خريدة العجائب وفريدة الغرائب‏

- عمر بن مظفر ابن الوردي المزيد...
503 /
205

تتخذ الأمشاط، اثنين و ثلاثة و أربعة إلى عشرين. و لهذه الملكة جبايات كثيرة تتصدق بها على صعاليك أرضها و يتحلون بالودع و يدخرونه عندهم و في خزائنهم. و بهذه الجزيرة شجر تحمل ثمرا كالنساء بصور و أجسام و عيون و أيد و أرجل و شعور و أثداء و فروج كفروج النساء، و هن حسان الوجوه، و هن معلقات بشعورهن، يخرجن من غلف كالأجربة الكبار، فإذا أحسسن بالهواء و الشمس يصحن: واق واق، حتى تتقطع شعورهن فإذا انقطعت ماتت. و أهل هذه الجزيرة يفهمون هذا الصوت و يتطيرون منه.

و في كتاب الحوالة أنه من تجاوز هؤلاء وقع على نساء يخرجن من الأشجار أعظم منهن قدودا (318) و أطول منهن شعورا، و أكمل محاسن و أحسن أعجازا (319) و فروجا، و لهن رائحة عطرة طيبة، فإذا انقطعت شعورها و وقعت من الشجرة عاشت يوما أو بعض يوم و ربما جامعها من يقطعها أو يحضر قطعها فيجد لها لذة عظيمة لا توجد في النساء.

و أرضهن أطيب الأراضي و أكثرها عطرا و طيبا، و بها أنهار أحلى ماء من العسل و السكر المذاب، و ليس بها أنيس و لا عامر إلا الفيلة و ربما بلغ ارتفاع الفيل في هذه الجزيرة أحد عشر ذراعا.

____________

المجوسية التي اقتصرت حينها على الملوك و الكهنة. (تفسير الطبري (17/ 97)، و المفصل (6/ 691)، و المعجم الذهبي (مادة مجوس).

(318) القد: الجسم.

(319) أعجاز: مؤخرة كل شئ.

206

و بها من الطير شي‏ء كثير. و ليس يعلم ما وراء هذه الجزيرة إلا اللّه تعالى. و يخرج من بعض هذه الجزائر سيل عظيم يسيل كالقطرة يصب في البحر فيحرق السمك في البحر فيطفو على الماء.

و جزيرة جالوس: و هي جزيرة بها قوم مستوحشون عراة يأكلون الناس و ليس لهم ملك و لا دين، و أكلهم الموز و النار جيل و قصب السكر. و في هذه الجزيرة جبل ترابه فضة كالبرادة الناعمة.

و جزيرة الموجة: و هي جزيرة عظيمة و بها عدة ملوك. و أهلها بيض شقر مخرومون الآذان كأهل الصين، و عندهم الخيول البحرية يركبونها. و عندهم دابة المسك و دابة الزباد؛ و نساؤهم أجمل النساء و أحسنهن خلقا و خلقا، و أرحامهن كالحلقة لاصقة، و إذا وقفت المرأة الطويلة على قدمها و مشت تسحب شعرها خلفها على الأرض. و هذه النساء من أعظم النساء أعجازا و أدقهن خصورا، باديات الوجوه ساحبات الشعور، لا يستترن من أحد أصلا.

و جزيرة السحاب: و هي جزيرة كبيرة سميت بهذا الاسم لأنه يطلع عليها سحاب أبيض و يعلو عن المراكب في البحر، و يخرج منه لسان طويل دقيق مع ريح عاصف حتى يلتصق ذلك اللسان بالبحر فيغلي البحر كالقدر الفائر و يضطرب كالزوبعة الهائلة، فإذا أدرك المراكب ابتلعها، و بهذه الجزيرة تلول إذا أضرمت فيها النار سالت منها الفضة الخالصة.

و جزيرة هلائي: و هي جزيرة كبيرة من أعظم الجزائر و أوسعها قطرا و أعظمها عمارة، و هي معترضة من المشرق إلى المغرب، و لأهلها قصور و بيوت يتخذونها من الخشب على وجه الماء و أرحاء تدور بالريح على الماء؛ و بها أنواع الطيب و العطر

207

الفاخر و عندهم الموز و الأرز و النار جيل و قصب السكر؛ و بها معدن الذهب و الفيلة البيض و الكركند؛ و لها ملك عظيم مهيب كثير الجيوش و الجنود؛ و له المراكب البهية من الخيل و الفيلة العجيبة.

جزيرة القمر: و هي جزيرة طويلة عريضة، طولها من المشرق أربعة أشهر؛ و بها مدينة تسمى: لان؛ و هي سكن الملك، و هي مخصبة؛ بها أشجار و ثمار و أنهار و غياض؛ و بها النار جيل و قصب السكر؛ و بهذه الجزيرة تصنع ثياب الحشيش الغريبة النوع التي لا نظر لها في الدنيا و لا بهجة للحرير و الديباج عندها، و يصنع بها نوع من الحصر المرقومة المنقوشة التي تأخذ بالأبصار و تذهب بالعقول حسنا و بهجة، تلبسها الملوك فوق البسط الحرير و يعمل بها مراكب منحوتة من قطعة واحدة و خشبة واحدة؛ و طول كل مركب ستون ذراعا بالرشاشي، تحمل مائتي مقاتل و تسمى السفينات.

و حكى بعض التجار أنه رأى هناك مائدة يأكل عليها مائة و خمسون رجلا و هي قطعة واحدة مستديرة. و ملك هذه المدينة لا يقوم بخدمته إلا المخنثون و يلبسون الثياب النفيسة، و يتحلون مثل النساء و اسمهم النتيانة. و يتزوجون بالرجال كالنساء؛ يخدمون الملك بالنهار و يرجعون إلى أزواجهم بالليل من غير أن يعارضوا في ذلك.

جزيرة السعالي: و هي جزيرة عظيمة بها شخوص مشوهة الخلق منكرة الصور لا يدرى ما هم، و زعم قوم أنها شياطين تتولد من الجن و الإنس تأكل من وقع لهم من الإنس.

208

جزيرة التمسح: و هي جزيرة بها قوم أذنابهم كالكلاب و أبدانهم كأبدان الإنسان، و لهم ملك منهم.

جزيرة أطوران: و هي كبيرة و بها أنواع من القردة كالحمر عظما، و بها الكركند الكثير. ذكر أن مراكب الإسكندر وصلت إليهم و إلى جزيرة أخرى بها قوم على أشكال أبدان الإنسان، و وجوههم و رؤوسهم كالسباع، فلما قربوا منهم غابوا عن أبصارهم و لم يعلموا كيف ذهبوا؟.

جزيرة النساء: و هي جزيرة عظيمة و ليس بها رجل أصلا. ذكروا أنهن يلقحن و يحملن من الريح و يلدن نساء مثلهن. و قيل إن بأرض تلك الجزيرة نوعا من الشجر فيأكلن منه فيحملن و إن الذهب في أرضها عروق كعروق الخيزران، و ترابها كله ذهب و لا التفات للنساء إلى ذلك.

و ذكر بعضهم أن رجلا ساقه اللّه إلى تلك الجزيرة فأردن قتله فرحمته امرأة منهن و حملته على خشبة و سيبته في البحر فلعبت به الأمواج فرمته في بعض بلاد الصين فأخبر ملك تلك الجزيرة بما رأى من النساء و كثرة الذهب، فوجه مراكب و رجالا معه فأقاموا زمنا طويلا في البحر يطوفون على تلك الجزيرة فلم يقعوا لها على أثر.

209

جزيرة سرنديب‏ (320): و هي جزائرة كثيرة، و في هذه الجزائر مدن كثيرة، و فيها الجبل الذي أهبط عليه آدم (عليه السلام)، و يسمى جبل الراهون و عليه أثر قدم آدم (عليه السلام)؛ و على القدم نور لماع يخطف البصر. و أسفل هذا الجبل توجد سائر الأحجار الثمينة النفيسة. و لهذه الجزائر بحر فيه مغاص اللؤلؤ الفاخر و يجلب منها الدر و الياقوت و السنباذج و الألماس و البلور و جميع أنواع العطر؛ و تسافر المراكب فيها الشهر و الشهرين بين غياض و رياض. و لملك هذه الجزائر صنم من الذهب مكلل بالجواهر و ليس عند أحد من الملوك ما عنده من الدر و الجواهر النفيسة لأن أصنافها كلها في بلاده و جباله، و يحمل إليه الخمس من كل ما يوجد و يستخرج من عراق العجم و فارس، و يقال إن بهذه الجزائر مساكن و قبابا بيضا تلوح للناس من بعد فإذا قربوا منها تباعدت حتى ييأسوا منها.

و أما عجائب هذا البحر: فمنها ما ذكروا أنه إذا كثرت أمواجه ظهرت أشخاص سود طول كل واحد منهم أربعة أشبار كأنهم أولاد الأحابيش، يصعدون إلى‏

____________

(320) سرنديب: هي سيلان أو يريلانكا الحالية، كان العرب على صلة تجارية بجزيرة سرنديب قبل ظهور الإسلام، و كان طبيعيا أن يصل التجار العرب المسلمون إليها خلال القرن الهجري الأول، غير أن الانتشار الفعلي للإسلام في جزيرة سيلان يدأ بنهاية القرن الأول الهجري و بداية القرن الثاني، حبث انتشر الإسلام في سواحل الجزيرة، ثم وفد إلى الجزيرة مسلمون من التاميل الهنود، و مسلمون من الملايو و أندونسيا، و لقد اتخد ملوك جزيرة سيلان مستشارين لهم من العرب و المسلمين في فترات سابقة على الاستعمار الأوروبي. و عند ما خضعت جزيرة سيلان للاستعمار البرتغالي ثم الهولندي، و أخيرا البريطاني، واجه المسلمون تحديا من البعثات التنصيرية طيلة أربعة قرون، فلقد دعم الاستعمار هذه البعثات التنصيرية و أمدها بنفوده، و أمام هذا التحدي لجأ المسلمون إلى المناطق المنعزلة، و على الرغم من مساندة الاستعمار للبعثات التنصيرية المسيحية، لم تتجاوز حصيلتها نصف مليون مسيحي، و ظل الإسلام ينتشر بجهود فردية دون دعم مادي أو سياسي. و يقدر عدد المسلمون في شري لانكا بحوالي 000 600 1 نسمة

210

المراكب من غير ضرورة و لا أذى، و ظهورهم يدل على خروج ريح مهلك يسمى الخب.

و حكي أيضا أنهم يرون في هذا البحر طائرا يطير و هو من نور لا يستطيع أحد النظر إليه، فإذا ارتفع على صاري المركب سكنت الريح و هدأت أمواج البحر و هو دليل السلامة، و يفقدونه و لا يعلمون أين يذهب؟.

و من العجائب: أن طائرا في هذا البحر يسمى خرشنة أكبر من الحمام، ذكر في كتاب تحفة الغرائب أن هذا الطائر إذا طار يأتي طائر آخر يقال له كركر و يطير فاتحا فاه يتوقع ذرق خرشنة ليقع في فيه فيأكله، و ليس له قوت سواه و لا يذرق خرشنة هذا إلا و هو طائر.

و منها دابة المسك البحري، و هي دابة تخرج من البحر كل سنة في وقت معلوم بكثرة عظيمة، فتصاد و تذبح فيوجد المسك في سرتها كالدم، و هذا المسك هو أفخر الأنواع غير أنه في مكانه و بلده لا ريح له أبدا، فإذا خرج من حد بلاده ظهر ريحه و كلما بعد زاد ريحه.

و منها دابة تسمى ملكان تستوطن جزيرة هناك لها رؤوس كثيرة و وجوه مختلفة و أنياب معلقة و لها جناحات و هي تأكل دواب البحر، و قيل إنا تصادف برسم مراكب الملوك إذا ركب الملك قادوها أمام موكبه و ألبسوها الجلال الحرير و يزينونها.

و منها سمكة تزيد على خمسمائة ذراع توجد عند جزيرة واق واق المذكورة، إذا رفعت جناحها كانت كالجبل العظيم، يخاف على السفن منها، فإذا رأوها صاحوا و ضربوا الطبول و أضرموا المكاحل النفطية حتى تهرب عنهم.

211

و منها سلاحف‏ (321) كبار استدارة كل سلحفاة أربعون ذراعا بذراعهم، تبيض كل واحدة ألف بيضة و ظهرها الدبل الفاخر، و أهل اليمن يتخذون من ظهورها قصعا كبارا و جفانا هائلة لغسلهم و مأكلهم.

و منها سمكة تسمى سيلان تقعد على البر يومين حتى تموت، فإذا جعلت في القدر و كان رأس القدر مغطى نضجت و استوت، و إن كان رأس القدر مكشوفا طارت منه و تختفي فلا يعلم أين تذهب.

و منها سمكة تسمى الأطم و وجهها كوجه الخنزير، و لها فرج كفرج المرأة، و لها مكان الفلوس شعر، و هي طبقة لحم و طبقة شحم، و يرغبون في أكلها لطيب لحمها. و منها سرطانات قدر كل واحد كالترس الصغير، يخرج من الماء بسرعة، فإذا سار في البر انعقد حجرا في الحال.

و منها حيات عظام تخرج من البحر فتبتلع الفيل العالي الهائل، و تنطوي على شجرة عظيمة تجذبها أو على صخرة فتنكسر عظام الفيل في بطنها و تسمع قعقعة ذلك على بعد.

و منها سمكة تسمى هبير، من رأسها إلى صدرها مثل الترس، و لها عيون كثيرة تنظر بها و باقي بدنها طويل مثل الحية في مقدار ثلاثين ذراعا، و لها أرجل كثيرة، و من صدرها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار كل سنة منها في طول شبر كالحديد في الصلابة أو الفولاذ في القطع، و لا تتصل بشي‏ء من المراكب إلا شقته و لا تضرب شيئا إلا

____________

(321) السلاحف‏Tortoises : وجدت على الأرض قبل حوالي 250 مليون سنة و لم تتغير كثيرا منذ نشوئها الأول و تتكون من نحو 100 نوع و تعيش عادة في المناطق المدارية (موسوعة الحيوان، ص 136).

212

قطعته نصفين و لا تنطوى على شي‏ء إلا أهلكته و تسمى أيضا القرش‏ (322)، و في هذا البحر الدردور، و هو إذا وقعت فيه سفينة لا تنجو منه.

حكى بعض التجار قال: ركبنا في هذا البحر و معنا جمع من التجار فهبت علينا ريح عاصفة صرفت المركب عن القصد، و كان رئيس المركب شيخا أعمى إلا أنه حاذق بالرياسة، و كان معه في السفينة حبال كثيرة فكان رجاله يقولون له: لو كان موضع هذه الحبال ركاب لا نتفعنا بأجرتهم، و كان يسأل التجار في كل وقت ماذا ترون فيقولون: ما نرى شيئا. و لم يزل كذلك حتى قالوا له: نرى طيورا سودا على وجه الماء، فصاح الشيخ و لطم وجهه و قال: هلكنا و اللّه لا محالة؛ فلما سألناه عن السبب قال: سترون ذلك عيانا. فما كان مقدار ساعتين حتى وقعنا في الدردور، و إذا بالذي كنا نراه كالطيور السود مراكب و بها أناس موتى؛ قال: فتحيرنا و انقطع رجاؤنا من الخلاص و الحياة؛ فقال الشيخ: هل لكم أن تجعلوا لي نصف أموالكم و أنا أتحيل في خلاصكم إن شاء اللّه تعالى؟ فقلنا: نعم قد رضينا! قال: فأعطانا قنينتين قد ملئتا بالدهن فأدليناهما في البحر فاجتمع عليهما من السمك ما لا يعد و لا يحصى ثم أمرنا أن نطرح تلك الموتى الذين في المراكب إلى البحر بعد شدهم بالحبال التي كانت عنده في المراكب ففعلنا و رمينا بهم و أطراف الحبال مشدودة بمركبنا؛ فابتلع السمك‏

____________

(322) القرش: معظم أسماك القرش ذات أجسام طويلة نوعا و لها عينان و فتحات خيشومية على جانب الرأس و هي مفترسة تتغذى بلأسماك العظيمة الأصغر أما الأنواع الخطرة على الإنسان فيبلغ عددها نحو 12 نوعا و هي ذات زعانف زوجية و زعنفة ظهرية واحدة أو اثنتان على الظهر و زعنفة شرجية أمام الذيلية تماما و تغطي الجسم حراشف حادة مدببة تسمى انتوءات و يوجد في معظم بحار العالم و يعتبر قرش الحوت أكبر سمكة حية اليوم يصل طوله الى 15 م و رغم ذلك فهو مسالم للغاية (موسوعة الحيوان، ص 102).

213

الموتى ثم أمرنا بالصياح و ضرب الطبول و الصنوج‏ (323) و الأخشاب ففعلنا ذلك فتفرقت الأسماك و أطراف الحبال في بطونها مشدود بها الموتى، و إذا بالمركب قد تحرك من مكانه و أقلع و جرى و لم يزل يجري حتى خرجنا من الدردور، فصاح الرئيس:

اقطعوا الحبال عاجلا فقطعناها و نجونا بقدرة اللّه من الهلاك، فقال الرئيس للجماعة:

تلومونني على حمل هذه الحبال فانظروا كيف كانت سببا لحياتكم و سلامتكم، فحمدنا اللّه تعالى و شكرنا الرئيس لنظره في العواقب.

و منها بحر الهند: و هو أعظم البحار و أوسعها و أكثرها خيرا و مالا، و لا علم لأحد بكيفية اتصاله بالبحر المحيط لعظمته وسعته و خروجه عن تحصيل الأفكار، و ليس هو كالبحر الغربي، فإن اتصال البحر الغربي بالمحيط ظاهر. و يتشعب من هذا البحر الهندي خليجان أعظمهما بحر فارس ثم بحر القلزم، فالآخذ نحو الشمال بحر فارس و الآخذ نحو الجنوب بحر الزنج. قال ابن الفقيه: بحر الهند مخالف لبحر فارس، و في هذا جزائر كثيرة و قيل إنها تزيد على عشرين ألف جزيرة و فيها من الأمم ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى فأما ما وصل إليه الناس فأقل قليل.

فمن جزائره جزيرة كله: و هي جزيرة عظيمة بها أشجار و أنهار و ثمار، و يسكنها ملك بني جابة الهندي، و بها معادن القصدير و شجر الكافور و هو شبيه بالصفصاف‏ (324) و هي تظل مائة رجل و أكثر، و بها الخيزران، و في عجائب هذه الجزيرة ما يقع واصفها في حد التكذيب.

____________

(323) الصنوج: هو الذي يكون في الدفوف و نحوه و اللاعب به يقال له الصناج و كان أعشى بكر يسمى صناجة العرب لجودة شعره (اللسان 4/ 2506).

(324) الصفصاف‏Willoe : لشجر اصفصاف تاريخ عريق في مصر، و قد عثر على بعض الأشياء المصنوعة من خشب الصفصاف و أوراقه في مقبرة توت عنخ أمون و يعالج الصفصاف الحروق و الالتهابات (عادل عبد العال: الطب القديم، دار أجيال، ص 36).

214

جزيرة جابة: و هي كبيرة و بها الموز و النارجيل و الأرز و القصب السكري الفائق، و بها العود، و يسكنها قوم شقر وجوههم، على صدورهم شعورهم، و أبدانهم كالناس. و بها جبل عظيم يرى عليه في الليل نار عظيمة ترى من خمسة عشر فرسخا و بالنهار دخان، و لا يدنو أحد من ذلك الجبل على خمسة فراسخ إلا هلك‏

و ملك هذه المدينة اسمه جابة، و هو يلبس من الحلل حلة الذهب و تاجا من ذهب مكللا بالدر و الياقوت و الجواهر النفيسة، و دراهمه و دنانيره مطبوعة على صورته و هيئته، و هو يعبد صنما، و صلاتهم غناء و تلحين و تصفيق بالأكف و اجتماع الجواري الحسان و لعبهن بأنواع من التكسر و التخلع بين يدي المصلي، و الكنيسة التي فيها الصنم فيها جوار حسان راقصات متخلعات معدودة لذلك، و ذلك إن المرأة إذا ولدت عندهم بنتا حسنة أخذتها أمها إذا كبرت و ألبستها أفخر الملابس و الحلي و ذهبت إلى الكنيسة و تصدقت بها على الصنم و حولها أهلها و أقاربها من النساء و الرجال، و يسلمها الخدمة إلى أناس عارفين بالرقص، و التخلع و التكسر فيعلمونها. و لهذا الملك جزائر كثيرة منها جزيرة هريج و جزيرة سلاهط و جزيرة مايط.

فأما جزيرة هريج: فإن بها خسفة متسعة نحو عشرة أميال مستديرة لا يعرف أحد قعرها و لا وقف أحد على قرارها و هي من عجائب الدنيا.

و جزيرة سلاهط: يجلب منها الصندل و السنبل و الكافور. و ذكر المسافرون أن بجزائر الكافور قوما يأكلون الناس و يأخذون قحوفهم فيجعلون فيها الكافور و الطيب و يعلقونها في بيوتهم و يعبدونها، فإذا عزموا على أمر و قصد سجدوا لتلك القحوف و سألوها عما يريدون و يقصدون، فتخبرهم عن كل ما يسألونها عنه من خير أو شر.

215

و بهذه الجزيرة عين يفور منها الماء و ينزل في ثقب في الأرض فيطلع له رشاش فأي شي‏ء وقع من ذلك الرشاش على وجه الأرض صار حجرا، فإن كان ليلا صار حجرا أسود، أو بالنهار صار حجرا أبيض، و بآخر هذه الجزيرة خسفة أخرى كالبيكارة، دورها نحو الميل تتقد نارا و تعلو نارها نحو مائة ذراع بالليل، و لها بالنهار دخان.

و جزيرة برطابيل: و هي قرية من جزائر الزنج و بها أقوم وجوههم كالأترسة، و شعورهم كأذناب الخيل، و بها القرنفل الكثير و بها الكركند، و إن التجار إذا نزلوا بها وضعوا بضائعهم كوما كوما على الساحل و يعودون إلى المراكب فإذا أصبحوا جاؤوا إلى بضائعهم فيجدون إلى جانب كل بضاعة شيئا من القرنفل، فإن رضيه صاحب البضاعة أخذه و انصرف و إن لم يرض ترك القرنفل و البضاعة و عاد في اليوم الثاني فيجده قد زيد فيه، فإن رضيه أخذه و إلا تركه و عاد من الغد أيضا، و لا يزال كذلك حتى يرضى.

و ذكر بعض التجار أنه صعد إلى هذه الجزيرة سرا فرأى بها قوما صفر الوجوه و هي كوجوه التراك و آذانهم مخرمة، و لهم شعور كشعور النساء. فلما رآهم غابوا عنه و عن بصره. ثم إن التجار بعد أن ترددوا إلى تلك الجزيرة بالبضائع مدة طويلة فلم يأتهم شي‏ء من القرنفل فعلموا أن ذلك بسبب الرجل الذي نظر إليهم ورآهم ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه من المعارضة بالقرنفل. و خاصية هذا القرنفل أن الإنسان إذا أكله رطبا لا يشيب و لا يهرم و لو بلغ مائة سنة. و لباس هذه الأمة ورق شجر يقال له اللوف، و أكلهم من ثمره، و يأكلون السمك أيضا و النارجيل. و بهذه الجزيرة جبال يسمع فيها طول الليل أصوات الطبول و الصنوج و الدفوف و المزامير

216

المطربة و الصياح المزعج و غير ذلك من الأصوات العجيبة. و قيل إن الدجال‏ (325) بها، و قيل إنه بغيرها. و سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

جزيرة القصر: و هو قصر عظيم مرتفع أبيض من بلور (326) شفاف يظهر لمن في المراكب من مسافة بعيدة. فإذا شاهدوه تباشروا بالسلامة. ذكر قوم من الزنج أنه قصر مرتفع شاهق لا يدري ما داخله.

و حكي أن بعض الملوك وصل إلى هذه الجزيرة و شاهد القصر هو و من معه من جنوده، فلما صاروا في الجزيرة أخذهم الخدران في مفاصلهم و غلب عليهم النوم، فبادر بعضهم إلى المراكب فنجوا و تأخر البعض فهلكوا.

و ذكر أن أصحاب ذي القرنين رأوا في بعض هذه الجزائرة أمة رؤوسهم رؤوس الكلاب، و لهم أنياب خارجة من أفواههم حمر مثل الجمر (327)، يخرجون إلى المراكب و يحاربونهم. و رأوا بجزيرة تلك الأمة نورا ساطعا فإذا هو القصر الأبيض البلوري، فأراد ذو القرنين التوجه إليها و رؤية القصر فمنعه بهرام الفيلسوف الهندي من ذلك و قال: يا ملك الزمان لا تفعل فإن من وصل إلى هذا القصر غلب عليه الخدران و النوم و الثقل و قلة الحركة فلا يقدر على الخروج و يهلك. و ذكر بهرام المذكور أن بهذه الجزيرة شجرة إذا أكلوا من ثمرها زال عنهم النوم و الخدران، و إذا كان الليل ظهر لذلك القصر شرفات تسرج مثل المصابيح، الليل كله فإذا كان النهار خمدت.

____________

(325) سمي الدجال دجالا لضربه في الأرض، و قطعه أكثر نواحيها، و سمي دجالا لتمويهه الناس و تلبيسه و تزيينه الباطل، و يقال دجل إذا موه و لبس (لسان العرب، دجل) سمي بالمسيح لأنه ممسوح العين و هذه التسمية بهذه الصيغة مشتقة من أسم المفعول أي الممسوح بخلاف المسيح ابن مريم الذي اشتق اسمه من اسم الفاعل الماسح لأنه كان يمسح على المريض فيبرأ.

(326) البلور:، و هو نوع من الزجاج النقي، أبيض شفاف (المعجم الكبير 2/ 576).

(327) الجمر: النار المتقدة، و مفردها جمرة، فإذا برد فهو فحم، و الجمرة، الظلمة الشديدة.

217

و جزيرة الورد: ذكر القاضي عياض (رحمه اللّه تعالى) في كتاب الشفا في شرف المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) أن بهذه الجزيرة وردا أحمر مكتوبا عليه بالأبيض لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، و الكتابة بالقدرة الإلهية.

الجزائر الثلاث: قال صاحب تحفة الغرائب: هي ثلاث جزائر متجاورات، في احداهن برق الليل كله، و في الأخرى تهب رياح شديدة، الليل كله، و في الأخرى يمطر السحاب الليل كله صيفا و شتاء على ممر الليالي و الأيام أبدا. و منها جزيرة في هذا البحر بها أقوام أبدانهم أبدان الآدميين و رؤوسهم رؤوس الدواب يخوضون في البحر فيخرجون ما يقدرون عليه من البحر فيأكلونها. و جزيرة صيدون الساحر:

و كان صيدون ملكا ساحرا، و طول هذه الجزيرة شهر في شهر، و بها عجائب كثيرة:

و منها: أن في وسطها قصرا عظيما في عمد عظيمة من مرمر ملون، و مجلسه من ذهب مرصع بأنواع الجواهر العظيمة، يشرف على جميع تلك الجزيرة. قيل إن هذا الملك صيدون كان ساحرا ماهرا و كانت الجن تطيعه و تعمل الأعمال المعجزة العجيبة. فدل عليه بعض الجن نبي اللّه سليمان (عليه السلام) فغزاه و قتله و خرب بلده و قتل أهلها و أسر جماعة منهم. و أما عجائب هذا البحر فكثيرة جدا: منها: سمكة تخرج من البحر و تصعد إلى جزيرة سلاهط و تصعد إلى أشجارها فتمتص فواكهها و ثمارها ثم تقع كالسكران فيأخذها الناس.

و منها: سمكة خضراء رأسها كرأس الحية من أكل لحمها اعتصم من الطعام و الشراب أياما لا يشتهيه.

و منها: سمكة مدورة يقال لها كرماهي، على ظهرها شبه عمود محدد الراس قائم لا تقوم لها سمكة في البحر إلا ضربتها بذلك العمود و قتلتها.

218

و منها: سمكة يقال لها الباقة، طولها مائة ذراع و عرضها عشرون ذراعا و على ظهرها حجارة صدفية كالقرابيص، إذا تعرضت للسفينة كسرتها، و إذا طبخوا من لحمها في القدر يذوب حتى يصير كله دهنا. و أهل تلك النواحي يطلون بدهنها المراكب عوضا عن الدهن.

و منها: سمكة يقال لها العمدة، لها جناحان تفتحهما في الجو و تنشرهما و تحمل على السفينة فتقلبها في البحر في الحال، فإذا رأوها ضربوا الطبول و الصنوج و الزمور و صاحوا فتهرب.

219

فصل في بحر فارس و ما فيه من الجزائر و العجائب‏

و يسمى البحر الأخضر، و هو شعبة من بحر الهند الأعظم و هو بحر مبارك كثير الخير دائم السلام و طي‏ء الظهر قليل الهيجان بالنسبة إلى غيره.

قال أبو عبد اللّه الصيني: خص اللّه بحر فارس بالخيرات الكثيرة و البركات الغزيرة و الفوائد و العجائب و الطرف و الغرائب، منها مغاص الدر الذي يخرج منه الحب الكبير البالغ، و ربما وجدت الدرة اليتيمة التي لا قيمة لها. و في جزائره معادن أنواع اليواقيت و الأحجار الملونة النفيسة و معادن الذهب و الفضة و الحديد و النحاس و الرصاص و السنباذج و العقيق و أنواع الطيب و الأفاويه.

فمن جزائره كيكاووس و فنجاليوس: و هي جزيرة كبيرة بها خلق كثير بيض الألوان عراة الأجسام، الرجال و النساء، و ربما استترت النساء بورق الشجر، و طعامهم السمك الطري و النارجيل و الموز، و أموالهم الحديد؛ يتعاملون به كتعامل الناس بالذهب و الفضة، يتحلون بالذهب و يأتيهم التجار فيأخذون منهم العنبر بالحديد. و ذكر أن بهذا البحر جزيرة تسمى: القامس و أنها تغيب بأهلها و جبالها و جهاتها و مساكنها ستة أشهر و تظهر ستة أشهر.

و ذكر بعض المسافرين أن البحر هاج عليهم مرة فانتظروا، فإذا شيخ أبيض الرأس و اللحية و عليه ثياب خضر ينتقل على متن البحر و هو يقول: سبحان من دبر الأمور، و قدر المقدور، و علم ما في الصدور، و ألجم البحر بقدرته أن يفور، سيروا بين الشمال و الشرق حتى تنتهوا إلى جبل الطرق، و اسلكوا وسط ذلك فتنجوا إن شاء اللّه من المهالك. ففعلوا ذلك فسلموا و نجوا و تحققوا أنه الخضر (عليه السلام)، و وصلوا إلى جزيرة بها خلق طوال الوجوه بأيديهم قضبان الذهب يعتمدون عليها

220

و يتقاتلون بها و طعامهم اللوز و القسطل، فأقاموا عندهم شهرا و أخذوا من قضبان الذهب شيئا كثيرا و لم يمنعهم أهل الجزيرة من أخذ ذلك؛ و أقاموا حتى هبت رياحهم فسافروا على السمت الذي قال لهم الخضر (عليه السلام)، فتخلصوا و نجوا بمشيئة ذي الجلال و الإكرام.

جزيرة الطويران: و هي جزيرة خصبة ذات أشجار و ثمار و أعين و أنهار، و بها قوم أبدانهم أبدان الآدميين و رؤوسهم كرؤوس السباع و الكلاب. و بهذه الجزيرة نهر شديد البياض و على شاطئه شجرة عظيمة تظل خمسمائة رجل، فيها من كل ثمرة طيبة مشرقة بأنواع الألوان، و كل ثمرها أحلى من الشهد و العسل، و طعم كل ثمرة لا يشبه طعم الأخرى، و تلك الثمار ألين من الزبد و أذكى رائحة من المسك، ورقها كحلل الحرير و الديباج. و هذه الشجرة تسير بسير الشمس ترتفع من الغد إلى الزوال، و تنحط من الزوال إلى الغروب حتى تغيب بغيبة الشمس.

و ذكر أن أصحاب ذي القرنين وصلوا إلى هذه الجزيرة و رأوا تلك الشجرة فجمعوا من ثمرها شيئا كثيرا و من أوراقها ليحملوا ذلك إلى ذي القرنين فضربوا على ظهورهم بسياط مؤلمة، يحسون بوقع السياط و لا يرونها و لا يدرون من الضارب، و يصيحون بهم ردوا ما أخذتم من هذه الشجرة و لا تتعرضوا لها فردوا ما أخذوا منها و ركبوا مراكبهم و سافروا عنها.

و جزيرة العباد: و هي جزيرة عظيمة دخلها ذو القرنين فوجد بها قوما قد أنحلتهم العبادة حتى صاروا كالحمم السود. فسلم عليهم فردوا (عليه السلام).

فسألهم: ما عيشكم يا قوم في هذا المكان؟ فقالوا: ما رزقنا اللّه تعالى من الأسماك و أنواع النباتات، و نشرب من هذه المياه العذبة. فقال لهم: ألا أنقلك إلى عيشة أطيب مما أنت فيه و أخصب؟ فقالوا له: و ما نصنع به؟ إن عندنا في جزيرتنا هذه ما يغني‏

221

جميع العالم و يكفيهم لو صاروا إليه و أقبلوا عليه. قال: و ما هو؟ فانطلقوا به إلى واد لا نهاية لطوله و عرضه، يتقد من ألوان الدر و الياقوت و الكهرمان و الأصفر و الأزرق و الزبرجد و البلخش و الأحجار التي لم تر في الدنيا، و الجواهر التي لا تقوم. و رأى شيئا لا تحمله العقول و لا يوصف بعض بعضه، و لو اجتمع العالم على نقل بعضه لعجزوا. فقال: لا إله إلا اللّه، سبحان من له الملك العظيم و يخلق اللّه ما لا تعلمه الخلائق.

ثم انطلقوا به من شفير ذلك الوادي حتى أتوا به إلى مستوى واسع من الأرض لا تنهيه الأبصار، به أصناف الأشجار و أنواع الثمار و ألوان الأزهار و أجناس الأطيار، و خرير الأنهار و أفياء و ظلال و نسيم ذو اعتلال، و نزه و رياض و جنات و غياض. فلما رأى ذو القرنين ذلك سبح اللّه العظيم و استصغر أمر الوادي و ما به من الجواهر عند ذلك المنظر البهيج الزاهر. فلما تعجب من ذلك قالوا له: أي ملك ملك في الدنيا بعض بعض ما ترى؟ قال: لا و حق عالم السر و النجوى، فقالوا: كل هذا بين أيدينا و لا تميل أنفسنا إلى شي‏ء من ذلك. وقنعنا بما نقوى به على عبادة الرب الخالق. و من ترك للّه شيئا عوضه اللّه خيرا منه، فاتركنا و دعنا بحالنا أرشدنا اللّه و إياك. ثم و دعوه و فارقوه و قالوا له: دونك و الوادي فاحمل منه ما تريد. فأبى أن يأخذ من ذلك شيئا.

و جزيرة الحكماء: و هي جزيرة عظيمة وصل إليها الإسكندر فرأى بها قوما لباسهم ورق الشجر و بيوتهم كهوف في الصخر و الحجر، فسألهم مسائل في الحكمة فأجابوه بأحسن جواب و ألطف خطاب. فقال لهم: سلوا حوائجكم لتقضى. فقالوا له: نسألك الخلد في الدنيا، فقال: و أنى ذلك لنفسي؟ و من لا يقدر على زيادة نفس من أنفاسه كيف يبلغكم الخلد؟ فقالوا له: نسألك صحة في أبداننا ما بقينا؛ قال:

222

و هذا أيضا لا أقدر عليه. قالوا: فعرفنا بقية أعمارنا. فقال الاسكندر: لا أعرف ذلك لنفسي فكيف بكم؟ فقالوا له: فدعنا نطلب ذلك ممن يقدر على ذلك و أعظم من ذلك، و هو ربنا و ربك و رب العالمين.

و جعل الناس ينظرون إلى كثرة جنود الاسكندر و عظمة موكبه و بينهم شيخ صعلوك لا يرفع رأسه فقال له الإسكندر: مالك لا تنظر إلى ما ينظر إليه الناس؟ قال الشيخ: ما أعجبني الملك الذي رأيته قبلك حتى أنظر إليك و إلى ملكك. فقال الإسكندر: و ما ذاك؟ قال الشيخ: كان عندنا ملك و آخر صعلوك فماتا في يوم واحد، فغبت عنهما مدة ثم جئت إليها و اجتهدت أن أعرف الملك من المسكين فلم أعرفه.

قال: فتركهم الاسكندر و انصرف عنهم.

و أما عجائب هذا البحر: فمنها ما ذكره صاحب عجائب الأخبار أن في هذا البحر طائرا مكرما لأبويه، فإنهما إذا كبرا و عجزا عن القيام بأمر أنفسهما يجتمع عليهما فرخان من أفراخهما فيحملانهما على ظهورهما إلى مكان حصين و يبنيان لهما عشا و طينا و يتعهدانهما بالزاد و الماء إلى أن يموتا؛ فإن ماتا الفرخان قبلهما يأتي إليهما آخران من أفراخهما و يفعلان بهما كما فعل الأوان و هلم جرا؛ هذا دأبهما إلى أن يموت والدهما.

و فيه سمكة: يقال لها الدفين و لها رأس مربع و فم كالقمع لا تفتحه يقولون إذا أكل المجذوم من لحمها مطبوخا برئ من الجذام. و فيه سمكة: وجهها كوجه الإنسان و بدنها كبدن السمك تظهر على وجهه الماء شهرا و تغيب شهرا.

و سمكة: تطفو على وجه الماء فإذا رأت سمكة أو حيوانا من دواب البحر قد فتح فاه تدخل في فيه و تصير غذاء له.

223

و فيه حيوان: يخرج من الماء إلى البر و يرتفع و النار خارجة من فيه و منخريه فيحرق ما حوله من النبات فإذا رأى الناس تلك الأرض محترقة علموا أن ذلك الحيوان وقع هناك.

و سمكة طيارة تطير ليلا من البحر إلى البر و لا تزال تأكل في الحشيش إلى طلوع الشمس فتعود طائرة إلى البحر.

و في هذا البحر المذكور المعطب الذي يسمى الدردور إذا وقعت فيه المراكب تدور و لا تخرج منه على طول الأزمان و الدهور. و الدردور هذا في ثلاثة أبحر: في هذا البحر و في بحر الصين و في بحر الهند. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

224

فصل في بحر عمان و جزائره و عجائبه‏

و هو شعبة من بحر فارس عن يمين الخارج من عمان، و هو بحر كثير العجائب غزير الغرائب، و فيه مغاص اللؤلؤ و يخرج منه الحب الجيد، و فيه جزائر كثيرة معمورة مسكونة: منها جزيرة خارك‏ (328): و هي كبيرة عامرة آهلة و بها مغاص اللؤلؤ. و جزيرة خاسك: و هي بقرب جزيرة قيس و أهلها لهم خبرة بالحرب‏ (329) و صبر عليه في البحر، فإن الرجل منهم يسبح أياما في الماء و هو يجالد بالسيف كما يجالد غيره على وجه الأرض.

حكاية عجيبة: حكي أن بعض الملوك بالهند أهدى لبعض الملوك جواري هنديات حسانا فلما عبرت المراكب و الجواري بهذه الجزيرة خرجن يتفسحن في مصالحهن في أرضها فاختطفتهن الجن، و نكحهن فولدن هؤلاء القوم.

و جزيرة سلطى: و هي كبيرة و فيها قوم يسمع كلامهم و ضجيجهم من مسافة بعيدة، و من وصل إليهم يخاطبهم و يخاطبونه غير أنهم لا يرون بأشخاصهم، و يقال إنهم من الجن و هم مؤمنون، فإذا وصل إليهم الغريب جعلوا له من الزاد ما يكفيه ثلاثة أيام فإذا أراد الرجوع إلى أهله حملوه في مركب و أوصلوه إلى قصده.

____________

(328) من الجزر المهمة في الخليج العربي، و تبعد عن مصب نهر شط العرب بنحو 100 ميل بحري، و تقع مقابل ميناء الأحمدي الكويتي.

(329) الحرب‏War : فى علم السياسة تعنى: إعتداء منظم يقصد منه إجبار دولة أو جماعة على الخضوع لإرادة دولة أخرى (راجع الموسوعة السياسية، ترجمة، تحقيق: الكيالي- زهيري، المؤسسة العربية للدراسات و النشر).

225

و جزيرة الشجر: و بها شجر يحمل ثمرا كاللوز في صفته و قدره، يؤكل بقشره و هو أحلى من الشهد و يقوم مقام كل دواء، و من أكل منه من الرجال و النساء يزداد قوة و شبابا و لا يهرم أبدا و لا يشيب، و إن كان آكله طاعنا في السن و قد ذهبت قوته و ابيض شعره عاد في الحال إلى قوة الشباب و اسود شعره. و ذكر أن بعض الملوك بالهند زرعه في أرضه فأورق و لم يثمر.

و جزيرة الدهلان: و هو شيطان في صورة إنسان راكب على طير يشبه النعامة (330)، يأكل لحوم الناس، إذا طلع أحد من المراكب إلى تلك الجزيرة أخذهم و دفعهم إلى مكان لا خلاص لهم منه و أكلهم واحدا بعد واحد.

و حكي أن مركبا ألجأته الريح إلى تلك الجزيرة، و كانوا قد سمعوا بذلك الشيطان، فلما أتاهم قاتلوه و صبروا على قتاله صبر الكرام، فلما رأى ذلك منهم صاح بهم صيحة سقطوا منها مغشيا عليهم، فجعل يجرهم على وجوههم إلى موضعه المعهود، و كان فيهم رجل صالح فدعا عليه فهلك و عاد إلى موضعه طالبا لما فيه من الأموال و الذخائر و أمتعة الناس.

جزيرة الصريف: و هي جزيرة تلوح لأصحاب المراكب فيطلبونها و كلما قربوا منها تباعدت عنهم، و ربما أقاموا لذلك أياما كثيرة فلا يصلون إليها و قيل إن أحدا منهم لم يدخلها قط، إلا أنهم رأوا فيها دواب و أشخاصا.

____________

(330) النعامة: تشتهر النعامة بأنها أكبر طائر يعيش اليوم يصل طول الذكر البالغ 5 2 م ويزن حتى 150 كيلو جرام و له رقبة طويلة و رأس صغير مكسو يهلب قصير بدلا عن الريش أما الفخذان فعاريان من الريش مما يسهل ركضها و للنعامة اصبعان فقط و تنتشر في معظم أنحاء افريقيا و اسيا الجنوبية الغربية (موسوعة الحيوان، ص 155).

226

جزيرة القندج: فيها صنم من رخام أخضر و دموعه تسيل على ممر الأيام و الليالي فإذا دخل الريح في جوفه صفر صفيرا عجيبا. ذكر المسافرون أنه يبكي على قوم كانوا يعبدونه من دون اللّه، و قيل إن بعض الملوك غزا عباد ذلك الصنم فأفناهم و أبادهم عن آخرهم و اجتهد في كسر ذلك الصنم فلم يقدر و لم تعمل فيه الآلة، و كلما ضربوه بمعول عاد الضرب إلى الضارب فقتله. فتركوه و انصرفوا

جزيرة سرندوسة: و هي كبيرة عامرة، بها أشجار و أنهار و ثمار، و عند أهلها من الذهب ما لا يكيف: فماعونهم ذهب، و آنيتهم ذهب، و قدورهم ذهب، و خوابيهم ذهب، و سلاحهم ذهب، و لهم ملك يدفع لهم كل من يقصدهم أو يقصد الخروج من عندهم بشي‏ء من ذلك. و عجائب هذا البحر كثيرة: و ذكر أن العنبر الخالص ينبت في قعر هذا البحر كما ينبت القطن في الأرض، فإذا اضطرب البحر قذف به، و ربما أكل منه الحوت العظيم الجرم فيموت فيطفو على وجه الماء في اليوم الثالث فيجذبه أهل المراكب بالكلاليب إلى الساحل فيأخذون العنبر من جوفه.

و ملكان: نوع من السمك يطفو على وجه البحر في ثالث عشر كانون الثاني، يدل ذلك على خروج ريح يضطرب لها البحر حتى يصل الاضطراب إلى بحر فارس، و يشتد هيجانه و يتكدر لونه و تنعقد ظلمته بعد طفو هذا السمك بيوم واحد.

و منها الأمشور: و هو سمك يأتي بالبصرة في وقت معين، فيبقى مدة شهرين و ينقطع فلا يعود إلا في ذلك الوقت بعينه من العام القابل. و الجراف: أيضا سمك و أوانه مثل أوانه و انقطاعه. و منها: حيوان يعرف بالتنين شر من الكوسج، طوله كالنخلة السحوق، أحمر العينين كريه المنظر، له أنياب كأسنة الرماح، يقهر الحيوانات كلها حتى الكوسج.

227

و منها: سمكة خضراء أطول من ذراع؛ لها خرطوم طويل عظيم كالمنشار تضرب به من عارضها فتقده؛ و في هذا البحر دردور صغير.

حكى القزويني: أن رجلا من أصفهان ركبته ديون كثيرة ففارق أصفهان و ركب هذا البحر صدفة مع تجار فتلاطمت بهم الأمواج حتى حلوا في الدردور ببحر فارس، فقال التجار للرئيس: هل تعرف لنا سبيلا إلى الخلاص فنسعى فيه؟

فقال: إن سمح أحدكم بنفسه تخلصنا. فقال الرجل الأصفهاني المديون في نفسه: كلنا في موقف الهلاك و أنا قد كرهت الحياة و سئمت البقاء. و كان في السفينة جمع من التجار الأصفهانيين، فقال الرجل لهم: هل تحلفون لي بوفاء ديوني و خلاص روحي و أقديكم بروحي و أوثركم بحياتي و تحسنون إلى عيالي ما استطعتم؟ فحلفوا له على ذلك و فوق ما شرط، فقال الأصفهاني للرئيس: ما تأمرني أن أفعل فقد سلمت نفسي للّه طلبا لخلاصكم إن شاء اللّه تعالى، فقال له الرئيس: آمرك أن تقف ثلاثة أيام على ساحل هذا البحر و تضرب على هذا الدهل ليلا و نهارا و لا تفتر عن الضرب أبدا، قلت: أفعل إن شاء اللّه تعالى. فأعطوني من الماء و الزاد ما أمكن.

قال الأصفهاني فأخذت الدهل و الماء و الزاد و توجهوا بي نحو الجزيرة و أنزلوني بساحلها فأخذت و شرعت في ضرب الدهل فتحركت المياه و جرى المركب و أنا أنظر إليهم حتى غاب المركب عن بصري، فجعلت أطوف في تلك الجزيرة و إذا أنا بشجرة عظيمة و عليها شبه سطح فلما كان الليل و إذا بهدة عظيمة فنظرت فإذا طائر عظيم في الخلقة قد سقط على ذلك السطح الذي في الشجرة فاختفيت خوفا منه، فلما كان الفجر انتفض بجناحيه و طار، فلما كان الليل جاء أيضا و حط مكانه الذي حط فيه البارحة فدنوت منه فلم يتعرض لي بسوء و لا التفت إلي أصلا و طار عند الصباح.

228

فلما كان ثالث ليلة و جاء الطائر على عادته و قعد مكانه جئت حتى قعدت عنده من غير خوف و لا دهشة إلى أن نفض جناحيه فتعلقت بإحدى رجليه بكلتا يدي فطار بي إلى أن ارتفع النهار، فنظرت إلى تحتي فلم أر إلا لجة ماء البحر فكدت أن أترك رجله و أرمي بنفسي من شدة ما لقيت من التعب، فتصبرت زمانا، و إذا بالقرى و العمارة تحتي ففرحت و ذهب ما كان بي من الشدة، فلما دنا الطائر من الأرض رميت نفسي على صبرة تبن‏ (331) في بيدر (332)، و طار الطائر فاجتمع الناس حولي و تعجبوا مني و حملوني إلى رئيسهم و أحضروا لي من يفهم كلامي، فأخبرتهم قصتي فتبركوا بي و أكرموني و أمروا لي بمال و أقمت عندهم أياما.

فخرجت يوما لأتفرج و إذا أنا بالمركب الذي كنت فيه قد أرسى؛ فلما رأوني أسرعوا إلي و سألوني عن أمري فأخبرتهم فحملوني إلى أهلي و أقاموا لي بالمال و فوق الشرط، فعدت بخير و غنى و سلامة.

____________

(331) التبن: عصفة الزرع من البر (القمح) و نحوه واحدته تبنة (اللسان 1/ 419).

(332) البيدر: المكان الذي تدرس فيه الغلال و يداس فيه الطعام (اللسان 1/ 229).

229

فصل في بحر القلزم و جزائره و ما به من العجائب‏

و هذا البحر شعبة من بحر الهند، جنوبيه بلاد بربر و الحبشة؛ و على ساحله الشرقي بلاد العرب و على ساحله الغربي بلاد اليمن. و القلزم اسم لمدينة على ساحله؛ و هو البحر الذي غرق فيه فرعون؛ و هو بحر مظلم موحش لا خير فيه باطنا و لا ظاهرا؛ و في هذا البحر جزائر كثيرة و غالبها غير مسكونة و لا مسلوكة

فمن جزائره جزيرة قريبة من أيلة يسكنها قوم يقال لهم بنو حداب؛ ليس لهم زرع و لا ضرع و لا ماء عذب؛ معاشهم من السمك؛ و بيوتهم السفن المكسرة، و يشحذون الماء و الخبز ممن يمر بهم من المسافرين؛ و عندهم دوارة في سفح جبل إذا وقع الريح عليها انقسمت قسمين و يلقي المراكب بين شعبين متقابلين فيثور الريح بينهما و يخرج من كليهما متخالفين، فتنقلب المركب بمن فيها؛ و قيل إن هذا الموضع غرق فيه فرعون.

و جزيرة الجساسة (333): و بها دابة تجس الأخبار و تأتي بها إلى الدجال؛ قال تميم الداري‏ (334) رضي اللّه عنه؛ و كان من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ و قد اختطفته الجن من صحن داره؛ و مكث في بلاد الجن و غيرها مدة طويلة و رأى العجائب و قصته طويلة مشهورة؛ قال: و ركبنا هذا البحر فأصابتنا ريح عاصف ألجأتنا إلى هذه الجزيرة فإذا نحن بدابة استوحشنا منها و قلنا لها: ما أنت؟ قالت: أنا

____________

(333) الجساسة: دابة في جزائر البحر، تجس الأخبار و تأتي بها الدجال، و خبرها مفصل في معجم البلدان الجساسة).

(334) تميم الداري: هو تميم بن أوس بن خارجة بن عدي بن عبد الدار، أهدى النبي فرسا يقال له الورد، فأعطاه عمر و روى حديث الجساسة الشهير (أنساب الأشراف (1/ 510)، و أسد الغابة (1/ 256).

230

الجساسة؛ قلنا لها: أخبرينا الخبر؛ قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير فإن به رجلا هو بالشوق إليكم؛ فأتيناه فقال لنا: كيف وصلتم؟ فأخبرناه الخبر؛ فقال: ما فعلت طبرية؛ قلنا: تدفق الماء بين أجوافها؛ قال: فما فعلت نخلات عمان؟ قلنا:

يجنيها أهلها: قال: فما فعلت عين زغر؟ قلنا: يشرب منها أهلها، فقال: لو نفدت لتخلصت من وثاقي فوطئت بقدمي هذا كل سهل و جبل إلا مكة و المدينة.

و بعضهم يزعم أنه ابن صياد، الذي كان بمكة، و كان يقال ذلك بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلا ينكره. قال ابن سعيد: صحبت ابن صياد من مكة، قال: ماذا لقيت من الناس؟ يزعمون أني الدجال، ألم يقل نبي اللّه إنه يهودي، و قد أسلمت، و قال إنه لا يولد له، و قد ولد لي، و قال: إن اللّه حرم عيه المدينة و مكة، و قد ولدت بالمدينة و حججت إلى حرم مكة، ثم قال في آخر قوله: و اللّه إني أعرف أين هو الآن و أعرف أباه و أمه. و قيل له يوما: أيسرك لو كنت ذاك؟ فقال: لو عرض لي لما كرهته.

و قال نافع مولى ابن عمر رضي اللّه عنهما: لقيت ابن صياد في بعض طرق المدينة، فقلت له قولا أغضبته، فانتفخ حتى ملأ الطريق، ثم دخلت بعد ذلك على حفصة (335) زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد بلغها الخبر فقالت: يرحمك اللّه ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها.

____________

(335) حفصة: هي بنت عمر، أم المؤمنين، و الزوجة الرابعة للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، أمها زينب بنت مظعون، توفيت سنة 41 ه، و هي التي حافظت على نسخة القرآن التي جمعت في عهد أبي بكر (أنساب الأشراف (1/ 214)، الجوهرة (2/ 64)، معجم أعلام القرآن (ص 217).

231

و أما عجائب هذا البحر: فمنها سمكة تزيد على مائتي ذراع تضرب السفينة بذنبها فتغرقها.

و منها: سمكة مقدار ذراع، بدنها كبدن السمك و وجهها كوجه البوم. و منها:

سمكة طولها نحو عشرين ذراعا و من ظهرها الدبل الجيد، و هي تلد كالآدمية و ترضع مثلها.

و منها: سمكة تصاد و تجفف فيبقى لحمها مثل القطن يتخذ منه غزل و ينسج منه ثياب فاخرة، تسمى تلك الثياب سمكين.

و منها: سمكة على خلقة البقر تلد و ترضع كالبقرة، و سمكة عريضة عرضها أميز من طولها يقال لها البهار و يقارب و زنها قنطارا؛ طيبة اللحم و الطعم. و سمكة:

طولها شبران و لها رأسان؛ رأس في موضعه العادي، و رأس في موضع ذنبها، و تسمى الخنجر.

و سمك: يقال له الفرس، و هو نوع من كلاب الماء في البحر، في فمه سبع صفوف أضراس و طوله عشرة أشبار، و هو كثير الضرر و الأذى.

232

فصل في بحر الزنج‏ (336) و هو بحر الهند بعينه‏

و بلاد الزنج منه في جانب الجنوب تحت سهيل و راكب هذا البحر يرى القطب الجنوبي و لا يرى القطب الشمالي و لا بنات نعش، و هو متصل بالبحر المحيط، موجه كالجبال الشواهق و ينخفض كأخفض ما يكون من الأودية و ليس له زبد مثل سائر البحار، و فيه جزائر كثيرة ذوات أشجار و غياض لكنها ليست بذوات ثمار، مثل شجر الآبنوس‏ (337) و الصندل‏ (338) و الساج‏ (339)، و العنبر يصاد و يلقط من ساحلها، و بها يوجد منه كل قطعة كالتل العظيم.

____________

(336) الزنج: اسم اطلقه جغرافيو العرب على ما يعرف اليوم بالمحيط الهندي الجنوبي المجاور لشاطئ افريقيا الشرقي (القاموس، ج 3، ص 89).

(337) الأبنوس:Ebony خشب اسود صلب يمكن صقله لدرجة اللمعان المعدني. و تنمو اشجار الابنوس في اليابان و الفلبين و جزر الهند الشرقية و الهند و سريلانكا، و مدغشقر و فريقيا و امريكا الجنوبية و امريكا الشمالية و لب خشب الابنوس الخشب الجوفي غامق اللون اما خشب النسغ فانه ضارب إلى الرمادي او ابيض ضار إلى الوردي و لب خشب الأبنوس اعلاه صلب ناعم الصقل و سهل النحت يتحمل الابنوس كذلك التلميع المكثف و يكون لب الخشب مو بعض انواع الابنوس بنيا قاتما بدلا من الاسود و قد يكون بخطوط ذات الوان مختلفة كالبني الخفيف او الاصفر او الاحمر. و قد يكون الصمغ الصلب الموجود في انسجة لب الخشب سببا في هشاشة الابنوس و قابليته للكسر و هذا يجعله سهر التشكيل و التصنيع و النحت و هناك انواع من الابنوس هي اشجار البرسيمون و لكن لهذه الاشجار لب اسود بمقدار قليل جدا لذلك فليس لها قيمة تجارية و تستخدم الطبقة الخارجية الصلبة من خشب البرسيمون الامريكي لصنع مشابك و رؤوس خشبية لا ندية الجولف و يستخدم الابنوس بصورة اساسية في صنع مفاتيح البيانو السوداء و الناي و مقابض السكاكين و الفرش و التلبيسات الخشبية على الاثاث و مجسامات اغراض جمالية اخرى.

(338) الصندل‏Sandal Wood : هو نوع خشب له رائحة طيبة و قد أولى الطب الأوروبي عناية خاصة للصندل. حيث يستخم مسحوقه لعلاج العدوي بالمثانة و يساعد علي إنزال حصوات الكلى و يعالج إلتهابها. و زيته يستعمل كمرطب للجلد و في الحمي و العدوي به و للمساج. و رائحته مهدئة.

و يعالج السيلان.

(339) خشب (الساج): هو خشب شديد الإحتمال لا يؤذيه اتصاله بالحديد يتميز بالمرونة التي تسهل عملية استعماله إضافة إلى قدرته إلى البقاء طويلا في الماء حيث أنه يكاد يمتنع عن البلل و يمكنه البقاء في المياه أكثر مائتي عام و هذا في أوصافه في كتاب (العرب و الملاحة في المحيط الهندي) و يستورد خشب الساج من الهند حيث يوجد هناك بوفرة.

233

فمن جزائره المشهورة الجزيرة المحترقة: و هي جزيرة و اغلة في هذا البحر قل أن يصل إليها أحد. قال بعض التجار: ركبت في هذا البحر فدارت بي الأوقات حتى نزلت في هذه الجزيرة فرأيت فيها خلقا كثيرا و أقمت بها زمانا و تأنست بأهلها و تعلمت لغتهم، فلما كان في بعض الأيام رأيت الناس مجتمعين ينظرون إلى كوكب طلع من أفقهم و هم يبكون و يلطمون و يتودعون، فسألت عن السبب فقالوا: إن هذا الكوكب يطلع بعد كل ثلاثين سنة مرة حتى إذا وصل إلى سمت رؤوسهم يركبون البحر و معهم جميع ما يخافون عليه من المال و القماش و الأمتعة فسامت الكوكب رؤوسهم فركبوا البحر و ركبت معهم و صحبوا في المراكب جميع ما كان في الجزيرة مما يحمل و ينقل، و سرنا و غبنا عن الجزيرة مدة ثم عدت معهم فوجدنا جميع ما كان بها من الأماكن و البنيان و الأشجار و غيرها قد احترق و صار رمادا، فشرعوا في العمارة ثانيا و لا يزالون كذلك على الدوام، في كل ثلاثين سنة تحترق الجزيرة و يجددون بناءها.

و من جزائره جزيرة الضوضاء: و هي مما يلي الزنج. حكى بعض التجار أن بها مدينة من حجر أبيض و لا ساكن بها، غير أنهم يسمعون بها جلبة و ضوضاء يدخلها البحريون و يشربون من مائها و يحملون منه إلى المراكب، و هو ماء طيب عذب و فيه رائحة الكافور، و بقربها جبال عظيمة تتوقد منها نار عظيمة في الليل و حواليها حية

234

تظهر في كل سنة مرة واحدة فيحتال عليها ملوك الزنج و يصيدونها و يتخذون من جلدها فراشا يجلس عليه صاحب السل فيبرأ.

جزيرة العور: و هي جزيرة كبيرة حكى يعقوب بن إسحق السراج قال: قال لي رجل من أهل رومية: ركبت في هذا البحر فألقتني الريح في هذه الجزيرة فوصلت إلى مدينة أهلها قاماتهم طولها ذراع و أكثرهم عور، فاجتمع علي منهم جمع و ساقوني إلى ملكهم فأمر بحبسي في قفص، فكسرته فأمنوني و تركوا الاحتجاز علي. فلما كان في بعض الأيام رأيتهم قد استعدوا للقتال فسألتهم عن ذلك فقالوا لنا عدو يأتينا في كل سنة مرة و يحاربنا و هذا أوانه فلم ألبث إلا قليلا حتى طلعت علينا عصابة من الطيور و الغرانيق و كان ما بهم من العور من نقر الغرانيق فحملت الطيور عليهم و صاحت بهم، فلما رأيت ذلك شددت وسطي و أخذت عصا و شددت عليهم و حملت فيهم و صحت فيهم صيحة منكرة و رميت منهم جماعة، فصاحوا و طاروا هاربين مني. فلما رأى أهل الجزيرة ذلك أكرموني و عظموني و أفادوني مالا و سألوني الإقامة عندهم فلم أفعل، فحملوني في مركب و جهزوني. و ذكر أرسطاطاليس أن الغرانيق تنتقل من بلاد خراسان إلى بلاد مصر حيث مسيل النيل، فتقاتل أولئك العور في طريقهم، و هم قوم في طول ذراع.

جزيرة سكسار (340): و هي جزيرة عظيمة، و هم قوم لا عظام لأرجلهم و سوقهم. حكى المؤرخ ابن إسحق قال: لقيت رجلا في وجهه خموش كثيرة فسألته عنها فقال: كنت في بحر الزنج مع جماعة فألقتنا الريح إلى جزيرة سكسار فلم نستطع أن نخرج منها لشدة الريح، فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب و أبدانهم أبدان الناس، فسبق إلينا واحد منهم بعصا كانت معه و وقف جماعة من ورائنا فساقونا إلى‏

____________

(340) سكسار: يذكر عنها القزويني" جزيرة بعيدة عن العمران في بحر الجنوب.

235

منازلهم فرأينا فيها جماجم و قحوفا و سوقا و أذرعا و أضلاعا كثيرة فأدخلونا بيتا فيه إنسان ضعيف و جعلوا يأتوننا بأكل كثير و طعام غزير و فواكه طيبة، فقال لنا ذلك الرجل الضعيف: إنما يطعمونكم لتسمنوا و كل من سمن أكلوه.

قال: فجعلت أقلل أكلي دون أصحابي و صار كلما سمن واحد ذهبوا به و أكلوه، حتى بقيت وحدي و ذلك الرجل الضعيف، فقال لي الرجل يوما: إن هؤلاء قد حضرهم عيد يخرجون إليه و يغيبون مدة ثلاثة أيام فإن استطعت أن تنجو بنفسك فانج منهم، و أما أنا فكما تراني لا أستطيع الحركة و لا اقدر على الهرب فانظر في تدبير نفسك. فقلت: جزاك اللّه الجنة. و خرجت فجعلت أسير ليلا و أختفي نهارا. فلما رجعوا من عيدهم فقدوني فتتبعوني حتى يئسوا فرجعوا.

فلما أيست منهم سرت في تلك الجزيرة ليلا و نهارا فانتهيت إلى أشجار بها ثمار و فواكه و تحتها رجال حسان الصورة إلا أنه ليس لسوقهم عظم، فقعدت لا أفهم كلامهم و لا يفهمون كلامي، فلم أشعر إلا و واحد منهم ركب على رقبتي و أكتافي و طوق برجليه علي و أنهضني، فذهبت به و جعلت أعالجه لأتخلص منه و أطرحه عني فلم أقدر، و جعل يخمش وجهي بأظفاره المحددة، فجعلت أدور به على الأشجار و هو يأكل من فواكهها و ثمارها و يطعم أصحابه و هم يضحكون علي. فبينما أنا أطوف به بين الأشجار إذ دخلت في عينه شوكة من شجرة فانحلت رجلاه عني فرميته عن رقبتي و سرت فنجاني اللّه بكرمه. و هذه الخموش منه فلا رحم اللّه عظامه.

[عجائب هذا البحر]

و أما عجائب هذا البحر فكثيرة:

منها المنشار: و هي سمكة عظيمة كالجبل العظيم، و من رأسها إلى ذنبها كالمنشار من عظام سود مثل الأبنوس، كل سن منها أطول من ذراعين، و عند رأسها عظمان‏

236

طويلان طول كل واحد عشرة أذرع، تضرب بالعظمين يمينا و شمالا في الماء فيسمع لها صوت عظيم، و يخرج الماء من فيها و مناخرها و يصعد نحو السماء رمية سهم، و ينعكس على المركب كالسيل و هي بعيدة عن المركب. و إذا عبرت تحت المركب قطعتها نصفين، فإذا رآها أصحاب المركب يبكون و يضجون إلى اللّه تعالى بالدعاء و يتأللون و يتودعون و يصلون صلاة الموت خوفا منها.

و سمكة البال: و هي سمكة طولها أربعمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع، و ستمائة.

تظهر في بعض الأوقات طرف جناحها كالشراع العظيم، و تخرج رأسها من الماء و تنفخ فيصعد الماء كرمية سهم في العلو، فإذا أحس بها أهل المراكب ضربوا الطبول و الصنوج و صاحوا حتى تذهب، و هي تحوش بذنبها و أجنحتها السمك إلى فمها فإذا زاد بغيها في البحر على دوابه أرسل اللّه عليها سمكة طول ذراع تسمى اللشك فتلتصق بأذنها فلا تجد البال منها خلاصا فتطلب قعر البحر و تضرب برأسها الأرض حتى تموت، فتطفو على وجه الماء كالجبل العظيم فيجرونها بالكلاليب و الحبال و يشقون بطنها فيخرج منها العنبر كالتل العظيم لأنها تأكله و يعرفه التجار بشوكته.

237

فصل في بحر المغرب و عجائبه و غرائبه‏

و هو بحر الشام و بحر القسطنطينية. مخرجه من المحيط، يأخذ مشرقا فيمر بشمال الأندلس ثم ببلاد الفرنج إلى القسطنطينية و يمتد ببلاد الجنوب إلى سبتة، إلى طرابلس الغرب، إلى الإسكندرية، ثم إلى سواحل الشام، إلى أنطاكية.

و ذكر في كتاب أخبار مصر أنه بعد هلاك الفراعنة كانت ملوك بني دلوكة في شق البحر المحيط من الغرب، و هو البحر المظلم، فتغلب الماء على بلاد كثيرة و ممالك عظيمة فأخربها و ركبها و امتد إلى الشام و بلاد الروم، و صار حاجزا بين بلاد مصر و بلاد الروم، على أحد ساحليه المسلمون و على الآخر النصارى. و هناك مجمع البحرين‏ (341) و هما بحر الروم و المغرب، و عرضه ثلاثة فراسخ و طوله خمسة و عشرون فرسخا. و المد و الجزر هناك في كل يوم و ليلة أربع مرات، و ذلك أن البحر الأسود و هو بحر المغرب عند طلوع الشمس يعلو فيصب في مجمع البحرين حتى يدخل في بحر الروم، و هو البحر الأخضر إلى وقت الزوال فإذا زالت الشمس غاض البحر الأسود و انصب فيه الماء من البحر الأخضر إلى مغيب الشمس و يعلو البحر الأخضر على الدوام.

[جزائر هذا البحر]

و في هذا البحر من الجزائر شي‏ء كثير:

فمن جزائره جزيرة الأندلس: و قد تقدم ذكرها.

____________

(341) مجمع البحرين: هو المكان الذي التقى فيه موسى الخضر، و هي حكمة ربانية؛ و يرى البعض أن مجمع البحرين هو منطقة راس محمد الشهيرة في مصر (المنتقى (ورقة 105)، و تفسير الطبري (15/ 176).

238

و جزيرة مجمع البحرين: و هي جزيرة كبيرة و فيها منارة مبنية بالصخر المانع الصلد، لها أساس راسخ و لا باب لها و لا يعمل فيها الحديد، و علوها أكثر من مائة ذراع، و على رأسها صورة إنسان ملتف بثوب كأنه من ذهب و يده اليمنى ممدودة إلى البحر الأسود كأنه يشير بأصبعه لذلك الموضع من العدو.

و جزيرة صقلية: و هي جزيرة عظيمة بها أنهار و أشجار و ثمار و مزارع و بها جبل يقال له جبل البركات، يظهر منه دخان في النهار و بالليل نار، يطير منه شرر إلى البحر فيصير حجارة سوداء مثقبة تحرق كل شي‏ء صادفته و تطفو على وجه الماء و يأخذها الناس فيستعملونها في الحمامات لحدة الأرجل.

جزيرة إقريطش‏ (342): و هي في بحر الروم و بها معادن من الذهب. جزيرة طاوزاق: و هو ملك له أربعة آلاف امرأة و ليس له ولد، و عندهم شجر إذا أكلوا منه أفادهم القوة في الجماع، و أطاق الواحد منهم أن يجامع في اليوم مائة مرة و أكثر.

____________

(342) إقريطش أو كريت: هي أكبر الجزر اليونانية و خامس أكبر جزيرة في البحر الأبيض المتوسط.

و موقعها تقريبا 35 ش، 24 ق. و هي تطل جنوبا على بحر إيجه و على رغم أن مساحتها لا تزيد عن 8336 كيلو مترا مربعا و عدد سكانها أقل من نصف مليون نسمة فهي من أهم جزر اليونان من حيث أهميتها الحضارية. تنتصب فيها سلسلة جبلية ممتدة من الشرق إلى الغرب و تحدها شواطئ صخرية. و أعلى قمة فيها هي قمة بسيلوريتيس التي يصل ارتفاعها إلى 2456 مترا فوق سطح البحر. و على هذه السلسلة تنتشر بساتين الزيتون و الكرمة و تزرع فيها الذرة و التبغ أطلق عليها العرب اسم" إقريطش" و عرفت عند الأتراك باسم" جزيت". و هي عبارة عن جزيرة مستطيلة الشكل طولها بين الغرب و الشرق 255 كيلو مترا، و أكبر عرض لها يبلغ 50 كيلو مترا، و تبلغ مساحتها 8331 كيلو مترا، و ترتفع أرض إقريطش في الوسط حيث تنتشر الجبال في خط يمتد من الشرق إلى الغرب، و أعلى قممها تصل إلى 2456 مترا، حيث جبال أيدهي أوروس. و تحاط سواحل الجزيرة بسهول ساحلية، و تنحدر إليها أنهار قصيرة سريعة الجريان، و تمتع سواحل الجزيرة الشمالية بعدد من الخلجان تصلح كموانئ طبيعية، و معظم مدنها موانئ على الساحل الشمالي.

239

الجزيرة السيارة: أخبر البحريون أنهم رأوها مرارا كثيرة فيها أشجار و عمارات و جبال كلما هبت الريح عليها من المغرب سارت لنحو المشرق، و كلما هبت من المشرق سارت لنحو المغرب، و حجارتها خفاف فترى الحجر تظن أنه قنطار فيكون رطلا واحدا.

و ذكر بعض اليهود أن مركبهم انكسرت على هذه الجزيرة فأقاموا أياما لم يكن غذاؤهم إلا السمك، و وقعوا في جزيرة حجارتها و جبالها و وهادها و ترابها كلها ذهب، و كان قد سلم معهم زورق المركب فأوسقوه من ذلك الذهب فوق طاقته.

و سافروا فلم يسيروا إلا قليلا حتى عطب الزورق و لم ينج إلا من قدر على السباحة.

جزيرة تنيس: و هي في بحر الروم، و فيها مدن كثيرة و يخرج إليها من البحر نوع من السمك فيقيم بها يوما و ينقطع، و يظهر نوع آخر يقيم يوما و ينقطع و لا يزال كذلك إلى آخر السنة تتمة ثلاثمائة و ستين نوعا، ثم يعود النوع الأول كالعادة. و جزيرة النوم: بها أشجار و ثمار و أزهار، من شم شيئا منها نام من ساعته. و جزيرة خالطة: قال أبو حامد الأندلسي: رأيت هذه الجزيرة و بها من الغنم شي‏ء لا يحصى، كالجراد المنتشر لا ينفر من الناس، يأخذ أهل المراكب منها ما شاؤوا.

و بها أشجار و ثمار و أعشاب، و ليس بها إنس و لا جان.

جزيرة الدير: ذكر البحريون أنها بقرب قسطنطينية، و فيها دير غائب في البحر فينكشف عنه الماء يوما في السنة و تحج أهل تلك النواحي إليه و يبقى ظاهرا إلى وقت العصر، ثم يزيد الماء فيغطيه إلى العام القابل.

جزيرة الكنيسة: ذكر أبو حامد الأندلسي أن بهذه الجزيرة جبلا على شاطئ البحر الأسود عليه كنيسة منقورة في الصخر، في الجبل، و عليها قبة عظيمة و على‏

240

تلك القبة طائر غراب‏ (343)، يطير و يحط و لا يزال عليها. و مقابل القبة مسجد يزوره المسلمون و يقولون إن الدعاء فيه مستجاب. و قد شرط على أهل تلك الكنيسة ضيافة من يزور ذلك المسجد من المسلمين. فإذا قدم زائر للمسجد أدخل الغراب رأسه إلى داخل الكنيسة و صاح صيحات بعدد الزوار، إن كان واحدا فواحدة، أو اثنين فاثنتين، أو عشرة فعشرة، لا يخطئ أبدا. فينزل أهل تلك الكنيسة بالضيافة إليهم على عدتهم لا يزيدون و لا ينقصون. و ذكر القسيسون أنهم ما زالوا يرون ذلك الغراب و لا يدرون من أين مأكله و مشربه؟ و تعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب.

و من عجائب هذا البحر ما ذكره أبو حامد من أنه قال: لما غاض بحر الروم انكشف عن مدن و عمارات لا توصف، و به الشيخ اليهودي و هو حيوان كالإنسان و له لحية بيضاء و بدن كبدن الضفدع، و شعره كشعر البقر و هو في قدر البغل، يخرج من البحر في كل ليلة سبت فلا يزال في البر حتى تغيب الشمس فيثب وثبة فلا يلحقه أحد، و هو يثب كما يثب الضفدع.

و حدث عبد الرحمن بن هرون المغربي قال: ركبت هذا البحر فوصلنا إلى موضع يقال له الرطون و كان معنا غلام صقلبي، معه صنارة فدلاها في البحر فصاد سمكة قدر الشبر فنظرنا فإذا مكتوب خلق أذنها الواحدة: لا إله إلا اللّه، و في قفاها و خلف أذنها الأخرى: محمد رسول اللّه.

البغل: و هي سمكة كبيرة قال أبو حامد الأندلسي: رأيت هذه السمكة بمجمع البحرين مثل الجبل العظيم، و قد لازمتها سمكة أكبر منها في الظلمات، فهربت المسماة بالبغل منها، وجدت الأخرى في طلبها، و لما عاين البغل منها لاجد صاحت‏

____________

(343) الغراب: من الطيور الصاخبة و الجريئة و النشيطة في بنيتها و منتشر في العالم كله تقريبا خاصة في الجزء الشمالي منه (موسوعة الحيوان، ص 204).

241

صيحة عظيمة ما سمع أهول منها، فكادت قلوبنا أن تنشق من الخوف و اضطرب البحر و كثرت أمواجه و خفنا الغرق، و أتت السمكة الطالبة لتعبر خلف البغل من الظلمات إلى مجمع البحرين فلم تقدر لعظمها.

حوت موسى (عليه السلام): قال أبو حامد: رأيت سمكة تعرف بنسل الحوت في مدينة سبتة، و هو الحوت المشوي الذي صحبه موسى و يوشع حين سافرا في طلب الخضر (عليهم السلام)، و هي سمكة طولها ذراع و عرضها شبر، و أحد جانبيها شوك و عظام و جلد رقيق على أحشائها، و رأسها نصف رأس بعين واحدة، فمن رآها من هذا الجانب استقذرها. و نصفها الآخر صحيح بهيج. و الناس يتبركون بها و يهدونها إلى الرؤساء، سيما اليهود.

و سمكة كأنها قلنسوة (344) سوداء: قال أبو حامد: رأيت هذه السمكة و في جوفها شبه المصارين، و لا رأس لها و لا عين، و لها مرارة كمرارة البقر سوداء. فإذا صادها أحد تحركت فيسود ما حولها من الماء حتى يبقى كالحبر الدخاني، و أظنه من مرارتها، فيؤخذ ذلك الماء و يكتب به في الورق و هو أحسن من الحبر و أعظم سوادا و أثبت و أجود و أبص منه.

و سمكة: يقال لها الخطاف: على ظهرها جناحان تخرج من الماء و تطير حيث شاءت ثم تعود إلى الماء. و سمكة تعرف بالمنارة: و هذه السمكة تخرج ببدنها من الماء و تقف على عجزها كالمنارة ثم ترمي بنفسها على المركب العظيم فتغرقه و تهلك أهله، فإذا أحسوا بها ضربوا الطبول و البوقات و أضرموا مكاحل النفط فتهرب عنهم. و سمكة كبيرة إذا نقص عنها الماء بقيت على الطين ملقاة و لا تزال تضرب إلى‏

____________

(344) القلنسوة: من ملابس الرؤوس و الجمع قلانس (اللسان 5/ 3720).

242

مقدار ست ساعات، ثم تنسلخ من جلدها و يظهر لها جناحان من تحت إبطها فتطير مع عظمتها إلى بحر آخر. و هذا من أعظم عجائب القدرة.

و منها التنانين: و هي كثيرة في هذا البحر، و لا سيما عند طرابلس و اللاذقية.

243

فصل في بحر الخزر

و هو بحر الأتراك، و هو في جهة الشمال، شرقيه جرجان و طبرستان و على شماله بلاد الخزر، و غربيه اللان و جبال القبق، و على جنوبه الجبل و الديلم. و هو بحر واسع و لا اتصال له بشي‏ء من البحار، و هو بحر صعب خطر المسلك سريع الهلاك شديد الاضطراب و الأمواج، لا جزر فيه و لا مد، و ليس فيه شي‏ء من اللآلئ و الجواهر.

ذكر السمرقندي في كتابه: أن ذا القرنين أراد أن يعرف ساحل هذا البحر، فبعث قوما في مركب و أمرهم بالمسير فيه سنة كاملة لعل أن يأتوه بخبر ساحل؛ فساروا بالمركب سنة كاملة فلم يروا شيئا سوى سطح الماء و زرقة (345) السماء، فأرادوا الرجوع فقال بعضهم: نسير شهرا آخر لعلنا أن نرجع بخبر. فساروا شهرا آخر فإذا هم بمركب فيه أناس فالتقى المركبان و لم يفهم أحدهم كلام الآخر، فدفع قوم ذي القرنين إليهم امرأة و أخذوا منهم رجلا و رجعوا إلى الإسكندر و أخبروه بالأمر. قال: فزوج الإسكندر الرجل بامرأة من عسكره فأتت بولد يفهم كلام الوالدين، فقال له: سل أباك من أين جئت؟ فسأله فقال: جئت من ذلك الجانب.

فقيل له فهل هناك ملك؟ قال: نعم أعظم من هذا الملك. قيل: فكم لكم في البحر؟

قال: سنتين و شهرين.

و قيل: إن دور هذا البحر ألفان و خمسمائة فرسخ، و طوله ثمانمائة فرسخ و عرضه ستمائة فرسخ، و هو مدور الشكل، إلى الطول أميز.

[عجائب هذا البحر]

و بهذا البحر عجائب كثيرة:

منها: ما ذكره أبو حامد عن سلام الترجمان رسول الخليفة إلى ملك الخزر، قال:

لما توجهت من عند الخليفة إليهم أقمت عندهم مدة فرأيتهم يوما قد اصطادوا

____________

(345) الزرقة: شدة الصفاء.

244

سمكة عظيمة فجذبوها بالكلاليب و الحبال، فانتفخت أذن السمكة فخرج منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر، سوداؤه، حسنة الصورة طويلة القامة كأنها القمر البدر، و هي تضرب وجهها و تنتف شعرها و تصيح، و في وسطها غشاء لحمي كالثوب الضيف من سرتها إلى ركبتها كأنه إزار (346) مشدود عليها. فما زالت كذلك حتى ماتت.

و منها التنين‏ (347): ذكروا أنه يرتفع من هذا البحر تنين عظيم يشبه السحاب الأسود و ينظر إليه الناس. و زعموا أنها دابة عظيمة في البحر تؤذي دوابه فيبعث اللّه عليها سحابا من سحب قدرته فيحملها و يخرجها من البحر. و هي صفة حية سوداء لا يمر ذنبها على شي‏ء من الأبنية العظام إلا سحقته و هدمته، و لا من الأشجار إلا هدتها. و ربما تنفست فاحترقت الأشجار و النبات.

قال: فيلقيها السحاب في الجزائر التي بها يأجوج و مأجوج فتكون لهم غذاء.

و روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما هذا القول.

و حكي أن الإسكندر لما أن فرغ من السد و أحكمه سر بذلك سرورا عظيما، و أمر بسرير فنصب له على السد فرقي عليه و حمد اللّه تعالى و أثنى عليه ثم قال: يا رب الأرباب و مسهل الصعاب، أنت ألهمتني بسد هذا المكان صونا للبلاد و راحة للعباد و قمعا لهذا العدو المطبوع على الفساد، فأحسن لي المثوبة في يوم المعاد، ورد غربتي‏

____________

(346) الإزار: أزر به الشي‏ء: أحاط، و الإزار: الملحفة، يذكّر و يؤنّث؛ و الإزارة: الإزار، و الإزر و المئرز و المئزرة: الإزار.

(347) التنين: حيوان بحري عظيم و يقال انه اسطوري يجمع بين الزواحف و الطير و يزعمون أن له مخالب أسد و أجنحة نسر و ذنب أفعى (حاشية رقم 1، عجائب المخلوقات، ص 130).

245

و أحسن أوبتي. ثم سجد سجدة أطال فيها ثم استوى على فراشه و استلقى على ظهره لا نتعاشه، و قال: الآن قد استرحت من سطوة الخزر و مقاساة الأتراك‏

ثم أغفى إغفاءه فطلع طالع من البحر حتى سد الأفق بطوله و ارتفع كالغمامة العظيمة السوداء فسد الضوء عن الأرض، فبادرت الجيوش و المقاتلة إلى قسيهم و اشتد الصياح، فانتبه الاسكندر و نادى: ما الذي نابكم و ما شأنكم؟ فقالوا: الذي ترى. قال: أمسكوا عن سلاحكم و كفوا عن انزعاجكم، لم يكن اللّه عز و جل ليلهمني لما أراد و يغربني عن أهلي و مسقط رأسي ي البلاد لمصالح الخلق و العباد مدة عشرين سنة و ستة شهور، ثم يسلط علي بهيمة من بهائم البحر المسجور. فكف الناس عن السلاح و أقبل الطالع نحو السد حتى علاه و ارتفع عليه رمية سهم، ثم قال: أيها الملك، أنا ساكن هذا البحر، و قد رأيت هذا المكان مسدودا سبع مرات، و في وحي اللّه عز و جل أن ملكا، عصره عصرك و صورته صورتك و صوته صوتك و اسمه اسمك، يسد هذا الثغر سدا مؤبدا، فأحسن اللّه معونتك و أجزل مثوبتك ورد غربتك و أحسن أوبتك فأنت ذلك الملك الهمام و عليك من اللّه السلام. ثم غاب عن بصره فلم يعلم كيف ذهب و ليكن هذا آخر الكلام على البحار و الجزائر و العجائب.

246

فصل في ذكر المشاهير من الأنهار و عجائبها

قيل: إن الأمطار و الثلوج إذا وقعت على الجبال تنصب إلى مغارات بها و تبقى مخزونة فيها في الشتاء، فإن كان في أسافل الجبال منافذ ينزل الماء من تلك المنافذ فيحصل منها الجداول و ينضم بعضها إلى بعض فتحدث منها الأنهار و الغدران و الأودية، فإن كانت المغارات التي هي الخزانات لهذه المياه في أعالي الجبل استمر جريانه أبدا من غير انقطاع لأن المياه تنصب إلى سفح الجبل و لا تنقطع لاتصال الامتداد من الأمطار و الثلوج، و إن انقطعت لانقطاع المدد بقيت المياه واقفة، كما ترى في الأودية من الغدران التي تجري في وقت و تنقطع في وقت.

قال بطليموس في كتاب جغرافيا: إن بهذا الربع المسكون مائة نهر، طول كل نهر منها من خمسين فرسخا إلى ألف فرسخ، فمنها ما يجري من المشرق إلى المغرب، و منها ما يجري بالعكس، و منها ما يجري من الشمال إلى الجنوب، و منها ما يجري بالعكس.

و كلها تبتدئ من الجبال و تصب في البحار بعد انتفاع العالم بها. و في ضمن ممرها تتصور بطائح و بحيرات‏ (348)، فإذا صبت في البحر المالح و أشرقت الشمس على البحار فتصعد إلى الجو بخارا ثم ينعقد غيوما و أندية كالدولاب الدائر، فلا يزال الأمر كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله. فسبحان المدبر لمملكته ببدائع حكمته، لا إله إلا هو.

فأول ما نبدأ بذكره نهر أثل: و هو نهر عظيم في بلاد الخزر، و يقارب دجلة، و مجيئه من أرض الروس و بلغار و مصبه في بحر الخزر. و قد ذكر الحكماء أنه يتشعب‏

____________

(348) البحيرات: تعرف البحيرات بأنها كتل مائية داخل منخفض أرضي و لا تتصل بالبحر (القاموس الجغرافي، محمد صبري محسوب، ص 86).

247

من هذا النهر خمس و سبعون شعبة، كل شعبة منها نهر عظيم، و عموده لا يتغير و لا ينقص ذرة لغزارة مائه و قوة امتداده، فإذا انتهى إلى البحر يجري فيه يومين و لونه بائن من لون البحر، ثم يختلط و يجمد في الشتاء لعذوبته. و في هذا البحر حيوانات عجيبة.

حكى أحمد بن فضلان‏ (349) رسول المقتدر من خلفاء بني العباس إلى بلغار، قال: لما دخلت بلغار سمعت أن عندهم رجلا عظيم الخلقة، فسألت الملك عنه فقال: نعم، ما كان من بلادنا و لكن قوما خرجوا إلى نهر أثل و كان قد مد و طغى، ثم أتوا و قالوا أيها الملك إنه قد طفى على وجه الماء رجل كأنه من أمة بالقرب منا، فإن كان ذاك فلا مقام لنا. فركبت معهم حتى سرت إلى النهر فإذا برجل طوله اثنا عشر ذراعا و رأسه كأكبر ما يكون من القدور، و أنفه نصف ذراع و عيناه عظيمتان، و كل أصبع أطول من شبر. فأخذنا نكلمه و هو لا يزيد على النظر إلينا. فحملته إلى مكاني و كتبت إلى و ارسو كتابا و بيننا و بينهم ثلاثة أشهر أستخبرهم عن أمره، فعرفوني أن هذا الرجل من يأجوج و مأجوج و قالوا: إن البحر يحول بيننا و بينهم. فأقام بين أظهرنا مدة، ثم اعتل فمات.

نهر أذربيجان: قال صاحب المسالك و الممالك الشرقية: إن هذا البحر يجري ماؤه و يستحجر فيصير صفائح صخر فيستعملونه في البناء.

نهر أشعار: قال صاحب تحفة الغرائب: إن هذا النهر يخرج من موضع يقال له:

فج عروس و يفيض تحت الأرض، ثم يخرج من مكان بعيد، ثم يفيض ثانيا بين أرض منادرة و بطليوس و يخرج و ينصب في البحر

____________

(349) ابن فضلان: هو أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد مولى محمد بن سليمان ثم مولى لأمير المؤمنين، فهو من العجم الموالى لهذا الزمان المعلومات المتوفرة عن ابن فضلان شديدة الندرة، فمن غير المعروف: أين ولد؟ و لا متى ولد؟ و لا كيف نشأ، و لا أين عاش مراحل حياته الأولى؟.

248

نهر جيحون‏ (350): قال الاصطخري‏ (351): نهر جيحون يخرج من حدود بذخشان ثم تنضم إليه أنهار كثيرة من حدود الجبل و وخش فيصير نهرا عظيما و يمر على مدن كثيرة حتى يصل إلى خوارزم. و لا ينتفع به شي‏ء من البلاد في ممره إلا خوارزم، ثم ينصب في بحيرة خوارزم التي بينها و بين خوارزم ستة أيام. و هذا النهر يجمد في الشتاء عند قوة البرد فيصير قطعا، ثم تصير القطع قطعا على وجه الماء حتى يلصق بعضها ببعض إلى أن تصير سطحا واحدا على وجه الماء، و يثخن حتى يصير سمك ذراعين أو ثلاثة أذرع، و يستحكم حتى تعبر عليه العجلات و القوافل المحملة و لا يبقى بينه و بين الأرض فرق، و الماء يجري تحت الجمد فيحفر أهل خوارزم بالمعاول آبارا يستقون منها و يبقى كذلك شهرين فإذا انكسر البرد تقطع قطعا كما بدأ أول مرة و يعود إلى حالته الأولى. و هو نهر قتال قل أن ينجو منه غريق.

نهر حصن المهدي: قال صاحب تحفة الغرائب: هو بين البصرة و الأهواز، و هو نهر كبير و يرتفع منه في بعض الأوقات منارة يسمع منها أصوات كالطبل و البوق ثم‏

____________

(350) نهر جيحون: هو آمودريا حاليا، و كان يسمى أيضا نهر بلخ، ينبع من جبال بامير و يصب في بحيرة آرال، يروي طاجيكستان و تركمانستان و أوزبكستان، و ما كان غربه فهو من خراسان و ما كان شرقه فهو الذي يدعى ما وراء النهر.

(351) الاصطخري: هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطرخي المعروف بالكرخي نشأ في اصطخر و نسب إليها و في (كشف الظنون) هو أبو زيد محمد بن سهل البلخي و في دائرة المعارف الإسلامية هو أبو اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي الذي عاش في النصف الأول من القرن الرابع الهجري‏

طلب العلم و نبغ في حدود عام 349 ه و عني بأخبار البلاد فخرج يطوف المناطق حتى وصل إلى الهند ثم إلى سواحل المحيط الأطلسي و في رحلاته لقي نفرا من العلماء في الحقول المختلفة

لم تكن مصادر علم البلاد (علم الجغرافيا) موفورة في عصره فكان بذلك أول جغرافي عربي صنّف في هذا الباب إمّا عن مشاهدة فعلية و إمّا نقلا عن كتاب بطليموس و قد نقلت مؤلفاته إلى عدة لغات و تمّ طبعها عدة مرات.

249

تغيب و لا يعرف شأن ذلك. نهر خزلج: و هو بأرض الترك، و فيه حيات إذا وقعت عين ابن آدم عليها يغشى عليه.

دجلة: هو نهر ببغداد، مخرجه من أصل جبل بقرب آمد عند حصن ذي القرنين، و كلما امتد انضم إليه مياه جبال ديار بكر. و بآمد (352) يخاض فيه بالدواب و يمتد إلى ميافارقين، و إلى حصن كيفا و إلى جزيرة ابن عمر و إلى الموصل، و تنصب فيه الزيادات و منها يعظم أمره و يستمر ممتدا إلى بغداد إلى واسط إلى البصرة، و ينضب في بحر فارس. و ماء دجلة أعذب المياه و أكثرها نفعا لأن ماءه من مخرجه إلى مصبه جار في العمارات.

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أوحى اللّه عز و جل إلى دانيال‏ (353) (عليه السلام) أن أجر لمصالح عبادي نهرا و اجعل مصبه في البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك. قال: فأخذ خشبة فجرها في الأرض و الماء يتبعه، و كلما مر بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ ناشده اللّه فيحيد عنهم. و هو الدجلة، و هو نهر مبارك كثيرا ما ينجو غريقه.

و حكي أنهم وجدوا فيه غريقا فأخذوه فإذا فيه رمق، فلما رجعت روحه إليه سألوه عن مكانه الذي وقع منه فأخبرهم فكان من موضع وقوعه إلى موضع نجاته خمسة أيام.

____________

(352) آمدAmid : بلدة ذات مركز حصين تقع على نهر دجلة في اقليم ديار بكر (كردستان) افتتحها عياض بن غنم في خلافة عمر بن الخطاب 17 ه (القاموس الإسلامي، ج 1، ص 64).

(353) نبي اللّه دانيال- من أنبياء بني إسرائيل- كان ممن تم اسرهم و نقلهم إلى العراق ابان الغزو الفارسي لبيت المقدس و تدميرها على زمن نبوخذ نصر (السبي البابلي).

250

نهر الذهب: و هو بأرض الشام و بلاد حلب. زعم أهل حلب أنه وادي بطنان.

و معنى قولهم نهر الذهب أن جميعه يباع أوله بالميزان و آخره بالكيل. فإن أوله تزرع عليه الحبوب و البذور و آخره ينصب إلى بطيحة، فرسخين في فرسخين، فينعقد ملحا.

نهر المرس: بأذربيجان. و هو شديد الجري، و بأرضه حجارة بعضها ظاهرة و بعضها مغطاة بالماء؛ و لهذا السبب لا تجري فيه السفن. و هو نهر مبارك كثيرا ما ينجو غريقه. حكى ديسم بن إبراهيم صاحب أذربيجان قال: كنت مجتازا على قنطرة الرس بعسكري، فلما صرت بوسط القنطرة رأيت امرأة و معها طفل في قماطه، إذ صدمتها دابة فانقلب الطفل من يدها إلى الماء فما وصل إلى الماء إلا بع زمان لبعد ما بين ظهر القنطرة و وجه الماء، ثم غاص الطفل و طفا على وجه الماء و سلم من تلك الأحجار و القرابيص و جرى مع الماء و الأم تصيح، و للعقبان أوكار على حروف النهر، فأرسل اللّه عز و جل عقابا منها فانقض على الطفل و رفعه بقماطه و خرج به إلى الصحراء، فصحت بأصحابي إليه، فركضوا في أثر العقاب فإذا العقاب قد اشتغل بحل القماط، فلما أدركوه و صاحوا عليه طار العقاب و ترك الطفل فوجدوه سالما موقى، فردوه إلى أمه و هو ساكت.

نهر الزاب‏ (354): و هو نهر بين الموصل و إربل‏ (355)، يبتدئ من أذربيجان و ينصب في دجلة. يقال له الزاب المجنون لشدة جريه. قال القزويني: شربت من‏

____________

(354) نهر الزاب: يقع شمال العراق و هناك الزاب الأعلى (الكبير) و طوله نحو 650 كم، و هو يرفد دجلة في جنوب مدينة الموصل عند بلدة الحديثة، و هناك الزاب الأسفل و ينبع من مرتفعات جنوبي بحيرة أورمية و يرفد دجلة في شمال بلدة الفتحة و يبلغ طوله 520 كم (القاموس، ج 3، ص 1).

(355) إربل: مدينة قديمة تقع في الطريق بين بغداد و الموصل (القاموس الإسلامي، ج 1، ص 61).

251

مائه في شدة القيظ فإذا هو أبرد من الثلج و البرد، و ذلك لشدة جريه و عدم تأثير الشمس فيه. نهر زمرود: و هو بأصبهان، موصوف باللطافة و العذوبة، يغسل فيه الثوب الخشن فيعود أنعم من الخز و الحرير، و هو يخرج من قرية يقال لها ما كان و يعظم بانضمام الماء إليه عند أصبهان و يسقي بساتينها و رساتيقها، ثم يغور في رمل هناك و يظهر بكرمان و يجري و ينصب في بحر الهند. ذكروا أنهم أخذوا قصبة و علموها و أرسلوها في موضع غوران الماء فرجعت بكرمان.

نهر سبحة: و هو نهر بين حصن منصور و بكسوم، لا يتهأ خوضه لأن قراره رمل سيال، و على هذا النهر قنطرة و هي إحدى عجائب الدنيا لأنها عقد واحد من الشط إلى الشط مقدار مائتي خطوة من حجر صلد مهندم، طول كل حجر عشرة أذرع.

حكي أن عند أهل تلك البلدة بالأرض لوحا عليه طلسم فإذا انعاب من تلك القنطرة مكان أدلوا ذلك اللوح إلى موضع العيب فينعزل الماء عنه و يحيد فينصلح ذلك الموضع بلا مشقة، و يرفع اللوح فيعود الماء إلى مكانه.

نهر سلق: بإفريقية الغرب، و هو نهر كبير يجري فيه الماء بعد كل ستة أيام يوما واحدا. و هذا دأبه دائما. و قيل هو نهر صقلاب.

نهر طبرية: هو نهر عظيم، و الماء الذي يجري فيه نصفه بارد و نصفه حار فلا يختلط أحدهما بالآخر، فإذا أخذ من الماء الحار في إناء و ضربه الهواء صار باردا.

نهر العاصي‏ (356): هو نهر حماه و حمص، مخرجه من قدس و مصبه في البحر بأرض السويدية من أنطاكية. و سمي العاصي لأن أكثر الأنهار هناك تتوجه نحو

____________

(356) يعتبر نهر العاصي من الأنهار الهامة في سورية و المصدر الرئيسي لمياه الري في حوض العاصي.

و يتوضع عليه عدة صناعات و مدن و يخترق سهولا في حمص و حماه و العشارنة و الغاب و الروج التي‏

252

الجنوب و هذا يتوجه نحو الشمال. نهر الفرات الأعظم‏ (357): هو نهر عظيم عذب طيب ذو هيبة. مخرجه من أرمينية ثم يمتد إلى قالي قلا بالقرب من خلاط، و إلى ملطية (358) و إلى شميصات و إلى الرقة، ثم إلى غانة، إلى هيت، فيسقي هناك المزارع و البساتين و الرساتيق، ثم ينصب بعضه في دجلة و بعضه يسير إلى بحر فارس.

و للفرات فضائل كثيرة: روي أن أربعة أنهار من أنهار الجنة: سيحون، و جيحون، و النيل، و الفرات. و عن علي رضي اللّه عنه قال: يا أهل الكوفة إن نهركم هذا ينصب إليه ميزابان من الجنة.

____________

تتميز بوفرة إنتاجها الزراعي و زراعاتها الكثيفة حيث يستعمل فيها كميات كبيرة من الاسمدة المختلفة و مبيدات الأعشاب إضافة الى مصادر المياه التقليدية و العادمة المنزلية و الصناعية و الزراعية الناتجة عن نشاط السكان في هذا الحوض.

(357) الفرات: هو أحد الأنهار الكبيرة في جنوب غرب آسيا، ينبع من تركيا و يتألف من جدولين في آسيا الصغرى هما مراد صو (أي ماء المراد) شرقا و منبعه بين بحيرة و ان و جبل أرارات في أرمينيا و قره صو (أي الماء الأسود) غربا و منبعه في شمال شرقي الأناضول. و الجدولان يجريان في اتجاه الغرب ثم يجتمعان فتجري مياههما جنوبا مخترقة سلسلة جبال طوروس الجنوبية. ثم يجري النهر إلى الجنوب الشرقي و ينضم إليه فروع عديدة قبل مروره في الأراضي السورية ينضم إليه نهر البليخ ثم نهر الخابور و يدخل في سوريا عند مدينة جرابلس، ثم يمر في محافظة الرقة و يتجه بعدها إلى محافظة دير الزور، و يخرج منها عند مدينة البوكمال. و من ثم يدخل العراق عند مدينة القائم و يتوسع ليشكل الأهوار وسط جنوب العراق و يتحد معه في العراق نهر دجلة فيشكلان شط العرب الذي تجري مياهه مسافة 90 ميلا ثم تصب في الخليج العربي، يبلغ طول الفرات حوالي 2700 كم (1800 ميلا)، و يتراوح عرضه بين 200 إلى أكثر من 2000 متر عند المصب. و يطلق على العراق بلاد الرافدين لوجود نهري دجلة و الفرات بها

(358) ملطية: مدينة بأرض الروم مشهورة. بها جبل فيه عين حدثني بعض التجار أن هذه العين يخرج منها ماء عذب ضارب إلى البياض يشربه الإنسان لا يضره شيئا فإذا جرى مسافة يسيرة يصير حجرا صلدا

253

و روي عن جعفر الصادق‏ (359) رضي اللّه عنه أنه شرب من ماء الفرات، ثم استزاد و حمد اللّه تعالى و قال: ما أعظم بركته، لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافته القباب، ما انغمس فيه ذو عاهة إلا برئ.

و عن السدي أن الفرات مد في زمن عمر رضي اللّه عنه فألقى رمانة عظيمة فيها كر من الحب فأمر المسلمين أن يقسموها بينهم و كانوا يرون أنها من الجنة. نهر القورج: هو نهر بين القاطول و بغداد، و كان سبب حفره أن كسرى أنوشروان ملك الفرس لما حفر القاطول أضر بأهل الأسافل فخرج أهل تلك النواحي للتظلم فرآهم فثنى رجله على دابته و وقف، و كان قد خرج متنزها فقال بالفارسية: ما شأنكم أيها المساكين؟ قالوا: لقد جئناك متظلمين. قال: ممن؟ قالوا: من ملك الزمان كسرى أنوشروان. فنزل عن دابته و جلس على التراب و قال بالفارسية: زنهاراي مسكينان. فأتي بشي‏ء ليجلس عليه فأبى و أدناهم منه و نظر إليهم و بكى و قال: قبيح و عار على ملك يظلم المساكين، ما ظلامتكم؟ قالوا: يا ملك الزمان حفرت القاطول فانقطع الماء عنا و قد بارت أراضينا و خربت. فدعا كسرى بموبذانه و قال له: ما

____________

(359) الإمام جعفر الصادق (ولد يوم 17 ربيع الأول 83 ه في المدينة المنورة و توفي فيها عام 148 ه) هو أبو عبد اللّه جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن فاطمة الزهراء بنت النبي محمد (ص). لقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب. أمه هي أم فروة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر و قيل غير ذلك. يعتبر الإمام و الوصي السادس للنبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) لدى الشيعة و إليه ينسبون انتشار مدرستهم الفقهية. و لذلك يطلق على الشيعة بالجعفرية نسبة للإمام جعفر الصادق. بينما ينكر أهل السنة ذلك، و يعتبرون نسبة المذهب الجعفري إليه افتراء. استطاع أن يؤسس في عصره مدرسة فقهية و تتلمذ على يده العديد من العلماء. و يعتبر من أوائل الرواد في علم الكيمياء حيث تتلمذ عليه جابر بن حيان. و قد كني الإمام الصادق بعدة كنى منها أبو عبد اللّه (و هي أشهرها) و أبو إسماعيل و أبو موسى. و لقب بالصادق، و الفاضل، و الطاهر، و القائم، و الكامل، و المنجي. و كان يوصف بأنه ربعة، ليس بالطويل و لا بالقصير، أبيض الوجه، أزهر له لمعان كأنه السراج، أسود الشعر، جعده، أشم الأنف قد انحسر الشعر عن جبينه فبدا مزهرا، و على خده خال أسود.

254

جزاء ملك أضر برعيته من غير قصد؟ قال الموبذان. جزاؤه أن يجلس على التراب كما فعل ملك الزمان، و يرجع عن الخطأ إلى الصواب و إلا سخطت عليه النيران.

فقال: قد رجعت عما وقعت فيه، فهل ترضون بسد ما حفرت؟ قالوا: لا نكلف الملك ذلك: قال: فما تريدون؟ قالوا: مرنا أن نجري من القاطول نهرا لنحيي أرضنا.

فقال: لا أكلفكم ذلك. ثم أمر أصحابه و جنده بالإقامة في مجلسه و قال: لا أبرح من مكاني حتى أرى نهرا يجري دون القاطول يسقي أراضي هؤلاء المساكين، و الجاني أولى بالخسارة. فما برح من مكانه ذلك حتى أجرى لهم نهرا دون القاطول بناحية القورج، و ساقوا الماء إلى أراضيهم و عمرت، و سقوا منها أنفسهم و مواشيهم. فهذا كان عدله في رعيته و هو كافر (360) يعبد النيران.

نهر الكر: هو بين أرمينية و أذال. و هو نهر مبارك و كثيرا ما ينجو غريقه. قال بعض الفقهاء نقجوان: وجدنا غريقا في الكر يجري به الماء فبادر القوم إليه فأدركوه على آخر رمق، فلما رجعت إليه روحه قال: في أي موضع أنا؟ قالوا: في نقجوان.

قال: إني وقعت في الموضع الفلاني. فإذا مسيرة ذلك المكان ستة أيام. فطلب منهم طعاما فذهبوا ليأتوه به؛ فانقض عليه جدار فمات.

نهر مهران: و هو بالسند، عرضه عرض جيحون يجري من المشرق إلى المغرب، و يقع في بحر فارس. قيل إنه يخرج من جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، و هو نهر عظيم فيه تماسيح كنيل مصر، إلا أنها أضعف و أصغر. و هو يمتد على الأرض و يزرع عليه كما يزرع على النيل، و ينقص و يزيد كالنيل، حذو النعل بالنعل، و لا يوجد تمساح قط إلا بنهر مهران و النيل.

____________

(360) الكافر: في اللغة العربية هو المنكر و الجاحد، و هو أيضا المنكر للنعمة المتناسي لها، و هو ضدّ الشاكر.