خريدة العجائب وفريدة الغرائب‏

- عمر بن مظفر ابن الوردي المزيد...
503 /
405

المشركين فيؤتى بهم فيقول لهم عز و جل: عبادى و أبناء عبادي و إمائي، من ربكم و ما دينكم و ما عملكم؟ فيقولون: اللهم أنت ربنا، و أنت خالقنا و لم نك شيئا، و أمتنا، و لم تجعل لنا ألسنة تنطق بها، و لا عقولا نعقل بها، و لا قوة في الأعضاء نتعبد بها، و لا علم لنا إلا ما علمتنا. فيقول اللّه عز و جل: فالآن لكم ألسنة و عقول و قوة للحركة في الأعضاء، فإن أمرتكم يا عبادي بأمر تفعلونه؟ فيقولون: إلهنا تباركت و تعاليت، لك السمع و الطاعة، مر بأيما شئت. فيأمر اللّه ملكا فيزجر جهنم حتى تفور، و يأمر بأطفال المشركين أن يلقوا فيها، فمن كان منهم قد سبق في علم اللّه له السعادة ألقى بنفسه في الحال بلا إمهال، فتكون النار عليه بردا و سلاما كما كانت على إبراهيم (عليه السلام)، و من سبق في علم اللّه له الشقاوة و امتنع من إلقاء نفسه في النار فأولئك يتبعون آباءهم، و الفرقة الأخرى يخرجون إلى الجنة مع المؤمنين. قال:

صدقت و بررت و بينت و أزلت الشك يا محمد، فزدني يقينا، فأخبرني عن الأرض لم سميت أرضا؟ قال: لأنها أرض يداس عليها. قال: صدقت يا محمد، فمم خلقت؟

قال: من الزبد، قال: فالزبد مم خلق؟ قال: من الموج. قال: فالموج مم خلق؟ قال:

من البحر. قال: صدقت يا محمد، فكيف كان ذلك؟ قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن اللّه عز و جل لما خلق البحر أمر الريح أن يضرب الأمواج بعضها في بع، فاضطربت الأمواج حتى ظهر الزبد فأمره أن يجتمع فاجتمع، ثم أمره أن يلين فلان، ثم أمره أن يعتدل فاعتدل، ثم أمره أن يمتد فامتد، فسطحها أرضا و مهدها. قال:

صدقت يا محمد. قال: فأخبرني بم أمسكها؟ قال: بجبل قاف المحيط بالعالم، و هو أصل أوتاد الأرض التي نحن عليها.

قال: صدقت يا محمد. قال: فأخبرني ما تحت هذه الأرض؟ قال: تحتها ثور، و الثور على صخرة. قال: و ما صفة ذلك الثور؟ قال: له أربع قوائم و أربعون قرنا و أربعون سناما، رأسه بالمشرق. و ذنبه بالمغرب، و مسيرة ما بين قرن و قرن من قرونه‏

406

خمسون ألف سنة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت الصخرة التي عليها الثور؟ قال: تحتها جبل يقال له صعود. قال: و لمن أعد ذلك الجبل يوم القيامة؟ قال:

لأهل النار، يصعد المشركون في النار في مدة خمسين ألف سنة، حتى إذا بلغوا أعلاه نفضهم الجبل فيتساقطون إلى أسفله و يسحبون على وجوههم. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت ذلك الجبل؟ قال: أرض. قال: و ما اسمها؟ قال: هاوية.

قال: و ما تحتها؟ قال: بحر. قال: و ما اسمه؟ قال: السهيل. قال: صدقت يا محمد، فما تحت ذلك البحر؟ قال: أرض. قال: و ما اسمها؟ قال: ناعمة. قال: و ما تحتها؟ قال:

بحر. قال: و ما اسمه؟ قال: الزاخر. قال: و ما تحته؟ قال: أرض. قال: و ما اسمها.

قال: فسيحة. قال: فصف لي يا محمد تلك الأرض. فقال (صلى اللّه عليه و سلم): يا بن سلام، هي أرض بيضاء كالشمس و ريحها كالمسك، وضوءها كالقمر و نباتها كالزعفران، يحشر عليها المتقون يوم القيامة.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني أين تكون هذه الأرض التي نحن عليها اليوم؟

قال (صلى اللّه عليه و سلم): تبدل بأرض غيرها. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت تلك الأرض؟ قال: بحر. قال: و ما اسمه؟ قال: القمقام. قال: و ما فيه؟ قال:

النون. قال: و ما النون؟ قال: الحوت. قال: و ما اسمه؟ قال: بهموت. قال: صدقت يا محمد، فصف لي الحوت قال؛ يا بن سلام، رأسه بالمشرق و ذنبه بالمغرب. قال: فما على ظهره؟ قال: الأراضي و البحار و الظلمات و الجبال. قال: فما بين عينيه؟ قال: بين عينيه سبعة أبحر، في كل بحر سبعون ألف مدينة، و في كل مدينة سبعون ألف ملك.

قال: فما يقولون؟ قال: يقولون لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له: له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت الحوت؟ قال: ريح تحمل الحوت بإذن اللّه تعالى. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما تحت الريح؟ قال:

الظلمة. قال: فما تحت الظلمة؟ قال: الثرى. قال: و ما تحت الثرى؟ قال: لا يعلم‏

407

ذلك إلا اللّه تبارك و تعالى قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن ثلاث رياض في الدنيا هن من رياض الجنة. قال (صلى اللّه عليه و سلم): أولها مكة، و ثانيها بيت المقدس، و ثالثها يثرب هذه، قال: صدقت يا محمد.

ثم قال عبد اللّه بن سلام: يا محمد: أخبرني عن أربع مدن من مدائن الجنة في الدنيا. قال: أولها إرم ذات العماد، و الثانية المنصورة من بلاد الهند، و الثالثة سارية بساحل بحر الشام، و الرابعة البلقاء من أرض أرمينية. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أربع منابر من منابر الجنة في الدنيا. قال: أولها القيروان و هي إفريقية بالمغرب، الثانية باب الأبواب من أرمينية، الثالثة عبادان بأرض العراق، الرابعة خراسان خلف نهر جيحون. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أربع مدن من مدائن جهنم في الدنيا. قال: أولها مدينة فرعون في أرض مصر، الثانية أنطاكية بأرض الشام، الثالثة بأرض سيحان من أرمينية، الرابعة المدائن من العراق. قال: صدقت يا محمد. فأخبرني عن أربعة أنهار في الدنيا من أنهار الجنة. قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أولها الفرات و هو في حدود الشام، الثاني بأرض مصر و هو النيل، الثالث نهر سيحان و هو نهر الهند، الرابع نهر جيحان و هو بأرض بلخ. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن شي‏ء لا شي‏ء، و عن شي‏ء بعض شي‏ء، و عن شي‏ء لا يفنى منه شي‏ء. قال:

يا بن سلام أما شي‏ء لا شي‏ء فهي الدنيا، يذهب نعيمها و يموت أهلها و يخمد ضوءها، و أما شي‏ء بعض شي‏ء فوقوف الخلائق في صعيد واحد للحساب، و أما شي‏ء لا يفنى منه شي‏ء فهي الجنة لا يفنى نعيمها، و النار لا ينقضي عذابها. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن جبل قاف و ما خلفه و ما دونه. قال (صلى اللّه عليه و سلم): خلفه سبعون أرضا من ذهب و سبعون أرضا من فضة و سبعة أراض من مسك. قال: ما سكان هذه الأراضي؟ قال: الملائكة. قال: كم طول كل أرض و كم عرضها؟ قال:

طول كل أرض عشرة آلاف عام و عرضها كذلك. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما

408

وراءه؟ قال: حجاب من الريح. قال: فما وراء ذلك؟ قال: كنف محيط بالدنيا كلها.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أهل الجنة، يأكلون و يشربون فكيف لا يبولون و لا يتغوطون؟ و ما مثل ذلك في الدنيا؟ قال: مثله في الدنيا الجنين الذي في بطن أمه يأكل مما تأكل و يشرب مما تشرب، و لا يبول و لا يتغوط، و لو بال أو راث لا نشق بطن أمه و لماتت أمه من تصاعد بخار ذلك إليها.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أنهار الجنة ما هي؟ قال: يا بن سلام، من لبن لم يتغير طعمه، و خمر و ماء و عسل مصفى. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني أجامدة هي أم جارية؟ قال: بل جارية بين أشجار و ثمار و رياض. فقال: هل تنقص تلك الأنهار أم تزيد؟ قال: لا تنقص و لا تزيد. قال: فهل لذلك مثل في الدنيا؟ قال:

نعم، أما تنظر إلى البحار و ما ينزل فيها من الأمطار و ما يمدها من الأنهار منذ خلقت إلى الآن، و لا يؤثر فيها زيادة و لا نقصان. قال صدقت يا محمد، قال فأخبرني بأسماء أنهار الجنة و صفاتها. قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): في الجنة نهر يقال له الكوثر، رائحته أطيب من المسك الأذفر و العنبر، حصباؤه الدر و الجوهر و الياقوت الأحمر، عليه خيام من اللؤلؤ الأبيض، و هو منزل أولياء اللّه تعالى.

قال: صدقت يا محمد، فصف لي أشجار الجنة. فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم):

يا بن سلام، في الجنة شجرة يقال لها طوبى، أصلها در و أغصانها من زبرجد و ثمرها من جوهر، ليس في الجنة غرفة و لا حجرة و لا قصر و لا خيمة إلا و هي مطلة عليها.

قال: صدقت يا محمد. فهل الدنيا لها من مثل؟ قال: نعم، الشمس المشرقة، تشرق على بقاع الدنيا و لا يخلو من شعاعها مكان. قال: صدقت يا محمد، فهل في الجنة ريح؟ قال: يا بن سلام، ريح واحدة خلقت من نور مكتوب عليها: الحياة و اللذة لأهل الجنة، و يقال لها البهاء، فإذا اشتاق أهل الجنة أن يزوروا ربهم في الجنة هبت‏

409

تلك الريح عليهم تنفخ في وجوههم النور و النضرة و السرور، و تطيب قلوبهم و يزدادون نورا على نورهم، و تضرب أبواب الجنان‏ (555) و حلق المصاريع، و تسبح الأنهار بخريرها و الأطيار بتغريدها و الأغصان بتصفيقها، فلو أن من في السموات و الأرض قيام يستمعون لتلك اللذة لماتوا جميعا من طيبها و شوقا إلى مشاهدتها، و الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، دار الثواب.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أرض الجنة ما هي؟ قال: يا بن سلام، أرضها ذهب و ترابها مسك و عنبر، و رياضها الدر و الياقوت و الزعفران و سقفها عرش الرحمن، قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن طعام أهل الجنة إذا دخلوها.

قال: يأكلون من كبد الحوت الذي يحمل الدنيا و الأراضي و الجبال، و اسمه بهموت.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أهل الجنة، كيف ينصرف ما يأكلون من ثمارها و أطيارها من أجوافهم؟ قال: يا بن سلام، ليس يخرج شي‏ء من أجوافهم بل يعرقون عرقا طيبا أطيب من المسك و أعبق‏ (556) من العنبر، و لو أن عرق رجل من أهل الجنة مزج به البحار لعطر ما بين السماء و الأرض من طيب ريحه. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن لواء الحمد ما صفته و كم طوله و ارتفاعه؟ قال: يا بن سلام، طوله ألف سنة، أسنانه من ياقوتة حمراء و ياقوتة خضراء، قوائمه من فضة بيضاء له ذوائب من نور، ذؤابة بالمشرق و ذوابة بالمغرب، و الثالثة بوسط الدنيا. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الأسطر المكتوبة عليه و كم عدة ذلك؟ قال: ثلاثة أسطر، الأول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الثاني: الحمد للّه رب العالمين، الثالث: لا إله إلا اللّه‏

____________

(555) الجنان: البستان و منه الجنات و اشتقت من الاجتنان و هو الستر لتكاثف أشجارها (اللسان 1/ 705).

(556) العبق: الريح الطيبة.

410

محمد رسول اللّه. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الجنة و النار و أيهما خلق قبل؟

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): الجنة خلقت قبل النار، و لو خلقت النار قبل الجنة لسبق العذاب الرحمة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الجنة أين هي؟ قال:

في السماء السابعة، و النار في تخوم الأرض السفلى. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم للجنة من باب و كم للنار من باب؟ قال: للجنة ثمانية أبواب و النار سبعة أبواب.

قال: و كم بين الباب و الباب من الجنة؟ قال: ألف سنة. قال: و كم ارتفاعها؟ قال:

خمسمائة عام، و على شرفاتها سرادق من ذهب بطانته من الزمرد، و على كل باب جند من الملائكة لا يحصي عددهم إلا اللّه تبارك و تعالى. قال: فما تقول تلك الملائكة؟ قال:

يقولون: طوبى لأهل الجنة و ما يلقون من النعيم و كرامة اللّه تعالى. قال: في أي الأعمار و أي الصفات يدخل أهل الجنة الجنة؟ قال: يدخلونها أبناء ثلاث و ثلاثين في حسن يوسف (عليه السلام)، و طول آدم، و خلق محمد (صلى اللّه عليه و سلم). قال:

فصف لي بعض نعيم أهل الجنة. قال: إن أدنى ما فيه الجنة و ليس في الجنة دني‏ء، و لو نزل به جميع من في الأرض من العوالم لوسعهم طعاما و شرابا و فاكهة و قرى و لم ينقص مما لديه شي‏ء، و لو أن رجلا من أهل الجنة بصق في البحار المالحة لعذبت، و لو أدلى ذؤابة من ذوائبه من السماء إلى الأرض لغلب ضوءها ضوء الشمس و نور القمر.

قال: صدقت يا محمد، فصف لي الحور العين. قال: يا بن سلام، الحور العين بيض كاللؤلؤ، مشربات بحمرة الياقوت الأحمر. قال: صدقت يا محمد، صف لي النار. قال: يا بن سلام، إن النار أوقد علها ألف سنة حتى احمرت، و ألف سنة حتى ابيضت، و ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة ممزوجة بغضب اللّه لا يهدأ لهيبها و لا يخمد جمرها، يا بن سلام لو أن جمرة من جمرها ألقيت في دار الدنيا لألهبت ما بين المشرق و المغرب من حرارة جمرها و عظم خلقها، و هي سبع طباق: الطبقة

411

الأولى للمنافقين، و الثانية للمجوس، و الثالثة للنصارى، و الرابعة لليهود، و الخامسة سقر، و السادسة السعير، و أمسك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذكر السابعة و بكى حتى جرت دموعه على لحيته الكريمة ثم قال: و أما السابعة و هي أهونها فلأهل الكبائر من أمتي.

قال: صدقت و بررت يا محمد، فأخبرني عن يوم القيامة و كيف يقوم الخلائق؟

قال: يا بن سلام، إذا كان يوم القيامة كورت الشمس و اسودت، و طمست النجوم و خمدت و انتثرت، و سيرت الجبال و عطلت العشار و بدلت الأرض غير الأرض.

قال: صدقت يا محمد: كيف تقوم الخلائق؟ قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

يقيم اللّه الخلائق لفصل القضاء، و يمد الصراط، و ينصب الميزان و ينشر الدواوين و يبرز الرب للحكم بين الخلائق. قال: صدقت يا محمد، فكيف يميت الخلائق إذا قامت الساعة؟ قال يأمر ملك الموت فيقف على صخرة بيت المقدس و يضع يمينه على السموات و يده اليسرى تحت الثرى، و يصيح بهم صيحة عظيمة، و ينفخ صاحب الصور في صوره فلا يبقى ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا إنس و لا جان و لا طير و لا وحش إلا خر ميتا ميتة رجل واحد، فتبقى السموات خالية من سكانها و الأرض عاطلة من قطانها، و العشار معطلة و البحار جامدة و الجبال مدكدكة، و الشمس منكسفة و النجوم منطمسة.

قال: صدقت يا محمد. فأخبرني عن ملك الموت هل يذوق الموت أم لا؟ قال: يا بن سلام إذا أمات اللّه الخلائق و لم يبق شي‏ء له روح يقول اللّه لملك الموت: من بقي من خلقي؟ و هو أعلم بمن بقي، فيقول: يا رب أنت أعلم، لم يبق إلا عبدك الضعيف ملك الموت. فيقول اللّه: يا ملك الموت قد أذقت رسلي و أنبيائي و أوليائي و عبادي الموت، و قد سبق في علمي القديم و أنا علام الغيوب أن كل شي‏ء هالك إلا

412

وجهي، و هذه نوبتك. فيقول: إلهي ارحم عبدك ملك الموت، فإنه ضعيف و أنت ألطف به. فيقول سبحانه: ضع يمينك تحت خدك الأيمن، و اضطجع بين الجنة و النار و مت قال عبد اللّه بن سلام: بأبي أنت و أمي يا محمد، و كم بين الجنة و النار؟

فقال (صلى اللّه عليه و سلم): مسيرة ثلاثة آلاف سنة من سني الدنيا فيضطجع ملك الموت بين الجنة و النار، على يمينه، و يضع يده اليمنى تحت خده و اليسرى على وجهه و يصرخ صرخة، فلو أن أهل السموات و الأرض أحياء لماتوا من شدة صرخته، قال:

صدقت يا محمد، فما يصنع اللّه بالسموات إذا مات سكانها؟ قال: يطويها بيمينه كطي السجل للكتاب، ثمي قول جلا جلاله و تقدست أسماؤه و لا إلا غيره و لا معبود سواه: أين مدعي الملك و القوة؟ فلا يجيبه أحد. ثم يقول: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا يجيبه أحد، فيرد سبحانه على ذاته المقدسة: «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ، الْيَوْمَ تُجْزى‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ»

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كيف يحشر الخلائق بعد موتهم؟ قال (صلى اللّه عليه و سلم): يا بن سلام، يحيى اللّه إسرافيل و هو أول من يحيى من المقربين، و هو صاحب الصور، فيأمره أن ينفخ في الصور نفخة البعث. قال ابن سلام: فما يقول إسرافيل في الصور؟ قال (صلى اللّه عليه و سلم): يقول: أيتها العظام البالية النخرة و الأوصال المتفرقة المنفصلة هلموا للعرض على اللّه، هلموا إلى جبار السموات و الأرض. ثم ينفخ فيه مرة أخرى فإذا هم قيام ينظرون، قال: فكم طول كل نفخة؟

قال: مدة أربعين سنة، قال: فكم كلمة يتكلم إسرافيل في الصور وقت النفخ؟ قال:

ست كلمات، الكلمة الأولى: يكون الناس طينا، الثانية: يكونون صورا، الثالثة:

تستوي الأبدان، الرابعة: تجري الدماء في العروق، الخامسة: تنبت الشعور، السادسة: قوموا. فإذا هم قيام ينظرون. قال: صدقت يا محمد. فكيف تقوم الخلائق يوم القيامة؟ قال (صلى اللّه عليه و سلم): يا بن سلام، يقومون حفاة عراة و ألسنتهم‏

413

جافة و بطونهم مظلمة و أبصارهم و جلة. قال ابن سلام: الرجال ينظرون إلى النساء و النساء ينظرن إلى الرجال. قال: هيهات يا بن سلام، «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» من شدة هول يوم القيامة. قال صدقت يا محمد.

ثم أمسك ابن سلام عن الكلام، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): سل عما شئت و لا تهب. فقال: الحمد للّه الذي من علي بالنظر إلى وجهك يا محمد و أهلني لخطابك، فأخبرني إذا كان يوم القيامة أين يحشر اللّه الخلائق؟ قال: يحشرون إلى بيت المقدس.

قال: و كيف ذلك؟ قال: يأمر اللّه عز و جل نارا فتحيط بالدنيا و تضرب وجوه الخلائق، فيهربون و يمرون على وجوههم، فيجتمعون إلى بيت المقدس. قال:

صدقت يا محمد، فما يصنع اللّه بالطفل الصغير و الشيخ الكبير؟ قال: من كان مؤمنا سارت به الملائكة و انتفضت النار عن وجهه، و من كان كافرا تلفح وجهه النار حتى يؤتى به إلى بيت المقدس.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كم تكون يومئذ صفوف الخلائق؟ قال يا بن سلام: مائة و عشرين صفا. قال: كم طول كل صف و كم عرضه؟ قال: طوله مسيرة أربعين ألف سنة و عرضه عشرون ألف سنة. قال: صدقت يا محمد، كم صفا من المؤمنين و كم صفا من الكافرين؟ قال: المؤمنون ثلاثة صفوف، و مائة و سبعة عشر صفا للكافرين. قال: يا محمد فما صفة المؤمنين و ما صفة الكافرين؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): أما المؤمنون فغر محجلون من أثر الوضوء و السجود، و أما الكافرون فسود الوجوه، يأتون الصراط. قال: و كم طول الصراط؟ قال: مسيرة ثلاثين ألف سنة. قال: صدقت يا محمد، فأخبرني كيف تمر الخلائق على الصراط؟ فقال: يكسو اللّه الخلائق نورا، فأما نور المسلمين و المؤمنين و الموحدين فمن نور العرش، و نور

414

الملائكة من نور الكرسى فلا يطفأ لهم نور أبدا، و أما الكافرون فمن نور الأرض و نور الجبال.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن أول فئة تجوز على الصراط، من هم؟ قال:

المؤمنون قال: صدقت يا محمد، فصف لي ذلك. قال: يا بن سلام، من المؤمنين من يجوز في عشرين عاما على الصراط، فإذا بلغ أولهم الجنة تدلت الكفار على الصراط حتى إذا توسطوا أطفأ اللّه نورهم فيبقون بلا نور، فينادون بالمؤمنين‏ «انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ» أليس فيكم الآباء و الأصحاب و الإخوان‏ «أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ» في دار الدنيا «قالُوا بَلى‏، وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، مَأْواكُمُ النَّارُ، هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» و يقال لهم: «ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ». و يأمر اللّه جهنم فتصيح بهم من تحتهم صيحة فيسقطون على وجوههم و رؤوسهم في النار حيارى نادمين، و تنجو عصابة المؤمنين ببركة اللّه و لطفه بهم.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرني ما يصنع اللّه بالموت حينئذ؟ قال: فإذا صار أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار، أتي بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة و النار، فيقال لأهل الجنة: يا أولياء اللّه هذا الموت هل تعرفونه؟ فيقولون: نعرفه يا ملائكة ربنا، اذبحوه حتى لا يكون موت أبدا. و يقولون لأهل النار: يا أعداء اللّه هذا الموت هل تعرفونه؟ فيقولون: نعرفه، فتقول الملائكة: نذبحه؟ فيقولون: يا ملائكة ربنا، لا تذبحوه و دعوه لعل اللّه يقضي علينا بموت فنستريح. قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): فيذبح الموت بين الجنة و النار، فييئس أهل النار من الخروج منها و تطمئن أهل الجنة بالخلود فيها. فعند ذلك قال ابن سلام: صدقت يا رسول اللّه.

415

و نهض قائما على قدميه و قال: امدد يدك الكريمة لتشملني بركتها، فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أشهد أنك محمد رسول اللّه، و أن الجنة حق و أن النار حق، و أن الحساب حق و أن الثواب حق، و أن ما أخبرت به حق، و أن الساعة آتية لا ريب فيها و أن اللّه يبعث من في القبور. فكبرت الصحابة رضي اللّه عنهم عند ذلك، و سماه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه بن سلام، و صار من أكابر الصحابة رضي اللّه عنهم و النقمة على اليهود.

تمت المسائل بحمد اللّه و عونه و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم. و هذه نبذة منقولة من كتاب البدء لأبي زيد البلخي، رحمة اللّه تعالى.

416

فصل فيما ذكر من المدة قبل خلق الخلق‏

روى حماد بن زيد عن طاوس، عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال:

قالت بنو إسرائيل لموسى بن عمران (عليه السلام): سل ربك منذ كم خلق الدنيا؟

فقال موسى: يا رب أما تسمع ما يقول عبادك؟ فأوحى اللّه سبحانه و تعالى إليه: يا موسى إني خلقت أربعة عشر ألف مدينة من فضة، و ملأتها خردلا و خلقت لها طيرا، و جعلت رزقه كل يوم حبة من ذلك الخردل، فأكل الخردل حتى فني ما في الخزائن و مات الطير بعد استيفاء رزقه، ثم خلقت الدنيا، فقيل لابن عباس: فأين كان عرشه؟ قال: على الماء فقيل: فأين كان الماء؟ قال: على متن الريح. و روي مثل هذا عن طاووس مرفوعا، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: هذا شي‏ء غامض صعب موكول إلى علم اللّه تعالى، إذ ليس يدرى ما الذي كان قبل هذا الخلق؟ أمثل هذا الخلق أم على خلافهم؟ و هل يعيد الدنيا بعد فناء هذه الدنيا أم لا. و الأخبار واردة بأشياء عجيبة، و القدرة صالحة لأضعاف أضعاف ذلك.

و زعم بعض الناس أنه عد قبل آدم هذا الذي ننسب إليه ألف آدم و مائتي آدم، و اللّه أعلم. و كله جائز لكونه تحت الإمكان و دخل في حد الإيجاد، فأما الذي لا يسوغ القول إلا به، و لا يلزم إلا اعتقاده، هو انفراد اللّه سبحانه جل جلاله عن خلقه سابقا من غير شريك و لا جوهر قديم، و إبداعه الأشياء لا من شي‏ء، سبحانه، لا إله إلا هو.

417

ذكر مدة الدنيا و اختلاف الناس فيها:

قال اللّه تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» (557) فزعم قوم أن مدة الدنيا ستة آلاف سنة، مكان كل يوم ألف سنة. روي عن كعب الأحبار رضي اللّه عنه أن اللّه وضع الدنيا على سبعة أيام، مكان كل يوم ألف سنة، و روي أبو المقوم الأنصاري عن ابن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة. و روي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد و أبان و عكرمة، في قوله تعالى: «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (558) قال: هي الدنيا من أولها إلى آخرها. و جاء في خبر آخر أنه مائة ألف سنة و خمسون ألف سنة.

قال البلخى (رحمه اللّه): أخبرني هريد المجوسي و هو أعلم من الموبذان بفارس أن في كتاب لهم أن مدة الدنيا أربعة أرباع، فأولها: ثلاثمائة ألف سنة و ستون ألف سنة، عدد أيام السنة، و قد مضت. و الربع الثاني: ثلاثون ألف سنة، عدد أيام الشهر، و قد مضت أيضا. و الربع الثالث. اثنا عشر ألف سنة، عدد شهور السنة، و قد مضت أيضا. و الربع الرابع سبعة آلاف سنة، عدد أيام الأسبوع، و نحن فيها

قال البلخي (رحمه اللّه): وجدت في كتاب راوية عن وهب، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سئل: منذ كم خلقت الدنيا؟ فقال: أخبرني ربي أنه خلقها منذ سبعمائة ألف سنة إلى اليوم الذي بعثني فيه رسولا إلى الناس. و زعم أيضا أن مما يدل على ذلك ما جاء في الخبر أن إبليس عبد اللّه قبل أن يخلق آدم خمسة

____________

(557) سورة الأعراف: آية 54.

(558) سورة المعارج: آية 4.

418

و ثمانين ألف سنة، و خلق عد ما خلق السموات و الأرض من المدد ما شاء اللّه. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

419

ذكر ما وصف من الخلق قبل آدم (عليه السلام)

روي في الحديث أن كل شي‏ء خلقه اللّه من الخلق كان قبل آدم، و أن آدم وجد بعد إيجاد الخلق، لأنه خلق آدم آخر الأيام التي خلق فيها الخلق. و روى بقية بن الوليد عن محمد بن نافع عن محمد بن عبد اللّه بن عامر المكي أنه قال: خلق اللّه خلقه من أربعة أشياء: الملائكة من نور، و الجان من نار، و البهائم من ماء، و آدم من طين، و ذريته كذلك بالتبعية، فجعل سبحانه الطاعة في الملائكة و البهائم لأنهما من النور و الماء، و جعل المعصية في الجن و الإنس لأنهما من الطين و النار.

و روي عن شهر بن حوشب أنه قيل: خلق اللّه في الأرض خلقا و أسكنهم فيها، ثم قال لهم: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» فما أنتم صانعون؟ قالوا: نعصيه فلا نطيعه، فأرسل اللّه عليهم نارا فأحرقتهم. ثم خلق الجن فأمرهم بعمارة الأرض، فكانوا يعبدون اللّه حق عبادته، حتى طال عليهم الأمد فعصوا و قتلوا نبيا لهم يقال له يوسف و سفكوا الدماء، فبعث اللّه عليهم من الملائكة جندا، و جعل عليهم إبليس رئيسا و كان اسمه عزازيل فأجلوهم من الأرض و ألحقوهم بجزائر البحور. و سكن إبليس و من معه من الملائكة الأرض، فهانت عليهم العبادة و أحبوا المكث فيها.

فقال اللّه عز و جل لهم: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (559) فصعب عليهم العزل و مفارقة المألوف، و قالوا: «أَ تَجْعَلُ فِيها» على طريق الاستفهام من اللّه سبحانه‏ «مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ».

و روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، أن اللّه تعالى لما خلق الجان من نار السموم، جعل منهم المؤمن و الكافر؛ ثم بعث إليهم رسولا من الملائكة و ذلك قوله‏

____________

(559) سورة الحج: آية 77.

420

تعالى: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ» (560) قال: فقاتل الملك المرسل بمؤمني الجن كفارهم فهزموهم و أسروا ابليس، و هو غلام و ضي‏ء اسمه الحارث أبو مرة، فصعدت الملائكة به إلى السماء و نشأ بين الملائكة في الطاعة و العبادة و خلق اللّه خلقا في الأرض فعصوه، فبعث اللّه إليهم إبليس في جند من الملائكة فنفوهم عن الأرض، ثم خلق اللّه آدم فأشقى إبليس و ذريته به.

و زعم بعضهم انه كان قبل آدم في الأرض خلق لهم لحم و دم، و استدلوا بقوله:

«أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ» (561) فلم يقولوا ذلك إلا عن معاينة.

و احتجوا أيضا بقول جويبر: إنهم كانوا خلقا فبعث إليهم نبي اسمه يوسف فقتلوه. و الذين سكنوا الأرض قبل آدم ثلاث أمم: الذين إبليس من نسلهم، و الذين قتلوا نبيهم يوسف، و الذين أجلاهم إبليس من الأرض، مع ما قيل إنه كان قبل آدم ألف آدم و مائتا آدم، و نوح آخر الآدميين. و روي أن آدم لما خلق قالت له الأرض: يا آدم جئتني بعد ما ذهبت جدتي و شبابي و قد خلقت، قال عدي بن زيد مفردا:

قضى لستة أيام خلائقه‏* * * و كان آخر شي‏ء صوّر الرجلا

____________

(560) سورة البقرة: آية 127.

(561) سورة البقرة: آية 30.

421

ذكر عدد العوالم كم هي‏

منقول من المشارع للرقي. في عدد العالمين ثمانية أقول:

الأول: أنهم مائة و ثمانية و عشرون عالما. قال الضحاك: ثمانية و ستون عالما حفاة عراة لا يدرون من خلقهم، و ستون عالما يلبسون الثياب.

الثاني: ألف عالم، عن سعيد بن المسيب قال: للّه تعالى ألف عالم ستمائة منها في البحر، و أربعمائة في البر.

الثالث: ثمانية عشر ألف عالم؛ قال وهب: للّه تعالى ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم واحد، و ما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء، يعني أن المعمور من الأرض بالحيوان هو القليل كالخيمة المضروبة في الفلاة. الرابع: أربعون ألفا، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: إن اللّه أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد.

الخامس: سبعون ألفا، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» قال: الذي فيه الروح، قال: و الجن و الإنس عالم، و الملائكة و الكروبيون عالم، و سبعون ألف عالم سوى ذلك لا يعلمهم إلا اللّه سبحانه و تعالى.

السادس: ثمانون ألفا، قال مقاتل بن حيان: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البر، و أربعون ألف عالم في البحر.

السابع: أن الرؤساء المتبوعين ثمانية عشر ألفا، و الأتباع لا يحصون. و عن أبي بن كعب رضي اللّه عنه قال: العالمون ثمانية عشر ألف ملك، منهم أربعة آلاف و خمسمائة بالمشرق، و أربعة آلاف و خمسمائة ملك بالمغرب، و أربعة آلاف و خمسمائة ملك‏

422

بالكنف الثالث من الدنيا، و أربعة آلاف بالكنف الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لم يعلم عدده إلا اللّه، و من ورائهم أرض بيضاء كالفضة، عرضها مسيرة الشمس أربعين يوما، و لا يعلم طولها إلا اللّه، مملوءة ملائكة يقال لهم الروحانيون، لهم زجل بالتسبيح و التهليل، لو كشف عن صوت أحدهم لهلك أهل الأرض من هول صوته، فهم العالمون منتهاهم العرش.

الثامن: أن عددهم لا يحصى. قال كعب: لا يحصى عدد العالمين إلا اللّه تعالى.

قال اللّه تعالى: «وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ». و قال مقاتل بن سليمان: لو فسرت‏ «الْعالَمِينَ» لاحتجت إلى ألف مجلد، كل مجلد ألف ورقة. و اللّه تعالى أعلم.

423

ذكر التواريخ من لدن آدم (عليه السلام)

روى عبد اللّه بن قتيبة (562) في كتاب المعارف‏ (563) أن آدم عاش ألف سنة، و كان بين موته و الطوفان ألفا سنة و مائتا سنة و اثنتان و أربعون سنة، و بين الطوفان و موت نوح ثلاثمائة و خمسون سنة، و بين نوح و إبراهيم (عليهما السلام) ألفا سنة و أربعون سنة، و بين إبراهيم و موسى تسعمائة سنة، و بين موسى و داود خمسمائة سنة، و بين داود و عيسى ألف سنة و مائتا سنة، و بين عيسى و محمد (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين) ستمائة سنة و عشرون سنة، فيكون من عهد آدم إلى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) سبعة آلاف سنة و ثمانمائة سنة و سنتان، و من مولد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى عامنا هذا: ثمانمائة و ثلاث و ستون سنة، فيكون جملة التاريخ من عهد آدم إلى يومنا هذا و هو عام ثمانمائة و اثنين و عشرين سنة من الهجرة ثمانية آلاف سنة و ستمائة سنة و ثلاثا و ستين سنة.

____________

(562) ابن قتيبة، أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينورى (213- 276 ه). ولد ابن قتيبة في بغداد ثم سكن الكوفة و ولى قضاء الدينور مدة طويلة فنسب إليها، و قضى معظم حياته في بغداد و أخذ من علمائها علوم الحديث و الفقه و اللغة و التفسير و النحو و الأدب و الأخبار و توفي ببغداد 276 ه، و يعتبر ابن قتيبة من أئمة الأدب و من المصنفين المكثرين و من خير النماذج التي التي تمثل ثقافة القرن الثاني الهجري و من مؤلفاته الكثيرة كتاب الشعر و الشعراء.

(563) كتاب المعارف: هذا الكتاب هو دائرة تمتزج فيها مختلف خطوط الكتابة التاريخية؛ إذ نجد فيه فكرة كتابة تاريخ عالمي يبدأ بالخليفة و ينتهي بالمعتصم. و تظهر فيه وجهة أصحاب الأخبار و الأنساب في كتابة التاريخ؛ كما أنه يتناول أيام العرب بإيجاز و يبدو فيه اهتمام الفقيه بطريقة الفتح هل هي صلح أم عنوة؛ و استفاد ابن قتيبة في كتاب المعارف من مصادر مكتوبة و من الروايات و من الروايات الشفوية؛ و لك سبيل انتقاء معلوماته التاريخية بعد نقد مصادرة. و تتميز مادته التاريخية بالحياد و التأكيد على الحقائق.

424

ذكر ما جاء في أشراط الساعة

روي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال: صلى بنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صلاة العصر، ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبر به، حفظه من حفظه و نسيه من نسيه. و الحديث طويل، في آخره: و جعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شي‏ء؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): لم يبق من الدنيا إلا كما بقي من يومكم هذا.

و روي عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إنما مثلي. و مثلكم كقوم خافوا عدوا فبعثوا ربيئة لهم فلما فارقهم إذا هو بنواصي الخيل فخشي أن يسبقه العدو إلى أصحابه، فلمع بثوبه و قال: يا صباحاه.

و إن الساعة كادت أن تسبقني إليكم.

و عن حذيفة بن أسيد رضي اللّه عنه قال: أشرف علينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و نحن نذكر الساعة فقال: أما إنها لا تقوم حتى تكون قبلها عشر آيات. فذكر الدخان و الدجال، و يأجوج و مأجوج، و نزول عيسى، و طلوع الشمس من مغربها، و ثلاث خسوفات: خسف بالمشرق و خسف بالمغرب و خسف بجزيرة العرب.

و آخر ذلك: نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، فيقال: غدت النار فاغدوا، و راحت النار فروحوا، و تغدو و تروح و لها ما سقط.

و روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء: إذا اتخذوا المغانم دولا، و الأمانة مغنما، و الزكاة مغرما، و تعلم العلم لغير الدين، و أطاع الرجل امرأته، و أدنى صديقه، و أقصى أباه و أمه، و ارتفعت الأصوات في المساجد، و كان زعيم القوم أرذلهم، و أكرم الرجل مخافة شره، و ظهرت القيان، و المعازف، و شربت الخمور،

425

و لبس الحرير، و لعن آخر الأمة أولها، فتوقعوا عند ذلك ريحا حمراء، و خسفا و مسخا و قذفا.

و في حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما: أن جبريل (عليه السلام) لما أتى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يسأل عن أمر الدين فقال: متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: ما أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، و أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. و عن عمر رضي اللّه عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إن اللّه رفع إلي الدنيا و أنا أنظر إليها و إلى ما هو كائن فيها إلى يوم القيامة، كما أنظر إلي كفي هذه. و منه خبر الهاشمي و السفياني و القحطاني، و الترك و الحبشة و الدجال، و يأجوج و مأجوج، و خروج الدابة و الدخان، و نفخة الصور و عيسى، و طلوع الشمس من مغربها.

426

ذكر الفتن و الكوائن في آخر الزمان‏

عن أبي إدريس الخولاني عن حذيفة بن اليمان قال: أنا أعلم الناس بكل فتنة كائنة إلى يوم القيامة، و ما بي أن يكون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أسرلي في ذلك شيئا لم يحدث به غيري، و لكنه حدث مجلسا أنا فيه عن الكوائن و الفتن التي يكون منها صغار و كبار، فذهب أولئك الرهط غيري.

و عن عوف بن مالك الأشجعي رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أعدد ستا بين يدي الساعة، أولهن موتي فاستبكيت حتى جعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسكتني، ثم قال: قل إحدى، فقلت: إحدى.

و الثانية فتح بيت المقدس، قل: اثنتان. فقلت. قال: و الثالثة موتان يكون في امتي كعقاص الغنم. قال: ثلاثة فقلت ثلاثة. قال: و الرابعة: فتنة عظيمة تكون في أمتي لا تبقي بيتا في العرب إلا دخلته. قل: أربعة. و الخامسة: هدنة بين العرب و بين بني الأصفر، ثم يسيرون إليكم فيقاتلونكم. قل خمس. و السادسة: يفيض المال فيكم حتى يعطى أحدكم المائة من الدنانير فيسخطها. قل: ست. و عن أبي إدريس عن جده عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أول الناس هلاكا فارس، ثم العرب على أثرهم.

و في رواية معاوية بن صالح عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: النجوم أمان لأهل الماء، فإذا طمست النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، و أنا يعني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمان لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، و أصحابي أمان لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون، و الجبال أمان لأهل الأرض فإذا انشقت الجبال أتى أهلها ما يوعدون.

427

و قد روى عطاء عن ابن عباس و سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنهم، عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلائق، يتسافدون على ظهر الطريق تسافد البهائم.

و في رواية أبي العالية: لا تقوم الساعة حتى يمشي إبليس في الطرق و الأسواق يقول: حدثني فلان عن رسول اللّه بكذا و كذا، افتراء و كذبا.

و قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: «حم عسق» إن الحاء حرب في آخر الزمان، و الميم ملك بني أمية، و العين عباسية، و السين سفيانية، و القاف القيامة. فمن ذلك ما مضى، و منه ما هو منتظر.

428

ذكر خروج الترك‏

روى أبو صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمين الترك. قوم وجوههم كالمجان المطرقة، صغار الأعين خنس الأنوف يلبسون الشعر. و قيل إن هلاك سلطان بني هاشم على أيدي الأتراك الإسلامية؛ و هلاك الأتراك الإسلامية على أيدي كفرة الترك، و قيل: هم أهل الصين يستولون على الأقاليم. و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

429

ذكر الهدة في رمضان و هي من أشراط الساعة

حكى البيروني عن الأوزاعي، عن عبد اللّه بن لبابة، عن فيروز الديلمي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: تكون هدة في رمضان‏ (564) توقظ النائم و تفزع اليقظان. و في رواية الأوزاعي: يكون صوت في نصف شهر رمضان يصعق له سبعون ألفا، و يخرس له سبعون ألفا، و تتفتق له سبعون ألف بكر، قال: ثم يتبعه صوت آخر. فالأول صوت جبريل، و الثاني صوت إبليس، و قيل: الصوت في رمضان، و المعمعة في شوال‏ (565)، و تمييز القبائل في ذي القعدة (566)، و يغار على الحاج في ذي الحجة (567). و المحرم‏ (568) أوله بلاء و آخره فرج؛ قالوا: يا رسول اللّه من يسلم منه؟ قال: من يلزم بيته و يتعوذ بالسجود.

و في رواية قتادة: تكون هدة في رمضان، ثم تظهر عصابة في شوال، ثم تكون معمعة في ذي القعدة، ثم يسلم الحاج في ذي الحجة، ثم تنتهك المحارم في المحرم، ثم‏

____________

(564) سمي رمضان؛ لمصادفته شدة الرمضاء (الحرارة) و الحجارة ترمض فيه من شدة الحر (أنظر:

القزويني، عجائب المخلوقات، ص 72).

(565) سمي شوالا لإشالة الإبل أذنابها عند اللقاح في ذلك الوقت أنظر: القزويني، عجائب المخلوقات، ص 73).

(566) سمي ذا القعدة، لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال، لكونه أول الأشهر الحرم (أنظر: القزويني، عجائب المخلوقات، ص 74).

(567) سمي الحجة، لأنهم يحجون فيه (أنظر: القزويني، عجائب المخلوقات، ص 74).

(568) سمي محرما لحرمة القتال فيه و كانت العرب الجاهلية قد حرمت أربعة شهور (المحرم و رجب و ذي القعدة و ذي الحجة) و ذلك للتفرغ لأعمال الحج و الخلاص من ويلات الحرب (أنظر: القزويني، عجائب المخلوقات، ص 69).

430

يكون صوت في صفر (569)، ثم يتنازع القبائل في شهر ربيع الأول‏ (570)، ثم العجب كل العجب بين جمادي‏ (571) و رجب‏ (572)، ثم فيه مغنية خير من دسكرة مائة ألف.

____________

(569) نسبة الى صفر بيوتهم منهم عند خروجهم لأنهم خرجوا للقتال لانقضاء الأشهر الحرم (أنظر:

القزويني، عجائب المخلوقات، ص 70).

(570) لظهور الزهر و الأنوار و الأمطار و لإرتباع الناس و المقام فيه (أنظر: القزويني، عجائب المخلوقات، ص 70).

(571) لجمود المياه فيه حيث يصادف أيام الشتاء (أنظر: القزويني، عجائب المخلوقات، ص 71).

(572) الرجبة العماد و منه قبل عذق مرجب، و سموه بذلك، لتعظيمهم اياه في الجاهلية، و هو من الأشهر الحرم.

431

ذكر الهاشمي الذي يخرج من خراسان مع الرايات السود:

روي عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: إذا رأيتم الرايات السود من قبل خراسان فاستقبلوها مشيا على أقدامكم لأن فيها خليفة اللّه المهدي. و في هذا أخبار كثيرة، هذا أحسنها و أولاها.

و روي فيه عن عباس بن عبد المطلب أنه قال. إذا أقبلت الرايات السود من المشرق يوطئ أصحابها للمهدي سلطانه.

و قال قوم: قد نجزت هذه بخروج أبي مسلم، و هو أول من عقد الرايات السود و سود ثيابه و خرج من خراسان فوطأ لبني هاشم سلطانهم.

قال آخرون: بل هذه تأتي بعد، و إن أول الكوائن ملك يخرج من الصين من ناحية يقال لها حتن بها طائفة من ولد فاطمة من ظهر الحسين بن علي رضي اللّه عنهم، و يكون على مقدمته رجل كوسج من تميم يقال له شعيب بن صالح، مولده بالطالقان. مع حكايات كثيرة و أخبار عجيبة من القتل و الأسر. و اللّه أعلم.

432

ذكر خروج السفياني‏

روي عن مكحول، عن أبي عبيدة بن الجراح‏ (573) رضي اللّه عنه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: لا يزال هذا الأمر قائما بالقسط حتى يلثمه رجل من بني أمية.

و في رواية أبي قلابة، عن أسماء عن ثوبان، عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه ذكر ولد العباس، فقال: يكون هلاكهم على يد رجل من أهل بيت هذه، و أومأ إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان.

و مما أخبر عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في ذكر الفتن بالشام قال: فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي. ثم ذكر السفياني و أنه من ولد زيد بن معاوية، بوجهه آثار الجدري، و بعينه نقطة من بياض، يخرج من ناحية دمشق و يبعث خيله‏

____________

(573) أبو عبيدة بن الجراح (40 ه 18 ه) هو عامر بن عبد اللّه بن الجراح القرشي الفهري- مشهور بكنيته (أبي عبيدة) و بالنسبة إلى جدة (الجراح). من الصحابة تامقلين في الفتيا، و أحد السابقين إلى الإسلام و العشرة المبشرين، هاجر الهجرتين و شهد بدرا و ما بعدها. آخي رسول اللّه صلي اللّه عليه و سلم بينه و بين سعد بن معاذ- قال أحمد من حديث أنس: إن أهل اليمن لما قدموا على رسول اللّه صلي اللّه علية و سلم قالوا: ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة و الإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: هذا أمين هذه الأمة. و قد دعا أبو بكر يوم توفي رسول اللّه صلي اللّه علية و سلم في سقيفة بني ساعدة إلى البيعة لعمر أو لأبي عبيدة. ولاه عمر الشام و فتح اللّه علية اليرموك و الجابية. توفي في طاعون عمواس بالشام. له في الصحيحين (14) حديثا. ذلك من العلوم. دخل مصر ثم رجع فدخل بغداد و ولي قضاءها، ثم قدم دمشق و ولي بها تدريس دار الحديث بالظاهرية، ثم إلى القاهرة مكارما حتى حضرها و صار بها من أعيان العلماء، و جعله صرعتمش شيخ مدرسته الي بناها. من تصانيفه: «غاية البيان و نادرة الزمان في آخر الأوان» شرح الهداية في عشرين مجلدا، و «التبيين في أصول المذهب» شرح الأخسيكثي- نسبة إلى أخسيكث، بالثاء المثلثة، و عند البعض بالتاء المثناه، مدينة بما وراء النهر- و «شرح البزدوي»

[الفوائد البهية ص 50، و الجواهر المضية 2/ 279، و النجوم الزاهرة 10/ 325، و معجم المؤلفين 4/ 3].

433

و سراياه في البر و البحر فيبقرون بطون الحبالى و ينشرون الناس بالمناشير، و يحرقون و يطبخون الناس في القدور، و يبعث جيشا له إلى المدينة فيقتلون و يأسرون و يحرقون، ثم ينبشون عن قبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قبر فاطمة رضي اللّه عنها؛ ثم يقتلون كل من كان اسمه محمدا و فاطمة، و يصلبونهم على باب المسجد، فعند ذلك يشتد عليهم غضب الجبار فيخسف بهم الأرض، و ذلك قوله تعالى: «وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ» (574) أي من تحت أقدامهم. و في خبر آخر أنهم يخربون المدينة حتى لا يبقى بها رائح و لا سارح.

و روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: لتتركن المدينة كأحسن ما كانت حتى يجي‏ء الكلب فيشغر على سارية المسجد؛ قالوا: فلمن تكون الثمار يومئذ يا رسول اللّه؟ قال: لعوافي السباع و الطير، قال: ثم تسير سرية السفياني تريد مكة حتى تنتهي إلى موضع يقال له بيداء فينادي مناد من السماء: يا بيداء بيدي بهم، فيخسف بهم فلا ينجو منهم إلا رجلان من كلب، تقلب وجوههما في أفقيتهما، يمشيان القهقرى على أعقابهما حتى يأتيا السفياني، فيخبرانه، و يأتي للمهدي و هو بمكة فيخرج معه اثنا عشر ألفا فيهم الأبدال و الأعلام، حتى يأتي المياه فيأسر السفياني و يغير على كلب لأنهم أتباعه و يسبي نساءهم. قالوا: فالخائب يومئذ من غاب عن غنائم كلب. كذا الرواية مع كلام كثير. و اللّه أعلم.

____________

(574) سورة سبأ: أية 51.

434

ذكر خروج المهدي‏

قد روي فيه روايات مختلفة و أخبار عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و عن علي و ابن عباس رضي اللّه عنهم. و أحسن ما جاء في هذا الباب خبر أبي بكر بن عياش عن عاصم بن ذر، عن عبد اللّه بن مسعود (575) رضي اللّه عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: لا تذهب الدنيا حتى يأتي على أمتي رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ليس فيه تواطؤ اسمه اسمي.

و للشيعة فيه أشعار كثيرة و أسطار بعيدة، منها قول عامر بن عامر البصري:

طغى الجور (576) و العدوان فاض، فهل‏* * * بني العزم في فكر

لتحصيل آلة

لنبني قبل الغرق منها سفينة* * * فننجو بها من هلك أمواج فتنة

فكن عالما بالوقف فكرا و فتنة* * * أخيّ، فهذا الوقت وقت لفطنة

إمام الهدى حتى متى أنت غائب‏* * * فمنّ علينا يا إمام بأوبة

مللنا و طال الإنتظار فجد لنا* * * بحقّك يا قطب الوجود بزورة

و قوّم بعدل منك ظهرا قد انحنى‏* * * و عدّل مزاجا، مال، منك بحكمة

____________

(575) عبد اللّه مسعود (- 32 ه) هو عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن من أهل مكة. من أكابر الصحابة فضلا و عقلا. و من السابقين إلى الإسلام. و هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين. شهد بدرا و أحدا و الخندق و المشاهد كلها مع رسول اللّه صلي اللّه علية و سلم و كان أقرب الناس إليه هديا و دلا و سمتا. أخذ من فيه سبعين سورة لا ينازعه فيها أحد. بعثه عمر إلى أهل الكوفة ليعلمهم أمور دينهم. له في الصحيحين 848 حديثا. [الطبقات لابن سعد 3/ 106؛ و الإصابة 2/ 368؛ و الأعلام 4/ 480].

(576) الجور: الظلم.

435

فأنت لهذا الأمر قدما معيّن‏* * * لذلك قال اللّه: أنت خليفتي‏

و من حلية المهدي أنه أسمر اللون كث اللحية أكحل العينين براق الثنايا، في خده خال، يرفع الجور عن الأرض و يفيض العدل على الخلق و يسوي بين الضعيف و القوي في الحق، و يبلغ الإسلام مشارق الأرض و مغاربها و يفتح القسطنطينية، و لا يبقى أحد في الأرض إلا دخل في الإسلام أو أدى الجزية؛ و عند ذلك يتم وعد اللّه ليظهره على الدين كله. و اختلفوا في مدة عمره، فقيل: يعيش سبع سنين؛ و قيل:

تسعا، و قيل: عشرين، و قيل: أربعين، و قيل: سبعين. و اللّه أعلم.

436

ذكر خروج القحطاني‏

روي عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: لا تقوم الساعة حتى تقفل القوافل من رومية، و لا تقوم الساعة حتى يسوق الناس رجل من قحطجان. و اختلفوا فيه من هو؟ فروي عن ابن سيرين‏ (577) أنه قال: القحطاني رجل صالح، و هو الذي يصلي خلفه عيسى، و هو المهدي. و روي عن كعب أنه قال:

يموت المهدي و يبايع الناس بعده القحطاني. و روي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال: رجل يخرج من ولد العباس.

____________

(577) محمد بن سيرين يكنى أبا بكر، و قال ابن عائشة كان سيرين والده من أهل جرجرايا و كان يعمل قدور النحاس فجاء إلى عين التمر يعمل بها فسباه خالد بن الوليد. و كان مولى أنس بن مالك كاتبه أنس و اشتهر ابن سيرين بتفسير الأحلام و كان في تأويله للرؤى يأمر بتقوى اللّه و يبشر الناس أن من رأي ربه في المنام دخل الجنة، إنه التابعي الجليل محمد بن سيرين الذي كان مثالا يحتذي في الورع و الزهد و العبادة، مما جعل الناس في زمانه إذا رأوه كبروا، و يقول أحد معاصريه كان محمد بن سيرين قد أعطى هديا و سمتا و خشوعا فكان الناس إذا رأوه ذكروا اللّه.

437

ذكر فتح القسطنطينية

روي عن السدي في قوله عز و جل: «لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ‏ (578) وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» (579) قال: فتح القسطنطينية و خروج الدجال. و بعض المفسرين ذهب في تفسير «الم غُلِبَتِ الرُّومُ» (580) أنه كائن، و عني به فتح القسطنطينية، و ذكر أنه تباع الفرس بدرهم و يقتسمون الدنانير بالجحف. قالوا: و بين فتح القسطنطينية و خروج الدجال سبع سنين. فبينما هم كذلك إذ جاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفكم في داركم. قال: فيرفضون ما في أيديهم من ذلك و ينفرون إليه، و هي كذابة.

____________

(578) خزى:Abaseness : الذل و الهوان و جمهعا مخاز.

(579) سورة البقرة: آية 114.

(580) سورة الروم: آية 2.

438

ذكر خروج الدجال‏

الأخبار الصحيحة متواترة بخروجه بلا شك و لا ريب، و إنما الأختلاف في صفته و هيئته. قال قوم: هو صائف بن صائد اليهودي، ولد في عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فكان أحيانا يربو في مهده و ينتفخ في بيته حتى يملأ بيته. فأخبر (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك فأتاه في نفر من أصحابه، فلما نظر إليه عرفه فدعا اللّه سبحانه و تعالى، فرفعه إلى جزيرة من جزائر البحر، إلى وقت خروجه.

و روي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أتاه و هو يلعب مع الصبيان فقال ابن صياد: أشهد أني رسول اللّه. فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): اشهد أني رسول اللّه. فقال له ابن صياد أشهد اني رسول اللّه. فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قد خبأت لك خبيئا.

قال: ما هو؟ قال: الدخ، يعني الدخان. فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم):

اخسأ فلن تعدو طورك. قال عمر رضي اللّه عنه: أئذن لي فأضرب عنقه. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن يكنه فلا تسلط عليه، و إن لا يكنه فلا خير لك في قتله.

ثم دعا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فاختطف.

و جاء في الحديث أنه أغم جفال الشعر مكتوب بين عينيه: ك ف ر، يقرؤه كل أحد، كاتب و غير كاتب.

و اختلفوا في موضع مخرجه، فقال قوم: يخرج من المشرق من أرض خراسان، و قالت طائفة: يخرج من يهود أصفهان، و قال قوم: يخرج من أرض الكوفة.

و اختلفوا في أتباعه. قالوا: النساء و الأعراب و المومسات و أولادهن. و أختلفوا في العجائب التي تظهر على يديه، فقال قوم: يسير حيث سار جنة و نار، فجنته نار و ناره‏

439

جنة، و يدعي أنه رب الخلائق فيأمر السماء فتمطر و يأمر الأرض فتنبت، و يبعث الشياطين في صور الموتى، و يقتل رجلا ثم يحييه. فيفتتن الناس و يؤمنون به و يبايعونه. قالوا: و لا يتبعه من الدواب إلا الحمار.

و اختلفوا في هيئة حماره فقالوا: ما بين أذني حماره اثنا عشر شبرا، و قيل: أربعون ذراعا، تظل إحدى أذنيه سبعين رجلا، و خطوته مدى البصر ثلاثة أيام، يبلغ كل منهل إلا أربعة مساجد: مسجد اللّه الحرام، و مسجد الرسول عليه الصلاة و السلام، و مسجد الأقصى، و مسجد الطور. و يمكث أربعين صباحا و يقصد بيت المقدس، و قد اجتمع الناس لقتاله، فتعمهم ضبابة من غمام ثم تنكشف عنهم مع الصبح فيرون عيسى بن مريم (عليه السلام) قد نزل على المنارة البيضاء في جامع بني أمية فيقتل الدجال.

440

ذكر نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام)

المسلمون لا يختلفون في نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام) آخر الزمان. و قد قيل في قوله تعالى: «وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها» (581) إنه نزول عيسى. و جاء في الحديث أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: إن عيسى نازل فيكم و هو خليفتي عليكم، فمن أدركه فليقرئه سلامي، فإنه يقتل الخنزير و يكسر الصليب و يحج في سبعين ألفا، فيهم أصحاب الكهف فإنهم يحجون، و يتزوج امرأة من الأزد، و يذهب البغضاء و الشحناء و التحاسد، و تعود الأرض إلى هيئتها و بركاتها على عهد آدم (عليه السلام) حتى تترك القلاص فلا يسعى إليها أحد، و ترعى الغنم مع الذئب، و تلعب الصبيان مع الحيات فلا تضرهم، و يلقي اللّه العدل في الأرض في زمانه حتى لا تقرض فأرة جرابا، و حتى يدعى الرجل إلى المال فلا يقبله و تشبع الرمانه السكن.

قالوا: و ينزل عيسى (عليه السلام) و في يده مشقص فيقتل به الدجال، و قيل: إذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، و اتبعهم المسلمون يقتلونهم، فيقول الحجر و الشجر: هذا يهودي خلفي إلا الغرقد من شجر اليهود، قالوا: و يمكث عيسى (عليه السلام) أربعين سنة، و يقال: ثلاثا و ثلاثين سنة يصلى خلف المهدي ثم يخرج يأجوج و مأجوج.

بقية من خبر الدجال: عن فاطمة بنت قيس قالت: خرج علينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في نحو الظهيرة، فخطبنا فقال: إني لم أجمعكم لرغبة و لا لرهبة، و لكن لحديث حدثنيه تميم الداري منعني سرور القائلة: حدثني أن نفرا من قومه ركبوا في البحر فأصابتهم ريح عاصف ألجأتهم إلى جزيرة. فإذا هم بدابة، قالوا لها: ما أنت؟

____________

(581) سورة الزخرف: آية 61.

441

قالت أنا الجساسة. قلنا: أخبرينا الخبر. قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير، فإن فيه رجلا هو بالأشواق إليكم. فأتيناه فأخبرناه فقال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قلنا:

تدفق الماء من جانبيها. قال: ما فعل نخل عمان و يبسان. قلنا: يجنيها أهلها. قال: فما فعلت عين زغر؟ قلنا يشرب أهلها منها. قال: فلو يبست هذه نفذت من وثاقي ثم وطئت بقدمي كل منهل إلى مكة و المدينة.

و روي أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) خطب فقال: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال. و قال: إنه لم يكن نبي إلا أنذر قومه فتنة الدجال و وصفه، و إنه قد بين لي ما لم يبين لأحد أنه أعور، وكيت وكيت، فإن خرج و أنا فيكم فأنا حجتكم، و إن لم يخرج إلا بعدي فاللّه خليفتي عليكم، فما اشتبه عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور.

و الدجال تسميه اليهود مواطيح كوائيل؛ و يزعمون أنه من نسل داود؛ و إنه يملك الأرض و يردها إلى بني إسرائيل؛ فيتهود أهل الأرض كلهم.

442

بقية من خبر عيسى (عليه السلام)

قال بعض المفسرين في قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ» (582) إنه عند نزول عيسى؛ و قال عز و جل: «وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» (583) ثم قال: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» (584). ثم اختلف المتأولون له؛ فقال أكثرهم و أحقهم بالتصديق: هو عيسى (عليه السلام) بعينه يرد إلى الدنيا؛ و قالت فرقة: نزول عيسى خروج رجل يشبه عيسى في الفضل و الشرف؛ كما يقال للرجل الخير ملك و للشرير شيطان، تشبيها بهما، و لا يراد الأعيان. و قال قوم: ترد روحه في رجل اسمه عيسى، و الآخران ليسا بشي‏ء. و اللّه أعلم.

____________

(582) سورة النساء: آية 159.

(583) سورة النساء: آية 157.

(584) سورة النساء: آية 158.

443

ذكر طلوع الشمس من مغربها

قال بعض المفسرين في قوله تعالى: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» (585) قيل: هو طلوع الشمس من مغربها. و روينا عن أبي هريرة رضي اللّه عنه: أنه قال: ثلاث إذا خرجت لا ينفع نفسا إيمانها: طلوع الشمس من مغربها؛ و الدابة و الدجال. و قالوا في صفة طلوعها من مغربها: إنه إذا كانت الليلة التي تطلع الشمس في صبيحتها من مغربها حبست فتكون تلك الليلة قدر ثلاث ليال. قالوا: فيقرأ الرجل جزءه ثم ينام، و يستيقظ و النجوم راكدة و الليل كما هو. فيقول بعضهم لبعض: هل رأيتم مثل هذه الليلة قط؟ ثم تطلع من مغربها كأنها علم أسود حتى تتوسط السماء، ثم تعود بعد ذلك فتجري في مجراها الذي كانت تجري فيه. و قد أغلق باب التوبة إلى يوم القيامة.

و روي عن علي أنه قال: تطلع بعد ذلك من مشرقها مائة و عشرين سنة، لكنها سنون قصار، السنة كالشهر و الشهر كالجمعة و الجمعة كاليوم و اليوم كالساعة. و كان كثير من الصحابة يترصدون طلوع الشمس من مغربها، منهم حذيفة بن اليمان و بلال و عائشة، رضي اللّه عنهم.

____________

(585) سورة الأنعام: آية 158.

444

ذكر خروج الدابة

قال اللّه عز و جل: «وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ» (586) قال كثير من أهل العلم بالاخبار: إنها ذات وبر و ريش و زغب، فيها من كل لون و لها أربع قوائم، رأسها رأس ثور و آذانها آذان فيل، و قرونها قرون أيل، و عنقها عنق نعامة و صدرها صدر أسد، و قوائمها قوائم بعير، و معها عصا موسى و خاتم سليمان، و ترفع الأسماء فلا يعرف أحد باسمه و هي تجلو وجه المؤمن بالعصا فيبيض، و تختم على أنف الكافر فيفشو السواد فيه، فيقال: يا مؤمن يا كافر.

و روي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: هي الدابة التي أخبر تميم الداري عنها. و عن الحسن أنه قال: سأل موسى ربه أن يريه الدابة، فخرجت ثلاثة أيام و لم يدر أي طرفيها خرج؟ فقال موسى: يا رب، رد هذا المتاع النفيس إلى مكانه لا حاجة لنا فيه. و يقال إنها تخرج بأجنادين‏ (587) عقيب الحاج، تسير بالنهار و تقف بالليل، يراها كل قائم و قاعد، و إنها لتدخل المسجد و قد عاذ به المنافقون فتقول:

أترون المسجد ينجيكم مني؟ هلا كان هذا بالأمس؟ و اللّه أعلم.

____________

(586) سورة النمل: آية 82.

(587) أجنادين: موضع معروف بالشام من فلسطين من الرملة و به للمسلمين مع الروم يوم مشهور (مراصد الاطلاع، ج 1، ص 33).

445

ذكر الدخان‏

قال اللّه عز و جل: «فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ» (588). و روي عن الحسن رضي اللّه عنه أنه قال: يجي‏ء دخان فيملأ ما بين السماء و الأرض حتى لا يدرى شرق و لا غرب، و يأخذ الكفار فيخرج من مسامعهم و يكون على المؤمن كهيئة الزكمة، ثم يكشفه اللّه عز و جل بعد ثلاثة أيام، و ذلك بين يدي الساعة. و أكثر أهل التأويل على أنه الجوع الذي أصابهم في زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلم).

____________

(588) سورة الدخان: آية 10.

446

ذكر خروج يأجوج و مأجوج‏

قال اللّه عز و جل: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ» (589) يعني السد. و جاء في الأخبار من صفاتهم و عددهم ما اللّه به عليم، و لا يختلفون في أنهم بين مشارق الأرض و شمالها.

و روي عن مكحول أنه قال: المسكون من الأرض مسيرة مائة عام، ثمانون منها ليأجوج و مأجوج، و عشرة للسودان، و عشرة لبقية الأمم. و يأجوج و مأجوج أمتان، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا تشبه أمة أخرى، و عن الزهري‏ (590) أنهما ثلاث أمم:

منسك، و تأويل، و تدريس. فصننف منهم كأمثال الشجر الطوال من الأرز، و صنف منهم عرض أحدهم و طوله بالسواء، و صنف منهم يفترش إحدى أذنيه و يلتحف بالأخرى.

و روي أن طول أحدهم شبر و أكبر. و يكون خروجهم بعد قتل عيسى الدجال.

و إذا جاء الوقت جعل اللّه السد دكا، كما ذكره عز و جل في كتابه، فيخرجون و ينتشرون في الأرض. و روي أنهم يكون أول مقدمتهم بالشام و ساقتهم ببلخ. قال:

و يأتي أو لهم البحيرة فيشربون ماءها، و يأتي أوسطهم فيلحسون ما فيها من النداوة، و يأتي آخرهم فيقولون: لقد كان هنا مرة ماء و يكون مكثهم في الأرض سبع سنين.

ثم يقولون: قد قهرنا أهل الأرض فهلموا نقاتل سكان السماء، فيرمون‏

____________

(589) سورة الكهف: آية 98.

(590) الزهري (58- 124 ه) هو محمد بن مسلم بن عبد اللّه بن شهاب. من بني زهرة، من قريش.

تابعي من كبار الحفاظ و الفقهاء مدني سكن الشام. هو اول من دون الأحاديث النبوية. و دون معها فقه الصحابة. قال أبو داود: جميع حديث الزهري (2200) حديث. أخذ عن بعض الصحابة. و أخذ عنه مالك بن أنس و طبقته. [تهذيب التهذيب 9/ 445- 451؛ و تذكرة الحفاظ 1/ 102؛ و الوفيات 1/ 451؛ و الأعلام للزركلي 7/ 317].

447

بنشابهم‏ (591) نحو السماء فيردها اللّه عليهم ملطخة بدم، فيقولون: قد فرغنا من أهل السماء، فيرسل اللّه عليهم النغف في رقابم فيصبحون موتى. ثم يرسل اللّه عليهم السماء فتجرفهم إلى البحر.

و في رواية كعب أنهم ينقرون السد بمناقيرهم كل يوم، فيعودون من الغد و قد عاد لما كان، حتى إذا بلغ الأجل المعلوم ألقى اللّه على لسان أحدهم: إن شاء اللّه فيخرجون حينئذ. و روي أنهم يلحسون السد. و قيل إن فيهم طائفة، لكل منهم أربعة أعين، عينان في رأسه و عينان في صدره، و منهم من له رجل واحدة يقفز بها قفزا، و منهم من هو ملبس شعرا كالبهائم. و من طوائفهم طائفة لا تأكل إلا لحوم الناس و لا تشرب إلا الدماء، و لا يموت الواحد منهم حتى يرى لصلبه ألف عين تطرف. و في التوراة مكتوب: إن يأجوج و مأجوج يخرجون في أيام المسيح، و يقولون:

إن بني إسرائيل أصحاب أموال و أوان كثيرة، فيقصدون أورشليم و ينتهبون نصفها و يسلم النصف الآخر، و يرسل اللّه عليهم صيحة فيموتون عن آخرهم. و تصيب بنو إسرائيل من أدوات عسكرهم ما يستغنون به سبع سنين عن الحطب. و هذا المقدار من حديثهم في كتاب زكريا (عليه السلام)، قيل: و يمكث الناس بعد هلاك يأجوج و مأجوج عشرين سنة يحجون و يعتمرون. و اللّه أعلم.

____________

(591) النشاب: النبل أو السهام، واحدته نشابة، و يجب أن تكون صحيحة الاعتدال و الاستدارة و الفتل و الثقل و الخفة (مبادئ اللغة، ص 101).

448

ذكر خروج الحبشة

قال أصحاب هذا العلم: و يمكث الناس بعد هلاك يأجوج و مأجوج في الخصب و الدعة ما شاء اللّه تعالى. ثم تخرج الحبشة و عليهم ذو السويقتين، فيخربون مكة و يهدمون الكعبة، ثم لا تعمر أبدا، و هم الذين يستخرجون كنوز فرعون و قارون. قال: فيجتمع المسلمون و يقاتلونهم فيقتلونهم و يسبونهم، حتى يباع الحبشي بعباءة، ثم يبعث اللّه ريحا عقيما فتقبض روح كل مسلم. و اللّه تعالى أعلم.

449

ذكر فقدان مكة المكرمة

روي عن الحسن، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: حجوا قبل أن لا تحجوا فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة، ليرفعن هذا البيت من بين أظهركم حتى لا يدري أحدكم أين كان مكانه بالأمس؟ و قال: كأني أنظر إلى أسود أحمش الساقين قد علاها، ينقضها طوبة طوبة.

450

ذكر خروج الريح التي تقبض أرواح أهل الإيمان‏

روي أن اللّه عز و جل يبعث ريحا يمانية ألين من الحرير و أطيب نفحة من المسك، فلا تدع أحدا في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته. و يبقى الناس بعد مائة عام لا يعرفون دينا و لا ديانة، و هم شرار خلق اللّه، و عليهم تقوم الساعة و هم في أسواقهم يتبايعون. و في رواية عبد اللّه بن بريدة عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: لا تقوم الساعة حتى لا يعبد اللّه في الأرض مائة سنة. و عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: يؤمر صاحب الصور أن ينفخ في صوره، فيسمع رجلا يقول: لا إله إلا اللّه، فيؤخر مائة عام.

451

ذكر ارتفاع القران‏

روي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: القرآن أشد نقصيا على قلوب الرجال من النعم في عقلها قيل: يا أبا عبد الرحمن، كيف؟ و قد أثبتناه في صدورها و مصاحفنا قال: يسرى عليه ليلا فلا يذكر و لا يقرأ.

452

ذكر النار التي تخرج من قعر عدن فتسوق الناس إلي المحشر

روى حذيفة بن أسيد رضي اللّه عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: عشر بين يدي الساعة، هذه إحداهن و في رواية أخرى: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضي‏ء لها أعناق الإبل ببصرى‏ (592). و في رواية أخرى: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من حضر موت، مع اختلاف كثير في الروايات.

____________

(592) بصرى: مدينة من أعمال دمشق، و هي قصبة كورة حوران (ياقوت: معجم البلدان: ج 1، ص 441، لسترنج: بلدان الخلافة الشرقية: ص 72).

453

ذكر نفخات الصور

و هي ثلاث مرات، اثنتان منها في آخر الدنيا، و واحدة في أول الآخرة؛ قال اللّه عز و جل: «ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى‏ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ» (593).

و روي عن الحسن بن شيبان، عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: تهيج الساعة و الرجلان يتبايعان، قد نشرا أثوابهما فلا يطويانها، و الرجل يلوط حوضه فلا يستقي منه، و الرجل قد انصرف بلبن نعجته فلا يطعمه، و الرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يأكلها، ثم تلا: «تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ» (594)، «لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» (595).

____________

(593) سورة يس: آية 49- 50.

(594) سورة يس: آية 49.

(595) سورة الأعراف: آية 187.

454

ذكر النفخة الأولي‏

صاحب الصور هو السيد إسرافيل (عليه السلام)، و هو أقرب الخلق إلى اللّه عز و جل و له جناح بالمشرق و جناح بالمغرب، و العرش على كاهله، و إن قدميه قد مرقتا من الأرض السفلى حتى بعدتا عنها مسيرة مائة عام، على ما رواه وهب. و مثل هذا مما يزيد في يقين العامي و يبلغ في تخويفه و تعظيمه لأمر اللّه تعالى. و قد روي عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: كيف أنتم و صاحب الصور قد التقمه، ينتظر متى يؤمر له فينفخ؟