائيني من اختصاص مورد التخصص بما إذا كان الخاصّ قطعي الدلالة و السند. و في غيره مما كان الخاصّ ظنيهما أو ظني أحدهما يكون دليله مقدما على دليل العام بالحكومة.

بتقريب: انه ليس المأخوذ في موضوع الحجية عدم ورود الخاصّ كي تكون قطعية الورود موجبة للتخصص، بل موضوع الحجية مقيد بالشك، فمتى ارتفع الشك حقيقة عند ورود الخاصّ خرج العام عنها بالتخصص، و ذلك كما إذا كان الخاصّ قطعيهما و متى لم يرتفع الشك حقيقة، بل بالتعبد و التنزيل كما في غير هذه الصورة- لأنه مع ظنية أحدهما تكون النتيجة ظنية- كان دليل الخاصّ حاكما على أصالة

303

العموم المتكفلة لحجية العام، لتكفله لنفي الموضوع تنزيلا.

و ذلك لأن الأساس الّذي بنى عليه اختياره- و هو تقييد أصالة العموم بحال الشك- لا صحة له، لأن أصالة العموم من الأمارات، لأنها من الأصول اللفظية العقلائية و قد تحقق عند الكل ان الشك لم يؤخذ في موضوع الأمارة قيدا لاستلزامه كون نسبتها إلى الاستصحاب نسبة التحاكم لا الحكومة- كما عرفت بما لا مزيد عليه- مضافا إلى انه لو كانت أصالة العموم فيما نحن فيه قد قيد موضوعها بحال الشك، لكان بين دليلي العام و الخاصّ تحاكم لا حكومة، لأن استفادة الخاصّ من الدليل الخاصّ كان أيضا بأصالة الظهور. فحجية الخاصّ مقيدة بحال الشك أيضا، فيكون دليل العام رافعا له تعبدا، فكل من دليل العام و دليل الخاصّ يرفع موضوع الآخر و هذا هو معنى التحاكم.

فالوجه الوجيه ما ذكرناه من اختصاص حجية العام بعدم ورود الأقوى كالخاص، و يتفرع عليه ما عرفت من كون المناط في الحكومة و التخصص ظنية الورود و قطعيته.

و قد يتساءل: بأنه إذا كان تقديم المخصص على العام بالحكومة أو بالتخصص، فما هو الوجه في اعتبار الأظهرية و ملاحظة النسبة بعد ان تقرر ان الحاكم يتقدم على المحكوم بأي نحو كان ظهورا و نسبة بالإضافة إلى المحكوم؟. و ما هو الوجه في جعل التخصيص منفردا عن الحكومة بحثا و أحكاما؟

و الجواب عن هذا التساؤل يتضح من مطاوي ما ذكرناه، فان الحاكم ليس هو نفس الخاصّ، حتى يتأتى فيه ما ذكر للحكومة من أحكام، و انما الحاكم دليله الّذي يتكفل التعبد به و البناء عليه باعتبار انه بذلك يتكفل رفع موضوع الحجية، لأنه مقيد بعدم ورود الأقوى ظهورا.

و لأجل ذلك لا بد من اعتبار أظهرية الخاصّ كي تتحقق حكومة دليل‏

304

اعتباره، كما انه لا بد من ملاحظة النسبة، لانتفاء الأظهرية في صورة كون نسبتهما العموم من وجه، فلا يكون دليل اعتباره حاكما، لأنه لا يتكفل ورود الأقوى ظهورا.

و بالجملة: نفس الدليل الخاصّ ليس من افراد الحاكم، و انما الحاكم دليل اعتباره و أحكام الحكومة تجري فيه دون نفس الخاصّ، بل لا بد في الخاصّ من اعتبار الأظهرية ليكون دليله متكفلا لنفي موضوع دليل العام فيكون حاكما.

في الفرق بين التعارض و التزاحم‏

اخرج الأصوليون بعض موارد تنافي الحكمين الساري إلى الدليلين عن أحكام التعارض و رتبوا لها أحكاما خاصة، و اصطلحوا عليها بموارد التزاحم. فما هو ضابط هذه الموارد، و لم لا تجري أحكام التعارض فيها؟

ذهب المحقق الخراسانيّ (قدس سره) إلى: انه متى ما ثبت وجود الملاك لكلا الحكمين فالمورد من موارد التزاحم. و متى لم يثبت وجود الملاكين كان المورد من موارد التعارض. فالتزاحم عنده هو التنافي في فرض ثبوت الملاك. و التعارض هو التنافي في فرض عدم ثبوته‏ (1).

و ذهب المحقق النائيني (رحمه الله) إلى: اختلاف موردي التزاحم و التعارض، فكل منهما له مقام يستقل عن مقام الآخر و ينفرد عنه.

و ذلك، فان التنافي بينهما ..

ان كان يرجع إلى التنافي في مرحلة الجعل و التشريع، بحيث لا يمكن جعل كلا الحكمين. فهو التعارض- كالتنافي بين وجوب الشي‏ء و حرمته، فانه يستحيل جعل كلا الحكمين من المولى لتضادهما-.

و ان كان يرجع إلى التنافي في عالم الامتثال و مرحلة فعلية الحكمين، بأن كان‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 299- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

305

جعل كلا الحكمين في نفسه و بنحو القضية الحقيقة ممكنا للمولى، فلا تنافي بينهما في عالم الجعل، و انما التنافي بينهما في مرحلة فعليتهما، باعتبار عدم إمكان امتثالهما معا لعدم تحقق موضوعيهما معا.

فهو التزاحم- كوجوب إنقاذ هذا الغريق و وجوب إنقاذ ذاك الثابتين بدليليهما في زمان واحد- فان جعل كلا الحكمين لا محذور فيه، لأن جعل الأحكام بنحو القضية الحقيقية و هو لا ينظر إلى ثبوت الموضوع و عدمه، بل هو ثابت و لو لم يكن الموضوع ثابتا و موجودا، فاجتماع الغريقين مع عدم القدرة الا على إنقاذ أحدهما لا يوجب التنافي بين الحكمين في عالم الجعل، بل في عالم الفعلية، لأجل التردد في صرف القدرة في هذا الطرف فيكون حكمه فعليا دون الآخر أو بالعكس.

و لا يخفى ان هذا- أعني: تعيين أحدهما- ليس من شأن المولى و الجاعل، إذ لا يرتبط بمولويته و بجعله، بل من وظائف غيره، و هو لا يضرّ بنفس الجعل، لأنه ينفي موضوع الحكم الآخر، لا انه ينفي الحكم عن موضوعه، فلاحظ (1).

و المورد الّذي تظهر فيه ثمرة الخلاف بين المحققين (قدست أسرارهما) هو مورد توارد الحكمين المتنافيين على موضوع واحد، بحيث لا يكون التنافي ناشئا من جهة العجز عن الجمع بين الامتثالين مع ثبوت الملاك لكل من الحكمين، كالصلاة في الدار المغصوبة بناء على الاتحاد و الانحصار، فانها مشمولة لدليل: «صل» و لدليل:

«لا تغصب» فان مثل هذا المورد من موارد التزاحم عند المحقق الخراسانيّ لوجود الملاك- كما يلتزم به- و من موارد التعارض عند المحقق النائيني، لرجوع التنافي إلى عالم الجعل لا إلى مرحلة الفعلية، لعدم إمكان اجتماع الأمر و النهي و امتناعه.

و في غير هذا المورد لا تظهر الثمرة بين القولين و ان اختلفا مفادا، لثبوت الملاك في مثل مثال الإنقاذ، مما تعدد فيه موضوع الحكمين.

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 704- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 270- الطبعة الأولى.

306

و على كل، فيقع الكلام فيما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) من تفسير التزاحم بالتنافي في مرحلة الفعلية لا في مرحلة الجعل، و ان تعيين الوظيفة ليس براجع إلى المولى الجاعل بل إلى غيره.

و تحقيق الحال: ان ما ذكره لو تمّ متين جدا، لأنه يوجب انحياز موارد التعارض عن التزاحم بالكلية، لأن التعارض الّذي يهمنا البحث عنه و عن الفرق بينه و بين التزاحم هو التنافي بين الأدلة- كما عرفت- سواء أ كان بلحاظ الدليليّة أو الدلالة.

و هذا المعنى ليس بثابت في مورد التزاحم على هذا الاختيار، لأن التنافي في مرحلة الفعلية ان تم انفصاله عن عالم التشريع و الجعل- كما هو الفرض- لم يكن مرتبطا بالأدلة كما هو ظاهر جدا و يكون أجنبيا عن التعارض بمفهومه العرفي الّذي ذكرناه، و به يكون محط الأحكام. إلّا انّ تماميته و التسليم بأن مثل هذا التنافي لا يسري إلى مرحلة الجعل محل نظر.

بيان ذلك: ان المأخوذ في موضوع التكليف في مثل المثال الّذي استشهد به على كون التنافي في مرحلة الفعلية دون الجعل، اما ان يكون هو القدرة في حد نفسها- مع قطع النّظر عن المزاحمة- أو يكون المأخوذ هو القدرة الفعلية و لو مع المزاحمة. فان كان المأخوذ هو القدرة الفعلية، فلا تحقق لها فيما نحن فيه في كل من المتعلقين، فيكون المورد من موارد عدم وجود الموضوع، فلا معنى لفرض التزاحم.

و ان كان المأخوذ هو القدرة في حد نفسها- كما هو الظاهر من فرض التزاحم، بل بدونه- فهي متحققة بالنسبة إلى كل من المتعلقين، لأن كلا من الإنقاذين مقدور بنفسه و مع قطع النّظر عن مزاحمه، فيكون كلا منهما فعلي الحكم لتحقق شرطه، فيحصل التدافع بين الحكمين الفعليين، إذ لا يمكن امتثالهما معا لعدم القدرة على كلا الإنقاذين بنحو الجمع، إذ الموجود قدرة واحدة يتردد صرفها في أحد الفردين، و بذلك يلغو جعل كلا الحكمين معا- كما يلغو جعل الحكم على غير