منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
307

المقدور-، لعدم فرض الداعوية و التحريك في كليهما معا لعدم القدرة على متعلقيهما جمعا، فيسري التنافي إلى مرحلة الجعل، إذ يتردد المجعول بينهما بعد ان لم يمكن جعلهما معا، و من التنافي في مرحلة الجعل يسرى التنافي إلى الدليل المتكفل لبيان الجعل. كما اعترف بذلك (قدس سره)، فانه ذكر: ان ملاك التخيير في صورة التنافي في مرحلة الجعل هو تقييد كل من الإطلاقين للآخر، و ظاهر ان الإطلاق ليس امرا غير الدليل.

و بذلك لا يظهر انحياز مفهوم التعارض عن موارد التزاحم.

و الّذي ينبغي ان يقال: ان لفظ التزاحم لم يرد في آية و لا رواية، و انما هو لفظ اصطلح به على بعض الموارد التي تشترك في جملة أحكام جعلها الأصوليون لها- كما أشرنا إليه في صدر الفصل- فلا بد من معرفة حد التزاحم من معرفة مقدار تلك الآثار.

و الّذي نراه ان هذه الأحكام انما تجري في صورة تنافي الحكمين من جهة عجز المكلف و عدم قدرته على الإتيان بمتعلقيهما، لا تنافيهما مطلقا و لو من حيث أنفسهما.

فالكلام يقع في جهات ثلاث:

الأولى: في بيان جريان جميع هذه الأحكام في هذه الصورة، أعني صورة كون التنافي ناشئا عن العجز خاصة.

الثانية: في بيان عدم جريان أحكام التعارض التعبدية في هذه الصورة، إذ لقائل ان يقول: انه بعد فرض ان هذا النحو من التنافي يسري إلى الدليلين فيوجب تعارضهما، فما هو الوجه في العدول عن إجراء أحكام التعارض الثابتة بالأدلة الشرعية في هذه الصورة إلى إجراء أحكام أخرى لم يرد بها تشريع؟

الثالثة: في بيان ان موضوع الخلاف بين المحققين- الخراسانيّ و النائيني- هل يندرج تحت أحد العنوانين- التزاحم و التعارض- أم له حكم آخر؟ و منه يظهر

308

عدم جريان أحكام التزاحم بمجموعها في غير مورد كون التنافي ناشئا عن العجز خاصة.

أما الجهة الأولى: فتحقيق الكلام فيها: ان أحكام باب التزاحم هو ..

التخيير في صورة تساوي المتعلقين في المزايا، اما بملاك الترتب الّذي محصله تقييد امر كل منهما بترك الآخر، أو بحكم العقل بلزوم الإتيان بأحدهما للمحافظة على ملاكات الأحكام مهما أمكن- على القول بعدم الترتب- أو الترجيح في صورة اشتمال أحدهما على مزية من أهمية الملاك و تقييده بالقدرة العقلية مع تقييد الآخر بالقدرة الشرعية، و عدم وجود بدل له يحصّل الملاك مع وجوده للآخر، فان ذا المزية يقدم بحكم العقل.

و من الظاهر جدا ان هذه الأحكام من تخيير و ترجيح انما تثبت في صورة العجز عن الجمع بين الامتثالين، إذ مع إمكانه لا تصل النوبة إليها، بل لا بد من الإتيان بكلا المتعلقين. كما انها لا تجري بجملتها في غير صورة التنافي الناشئ عن خصوص العجز، كما يظهر في الجهة الثالثة من جهات الكلام.

و اما الجهة الثانية: فتحقيق الكلام فيها: ان الحكمين المتنافيين، اما ان يكونا مدلولين لدليل واحد، ك: «أنقذ كل غريق» المنحل إلى أحكام متعددة متزاحمة في مورد الاجتماع و عدم القدرة. و اما ان يكونا مدلولين لدليلين.

فعلى الأوّل: فخروج المورد موضوعا عن أحكام التعارض لا يحتاج إلى بيان، لأن موضوع التعارض هو التنافي بين الدليلين لا في مدلول دليل واحد.

و على الثاني: فمحل الكلام ما كان العجز عن الامتثالين اتفاقيا- لا دائميا مثل:

«لازم زيدا دائما» و: «لازم عمرا دائما» مع افتراق عمرو عن زيد، فان مثل هذا ليس من موارد التزاحم للغوية كلا الجعلين مطلقا، فيرجع إلى موارد التعارض قطعا- و ذلك كموارد انطباق العامين من وجه على موضوع واحد أو في مورد واحد بحيث لا يمكن امتثالهما معا، فبناء على خروج مورد العامين من وجه عن موضوع الأدلة

309

التعبدية المتكفلة لأحكام التعارض فالامر واضح، و يكون المرجع فيه هو الأحكام العرفية من التساقط أو التخيير.

و اما بناء على دخوله في موضوع الأدلة، فمحل الكلام في هذه الجهة ما كان الحكمان المتنافيان واردين على موضوعين، بحيث يكون منشأ التنافي هو خصوص العجز لا ما إذا كانا واردين على موضوع واحد- كالوجوب و الحرمة المستفادين من مثل: «أكرم العلماء و لا تكرم الفساق» المجتمعين على العالم الفاسق- فانه موضوع الكلام في الجهة الثالثة، فانتظر.

و تحقيق الكلام في محل الكلام: انه اما ان يكون لأحد المتعلقين مزية على الآخر بحيث توجب قوة اقتضائه للحكم. أو يتساويان في الأهمية.

فعلى الأوّل: يتقدم الأهم و تتضيق دائرة إطلاق المهم بحكم العقل.

بيان ذلك: ان كلا من الحكمين ذو مقتضى ثبوتا،- و هو الملاك- و إثباتا- و هو الإطلاق- إلّا انه لما كان مقتضى الثبوت- أعني: الملاك- في أحدهما أقوى من مقتضى الآخر، يرى العقل ان الأهم صالح للمانعية عن المهم ثبوتا لحكمه بلزوم صرف القدرة إلى متعلقه دون متعلق المهم، فيمنع من شمول الإطلاق للفرد المهم في صورة المزاحمة، و لا يرى ذلك- أي المانعية- في طرف المهم، لأنه غير صالح لمنع ثبوت الأهم، فيبقى إطلاقه سالما حال المزاحمة، و بذلك يرتفع التنافي بين الإطلاقين، لأن أحد الإطلاقين بضميمة حكم العقل بلزوم صرف القدرة في الفرد الأهم لا يشمل هذا الغرض لعدم القدرة على متعلقه.

و مع ارتفاع المنافاة بين الإطلاقين يخرج المورد عن التعارض موضوعا، فلا مجال للقول بجريان أحكامه فيه.

و على الثاني: فالحكم هو التخيير، إلّا انه ..

تارة: يكون بالالتزام بالترتب، بمعنى تقييد امر أحدهما بعدم الإتيان بالآخر.

و هذا رافع للتنافي الموجود بالنظر البدوي، لثبوت الأمر في صورة عدم امتثال الآخر

310

و عدم انثلام الإطلاق.

نعم، يسقط في صورة امتثال الآخر، لكنه لحصول العجز عن متعلقه، لأنه بالإتيان بأحدهما يحصل العجز القهري عن الآخر، فيكون تقييد أمر كل منهما بعدم الآخر من باب تقييد الحكم بالقدرة على متعلقه و ليس تقييدا بأمر زائد على موضوع الحكم كي يكون ذلك تصرفا بالدليل.

نعم، يبقى شي‏ء، و هو: انه يلزم حصول عصيان أحدهما بامتثال الآخر، إذ الأمر لا يقيد بعدم العجز الاختياري، و إلّا لما حصل العصيان غالبا، مع ان الالتزام بحصول العصيان في الفرض ممنوع.

و الجواب: ان عدم حصول العصيان انما هو بحكم العقل، إذ لا يستطيع التفصي عن هذا المقدار من الترك بعد ان كان لا يستطيع الجمع بين الامتثالين فلا عصيان بترك أحدهما إلى الآخر، فالتخيير في المقام يرجع إلى الجمع بين الدليلين، بحيث يرتفع التنافي بينهما، فلا تصل النوبة إلى أحكام التعارض لارتفاع موضوعها.

و أخرى: لا يكون بالالتزام بالترتب- لعدم تماميته بنظر بعض و التزامهم بتساقط الدليلين- بواسطة حكم العقل بالتخيير بينهما، بحيث لا يجوز تركهما و الاشتغال بأمر ثالث من باب محافظته على تحصيل ملاكات الأحكام. و بذلك يثبت حكم تخييري للشارع على طبق حكم العقل و لا مجال له غير هذا، فلا معنى لإجراء أحكام التعارض.

و لكن هذا يبتني على الالتزام بتحقق الملاك في كلا المتعلقين كما هو المشهور.

اما مع المناقشة في ذلك، فلا محيص عن الالتزام بدخوله في موارد التعارض و جريان أحكامه فيه و لا محذور فيه. إلّا انه مجرد فرض. فتدبر.

و اما الجهة الثالثة: فتحقيق الكلام فيها: ان المورد الّذي كان محل الخلاف و ظهور الثمرة بين المحققين ليس من موارد التزاحم و لا من موارد التعارض، بل هو برزخ بينهما.

311

و ذلك لأن آثار التزاحم أجمع لا تجري فيه، كما لا تجري فيه أحكام التعارض التعبدية.

اما عدم جريان أحكام التزاحم، فلأن التخيير بملاكيه: ملاك الترتب و ملاك حكم العقل بلزوم تحصيل غرض المولى مهما أمكن مع الالتزام بالتساقط، غير جار هنا مع تساوي الحكمين في الأهمية من جهة الملاك. و ذلك ..

اما عدم التخيير بملاك الترتب، فلأمرين:

الأول: ان من شروط صحة الترتب- كما يذكر في بعض تنبيهات مبحثه- ان لا يكون المتعلقان لا ثالث لهما، إذ مع كونهما كذلك لا معنى لتعليق الأمر على عصيان الآخر، لأن عصيان أحدهما يحصل بالإتيان بالمتعلق الآخر، فيكون الأمر به لغوا لأنه من باب طلب تحصيل الحاصل.

و هذا المناط موجود فيما نحن فيه، لأن عصيان الحرمة انما يكون بالإتيان بمتعلق الوجوب، فلا معنى لتعليق الوجوب على عصيان الحرمة، إذ لا مجال للبعث و التحريك بعد عصيان الحرمة و الإتيان بمتعلق الأمر.

الثاني: ان الترتب انما يلتزم به لرفع التنافي بين الحكمين من جهة عدم القدرة و العجز عن الامتثالين معا، لأنه يرجع إلى جعل الطولية في الامتثال الرافع لعدم القدرة.

و بذلك يصحح اجتماع الحكمين زمانا لأن محذور اجتماعهما يرتفع بالالتزام بالترتب. اما لو كانت هناك جهة أخرى موجبة للتنافي غير جهة العجز، فلا يفيد الترتب في رفعه، و المقام من هذا القبيل، فان اجتماع الوجوب و الحرمة لا ينحصر محذوره في مرحلة الامتثال كي يرتفع بالترتب، بل هو ممتنع في نفسه و في مرحلة انقداح الإرادة و الكراهة، و الترتب لا ينظر إلى رفع التنافي في هذه المرحلة.

و اما عدم التخيير بواسطة حكم العقل، فلأنه مع تساوي الحكمين في الملاك يحصل الكسر و الانكسار بين الملاكين، و يكون نتيجته إباحة المتعلق، و لا حكم‏

312

للعقل بلزوم أحدهما، لعدم اقتضاء ملاكه بعد مزاحمته بالملاك الآخر، و يتضح ذلك بملاحظة العرفيات.

و اما عدم جريان أحكام التعارض، فلأنه بعد العلم بثبوت الملاك لكل من الحكمين في المتعلق لا محيص عن الحكم بالإباحة كما عرفت، فلا معنى لترجيح أحدهما على الآخر بملاك الأشهرية و نحوها من الأحكام التعبدية، للعلم بعدم جعل كلا الحكمين بعد تساوي الملاك، و الترجيح انما يتم في صورة احتمال جعل أحدهما و اشتباهه، إذ للشارع جعل الطريق الأشهر مثلا طريقا إلى حكمه.

و اما في صورة كون ملاك أحد الحكمين أهم من ملاك الآخر، فذو الملاك الأهم مقدم قطعا على غيره للعلم بجعله و تشريعه دون الآخر لانعدام ملاكه بالتزاحم.

و من هنا يتضح الوجه في كون هذا المورد برزخا بين التعارض و التزاحم و ليس من أحدهما لعدم جريان أحكام كل منهما فيه.

و بذلك يظهر ان تحديد التزاحم بأنه التنافي بين الحكمين من خصوص جهة العجز عن الجمع بين الامتثالين و ان سرى إلى الدليلين هو المتعين، فان رجع هذا إلى ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) فهو، و إلّا فهو تعريف ثالث غيرهما، فتدبر جيدا و اللّه سبحانه العالم.

313

فصل هل يختص مورد التعارض بخصوص ما ثبت حجيته بالدليل اللفظي من الأدلة، أو يعم ما ثبت بالدليل اللبي؟.

قد يتوهم الاختصاص بتقريب: انه مع الشك في حجية كل من الدليلين في مورد المعارضة، لا دليل على حجيتهما لو كان الدليل لبيا، للأخذ به في القدر المتيقن دون مورد الشك، و مع انتفاء حجيتهما يخرجان عن موضوع التعارض. و هذا بخلاف ما لو كان دليلهما لفظيا، لثبوت حجيتهما بالإطلاق.

و هو مندفع: بان الاقتصار على القدر المتيقن في الدليل اللبي انما يكون فيما لو احتمل تقييده بقيد غير ثابت، إذ مع الشك لا إطلاق له حتى يتمسك به. و ليس الأمر كذلك فيما نحن فيه، فان الدليل اللبي يتكفل إثبات حجية الخبر أو غيره بالمقدار الّذي يتكفله الدليل اللفظي لو كان.

نعم، يقيد بعدم المانع العقلي عن حجيته كما يقيد الدليل اللفظي بذلك. فالدليل‏

314

لفظيا كان أو لبيان يتكفل حجية الدليل و الخبر الاقتضائية، بمعنى: حجيته في حد نفسه و مع قطع النّظر عن المحذور العقلي الثابت في مورد التعارض، فهما في مورد المعارضة داخلان في حد ذاتيهما تحت دليل الحجية بنحويه- إذ لا يحتمل تقييد حجيتهما بغير مورد المعارضة، بل حجيتهما اقتضائية كما عرفت- فيتحقق بهما موضوعه.

و بعد كل هذا مما عرفته يقع الكلام في مقامات:

المقام الأول: في تأسيس الأصل و القاعدة في الدليلين المتعارضين‏

كي يكون هو المرجع في صورة عدم ثبوت الأحكام الشرعية لمورد ما.

فهل هو التساقط، أو التخيير، أو الاحتياط، أو التوقف؟.- و المراد بالتوقف هو التوقف عن الرجوع إلى ثالث يخالفهما، كالرجوع إلى أصالة الإباحة عند ورود الدليلين على الحرمة و الوجوب، بل لا يخرج في مقام العمل عن أحدهما على حسب ما تقتضيه الأصول و القواعد الموافقة لأحدهما.

و بذلك يتضح الفرق بينه و بين الاحتياط، فانه العمل بنحو يدرك الواقع مع الإمكان بالجمع بين الدليلين عملا، كما لو دل أحدهما على الوجوب و الآخر على الاستحباب أو الإباحة. كما يتضح الفرق بينه و بين التساقط و التخيير، لأن الأول هو عدم العمل بكلا الدليلين و الرجوع إلى الأصول العملية، سواء وافقت أحدهما أم خالفت.

و الثاني هو العمل بأحد الدليلين، سواء كانت القاعدة على طبقه أم على خلافه.

و تحقيق الحال: انه اما ان يلتزم في باب الأمارات بالسببية أو يلتزم بالطريقية.

فعلى القول بالسببية. أفاد الشيخ (قدس سره) ان الأصل التخيير، لدخول المورد في موارد التزاحم، لأنه بقيام الأمارة تحدث مصلحة في متعلقها، فيكون ملاكا

315

الحكمين ثابتين، فالحكم- في مثل الحال- هو التخيير (1).

و للمناقشة في ما ذكره مجال، لأن التنافي اما ان يكون منشؤه خصوص العجز و عدم قدرة المكلف على الجمع بين الامتثالين، كما في فرض الحكمين المتواردين على موضوع معين. و اما ان يكون منشؤه تنافي الحكمين في أنفسهما كما في فرض اجتماع الوجوب و الحرمة على موضوع واحد.

فما يكون من موارد التخيير و التزاحم هو النحو الأول، لاجتماع ملاكي الحكمين في الموضوعية، إلّا انه لا يختلف الحال على القول بالسببية و الطريقية، لوجود الملاكين على التقديرين.

و اما النحو الثاني، فهو خارج عن موارد التزاحم و التخيير و ان قيل بالسببية، إذ يعلم عدم جعل كلا الحكمين بعد فرض تحقق ملاكيهما، لحصول الكسر و الانكسار فيتساوى الفعل و الترك، فلا وجه للتخيير اللزومي الثابت بحكم العقل، بل الحكم هو الإباحة كما تقدم.

مضافا إلى ان التخيير في الفعل الواحد مما لا يمكن تحققه في بعض الأحيان و هو ما إذا لم يكن الوجوب أو الحرمة المدلولين للدليلين تعبديا، إذ معه لا يكون أحدهما قهري الحصول، بل يمكن تركهما معا كما لا يخفى- لأن الترك أو الفعل قهري الحصول، و لا يمكن تعديهما كي يحكم بلزوم أحدهما.

نعم، التخيير بمعنى الإباحة الّذي يرجع إلى التخويل في أحد الأمرين لا مانع منه، إلّا انه غير التخيير المصطلح في باب التزاحم.

و اما بناء على الطريقية: فالذي التزم به الشيخ‏ (2)، و صاحب الكفاية (3) هو التوقف و ان اختلفا بحسب الطريق. و لا بد في تحقيق الحال من بيان امرين:

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 439- الطبعة القديمة.

(2) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 439- الطبعة القديمة.

(3) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 439- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

316

الأول: ان التعارض من حيث السند الّذي هو مورد أحكام التعارض انما يتحقق فيما كان الدليلان قطعيي الدلالة أو ظنييها، و لكن لم يمكن التوفيق عرفا بين دلالتيهما، فانه حينئذ يعلم بعدم شمول دليل الحجية لكل منهما، لعدم إمكان الأخذ بهما معا اما مع كونهما ظني الدلالة و أمكن التوفيق بينهما عرفا بحيث يرتفع التنافي الظاهري البدوي، فلا تعارض بينهما لإمكان شمول دليل الحجية لكل منهما بعد الجمع و رفع التنافي.

الثاني: ان الالتزام بالتساقط في مورد المعارضة انما هو لأجل عدم إمكان التخيير، و إلّا فمع إمكانه فلا وجه للالتزام به لأنه في الجملة جمع بين الدليلين فيرتفع التنافي.

و حينئذ فنقول: ان التخيير ..

تارة: يطلق و يراد به التخويل في الفعل و الترك أو في أحد الفعلين و عدم الحرج و المانع من الأخذ بكل منهما، و هو معنى الإباحة.

و أخرى: يطلق و يراد به الوجوب التخييري بمعنى لزوم أحدهما و عدم جواز تركهما معا، بل لا بد من الأخذ بأحدهما. و التخيير الّذي هو محل الكلام هو التخيير بالمعنى الثاني لا الأول.

لأن التخيير بالمعنى الأول انما يكون بعد تساقط الدليلين و الرجوع إلى الأصول، و محل الكلام ما كان قسيما للتساقط و معترضا لوقوعه، و هو المعنى الثاني منه. و هو ..

تارة: يكون في الحكم الفرعي، فيكون تخييرا عمليا في المسألة الفرعية، بمعنى وجوب الإتيان بأحد الفعلين، كالتخيير بين خصال الكفارة.

و أخرى: يكون في المسألة الأصولية، يعني في الدليل على الحكم، فيكون بمعنى وجوب الأخذ بأحد الدليلين. و هو ..

تارة: يكون بين الدليلين على الحكم كالخبرين.

317

و أخرى: بين دليلهما المتكفل للتعبد بهما.

فهو يكون في مقامات ثلاثة.

ثم ان التخيير ثبوتا يتصور على أنحاء ثلاثة:

الأول: تعلق الأمر و الوجوب بكل من الفردين مقيدا بترك الآخر.

الثاني: انه سنخ وجوب متعلق بكل من الفردين مشوب بجواز الترك، كما يختاره صاحب الكفاية في ماهية الوجوب التخييري‏ (1).

الثالث: انه وجوب أحدهما، كما يختاره المحقق النائيني‏ (2).

و الكلام في التخيير في المسألة الفرعية إثباتا انما يكون بناء على الالتزام بأن التخيير هو النحو الأول، لا على الالتزام بأنه على النحوين الآخرين.

و ذلك، لأن الدليلين المتنافيين إما ان يكونا عامين من وجه بحيث يكون التنافي بحسب المجمع، أو يكونا جزئيين دالين على وجوب شيئين.

فان كان عامين من وجه، فالالتزام في موضع التنافي بوجوب أحدهما، أو بوجوب كل منهما، سنخ خاص يستلزم التفكيك في مدلول دليل واحد بالنسبة إلى افراده.

و ان كانا جزئيين، فظاهرهما الدلالة على وجوب كل منهما بخصوصه بالمعنى المعروف للوجوب، فلا يتفق مع كون الواجب أحدهما أو مدلولهما الوجوب بنحو خاص منه، لأنه طرح للدليلين لا جمع بينهما عرفا.

و بعد هذا فاعلم: انه قد يمكن التخيير في المسألة الفرعية، كما لو دل أحد الدليلين على وجوب صلاة الظهر، و الآخر على وجوب صلاة الجمعة. أو دل أحدهما على وجوب شي‏ء و الآخر على حرمة شي‏ء آخر. و علم بعدم جعل كلا الحكمين بخصوصه بنحو الجمع، فانه يمكن إلغاء خصوصية التعيين في كل من‏

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 140- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 182- الطبعة الأولى.

318

الحكمين و جعل وجوبهما تخييريا، بمعنى ان يكون وجوب كل منهما مقيدا بترك الآخر، إذ يمكن ان يكون الأمر في الواقع كذلك، لأنه لا مانع من جعل وجوب الجمعة و الظهر تخييريا. و مع إمكانه فيجمع بين الدليلين بذلك فيرتفع التنافي بينهما و يكون كل منهما مشمولا لدليل الحجية.

نعم، لا بد من تقييد ذلك بما إذا لم يعلم بعدم جعل أحد الحكمين أصلا، بل علم بعدم لزوم الإتيان بهما معا، إذ مع العلم بعدم جعل أحد الحكمين بالمرة، لا يرتفع التنافي و التكاذب بالجمع بالوجوب التخييري بهذا النحو، لأن مقتضاه هو اجتماع الوجوبين لو لم يأت بكل منهما لحصول شرطيهما معا، و هو يتنافى مع عدم جعل أحدهما بالمرة.

اما مع عدم العلم بعدم جعل أحد الحكمين من أساسه، بل كان العلم متعلقا بعد لزوم الإتيان بكل منهما، فهو متعلق بعدم الجمع عملا لا جعلا و تشريعا، فالجمع التخييري يرفع التنافي كما عرفت.

و قد يستشكل: بأن كلا من الدليلين له دلالتان: دلالة مطابقية، و هي دلالته على الوجوب التعييني- و دلالة التزامية، و هي دلالته على نفي أصل وجوب الآخر.

إذ بعد فرض العلم بعدم جعل كلا الحكمين بنحو التعيين، كان الدليل الدال على وجوب أحدهما تعيينا دالا بالالتزام على نفي وجوب الآخر، لأن مقتضى الوجوب التعييني لأحدهما عدم جعل الآخر من رأس. و عليه فالتصرف في المدلول المطابقي لكل منهما بإلغاء خصوصية التعيين، لا يرفع التنافي الحاصل من جهة الدلالة الالتزامية، لعدم تبعيتها للدلالة المطابقية في الحجية و ان تبعتها في الوجود.

و الجواب عن هذا الإشكال: ان الدلالة الالتزامية ..

تارة: تكون عرفية كما لو كان التلازم عرفيا.

و أخرى: تكون غير عرفية، بل عقلية أو اتفاقية كما لو كان التلازم عقليا أو اتفاقيا.

319

و الحجة من الدلالات الالتزامية هي العرفية، لأنها موجبة للظهور العرفي للكلام، دون غير العرفية.

و دلالة كل من الدليلين بالالتزام على نفي وجوب المتعلق الآخر ليست دلالة عرفية، لأن التلازم بين وجوب أحدهما تعيينا، و عدم وجوب الآخر اتفاقي، إذ لا محذور في اجتماع الوجوبين التعيينيين في نفسه، فلا حجية لهذه الدلالة كي توجب التوقف في الجمع بالتخيير، فلاحظ.

و لو لم يمكن التخيير في المسألة الفرعية- كما لو دل أحد الدليلين على الحرمة و الآخر على الوجوب، أو دل أحدهما على إباحة شي‏ء و الآخر على وجوب شي‏ء آخر-، و علم بعدم جعل أحد الحكمين- فانه لا معنى للتخيير اللزومي بين الإباحة و الوجوب و لو في شيئين. أو الحرمة و الوجوب في شي‏ء واحد. أو دل أحد الدليلين على وجوب شي‏ء و الآخر على وجوب آخر أو حرمته، و علم من الخارج بعدم جعل أحد الحكمين من رأس، فانه لا يمكن التخيير بالنحو الأول كما عرفته- فيقع الكلام في إمكان التخيير في المسألة الأصولية، يعنى بين الدليلين في الحجية، بمعنى لزوم العمل بأحدهما و ترتيب الآثار عليه، بحيث يحكم بمؤداه و يعمل بمقتضاه- كما هو المشهور عند تعارض المجتهدين المتساويين في المميّزات في الفتوى- و قد عرفت ان الوجوب التخييري يتصور على أنحاء ثلاثة. فالكلام يقع في إمكان كل نحو من الأنحاء فيما نحن فيه بالنسبة إلى الحجية ثبوتا فتحقيقه: ان التخيير بأنحائه الثلاثة في المسألة الأصولية لا يتصور له معنى معقول.

اما التخيير بمعنى وجوب أحدهما- كما التزم به المحقق النائيني على ما عرفت، بتقريب: ان عنوان أحدهما جامع انتزاعي ينطبق على كل من المتعلقين، فكما يمكن تعلق الحكم بالجامع الحقيقي بين شيئين أو أشياء فيكون التخيير عقليا، كذلك يمكن تعلق الحكم بالجامع الانتزاعي العنواني، و يكون التخيير شرعيا. فملخص الفرق بين التخيير العقلي و الشرعي هو ان الحكم في الأول متعلق بجامع حقيقي. و في الثاني‏

320

متعلق بجامع انتزاعي‏ (1)-، بان يقال: انه كما يلتزم في باب الواجب بهذا الأمر كذلك يلتزم به في باب الحجية، فيقال ان موضوع الحجية هو أحد الدليلين، و هو جامع انتزاعي ينطبق على كل من الدليلين، و هو معنى التخيير الشرعي في باب الحجية و الدليليّة، فلأن الفرق بين المقامين موجود. لأن التخيير في الوجوب في متعلق الحكم الّذي يكون الحكم محركا إليه و باعثا نحوه، و المتعلق لا بد من فرضه غير موجود خارجا حال الحكم، بل يتعلق به الحكم ليحصل الانبعاث نحوه.

فيمكن ان يتعلق الحكم بالطبيعي أو الجامع الانتزاعي، فيوجد بوجود أحد فرديه.

اما الدليلان، فهما موضوعا الحجية لا متعلقا لها. و الموضوع لا بد من فرض وجوده سابقا على الحكم، كنفس المكلف بالنسبة إلى أحكامه. فلو وجد الدليلان فكل منهما ينطبق عليه عنوان: «أحدهما»، فيدور الأمر حينئذ بين ان يكون كلاهما موضوعين للحجية، أو أحدهما المعين. أو أحدهما على البدل.

و كل من الاحتمالات باطل ..

اما الأول: فلأنه خلاف الفرض، لأن الفرض هو التخيير في الحجية لا ان كلا منهما حجة.

و اما الثاني: فلأنه ترجيح بلا مرجح.

و اما الثالث: فلأن أحدهما على البدل لا وجود له خارجا، لأن كل فرد عبارة عن نفسه لا عبارة عنه أو غيره. فالموجود خارجا هو الفرد نفسه لا الفرد أو غيره.

و عليه، فالالتزام بهذا النحو من التخيير مشكل ثبوتا. و لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بإمكانه في عالم الثبوت، ففيه:

أولا: انه لا يجدي في إجراء آثار التخيير المفروضة، و هي صحة الالتزام بمؤدى أحدهما و الحكم و الفتوى بمقتضاه، أو العمل على طبقه بقصد التقرب لو كان متوقفا عليه، و نحو ذلك.

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 184- الطبعة الأولى.

321

و ذلك لأن موضوع الحجية- على الفرض- هو أحدهما، فالجائز ترتيب آثار هذا العنوان فقط. و لا يخفى ان ما يتكفل لإثبات خصوص وجوب الظهر أو الجمعة مثلا هو الفرد بخصوصه لا بما انه أحدهما، فلا يصح الالتزام بما يؤديه الفرد عملا إذ ما قامت عليه الحجة هو الجامع، كالوجوب مثلا. اما خصوصية وجوب الظهر أو غيرها فلم تقم عليه الحجة.

و بالجملة: فالجائز هو ترتيب آثار ما يشترك في بيانه كلا الدليلين، كأصل الوجوب. اما خصوصياته التي يختلف الدليلان في بيانها، فهي ليست من مؤديات الجامع، بل من خصوصيات الافراد، فلا وجه للالتزام بها في مقام العمل لخروجها عن مقتضى الحجية.

و ثانيا: انه لا معنى للتخيير بهذا المعنى في بعض الموارد، كما لو دل أحد الدليلين على الوجوب و الآخر على الحرمة، فانه لا معنى للالتزام بأن الحجة هو الجامع بين الدليلين المذكورين، إذ لا جامع بين مدلوليهما كي يلتزم به مقتضى حجية الجامع، فلاحظ.

و أما التخيير بمعنى سنخ وجوب مشوب بجواز الترك، بأن يقال فيما نحن فيه:

ان الحجية ثابتة لكل من الدليلين لكنها سنخ حجية ضعيفة متوسطة بين الحجية و اللاحجية.

فلأنه- مع قطع النّظر عن عدم تعقل ذلك في نفسه، إذ الكلام فيه يحتاج إلى بسط مقال لا يسعه المجال- يقال: ان المقصود من الحجية أو معناها- بأي معنى كانت من ان المجعول هو المؤدى فيترتب عليه المنجزية و المعذرية، أو الطريقية، أو نفس الحجية- هو ترتب المنجزية و المعذرية على الحجة، فمع اجتماع الدليلين و حجيتهما في أنفسهما بهذا السنخ من الحجية الضعيفة يدور الأمر بين ان تترتب المنجزية على كلا الدليلين مطلقا، أو لا تترتب مطلقا، أو تترتب على تقدير دون آخر.

322

فعلى الأول: يلزم المحذور لاجتماع المنجزين على امرين متضادين ذاتا أو عرضا.

و الثاني: خلف فرض الحجية.

و الثالث: يقع الكلام فيه في النحو الثالث لرجوعه إليه.

و اما التخيير: بمعنى الوجوب المشروط بأن يكون وجوب كل منهما مقيدا بترك الآخر، فالمراد منه في باب الحجية أحد احتمالات ثلاثة:

الأول: ان تكون حجية كل منهما مقيدة بعدم حجية الآخر، و هو باطل لأنه يستلزم ان تكون حجية كل منهما مانعة عن حجية الآخر، فتكون حجيتاهما متمانعتين. فلا يمكن اجتماعهما أصلا، لأن إحداهما تمنع عن الأخرى، فينتفي موضوع التخيير.

الثاني: ان تكون حجية كل منهما مقيدة بعدم العمل على طبق مؤدى الآخر، و هو باطل أيضا، إذ يمكن ان يكون مؤدى أحدهما وجوب الشي‏ء و الآخر حرمته، فمع ترك العمل على طبق الدليل الدال على الحرمة بالإتيان بالفعل، لا معنى لحجية الدال على الفعل و الأمر بالعمل به، إذ لا معنى للأمر بالفعل مع الإتيان به. مع ان هذا الفرض يقتضيه.

الثالث: ان تكون حجية كل منهما مقيدة بعدم الاستناد إلى الآخر، و هو فاسد، لاستلزامه شمول الحجية لكل منهما، مع عدم الاستناد إلى كل منهما، لحصول شرط حجية كل منهما، فيرجع التنافي.

و هذا المحذور يتأتى في الفرض الثاني أيضا، إذ مع ترك العمل بمؤدى كل منهما يكون دليل الحجية شاملا لكل منهما، فيرجع المحذور لحصول التنافي.

و المتحصل: ان التخيير في باب الحجية بأنحائه الثلاثة في باب الأحكام لا يتصور له معنى معقول، فتدبر جيدا.

نعم، هناك نحو آخر يتصور ثبوتا للتخيير في مقام الحجية، و هو ان تكون‏

323

حجية كل منهما مقيدة بالبناء على الالتزام بمؤداه، فمع عدم البناء على الالتزام بمقتضاه لا يكون مشمولا للحجية.

و هذا معنى معقول ثبوتا فيمكن ان يحمل عليه ما ورد من أدلة التخيير بين الدليلين في بعض الموارد، بلا حاجة إلى تكلف تأويل له بالحمل على التخيير في المسألة الفرعية، كما هو الحال لو لم يثبت تعقل التخيير في المسألة الأصولية.

إلّا ان هذا النحو لا يجدي فيما نحن فيه، إذ لا يرفع التنافي بين الدليلين عرفا- كما في التخيير في المسألة الفرعية-، إذ لا يستلزم التصرف بمؤدى كل منهما بنحو يرتفع التنافي، بل كل باق على مؤداه، فلا وجه للالتزام به في المورد الّذي نحن فيه.

و مع عدم تعقل تلك الأنحاء ثبوتا، و عدم إمكان الالتزام بهذا النحو إثباتا، فلا محيص عن الالتزام بأحد الاحتمالات الأخرى، من التساقط أو التوقف أو غيرهما.

و قد عرفت ان الشيخ التزم بالتوقف و تساقط الدليلين في الدلالة المطابقية لهما و بقائهما على الحجية في نفي الثالث- و هو معنى التوقف- و بنتيجة ذلك التزم صاحب الكفاية (قدس سره) إلّا انه بغير الطريق الّذي سلكه الشيخ، بل ذهب إلى ان الدليلين لا يتساقطان، بل يسقط أحدهما عن الحجية و يبقى الآخر تحت دليل الحجية، غاية الأمر انه لا تترتب آثار العلم الإجمالي على ذلك- كما في مسألة اشتباه الحجة باللاحجة- بل هما بالنسبة إلى الدلالة المطابقية كالمتساقطين، نعم، يظهر الأثر في شي‏ء آخر أجنبي عن محل الكلام و هو نفي الثالث.

و بيان ذلك [1]: ان دليل الحجية لا يشمل ما يعلم كذبه من الأدلة كما لا يخفى.

____________

[1] قد يبدو الالتزام بسقوط أحدهما و بقاء أحدهما- بهذا المقدار من العنوان- مشكلا، لكن القوم يلتزمون بنظيره في بعض الموارد:

فمن ذلك: مورد تعلق الأمر بفردين من طبيعة واحدة بلا ان يكون لأحدهما خصوصية يمتاز بها على الآخر، كموارد قضاء الصوم إذا كان الفائت يومين- مثلا- و موارد الدين الثابت في الذّمّة كدينارين. فانه يلتزم فيما إذا أتى المكلّف بأحد الفردين بلا تعيين سقوط أحد الأمرين‏

324

...........

____________

- و بقاء الآخر بلا تعيين الساقط و الباقي منهما، فلو أعطاه دينارا بعنوان الوفاء التزم ببقاء دينار في الذّمّة بلا تعيين كونه أي الدينارين.

و من ذلك: مورد الاضطرار إلى أحد أطراف العلم الإجمالي لا بعينه، بناء على الالتزام بالتوسط في التنجيز- كما عليه الشيخ «ره»- فانه يلتزم بوجوب الاجتناب عن أحدهما بلا تعيينه، لكون الاضطرار إلى أحدهما بلا تعيين.

ثم ان الالتزام ببقاء أحدهما على الحجية بنحو لا يترتب عليه أثر إحدى الخصوصيّتين، لا بد و ان يوجّه بكون موضوع الحجية هو العنوان الانتزاعي الجامع بين الخبرين- و هو عنوان أحدهما- و ليس المراد به أحدهما المعين في الواقع، لأنه مضافا إلى كونه ترجيحا بلا مرجح، يترتب عليه آثار العلم الإجمالي، و هو مما لا يقصده صاحب الكفاية، كما انه ليس المراد به أحدهما المردد كي يرد عليه انه لا خارجية له، بل المراد به ما عرفت من أحدهما الجامع بين الخبرين، و لأجل ذلك لا يثبت به سوى الجامع بين المدلولين.

و قد عرفت ان لمثل هذا نظائر، كمثال الدين و الاضطرار.

و هذه الموارد تختلف، فتارة: يترتب على بقاء أحدهما أثر الفرد الخاصّ، كما في موارد الأمر المتعدد كالدين.

و أخرى: لا يترتب عليه أي أثر كأخبار خمسة متعارضة في الدلالة على الأحكام الخمسة.

و ثالثة: يترتب عليه أثر الجامع، كما لو لم يكن تعارض الخبرين في الوجوب و الحرمة.

هذا غاية ما يمكن توجيه كلام الكفاية به، و به تندفع بعض الإيرادات عليه.

و لكن يرد عليه:

أولا: انا لم نلتزم في محله- (يلاحظ مبحث النية من كتاب الصوم)- بأساس هذا الالتزام، و بيّنا عدم معقولية سقوط أحد الأمرين و بقاء الآخر، و انما يسقط الأمران معا و يحدث امر آخر ناش من غرض واحد.

و هذا لا يتأتى في ما نحن فيه، فإنا إذا التزمنا بسقوط كلا الخبرين عن الحجية، فأي مقتض لحدوث حكم جديد يتعلق بأحدهما؟

و ثانيا: مع عدم تعقل ما ذكر، ان ثبوت الجامع بين المدلولين ..

ان كان بأحدهما الانتزاعي، فهو ليس فردا خارجيا غير الفردين الساقطين عن الحجية، فمقام الإثبات قاصر عن شموله.

و لعله إلى ذلك يرجع إشكال الشيخ على التخيير: بأن أحدهما ليس فردا ثالثا كي يشمله دليل الحجية الثابت لافراد الخبر.

325

و حيث ان أحد الدليلين معلوم الكذب كان خارجا عن دليل الحجية بلا كلام.

و اما الآخر، فهو محتمل الإصابة و غير معلوم المخالفة للواقع فيبقى مشمولا لدليل الحجية.

و بما ان خروج أحدهما عن الحجية و بقاء الآخر ليس إلّا بعنوان أحدهما لا أكثر، إذ لا تعين للمعلوم بالإجمال ظاهرا في الواقع بحيث لو انكشف كان الآخر غير معلوم الكذب و كان هو معلومه، فكل واحد منهما ليس بمعلوم الكذب واقعا دون الآخر، فالمعلوم كذبه لا تعين له الا بهذا المقدار- أعني: أحدهما- و مثله غير معلومه، فالحجة و غير الحجة هو أحدهما بلا عنوان.

بذلك خرج المورد عن اشتباه مورد الحجة باللاحجة- كاشتباه خبر العادل بخبر الفاسق- إذ المعلوم بالإجمال في ذاك المورد له تعين في الواقع يمتاز به عن غيره، بحيث إذا انكشف كان هو دون غيره، كخبر زيد مثلا، فكانت إحدى الخصوصيّتين اللتين يتكفل الدليلان بيانهما ثابتة في الواقع و منجزة للعلم بها إجمالا، فلا بد من الاحتياط- في مورده- و هذا بخلاف ما نحن فيه، لأن الحجة ليس إلّا الخبر بعنوان أحدهما، فكلتا الخصوصيّتين لا منجز عليهما كي يتعين الاحتياط، لأن كلا منهما غير معلوم الحجية بعنوانه الّذي يكون متعلق العلم الإجمالي.

نعم، يترتب على الخبر الّذي يكون حجة واقعا نفي الثالث. فنفي الثالث يكون بأحدهما بلا عنوان، لا بكليهما، لأن أحدهما ساقط عن الحجية.

و بهذا يتفق مع الشيخ في النتيجة (1).

و للنظر فيما أفاده مجال من وجوه:

____________

- و ان كان بكلا الخبرين، فهو راجع إلى حجيتهما معا، و هو خلاف مدعاه من سقوط أحدهما عن الحجية.

هذا مع ان الجامع مدلول ضمني للخبرين، و الأخذ بالمدلول التضمني مع سقوط المطابقي عن الحجية لا وجه له للتلازم بينهما في الحجية، فتدبر جيدا.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 439- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

326

الأول: ان شرط الحجية هو احتمال الإصابة، و هو متحقق في كل من الدليلين في نفسه، فكل منهما بنفسه يشتمل على شرط الحجية فيكون موضوعا للحجية، فلا وجه للالتزام بخروج أحدهما عن الحجية بالعلم الإجمالي، إذ العلم الإجمالي لا يكفى في رفع الموضوع بعد تحقق الشرط في كل منهما في حد ذاته.

الثاني: انه لو سلمنا خروج أحدهما عن الحجية و بقاء أحدهما على الحجية، فكون أحدهما على البدل و بلا عنوان موضوعا للحجية غير وجيه، إذ لا تعين ل:

«أحدهما على سبيل البدل» في الواقع و لا وجود له كي يكون قابلا لشمول الحجية له- كما تقدم- الثالث: انه لو سلمنا بإمكان تصور الفرد على البدل، إلّا ان إثبات حجيته يحتاج إلى دليل آخر يتكفل ذلك، لأن دليل الحجية يتكفل إثبات الحجية لكل فرد بخصوصه، فهو قاصر عن شمول الواحد على سبيل البدل، فلاحظ.

و على كل، فهل الوجه هو التساقط مطلقا، أو الاحتياط، أو التوقف؟

اما الاحتياط فلا أصل له الا رواية (1) مخدوش في سندها و راويها حتى ممّن يتساهل في العمل بالأخبار- كصاحب الحدائق- و اما التوقف في العمل الّذي يرجع إلى الاحتياط بملاك أدلته المذكورة في مورد البراءة فكالأول، لاختصاص رواياتها بموارد ليس ما نحن فيه منها.

فالمتعين هو التوقف، بمعنى نفي الثالث، كما التزم بها الشيخ، لما تحقق في محله‏ (2) من عدم تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجية في مثل ما نحن فيه، مما لم يعلم بانتفاء المدلول المطابقي واقعا بل يحتمل ثبوته، و حيث ان الدليلين متصادمان في دلالتهما الالتزامية عن الحجية لخروجهما عن مورد المعارضة، فكل من الدليلين ينفي الثالث بالالتزام. و منه يظهر منع الالتزام بالتساقط مطلقا.

____________

(1) هي مرفوعة زرارة، المروية في غوالي اللئالي 4- 133، حديث: 229.

(2) راجع الكلام في ذلك في مبحث اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده.

327

ثم انه لا يخفى ان الأصل المذكور غير ذي أثر عملي بالنسبة إلى الخبرين المتعارضين لأنهما مورد الاخبار العلاجية، فهما خارجان عن الأصل كيف كان، فلاحظ.

تذييل‏

: هل الجمع مهما أمكن أولى بحيث انه مع إمكانه و لو بضرب من التأويل لا يرجع إلى الأصول الأولي و لا الأصل الثانوي- و هو مفاد الاخبار العلاجية-؟

وقع الكلام في ذلك، و قد أطنب في الكلام عن هذه القاعدة بعض‏ (1). و غاية ما يمكن الاستدلال به على هذه الدعوى وجهان:

الأول: ان دليل الاعتبار و الحجية يتكفل لزوم العمل بالدليل الا في فرض لزوم محذور عقلي في العمل به، فإذا أمكن العمل بنحو يرتفع المحذور العقلي كان مقتضى دليل الحجية لزوم العمل به.

و عليه، فبما ان كلا من الدليلين موضوع للحجية، فدليلها يتكفل لزوم العمل بهما بالمقدار الّذي لا يلزم منه المحذور العقلي، فإذا أمكن تأويلهما بنحو يرتفع بينهما التنافي الظاهر المانع عن العمل بهما عقلا فهو المتعين، لأنه مقتضى دليل الاعتبار.

الثاني: انه كما يرتكب التأويل في مقطوعي الصدور لرفع التنافي بينهما، كذلك مقتضى دليل الحجية ذلك في مظنوني الصدور، لأنه يتكفل الإلزام بمعاملتهما معاملة مقطوعي الصدور، فيترتب عليهما آثار المقطوعين صدورا.

و قد أنكر الشيخ (رحمه الله) هذين الدليلين، باعتبار اختلاف المورد الّذي نحن فيه عن مورد القاعدة بأدلتها المذكورة.

ببيان: ان الأمر فيما نحن فيه يدور بين الالتزام بدليل حجية الظهور و الالتزام بدليل حجية السند. و ذلك فان كلا من الخبرين موضوع لدليلين:

أحدهما: دليل حجية السند و اعتباره.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 433- الطبعة القديمة.

328

و الآخر: دليل اعتبار الظهور و حجيته.

و القدر المشترك بين الالتزام بالقاعدة و الالتزام بالأخبار العلاجية هو الأخذ بدليل اعتبار السند و تصديق الخبر في أحدهما. و يبقى الأمر بعد هذا دائرا بين العمل بدليل اعتبار الظهور في هذا الخبر أو طرحه و العمل بدليل اعتبار السند للخبر الآخر، فالمورد خارج عن مورد القاعدة، لأنها تبتني على ثبوت الاعتبار، كي يقال بأن مقتضاه لزوم العمل بالمقدار الممكن، و هذا في ما نحن فيه محل الإشكال و الكلام.

و منه يظهر: انه لا وجه لقياس المقام بالدليلين القطعيي الصدور، لثبوت دليلي اعتبار السند في كل منهما و يبقى دليلا اعتبار الظهور متعارضين، فيجمع بينهما بالمقدار الممكن الرافع للتنافي و يؤخذ بالدليلين بالنحو الميسور.

و على هذا فلا دليل على هذه القاعدة، بل الدليل على خلافها و هو الاخبار العلاجية، إذ بالالتزام بهذه القاعدة لا يبقى مورد لهذه الاخبار الا ما شذ، فتكون لغوا.

و قد يستشكل: بأنه قد تقدم انه لو ورد دليلان يدلان على وجوب شيئين مع العلم بعدم وجوبهما تعيينا يتصرف فيهما بتقييد إطلاق كل منهما الدال على التعيين بترك العمل بمتعلق الآخر، فيكون وجوبهما تخييريا، و به يرتفع التنافي و يكون كلا الدليلين مشمولين لدليل الحجية. فكما يرفع التنافي هناك بالتقييد فليرفع فيما نحن فيه به أيضا فيحمل- مثلا-: «ثمن العذرة سحت» (1)، على عذرة الإنسان، و يحمل: «لا بأس ببيع العذرة» (2) على عذرة غيره، فيرتفع التنافي فيكون دليل الحجية شاملا لكلا الدليلين.

و الجواب: ان بين المقامين فرقا فارقا، فان المورد السابق لما كان التنافي فيه بحسب بعض المدلول- و هو التعيينية- التزم برفع اليد عن ذلك البعض في كلا

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 126 باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة 12- 126 باب 40 من أبواب ما يكتسب به، حديث: 2 و 3.

329

الدليلين بالتقييد الّذي هو حقيقة الوجوب التخييري، فيبقى الباقي- و هو أصل الوجوب- مطابقا للمتفاهم العرفي للدليل، إذ هو بعض المدلول لا انه غيره.

بخلاف هذا المورد، فان التنافي في كل المدلول و مجموعه كما لا يخفى، و ليس هناك مورد يفترق فيه أحد الدليلين عن الآخر، فالالتزام برفع اليد عن مورد التنافي التزام بتساقط الدليلين. و الالتزام بالنحو المذكور من التقييد التزام بجمع تبرعي لا يتفق مع التفاهم العرفي للكلام فيحتاج إلى الدليل.

و المحصل: ان الجمع بين الدليل إذا لم يكن عرفيا موافقا لمتفاهم الكلام بحيث يكون للكلام ظهور فيه- و ان لم يكن بدويا- فلا دليل عليه.

ثم انه قد تقدم [1] ذكر بعض موارد الجمع العرفي، و كان منها تقديم الأظهر على الظاهر.

و لكن تشخيص الأظهر على الظاهر قد يشكل باعتبار اختلاف الإفهام.

و قد ذكر الاعلام بعض الموارد شخصوا فيها ذلك و جعلوها مطردة في جميع مصاديقها:

فمنها: لو اجتمع المطلق الشمولي و المطلق البدلي و كانا متنافيين، مثل «أكرم‏

____________

[1] لا بأس قبل التعرض إلى تحقيق بعض صغريات الجمع العرفي من التنبيه على امر، و هو: ان الاخبار العلاجية لو تمت بأي نحو من أنحائها من تخيير أو ترجيح، هل تشمل موارد الجمع العرفي، كموارد العام و الخاصّ و المطلق و المقيد، أو لا تشمل تلك الموارد، بل تختص بموارد التعارض المستحكم عرفا بين الدليلين؟

و قد تعرض صاحب الكفاية إلى ذلك و بيّن وجه الشمول كما بيّن دفعه.

و تحقيق ذلك بإجمال: انه لا يمكن فرض كون هذه الاخبار العلاجية رادعة عن السيرة المستمرة على تقديم النص على الظاهر في الموارد الثابتة فيها، و ذلك للعلم بصدور المخصصات للعمومات و المقيدات للمطلقات من قبل الشارع قبل صدور الاخبار العلاجية، و من الواضح ان صدورها يكون لغوا لو فرض عدم إقرار الشارع لطريقة العقلاء القائمة على الجمع بينهما، إذ بناء العرف عند صدورها و قبل ورود الرادع على الجمع العرفي، و المفروض ان الشارع لا يقرّ ذلك فيكون صدورها لغوا، إذ لا يترتب عليه المقصود، فتدبر.

330

عالما» و: «لا تكرم الفاسق» فانه ادعي أظهرية الأول من الثاني.

و قد قرب المحقق النائيني (قدس سره) ذلك بوجهين:

الأول: انه مع الالتزام بالإطلاق الشمولي في مورد الاجتماع و التنافي لا يلزم التصرف بالإطلاق البدلي، فان مفاد الإطلاق البدلي ثبوت الحكم إلى أحد الافراد، فإخراج بعض الافراد عنه لا يوجب التصرف بمدلوله المذكور، فان الحكم ثابت لأحد الافراد كما لا يخفى. نعم، يوجب تضييق دائرة متعلقه.

و الالتزام بمدلول الإطلاق الشمولي، لأن مدلوله ثبوت الحكم لكل فرد فرد، فرفع اليد عن الحكم في بعض الافراد يستلزم التصرف في مدلوله فالتنافي من جهة الإطلاق الشمولي يرجع إلى مدلول الكلام. و من جهة الإطلاق البدلي ليس كذلك.

فيتعين رفع اليد عن الإطلاق البدلي، لأنه ليس فيه رفع لليد عن مدلول الكلام و تصرف في ظاهر الدليل.

الثاني: ان عموم المطلق البدلي لجميع افراده باعتبار حكم العقل بتساوي الافراد و عدم المميز لأحدها على الآخر. و مع وجود الإطلاق الشمولي يرتفع حكم العقل المذكور، إذ مقتضاه وجود الميزة لهذا الفرد، فيخرج عن دائرة المطلق البدلي، فتكون نسبة الإطلاق الشمولي إلى البدلي نسبة الوارد إلى المورود، كما لا يخفى‏ (1).

و قد أورد على الأول:

أولا: بأنه وجه استحساني لا عبرة به في الترجيح في باب الألفاظ في مقام التفهيم، و لا يقوم دليلا على تعيين مراد المتكلم و حجة عليه يستند إليه في مقام الفتوى و استنباط المسألة الأصولية، فان شأن الأصولي إيصال دليله إلى العلم أو العلمي، و ليس الوجه موجبا للعلم كما انه لا دليل على ثبوته و الالتزام به شرعا و لو بتوسط سيرة العقلاء، فلاحظ.

و ثانيا: بان كل إطلاق بدلي يشتمل على إطلاق شمولي، و هو جواز التطبيق‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 519- الطبعة الأولى.

331

بالنسبة إلى كل فرد، فيحصل التعارض بينهما. فيلزم من تقدم الإطلاق الشمولي التصرف في مدلول الإطلاق البدلي بلحاظ اشتماله على الشمولية.

و على الثاني: بأن حكم العقل بتساوي الافراد لم يكن مأخوذا في موضوع الإطلاق البدلي كي يكون الدليل الشمولي الدال على المزية رافعا لموضوعه و واردا عليه، بل هو مستفاد من نفس الإطلاق و مقدمات الحكمة الجارية فيه فلا تكون نسبة الإطلاق الشمولي إليه نسبة الوارد إلى المورود (1).

هذا، و لكن يمكن توجيه كلام المحقق النائيني بنحو لا يتوجه عليه أي إيراد، و يتضح ذلك ببيان أمور ثلاثة:

الأول: ان ظهور المطلق في الإطلاق لما كان بمقدمات الحكمة فيقدم عليه كل ما «يصادم الإطلاق خ ل» يصلح للدلالة على التقييد لفظيا كان أم عقليا، و ذلك:

اما لانهدام الإطلاق بورود ما يصلح للمقيدية- لو قلنا بجريان مقدمات الحكمة في المراد الجدي- لانتفاء إحدى مقدمات انعقاده و هي عدم البيان، لأن المراد به على هذا عدم البيان إلى الأبد، و قد انتفى بالدليل على الشمول.

أو لأجل قيام الحجة الأقوى ظهورا على خلافه مع بقائه على إطلاقه- لو قيل بجريانها في المراد الاستعمالي، إذ عليه لا يكون المقيد المنفصل رافعا للإطلاق- و هذا واضح لا غبار عليه و قد تقدم بيانه مفصلا.

الثاني: ان استفادة البدلية و الشمولية انما هي بقرينة خارجية و ليست من نفس مدلول الكلام، إذ المطلق بمقدمات الحكمة لا يدل إلّا على نفس الطبيعة مجردة عن كل قيد و وصف.

اما إرادة الطبيعة كذلك الموجودة بوجود أحد افرادها- كما هو مقتضى البدلية- أو جميعها- كما هو مقتضى الشمول- فذلك يعلم من دليل آخر خارجي.

كما استفيدت البدلية من: أَقِيمُوا الصَّلاةَ* لعدم إمكان الجمع بين جميع‏

____________

(1) الفياض محمد إسحاق. محاضرات في أصول الفقه 2- 334- الطبعة الأولى.

332

الوجودات فلا يصح الأمر بها و استفيدت الشمولية من: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ للغوية تعلق الحلية ببيع واحد من جميع البيوع كلها.

الثالث: [1]- و هو عمدة الأمور- ان التنافي في الإطلاق البدلي و الشمولي انما هو بين نفس الشمولية و الإطلاق، فان دلالة الإطلاق في المطلق البدلي على الطبيعة من دون أي قيد ينافيه شمول الإطلاق الآخر لبعض الافراد. و إلّا فبين الإطلاقين لا يوجد أي تناف. و يدلّ على ذلك انه لو كان كلا الإطلاقين بدليين لم يكن هناك أي تناف نظير: «أكرم عالما» و: «لا تكرم فاسقا».

و هذا كاشف عن انه لا تنافي بين الإطلاقين بما هما بل من ناحية أخرى. كما

____________

[1] هذا ما بنينا عليه سابقا، لكن الإنصاف حصول التنافي بين الإطلاقين بحيث لا يمكن اجتماعهما و إرادتهما في آن واحد.

نعم، منشأ التنافي هو إرادة الشمول في أحد الإطلاقين، و لكن ليس نتيجة ذلك حصول التنافي بين الشمولية و الإطلاق الآخر، بل نتيجته حصول التنافي بين الإطلاقين، نظير التنافي الحاصل بين الإطلاقين الناشئ من تنافي الحكمين، بحيث لو لم يكن الحكمان متنافيين لم يكن تناف بين الإطلاقين بتاتا، فالتفت.

هذا و لكن الإنصاف ان تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي مما عليه السيرة العرفية، و أمر ثابت لا يقبل الإنكار، و لذا لا نجد أحدا يتوقف في تقديم دليل: «لا تغصب» على دليل وجوب الصلاة بناء على امتناع اجتماع الأمر و النهي.

و لعل السر في هذا الأمر المسلم هو عدم التضاد بين هذين الحكمين فلا منافاة بين الدليلين.

اما بناء على عدم التضاد بين الأحكام الا في مرحلة الامتثال فواضح، إذ يمكن امتثال هذين الحكمين بلا تزاحم و لا تناف بينهما، فلا مانع من الالتزام بكلا الإطلاقين، غاية الأمر يحكم العقل بلزوم اختيار الفرد غير المحرم في مقام امتثال الأمر جمعا بين الامتثالين.

و اما بناء على التضاد بين الأحكام في أنفسها، فلأن دليل التضاد لا إطلاق له حتى يشمل هذه الصورة، بل ملاك التضاد بين الأحكام في أنفسهما، فلأن دليل التضاد لا إطلاق له حتى يشمل هذه الصورة، بل ملاك التضاد المذكور في محله لا يشمل ما نحن فيه، لتعلق الأمر بالطبيعة على نحو البدلية و تلعق النهي بكل فرد، فلا مجمع للحكمين.

و لو سلم التضاد أمكن ان يعالج بملاحظة مرجحات باب التزاحم، فيقدم دليل الإطلاق الشمولي، لأنه مقدم على الإطلاق البدلي في مقام التزاحم، لإمكان امتثال البدلي في غير الفرد المحرم، فتدبر.

333

أنه ليس التنافي بين شمولية أحد الإطلاقين و بدلية الآخر، لما عرفت من ان الالتزام بالشمول لا يوجب التصرف في البدلية، بل التصرف في متعلقها و هو الطبيعة المرسلة، و لذا يرتفع التنافي بمجرد تقييد الطبيعة مع المحافظة على أصل البدلية و كون الموضوع أحد الافراد، فالتنافي انما هو بين الشمول و الإطلاق، و الشمولية هي الموجبة لحصول التنافي.

إذا عرفت ذلك يتضح الوجه في تقدم المطلق الشمولي على البدلي، لأن دلالة الإطلاق البدلي على الشمولي بمقدمات الحكمة.

و قد عرفت- بالمقدمة الأولى- انها انما تقتضي الشمول و العموم مع عدم الدليل أو ما يصلح للدليلية على الخلاف.

و عرفت- بالمقدمة الثانية- ان الشمولية التي هي منشأ التنافي و التصادم- كما هو مقتضى المقدمة الثالثة- تعلم بقرينة خارجية و دليل أجنبي عن مدلول الكلام.

و هو صالح لتقييد الإطلاق البدلي، فيكون متقدما عليه لا محالة، اما لانهدام الإطلاق البدلي أو لقيام الحجة الأقوى على خلافه.

و يمكن استظهار هذا من كلامه (قدس سره) بما أفاده من: انه بتقديم الإطلاق الشمولي لا يتصرف في البدلي، فانه ظاهر في ان البدلية ليست محل التنافي، فتقديم الشمولية لا يوجب التصرف فيها، فلاحظ.

و بهذا لا وجه حينئذ للإيراد عليه بأنه وجه استحساني، أو ان الإطلاق الشمولي معارض بإطلاق شمولي آخر.

إذ قد عرفت ان تقدمه عليه ليس لمحض الاستحسان، بل لانهدام إطلاقه أو عدم شمول دليل الحجية له.

كما ان الإطلاق الشمولي الآخر ثابت من مقدمات الحكمة بالدلالة الالتزامية، و هي منهدمة أو معارضة بما هو أقوى منها دلالة. و هي القرينة العقلية على الشمول.

334

و المتحصل: انه لا مانع من الالتزام بأظهرية الإطلاق الشمولي من الإطلاق البدلي و تقدمه عليه مطلقا، بل لا بد من الالتزام به مطردا، فتدبر جيدا فيما ذكرناه فانه لا يخلو عن دقة.

و منها: ما لو تعارض العام مع المطلق الشمولي، فقد ذكر: ان العام مقدم على المطلق بتقريب، ان ظهور العام في العموم لما كان بالوضع كان تنجيزيا. بخلاف ظهور المطلق في الإطلاق فانه معلق على تمامية مقدمات الحكمة التي منها عدم البيان، و مع صلاحية العام للبيانية تنتفي هذه المقدمة فينهدم الإطلاق من أساسه و يتقدم العام عليه‏ (1).

و قد أورد عليه صاحب الكفاية: بان عدم البيان المأخوذ في مقدمات الحكمة انما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا مطلقا. لفرض كونه في مقام بيان المراد الاستعمالي لا الواقعي- و العام ليس بيانا في مقام التخاطب لانفصاله عن المطلق، فيكون ظهور المطلق في الإطلاق تاما فيتعارض الظهوران، فلا بد في ترجيح أحدهما على الآخر من ملاحظة خصوصيات كل منهما بحسب الموارد، و لا يمكن الجزم و الحكم بتقدم أحدهما على الآخر بقول مطلق‏ (2).

و قد اختار المحقق النائيني‏ (3) تقدم العام على المطلق و لم يتعرض مقررو بحثه إلى بيان السر في ذلك بعد إشكال الكفاية.

و السر فيه ما عرفته سابقا من اختياره كون مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الجدي الواقعي، و هذا يقتضي كون ورود ما يصلح للبيانية- و لو كان منفصلا- هادما للإطلاق لارتفاع مقدمات انعقاده.

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 457- الطبعة القديمة.

(2) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 450- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(3) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 729- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

335

فالذي ينبغي ان يقال [1]: انه لا بد من التفصيل على البناءين في مجرى‏

____________

[1] تحقيق الكلام: ان تقديم المقيد على المطلق قد عرفت انه من باب كشف المقيد عن عدم كون المتكلم في مقام البيان، الّذي هو الأساس في ثبوت الإطلاق، و عرفت انه يخلّ بالمراد الاستعمالي.

و هذا انما يتم في مورد يمكن ان يلتزم بذلك- أعني: عدم كونه في مقام البيان، اما ما لا يمكن الالتزام به- كما لو كان الموضوع المقيد موضوع السؤال في المطلق، أو كان الإطلاق واردا لبيان حكم عمل المكلف بحيث لا يتصور انه يسمع التقييد بعد ذلك- كما أشرنا إليه في مبحث المطلق و المقيد فراجع- فلا يقدم المقيد على المطلق، بل يحصل التعارض بينهما.

و الكلام فيما نحن فيه انما هو في غير هاتين الصورتين، بل في مورد لو كان بدل العام دليلا مقيدا لقيد المطلق، فيتكلم في ان العام هل يؤدي مهمة الدليل المقيد فيقيد به المطلق و يكون كاشفا عن عدم كونه في مقام البيان، أو ليس له هذه المهمة؟

و التحقيق: ان تقديم العام على المطلق يتوقف على الالتزام بأن دلالة العام على العموم وضعية بواسطة الأداة لا إطلاقية بواسطة مقدمات الحكمة، و كون دلالة الأداة تتبع إطلاق المدخول.

فانه على الأول يصلح العام لأن يكون كاشفا عن عدم كون المتكلم في مقام البيان، فيتصرف في المطلق و لا يصلح المطلق للتصرف في العموم، لأن دلالة العام غير منوطة بمقدمات الحكمة بل هي بالوضع.

و اما على الثاني، فلا يصلح العام للتصرف في المطلق، لأنه يتوقف على مقدمات الحكمة، فيكون المورد من موارد تعارض الإطلاقين.

و البحث في كون العموم في العام هو مدلول الأداة أو انه مقتضى مقدمات الحكمة، و الأداة لا تتكفل الا بيان خصوصية العموم من استغراقية أو بدلية، قد أشرنا إليه في مبحث العام و الخاصّ، و قد قربنا الثاني، و نزيد هنا توضيحا لما تقدم.

أولا: ان مدخول الأداة قد لا يكون في بعض الأحيان مما له عموم افرادي، بحيث يكون له افراد متعددة، كقول القائل: «سهوت في كل الصلاة» أو: «وقع كل الصلاة في النجس»، فان الصلاة هنا ليس لها افراد متعددة يقصد بيان إرادتها بواسطة: «كل»، بل لا يقصد إلّا بيان استغراق حالة السهو لجميع حالات و آنات الصلاة، فهي لا تفيد سوى الاستغراق، و الالتزام بتعدد المعنى لها غير صحيح، لأن الملحوظ انها تستعمل في مثل: «أكرم كل عالم»، و مثل المثال السابق في معنى واحد، لا معنيين.

و ثانيا: ان مدلول قول المولى: «أكرم كل عالم» إذا حلّلناه نجده بمعنى: «أكرم كل فرد من افراد

336

مقدمات الحكمة.

فعلى البناء على كون مجراها هو المراد الجدي- كما عليه النائيني- يكون العام مقدما على المطلق بلا كلام، لأنه رافع لمقدماته فيختل الإطلاق- لكن الأمر الّذي لم يعلم وجهه هو التزام المحقق النائيني بذلك مع التزامه بأن دلالة العام على العموم بالإطلاق لا بالوضع، إذ يكون التعارض على هذا بين الإطلاقين- و على البناء على كون مجراها هو المراد الاستعمالي- كما عليه الآخوند- لا وجه لتقدم العام على المطلق، لانعقاد ظهور المطلق في الإطلاق قبل ورود العام، لتمامية مقدمات الحكمة، فتكون المعارضة بين شمول كل منهما و إطلاق الآخر فترجع المعارضة إلى الشمولين.

و كون شمول العام بالوضع و شمول المطلق بالقرينة العقلية، لا يوجب تقدم العام على المطلق، إذ لم يعلم أقوائيتها من الدلالة العقلية.

نعم، لو كان الشمول في المراد الجدي- بمعنى ان مقتضى المقدمات العقلية هو العموم في المراد الجدي- كان العام مقدما عليه، لأن ملاك الشمول في الإطلاق هو تساوي الإقدام و عدم الميزة لبعض الافراد على بعض، فيكون تخصيص بعضها

____________

- العالم»، و هنا يصح ان يسأل ان المراد بالعالم خصوص الفقيه أو الأعم، و هذا يكشف عن عدم إفادة لفظ: «كل» التعميم من حيث أنواع العالم، فلا بد من دليل آخر يدل على التوسعة، و هو ليس إلّا مقدمات الحكمة.

ثالثا: انه لو فرض كون الدلالة على العموم بواسطة الأداة، لأشكل الأمر في تقديم الخاصّ على العام، بل كانا متعارضين، بناء على ما عرفت من ان دلالة اللفظ على المعنى دلالة قطعية، فلا وجه حينئذ لتقديم الخاصّ على العام الّذي هو مبنى السيرة العقلائية العرفية. و وجه ذلك منحصر بالالتزام بكون دلالة الأداة على العموم يتبع سعة المدخول المستفاد من جريان مقدمات الحكمة فيه.

و بالجملة: فلفظ: «كل» يفيد شمول الحكم لجميع الأفراد، في قبال العموم البدلي الّذي لا يكون الحكم متعلقا الا بفرد على البدل، اما تعلق الحكم بكل فرد فرد أو بالمجموع، فهو خارج عن مفاد لفظة: «كل»، بل يستفاد من قرائن أخرى، فتدبر.

337

بالحكم ترجيحا بلا مرجح، و مع ورود العام يخرج بعض الافراد لوجود المقيد، و لا يجري هذا في العام لكون دلالته بالوضع لا بهذا الملاك، فالتفت.

و منها: ما لو تعارض مفهوم الشرط مع مفهوم الغاية. فقد التزم المحقق النائيني بتقدم الثاني على الأول، لأن دلالة الكلام على مفهوم الغاية بالوضع و دلالته على مفهوم الشرط بالإطلاق، و هو متوقف على تمامية المقدمات المختلفة بورود ما يصلح للتقييد (1).

و الكلام فيه كبرويا، ما عرفت من التفصيل بين البناءين في مجرى مقدمات الحكمة.

و صغرويا، ما تقدم منه (قدس سره) في محله من: ان دلالة الكلام المغيا على المفهوم بالإطلاق لا بالوضع، بعين ما ثبت في مفهوم الشرط، فليراجع.

و منها [1]: ما لو دار الأمر بين التخصيص و النسخ. كما لو ورد خاص أولا ثم ورد بعد حضور وقت العمل به عام، و دار الأمر بين تخصيص العام بالخاص و نسخ الخاصّ بالعامّ.

أو ورد عام أولا ثم ورد بعد حضور وقت العمل به خاص و دار امره بين ان يكون ناسخا للعام- بمعنى انه رافع لحكم العام من حين وروده لا من أول ورود العام- أو مخصصا له- بمعنى انه كاشف عن عدم إرادة الخاصّ من العام أولا- و لا ثمرة في هذا القسم، إذ لا إشكال في ارتفاع حكم العام عند ورود الخاصّ، سواء كان مخصصا أو ناسخا.

نعم، تظهر الثمرة فيما لو كان أثر عملي لثبوت حكم العام في المدة بين ورود

____________

[1] هذا البحث يمكن ان يقال انه علمي بحت، إذ لا مورد له في الخارج، لأن مفاد الدليل المتأخر سواء كان عاما أو خاصا انما هو بيان ثبوت الحكم من الأول لا من حين وروده. و عليه فلا يحتمل ان يكون ناسخا، بل يتعين ان يكون مخصصا، و بعبارة أخرى: لا اختلاف في زمن المنقول و المبيّن من الحكم، بل في زمن النقل و البيان.

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 733- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

338

العام و الخاصّ من قضاء أو كفارة أو نحوهما.

و على كل حال، فقد حكم بتقديم التخصيص على النسخ، بمعنى تقديم ظهور الدليل في الدوام و الاستمرار على أصالة العموم، فيخصص العام، و ذلك لندرة النسخ و شيوع التخصيص و كثرته، فانه يوجب ضعف ظهور أصالة العموم في مدلولها.

و قد ذكر صاحب الكفاية: ان هذا مناف لما التزم به في تقديم العام على المطلق من أقوائية ظهور العام لأنه تنجيزي و ظهور الإطلاق تعليقي. لأن ظهور الكلام في الدوام و الاستمرار انما هو بالإطلاق، بخلاف ظهوره بالعموم فانه بالوضع، فمقتضى ذلك الوجه لا بد من تقديم أصالة العموم على الإطلاق فيما نحن فيه لا العكس.

و اما شيوع التخصيص، فهو انما يوجب أقوائية الظهور الإطلاقي لو كان من قبيل القرائن المكتنفة للكلام، بحيث يوجب تبدل ظهور العام. و إلّا فهو لا يقتضي الأقوائية و ان أوجب الظن بالتخصيص، فلاحظ.

فالذي يظهر منه (قدس سره) هو التوقف في ترجيح أحد الظهورين بنفسه.

و قد أفاد المحقق النائيني (قدس سره) ان الدوام و الاستمرار ليس بثابت بالإطلاق حتى يقع الكلام في ترجيح أحد الظهورين. بل هو ثابت بالاستصحاب.

توضيح ذلك: ان الدوام و الاستمرار.

تارة: يلحظ وصفا و عارضا على الجعل، نظير الحكم بوجوب الحج على المستطيع، فانه قد لا تحصل الاستطاعة أصلا فلا ثبوت للحكم الفعلي مع استمرار هذا الجعل و دوامه مطلقا.

و أخرى: يكون وصفا للمجعول دون الجعل. نظير جعل وجوب التسبيح ساعة عند الدخول إلى البلد، فإن الاستمرار ساعة من شئون المجعول و هو الوجوب دون الجعل إذ الجعل واحد كما لا يخفى.

و النسخ الّذي يرجع إلى قطع الاستمرار و رفع الدوام انما يرتبط باستمرار

339

الجعل لا المجعول، فان الاستمرار و عدمه في المجعول لا يرتبط بالنسخ أصلا.

و إذا كان الاستمرار من صفات الجعل و يتوقف عليه توقف العارض على معروضه لم يصلح الدليل المتكفل لإنشاء الجعل لبيان الاستمرار، لأنه متأخر عن وجود الجعل، و الدليل الإنشائي انما يتكفل إيجاد الجعل، فيمتنع ان يتكفل بنفسه إثبات استمراره، بل لا بد من دليل آخر يتكفل بيان الاستمرار.

و ليس من الأدلة الاجتهادية ما يصلح لبيان ذلك الا ما يتوهم من قوله:

«حلال محمد (صلّى اللّه عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة ...»، و هذا الدليل ظاهر في بيان دوام الشريعة المحمدية بما لها من الأحكام و المجموع بما هو مجموع، لا دوام كل حكم من أحكامه.

و عليه، فالدليل الّذي يتكفل الاستمرار هو الاستصحاب، فباستصحاب الحكم يثبت بقاؤه و دوامه و استمراره.

و إذا كان الاستمرار ثابتا بالاستصحاب لم يصلح لمعارضة أصالة العموم في ما نحن فيه، لأنها دليل اجتهادي حاكم أو وارد عليه بلا كلام.

مع امتناع جريان الاستصحاب في بعض الصور، و هو صورة تأخر الخاصّ، فانه مع احتمال كون الدليل مخصصا و ان حكم العام لم يكن ثابتا للخاص من حينه، لا مجال لاستصحاب الحكم لأن الشك في أصل الحدوث، فيبتني جريانه على قاعدة اليقين و هي غير تامة.

و بالجملة: ليس في المقام ظهوران يعارض أحدهما الآخر، بل المعارضة البدوية بين الاستصحاب و أصالة العموم، و لا كلام في تقدمها عليه. فالالتزام بالنسخ- بحسب قواعد المعارضة- متعين.

إلّا انه لما كان بناء العقلاء منعقدا على عدم العمل بأصالة العموم لو كان هناك خاص و لو كان سابقا أو لاحقا، لأنه يكون قرينة عليه، لم يمكن الالتزام بأصالة العموم فيما نحن فيه.

340

فعدم الالتزام بالعموم انما كان لهذا الأمر، لا لأقوائية ظهور دليل الاستمرار، إذ دليله الأصل و لا ظهور فيه، فتدبر جيدا (1).

و الّذي يتخلص من كلامه امران:

الأول: ان استمرار الجعل لا يمكن بيانه بنفس الدليل المتكفل لبيان الجعل.

لأنه متأخر عن وجود الجعل، فلا يمكن بيانه بنفس الدليل المتكفل لإيجاد الجعل.

فالدليل عليه هو الاستصحاب، إذ لا دليل اجتهاديا يتكفل بيانه.

الثاني: ان الخاصّ المتقدم و المتأخر يكون قرينة على العام، بحيث يسلم ظهوره- كما في أحد تقريرات بحثه‏ (2)- أو يكون حاكما عليه لأقوائية ظهوره من ظهور العام- كما في التقرير الآخر (3)- و الكلام معه يقع في كلا الأمرين:

اما الأمر الأول [1]: فتحقيقه: ان الدليل بدلالته على نفس الجعل و ان كان‏

____________

[1] هذا ما ذكرناه سابقا.

و التحقيق ان الجعل ليس مدلولا للكلام كي يبحث عن كون استمراره مما يؤدى بإطلاقه أو لا يؤدى، لأنه فرع أصل الثبوت.

و ذلك لما أشرنا إليه في مبحث دوران الأمر بين العموم و استصحاب حكم المخصص، من كون الجعل عبارة عن نفس الفعل الخارجي الصادر من المولى، نظير الاخبار و الإنشاء و الاستعمال، بل هو نفس الإنشاء بداعي تحقق المنشأ في ظرفه، أو لإبراز الاعتبار النفسيّ.

و من الواضح ان الاستعمال و الاخبار و الإنشاء ليست من مداليل اللفظ المستعمل في ذلك المقام، بل هي تتحقق بإلقاء الكلام و إرادة المعنى به، فهي مسببة عنه لا محكية به.

هذا، مع انه ليس من سنخ المفاهيم القابلة للسعة و الضيق، بل هو من سنخ الوجودات، نظير المعنى الحر في على ما حقق في محله.

و من الواضح انه يعتبر في الإطلاق ان يكون المعنى مدلولا للفظ، و ان يكون من المفاهيم القابلة للسعة و الضيق. و كلا الأمرين مفقودان في الجعل و نحوه مما عرفت.

هذا كله مضافا إلى ما حققناه في مباحث الخيارات من: انه لا بقاء للعقد الإنشائي، لأن‏

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 733- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(2) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 1- 513- الطبعة الأولى.

(3) الكاظمي الشيخ محمد على فوائد الأصول 4- 733- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

341

يمتنع ان يتكفل بيان استمراره لتأخره عن وجود الجعل، إلّا انه بالدلالة الالتزامية يمكن ان يتكفل بيان الاستمرار.

بيان ذلك: ان فعلية الحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية لا تتحقق الا مع بقاء الجعل إلى زمان فعليته، فمثلا: لو علق الحكم على امر لم يكن حال الجعل بحاصل ثم حصل، فالحكم انما يكون فعليا في هذا الفرض- أعني: فرض حصول الشرط- لو كان الجعل مستمرا إلى هذا الزمان، و إلّا فلو رفع الجعل لم يصر الحكم فعليا كما هو واضح جدا. كما انه يلغو الجعل لأمر متأخر إذا فرض رفع اليد عنه، لأن الجعل إنما هو بلحاظ تحقق المجعول و هو لا يتحقق مع رفع الجعل، ففعلية الحكم تستلزم استمرار الجعل و دوامه.

و عليه، فالدليل المتكفل لجعل الحكم في زمان و فعليته في وقت يدل بالالتزام على استمرار الجعل إلى ذلك الوقت، فالدليل يتكفل بيان استمرار الجعل بالالتزام‏

____________

- الإنشاء يتصرم بتصرم الاستعمال. و إذا فرض ان الجعل بمعنى الإنشاء كما بيّنّاه في مبحث القطع، كان متصرم الوجود فلا بقاء له.

نعم، الأثر يترتب عليه لمجرد حدوثه، فإذا حصل الإنشاء في ظرف يتحقق المنشأ في ظرفه و لو كان بعيدا عن ظرف الإنشاء، بل و لو لم يكن المنشأ في ذلك الظرف قابلا للاعتبار، كما في الوصية بوقف داره بعد موته بسنة.

و على هذا، فلا يتصور الشك في بقاء الجعل كي يرجع فيه إلى الإطلاق أو غير ذلك.

نعم، هنا شي‏ء، و هو: ان المنشأ انما يترتب في ظرفه اللاحق على الإنشاء السابق إذا لم يرفع المنشئ اليد عن المنشأ، أو أنشأ ما أنشأه أولا، و هذا الشرط اما هو مأخوذ بوجوده الواقعي أو مأخوذ بوجوده العلمي، بأن يكون عدم العلم و عدم وصول الجعل المخالف كافيا في تحقق المنشأ في ظرفه لدى العقلاء، فالشك في النسخ يرجع إلى الشك في تحقق إنشاء مخالف للإنشاء السابق، فيمكن ان يرجع في نفيه إلى الاستصحاب.

لكن الاستصحاب لا يقاوم العموم، فإذا تأخر العام عن الخاصّ كان حاكما أو واردا على الاستصحاب، و كان متكفلا لبيان تحقق الإنشاء المخالف.

و اما ما ذكره المحقق النائيني من الرجوع إلى الخاصّ و الحكم بالتخصيص في هذه الحال.

فهو غريب كما أوضحناه في المتن. فلاحظ.

342

بمقدار ثبوت فعلية الحكم المجعول.

فمع ثبوت استمرار المجعول بالإطلاق- كما فيما نحن فيه، حيث ان ثبوت الحكم للافراد الطولية بواسطة الإطلاق- يكون الدليل المتكفل للجعل دالا بالالتزام على استمرار الإطلاق المجعول، فهو مفاد الإطلاق التزاما. و لعله إلى هذا يرجع ما يذكره الاعلام من ان ظهور الدليل في الاستمرار بالإطلاق.

و بذلك لا يحتاج إلى إثبات الاستمرار بالاستصحاب، إذ هو مفاد نفس الدليل بالالتزام.

و اما الأمر الثاني: فهو موضع العجب من كلامه بالنسبة إلى الخاصّ المتقدم.

و ذلك لأن مفاد العام ..

ان كان هو ثبوت الحكم من الزمان الأول- أعني: زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، كما هو الظاهر من النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)- فلا كلام في تقدم الخاصّ عليه، إذ لا يحتمل حينئذ كونه ناسخا للخاص، لأن الخاصّ يكون قرينة عليه موجبة للتصرف اما في ظهوره أو في حجيته. و لكنه خلاف الفرض، إذ المفروض ان الأمر يدور بين التخصيص و النسخ، و على الفرض المذكور يتعين التخصيص.

و ان كان مفاده ثبوت الحكم من حين ورود الدليل- كما هو الفرض، إذ عليه يتأتى احتمال النسخ- فلا تنافي بين العام و الخاصّ حدوثا، إذ لا منافاة بين الحكم على فرد في زمان و الحكم عليه في زمان آخر. و انما التنافي بين حكم العام و بقاء حكم الخاصّ، إذ يلزم اجتماع الحكمين المتنافيين على موضوع واحد.

و قد عرفت انه (قدس سره) يرى: ان بقاء جعل حكم الخاصّ انما يكون بالاستصحاب لا بنفس الدليل. فكيف يكون الاستصحاب قرينة على العام و موجبا للتصرف في ظهوره أو في حجيته؟! كما انه لا معنى لجعل الخاصّ قرينة بعد عدم تكفله بمدلوله لحال البقاء. هذا هو موضع العجب و الّذي لا نعرف له حلا

343

يتوافق مع القواعد الصناعية، إذ ليس من يدعي مصادمة الاستصحاب لأصالة العموم فضلا عن كونه موجبا لإلغائها في مورده.

و اما السيرة العقلائية، فلم يثبت قيامها في مفروض البحث. نعم، هي قائمة على تقديم الخاصّ من الروايات على العام، لكن أشرنا إلى انه لا احتمال للنسخ في النصوص لأنها جميعها تتكفل بيان الحكم من الأول، فلا يتصور فيها النسخ، فتكون خارجة عن مورد البحث.

و لم يتعرض أحد من الاعلام إلى هذه الجهة من كلامه، بل من تعرض لكلامه ركز مناقشته على أصل الدعوى من إيجاب الخاصّ التصرف في العام ظهورا أو حجية.

و مما ذكرنا يتضح عدم صحة ما أفاده السيد الخوئي- كما في بعض تقريراته- في حل التردد من: ان الخاصّ المقدم يكون قرينة عرفية على العام ينافي ظهوره.

و من: ان مفاد العمومات ثبوت الأحكام العامة في زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا من حين صدورها، لأن الأئمة (عليهم السلام) مبينون للأحكام لا مشرعون، فلا احتمال للنسخ‏ (1).

إذ الأخير و ان كان تاما في نفسه لكنه خروج عن موضع الدعوى إذ المفروض فيه تردد الأمر بين النحوين.

و الأول محل الكلام، لأن ثبوت حكم الخاصّ في زمان العام على مذهبه و ان كان بالإطلاق، إلّا انه لم يظهر بعد كون الإطلاق قرينة عرفية على العام، فتدبر.

و التحقيق ان يقال: اما في صورة تقدم الخاصّ ان مفاد العام ..

ان كان ثبوت الحكم من الزمان الأول لا من حين وروده، فلا إشكال في تقدم الخاصّ على العام إذ لا احتمال للنسخ حينئذ، بل التخصيص متعين، اما لانهدام ظهور العام أو لعدم حجيته على الكلام في ظهوره في العموم بالوضع أو بالإطلاق.

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 385- الطبعة الأولى.

344

و جريان مقدمات الحكمة في المراد الاستعمالي أو الجدي على الأخير- و ان كان مفاده ثبوت حكم العام من حين وروده- كما هو المفروض- فيدور الأمر بين تخصيص العام بالخاص و نسخ الخاصّ بالعامّ، و حيث ان ثبوت الاستمرار و الدوام كان بالإطلاق- إذ دلالة الدليل عليه بالالتزام من جهة الإطلاق فهو من ملازمات الإطلاق- فمن يلتزم بتقديم ظهور العام الوضعي على الظهور الإطلاقي لاختلال الإطلاق الحاصل من الظهور الوضعي على الظهور الإطلاقي لأنه مسبب عن ظهور الوضع فيتعين عليه فيما نحن فيه الالتزام بالنسخ و تقديم أصالة العموم.

و من لا يلتزم بذلك- كما تقدم منا- فليس لديه ما يرجح به أحد الظهورين على الآخر فلا بد من ملاحظة كل مورد بنفسه و خصوصياته، و الحكم بترجيح أحدهما على طبقها.

اللهم إلّا ان يدعى ان كثرة التخصيص و ندرة النسخ و ان لم تكن من القرائن العرفية المكتنفة للكلام بحيث توجب عدم انعقاد ظهور للعام في العموم من أول الأمر، إلّا انها موجبة لتضعيف ظهوره في العموم بحيث يكون الظهور الإطلاقي في الفرض أقوى من ظهور العام، فيتعين التخصيص دون النسخ و لكن هذه دعوى تحتاج إلى إثبات كما لا يخفى.

و اما في صورة تأخر الخاصّ، فالامر لا يدور بين النحوين على التقديرين، لأنه على تقدير كون مفاد الخاصّ هو ثبوت الحكم من أول الأمر، فالتخصيص متعين، إذ لا يحتمل كونه ناسخا على هذا الفرض، لأن مفاده نفي الجعل لا نفى استمراره.

و على تقدير كون مفاده ثبوت الحكم من حين وروده، فالنسخ متعين، و لا يحتمل التخصيص إذ لا تنافي بين مفاد الخاصّ و العام حدوثا، بل التنافي بين مفاد الخاصّ و استمرار جعل حكم العام، فتقدم الخاصّ معناه الالتزام بالنسخ كما لا

345

يخفى.

و توهم تأتي الاحتمالين لو تردد مفاد الخاصّ بين ان يكون ثبوت الحكم من الأول أو من الحين، إذ عليه يحتمل كونه ناسخا أو مخصصا.

واضح الفساد: إذ مع إجمال الخاصّ بالنسبة إلى ثبوت حكمه من أول الأمر يؤخذ بالقدر المتيقن منه، و هو ثبوت الحكم من حين وروده، فتبقى أصالة العموم إلى حين وروده سالمة عن المعارض، فيتعين الالتزام بالنسخ أيضا، فلاحظ.

و للمحقق العراقي كلام في المقام ينافي جميع ما تقدم، محصله: ان دوران الأمر بين النسخ و التخصيص لا يرجع إلى التصادم بين الظهورين كي تصل النوبة إلى الجمع الدلالي و ترجيح الأقوى ظهورا، بل التصادم بين أصالة الجهة و أصالة الظهور.

و ذلك لأن النسخ تصرف في جهة الكلام، إذ مرجعه إلى ان الكلام لم يكن صادرا عن واقع بحيث يجب على المكلف الأخذ به، بل كان بداع آخر مع حفظ ظهوره و دلالته على مدلوله، فيكون نظير صدور الكلام عن تقية.

و عليه فاحتمال النسخ لا يرجع إلى مقام الظهور و الدلالة، بل يرجع إلى مرحلة جهة صدور الكلام، فيكون التعارض فيما نحن فيه بين أصالة الجهة و أصالة الظهور، فلا معنى للبحث عن ترجيح أحدهما على الآخر في مقام الدلالة و الظهور.

و ما أفاده (قدس سره) لا يرجع إلى محصل، و حيث انه ربط مورد النسخ بمورد التقية لا بد من معرفة حقيقة التقية في تحقيق مناقشة ما أفاده، فنقول: ان التقية على نحوين:

الأول: التقية في مقام العمل، و ذلك بأن يكون الدليل الدال على الحكم دالا عليه واقعا و جدا، بحيث يجب على المكلف امتثاله و يأثم بمخالفته، غاية الأمر يكون الملاك لجعل الحكم ملاكا ثانويا محدودا واقعيا، و هو التقية و حفظ النّفس من الهلاك.

الثاني: التقية في مقام الحكم، و ذلك بأن لا يكون مراد واقعي على طبق‏

346

الإنشاء، بل كان الإنشاء بداع آخر غير الواقع و هو الاحتراز عن الضرر، فالغرض متمحض في الإظهار لا غير، فلا يجب على المكلف الأخذ بذلك.

و تشبيه مورد النسخ بمورد التقية- بتقريب كونه يرجع إلى بيان ان صدور الحكم لم يكن عن إرادة واقعية بحيث يتحتم على المكلف الالتزام به، بل كان هناك غرض آخر- يتناسب مع إرادة المعنى الثاني من التقية، إذ على الأول يجب على المكلف الأخذ بالحكم للإرادة الجدية على طبقه، و يكون ارتفاعه عند ارتفاع ملاكه من باب تبدل الموضوع كالمسافر و الحاضر.

و عليه، يكون النسخ و التخصيص في مرحلة واحدة، إذ التخصيص يكشف أيضا عن عدم الإرادة الحقيقية على طبق العام. فالدليل الناسخ و المخصص يشتركان في ان مفادهما نفي ظهور الدليل في مفاده جدا و حقيقة، فالتصادم يرجع إلى مرحلة الدلالة و الكشف عن المراد الجدي:

فتتجه حينئذ مراعاة المرجحات الدلالية.

هذا إذا كان مراده بالتقية في مقام الحكم ذلك، كما هو المشهور. و اما إذا كان مراده منها معنى يجتمع مع الإرادة الحقيقية للحكم، و ذلك بأن تكون التقية هي صدور الحكم و إرادته جدا، و لكن لا بداعي الجد بل بداعي حفظ النّفس- مثلا- و هو أيضا لا يجب امتثاله، لأنه و ان كان مرادا جدا لكن إرادته الجدية لم تكن بداعي الجد، فيكون معنى النسخ حينئذ غير ما ذكر من رجوعه إلى بيان عدم القصد الحقيقي على طبق المنسوخ.

بل هو: ان يكون الكلام على طبقه مراد حقيقي، إلّا ان هذا لم يكن عن داعي الجد في الواقع على حد تعبيره، بل كان بداع آخر، فالنسخ بيان لعدم كون المراد الواقعي عن داعي الجد، فيختلف حينئذ عن التخصيص مرحلة، لأن التخصيص بيان لعدم كون العموم مرادا جدا، فهو في مرحلة المراد الحقيقي، و النسخ بيان لعدم كون المراد الجدي بداعي الجد و بملاك واقعي بل كان بداع آخر، فهو في مرحلة

347

الداعي للإرادة الجدية، و هو المعبر عنه بجهة الصدور.

فهذا المعنى- على تقدير تسليم صحته و عدم الخدشة فيه بعدم تصور عدم كون الإرادة الجدية بداعي الجد- لا يجدي في كون التعارض بين أصالة الجهة و أصالة الظهور، بل لا تصل النوبة في المعارضة إلى أصالة الجهة.

و ذلك، لأن شأن أصالة الجهة شأن أصالة الصدور في لزوم فرض تماميتها في كلا الدليلين ابتداء و ملاحظة مدلوليهما، فان أمكن الجمع بينهما عرفا بنحو يرتفع التنافي بها فهو، و إلّا سرى التنافي بينهما إلى السندين، إذ لا يمكن صدور المتنافيين معا.

ففي ما نحن فيه، و ان كان احتمال النسخ يرجع إلى التصرف في الجهة بهذا المعنى- إلّا انه يفرض تمامية الجهة في كل من الدليلين ابتداء و تلحظ المعارضة بين المدلولين، فان أمكن الجمع بينهما لا تصل النوبة إلى تعارض أصالتي الجهة أو الصدور، و إلّا سرى التنافي إلى المرتبة السابقة على الدلالة من الجهة أو الصدور، إذ لا تنافي بين أصالتي السند أو الجهة في كل من المدلولين لو لا تنافي مدلوليهما، فمع إمكان الجمع لا تصل النوبة إلى التنافي بين السندين أو الجهتين و إلّا سرى إليهما.

و عليه، فالتعارض بين ظهوري العام و الإطلاق لما كان حاصلا فيما نحن فيه، إذ يمتنع العمل بأصالة الظهور في كل منهما لمنافاة المراد الجدي في أحدهما له في الآخر، فلا بد من ملاحظتهما و ملاحظة مرجحات أحدهما على الآخر، و لا نحتاج إلى أكثر من هذا.

و اما عدم صحة تسمية هذه المعارضة بالدوران بين النسخ و التخصيص- لأن النسخ لا يرتبط بمرحلة الظهور- فهو لا يضر بواقع المطلب من حصول المعارضة بينهما و ترتب الأثر الشرعي عليه، و عدم وصول النوبة إلى المعارضة بين أصالة الجهة و أصالة الظهور.

فمحصل الإشكال: ان النسخ بمعنى لا يرجع إلى التصرف بأصالة الجهة،

348

و بمعنى آخر و ان كان يرجع إليها إلّا ان المعارضة في مرحلة الظهور.

انقلاب النسبة

هذا كله في الجمع العرفي الدلالي فيما كان التعارض بين دليلين. و اما إذا كان التعارض بين أكثر من دليلين، فهل يلاحظ الجمع و العلاج بين كل منهما و غيره دفعة واحدة، أم يصح الترتيب في العلاج و يلزمه انقلاب النسبة بين بعض المتعارضات و الآخر، كما لو ورد: «أكرم العلماء» ثم ورد: «لا تكرم فساق العلماء» ثم ورد: «لا تكرم النحويين»، فانه مع الالتزام بالترتيب في العلاج لو خصص العام أولا: بدليل «لا تكرم الفساق» انقلبت نسبته مع دليل: «لا تكرم النحويين» إلى العموم من وجه بعد ما كانت العموم المطلق. بخلاف ما لو لوحظ العلاج دفعة واحدة، فانه يخصص العام بكلا الخاصّين و يبقى الباقي؟

فمحل الكلام: انه مع التعارض بين أكثر من دليلين هل يلزم الترتيب في العلاج بين المتعارضات فتنقلب النسبة بين المتعارضات الأخرى، أو لا يلاحظ الترتيب، بل تلاحظ المتعارضات دفعة واحدة؟

و قد فصل الشيخ الأعظم (قدس سره) بين صور التعارض.

فحكم في بعضها بعدم صحة الترتيب في العلاج، و هي صور ما إذا كانت نسبة المتعارضات إلى الدليل نسبة واحدة، كما لو كانت نسبتها نسبة الخاصّ إلى العام، نظير ما لو ورد: «أكرم العلماء» ثم ورد: «لا تكرم النحويين» و: «لا تكرم الصرفيين».

و حكم في البعض الآخر بملاحظة الترتيب في العلاج، و هي صور ما إذا كانت نسبة المتعارضات مختلفة، كما لو ورد عام ثم ورد عام آخر نسبته مع الأول نسبة العموم من وجه ثم ورد مخصص لأحدهما، نظير: «أكرم العلماء» و: «لا تكرم فساق العلماء» و: «يستحب إكرام العدول»، فانه حكم بتخصيص: «أكرم العلماء»

349

بدليل: «لا تكرم فساقهم»، فتنقلب نسبته إلى دليل: «يستحب إكرام العدول» إلى نسبة الأخص مطلقا فيخصص به.

و تكون النتيجة: حرمة إكرام فساق العلماء و وجوب إكرام عدولهم و استحباب إكرام العدول من غير العلماء.

و قد استدل على عدم صحة الترتيب في الأول:

أولا: بان تقديم أحد الخاصّين المعين على العام ثم ملاحظة نسبة العام مع الخاصّ الآخر ترجيح بلا مرجح، فيتعين ملاحظتهما معا بالنسبة إلى العام.

و ثانيا: بأنه مع تخصيص العام بأحد المخصصين لا ينعقد له ظهور في الباقي الا مع إحراز عدم المخصص، و مع وجود الخاصّ الآخر لا مجال لإحراز عدم المخصص حتى بالأصل.

و عليه، فلا ينعقد له ظهور في الباقي كي يصلح لمعارضة الخاصّ الآخر، و ملاحظة النسبة بينهما.

و بالجملة: انعقاد ظهور العام في الباقي حتى يكون صالحا للمعارضة يتوقف على العلاج بالنسبة إلى الخاصّ الآخر و نفي مخصصيته، و العلاج بالنسبة إليه يتوقف على انعقاد ظهوره كي تلاحظ النسبة بينه و بين الدليل الآخر.

و بهذا الدليل دفع توهم صحة الترتيب في العلاج، مع كون أحد الخاصّين ثابتا بالإجماع أو العقل. فانه و ان أقره في نفس الترتيب، لأنه يكون كالمخصص المتصل الّذي لا إشكال في تقدمه على العام، لكنه لم يقره في دعوى انقلاب النسبة به- كما ادعاه المتوهم-.

و استدل على ملاحظة الترتيب في الثاني: باستلزام عدم الترتيب لمحذور طرح النص، أو طرح الظاهر في مدلوله أجمع.

و ذلك: لأنه لو لم يرتب في العلاج و قدم العام الآخر و خصص به العام، كما لو خصص: «أكرم العلماء» ب «يستحب إكرام العدول» فاما ان يخصص العام بالخاص‏

350

و هو: «لا تكرم فساق العلماء» أولا.

فعلى الثاني يلزم طرح النص، لأن الخاصّ نصّ في مدلوله و العام ظاهر فيه، و على الأول يلزم طرح الظاهر مطلقا، و هو ممنوع، لأن العام نصّ في منتهى التخصيص، فيلزم من طرحه طرح النص.

و بالجملة يلزم من عدم الترتيب طرح أحد النصين، و هو محذور كما لا يخفى‏ (1).

و قد يورد على ما أفاده الشيخ (قدس سره) أخيرا من ملاحظة الترتيب و انقلاب النسبة في القسم الثاني بوجهين:

الأول: في ما ذكره في نفي توهم صحة الترتيب و انقلاب النسبة من عدم انعقاد ظهور للعام في الباقي الا بعد العلاج و نفي المخصص، و مع وجوده لا يتم له ظهور، فيخرج عن موضوع المعارضة لأنه يكون مجملا.

فانه جار في هذا القسم- على ما يظهر منه- إذ مع فرض وجود المزاحم للعام المخصص و هو العام الآخر، لا ينعقد للعام ظهور في الباقي بعد التخصيص الا بعد العلاج و نفي مزاحمة العام الآخر له، و إلّا كان مجملا، فلا يصلح للتخصيص، فالكلام المتقدم في تلك الصورة يجري بعينه في هذه الصورة.

الثاني: فيما ساقه من الدليل على لا بدية الترتيب و انقلاب النسبة به في الصورة الثانية.

فانه يمكن الخدشة فيه: بان الأمر لا ينحصر بين الترتيب في العلاج و لزوم المحذور الّذي ذكره، كي يتعين الالتزام بالترتيب و انقلاب النسبة فرارا عن المحذور، بل يمكن الالتزام بشق ثالث، و هو تساقط الأدلة بمجموعها بالمعارضة، فانه إذا كان تخصيص: «أكرم العلماء» بدليل: «يستحب إكرام العدول» يلزم منه المحذور المزبور، يقع التعارض بين مجموع: «لا تكرم فساق العلماء» و: «يستحب إكرام العدول»

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 458- الطبعة القديمة.

351

و: «أكرم العلماء».

و النتيجة هي التساقط- نظير الخاصّين الموجبين لخلو العام عن المورد- فالمحذور لا يوجب الالتزام بانقلاب النسبة، بل يمكن الالتزام بالتساقط لأجله.

و لكن الإنصاف ان كلا الوجهين غير تامين.

اما الثاني: فلأنه يمكن ان يكون مراد الشيخ امرا غير ما ذكر لا يتوجه عليه الإشكال المذكور.

و قبل التعرض لبيانه لا بد لنا من الإشارة إلى شي‏ء و هو: ان المعارضة بين الدليلين المتساويين في النسبة لا تتحقق مع كون حجية أحد الدليلين الفعلية تستلزم وقوع محذور غير محذور المعارضة، فانه مع هذا لا يكون الدليل المستلزم للمحذور صالحا للمانعية عن الدليل الآخر، فيبقى الدليل الآخر بلا معارض.

إذا عرفت هذا فنقول: انه حيث كان الالتزام بالعامّ الآخر غير المنافي للخاص- و هو: «يستحب إكرام العدول»- و حجيته الفعلية في المجمع مستلزما لوقوع محذور طرح أحد النصين- كما عرفت- كان غير صالح للمانعية عن العام الآخر، و هو: «أكرم العلماء» في المجمع. و عليه فيكون العام ثابتا في هذا المجمع و يخصص بالخاص حينئذ.

و ذلك نتيجة انقلاب النسبة، فلا تمكن حينئذ دعوى التساقط لأنها فرع ثبوت المعارضة الفعلية، و قد عرفت عدمها بعد كون الالتزام بأحد العامين مستلزما للمحذور.

و من هنا يتضح الجواب عن الإيراد الأول، و هو إيراد المهافتة. فانه [1]، يبتني‏

____________

[1] فان ما ذكره هناك يبتني على القول بانقلاب النسبة، فانه ادعى عدم انعقاد الظهور له في الباقي كي يقال بانقلاب النسبة، و في المقام لم يلتزم بالانقلاب، بل التزم بما هو نتيجة الانقلاب، و هو حجية العام المخصص في المجمع، دون الآخر، فلا مهافتة.

352

على كون العام الآخر صالحا للمانعية، إذ يجري حينئذ الكلام المتقدم.

و قد عرفت عدم صلاحيته للمانعية و المعارضة بعد فرض كون الالتزام به مستلزما للمحذور.

كما انه يمكن دفعه بوجهين آخرين، و هما:

الأول: ان المانع من انعقاد الظهور في الباقي ليس هو مطلق وجود المعارض كي يكون عدمه شرطا في انعقاد الظهور، بل هو وجود الأظهر المتقدم عليه، فعدم الأظهر هو الشرط في انعقاد الظهور في الباقي، و ليس العام الآخر فيما نحن فيه أظهر من العام المخصص بالخاص، إذ المفروض كون النسبة بينهما عموما من وجه، و لم تفرض أظهريته حتى يكون صالحا للتقدم عليه و تخصيصه بغير المجمع.

و هذا بخلاف القسم الأول، فان المفروض فيه وجود الأظهر المانع من انعقاد ظهور العام في الباقي و هو الخاصّ.

الثاني: ان العام المخصص، و هو: «أكرم العلماء» نصّ في منتهى التخصيص.

و عليه، فهو متقدم على العام الآخر و مخصص له بهذا المقدار و لو كان مجملا غير معين و تكون رتبته سابقا في العام الآخر، لأسبقية رتبة الخاصّ على العام، فلا يصلح العام الآخر لمعارضته في المقدار الزائد على منتهى التخصيص.

و معه يتمسك بإطلاقه في إثبات إرادة جميع الباقي و يخصص العام الآخر به حينئذ بهذا المقدار، كما هو الحال في كل خاص بالنسبة إلى العام، فلاحظ.

و المتحصل مما أفاده الشيخ (قدس سره): انه يلتزم بأن للعموم ظهورا ثانويا في الباقي بعد التخصيص و به تنقلب النسبة، إلّا انه غير تام و لا ينعقد في صورة لوجود المعارض الصالح للتخصيص، فلا يقيد الترتيب في العلاج في انقلاب النسبة، و تام في بعض الصور الأخرى لعدم المانع، فيكون الترتيب في العلاج سببا لانقلاب النسبة.

و على هذه الجهة يتركز كلام صاحب الكفاية (رحمه الله) و إليها ينظر في‏

353

تحقيقه. فقد أفاد (قدس سره) في الكفاية: بأن النسبة الملحوظة بين الأدلة المتعارضة انما هي بملاحظة ظهور الكلام في مدلوله، و مع ورود المخصص المنفصل لا ينثلم ظهور العام في العموم كي يدعى انقلاب النسبة، إذ المخصص المنفصل انما يقتضي تضييق المراد الجدي من العام مع بقاء العام على عمومه، فتبقى نسبته مع غيره بعد التخصيص هي عينها التي كانت قبل ملاحظة المخصص.

و إلّا لم يكن وجه لانعقاد ظهور له في الباقي دون غيره من المراتب، لعدم الوضع و عدم القرينة المعينة، و انعقاد الظهور في الباقي يتوقف على أحدهما كما لا يخفى‏ (1).

و قد ذكر المحقق النائيني (قدس سره) وجها لتقريب انقلاب النسبة، و توضيحه: ان للكلام دلالات ثلاث:

دلالة تصورية، و هي انتقال المعنى من اللفظ عند إبرازه و هي لا تتوقف على صدور اللفظ عن إرادة و قصد، بل هي تحصل و لو لم يكن صدور اللفظ عن اختيار، و هي نفس الدلالة الوضعيّة عند بعض.

و دلالة تصديقية، و هي الحاصلة من ضم بعض اجزاء الكلام إلى بعض و ملاحظة القرائن المحفوف بها الكلام فقد يكون دالا على غير المعنى الوضعي الأولي، لوجود القرائن المغيرة لظهوره الأولي، و يسند المجموع إلى المتكلم و يحكم بأنه قصد تفهيم هذا المعنى المستفاد من الكلام، و هذه الدلالة تتوقف على صدور الكلام عن إرادة و قصد.

و دلالة ثالثة، على كون المعنى المقصود تفهيمه هو المراد للمتكلم جدا و واقعا، و يعبر عنها بالدلالة التصديقية في الكشف عن المراد الجدي. و موضوع الحجية هي القسم الثالث من الدلالات المذكورة، فان الكشف النوعيّ للكلام عن المراد الجدي هو الّذي يكون موضوع الحجية و الاعتبار عند العقلاء.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية- 452- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

354

و المعارضة بين الأدلة انما هي باعتبار الكشف النوعيّ لكل منهما عن المراد الجدي المنافي للآخر بحيث لا يمكن الالتزام بكل منها- و إلّا فمع الغض عنه لا تعارض بين الأدلة بلحاظ المستعمل فيه في كل منها، إذ مع العلم بأنه لا مراد جديا على طبق المستعمل فيه و المقصود بالتفهيم لا يكون هناك تزاحم و تعارض بين الأدلة- و لأجل ذلك تلاحظ النسبة في باب المعارضة بلحاظ مقدار الكشف النوعيّ للدليل عن المراد الجدي فمع تخصيص أحد الدليلين بالمخصص المنفصل تتضيق دائرة كشفه عن المراد الجدي، إذ يعلم ان المراد الجدي أضيق مما يتوهم، فيتضيق موضوع الحجية قهرا.

و معه تنقلب النسبة بالضرورة، إذ بعد فرض تضييق دائرة كشف العام عن المراد الجدي، و كون الملحوظ في باب المعارضة هو كشف الدليلين عن المراد الجدي، كانت نسبة العام المخصص إلى العام الآخر نسبة الخاصّ إلى العام، لأن ما يلحظ في مقام المعارضة أخص فيه منه في العام الآخر.

و لا وجه لملاحظة مجموع مدلول العام بعد ان لم يكن كاشفا بمجموعه عن المراد الجدي.

و بالجملة: فموضوع أصالة الظهور هو الكشف عن المراد الجدي الواقعي و يثبت بها نفس المراد الجدي و مطابقته لظاهر الكلام و مدلوله الاستعمالي و بذلك تفترق عن أصالة الجهة، فانها تجري في تعيين كون الكلام مسوقا لبيان المراد الواقعي، و انه صادر عن الإرادة الحقيقية الجدية لا عن تقية أو امتحان أو نحوهما فأصالة الجهة تجري في إثبات الإرادة الجدية و أصالة الظهور تجري لإثبات المراد الجدي و ما تعلقت به الإرادة الجدية بعد فرض ثبوتها و تحققها.

و من هنا يظهر ما في كلام السيد الخوئي- كما في بعض تقريرات بحثه‏ (1)-

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 387- الطبعة الأولى.

355

من المسامحة و الغفلة في عدّ أصالة الظهور و أصالة الجهة أصلا واحدا يختلف التعبير عنه- و هو يتضيق بعد ورود المخصص فتتضيق الحجية قهرا، و تنقلب النسبة.

و لكن ما أفاده (قدس سره)- و ان كان قد استوضحه بحيث جعل انقلاب النسبة بملاحظته من القضايا التي قياساتها معها- لا تمكن الموافقة عليه. و ذلك لأن مراده ..

ان كان ان موضوع المعارضة هو الكشف عن المراد الجدي لأنه موضوع الحجية، فمع تخصيص الدليل بالمنفصل تتضيق دائرة كشفه فتنقلب النسبة حينئذ.

ففيه:

أولا: ان الكشف الّذي يكون موضوع الحجية ليس هو الكشف الشخصي الفعلي الظني أو العلمي، كي يكون قيام الدليل الآخر المنافي له رافعا له، إذ لا يبقى معه علم أو ظن بثبوت المراد الجدي على طبق الكلام.

و انما هو الكشف النوعيّ الطبيعي الثابت مع الظن بالخلاف، بل مع العلم به- و ان لم يكن موضوع الحجية في هذا الحال- إذ معناه ان الدليل لو خلي و نفسه كاشف و موجب للظن بالمراد الجدي نوعا، و لا يخفى اجتماع هذا المعنى مع الظن الشخصي بالخلاف.

و قيام الدليل المخصص لا يوجب تضييق دائرة كشفه النوعيّ كي تنقلب النسبة في مقام المعارضة، بل يبقى الدليل على ما هو عليه من الكشف و ان لم يكن حجة فيه.

و ثانيا: ان الكشف النوعيّ ليس هو موضوع الحجية، بل موضوعها امر آخر و هو الظهور، بمعنى ان الدلالة الاستعمالية للكلام الظاهرة في المعنى هي التي تكون موضوع الحجية على المراد الجدي عند العقلاء، نعم، منشأ ذلك هو ما يقتضيه الظهور من الكشف النوعيّ عن المراد الجدي.

و الدليل على ذلك ما هو المتداول على الألسنة و المرتكز في الأذهان من:

356

«حجية الظاهر» و «ان الظاهر حجة عند العقلاء»، و نحو ذلك من التعبيرات، و ظاهر انه ليس المراد من الظهور هو نفس الكشف النوعيّ، بل ما هو من صفات الكلام المساوق للوضوح و عدم الإبهام و الخفاء.

اما نفس الكشف النوعيّ، فهو ليس موضوع الحجية و انما هو ملاكها، نظير الطريقية التي تكون منشأ لحجية نفس الخبر، لا ان الطريقية بنفسها حجة عند الشارع أو عند العقلاء.

و ان كان مراده ان الملحوظ في مقام المعارضة هو الحجية، إذ مع فرض عدم حجية أحد الدليلين في مدلوله لا تعارض، فمع تضييق دائرة الحجية بورود المخصص تنقلب النسبة قهرا و يكون العام المخصص أخص مطلقا من العام الآخر.

ففيه- مضافا إلى انه لا يستدعي مثل هذا التطويل و الإسهاب و بيان ان الكشف النوعيّ هو موضوع الحجية، إذ الحجية تتضيق دائرتها بورود المخصص أيا كان موضوعها، فيكفي ان يقال بنحو الإيجاز انه بقيام الدليل تتضيق دائرة الحجية، و معه تنقلب النسبة و لا داعي إلى هذا التطويل- انه:

ان أريد بذلك ان طرفي المعارضة هما الظهوران بما انهما حجة بحيث يكون وصف الحجية مقوما لموضوع التعارض.

فهو ممنوع، إذ من البديهي ان الملحوظ في المعارضة و أقوائية الدلالة و ضعفها انما هو ذات الدليلين بلا لحاظ اتصافهما بالحجية، بل الاتصاف انما يكون بعد العلاج، فقد يتكافأ الدليلان فيسقطان معا عن الحجية، و قد يتقدم أحدهما لكونه أقوى فيتصف بها دون الآخر، فالحجية في طول التعارض و العلاج، لأنها مأخوذة في موضوع التعارض، فلاحظ.

و ان أريد ان طرفي المعارضة هو ذات الظهورين و لكن بالمقدار الّذي يكونان به موضوعا للحجية، فحيث انه بورود المخصص يكون الظهور الموضوع للحجية أضيق دائرة من ظهور العام الآخر فتنقلب النسبة قهرا.