منتقى الأصول‏ / تقريرات - ج7

- السيد عبد الصاحب الحكيم المزيد...
445 /
357

ففيه: انه ...

ان أريد بالحجية الحجية الفعلية. فقد عرفت انها في طول التعارض و العلاج، إذ مع المعارضة لا معنى لفرض الحجية الفعلية لكلا الظهورين، لأنها مركز المعارضة و ما عليه التدافع.

و ان أريد بها الحجية الشأنية الاقتضائية. فهي لا تتضيق بالتخصيص، إذ الظهور يبقى على ما كان من قابليته للحجية لو لا المعارض الأقوى.

و لو تنزلنا عن ذلك، فما قرره (قدس سره) لا يفيد في إثبات المدعي من ترتب آثار انقلاب النسبة و تقدم العام المخصص على غيره من العمومات المعارضة له.

لأن تقدم الخاصّ على العام انما هو باعتبار أقوائية دلالته و ظهوره في الخاصّ من العام- كما أشرنا إليه سابقا- و لا يخفى انه بورود الدليل الخاصّ لا تتضيق دائرة دلالة العام بحيث تقتصر على الباقي الّذي هو موضع التنافي، بل هو على ظهوره العمومي- كما هو الفرض- و انما المتضيق هو دائرة الحجية، فالباقي مدلول للعام في ضمن دلالته على العموم فلا يكون العام المخصص أقوى ظهورا في الباقي من العام الآخر، إذ كل منهما يدل عليه ضمنا بلحاظ دلالته على العموم، و ان كان أحدهما أضيق دائرة في مقام الحجية من الآخر، إلّا انه لا يجدي في التقدم، فتدبر جيدا.

هذا كله فيما يتعلق بكلام هؤلاء الاعلام. و تحقيق الحال، ان يقال [1]: ان من‏

____________

[1] لا يخفى انه ينبغي ان يبحث عن: ان أحد العامين من وجه إذا خصص بمخصص، هل يتحقق فيه ملاك تقديم الخاصّ على العام أو لا؟ و هكذا لو خصص العام بأحد الخاصّين، هل يفقد الخاصّ الآخر ملاك التقديم على العام أو لا؟

و لا أهمية لبيان انقلاب النسبة و عدمه، فان هذا العنوان لم يؤخذ في موضوع دليل بل المدار على ما عرفت، فانه هو محط الأثر العملي في تقديم دليل على آخر و عدم تقديمه، و لو بقيت النسبة على حالها بين الدليلين.

358

...........

____________

- و تمهيدا لذلك لا بد من الإشارة إلى الآراء في تقديم الخاصّ على العام، و هي وجوه:

منها: ما قربناه من ان دلالة العام على العموم تتبع جريان مقدمات الحكمة في المدخول، فيكون الخاصّ منافيا لإطلاق المدخول، فيتأتى فيه الوجه في تقديم المقيد على المطلق، و هو كشفه عن عدم كون المتكلم في مقام البيان من جهة المقيد فلا إطلاق له.

و منها: ما ذهب إليه المحقق النائيني- في بعض كلماته- من انه لأجل قرينية الخاصّ على العام، و القرينة مقدمة عرفا على ذي القرينة بلا كلام، و على هذا بني تقديم الخاصّ على العام و لو كان ظهور الخاصّ أضعف من ظهور العام.

و منها: ما يظهر من صاحب الكفاية و غيره، من انه لأجل كون الخاصّ أظهر من العام، و الأظهر يقدّم على الظاهر عرفا.

إذا عرفت ذلك فلنبدأ في الكلام بالصورة الثانية، و هي: ما إذا ورد عامين بينهما العموم من وجه، ثم ورد خاص لأحدهما يخصصه في مورد الافتراق، كما لو ورد: «أكرم العلماء» و ورد: «لا تكرم النجفيين»، و ورد: «لا تكرم العالم غير النجفي».

و ليعلم ان البحث يقع في: ان الخاصّ بمجرد ثبوته و وجوده هل يؤثر في قلب النسبة بين: «لا تكرم النجفيين» و: «أكرم العلماء» بالمعنى الّذي عرفته لانقلاب النسبة أو لا يؤثر؟ و ليس البحث في انه بعد إعمال الخاصّ و تقديمه هل تنقلب النسبة أو لا؟ كي يرد عليه: بأنه ما الوجه في ملاحظة الخاصّ أوّلا قبل العام الآخر.

يبقى في المقام شي‏ء لا بد من التنبيه عليه فيما نحن فيه، و ان تعرض له الاعلام في مجال آخر، و هو: انه على القول بانقلاب النسبة و لزوم الترتيب في العلاج في بعض الموارد، قد نعين لزوم الترتيب في العلاج بين الخاصّين الصادرين عن إمامين، فيخصص العام بالأول، فمع ورود الثاني تكون نسبته مع العام نسبة العموم من وجه لا نسبة العموم المطلق.

و أورد عليه في مصباح الأصول: بأنه قد مرّ مرارا بأن الكلام الصادر عن المعصومين بمنزلة كأنه كلام واحد، لأنهم في مقام بيان الأحكام لا تأسيسها، فلا وجه حينئذ لملاحظة الخاصّ الأسبق زمانا ثم يلاحظ المتأخر، بل يخصص العام بهما دفعة واحدة كما تقدم.

و التحقيق ان يقال: ان القائل بانقلاب النسبة اما لأجل ان المخصص المنفصل يهدم ظهور العام في العموم كالمخصص المتصل، باعتبار ان ظهور العام في العموم بالإطلاق، و اعتبار جواز المقدمات في المراد الجدي كما تقدم، أو لأجل انه يضيق دائرة حجيته، و موضوع المعارضة هو الدليل بلحاظ حجيتهما- مع بقاء ظهور العام في العموم اما لأن ظهوره بالوضع أو بالإطلاق، و لكن المقدمات تجري في المراد الاستعمالي.

359

يلتزم بأن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق ليست بالوضع و بنفسها، بل بتبع ما يراد من مدخولها بحسب جريان مقدمات الحكمة فيه.

و يلتزم أيضا بأن مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الجدي بحيث يكون الدليل المنفصل موجبا لتضييق دائرة ظهوره الإطلاقي كالمتصل، و كاشفا عن انه لم يكن في مقام البيان من جهة المقيد، فينهدم إطلاقه من هذه الجهة و ينعقد في غيرها.

من يلتزم بهذين الالتزامين، لا محيص له عن الالتزام بانقلاب النسبة، إذ مع ورود الدليل الخاصّ المنافي لأحد العامين ينهدم إطلاقه و ينعقد في غير مورد القيد، فيكون بالنسبة للعام الآخر خاصا.

و بما ان المحقق النائيني يلتزم بكلام الالتزامين فانقلاب النسبة لديه ضرورة واضحة.

____________

- و على كلا التقريبين يتعين الترتيب في الملاحظة مع السبق الزماني و لو من امام واحد.

اما على الأول، فواضح، لأنه بعد ورود الخاصّ الأول ينهدم ظهور العام في الباقي، فتكون نسبة الثاني حين وروده نسبة العموم من وجه، كما لا يخفى.

و اما على الثاني، فظهور العام و ان كان بعد ورود الخاصّ الأول على حاله، إلّا ان حجيته- التي هي مناط المعارضة لا ظهوره- تتضيق قطعا، فيكون العام حجة في غير مورد الخاصّ الأول، و يبقى هكذا حتى ورود الخاصّ الثاني، و معارضة الخاصّ الآخر انما هي بمقدار حجيته لا بمقدار ظهوره كما هو الفرض.

و هما بهذا اللحاظ عامّان من وجه، و ان كان بينهما بلحاظ الظهور عموم و خصوص مطلق.

و من هنا يظهر ما في كلام مصباح الأصول من الابتعاد عن موضع الكلام و نكتته، فان كون كلام الكل بمنزلة كلام واحد لا ينافي ما ذكرنا، إذ تعدد الصادر منه الكلام و وحدته لا ترتبط بنكتة المطلب التي بيّناها، المتقومة بالسبق الزماني و ان صدر الكلامان عن امام واحد.

نعم، هذا- أعني: ما ذكرناه- انما يجدي بالنسبة إلى من أدرك الإمامين و سمع من الأول الخاصّ الأول و من الآخر الثاني. اما بالنسبة إلى من تأخر عن زمان الأئمة (عليهم السلام)، و عثر على العام و المخصصين المترتبين زمانا، فلا يجدي ما ذكر، لأن ما ذكرناه متقوم بكون العام حجة لديه في غير مورد الخاصّ الأول ثم يرد الخاصّ الآخر، و الحجية انما تكون بالوصول، و مع وصول المجموع دفعة واحدة لم يكن العام قبل ورود أحد الخاصّين حجة بالنسبة إليه كي تنقلب نسبته مع وروده، بل هو في هذه الحال حجة في غير مورد الخاصّين. فلاحظ.

360

و اما من يلتزم بدلالة ألفاظ العموم عليه بنفسها لا بتبع ما يراد من مدخولها.

أو يلتزم بجريان مقدمات الحكمة في المراد الاستعمالي بحيث لا يكون المخصص المنفصل هادما لظهوره الإطلاقي بل رافعا لحجيته على المراد الجدي.

فلا وجه لالتزامه بانقلاب النسبة، إذ ظهور العام في الاستغراق لا ينهدم بورود المخصص، فتبقى نسبته مع العام الآخر كما كانت قبل التخصيص.

نعم، بناء على ان ورود الخاصّ المنفصل يكون هادما لظهور المطلق في المراد الاستعمالي أيضا، بحيث يكشف عن انه ليس في مقام البيان لمراده الاستعمالي، يتجه القول بانقلاب النسبة و ان كانت مقدمات الحكمة جارية في المراد الاستعمالي كما لا يخفى.

فمجمل القول: ان انقلاب النسبة لا محيص عن القول به على بعض الالتزامات في باب العام و المطلق، و لا وجه له على الالتزامات الأخرى.

هذا كله في بيان انه بعد التخصيص هل ينقلب ظهور العام و ينعقد له ظهور ثانوي في الباقي فتنقلب النسبة، أو لا ينقلب ظهوره و بقي على ما كان عليه فلا تنقلب النسبة [1]؟

____________

[1] اما بناء على المسلك المختار، فلأن العام نصّ في بعض افراده بنحو الجملة، يعني لا يمكن ان يفرض انه ليس في مقام البيان في بعض الافراد بنحو الموجبة الجزئية.

نعم، إثبات الحكم للجميع انما هو بالإطلاق، فإذا ورد المخصص للعام، كشف عن عدم كونه في مقام البيان من جهته، و دل بالملازمة على ان العام في مقام البيان من جهة غيره من الافراد، فكان العام بمقتضى دلالة الخاصّ التزاما نصا في بعض الافراد غير الخاصّ، و مقتضى ذلك ان يكون مقدما على العام الآخر غير المخصص، لأنه نصّ في مورد الاجتماع، فيكون كما لو فرض ان مورد الاجتماع كان موردا لأحد العامين، بحيث لا يمكن حمله على غيره لأن تخصيص المورد مستهجن.

و لا يقال: ان هذا انما يتم إذا لوحظ الخاصّ أولا، و لم يقدم الخاصّ على العام الآخر.

و ذلك، لأن ملاحظة العامين أولا تستلزم التصرف في التخصيص، لأن عدم حجية العام في المجمع من باب التساقط، و هو لا يستلزم كونه نصا في غير المجمع كي تنقلب النسبة بينه و بين‏

361

...........

____________

- الخاصّ الآخر.

و عليه، فلا بد من تقديم الخاصّ في مقام العلاج، لأنه بوجوده يتصرف في ظهور العام و يوجب قلب النسبة بدلالته الالتزامية، فيكون المورد من قبيل تقديم الوارد على المورود، فالتخصيص رافع لموضوع التساقط، لكن التساقط لا يرفع موضوع التخصيص لأنه لا يوجب الانقلاب.

و اما صورة كون أحد الخاصّين قطعيا، فالانقلاب أيضا متعين، لأنه مع القطع بخروج بعض الافراد، لا مجال لجريان أصالة العموم في العام، فيعلم ان مورد العموم غير الخاصّ، فتكون النسبة بين العام و الخاصّ الآخر هي العموم من وجه. و لا مجال لدعوى تقديم الخاصّ الآخر، للعلم بخروج الخاصّ القطعي، سواء قدم الخاصّ الآخر، أو لوحظ في عرض واحد، أو لا؟

فلاحظ.

و اما صورة الخاصّ الأخص، فلا وجه لتقديمه أولا بدعوى العلم بخروجه على كل تقدير، لأن أحد تقديري العلم هو التخصيص بالأعم، بل يخصص العام بهما معا، فلاحظ.

هذا تقريب الانقلاب على المختار.

و اما على مختار صاحب الكفاية، فالامر كذلك، لأنه بعد ملاحظة الدلالة الالتزامية للخاص يكون وروده موجبا خصوصية العام المخصص في غير مورده، فيكون أظهر في الجمع من العام الآخر، و كذلك على مختار القرينية، فلاحظ.

هذا تحقيق الكلام.

و اما كلمات الاعلام ففيها كلام.

اما مطلب صاحب الكفاية، فيرده: ان أساس تقديم العام المخصص على العام الآخر لم يكن على انقلاب الظهور و تبدله و عدمه، بل على نصوصية في المجمع بملاحظة الدلالة الالتزامية للخاص، سواء بقي على ظهوره في العموم أو لم يبق، فهو كما عرفت نظير العام الّذي يكون مورد الاجتماع موردا له، فانه لا يخرج عن ظهوره في العموم بذلك، و لكنه يقدم على العام الآخر، فكأنه (قدس سره) لاحظ لفظ: «انقلاب النسبة» و ناقش ذلك على هذا الأساس، و الحال انه لا وجه لذلك، بعد عدم ورود هذا التعبير في لسان دليل.

و اما مطلب النائيني، فقد حققنا رده في المتن بنحو التفصيل، و العمدة ان موضوع النسبة ليس هو الظهور الحجة، بل الظهور بنفسه الّذي له مقتضى الحجية، و ان لم يكن حجة فعلا للمعارضة أو لغيره.

و اما كلام الشيخ، فهو لا يخلو عن إجمال.

362

...........

____________

- هذا، و لكن الّذي يبدو لنا ان هذا المبحث لا نفع فيه كثير كما كنا نتخيل سابقا، إذ في هذه الصورة لا بد من الالتزام بنتيجة انقلاب النسبة، سواء قلنا به أم لم نقل به، و ذلك.

اما في صورة العامين من وجه و تخصيص أحدهما المخصص، فلا بد من تقديم العام المخصص، اما للانقلاب، و اما لعدم المورد له و استلزامه لغويته، كما أشار إليه الشيخ.

و اما في صورة المخصصين اللذين أحدهما قطعي، فلا بد من تقديم الخاصّ الآخر على العام لعدم الانقلاب.

و اما لأن تقديم العام في المجمع يستلزم لغوية الخاصّ الآخر و عدم ثبوت الحكم لعنوانه مع انه نصّ فيه، فمثلا لو ورد: «أكرم العالم» و ورد: «لا تكرم النحويين» و كان قطعيا، و ورد: «لا تكرم العالم النجفي»، ففي الفقيه النجفي يتعارض الخاصّ مع العام. فان قدم العام و اقتصر في التخصيص على النجفي النحوي بقي الخاصّ الآخر، و لم يبق مورد بعنوانه.

و اما في صورة الخاصّ الأخص، فلو قدم الخاصّ الأخص، فلا بد من تقديم الخاصّ الآخر الأعم اما لعدم الانقلاب و اما لاستلزامه اللغوية أيضا كما تقدم، و قس على هذا البيان سائر الصور، فلاحظ جيدا.

يقع الكلام في نصوص ضمان العارية و اختلافها، و تحقيق الحال فيها:

اما نصوص الاشتراط، فالاستثناء فيها أشبه بالمنقطع، بناء على ما تقرر في محله من الجمع بين أدلة الشروط و أدلة الأحكام الأولية بحملها على ثبوت الحكم في نفسه، فدليل نفي الضمان راجع إلى بيان عدم الاقتضاء في العارية بما هي، و دليل الثبوت مع الشرط راجع إلى بيان الاقتضاء بلحاظ الشرط، و لا منافاة أصلا بين الحكمين. و لو سلم انه من التخصيص، فلا ينافي سائر الروايات، لأنها واردة مورد الشرط و عدمه كما أشير إلى ذلك في المتن.

و اما نصوص الدرهم و الدينار، فهي:

أولا: غير ظاهرة في خصوصية الدرهم و الدينار بما هما، بل بلحاظ جهة جامعة، كما يقال:

«ان فلانا يحب الدينار» فانه لا ظهور له في انه يحبه لنفسه، بل بما هو نقد أو غير ذلك.

و ثانيا: ان خصوصيتها ملغاة بمقتضى ما تقرر من ان ترتيب الحكم الواحد على موارد متعددة يكشف عن إلغاء الخصوصية، كما في دم الطير و الأرنب و نحو ذلك. و عليه فلا بد من ملاحظة الجهة الجامعة، و هي مرددة بين أمور، فتكون مجملة، و لكن روايات الذهب تبين الجامع، و لا أقل من ارتفاع التنافي فيها.

و ثالثا: انه لا عقد سلبي للروايات المزبورة مطلقا، لأنها في مقام بيان ان عدم الضمان ينتفي في هذه الموارد، لا انها في مقام نفي الضمان مطلقا و ثبوته هنا، فلا دلالة لها على الحصر حينئذ،

363

...........

____________

- و مقتضى ذلك ثبوت الضمان في جميع هذه المذكورات لعدم التنافي.

و لو سلم التنافي بملاحظة وجود العقد السلبي و غض النّظر عما ذكرناه، فيقع التعارض بين العقد السلبي لكل منها و العقد الإيجابي للآخر، لكن روايات الدرهم و الدينار تقيد إحداهما الأخرى.

و اما النسبة بينها و بين روايات الذهب و الفضة، فهي العموم من وجه.

و قد يقال: بتقديم العقد السلبي، لأن دلالته بالعموم و العقد الإيجابي دلالته بالإطلاق. و لكن لو سلم كبرى هذا المطلب فهي هنا غير مسلمة، لأن تقديم العام هاهنا يقتضي إلقاء المطلق بالمرة أو تخصيصه بالفرد النادر جدا و هو مستهجن. هذا مع عدم العموم لتقييد كل منهما بالآخر في الدينار و الدرهم، مما يكشف عن عدم إرادة العموم قطعا.

ثم انه لو تحقق التعارض، فقد يقال بالرجوع إلى العموم الفوقاني الدال على عدم الضمان، و لكن ذلك يشكل: بأنه يبتني على عدم انقلاب النسبة، و إلّا فالعموم الفوقاني يتضيق أيضا لتقيده جزما بروايات الدرهم و الدينار، فيكون حاله حال العقد السلبي في تلك الروايات، و من هنا يعلم ارتباط هذا الفرع بمسألة انقلاب النسبة، فلاحظ.

نعم، يتعرض لصورة تعارض العام مع الخاصّين المستغرقين و كيفية معالجة التعارض، كما يتعرض لصورة تعارض أحد العامين من وجه مع العام الآخر و الخاصّ المخصص له.

و اما شمول الاخبار العلاجية للعامين من وجه، فعلى القول بتعدد التعبد في المقامات الثلاثة- كما أشير إليه في المتن، و هو المذهب الصحيح- فلا وجه للقول بالشمول، لأن الاخبار العلاجية تتكفل الترجيح من جانب الصدور، و واردة في مورد لا يمكن البناء على صدور الخبرين معا، ففي المورد الممكن التزام صدورهما لا إشكال حينئذ.

و ما نحن فيه كذلك، لإمكان الالتزام بصدورهما و التساقط في الدلالة و حجية الظهور في بعض المدلول.

نعم، في المورد الّذي يكون التساقط في جميع المدلول تسري المعارضة للصدور، إذ لا معنى للتعبد بصدور ما لا يؤخذ به أصلا، فيقع التعارض في أدلة اعتبار السند.

و قد يقال: بان الخبر العام منحل إلى اخبار متعددة بتعدد الافراد، فالخبر بمورد الاجتماع غير الخبر بمورد الافتراق، فيكون التعارض بين الخبرين الضمنيين، و نتيجته الترجيح أو التخيير في أحدهما.

و الجواب: ان الخبر الضمني في المقام خبر تحليلي لا خبر عرفي، و إلّا فالحكاية أو الإنشاء واحد لا يقبل التعدد، و انما التعدد في مقام التطبيق و الفعلية. و توضيح ذلك.

364

...........

____________

- أولا: ان التعارض في النقلين و هما ينقلان قول المعصوم و هو واحد لا متعدد، و الانحلال على تقدير في المنقول لا في النقل.

و ثانيا: ان الانحلال المتعقل انما هو في القضايا الخارجية، كبيع الصفقة، و الاخبار بفسق هؤلاء، و نحو ذلك، فيكذب من جهة دون أخرى. و لا يتعقل في القضايا الحقيقية، فلو قال: «السم قاتل» و تخلف ذلك في بعض الافراد لم يكن الا كاذبا لا صادقا و كاذبا، و ذلك لأن القضية الحقيقية اخبار بالملازمة بين المحمول و الموضوع بلا نظر إلى وجود الموضوع خارجا و الانحلال في مقام التطبيق. و الأحكام الشرعية كلها منشأة بنحو القضية الحقيقية لا الخارجية، فلاحظ.

و اما على القول بوحدة التعبد في المقامات الثلاثة، و ان مرجع التعبد بالصدور إلى التعبد، بالمضمون أيضا، فقد يتصور سراية التعارض الدلالي إلى التعارض السندي، لعدم إمكان الجمع بين التعبدين بصدورهما معا.

و لكنه مبنى فاسد أولا.

و ثانيا: لا تساعده اخبار العلاج إثباتا، موضوع التعارض المطلق و من جميع الجهات لا من جهة دون أخرى، فلاحظ.

و اما ما أفاده السيد الخوئي في المقام، فالكلام معه في جهات: في تحديده محل الكلام. و في تفصيله بين العام و المطلق. فان غاية تقريبه: ان الإطلاق حيث انه بمقدمات الحكمة، و هي تجري من قبل المكلف نفسه و السامع للخبر، فمع تضاد الحكمين يعلم إجمالا بعدم كونه في مقام البيان في أحد الإطلاقين، فلا تتم مقدمات الحكمة في أحدهما، فلا ينعقد لأحدهما ظهور كي تتحقق المعارضة، بخلاف العموم فان دلالته وضعية.

و الإشكال عليه: بأن مجرى المقدمات هو المراد الاستعمالي لا الجدي، و هو غير معلوم العدم في أحدهما.

يمكن ردّه: بأن بيان المراد الاستعمالي بنحو الإطلاق مع عدم كونه مرادا جدا، انما يقرب على أساس كون الإطلاق يكون قاعدة ظاهرية يرجع إليها عند الشك ما لم يثبت التقييد، و مثل هذا مفقود فيما نحن فيه، لأنه بعد ورود الإطلاق الأول، فلا محصل لإرادة القاعدة الظاهرية من الإطلاق الثاني، فكيف بين الإطلاق استعمالا و لا يراد جدا؟ فانه لغو محض. اذن فالتفكيك موجود بين العام و المطلق بما بيناه.

و لكن هذا لو تم لأشكل الأمر في مطلق التعارض، إذ التعارض يتوقف على تمامية مقتضى الحجية في كل الدليلين في نفسه، فقد يقال: ان الظهور انما يكون حجة إذا لم يكن له معارض، فعدم المعارض أخذ في موضوع الحجية. و عليه فكل من المتعارضين ساقط عن الحجية، فلا

365

ثم انه على القول بانقلاب الظهور بالتخصيص و انقلاب النسبة، لا بد من التكلم في انه هل يلزم الترتيب في العلاج بحيث تنقلب النسبة بينه و بين الطرف الآخر غير الملحوظ ابتداء أو لا؟

و التحقيق: انه لا بد من التفصيل بين صورتي ما إذا ورد عام و ورد خاصان ينافيانه. و ما إذا كان هناك عامان و خاص ينافي أحدهما.

ففي الصورة الأولى لا وجه للالتزام بالترتيب و تقديم أحد الخاصّين ثم ملاحظة العام و الخاصّ الآخر، لأن تقديم أحدهما بخصوصه ترجيح بلا مرجح، فلا بد من الالتزام بتخصيص العام بكل منهما دفعة واحدة.

نعم، يستثنى من ذلك صورة ما إذا كان أحد الخاصّين قطعيا و الآخر ظنيا، فانه يقدم الخاصّ القطعي على الظني، ثم تلاحظ النسبة بين العام و الخاصّ الظني.

و الوجه في ذلك: ان الدليل الخاصّ الظني انما يتقدم على العام ببناء العقلاء لكونه صالحا للبيانية، و هذا إنما يتم بعد فرض انعقاد ظهور العام في العموم، و مع وجود الدليل القطعي على عدم إرادة بعض الافراد تتضيق دائرة العام تكوينا للعلم بعدم كون المتكلم في مقام البيان من هذه الجهة، فتنقلب النسبة بينه و بين الخاصّ الظني قهرا.

و هذا بخلاف الخاصّ القطعي، فان تقدمه على العام لا يتوقف على بناء العقلاء، و ظهور العام في العموم ليقينيته، فهو متقدم عليه سواء خصص العام بذلك الخاصّ أم لم يخصص. و بعبارة أخرى: تقدمه عليه ليس من باب التخصيص كي تكون ملاحظته ابتداء من الترجيح بلا مرجح، بل للعلم به و بعدم إرادة العموم.

و بالجملة: تقدم الخاصّ الظني على العلم و صلاحيته للبيانية انما يفرض عند ثبوت العموم، و مع العلم بعدم ثبوته و انه لم يكن في مقام البيان من بعض الجهات لا

____________

- تعارض أصلا لعدم حجية الظهور في كل منهما، فيكونان كالمجملين، فلا فرق فيما ذكره بين العامين من وجه و بين المتباينين، فتدبر.

366

مجال لتقدمه على العام لانقلاب النسبة إلى العموم من وجه.

و اما الصورة الثانية- نظير ما لو ورد: «أكرم العلماء» ثم ورد: «لا تكرم فساقهم» ثم ورد: «يستحب إكرام العدول»- فلا يخلو الحال فيها من إحدى ثلاث:

الأولى: ان يكون العام المخالف للخاص أظهر من العام غير المخالف له.

الثانية: ان يكون العام غير المخالف أظهر من العام المخالف.

الثالثة: ان يكونا متساوي الظهور.

ففي الحال الأولى: لا ثمرة عملية للكلام في صحة تقديم الخاصّ ثم مراعاة النسبة بين العامين، لأن العام المخالف للخاص يتقدم على العام الآخر سواء قلنا بتقديم الخاصّ و انقلاب النسبة أو لم نقل، لأظهريته.

و اما في الحال الثانية: فالثمرة العملية موجودة، لأنه إذا قدم الخاصّ و صارت نسبة العام المخصص إلى العام الآخر نسبة الخاصّ إلى العام، كان أظهر منه فيتقدم عليه، بخلاف ما إذا لم يقدم، فان العام الآخر يقدم عليه في الجمع لأنه أظهر فيه منه.

و عليه، فللكلام في لزوم تقديم الخاصّ في مقام العلاج أو عدم لزومه مجال.

و التحقيق: انه ..

ان قلنا بأن تقدم الخاصّ على العام ليس من جهة الأظهرية، بل من جهة كون عدمه مأخوذا في موضوع أصالة العموم، فيكون عدمه جزء المقتضي و يتقدم عليه مطلقا و لو لم يكن بأظهر، و يكون وجود الأظهر غير الخاصّ من قبيل وجود المانع- ان قلنا بهذا- كان الوجه ملاحظة الخاصّ ابتداء، إذ ملاحظة المقتضي بشئونه أسبق من ملاحظة عدم المانع و باقي اجزاء العلة.

و عليه، فلا وجه لملاحظة العام الآخر قبل لحاظ الخاصّ أو معه لأن نسبته إلى العام المخالف للخاص نسبة المانع، و لا وجه لملاحظته قبل تمامية مقتضية و لحاظ حده، فلا بد من ملاحظة الخاصّ أولا ثم يلاحظ العام الآخر.

و اما ان قلنا- كما هو الحق- بأن تقدم الخاصّ للأظهرية، فلا يتجه تقديم‏

367

لحاظه على لحاظ العام الآخر، بل الوجه انهما يلحظان معا و يخصص بهما العام لتساويهما في مقام المعارضة بالنسبة إلى العام، فلاحظ.

و اما في الحال الثالثة: فقد يقال بلزوم ملاحظة الخاصّ أولا ثم ملاحظة العام المخصص مع العام الآخر.

و غاية ما يمكن ان يقال في توجيهه: ان المعارضة بين الطرفين انما تتحقق بعد فرض تمامية موضوع الحجية و مقتضيها في كلا الطرفين. و لما كان تقدم الخاصّ و ملاحظته ابتداء موجبا للتصرف في موضوع المعارضة ظهورا أو حجية أو كشفا- على الخلاف- بحيث تنقلب النسبة بين العامين بملاحظته. بخلاف تقدم العام، فانه ليس من باب التصرف و لا يوجبه، بل العام المطروح يبقى على ما هو عليه من الحجية و الظهور في المجمع و لو لم تكن حجيته فعلية، فلم توجب ملاحظته انقلاب النسبة بين العام و الخاصّ إلى التباين أو غيره. لما كان الأمر كذلك كانت نسبة ملاحظة الخاصّ إلى معارضة العام الآخر نسبة الوارد و المورود، لأن ملاحظته ابتداء ترفع موضوع المعارضة فيتقدم عليه قهرا بملاك تقدم الوارد على المورود.

و لكن هذا الوجه و ان كان تاما في نفسه إلّا انه لا يجدي فيما نحن فيه، لأن مثل هذا الوجه انما يجدي في مورد يكون فيه الدليل ثابتا في مقام الإثبات بحيث يكفي الوجه في رفع بعض المحاذير التي تذكر، نظير الترتب المجدي في رفع استحالة اجتماع الحكمين، فان تصوره في مقام الثبوت مساوق لتحققه إثباتا، لتمامية الدليل في مرحلة الإثبات. امّا في ما نحن فيه فليس الأمر كذلك، لأن تقدم الدليل الخاصّ و ملاحظته أولا في مقام المعارضة ليس أمرا مفروضا عنه إثباتا، و الكلام في وجهه الثبوتي. بل هو محل الإشكال. فلا يجدي ما ذكر من ان ملاحظة الدليل أولا رافعة لموضوع المعارضة بين العامين، لأنه و ان كان كما ذكر، إلّا ان الملاحظة الابتدائية للخاص هي محل الإشكال و الكلام و لا دليل عليها.

و ليس هذا نظير الوارد و المورود، فان الوارد بمدلوله رافع لموضوع الدليل‏

368

الآخر، و حيث انه موضوع الحجية فيتقدم لثبوت مقتضية و عدم المانع. و في المقام ليس المدلول كذلك، بل البناء عليه و الأخذ به و ملاحظته أولا كذلك، و هي لا دليل عليها و لم يثبت مقتضيها.

هذا، و لكن الإنصاف ثبوت الدعوى المذكورة، و ذلك لأن انقلاب النسبة ..

ان قرب بدعوى: ان المخصص بوروده يتصرف في ظهور العام و يقبله عما كان عليه، كانت مرتبة الخاصّ فيما نحن فيه أسبق من مرتبة العام المعارض، فانه في مرتبة المقتضي لأنه مانع عن ثبوته، و العام المعارض في مرتبة المانع، لأنه مانع عن تأثير المقتضي لا عن ثبوته، إذ هو لا يتصرف في الظهور الّذي يكون موضوعا لأصالة العموم. و عليه فلا بد من ملاحظة الخاصّ أولا إذ لا وجه لملاحظة أحد العامين مع الآخر قبل تمامية المقتضي في أحدهما و ثبوت عمومه- كما عرفت قبل قليل- و ان قرب انقلاب النسبة: بأن موضوع المعارضة ما كان موضوع الحجية من الأدلة، أو بان المعارضة بلحاظ الكشف النوعيّ، فمعارضة أحد العامين للآخر لا تثبت الا بعد فرض تمامية حجيتهما أو كشفهما في مدلولهما، و مع وجود المخصص لأحدهما تتضيق حجيته أو كشفه قهرا، فلا يكون معارضا للعام الآخر، بل يكون مخصصا.

و بالجملة: تحقق المعارضة بين الدليلين لا يتم إلّا بتمامية ما به التعارض في كلا الدليلين، و ثبوت الخاصّ يضيق ما به التعارض في أحدهما، فتنقلب النسبة قهرا.

هذا تمام الكلام في مرحلة ثبوت المسألة.

و يقع الكلام بعد ذلك في تحقيق صور المسألة و بيان حكمها من انقلاب النسبة- على القول به- و عدمه. و غير ذلك مما ينبغي تحقيقه، و هي متعددة.

الصورة الأولى: ما إذا ورد عام و خاصان‏

. و هي تتفرع إلى فروع.

الأول: ان يكون الخاصان متباينين.

369

الثاني: ان يكون بين الخاصّين عموم من وجه.

الثالث: ان يكون بينهما عموم مطلق.

اما الفرع الأول‏

: فان لم يلزم من تخصيص العام بكلا الخاصّين محذور الانتهاء إلى ما لا يجوز الانتهاء إليه أو بقاؤه بلا مورد- نظير: «أكرم العلماء» و: «لا تكرم النحويين، و لا تكرم الأصوليين»- فلا إشكال في تخصيص العام بهما دفعة واحدة، إذ لا وجه لملاحظة أحدهما ابتداء، فانه ترجيح بلا مرجح كما عرفت آنفا.

و اما ان لزم من تخصيصه بهما المحذور- نظير: «أكرم العلماء، و لا تكرم فساقهم، و يستحب إكرام العدول منهم»، فلا يخصص العام بهما، بل يقع التعارض بينهما و بين العام و تكون نسبتهما إليه نسبة التباين.

و قد ذكر لهذا النحو أحوال ستة:

الأول: ان يكون الخاصان أرجح من العام.

الثاني: ان يكون العام أرجح منهما.

الثالث: ان يكون راجحا بالنسبة إلى أحدهما مرجوحا بالنسبة إلى الآخر.

الرابع: ان يكون راجحا بالنسبة إلى أحدهما مساويا للآخر.

الخامس: ان يكون مساويا لأحدهما مرجوحا بالنسبة إلى الآخر.

السادس: ان يكون مساويا لهما.

اما في الحال الأول، فلا إشكال في تقدم الخاصّين و طرح العام من رأس.

و اما في الثاني، فلا إشكال أيضا في الأخذ بالعامّ. و انما الإشكال في انه هل يطرح كلا الخاصّين، أو لا يطرح إلّا أحدهما، فيقع التعارض العرضي بينهما و يقدم الراجح منهما، أو يتخير بينهما و يخصص به العام؟

و قد اختار صاحب الكفاية الثاني‏ (1)، و وافقه الاعلام من بعده.

و مركز الخلاف يرجع إلى ان طرف المعارضة هل هو مجموع الخاصّين فلا

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 452- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

370

يطرح إلّا أحدهما، أو جميعهما فيطرحان معا؟

و لا بد من توضيح الحال ببيان الفرق بين الجميع و المجموع، مع غض النّظر عن نفس التعبير، إذ لا يخلو التعبير بهما عن غموض.

فنقول: ان طرف المعارضة تارة يؤخذ ذات الدليلين، و أخرى يؤخذ وصف اجتماعهما و انضمامهما.

و المراد بالمجموع هو هذا المعنى، يعني ان المأخوذ في طرف المعارضة وصف الاجتماع فلا يستلزم تقديم العام الا إلغاء هذا الوصف، و هو لا يقتضي إلّا طرح أحدهما لا كليهما. و المراد بالجميع هو المعنى الأول.

و الالتزام بأن طرف المعارضة هو المجموع بهذا المعنى الّذي عرفته غير وجيه لوجهين:

الأول: ان طرف المعارضة لا بد و ان يكون دليلا فيه جهة الدلالة و الحجية، كي تكون معارضته للدليل الآخر من إحدى الجهتين. و ليس وصف الاجتماع دليلا أخذ موضوعا للحجية و يشتمل على جهة الدلالة، فلا يصلح لأن يكون طرف المعارضة.

الثاني: لو سلم إمكان كونه طرف المعارضة- بالتنزل عن اعتبار جهة الدلالة أو الدليليّة في المعارض- فليس هذا النحو من المعارضة مشمولا للاخبار العلاجية المتضمنة لتقديم الراجح و طرح المرجوح، إذ معنى الطرح جعل المانع من حجية أحد الطرفين، و قد عرفت ان وصف الاجتماع لم يؤخذ في موضوع الحجية كي يكون قابلا للطرح و الأخذ.

و عليه، فالمتعين ان يكون طرف المعارضة هو ذات الدليلين، بمعنى ان يكون كل منهما معارضا للعام في ظرف انضمام الآخر إليه، نظير وجوب المركبات، فان الواجب هو كل واحد من الاجزاء، لكن عند انضمام الآخر إليه لا مجموعها و لا كل واحد بنفسه، و معروض الوجوب هو نفس الجزء لا بقيد الانضمام، بل عند الانضمام.

371

ثم انه لو قيل بإمكان التبعيض في حجية العام، بمعنى إمكان كون العام حجة في بعض مدلوله دون الآخر في بعض موارد المعارضة- كما ستأتي الإشارة إليه- ففي المقام تتشكل حينئذ معارضتان متعددة الأطراف، إذ كل من الخاصّين يعارض ما ينافيه من مدلول العام و ظهوره في مقام الحجية.

و مع فرض أرجحية العام من الخاصّين يطرح الخاصان معا، لأرجحية كل قسم من العام من الخاصّ المعارض له، فتقدم العام مع رجحانه على هذا القول واضح لا غبار عليه.

و اما على القول بعدم إمكان التبعيض و ان مصب الحجية في العام واحد لا يتبعض، فطرف المعارضة مع كلا الخاصّين هو مجموع العام، فالعام معارض لكل من الخاصّين في حال انضمام الآخر إليه، ففي المقام معارضتان إلّا ان أحد الطرفين فيهما واحد و هو العام- نظير ما لو كان هناك ثلاث أوان شرقي و غربي و وسط، و وقعت في حين واحد نجاستان ترددت إحداهما بين الإناء الوسط و الغربي، و الأخرى بين الإناء الوسط و الشرقي، فان أحد الطرفين في العلمين الإجماليين واحد و هو الإناء الوسط، و يكون الأصل فيه معارضا لكل من الأصلين في الطرفين الآخرين، لو قيل بالمعارضة بين الأصول في أطراف العلم الإجمالي- ففي فرض أرجحيته من كلا الخاصّين يتقدم عليهما في المعارضتين لرجحانه عليهما و يطرحان معا.

و يمكن ان يقال: انهما معا يكونان طرف المعارضة لأنهما بمنزلة دليل واحد، فلا تكون الا معارضة واحدة طرفاها العام و كلا الخاصّين، يتقدم عليهما العام في فرض رجحانه و يسقطان معا، لأنهما بمنزلة دليل واحد و ظهور واحد، كما يسقط الدليل الواحد بمعارضة ما هو أرجح منه، فكذلك الخاصان.

و المحصل: انه إذا كان طرف المعارضة ذات الدليلين يسقطان معا عند أرجحية العام منهما.

372

و لا وجه لما ذكره السيد الخوئي- كما في مصباح الأصول- من: انه بعد ان كان العلم الإجمالي متعلقا بكذب أحد الأدلة الثلاثة، فلا وجه لطرح كلا الخاصّين عند تقديم العام، إذ بعد تقديمه لا يعلم إلّا بكذب أحدهما فيحصل التعارض عرضا بينهما، و تجري فيهما أحكام المعارضة من ترجيح أو تغيير.

و ذلك لأن مجرد العلم الإجمالي بكذب أحدهما لا يجدي في تحقيق المعارضة (1) بين الدليلين، بل لا بد من انضمام امر آخر إليه، و هو اشتمال كل من الدليلين على مقتضى الحجية و قابليتهما لها، بحيث تكون حجيتهما فعلية لو لا المعارضة العرضية الحاصلة بالعلم الإجمالي بكذب أحدهما، فالعلم الإجمالي بنفسه كاحتمال المصادفة للواقع، فكما ان احتمال مصادفة الخبر للواقع لا يكون بنفسه مناطا لشمول دليل الحجية للخبر ما لم يكن في الخبر اقتضاء للحجية، كذلك العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين لا يكون بنفسه مناطا للمعارضة بين الدليلين ما لم يكن في الدليلين اقتضاء الحجية.

و هذا غير موجود فيما نحن فيه، إذ بعد ترجيح العام و تقدمه يلزم طرح الخاصّين كلاهما، لأنهما طرفا المعارضة- كما عرفت- و معنى الطرح جعل المانع عن حجية كل منهما بتقديم الطرف الآخر، فالعلم الإجمالي بكذب أحدهما لا يوجب تشكيل معارضة أخرى عرضية بينهما، لكون حجية كل منهما مقرونة بالمانع من غير جهة المعارضة.

نعم، لو كان طرف المعارضة وصف الاجتماع، كان ما ذكر في محله، لأن المطروح هو وصف الاجتماع من دون تعرض لنفس الدليلين، و هما في أنفسهما حاويان لمقتضى الحجية. لكنك عرفت بطلان هذا الالتزام، فلاحظ.

و اما لو تساوى العام و الخاصان، فيختلف الحال على القولين: القول بإمكان التبعيض في حجية العام. و القول بعدمه.

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 390- الطبعة الأولى.

373

فعلى الأوّل: فحيث قد عرفت انه تتشكل معارضتان طرف كل منهما أحد قسمي العام و الخاصّ المنافي له.

فله الأخذ- في هذا الفرض- بطرف العام- أي ببعضه- في إحدى المعارضتين، و بالخاص في الأخرى، لأنه مخير مع التساوي في الأخذ بأي طرف من المعارضة.

و على الثاني: فالمعارضة و ان كانت متعددة، إلّا ان أحد الطرفين فيها واحد و هو مجموع العام، فيتعين اما الأخذ بالعامّ بمجموعه و طرح الخاصّين معا، أو الأخذ بالخاصين و طرح العام- و اما على الاحتمال الآخر من ان المعارضة واحدة طرفها كلا الخاصّين و العام، فالتخيير المذكور بين أخذ العام و طرح الخاصّين و أخذ الخاصّين و طرح العام يكون واضحا جدا- و اما لو كان العام راجحا بالنسبة إلى أحدهما مساويا للآخر.

فعلى القول بإمكان التبعيض و تعدد المعارضة و طرفاها، فالحكم واضح، إذ يؤخذ بالشق الراجح من العام و يتخير في الشق الآخر المساوي للخاص الآخر بين الأخذ به و طرح الخاصّ المقابل له، و طرحه و العمل بالخاص.

و اما على القول بعدم إمكانه، فقد يقال: بأنه بعد ان كان العام راجحا من أحد الخاصّين، فيمكن ان يطرح الخاصّ المرجوح بالاخذ بالعامّ ثم يتخير في المعارضة الأخرى بين العام و الخاصّ الآخر المساوي، فله طرح العام و الأخذ بالخاص و بالعكس. و بذلك قد تكون النتيجة هي العمل بأحد الخاصّين فقط.

و لكن هذا القول غير وجيه، لأن تقديم العام على الخاصّ المرجوح انما يصح بعد فرض حجيته الفعلية التعيينية، و مع وجود المعارض الآخر للعام لا يصلح العام لإلغاء الخاصّ المرجوح ما لم يؤخذ به، و يتعين في الأخذ دون الخاصّ المساوي.

و عليه فمع الأخذ به يطرح الخاصّ المرجوح. و اما مع طرحه و العمل بمعارضة الخاصّ المساوي، فيبقى المرجوح بلا معارض فيعمل به.

374

و نتيجة ذلك: انه اما ان يؤخذ بالعامّ و يطرح كلا الخاصّين، أو يؤخذ بالخاصين و يطرح العام، فتدبر.

و اما على الاحتمال الآخر من وحدة المعارضة بكون طرف المعارضة مع العام هو كلا الخاصّين، فيشكل شمول الاخبار العلاجية لمثل الفرض مما يتفاوت فيه سند الخاصّين من جهة الرجحان، إذ الظاهر منها كون موضوعها معارضة الدليلين بنحو يكون لكل منهما سند واحد فيلاحظ الأرجح منهما.

و ليس الأمر فيما نحن فيه كذلك، لتعدد السند و اختلافه، فليس هناك سند واحد للدليلين الخاصّين يلاحظ الترجيح بينه و بين سند العام.

فالمتعين هو الرجوع إلى القاعدة الأولية، و هي التساقط كما عرفت.

فالمتعين هو الرجوع إلى القاعدة الأولية، و هي التساقط كما عرفت.

اللهم إلّا ان يقال- توسعا في الخيال- ان الظاهر من أدلة العلاج كون المرجحات المذكورة انما هي لترجيح مضمون أحد المتعارضين على الآخر بلا اعتبار وحدة السند و لا نظر إليها، بمعنى ان طرف المعارضة إذا اشتمل على بعض هذه المرجحات دون الطرف الآخر فقدم عليه و طرح الآخر.

و عليه، ففي المقام يلاحظ سند مجموع الخاصّين يحصل الكسر و الانكسار بين سنديهما، ثم يلاحظ بالنسبة إلى سند العام، و المتعين هو العام لأرجحية سنده من سند الخاصّين.

و اما لو كان العام راجحا بالنسبة إلى أحدهما مرجوحا بالنسبة إلى الآخر.

فعلى الالتزام بإمكان التبعيض و نتيجته، فالحكم ظاهر، إذ اللازم الأخذ بالقسم الراجح من العام و طرح الخاصّ المقابل له و طرح القسم المرجوح منه و العمل بالخاص منه المعارض له.

و اما على الالتزام بعدم إمكانه و تعدد المعارضة و لكن أحد الطرفين فيهما واحد و هو العام، فالعام لا يصلح لأن يكون مانعا عن الخاصّ المرجوح في معارضته له، لأنه انما يصلح ان يكون كذلك بعد فرض تعينه و عدم وجود ما يصلح‏

375

لمانعية حجيته، و مع فرض وجود الخاصّ الأرجح يسقط العام عن الحجية لاقتران مقتضيها بالمانع، فيبقى الخاصّ المرجوح بلا مانع. و نتيجة ذلك هو تعين الأخذ بالخاصين.

و اما على الاحتمال الآخر و إمكان كون المقام مشمولا للاخبار العلاجية- بالتقريب الّذي عرفته- فالحكم هو التخيير لحصول التساوي بين سند العام و سند الخاصّين بعد الكسر و الانكسار، فيتخير بين الأخذ بالعامّ و طرح الخاصّين، و الأخذ بهما و طرح العام.

و اما لو كان العام مرجوحا بالنسبة لأحدهما مساويا للآخر.

فالحكم على القول بتعدد المعارضة و تعدد طرفيهما- كما هو الحال على القول بإمكان التبعيض في حجية العام- واضح أيضا، إذ يؤخذ بالخاص الراجح على معارضه من قسمي العام، و يتخير في المعارضة الأخرى بين الأخذ بالعامّ- أعني:

ببعضه المعارض للخاص المساوي- و الأخذ بالخاص.

و اما على القول الآخر- أعني: تعدد المعارضة و اتحاد أحد طرفيها- فالمتعين هو الأخذ بالخاصين، إذ العام مع وجود الخاصّ الأرجح لا يصلح لمعارضة الخاصّ المساوي و مانعيته عنه لاحتفاف حجيته بالمانع، فهو مطروح بلا إشكال، فيؤخذ بالخاص المساوي مع تعين الأخذ بالخاص الراجح، و بذلك تكون النتيجة هي الأخذ بالخاصين و طرح العام.

و اما على الاحتمال الأخير الّذي عرفت تقريبه، فالمتعين هو الأخذ بالخاصين أيضا، لأرجحية سندهما بعد الكسر و الانكسار من سند العام فيطرح، فلاحظ و تدبر.

يبقى الكلام فيما أفاده السيد الخوئي من: ان التعارض ليس بين العام و مجموع الخاصّين فقط، بل بين كل واحد من الأدلة الثلاثة و الآخرين، إذ العلم الإجمالي انما هو بكذب أحدها فقط، و لذلك فما ذكره لهذا الفرض من أحكام بحسب صوره‏

376

الستة جار في مطلق موارد التعارض بين أكثر من دليلين مما كان العلم الإجمالي متعلقا بكذب أحدها، كما لو قام الدليل على وجوب شي‏ء و آخر على حرمة شي‏ء آخر و ثالث على كراهة امر ثالث و علم إجمالا بكذب أحد هذه الأدلة (1).

و لا بد في بيان عدم نهوض ما ذكره من التكلم في جهتين:

الأولى: ان مفهوم التعارض المأخوذ في أدلة العلاج هل يشمل موارد العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين مع عدم تنافيهما ذاتا، بحيث يكون السبب في التنافي هو العلم الإجمالي فقط، أو يختص بموارد تنافي الدليلين ذاتا و بحسب مدلوليهما أنفسهما؟

الثانية: انه مع الالتزام بشمول التعارض لموارد العلم الإجمالي، فهل يشمل موارد تنافي أكثر من دليلين أو لا؟

اما الجهة الأولى: فلمدع أن يدعي اختصاص التعارض في مدلول الاخبار العلاجية بموارد التنافي الذاتي بين الدليلين بحيث يكون كل منهما بمدلوله و ظهوره ينافي الآخر، دون موارد التنافي العرضي الناشئ من العلم الإجمالي الثابت من الخارج بعدم اعتبار مضمون أحدهما مع التلاؤم بين الدليلين بحسب مدلوليهما و عدم المنافاة بينهما من ناحيتهما أنفسهما. و إلى هذا يشير كلام المحقق النائيني (قدس سره) (2).

و يمكن تقريبها: بأن التنافي المقوم لمعنى التعارض لا بد ان يكون عرفيا يدركه العرف، و هو انما يتحقق مع كون كل من الدليلين بذاته و بمدلوله و ظهوره ينافى الآخر، بحيث يرى العرف التنافي بينهما عند ملاحظتهما، كالتنافي بين الدليل الدال على وجوب شي‏ء و الدليل الدال على جوازه.

اما مع عدم تنافيهما ذاتا، بل علم خارجا بكذب أحدهما، فنفي كل منهما

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 390- الطبعة الأولى.

(2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 702- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

377

للآخر ليس بحسب فهم العرف و الملازمة العرفية، بل بالملازمة العقلية الحاصلة من العلم الإجمالي، فلا يصدق عليه التعارض بما له من المفهوم العرفي.

و يمكن الاستشهاد له بما تقرر في محله من تساقط الأصول المتعارضة عرضا بواسطة العلم الإجمالي- كما لو علم إجمالا بأنه مدين بدينار مثلا إما لزيد أو لعمرو، و كان عدم الدين لعمرو له حالة سابقة دون زيد، فان استصحاب عدم وجوب أداء هذا المال لعمرو- يعارض أصالة البراءة من وجوبه لزيد- مع الالتزام بشمول أدلة العلاج لموارد العامين من وجه.

فانه لو لا انه من المرتكز عدم المعارضة في موارد العلم الإجمالي، لما صح القول بالتساقط، لحصول التعارض حينئذ بين إطلاق كل من الأصلين و إطلاق الآخر، للعلم الإجمالي بعدم صحة أحدهما، و مقتضاه الترجيح أو التخيير لا التساقط.

و بهذا المورد و نحوه ينقض على من يلتزم بالمعارضة مع العلم الإجمالي.

و لو تنزلنا و قلنا ان التعارض بمفهومه العرفي هو مطلق التنافي أعم من العرفي و الدقي، فلا عبرة في خروج المورد عن التعارض بعدم التنافي العرفي، فيشمل موارد العلم الإجمالي.

فيقع الكلام في الجهة الثانية، فنقول: ان ذلك ينحصر في موارد التنافي بين الدليلين فقط، إذ مع العلم بكذب أحدهما نافيا للآخر فيحصل التنافي.

اما في فرض التنافي العرضي أكثر من دليلين فلا يتحقق مصداق التعارض، لأن كلا من الأدلة لا يتكفل نفي غيره من الدليلين أو الأدلة- لأن المعلوم كذبه أحدهما لا غير- بل مفاده إثبات مدلوله و ان الكاذب في الدليلين الآخرين- و بذلك تحصل المعارضة العرضية بين الآخرين عند ثبوته- و هذا ليس من مفهوم التعارض في شي‏ء، لأن مفهومه التنافي المتقوم بنفي كل منهما للآخر، و قد عرفت ان كلا من الأدلة لا يتكفل إلّا إثبات ذاته، اما نفي غيره فليس من مقتضاه أصلا،

378

فيخرج عن مورد المعارضة.

و من هنا يتبين بطلان ما أفاده أولا من: ان التعارض ليس بين العام و مجموع الخاصّين فقط، بل بين كل واحد من الأدلة الثلاثة و أخويه، لأن المعلوم بالإجمال هو كذب أحدهما فقط، فلاحظ و تأمل و اللّه ولي العصمة.

و أما الفرع الثاني‏

: و هو ما إذا كان بين الخاصّين عموم من وجه- فله صورتان:

الأولى: ان لا يكون بينهما تناف في المجمع، كما لو قال: «أكرم العلماء» ثم قال:

«لا تكرم فساق العلماء، و لا تكرم النحويين».

الثانية: ان يكون بينهما تناف في المجمع، نظير: «أكرم العلماء، و لا تكرم فساقهم، و يستحب إكرام النحويين» فانهما متنافيان في المجمع و هو النحوي الفاسق، إذ أحدهما يقتضي حرمة إكرامه و الآخر يقتضي استحبابه.

اما الصورة الأولى: فالكلام فيها عين الكلام المتقدم في الفرع الأول:

من لزوم تخصيص العام بهما دفعة واحدة بلا تقديم أحدهما و ملاحظة النسبة بين العام بعد تخصيصه و الخاصّ الآخر، لأنه ترجيح بلا مرجح، فيما لم يلزم من تخصيصه بهما محذور الانتهاء إلى ما لا يجوز الانتهاء إليه أو بقائه بلا مورد.

و من معاملتهما مع العام معاملة المتباينين، و فرض الأحوال الست المتقدمة فيما لزم المحذور المذكور، فراجع.

و اما الصورة الثانية: فلا تصل النوبة فيها إلى الكلام في صحة تقديم أحدهما على الآخر في مقام العلاج، إذ كل منهما لا يصلح لأن يكون مخصصا مع وجود المعارض له، فلا بد من إجراء أحكام التعارض فيما بينهما في مورد المنافاة.

فان التزم بالتساقط، كان العام في مورد المنافاة سالما عن المخصص فيعمل به، و يخصص بكلا الخاصّين في غير هذا المورد دفعة واحدة، إذ يكونان كالمتباينين بلا مرجح لأحدهما على الآخر. و ان التزم بالتخيير أو الترجيح، خصص بما أخذ به‏

379

منهما، فلاحظ.

و اما الفرع الثالث‏

: و هو ما إذا كان بين الخاصّين عموم مطلق، و هما ..

تارة: غير متنافيين كما لو كانا متحدي الحكم، نظير: «أكرم العلماء، و لا تكرم النحويين، و لا تكرم فساق النحويين».

و أخرى: متنافيان كما لو كانا مختلفي الحكم، نظير: «أكرم العلماء، و لا تكرم النحويين، و يستحب إكرام عدول النحويين».

ففي الحال الأولى: لا وجه لملاحظة أحدهما قبل الآخر مع العام و لا مرجح لأحدهما على الآخر، فالوجه ملاحظتهما معا و تخصيص العام بهما دفعة لتساوي نسبتهما إلى العام.

و اما ما أفاده المحقق العراقي في لزوم تقديم الخاصّ الأخص على الآخر.

فتنقلب النسبة بين العام و بين الخاصّ الأعم إلى العموم من وجه، من: ان الخاصّ الأخص معلوم التخصيص فهو خارج يقينا عن العام، و يبقى غيره مشكوكا، فيتمسك بأصالة العموم، و تنقلب النسبة بين العام و الخاصّ الأخص‏ (1).

ففيه: أنه ..

ان كان المفروض في الترديد هو تخصيص العام بمقدار الأخص، اما به استقلالا، أو في ضمن تخصيصه بالأعم.

فهو لا يجدي في المطلوب، لأن تردد المخصص بين عنوانين الأخص و الأعم، يرجع إلى التردد بين المتباينين، لا الأقل و الأكثر- كي يؤخذ بالقدر المتيقن- نعم، هو افرادا كذلك لا عنوانا- كما هو الفرض- و ان كان المفروض في الترديد هو تخصيص العام بالخاص الأخص اما وحده أو مع تخصيصه بالأعم، بحيث يكون المخصص على كلا التقديرين هو الدليل الأخص، إلّا انه تارة وحده. و أخرى مع غيره- بخلاف الفرض الأول، فان إخراج‏

____________

(1) العراقي المحقق آغا ضياء الدين. حاشية فوائد الأصول 3- 442- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

380

الفرد الأخص اما بالدليل الأخص أو بواسطة الدليل الأعم- ففيه:

أولا: ان القدر المتيقن انما يفرض بعد فرض الترديد بين الأمرين، و الترديد انما يكون بالعلم الإجمالي بأحد الطرفين، و هو انما يكون فعلي التأثير مع عدم فرض الدليل المعين لأحد الطرفين، و المفروض ان مقتضى القواعد الأصولية هو تعيين الطرف الآخر- أعني: تخصيص العام بهما دفعة واحدة- فيرتفع الترديد و ينحل العلم الإجمالي حكما، فلا مجال للأخذ بالقدر المتيقن بلحاظ تردد التخصيص بين الأقل و الأكثر.

و ثانيا: ان أحد فروض تخصيص العام بالأخص تخصيصه مع الأعم، و في هذا الفرض لا ينعقد للعام ظهور في غير مورد الأخص، فكيف يجعل تخصيص العام بالخاص الأخص على جميع تقاديره موجبا لانعقاد ظهور له في الباقي- أي في غير مورد الأخص-؟ و نظيره يرد على الفرض الأوّل، فانه بعد فرض كون أحد تقادير خروج مورد الأخص تقدير تخصيصه بالأعم، فلا وجه لجعل خروجه على جميع تقاديره موجبا لانقلاب النسبة بينه و بين الخاصّ الآخر الأعم.

هذا ان أريد بالقدر المتيقن في مقام التخصيص. و اما ان أريد به في مقام المراد الجدي و الواقع و ان المتيقن خروج مورد الأخص عنه. ففيه: انه ليس متيقنا في نفسه لإمكان كون الخاصّ في الواقع كاذبا، و انما هو بحسب الأدلة اللفظية و القواعد المقتضية لتقديمها، فيرجع إلى التردد باعتبار التخصيص لا باعتبار الواقع، فتدبر.

و على كل، فلا وجه لتقديم الخاصّ الأخص على الخاصّ الأعم كي تنقلب النسبة بين العام و غيره، بل اللازم تخصيص العام بهما دفعة واحدة.

نعم، يبقى في المقام سؤال فائدة التخصيص بالخاص الأخص بعد إمكان إخراج الفرد بالأعم.

و جوابه ما تقرر في محله في حل محذور لغوية ورود العام و الخاصّ المتوافقين،

381

من إمكان وجود خصوصية للخاص يكون بها ذا أهمية، أو كونه مورد السؤال، أو نحو ذلك.

و اما في الأخرى، فالوجه هو تخصيص الخاصّ الأعم بالخاص الأخص ثم تخصيص العام بالباقي، إذ لا يصلح الخاصّ الأعم لتخصيص العام بمدلوله أجمع لوجود المانع عن حجيته في بعض افراده، و هو الخاصّ الأخص، فيخصص به و يبقى حجة في غير مورد الأخص فيخصص به العام، كما يخصص بالأخص أيضا و يكونان حينئذ كالمتباينين حكما و افرادا.

هذا كله فيما إذا كان كلا الخاصّين- الأعم و الأخص- منفصلين عن العام.

اما لو كان الأخص متصلا، كما لو قال الآمر: «أكرم العلماء إلّا فساق النحويين» ثم قال: «لا تكرم النحويين»، فهل تنقلب النسبة بين العام و الخاصّ المنفصل أو لا؟. التزم الاعلام بانقلاب النسبة باعتبار انعقاد ظهور العام في غير مورد الخاصّ المتصل من أول الأمر، فتكون نسبته إلى الخاصّ المنفصل نسبة العموم من وجه.

و الّذي ينبغي ان يقال: ان من لا يلتزم بانقلاب النسبة بملاك كون المعارضة و النسبة انما هي بين الظهورات و عدم اختلال الظهور التصديقي بالمخصص المنفصل- كما عليه صاحب الكفاية- لا بد في الفرض من ان يلتزم بانقلابها.

لاختلال المقدمة الثانية التي بنى عليها مذهبه- و هي عدم اختلال الظهور بالمخصص المنفصل-، إذ الظهور التصديقي يختل بالمخصص المتصل و ينعقد ظهور ثانوي في غير مورد الخاصّ، فتنقلب نسبة العام إلى الخاصّ المنفصل قهرا لتضيق دائرة ظهوره الّذي هو الملحوظ في باب المعارضة.

و اما من يلتزم بانقلاب النسبة اما لأجل كون المخصص و ان كان منفصلا يهدم ظهور العام في العموم، أو من جهة تضييق دائرة حجيته و هي الملاك في المعارضة و ملاحظة النسبة، فلا بد له من التفصيل فيما نحن فيه بين صورة ورود

382

المخصص المنفصل الأعم قبل حضور وقت العمل، و صورة وروده بعده.

ففي الصورة الأولى: لا وجه لانقلاب النسبة، لأن ظهور العام في الباقي بعد تخصيصه بالمتصل انما ينعقد بتمامية مقدمات الحكمة، و هي انما تنعقد بناء على هذا القول إلى حين زمان العمل لا حين الكلام، و الخاصّ المنفصل حكمه حكم المتصل في كونه بيانا للعام و هادما لظهوره، فمع وروده قبل زمان العمل لا ينعقد للعام ظهور في الباقي لفقدان إحدى مقدمات ظهوره فيه و هي عدم البيان.

و كذلك حجيته في الباقي لا تتم قبل زمان العمل مع ورود المخصص، لأنه مانع عن الحجية، إذ العام لا يكون حجة في العموم الا حين زمان العمل و عدم المخصص.

و في الصورة الثانية: فحيث انه حين زمان العمل انعقد ظهور العام في الباقي لتمامية مقدماته، كما انه كان حجة فيه لعدم المانع، فلا تكون نسبة الخاصّ الوارد بعد ذلك نسبة الخاصّ إلى العام، بل نسبة العموم من وجه.

و بالجملة: فحيث انه على الالتزام بانقلاب النسبة بلحاظ كون الخاصّ المنفصل كالمتصل في هدمه الظهور، لم يكن فرق بين كون الخاصّ الأخص متصلا أو منفصلا في عدم انقلاب النسبة إلى حكم الأعم، و ان كان منفصلا كحكم الأخص، و ان كان متصلا في هدمه للظهور، ففي صورة وروده قبل تمامية مقدمات الحكمة و انعقاد ظهور للعام في الباقي يكون مخصصا للعام بلا كلام.

و الحكم في زماننا كذلك، إذ مع فرض إمكان العثور على المخصص المنفصل بالفحص لا يكون العام حجة في خصوص الباقي و لا ظاهرا فيه، إذ زمان العمل بالنسبة إلينا يكون بعد الفحص، فلاحظ. و قد مرت الإشارة إلى هذا الكلام فيما تقدم من مباحث انقلاب النسبة، فراجعه.

ثم ان المحقق النائيني (قدس سره) بعد ان اختار انقلاب النسبة في الفرض المذكور، ألحق به فرضا آخر، و هو: ما إذا ورد مضافا إلى العام المخصص بالمتصل و إلى الخاصّ المنفصل، عام آخر مجرد عن الخاصّ المتصل، نظير: «أكرم العلماء،

383

و أكرم العلماء الا فساق النحويين و لا تكرم النحويين»، فاختار فيه انقلاب النسبة بين العام المجرد و هو: «أكرم العلماء»، و بين الخاصّ المنفصل و هو «لا تكرم النحويين» (1).

و نسب إليه السيد الخوئي- كما في مصباح الأصول- في توجيهه وجهين:

الأول: ان العام الأول قد تخصص بالمخصص المتصل بالعامّ الثاني يقينا، فيكون مفاد العام الأول عين مفاد العام الثاني المخصص بالمتصل، و من الظاهر ان النسبة بينه و بين الخاصّ المنفصل هي العموم من وجه.

الثاني: ان الخاصّ المنفصل مبتلى بالمعارض، و هو العام المتصل به أخص الخاصّين، فلا يكون صالحا لتخصيص العام الأول.

ثم أورد على الأول: بأنه لا وجه له بعد ما تقدم من عدم الوجه من تخصيص العام بأحد المخصصين أولا ثم ملاحظة نسبته مع الخاصّ الآخر.

و على الثاني: بأنه و ان كان تاما في نفسه، لكنه لا يصلح دليلا لانقلاب النسبة و حصول المعارضة بين العام المجرد و بين الخاصّ المنفصل، لأنه بعد ابتلاء الخاصّ المنفصل بالمعارض لا بد من معالجة التعارض بينهما، ثم ملاحظة العام المجرد.

فان التزم بالتساقط، كان العام بلا معارض في مورد المنافاة فيكون هو المحكم. و ان لم يلتزم بالتساقط، فان أخذ بالعامّ المتصل به أخص الخاصّين ترجيحا أو تخييرا يطرح الخاصّ المنفصل، فيبقى العام المجرد بلا معارض. و ان أخذ بالمخصص المنفصل كذلك يخصص به العام، لكون نسبته إليه نسبة الخاصّ و العام لا العموم من وجه. فلا تعارض بين العام المجرد و المخصص المنفصل أصلا، انتهى‏ (2).

إلّا انه بعد ملاحظة ما تقدم من المحقق النائيني (قدس سره) من عدم الالتزام بتخصيص العام بأخص الخاصّين أولا، ثم ملاحظة النسبة بينه و بين الخاصّ الآخر

____________

(1) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 744- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 39- الطبعة الأولى.

384

للأعم- فيما لو كانا منفصلين- يحصل الاطمئنان بأن نظره في الفرض إلى وجود نكتة يفترق بها عن الفرض السابق. فالإيراد عليه بما تقدم من عدم الوجه في تقديم أحدهما على الآخر لتساوي نسبتهما إلى العام في غير محله، بل كان اللازم معرفة نكتة الفرق و الكلام فيها نفيا أو إثباتا.

و يمكن توجيه الفرق: بأن الخاصّ الآخر المتصل بالعامّ حيث انه بمدلوله المطابقي اللفظي يدل على نفي حكم العام عن مورده، و بمفهومه اللفظي يدل على تخصيص حكم العام و المراد الجدي منه بغير مورده، فيعلم بواسطة ذلك ان المراد الجدي في العام المجرد لا يزيد على ذلك، كما لو كان ذلك مفاد دليل آخر، إذ لا إشكال مع ورود دليل خارجي يدل على ان المراد الجدي من العام هو المقدار الكذائي في تضييق دائرة العام بالإضافة إلى المراد الجدي.

فالسر فيما يستفاد من العام المتصل به الخاصّ الأخص، ليس نفي الحكم عن مورد الخاصّ و إثبات الحكم لغير مورده فقط، إذ الخاصّ المتصل- على هذا- انما يخصص العام المتصل به و لا يرتبط بالعامّ المجرد، و لا يكون بين العام المجرد و المحفوف بالخاص تناف لتوافقهما في الحكم، و ان كان أحدهما أضيق دائرة فلا يقتضي انقلاب النسبة.

بل السر، هو: ان ما يستفاد منه بالمفهوم اللفظي انما هو تخصيص المراد الجدي بغير مورده فيضيق قهرا حجية العام المجرد و يحصر دائرة المراد الجدي فيه فتنقلب النسبة بينه و بين الخاصّ المنفصل قهرا- و بهذا الاعتبار الحق (قدس سره) هذا الفرض بفرض اتصال الخاصّ الأخص في انقلاب النسبة- و هذا بخلاف ما إذا كان الخاصّ الأخص منفصلا و مستقلا في الكلام، إذ بتقديمه لا يدل على تخصيص حكم العام بغير مورده، بل لا يتكفل سوى نفي حكمه عن مورده، و اختصاص حكم العام بغير مورده يكون بواسطة تمامية مقدمات الحكمة، و مع صلاحية الخاصّ الأعم في نفسه للتخصيص لكون نسبته نسبة

385

الخصوص المطلق كان مانعا عن انعقادها. و قد أشير إلى هذه النكتة في أجود التقريرات‏ (1)، فلاحظ.

و اما الإيراد الثاني، فهو تام لو كان المحقق النائيني قد ساق الوجه دليلا على المعارضة و انقلاب النسبة في الفرض، إلّا ان سوقه بنحو الدليل انفرد به السيد الخوئي في تقريره دون المرحوم الكاظمي، فانه ذكره دفعا لتوهم قد يذكر (2)، فلاحظ و الأمر سهل.

الكلام في روايات ضمان العارية

و قد تعرض الاعلام بعد هذا المبحث إلى الكلام في روايات ضمان العارية، و تكلموا في الجمع بينها، و في انقلاب النسبة بين بعضها.

و الّذي ذكره السيد الخوئي- كما في مصباح الأصول- ان الروايات على أصناف خمسة.

الأول: ما يدل على نفي ضمان العارية مطلقا (3).

الثاني: ما يدل على نفي ضمان العارية في غير الدرهم، و إثباته فيه‏ (4).

الثالث: ما يدل على نفي ضمان العارية في غير الدينار، و إثباته فيه‏ (5).

الرابع: ما يدل على نفي الضمان في غير عارية الذهب و الفضة، و إثباته في عاريتهما (6).

الخامس: ما يدل على نفي الضمان في غير مورد الاشتراط، و إثباته في‏

____________

(1) المحقق الخوئي السيد أبو القاسم. أجود التقريرات 2- 519- الطبعة الأولى.

(2) الكاظمي الشيخ محمد علي. فوائد الأصول 4- 744- طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

(3) وسائل الشيعة 13- 237 باب 1، من أبواب أحكام العارية الحديث: 10.

(4) وسائل الشيعة 13- 240 باب 3، من أبواب أحكام العارية، الحديث: 3.

(5) وسائل الشيعة 13- 239 باب 3، من أبواب أحكام العارية، الحديث: 1.

(6) وسائل الشيعة 13- 240 باب 3، من أبواب أحكام العارية، الحديث: 4.

386

مورده‏ (1).

ثم ذكر بعد ذلك: ان نسبة ما يدل على ثبوت الضمان مع الشرط مع سائر المخصصات نسبة العموم من وجه- لإمكان ان يكون الاشتراط في غير عارية الدرهم أو الدينار أو الذهب أو الفضة، و إمكان ان تكون عارية أحدهما بلا اشتراط- و مقتضى القاعدة- كما عرفت- تخصيص العام بجميع هذه المخصصات.

و اما ما دل على نفي الضمان في غير الدرهم و إثباته فيه، و ما دل على نفى الضمان في غير الدينار و إثباته فيه، فهما بمنزلة دليل واحد، لأن العقد الإيجابي من كل منهما يقيد العقد السلبي من الآخر، لأنه ينافيه و أخص منه، فيجمع بينهما كذلك و يكونان بمنزلة دليل واحد، و تقع المعارضة بعد ذلك بينه و بين ما دل على نفى الضمان في غير عارية الذهب و الفضة و إثباته فيهما، لأن النسبة بين العقد السلبي لهذا الدليل و بين العقد الإيجابي لما دل على نفي ضمان غير عارية الذهب و الفضة هي العموم من وجه- لأن العقد السلبي لهذا الدليل مفاده نفي الضمان عن غير عارية الدرهم و الدينار سواء كان ذهبا أو فضة أو غيرهما.

و العقد الإيجابي لذاك مفاده إثبات ضمان عارية الذهب و الفضة سواء كان درهما أو دينارا أو غيرهما من غير المسكوك- و يدور الأمر بين رفع اليد عن أحد الإطلاقين، و مقتضى القاعدة هو التساقط، إلّا انها غير تامة هاهنا، لأن رفع اليد عن إطلاق دليل ثبوت ضمان عارية الذهب و الفضة في مورد المعارضة بالتساقط- يلزم تخصيصه بالفرد النادر- لأن إعارة الدينار و الدرهم نادرة لعدم الانتفاع بها مع بقاء عينها غالبا و هو مستهجن.

هذا محصل ما أفاده السيد الخوئي في المقام‏ (2)، و هو بعينه ما أفاده الشيخ، الا

____________

(1) وسائل الشيعة 13- 240 باب 3، من أبواب أحكام العارية، الحديث: 3.

(2) الواعظ الحسيني محمد سرور مصباح الأصول 3- 396- الطبعة الأولى.

387

انه (قدس سره) لم يتعرض لذكر أدلة نفي الضمان في غير مورد الاشتراط أصلا (1).

إلّا انه لا بد من التعرض إلى جهات أغفلها السيد الخوئي في كلامه:

الجهة الأولى: الجمع بين المخصصات أنفسها، لأنها- على النحو الّذي ذكره متنافية في مفادها. فان المدلول الإيجابي لما دل على نفي الضمان في غير عارية الاشتراط ينافي المدلول السلبي لباقي الأدلة المخصصة، و هي ما دل على نفي الضمان في غير عارية الدرهم، و ما دل على نفي الضمان في غير عارية الذهب و الفضة، و ما دل على نفي الضمان في غير عارية الدينار. و هكذا المدلول السلبي لأدلة ضمان العارية مع الاشتراط، فانه ينافي المدلول الإيجابي للأدلة الأخرى المذكورة.

و ذلك لأن أدلة ضمان العارية مع الاشتراط تقتضي بمدلولها الإيجابي ضمان العارية مع الاشتراط، سواء كانت العارية درهما أو غير درهم، دينارا أو غير دينار، ذهبا و فضة أو غيرهما، و ذلك ينافي المدلول السلبي لأدلة نفي ضمان غير عارية الدرهم، لأنها تقتضي بمدلولها السلبي نفي ضمان غير عارية الدرهم، سواء اشترط الضمان أم لم يشترط، فيتنافيان في عارية غير الدرهم مع الاشتراط، فان أحدهما يثبت الضمان فيه و الآخر ينفيه.

و هكذا الحال بالنسبة إلى المدلول السلبي لأدلة نفي ضمان غير عارية الدينار، و لأدلة نفي ضمان غير عارية الذهب و الفضة.

و تقتضي أيضا بمدلولها السلبي نفي الضمان مع عدم الاشتراط، سواء كانت العارية درهما أو غير درهم، دينارا أو غيره، ذهبا أو فضة أو غيرها.

و ذلك ينافي المدلول الإيجابي لما دل على ثبوت الضمان في هذه الموارد، إذ هو بإطلاقه يدل على ثبوته و لو مع عدم الاشتراط، فيحصل التنافي في عارية الدرهم أو الدينار أو غيرهما من أنواع الذهب و الفضة مع عدم الاشتراط.

و مع وجود التنافي بين نفس المخصصات لا يتجه تخصيص العام الفوق بها

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 460- الطبعة القديمة.

388

أجمع- حكم به في مصباح الأصول‏ (1)-، لما أشرنا إليه من عدم صلاحية الخاصّ للتخصيص مع ثبوت المعارض له في بعض مدلوله، بل لا بد من علاج التعارض بينها ثم يخصص العام بها بعد العلاج.

و عليه، فهي صالحة للتخصيص في مورد عدم التنافي، إذ هي متساقطة في الجمع و مورد التنافي، فلا حجية لها فيه.

فالمقدار الخارج من العام هو موارد عارية الدرهم و الدينار و الذهب و الفضة مع الاشتراط، إذ هذا المقدار هو المتفق عليه في دلالة المخصصات المزبورة، و غيره موضع التنافي.

إلّا ان ما ذكرناه من الجمع و النتيجة انما يتم بناء على ما أفاده من تصنيف الروايات إلى هذه الأصناف الخمسة بالنحو المذكور سلبا و إيجابا.

و اما على ما هو الصحيح في مفادها، فلا يتم ذلك، إذ مفادها ليس كما قرره (حفظه اللّه)، فان ما دل على نفي الضمان في غير عارية الدرهم أو الدينار أو الذهب و الفضة و إثباته فيها صرح فيه بأن ثبوت الضمان فيها أعم من صورة الاشتراط و عدمه.

و عليه، فلا معارضة بين مدلولها الإيجابي و المدلول السلبي، لما دل على نفى الضمان في غير صورة الاشتراط، إذ يكون المدلول الإيجابي لهذه الأدلة أخص مطلقا من المدلول السلبي لذلك الدليل- للتصريح بثبوت الحكم في مورد المنافاة و النص عليه، فلا تكون دلالته على ثبوت الحكم فيه بالإطلاق أو العموم كي يتعارض الإطلاقان أو العمومان، بل بالنص و التعيين، و قد تقرر في محله ان نسبة الدليل العام مع ذكر الافراد تعيينا تكون أخص من العام الآخر-، فيخصص به عموم المدلول السلبي لدليل اعتبار الشرط في ثبوت الضمان، و ترتفع المنافاة حينئذ.

و اما المنافاة بين المدلول السلبي لهذه الأدلة و المدلول الإيجابي لذلك الدليل‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 398- الطبعة الأولى.

389

و المعارضة بينهما، فهي منتفية أيضا، لأن استثناء ضمان عارية الدراهم و الدنانير كان بعد استثناء صورة الاشتراط من العام، فيكون استثناء عارية الدراهم و الدنانير من اختصاص الضمان بصورة الاشتراط، المستفاد من العام و استثناء صورة الاشتراط، فالاستثناء كان من مفاد المجموع من المستثنى و المستثنى منه، و هو اختصاص الضمان بصورة الاشتراط.

و يشهد له- مضافا إلى الظهور العرفي للكلام- نفي الفرق في عدم الضمان بين صورتي الاشتراط و عدمه، فانه تأكيد لمفاد الاستثناء من المجموع.

و عليه، فلا مدلول لأدلة ضمان عارية الدرهم و الدينار كي ينافي و يعارض المدلول الإيجابي لدليل الضمان في صورة الاشتراط. و هكذا الحال لو قلنا بأن استثناء عارية الدرهم و الدينار من أصل العام لا المجموع، فانه و ان ثبت المدلول السلبي- و هو المستثنى منه- إلّا انه ورد عليه استثناء ان أحدهما المدلول الإيجابي للضمان في صورة الاشتراط، فلا تتجه دعوى المعارضة، لأن المدلول السلبي ضيق الدائرة من أول الأمر بواسطة المدلول الإيجابي، فلا يصلح للمعارضة لعدم شموله لمورد المدلول الإيجابي. و بعبارة أخرى: ان ذلك يكون من قبيل استثناء الأمرين معا، و لا يعقل في هذا الحال تنافي المستثنى منه مع المستثنى و تعارضه معه، فلاحظ.

و اما عارية الذهب و الفضة، فاستثناؤها و ان كان مستقلا و من العموم رأسا بلا استثناء لصورة الاشتراط أصلا، إلّا انه حيث ينفي الفرق بعد الاستثناء بين صورتي الاشتراط و عدمه، يستظهر منه بأن ثبوت الضمان مع الاشتراط في غيرهما من المفروغ عنه، فالمدلول السلبي- و هو العموم- و ان كان عاما لغيرهما مع الاشتراط، إلّا انه بقرينة نفي الفرق بعد استثنائهما بين صورة الاشتراط و صورة عدمه يعلم بأن المراد منه غير صورة الاشتراط، و ان الضمان في صورة الاشتراط مفروغ الثبوت، فتدبر.

و عليه، فيكون المقدار الخارج من العام الفوق بواسطة هذه المخصصات هو

390

موارد عارية الدرهم و عارية الدينار و عارية الذهب أو الفضة و لو مع عدم الاشتراط، و مورد عارية غيرها مع الاشتراط.

و هذا و ان كان يوافق مقتضى ما أفاده السيد الخوئي في الجمع من تخصيص العام الفوق بجميع هذه المخصصات. إلّا انه لا يتأتى إلّا بناء على ما عرفت من مفاد الأدلة، لا بناء على ما ذكره من مفادها، فان الجمع بناء على ما أفاده كما سبق لا كما أفاده.

الجهة الثانية: دفع التفصي المذكور عن استلزام رفع اليد عن إطلاق المدلول الإيجابي- لما دل على ثبوت الضمان في عارية الذهب و الفضة بواسطة التساقط، لمعارضته بالمدلول السلبي لما دل على ضمان عارية الدرهم و الدينار، لتخصيص المطلق بالفرد النادر المستهجن عرفا-: بأنه لا استهجان في ذلك بعد فرض كون المتكلم أثبت الحكم بدليل منفصل لهذا الفرد النادر، فلا يستهجن ان يكون ذلك الدليل المنفصل قرينة على إرادة الفرد النادر من المطلق.

إذ لم يتعرض- في مصباح الأصول- إلى ذلك مع سبق التفصي، و كان الأنسب التعرض لدفع التفصي لا ذكر ما ذكره الشيخ و إهمال ما ذكر من التفصي عنه.

و حاصل الإشكال على ما ذكر: ان الإشكال ليس من جهة استهجان ترتيب الحكم على الفرد النادر كي يتفصى عنه بما ذكر، بل من جهة استعمال المطلق و إرادة الفرد النادر منه، و استهجانه يرتبط بالقواعد العربية، فلا ينتقض بثبوت الحكم للفرد النادر بدليل منفصل مع كون إرادته بلفظه لا بواسطة المطلق.

الجهة الثالثة: في بيان مناسبة التعرض لهذه المسألة في ذيل صورة وجود عام فوق و عام آخر متصل بأخص الخاصّين و خاص أعم منفصل- فانه أهمل ذكر هذه الجهة مع لزوم التعرض إليها، لوضوح كون المسألة فقهية، فلا بد من ذكر مناسبة ذكرها في مثل هذا المجال من مجالات علم الأصول-

391

و الوجه في ذكرها هاهنا هو: وجود عام فوق، و هو ما دل على نفي ضمان العارية مطلقا. و خاص أخص متصل بعام آخر، و هو ما دل على نفي الضمان الا في الدراهم و الدنانير. و خاص أعم، و هو ما دل على ثبوت الضمان في الذهب و الفضة.

إلّا ان الكلام في تلك الصورة لا يجري هاهنا، إذ مع الالتزام في تلك الصورة بما التزم به المحقق النائيني من انقلاب النسبة بلحاظ دلالة الخاصّ الأخص على تخصيص المراد الجدي بغير مورده، لا يمكن الالتزام به هنا، لأن ذلك انما يتم لو كان الخاصّ الأعم منفصلا. و في المقام ليس كذلك، إذ هو أيضا متصل بالعامّ، فان الدليل لم يدل على ثبوت الضمان في عارية الذهب و الفضة فقط، بل دل على نفي الضمان في العارية إلّا فيهما.

و عليه، فكلاهما- أي الخاصّ الأخص و الخاصّ الأعم- يدلان على تخصيص حكم العام الفوق بغير موردهما في مرتبة واحدة، بلا وجه لتقدم لحاظ أحدهما على الآخر، لكونهما بنحو واحد بالإضافة إلى العام الفوق.

و هكذا الكلام فيما دل على نفي الضمان الا مع الاشتراط.

فذكر هذه المسألة عقيب تلك الصورة ليس إلّا لأجل المشابهة، لا لأجل الاشتراك في الحكم، فلاحظ و تدبر.

الصورة الثانية

- من صور المسألة-: ما إذا ورد عامان و مخصص، و ذلك على أنحاء ثلاثة:

الأول: ان يكون المخصص واردا على مورد الاجتماع و التنافي بين العامين، فيكون مخصصا لهما، لكونه أخص مطلقا منهما، و يرتفع التعارض بينهما، و ذلك نظير ما لو ورد: «أكرم العلماء» و ورد: «لا تكرم الفساق» ثم ورد: «يكره إكرام فساق العلماء» فان الخاصّ يخصص كلا من العامين بغير مورده، و بذلك يرتفع التعارض بينهما، إذ تعارضهما في مورد الخاصّ- أعني: فساق العلماء- فلاحظ.

الثاني: ان يكون المخصص واردا على مورد الافتراق من أحدهما، كما لو ورد:

392

«يستحب إكرام العلماء»، و «لا تكرم الفساق»، ثم ورد: «يجب إكرام عدول العلماء».

و قد تقدم الكلام في هذا النحو في أوائل هذا البحث، فراجع.

هذا إذا كان المخصص مخرجا لتمام مورد الافتراق، كما في المثال المتقدم.

اما لو كان مخرجا لبعضه، كما لو كان المخصص في المثال: «يجب إكرام عدول الفقهاء» فانه بتقديم الخاصّ لا تنقلب النسبة بين العامين- في مورد الالتزام بانقلابها في هذا النحو- الثالث: ان يكون المخصص واردا على مورد الافتراق لكل من العامين و مخرجا له، كما لو ورد: «يستحب إكرام العلماء»، و: «يكره إكرام الفساق»، ثم ورد:

«يجب إكرام عدول العلماء»، و: «يحرم إكرام فساق الجهال». و الوجه هو تقديم كلا الخاصّين و تخصيص العامين بهما، فتنقلب النسبة بينهما إلى التباين، لاختصاص كل منهما بعد تخصيصه بالعلماء الفساق، و أحدهما يدل على استحباب إكرامه و الآخر يدل على كراهته.

و لا بد حينئذ من إجراء قواعد التعارض فيما بينهما بالخصوص.

إلّا ان السيد الخوئي- كما في مصباح الأصول- ذهب إلى وقوع التعارض بين الأدلة الأربعة العامين و الخاصّين، لأن العلم الإجمالي الّذي هو منشأ التعارض يتعلق بكذب أحد الأربعة لا بكذب أحد العامين فقط (1).

و فيه: ما تقدم منا من الإشكال عليه من: ان العلم الإجمالي بنفسه لا يكون منشأ للتعارض ما لم يكن في الأدلة اقتضاء الحجية، و نفي كون التعارض يكون بين أكثر من دليلين لأن معناه التنافي الراجع إلى نفي أحدها للباقي، و هذا ليس بثابت فيما نحن فيه كما سبق فراجع تعرف.

الصورة الثالثة: ما إذا تعارض دليلان بالتباين و ورد مخصص‏

، و هو على أنحاء ثلاثة أيضا:

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 400- الطبعة الأولى.

393

الأوّل: ما إذا كان المخصص مخصصا لأحدهما، فانه يتقدم عليه و تنقلب النسبة حينئذ بين العام المخصص و العام الآخر من التباين إلى العموم و الخصوص المطلق، فيخصص العام الآخر به، و ذلك كما لو ورد: «أكرم العلماء» و ورد: «لا تكرم العلماء» ثم ورد: «أكرم العلماء العدول»، فان الأخير يخصص دليل: «لا تكرم العلماء» بغير مورده، و هو العلماء الفساق، و حينئذ يكون أخص مطلقا من دليل:

«أكرم العلماء» فيخصصه أيضا بغير مورده.

و من هذا الباب أدلة إرث الزوجة من العقار، فان منها ما يدل على إرثها منه مطلقا (1)، و منها ما يدل على عدم إرثها منه مطلقا (2)، و منها ما يدل على إرث خصوص أم الولد (3)، فانه يخصص ما يدل على عدم إرثها مطلقا، فتنقلب النسبة بين هذا الدليل و بين ما يدل على إرثها مطلقا، فيخصص به.

الثاني: ان يكون المخصص واردا على كل واحد منهما، مع عدم التنافي بين المخصصين أنفسهما، فيخصص بهما كلا العامين و تنقلب النسبة بينهما إلى العموم من وجه و يقع التعارض بينهما في مورد الاجتماع، نظير ما لو ورد: «أكرم العلماء» و ورد:

«لا تكرم العلماء» ثم ورد: «أكرم النحويين» و ورد: «لا تكرم الأطباء»، فان دليل:

«لا تكرم الأطباء» يخصص دليل: «أكرم العلماء» بغير الأطباء، و دليل: «أكرم النحويين» يخصص دليل: «لا تكرم العلماء» بغير النحويين، فتكون النسبة بين العامين بعد التخصيص العموم من وجه، إذ يفترقان في الطبيب غير النحوي و في النحوي غير الطبيب- إذ الأول مورد افتراق: «لا تكرم العلماء» و الثاني مورد افتراق «أكرم العلماء»- و يجتمعان في غير الطبيب و غير النحوي كالفقيه، فان أحدهما يدل على حرمة إكرامه و الآخر يدل على وجوبه.

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 522 باب: 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث: 1.

(2) وسائل الشيعة 17- 517 باب: 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث: 1 و 8.

(3) وسائل الشيعة 17- 523 باب: 7 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث: 2.

394

الثالث: ان يرد المخصص على كل منهما و يكون بين المخصصين تناف. كما لو دل دليل على وجوب إكرام العلماء، و دل آخر على حرمة إكرامهم، و دل ثالث على وجوب إكرام عدولهم، و دل رابع على حرمة إكرام النحويين.

و الموجود في مصباح الأصول: انه لا أثر للقول بانقلاب النسبة و القول بعدمه في هذه الصورة، إذ على القول بانقلابها تكون النسبة بين دليل وجوب إكرام العلماء و دليل عدم وجوب إكرامهم بعد خروج العالم النحوي من الأول و خروج العالم العادل من الثاني هي العموم من وجه، حيث يجتمعان في العالم العادل النحوي، و يفترقان في العالم العادل غير النحوي و في العالم الفاسق النحوي، فيحكم بوجوب إكرام العالم العادل غير النحوي و بعدم وجوب إكرام العالم الفاسق النحوي، و يرجع إلى الأصول العملية أو الترجيح أو التخيير في إكرام العالم العادل النحوي.

و اما على القول بإنكار الانقلاب، يسقط العامان من الاعتبار رأسا و يؤخذ بالخاصين، و حيث ان بينهما العموم من وجه يعمل بهما في مورد افتراقهما و يرجع إلى الأصول العملية أو الترجيح أو التخيير في مورد الاجتماع- و هو العالم العادل النحوي- فتكون النتيجة عين نتيجة القول بانقلاب النسبة انتهى‏ (1).

و لا يخفى ما فيه، إذ يرد عليه:

أولا: ما تقدم من انه مع التنافي بين المخصصات بالعموم من وجه، لا وجه لتخصيص العام بها قبل علاج التعارض الحاصل فيما بينها، كما ارتكبه هاهنا في مصباح الأصول.

و ثانيا: انه مع تخصيص العامين بالخاصين بلا لحاظ تعارضهما قبلا، فلا يكون مورد التنافي و الاجتماع هو «العادل النحوي» في المثال المذكور كما ذكره، كي ينتفي الفرق بين القولين القول بالانقلاب و القول بعدمه، إذ العادل و النحوي خارجان عن كلا العامين بعد التخصيص، بل المجمع و مورد التنافي يكون هو الفاسق‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 402- الطبعة الأولى.

395

غير النحوي.

و عليه، فلا ينتفي الفرق بين القولين، إذ مورد الرجوع إلى الأصول العملية أو الترجيح و التخيير على القول بالانقلاب يكون الفاسق غير النحوي. و على القول بعدمه يكون العادل النحوي. و ذلك كاف في الفرق، فلاحظ.

نعم، على ما قررناه من لزوم معالجة المعارضة بين الخاصّين قبل تخصيص العام بهما، لا يكون هناك فرق عملي بين القولين.

و ذلك لأنه بعد لحاظ المعارضة بين الخاصّين يتساقطان [1]، في المجمع و هو «العادل النحوي»، فيكون مدلول أحدهما: «لا تكرم فساق النحويين» و الآخر:

«أكرم عدول غير النحويين من العلماء»، و بعد ذلك يخصص بهما العامان بهذا المقدار، فيكون مدلول أحد العامين: «أكرم العلماء إلّا فساق النحويين» و مدلول الآخر: «لا تكرم العلماء الا عدول غير النحويين»، فتكون النسبة بينهما العموم من وجه، و مورد الاجتماع هو: «العادل النحوي و الفاسق غير النحوي»، و مورد افتراق دليل الوجوب: «العادل غير النحوي» فانه غير مشمول لدليل الحرمة، و مورد افتراق دليل الحرمة: «الفاسق النحوي» فانه غير مشمول لدليل الوجوب.

و لا يخفى ان مورد افتراق كل منهما مشمول لمخصص الدليل الآخر، فان «العادل غير النحوي» مشمول لدليل: «أكرم العدول غير النحويين» المخصص لدليل: «لا تكرم العلماء»، و كذلك: «الفاسق النحوي»، فانه مشمول لدليل: «لا تكرم فساق النحويين» المخصص لدليل: «أكرم العلماء».

فبالنسبة إلى موارد الافتراق لا يختلف الحال على القولين، لثبوت الحكم فيها اما بواسطة العامين لو قلنا بانقلاب النسبة و حصول التعارض في المجمع فقط. أو

____________

[1] هذا أحد فرض المسألة و مثله الكلام في الفرض الآخر- أعني فرض جريان الترجيح أو التخيير بينهما- فانه لا يفرق الحال بالنسبة إلى ثبوت الحكم في مورد الافتراق أو الاجتماع على القولين و ان تضيق مورد الاجتماع على هذا الفرض. فلاحظ تعرف. (المقرر).

396

بواسطة الخاصّين لو لم نقل به و أخذنا بأحد العامين ترجيحا أو تخييرا، بلحاظ حصول المعارضة في مجموع المدلول، إذ مورد افتراق العام الآخر المطروح يثبت له الحكم بواسطة الخاصّ المخصص للعام المأخوذ به.

و اما مورد الاجتماع، فالحال كذلك لا يختلف على القولين، لأن الحكم في المجمع على القول بانقلاب النسبة هو ترجيح أحد العامين مع وجود المرجح أو التخيير بينهما، فيثبت فيه حكم أحد العامين، و كذلك على القول بعدم الانقلاب، إذ يثبت في المجمع حكم أحد العامين تخييرا أو ترجيحا، فتدبر.

هذا بناء على شمول الاخبار العلاجية الدالة على لزوم الأخذ بأحد المتعارضين ترجيحا أو تخييرا لمورد العامين من وجه.

و اما بناء على ما هو المشهور من عدم شمولها لموردها، فالفرق بين القولين موجود فيما نحن فيه، إذ على القول بانقلاب النسبة يكون حكم العامين التساقط في المجمع، فلا يثبت فيه حكم أحدهما. و على القول بعدم الانقلاب لا يكون الحكم التساقط، لأنهما يكونان متباينين لا عامين من وجه، فتشملهما الاخبار العلاجية فيكون المجمع مشمولا لأحد العامين، فلاحظ جيدا.

هذا تمام الكلام في صور انقلاب النسبة، و منه يتضح الحكم فيما قد يفرض من الصور.

و يقع الكلام بعد ذلك في حكم المتعارضين بحسب الأدلة الشرعية.

و لا بد من بيان مورد المعارضة، فنقول: انه بعد ان عرفت ان التعارض عبارة عن التنافي الحاصل بين الدليلين في مقام الحجية، بمعنى ان يكون كل منهما مزاحما للآخر في كسب الحجية لجانبه.

و هذا انما يتم في فرض ثبوت مقتضى الحجية في كل منهما، بمعنى ان يكون كلا منهما موضوعا للحجية لو لا المانع، و هو الدليل الآخر.

و من هنا يظهر: انه يمتنع حصول التعارض في مورد يكون موضوع الحجية

397

و مقتضيها هو القطع أو الظن الفعلي، بمعنى انه في المورد الّذي يكون ثبوت الحجية لكلا الدليلين موجبا للتعارض لعدم إمكان اجتماع حجيتهما اما ذاتا أو عرضا، يمتنع حصول التعارض لو كان ملاك الحجية فيهما هو القطع أو الظن الشخصي بالمفاد، لامتناع حصول اليقين بمفاد كلا الدليلين، أو الظن الفعلي به لفرض التنافي بينهما، اما الذاتي أو العرضي فيكون من اليقين بالضدين أو الظن بهما و هو محال، مع لزوم ثبوت مقتضى الحجية في نفسه و مع قطع النّظر عن المعارض.

و عليه، فمورد المعارضة ما كان موضوع الحجية فيه هو الظن النوعيّ، إذ لا يمتنع قيام الدليلين المقتضيين للظن النوعيّ على متنافيين، فيحصل التعارض بينهما، لامتناع حجية كلا الدليلين بعد تنافي مدلوليهما.

و إذا حصل التعارض بين المدلولين- بمعنى التعارض بين أصالتي الظهور فيهما- يسري إلى السند- فيحصل التعارض بين دليل حجية سند كل منهما و دليل حجية سند الآخر- لو كان قابلا للتعارض، كالسندين الظنيين- إذ بعد كون مفاد الخبرين متنافيين يمتنع التعبد بسند كل منهما و صدوره، إذ مرجعه إلى التعبد بمؤدى الخبر، و المفروض تنافيهما في المؤدى، إذ لا معنى للتعبد بخصوص الصدور بلا رجوع ذلك إلى إيجاب العمل على طبق مؤداه، كما لا يخفى- دون القطعيين، إذ القطع بالصدور لا يترتب عليه تعبد به كي يقال بامتناع التعبد بصدورهما مع تنافي مدلوليهما، لرجوع التعبد بالصدور إلى إيجاب العمل على طبق مفاده و مؤداه، بخلاف الظن بالصدور فانه موضوع التعبد.

و حيث تصل النوبة إلى التعارض بين السندين، كان ذلك محل الكلام في المقام. فيقع الكلام في تمامية دلالة النصوص الواردة في هذا المورد على أي حكم من الأحكام من ترجيح، و تخيير، و توقف و احتياط.

- و قد عرفت فيما سبق ان الّذي تقتضيه القاعدة الأولية في المتعارضين هو التوقف، بمعنى نفي الثالث، لتساقط الدليلين في دلالتيهما المطابقيتين دون الالتزاميتين‏

398

لعدم التنافي فيها بينها- و لا بد لنا قبل الخوض في تحقيق الحال من تأسيس الأصل عند دوران الأمر بين الترجيح و التخيير، بمعنى انه بعد فرض استفادة لزوم العمل بأحدهما- المتعارضين- و عدم جواز طرحهما معا، و لكن لم يتعين بالأدلة أحد الأمرين من الترجيح و التخيير، و شك في ذلك، فهل مقتضى القواعد هو تعين الأخذ بما فيه المزية و المرجح، أو لا بل مقتضاها التخيير بينهما؟

و ثمرته: بأنه لو تم قيام القاعدة على الترجيح، كفى ذلك دليلا عليه بمجرد الشك في ثبوت أدلة التخيير بلا حاجة إلى إقامة الدليل الخاصّ عليه.

و التحقيق: ان مقتضى القاعدة تعيين الأخذ بذي المزية و المرجح، لأنه معلوم الحجية على التقديرين دون الآخر، لدوران الأمر بين التعيين و التخيير.

و كون المسألة في موردها محل خلاف، للمناقشة في كون الأصل هو التعيين بأن القدر المتيقن من التكليف، هو التكليف بالجامع، و غيره الزائد عليه مشكوك فيه، فأصالة البراءة تنفيه و هي معذرة، فيثبت التخيير دون التعيين.

لا يضر فيما نحن فيه- و لذا التزم بأن الأصل فيما نحن فيه يقتضي الترجيح، من لا يلتزم بالتعيين في مسألة الاشتغال- و ذلك لأن دوران الأمر بين التعيين و التخيير هناك انما هو بالنسبة إلى الحكم الشرعي الفرعي، فأصالة البراءة يمكن دعوى جريانها في نفي التعيين.

و اما في ما نحن فيه، فالدوران بين التعيين و التخيير بالنسبة إلى الحجية، و المفروض ان الأصل في باب الحجية مع الشك هو عدم الحجية، و ذلك ينتهي بنا فيما نحن فيه إلى الترجيح. بعكس أصالة البراءة في مسألة الاشتغال، و ذلك لأنه مع احتمال لزوم الترجيح يكون غير ذي المزية مشكوك الحجية، و الأصل عدمها، فالامر يدور حينئذ بين ما هو مقطوع الحجية و مشكوكها، و لا إشكال في لزوم الأخذ بما هو مقطوع الحجية، إذ مشكوك الحجية مساوق لمقطوع عدم الحجية.

399

إلّا ان هذا التقريب يتم لو قلنا بأن الحجية التخييرية فعلية كما لو كان مرجع الحجية التخييرية إلى حجية العنوان الانتزاعي و هو عنوان أحدهما، فان كلا منهما منطبق هذا العنوان. أو قلنا انها معلقة على ترك الأخذ بالآخر. و لكن عرفت التشكيك في صحة هذين التصويرين للحجية التخييرية، و ان الوجه المعقول لها هو تعليق الحجية على الأخذ بالخبر نفسه، فيكون حجة على تقدير الأخذ به، و قد أشار إلى هذا الوجه غير واحد من الاعلام.

و عليه فلا مجال بناء على هذا القول- للتقريب المذكور- لعدم حجية كل منهما قبل الأخذ به بناء على التخيير، فقبل الأخذ بكل منهما لا يدور الأمر بين ما هو مقطوع الحجية و مشكوكها، لأن ذا المزية لا يكون حجة قطعا الا على القول بالترجيح أو بعد الأخذ به، و كلاهما غير متحقق. لكنه مع هذا يتعين الأخذ بذي المزية [1]، بتقريب: انه بعد فرض وجوب الأخذ بأحدهما من باب حكم العقل‏

____________

[1] تحقيق الكلام في المقام ان يقال: انه لا دليل من الخارج على لزوم الأخذ بإحدى الحجتين المتعارضتين من خبرين أو فتويين أو غيرهما مما يعلم بعدم سقوطهما معا عن الحجية.

نعم، قد يجب الأخذ بإحداهما مقدمة لتحصيل الحجة في بعض الموارد.

توضيح ذلك: ان لتعارض الحجتين صورا:

إحداها: ان يكون مفادهما حكما خاصا مع وجود دليل عام يتكفل حكم جميع الافراد، كما لو ورد: «أكرم العلماء»، ثم ورد: «لا تكرم النحويين» و ورد: «أكرم النحويين».

الأخرى: ان يكون هناك علم إجمالي بالتكليف و يتعارض الدليلان في تعيينه.

الثالثة: ان لا يكون هناك دليل عام و لا علم إجمالي، بل التكليف محتمل بدوا و يتعارض الدليلان في إثباته و نفيه.

اما الصورة الأولى، فالأثر العملي لإثبات لزوم الأخذ بأحد الدليلين الخاصّين انما يظهر لو فرض ان محتمل الترجيح هو الدليل الخاصّ المخالف للعام، و هو قوله: «لا تكرم النحويين» في المثال المتقدم.

و اما لو فرض انه هو الدليل الموافق للعام، فلا أثر للزوم الأخذ بأحدهما، لأن نتيجته هو الأخذ بالموافق، و هو يتفق عملا مع طرحهما و الرجوع إلى العام الفوقاني.

و كيف كان: فلا دليل في مثل ذلك على لزوم الأخذ بأحدهما، سوى ما قد يقال: من لزوم‏

400

...........

____________

- الفحص عن المخصص عند إرادة العمل بالعامّ، و المفروض إمكان تحصيل الدليل المخصص بواسطة الأخذ به.

و لكنه غير سديد، لأن الثابت في بناء العقلاء إناطة العمل بالعامّ بالفحص عن المخصص المحتمل الوجود، و انه مع التمكن من استكشافه لا يجوز العمل بالعامّ.

و اما لزوم إيجاد المخصص، فهذا مما لم يثبت من بنائهم و ما نحن فيه كذلك، لأن الأخذ بالدليل محقق لحجيته فيكون مخصصا، و بدونه لا يكون حجة، و لا دليل على لزوم إيجاد الحجة على التخصيص، و انما الثابت هو لزوم الفحص عما هو حجة على التخصيص، فانتبه.

و اما الصورة الثانية، فهي مما نلتزم فيها بلزوم الأخذ بأحد الدليلين لمن لا يريد الاحتياط، بل يريد الاقتصار على بعض المحتملات، إذ لا بد في تعيينه أحد المحتملات من استناده إلى حجة تستلزم انحلال العلم الإجمالي حكما، فيلزمه الأخذ بأحد الدليلين.

و لكن لا يمكن الاستناد إلى هذا البيان في باب التقليد إذا دار امر المجتهدين بين التعيين و التخيير، و الحكم بلزوم تقليد محتمل التعيين، كما لو كان أحدهما أورع و احتمل تعين تقليده، و ذلك بأن يقال ان المكلّف قبل تقليده يعلم إجمالا بثبوت تكاليف كثيرة، فلا بد في الخروج عن عهدتها- مع عدم الاحتياط- من الاستناد في عمله إلى حجة، فيلزمه الأخذ بفتوى أحد المجتهدين، و يتعين عليه قول محتمل الترجيح للجزم بحجيته على تقدير الأخذ به بخلاف قول الآخر.

و السر في عدم صحة هذا القول، هو: ان الدوران المزبور بين القولين انما هو في موارد الاختلاف. اما مع الاتفاق، فلا تعارض كي يدور الأمر بينهما فيكون كل منهما حجة.

و بما ان موارد الاتفاق كثيرة بحد ينحل العلم الإجمالي بها، ففي مورد الاختلاف لا يكون هناك علم إجمالي، بل ليس إلّا احتمال التكليف احتمالا بدويا، فيكون المورد من موارد الصورة الثالثة.

و قد يدعي فيها عدم جريان البراءة للزوم الفحص عن الحجة، و مع إمكان تحصيلها- كما في المقام بواسطة الأخذ بأحدهما- لا يمكن التمسك بالبراءة العقلية.

و لكن هذا الكلام ممنوع، بأن اللازم هو الفحص عن الحجة المحتملة الوجود لا إيجاد الحجة، و ما نحن فيه من الثاني لا الأول، كما عرفت في الصورة الأولى، فما نحن فيه نظير وعظ الراوي الفاسق ليصير عادلا فيصير خبره حجة، فانه مما لا يتوهم انه واجب من باب لزوم تحصيل الحجة. اذن فقبل الأخذ بأحدهما لا حجة شرعا على التكليف لعدم الجزم بالتعيين، فيكون المورد من موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

401

بوجوب تحصيل الحجة على الحكم للعلم الإجمالي، فمع الأخذ بذي المزية يعلم بحصول الحجة على الواقع، اما من جهة انه حجة في نفسه لو ثبت الترجيح ثبوتا، أو

____________

- هذا تمام الكلام في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في باب الحجج و الأدلة على الطريقية.

و اما على السببية، فقد عرفت رجوع التعارض إلى التزاحم، و قد عرفت تحقيق الحال في دوران الأمر بين التعيين و التخيير في باب التزاحم في مباحث اجتماع الأمر و النهي، فراجع.

و لكن الّذي ذكرناه هناك يرتبط بدوران الأمر بين التعيين و التخيير في المتزاحمين بناء على كون التزاحم هو التنافي بين الحكمين في مقام الامتثال مع وجود الإطلاق لكلا الحكمين، بحيث يرجع التخيير إلى تقييد إطلاق كل منهما بترك امتثال الآخر. و بناء على ما نسب إلى الكفاية من كون التزاحم هو التنافي في المقتضيين مع عدم تكفل الدليلين للحكم الفعلي، بحيث يكون الأمر بأحدهما المعين أو التخيير بينهما بحكم العقل من باب لزوم تحصيل الفرض الملزم.

و اما بناء على كون التخيير بينهما بحكم الشارع، بدعوى سقوط كلا الدليلين و استكشاف حكم شرعي آخر بالتخيير بينهما. فلم نتكلم فيه، و لا بأس بتحقيقه بنحو الإجمال فنقول: ان مرجع دوران الأمر بين التعيين و التخيير على هذا المبنى إلى دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحكم الشرعي في المسألة الفرعية.

و قد تقدم في مباحث الأقل و الأكثر تحقيقه مفصلا.

و قد قربنا هناك الالتزام بالبراءة على جميع محتملات الوجوب التخييري.

لكن التحقيق انه لو التزمنا في حقيقة الوجوب التخييري انه سنخ وجوب وسط بين الوجوب التعييني و الاستحباب. و التزمنا بأن الاختلاف بين الوجوب و الاستحباب لا يرجع إلى الاختلاف في البعث و الإرادة شدة و ضعفا، بل هما ينتزعان عقلا عن ترخيص المولى في الترك و عدمه، لأن كل طلب يجب موافقته عقلا إذا لم يرخص المولى في الترك- كما عليه المحقق النائيني- كان المتعين فيما نحن فيه هو الاحتياط، و ذلك لأن مرجع الوجوب التخييري على هذا المبنى إلى الطلب الّذي حكم الشارع بالترخيص في عدم امتثاله إلى بدل، فمن ملاحظة ذلك ينتزع العقل الوجوب التخييري للشي‏ء في قبال التعييني المنتزع من الطلب مع عدم الترخيص في الترك مطلقا، و الاستحباب المنتزع عن الطلب مع الترخيص في الترك مطلقا، فإذا تعلق الطلب بشي‏ء و شك في التخيير بينه و بين غيره، فمرجع ذلك إلى الشك في ترخيص الشارع في تركه إلى بدل و عدمه.

و من الواضح ان العقل- على هذا المبنى- يحكم بلزوم الامتثال و الإتيان بمتعلق الطلب ما لم يحرز الترخيص، فمع عدم إحرازه يتعين موافقته و عدم جواز مخالفته، فتدبر تعرف.

402

من جهة الأخذ به لو ثبت التخيير.

و اما مع الأخذ بغير ذي المزية، فلا يعلم بتحصيل الحجة لاحتمال لزوم الترجيح، فالأخذ بذي المزية متعين بحكم العقل، فلاحظ.

و بعد هذا لا بد في تحقيق الحال في حكم المتعارضين بحسب المستفاد من النصوص.

و قد التزم الشيخ (قدس سره) بلزوم الترجيح بمقتضى الطائفة الأولى‏ (1).

و أنكر لزومه صاحب الكفاية (قدس سره) و التزم باستحبابه، و ان الوظيفة في الخبرين المتعارضين هي التخيير.

بدعوى: ان اخبار الترجيح قاصرة الشمول للمورد لخروجه موضوعا عنها، و لو تنزل عن ذلك، فلا بد من الالتزام بحملها على الاستحباب جمعا بينها و بين ما دل على التخيير مطلقا.

توضيح ذلك: ان الخبر الجامع لمزايا الترجيح هو المقبولة (2)، و المرفوعة (3)، و هما- مع غض النّظر عما بينهما من الاختلاف في المفاد، لتقديم الترجيح بصفات الراوي على الشهرة في الأولى و تأخيره عنها في الثانية- يختصان بمورد التحاكم و فصل الخصومة. و دلالتها على لزوم الترجيح في مقام الإفتاء محل إشكال، خصوصا بملاحظة ان ارتفاع الخصومة مع التعارض لا يكون إلّا بالترجيح، لأن التخيير لا يحل النزاع كما لا يخفى.

و لا يبقى معها مجال دعوى دلالتها على الترجيح في مقام الفتوى بوحدة الملاك لوجود الفرق الفارق بين المقامين.

و مع التنزل عن ذلك بادعاء عدم الخصوصية لمورد التحاكم، و ان التعرض‏

____________

(1) الأنصاري المحقق الشيخ مرتضى. فرائد الأصول- 450- الطبعة القديمة.

(2) وسائل الشيعة 18- 75 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 1.

(3) غوالي اللئالي 4- 133، الحديث: 299.

403

إليه لأنه مورد السؤال، فهي ظاهرة في مورد التمكن من لقاء الإمام (عليه السلام)، و لأجله لم يرجع إلى التخيير مع فقد المرجح. فلا تصلح لتقييد إطلاقات التخيير في زمان عدم التمكن من لقائه (عليه السلام) كزماننا الّذي نحن فيه.

و اما الاخبار الأخرى الدالة على الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة، فكونها من اخبار ترجيح أحد المتعارضين على الآخر محل إشكال، بل الظاهر انها من باب تمييز الحجة عن اللاحجة- فيخرج عن باب التعارض، لاشتراط اشتمال كلا الخبرين على مقتضى الحجية في تحققه- بدعوى: ان الخبر المخالف للكتاب أو الموافق للعامة بنفسه لا يكون حجة، كما تشير إلى ذلك هذه الاخبار المتضمنة لكون مثل هذا الخبر زخرفا و باطلا و نحوهما، لا انه لا يكون حجة فعلا بواسطة المعارض الأقوى.

و الّذي تحتمله عبارة الكتاب في تقريب هذه الدعوى أحد وجوه ثلاثة:

الأول: ان الخبر المخالف للكتاب أو الموافق للعامة بملاحظة وجود الخبر الموافق للكتاب أو الخبر المخالف للعامة الموثوق بصدوره، يحصل الاطمئنان بوجود خلل، اما في صدوره، أو جهته، أو ظهوره، فيحصل العلم بعدم حجيته في مورد المعارضة، هذا امر ارتكازي أرشدت إليه الروايات الدالة على ان مثل هذا الخبر زخرف، أو انه لم نقله، و نحو ذلك، مما يدل على عدم حجية الخبر في نفسه في هذا المورد.

الثاني: ان عدم حجية مثل هذا الخبر انما هو باعتبار دلالة هذه الاخبار على ذلك بلحاظ لسانها المذكور، لا باعتبار الاطمئنان الخارجي، لعدم حجيته كي تكون دلالتها إرشادية و لا يختص ذلك بمورد المعارضة، لظهورها في ان مجرد المخالفة للكتاب و الموافقة للعامة هي الموجبة لعدم حجية الخبر و كونه باطلا و زخرفا بلا خصوصية لمورد المعارضة.

الثالث: انه يحصل الاطمئنان بواسطة هذه الاخبار بعدم حجية الخبر المخالف‏

404

للكتاب أو الموافق للعامة في مورد المعارضة، فالاطمئنان يحصل من هذه الاخبار، لا انه حاصل من الخارج و الاخبار مرشدة إليه.

و الّذي تحصل: ان اخبار الترجيح لا تشمل موضوعا مورد الخبرين المتعارضين الّذي نحن فيه. و لو تنزل عن ذلك و قيل بشمولها لما نحن فيه، فلا بد من التصرف فيها بحملها على الاستحباب، إذ تقييد مطلقات التخيير بها يستلزم تخصيصه بالفرد النادر- لندرة كون الخبرين متساويين في جميع المزايا- و هو مستهجن، فطريق الجمع هو حمل اخبار الترجيح على الاستحباب لا اللزوم. هذا محصل ما ذكره صاحب الكفاية (رحمه الله)(1).

و قد نوقش في كلامه بجهاته ..

اما ما ذكره في كون المقبولة واردة في مورد التحاكم فلا تشمل غيره من الموارد ..

فوجه المناقشة فيه: ان صدر الرواية في المقبولة و ان كان ظاهرا في كون الترجيح في مقام الحكومة، إلّا ان ما بعده ظاهر في كون الترجيح بين الروايتين بلا لحاظ هذا المقام بل مطلقا.

و اما ما ذكره من ظهورها في مورد التمكن من لقاء الإمام (عليه السلام) فيختص الحكم بذلك ..

فوجه المناقشة فيه [1]: انه بمناسبة الحكم و الموضوع يعلم بعدم الفرق في الترجيح بين زمان الحضور و غيره، إذ من المعلوم انه لا وجه لكون الشهرة أو غيرها مرجحا في زمان دون آخر كما لا يخفى.

و اما ما ذكره في غيرها من اخبار الترجيح و انها من باب تمييز الحجة عن‏

____________

[1] سيأتي في تحقيقه- دام ظله- عدم صحة هذه المناقشة و رجوع جميع نصوص المقام إلى تمييز الحجة عن اللاحجة. فراجع.

____________

(1) الخراسانيّ المحقق الشيخ محمد كاظم. كفاية الأصول- 443- طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

405

اللاحجة.

فقد نوقش فيه: بأن بعض الاخبار و ان كانت ظاهرة في التمييز، إلّا ان هناك غيرها مما هو ظاهر في مقام ترجيح الحجة على الحجة، لا في مقام التمييز.

فلا بد ان تحمل هذه الاخبار على إرادة المخالفة لنص الكتاب كالمخالفة بنحو التباين الكلي، إذ من المعلوم وجدانا تخصيص كثير من عمومات الكتاب بالأخبار، فيكون هذا العلم قرينة على هذا الحمل و تحمل الاخبار الأخرى الظاهرة في الترجيح على إرادة المخالفة لظاهر الكتاب، كالمخالفة بنحو العموم و الخصوص و نحوه، فدلالة هذه الاخبار تامة، بعد الجمع المذكور.

و هذا الجواب هو المناسب للاحتمال الثاني لكلامه (رحمه الله)، لا ما أجيب به من: بطلان دعوى حصول الاطمئنان، لوجود خلل في الخبر الموافق للعامة لموافقتنا لهم في كثير من الأحكام، فلعل ما يؤديه الخبر من موارد الموافقة (1)، فان هذا الجواب انما يتناسب مع الاحتمال الأول و الثالث كما لا يخفى، فلاحظ.

و اما ما ذكره من انه مع الالتزام بشمول هذه الاخبار موضوعا لما نحن فيه، لا بد من حملها على الاستحباب لاستلزام تقييد مطلقات التخيير بها إرادة الفرد النادر من المطلق ..

فوجه المناقشة فيه: ان ذلك انما يلزم مع الالتزام بالترجيح بغير موافقة الكتاب و مخالفة العامة من المرجحات المنصوصة و غيرها. اما مع الالتزام بالترجيح بخصوصهما دون غيرهما، فموارد التخيير كثيرة لكثرة موارد التساوي في الخصوصيات، فلاحظ.

هذا مجمل المناقشة المذكورة في كلمات الاعلام (قدس سرهم) لكلام صاحب الكفاية (رحمه الله)، إلّا ان المقام يستدعي زيادة في التحقيق و الدقة، فلا كفاية بالنحو الّذي أنهى به صاحب الكفاية و مجيبوه الكلام، فلا بد من تحقيقه من‏

____________

(1) الواعظ الحسيني محمد سرور. مصباح الأصول 3- 408- الطبعة الأولى.

406

استعراض الاخبار الواردة في المورد و الانتهاء بما يقتضيه الذوق و الصناعة منها، فنقول- و به الاعتصام-: الاخبار على طوائف خمس:

الأولى: ما ظاهره لزوم الترجيح ببعض المزايا، كالشهرة و موافقة الكتاب و مخالفة العامة (1).

الثانية: ما ظاهره جواز التخيير و الأخذ بأيهما شاء (2).

الثالثة: ما ظاهره لزوم الاحتياط، يعني الأخذ بالأحوط (3).

الرابعة: ما ظاهره لزوم التوقف‏ (4).

الخامسة: ما ظاهره لزوم الترجيح بأحدث الخبرين‏ (5).

اما طائفة الترجيح بالشهرة و نحوها، فهي اخبار كثيرة ..

و الجامع منها للمرجحات خبران: مقبولة عمر بن حنظلة، و مرفوعة زرارة المروية في غوالي اللئالي.

اما مقبولة ابن حنظلة (6)، فمع الغض عن سندها- و ان عبر عنها بالمقبولة (7)- لا تصلح للدلالة على الترجيح في مورد تعارض الخبرين لجهات:

الأولى: ان الجري العرفي في حل المخاصمات لا يتناسب و التحاكم عند رجلين يرتضيهما كلا المتداعيين، إذ لا تنحل الخصوصة مع اختلافهما، ففرض التحاكم عند

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 84 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 29.

(2) وسائل الشيعة 18- 87 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 40.

(3) وسائل الشيعة 18- 111 باب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 1.

(4) وسائل الشيعة 18- 75 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 1.

(5) وسائل الشيعة 18- 79 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 17.

(6) وسائل الشيعة 18- 75 باب: 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 1.

(7) و ذلك لأنه لو كان المراد بها ثبوتها عند الأصحاب يعني انجبار ضعف سندها بالشهرة و الاعتبار، لكان ذلك وجها لاعتبارها سندا. و لكن مقبوليتها انما كانت باعتبار صفوان بن يحيى و هو كما قيل من الأصحاب الإجماع، أي الّذي أجمع العصابة على تصحيح ما يصح عنهم و ذلك غير مسلم عند الكل حتى من يلتزم بانجبار ضعف الرواية بالشهرة. (المقرر).