رحلة فتح الله الصائغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية

- فتح الله الصائغ الحلبي المزيد...
347 /
57

و ظهر الربيع، و أخضر وجه الأرض بالحشيش، و صارت الأخبار عنهم تصلنا، و كل يوم كانوا يقتربون أكثر إلى نواحي بلاد سورية.

ثم في أحد الأيام حضر واحد بدوي إلى القريتين يقال له سلامة النعسان، من قبيلة اسمها العمور، قبيلة صغيرة تحتوي على نحو خمس مئة بيت، شيخها اسمه سلطان البرّاق، متحضرة بالنسبة إلى غيرها، و لها صلات متواصلة مع أهالي حماة و حمص و دمشق، فتبيعهم 2/ 14 غنما و سمنا و جمالا، و لها أيضا شركاء في البلاد. و حين/ تشرق القبائل الكبيرة في الشتاء، فإن عرب العمور لا يبعدون كثيرا و هم لا يتجاوزون حدود الزور و شاطئ الفرات و نواحي تدمر، و يحضرون قبل جميع العرب إلى نواحي البلاد.

فهذا البدوي سلامة الذي ذكرناه كان قتل واحدا من أهالي القريتين من قبل ثماني سنوات، و ظن أن القضية قد نسيها الناس. فدخل القرية و ذهب عند الشيخ ليسلم عليه، على حسب عوائدهم. فسمع به أهالي القتيل و حضروا عند الشيخ و أقاموا الدعوى، فأنكر المتهم إذ ليس هناك من شهود. و طال الجدال و النقاش بينهم، و لكنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه شيئا، و ما كان بإمكانهم أن يكيدوه لخوفهم منه. أو من أذية تصيبهم من العرب. و أخيرا أخذ الشيخ بيده عودة مكنسة و قال: يا سلامة امسك بهذه العودة و احلف لي بحق من خلق هذه العودة أنك لم تقتل القتيل. فأخذ العودة بيده و أطرق ببصره إلى الأرض نحو ربع ساعة، و بعد ذلك رفع رأسه و قال: يا جماعة أنا قتلت ابنكم، و أنا لا أحط في رقبتي قتيلا و يمينا، فانظروا ما هي دية ابنكم حتى أعطيكم حق دمه. و هذه العادة جارية بين العرب و سكان القرى. فتواسطت الناس و تم الاتفاق على ثلاث مئة غرش. فقال سلامة: اصبروا عليّ حتى أذهب و أحضر لكم الدراهم. فقالوا له: قد لا ترجع فمن هو كفيلك. فقال: يكفلني الذي لم أحلف باسمه باطلا يعني اللّه فخلوا سبيله. فقام حالا و ركب و راح و عاد بعد أربعة أيام، و معه خمسة عشر رأس غنم عظام، كل واحد منها يساوي أكثر من عشرين غرشا.

فسلمها إلى أهل القتيل فأبرأوا ذمته و تصالحوا.

فسررنا جدا مما رأينا، و تحقق لنا أن سلامة رجل طيب حسن السيرة، و صرنا معه في صحبة كبيرة و أكلنا خبزا معه. و بعد ذلك قلنا له: يا أخ نحن نريد أن نتوجه إلى تدمر، و الناس هنا خوفتنا من العرب فما هو رأيك؟ فقال: أنا أضمن و أكفل أني آخذكم إلى تدمر 1/ 15 سالمين غانمين، و أكتب سندا/ على نفسي، أمام الشيخ سليم و جميع سكان القريتين، أنه مهما

58

حصل لكم من ضرر فأنا المسؤول عنه. فاستوثقنا من كلامه و أقر بهذا الكلام أمام الشيخ و جمع كبير من الحاضرين، فركن قلبنا من طرفه و كثر أملنا و حالا عزمنا على الرحيل برفقته.

فقال لنا الخوري موسى: يا أولادي، الرأي عندي أن لا تأخذوا معكم كل رزقكم، لكي لا يحصل عليكم طمع. فخذوا بعضه و أبقوا الباقي عندي، فإن بعتوه و احتجتم إلى شي‏ء من البضائع، اكتبوا إلي و اعلموني بالأشياء التي تريدونها، و أنا أرسل بها إليكم. فرأينا أن هذا القول هو عين الصواب، فأخذنا من كل صنف شيئا قليلا و حزمنا الكل و وضعناه في صندوق. و أما نوفل فإنه استأذن بالرجوع إلى بلده حمص، فأعطيناه أجرة وافرة و وهبناه شيئا من المال‏ (27)، ثم استكرينا جمالا من أهالي القريتين، و صباح اليوم الثاني ودعنا الأحباء، و ركبنا على الجمال، و كان ذلك أول مرة نركب على جمل. و أخذنا ما يكفينا من الماء لأن الطريق من القريتين إلى تدمر لا يوجد فيها ماء. فسرنا إلى المساء مدة عشر ساعات، و كان مسيرنا نحو الشرق. فنزلنا في أرض يقال لها الدّوة، و كان بالقرب منها، في وسط السهل، برج عمارة قديمة يسميه العرب و أهالي تلك القرى قصر ابن وردان‏ (28). فهذا اسم كبير القوم الذين كانوا يقيمون في هذا البرج، من طرف حكام الشام الأروام، لكي يتنسموا أخبار العجم خوفا من أن يدخلوا بلادهم و يفسدوها. فلهذا السبب بقي اسمه قصر ابن وردان، و هو من العمارة المتينة جدا، على هيئة ما كان يبنى قبل ظهور البارود. فبتنا تلك الليلة و كان البرد شديدا، و اليوم الثاني قمنا ركبنا على الجمال قاصدين المسير. إلا أن الشيخ إبراهيم كان غشيما و يجهل كيف يكون الركوب على الجمل. فحين علا على ظهره قام الجمل بسرعة، و وقع المسكين على الأرض مغشيا عليه و انخلعت رجله. فنزلت و نزل كل من كان معنا، و رفعناه عن الأرض و ربطنا رجله و أركبناه من جديد، و سرنا على اسم اللّه. فبعد مسيرنا بساعتين فقط، و إذا الغبار يتصاعد من صدر البرية آتيا نحونا. و في قليل من الوقت كلمع البرق اقترب منا ستة رجال على الخيول مسديدين الرماح و قاصدين سلبنا. و ما كان سلامة كسلان 2/ 15 فرمى الفروة/ من على ظهره، و أخذ رمحه بيده و طار مثل لمح البصر نحو القادمين، حتى اقترب منهم و صار أمامهم. فوقفوا عندئذ و أخذوا يتكلمون مع بعضهم بعضا حصة قليلة، ثم شنوا الغارة علينا مرة ثانية، فلحقهم سلامة و قطع عليهم الطريق، و وقعت الحرب بينهم و بين‏

____________

(27) «بخشيش».

(28) هذا من أوهام الصايغ لأن قصر ابن وردان يقع شمالي شرقي حماة، على نحو خمسين كيلومترا من هذا البلد.

أما البرج الذي يصفه هنا فهو قصر الخير الغربي.

59

سلامة، و كان مشهورا بمواقفه، من الفرسان المعدودين بين العربان، فاستقامت الحرب بينهم نصف ساعة، و كانوا من قبيلة يقال لها الحسنة (29)، أميرهم اسمه مهنا الفاضل، و هو أول من صار من أحبائنا بين العرب، و سوف نتكلم عنه و عن قبيلته. و كان هؤلاء الخيالة الستة من الفرسان العظام المجربين لهم خبرة بالحرب و القتال، فلم يستطع سلامة أن يقف أمامهم أكثر من ذلك و أصابته طعنة رمح في فخذه فضعفت قواه. فحينئذ هجموا علينا و ابتدأوا بسلبنا، فصار سلامة يرمي بنفسه على الأرض و يقول لهم: يا جماعة، ما هذه طريقة العربان، هؤلاء إخواني و قد كفلتهم من كل أمر يصيبهم، فكيف تفعلوا هذه الأفعال معهم.

قالوا: كلامك صحيح يا سلامة و لكن أما تعلم أن كبير هذه الديار اليوم هو أميرنا مهنا الفاضل؟ فكيف تحضر نصارى إلى تدمر من غير أذنه؟ فقال الحق معكم و لكن على علمي أن مهنا بعيد عن الديرة، و هؤلاء الناس مستعجلون يريدون بيع بضاعتهم، فأخذتني المرؤة و الغيرة و وضعت أملي بعادات العرب التي لا تتغير، فهم بذمتي و قد ضمنت لهم أمام شيخ سليم الدعاس و رافقتهم. و أنا الآن مرتمي على الأرض و هم بين أياديكم فافعلوا بهم ما ترونه مناسبا. فرجعوا عنا و قالوا بما أنك تكلمت باللسان الطيب فإننا لا نأخذ منهم إلا ما يطيب خاطرهم به. فاضطررنا أن نفك الحمل و نعطيهم مشلحين و فروة و مئة غرش، فرضوا بذلك و خلّو سبيلنا. أما سلامة فإنه من ألم جرحه لم يستطع أن يركب فرسه، فأركبناه على جملي و ركبت على فرسه، و سرنا أربع ساعات إلى أن غابت الشمس، لأننا أضعنا الوقت مع هؤلاء الناس الذين أعاقونا عن السفر مدة ثلاث ساعات بل أكثر. فنزلنا و نمنا تلك الليلة في أرض يقال لها وادي النهر. و بتنا تلك الليلة عطاشي، إذ فرغ الماء من عندنا، و كنا نظن أننا سنبيت 1/ 16 في تدمر، و لكن تأخرنا منعنا عن ذلك،/ و لكننا كنا راضين و شاكرين اللّه الذي خلصنا من أيادي القوم، لأنهم لو سلبوا ثيابنا كنا بلا شك متنا من البرد.

____________

(29) الحسنة أو الأحسنة، قبيلة عنزيّة من ضنا مسلم.

60

[تدمر و ضواحيها]

و في اليوم التالي مشينا مع طلوع الشمس، و قبل وصولنا إلى تدمر بساعة، بلغنا ماء جارية عظيمة يقال لها ماء أبو الفوارس، آتية من المغرب و ذاهبة نحو المشرق صوب تدمر.

و لا يبان من أين أصلها و لا إلى أين منتهاها، إلا من ثلاث أو أربع قوافع‏ (1) في الأرض، تظهر و تختفي، و العمق من القافعة إلى الماء نحو ذراعين، فشربنا من ذلك الماء حتى ارتوينا، و مشينا ساعة من الزمن فأشرفنا على مدينة تدمر العظيمة. و أول ما قابلنا، قبل الدخول بربع ساعة، خانق‏ (2) بين جبلين متقابلين، فنتج عن ذلك ممر متواصل حتى مدخل تدمر. و على الجبل الذي على اليمين، من ناحية القبلة، سور قديم العمارة يمتد على مسافة ثلاث ساعات و ينتهي بالخانق، و من طرف الشمال، في آخر الجبل، قلعة من عمارة الإسلام، قبل ظهور البارود، يقال لها قلعة ابن معن. و المذكور كان من حكام الشام في زمن الخلافة الأموية، فعمّر هذه القلعة كي يمنع الأعاجم‏ (3) عن الدخول من ذلك الخانق إلى بر الشام.

و بعد ذلك وصلنا إلى فسحة عظيمة يقال لها وادي القبور، فيه أكثر من عشرين‏

____________

(1) قوافع مفردها قافعة: لم أجد هذه الكلمة فيما بين يديّ من كتب اللغة. و في لسان العرب: القفعة هو شي‏ء كالقفة يتخذ واسع الأسفل ضيق الأعلى، جمع قفع. و لعل الصائغ يريد أن يقول حفرة ينبع منها الماء.

(2) «بوغاظ».

(3) «الأعجام».

61

قبرا، على الطريقة القديمة مثل الأبراج، و داخلها مخادع، لكل ميت مخدع على قدّه و صورته من حجر فوق مخدعه، و كل قبر من ثلاث إلى أربع طبقات يصعد إليها بسلم حجري، أما السقوف فمن الحجر أيضا. ثم دخلنا المكان الآهل بالسكان، الذي يطلق عليه اليوم اسم القلعة، مع أنه في الواقع هيكل الشمس، و كان في داخله نحو مئتي عائلة.

دخلنا تدمر و كان معنا كتاب توصية من شيخ القريتين إلى شيخ تدمر المدعو رجب العروق. و كان رجلا مسنا (4)، جليلا، و قد فرضت عليه الدولة تقديم نصف تكاليف حملة الحجاج، مثل الشيخ سليم، إلى وزير الشام، كما تقدم الشرح سابقا. فدخلنا و سلمنا عليه فترحّب بنا و أكرمنا غاية الإكرام. و في اليوم الثاني طلبنا من فضله أن يجد لنا مكانا نقعد نبيع رزقنا فيه، فأعطانا بيتا صغيرا بالقرب منه. و أما سلامة، فأبتدأ أهل تدمر تداويه إلى أن صحّ نوعا ما، فوهبنا له مالا (5) وافرا فركب و ذهب عند أهله. و ابتدأنا نحن نداوي قدم الشيخ إبراهيم خلال عدة أيام حتى استراح.

ثم فتحنا رزقنا و ابتدأنا نبيع إلى أهل تدمر، حتى نتم القول بالفعل و نظهر للناس أننا تجار (6). و كنا كل يومين أو ثلاثة نذهب و ندور بين الخرائب، فرأينا الأشياء التي تدهش الأبصار. و لا إفادة من وصف ما شاهدناه لأن هذا المكان مشهور، و كتب عنه كثير من أمثالنا من السواح، و سيكتب عنه بعدنا. و في بعض الأيام خرجنا نتنزه و نمتع أبصارنا، لأننا كنا كل يوم نرى شيئا جديدا من الأمور التي تحير الأفكار، فوجدنا عددا كبيرا من أهالي تدمر مجتمعين حول عامود كبير، أمام باب الهيكل، و هم يريدون أن يشعلوا النيران حوله كي يسقط و يأخذوا ما في داخله من الرصاص لبيعه، و هذا ما كانوا فعلوه سابقا في كثير من العواميد العظام. فحين نظرنا ذلك تألمنا و قلنا: أين عيون الذين نصبوا هذا العامود، و كم أنفقوا من الذهب حتى رفعوا هذا العامود العظيم في هذا المكان. و الآن يريد هؤلاء الجهلاء الغشماء كسره و فناءه لأجل ربح دني. فقال لهم الشيخ إبراهيم: يا جماعة، أنا رجل أصلي من قبرص، و عادتنا لا نحب الخراب، فاحسبوا قيمة الرصاص الذي ستكسبونه من هذا العامود و أنا أسلمها لكم و لا تكسروا و تعطلوا هذه القطعة النادرة الوجود. فقالوا نستخرج منه كمية من الرصاص نبيعها بدمشق بنحو خمسين غرشا. فقال لهم: هذه الخمسون غرشا و اتركوا

____________

(4) «ختيار».

(5) «بخشيش».

(6) «بياعين رزق».

62

العامود. فأخذوا الدراهم و تركوا العامود. و كان طوله اثنين و ستين قدما و ثخنه عشرة أقدام، من حجر الطبخ (؟) الملون: أزرق و أبيض و أحمر. و في ذلك الوقت أخبرونا على مقطع العواميد و أنه بعيد نحو ساعة و نصف عن تدمر لطرف القبلة، فاعتمد رأينا أن نذهب في اليوم الثاني و نرى هذا المكان. و بالغد ذهبنا مع ثلاث أنفس بالأجرة إلى ذلك المحل، و رأينا بطريقنا أشياء كثيرة و أمورا غريبة، لا نرى من حاجة لذكرها لأن الذين سبقونا عرفّوا عن جميع ذلك. ثم وصلنا الموضع المقصود و هي مغاير منقورة بالإزميل، و وجدنا شيئا كثيرا من الرخام الأبيض 1/ 17 و قطعا كبيرة جدا/ مرمية على الأرض من زمن قديم. و وجدنا عامودا من الرخام الأبيض الخالص، الشغل لا يحتاج إلى شي‏ء غير نقله إلى البلد. و كذلك وجدنا عامودا آخر تم نصف عمله و بقي مهملا، فكأن الوقت ضاق على العمال فلم يكملوا صنعه و لم يتمكنوا من نقل العامود الخالص.

و كان رجوعنا من طريق غير الطريق الذي ذهبنا منه، فوجدنا محل عين ماء مطمورة بحجار كبيرة يسميها التدامر (7) عين اورنس. فأخذ الشيخ إبراهيم يفكر، و بعد رجوعنا إلى البيت قال: أتعرف يا ولدي بماذا أفكر؟ قلت بأي شي‏ء تفكر؟ أفيدنا. قال: هذه العين رأيناها مطمورة و يسمونها أورنس بسبب عدم معرفتهم بتصحيح الأسماء القديمة، فهذه عين أورليانوس ملك رومية الذي حضر من رومية طمعا بغنى تدمر، و نكاية بزنوبيا ملكة تدمر يومئذ، و حاصر البلد و أخذها اقتدارا، و دخل البلد و أباد منها خلقا كثيرا. و لا يعرف أحد ماذا جرى بالملكة زنوبيا إلى يومنا هذا (8)، و أظن أن اورليانوس هو الذي أمر بحفر هذه العين ليستقي منها و يسقي عساكره، فوجدت هذا الرأي عين الصواب و قريبا جدا من العقل و لكن غير موجود في التاريخ و لا مذكور في محل، إنما هو ظن لا أكثر.

أما صنائع أهل تدمر فهو نقل الملح و القلو (9)، لأن بالقرب منهم محل يستخرج منه الملح اسمه السّبخة (10). أما القلو فهي حشيشة يحرقونها فتذوب و تصير حجرا، فينقلونها

____________

(7) سكان تدمر.

(8) يعلمنا التاريخ أن الملكة زنوبيا وقعت بين أيدي الرومان و قيدت إلى روما مغلولة بسلاسل من ذهب سنة 272 م.

(9) القلي أو القلى رماد الغض و الرمث يغسل به الثياب (لسان العرب، مادة قلو).

(10) السّبخة: الأرض المالحة.

63

إلى حمص و الشام و يبيعونها لأجل طبخ الصابون. و أيام توجه الحجاج إلى مكة، يذهبون لكي يحملوا ما ذكرت سابقا لوزير دمشق، و ذلك بالإجرة.

ثم و في بعض الأيام أخبرنا بعضهم عن مغارة تبعد عن تدمر ثلاث ساعات، فيها أنواع من المعادن و هي نكتة لمن يراها. فتوجه اهتمامنا لزيارة تلك المغارة، و رجونا من الشيخ رجب العروق أن يرسلنا إلى المغارة مع أناس طيبين معروفين. فقال لنا: يا جماعة ما أكثر غلبتكم، أنتم جماعة بياعين على باب اللّه الكريم، ما لكم و لهذه الأمور الصعبة؟ فقلنا له: إذا كنا بياعين هل تحرم علينا الفرجة؟/ فقال: قوي مناسب، غدا أرسلكم و أرسل معكم ستة رجال بواردية للمحافظة عليكم. لأن العربان كانت ملأت سهل تدمر من مختلف القبائل. فبكرنا في اليوم الثاني، و أخذنا معنا فنود الشمع و كثيرا من خيوط القنب و مسمارا كبيرا، و سوف نشرح لأي شي‏ء تلزم هذه الأشياء في هذه الرحلة الصغيرة.

فمشينا و معنا الرجال المرسلين من قبل الشيخ رجب. و سرنا نحو ساعتين من الزمن لطرف الشمال للشرق. فوصلنا إلى جبل صغير، و في نصف سفح الجبل ثقب كبير مثل باب، فأشعلنا الشموع و دققنا المسمار على باب المغارة، و ربطنا طرف خيط القنب بالمسمار، و دخلنا جميعا لأننا إذا ابقينا أناسا على الباب و أرادوا ضررنا حلّوا الخيط فلا يعود يمكننا الرجوع إلى الباب. فلهذا السبب أدخلنا الجميع معنا. فحين صرنا داخل المغارة، وجدناها واسعة و فيها مخادع و نزلات و طلعات و عوجات و لفتات و مغاير، الشي‏ء الذي يضيع فيه جيش‏ (11). و كان دائما طرف الخيط بيدي، لأني ما كنت أثق بأحد غيري، حفظا على حياتي و حياة المسكين معلمي الشيخ إبراهيم. فوجدنا في تلك المغارة أمورا غريبة. فجميع سقفها نازل من الشبّ العطاري، و قطعه كبيرة مثل القناديل، و أرضها ملآنة من ملح البارود، و أكثر حيطانها من الكبريت الأصفر، و لم تزل ظاهرة الأماكن حيث كانوا يقطعون منها هذه المعادن، و وجدنا في بعض المحلات نوعا من التراب أحمر اللون مثل السّمّاق، طعمه حامض، ناعم جدا. و أخبرنا بعضهم أننا إذا وضعنا منه في محرمة يخرقها و يخرج، فأخذنا منه شيئا قليلا لنجرب ذلك. و علمنا أيضا أن كثيرا من الناس دخلوا هذه المغارة و ضاعوا، منهم واحد دخل وضاع كل الضياع و ظل في المغارة مدة ثلاثة أيام، و أخيرا، بأمر الصدفة، دخل ذئب إلى المغارة لتكون له مأوى و ولج في أعماقها لأنه على معرفة بها، فرأى‏

____________

(11) الصائغ يكتب «أرضي» بدلا من جيش في عدة مواضع من مذكراته؛ و الكلمة من التركية.

64

ذلك الرجل الذئب و صرخ فيه، فخاف الذئب و طلب باب المغارة ليهرب فلحقه الرجل و تمكن بهذه الواسطة من الخروج من المغارة سالما بعد أن يئس من حياته، إذ لا يعرف أولها من آخرها و لم نزل نمشي في داخلها إلى أن انتهت الخيطان التي معنا، فعزمنا عندئذ على الرجوع و خفنا من الضياع، مثل غيرنا، في تلك المغارة الشاسعة، و خرجنا من ذلك المكان 1/ 18 و لكن بتعب عظيم لأن/ الموضع ردي‏ء جدا و داخل المغارة وعر كثيرا فطلعنا إلى خارج الباب و جمعنا الخيطان و جلسنا نأكل ما معنا من الزاد و توجهنا بعد ذلك طالبين تدمر.

وصلنا إلى تدمر و سلمنا على الشيخ و دخلنا إلى غرفتنا، و كان قرب المساء. و حين أتت ساعة النوم خلع الشيخ إبراهيم ثيابه و نزع حزامه، فوجد أن المحرمة التي وضع فيها التراب مخزوقة و التراب منتثر في عبه. فجمعنا التراب و رأينا أن المكان من المحرمة، حيث كان التراب، قد تأكلّ، فأخذنا التراب و وضعناه في قنينة و هي فقدت مع حوائجه في مصر، مع غيرها من الأشياء التي كانت معه. و قبل النوم سجلنا جميع ما رأيناه بالدفتر، من الورقة اليومية، على حسب عادتنا كل ليلة، ثم نمنا.

و في اليوم الثاني أخذنا نتحدث عن المغارة فقال الشيخ إبراهيم: إن أهالي تدمر كانوا يخرجون منها المعادن و لربما أيضا كانوا يخرجون الذهب إذ يوجد فيها الكبريت الذي هو أبو الذهب، إذ حيث يوجد الكبريت الأصفر يوجد أيضا الذهب، و هذا شي‏ء طبيعي و كيمائي. و بالأكيد يجب أن يكون فيها ذلك المعدن‏ (12)، لأن مخادع المغارة غير طبيعية، و لكنها من حفر اليد. و هناك أيضا أشياء كثيرة تحتاج إلى شرح، و لكن بما أنه قد سبق الكلام عنها قبلنا فليس في الإعادة إفادة. و هذه الكلمات التي كتبناها عن تدمر فاعتقادنا أنه لم يعرفها غيرنا من السواح، فلهذا السبب حرّرناها.

و أثناء ذلك الوقت كانت امتلأت نواحي تدمر بالعربان من كل الجهات، و الأمير مهنا الفاضل الذي نحن نرغب في الوصول إليه كان اقترب من أراضي تدمر، و تيسرت أمورنا بعون اللّه و أصبحنا في غاية الحظ. و بعد قليل من الأيام حضر الأمير ناصر المهنا، من أولاد الأمير مهنا الفاضل و كبير أبنائه، و دخل تدمر مع عشرة خيالة فقط و نزل عند الشيخ. فذهبنا

____________

(12) عبارة الصائغ: «و بالأكيد لازم يكون ذلك معدن».

65

و سلمنا عليه، فآنسنا و ترحب بنا. ثم قال له الشيخ رجب: يا ناصر، هؤلاء الناس معهم بضاعة تصلح للعربان، و هم يرغبون في الذهاب عندكم ليكونوا تحت نظركم و حمايتكم خوفا من أن يسطو عليهم بعض أوباش العرب. فقال أهلا و سهلا، يا مرحبا بهم، ليبشروا فما يصيبهم 2/ 18 غير مطر السماء./

66

نمره 3

[مع قبيلة الحسنة]

بعد هذا الترحيب استكثرنا بخير الأمير ناصر و شكرناه على هذا الكلام و قلنا له: بما أننا تعرفنا بجنابك و مرادنا أن تكون لنا سندا فيجب أن نأكل الخبز معك. و حالا دعوناه إلى منزلنا و ذبحنا له رأس غنم و صنعنا غداء مناسبا، و أخرجنا له مما معنا من حلو، مثل الزبيب و التين اليابس و الجوز، فسره ذلك كثيرا، لأنه كان آتيا من البادية (1) و يشتهي أكل الحلو.

و كان معه جميع خيالته و الشيخ رجب و عدد كبير من أهل تدمر و صار الناس في انشراح كبير. و في مجرى الحديث، بعد الغداء، تكلمنا عما وقع لنا أثناء حضورنا من القريتين، و كيف قام بتشليحنا بعض العرب من الحسنة و أخذوا منا بعض الحوائج و الدراهم. فاغتاظ جدا من ذلك و حلف أنه سيقاصصهم و يسترجع منهم الحوائج و الدراهم، فترجيناه عندئذ كل الرجاء أن يصفح عن هذا الأمر و لا يكلم المعتدين بهذه السيرة، لأننا نحن سمحنا لهم.

فقال: على حسب رغبتكم، إذا كنتم سمحتم لهم فإني لا أكلمهم بهذا الأمر إكراما لكم.

و ثاني يوم نوى أن يذهب عند أهله، و كان مراده و مرادنا أن نتوجه معه، إلا أن عربه و أباه كانوا بعيدين عن تدمر نحو ثمانية أيام فقال: من الأنسب أن تنتظروا حتى نقترب أكثر، فأرسل إليكم أناسا و جمالا لإحضاركم عندنا. فترجيناه عندئذ أن يسأل أباه أن يرسل إلينا

____________

(1) «الجول».

67

بكتاب من يده، مع الأشخاص الذين سيحضرون لإيصالنا عنده، حتى نطمئن بالأكثر عن حالنا، فوعدنا و سافر مع خيالته.

ثم ثاني يوم حضر إعرابي من قبيلتهم اسمه باني حسيني. و بعد دخوله تدمر بقليل من الوقت حضر سبعة خيالة، من كبار الفرسان، من قبيلة يقال لها الضّفير، سوف نتكلم عنها.

و كانت العداوة على أشدها بين هاتين القبيلتين. فحين بلغهم أن في تدمر بدويا من الحسنة، من أتباع مهنا الفاضل، عقدوا النية أن يلحقوا به حين يسافر من تدمر و يقتلوه. و وصل خبر ذلك الكمين إلى البدوي‏ (2)، فحالا أحضر فرسه أمام البيت الذي نحن فيه و أخذ من عندنا قطعة من اللباد و بللها بالماء و وضعها على ظهر الفرس مباشرة و وضع العدة عليها و شد 2/ 19 الحزام، فما مضى ساعة من الزمن إلا و ابتدأت الفرس تسهل/ و ظلت إلى الصبح على هذا الحال حتى فرغ ما في جوفها و صارت مثل الشبابة، فرفع عندئذ اللباد عن ظهرها و شد حزامها شدا قويا، و ركب مع طلوع الشمس. و كان الخيالة السبعة ركبوا قبله و كمنوا له على الطريق، على بعد ساعتين من تدمر، و كانوا قادرين على قتله في تدمر، و لكن بهذه الطريقة يقع اللوم على شيخ تدمر من قبل الأمير مهنا. ثم وصل باني إلى موضع الكمين فنفذوا عليه كأنهم اللمع البارق، فجدّ على فرسه و صاح بها: «اليوم يومك يا حمراء»، و طار مثل الطير الذي يشق الهواء بجناحيه، و ظلوا يجرون خلفه مدة أربع ساعات إلى أن وصل إلى بعض منازل العرب، فرجعوا عنه حالا و وصلوا إلى تدمر بعد غياب الشمس. و كنا مع كل أهالي تدمر ننتظر على الباب، لأننا كنا على معرفة بالقضية و نريد أن نعلم بما حصل، فإذا بهم قد عادوا و ليس معهم فرس باني و لا حوائجه. فسألناهم عما وقع فقالوا لا شك أنه راكب على عصفور لأن خيلنا مشهورة بالركض، و نحن نعلم أن فرسه مثل خيلنا بل دونها، غير أننا شاهدنا منها فعلا غريبا بعيدا عن العقل. فضحكت و قلت لهم: أتعرفون ماذا عمل؟ إنه بلّل اللباد بالماء و وضعه على ظهر الفرس كل الليل حتى خفت و أصبحت مثل الشبابة و ما بقي في جوفها شي‏ء، فلهذا السبب ركضت بهذه السرعة، فقالوا: لم نسمع بحياتنا بمثل هذه الشيطنة من أحد.

و بعد خمسة أيام حضر عندنا ثلاثة أنفار، و معهم ثلاثة جمال، من عند الأمير مهنا يطلب ذهابنا عنده، و سلمونا الكتاب الذي كنا رجونا من الأمير ناصر أن يرسل به، و كان‏

____________

(2) «فصاح النظير أجا خبره عن ذلك الرباط».

68

بهذه الألفاظ: «من مهنا الفاضل بن ملحم إلى الشيخ إبراهيم و عبد اللّه الخطيب، بعد السلام عليكم و رحمة اللّه لديكم، حضر ولدنا ناصر من تدمر و أخبرنا عنكم و أنكم تريدون الحضور إلى عندنا، حلّت البركة (3) بمجيئكم، فاحضروا و لا تخافوا، فلا يصيبكم غير مطر السماء، أمان اللّه عليكم و رعايته، و سلموا على أخينا الشيخ رجب العروق». ثم الدعاء و التوقيع: تحيات مهنا الفاضل، مع الختم بالحبر إلى جانب الاسم. فحالا بادرنا و حزمنا حوائجنا و ما بقي معنا من الرزق. و صباح اليوم الثاني و دعنا الشيخ و سائر الأحباب و توجهنا.

و كان مسيرنا ما بين الشرق و الشمال نحو أربع ساعات، ثم وصلنا إلى قرية يقال لها أرك و لها ماء جارية عظيمة و تحتوي على نحو عشرين بيتا، سكانها مثل أهالي تدمر، و هم متوافقون مع التدامرة على حمل الحجاج و نقل الملح، و يمارسون نفس الصناعات. فملأنا الجود ماء من ذلك المكان و سرنا طالبين منازل مهنا الفاضل. و في طريقنا التقينا بعدد من العربان، و لكن لم يعكر أحد منهم لنا خاطرا، إذ كان معنا رجال من أتباع مهنا، إلا أنهم كانوا يلقون علينا الأسئلة، فيرد عليهم رفقاؤنا العرب: إنهم رائحون عند الملحم، و هذا لقب طائفة مهنا الفاضل، فأبوه اسمه الفاضل، و هو مهنا و من بيت الملحم، و العادة عند العرب أن يسموا الإنسان بأسمه و اسم أبيه حتى يعرف من هو و لا يبقى مجهولا. و بعد مسير عشر ساعات من تدمر، وصلنا إلى النزل السعيد، فوجدنا نزلا عظيما للعرب، يجمع نحو ألف و خمس مئة بيت، في مكان يقال له ضبع. فدخلنا بيت مهنا، فترحب بنا و عمل لنا غاية الإكرام و أمر لنا بالقهوة فسقونا القهوة ثلاث مرات متوالية، و هذا من جملة عوايدهم إذا كان الضيف عزيزا عليهم يقدمون له القهوة كثيرا. ثم أحضروا لنا العشاء و كان مطبوخا و حارا جدا، و عادتهم أن يأكلوا بأيديهم من غير معالق، و كنا جائعين فاضطررنا أن نأكل مثلهم بأيدينا، و كان ذلك لأول مرة، فحصل لنا من جراء ذلك أضرار و حروق بأيدينا. فقال لنا المهنا: يا ضيوف، أظن‏ (4) أن أيديكم احترقت من الطعام، بسبب عدم إعتيادكم؟ فقلنا نعم و لكن لماذا لا تستعملون المعالق، فقال واحد منهم نحن جماعة بدو، نمشي على ما كان عليه آباؤنا و أجدادنا، و كل شي‏ء عندنا طبيعي: اليد يدك و الفم فمك، كلاهما عضوان منك، فلأي سبب نحتاج أن نجعل بينهما واسطة غريبة من خشب. فقلنا الحق معك. و التفت إلى الشيخ إبراهيم و قلت له: هذا أول فيلسوف من العرب.

____________

(3) «يا حلة البركة».

(4) «على تخميني».

69

و في اليوم الثاني أمر المهنا أن يذبحوا لنا جملا و ذلك لأجل إكرامنا، لأننا استخبرنا عن ذلك فأخبرونا أن هذه عادة العربان إذا أرادوا أن يكرموا ضيوفهم إذا كانت الضيوف غالية عليهم جدا، فهم يذبحون جملا لأنه أكبر ما عندهم. فأكلنا ذلك اليوم لحم الجمل للمرة الأولى، فوجدنا أن طعمه كلحم الغزال نوعا ما. و النتيجة أنه حصل لنا إكرام زائد لأنه بيت 1/ 20 مشهور بالكبر و القدم و الصيت و الكرم. و مهنا رجل/ طاعن بالسن، عمره نحو ثمانين سنة، حقير من الرجال‏ (5)، ذقنه مثل الكوساة، شديد الطرشة، يجب على من يتكلم معه أن يصرخ بأعلى صوته حتى يسمع، ضعيف الجسم، غشيم على بركة اللّه، ملبوسه زري جدا.

إنما محاسنة كثيرة: نظيف القلب لا يعرف الغش، كريم و من بيت قديم من أكابر العرب.

فهذه المحاسن تغطي على عيوبه، و تجعله مقبولا عند العرب و عند الحكام في البلاد، لأن عليه وظيفة من طرف والي الشام قديمة العهد، و هو يرافق الحجاج إلى مكة من دمشق ذهابا و إيابا. و له من وزير دمشق كل سنة خمسة و عشرون كيسا يقبضها قبل ذهاب الحجاج يسمونها الصّرّ (6). له ثلاثة أولاد أكبرهم ناصر و هو الذي تقدم ذكره، و ثانيهم فارس و ثالثهم حمد، جميعهم فرسان يركبون الخيل و متزوجون و كلهم في بيت واحد. فالبيت طوله ثلاثون ذراعا، من الشعر الأسود، مقسوم إلى ثلاثة أقسام بقواطع من جنسه أي من الشعر. القاطع الأقصى للطبخ و المؤنة و العبيد و الخدام، و الثاني للحريم و النوم، و الثالث من الطرف الآخر ديوان مجلس الرجال يسمونه ربعة. هذا الذي عرفناه ثاني يوم من وصولنا عنده.

و في اليوم الثالث فتحنا بضائعنا و ابتدأنا نبيع للعربان. فازدحمت علينا النساء للشراء لأنهن رأين أن بضاعتنا جيدة و رخيصة، فكنت أقول للشيخ إبراهيم: يا سيدي، هذا السعر لا يلائم، نحن نخصر عليهن، فقال: فكأني بك نسيت الشرط الذي بيننا: لا تعارض و لا تسأل عما أفعل. فسكت و قلت بنفسي الحق عليه.

هذا و بعد يومين رأينا أن بعض عربان هذه القبيلة أخذوا يتواردون و يجتمعون خارج البيوت بالسهل، إلى أن صاروا نحو خمسين نفرا بخيولهم و رماحهم. و خرج ناصر المهنا من البيت هو و ابن عم له يقال له الشيخ زامل، و ذهبا حيث اجتمعت الناس، و بقيا هناك نحو ساعتين ثم رجعا. أما الخيالة فكل واحد منهم ركب و ذهب إلى بيته. فصرنا نحن نتشوق‏

____________

(5) كذا، و الصائغ يريد أن يقول: لا يؤخذ بعين الاعتبار.

(6) الصّرّ: راتب تقدمه الدولة لبعض كبار المشايخ للمحافظة على الحجاج، و لعل هذه الكلمة محرفة عن الصّرّة أي كيس الدراهم.

70

لنعرف شيئا عن هذا الاجتماع و عن السبب الذي دعا إليه. فأخذت معي قليلا من المرجان الأحمر و دخلت عند الحرم، إذ كان سبق لنا أن دخلنا على الحريم و شاهدنا منهن كل إكرام.

فأهديت ذلك المرجان إلى حرمة الشيخ ناصر يقال لها نورة، فأخذته بكل قبول و وضعت لي تمرا لكي آكل و جلست إلى جانبي تتحدث معي، فقلت لها: يا سيدتي، الغريب يسأل 2/ 20 دائما عما لا يعنيه‏ (7)، فلأي سبب صار هذا الجمع/ اليوم مع العريان؟ قالت: أخبرك و لكن لا تعلم بذلك أحدا، فاعلم أن زوجي ناصرا له عداوات كبيرة مع العربان، و دائما عليه ديات تنمي و تكثر، و ذلك بغير رضى أبيه و بغير رضى شيوخ القبيلة، لأن مراده أن يتقدم على أبناء جنسه بوساطة الحكام العثمانين، و لهذا السبب قد كثرت العداوة بينه و بين القبائل و ابتدأت الغارات فيما بينهم، و اليوم اجتمع هذا الجمع و تم الاتفاق بينهم على أن يقوموا غدا بغارة على قبيلة يقال لها الضّفير و يكسبوا جمالها، و ذلك للنكاية و الأذى و تنغيص عيشهم، لأن الغزو شي‏ء يقهر العربان جدا و مثله الظفر بهم، إنما يعطي اللّه النصر لمن يشاء. فقمت و أنا مسرور منها إذ بلغت مرادي، و كلمت الشيخ إبراهيم بجلية الخبر، فبان عليه القلق و قال: يا ولدي، هذا الخبر سيئ لا يوافق مصالحي، لأني أرغب في معرفة و صحبة أناس ليس لهم معاشرة و لا مودة مع العثماني، و ها نحن قد وقعنا على إنسان ضد مطلوبنا، لأن مهنا رجل طاعن بالسن، و الكلام إلى ولده ناصر، و المذكور مراده السيطرة بوساطة العثماني، و هذا ضد مصالحي. فلم أرد أن أسأله عن سبب ذلك، إنما هذا الكلام شغل فكري كثيرا.

و من غياب الشمس ابتدأت العربان تتوارد و تجتمع خارج البيوت، إلى أن صاروا نحو ثلاث مئة خيال. و ثاني يوم من قبل شروق الشمس ركب ناصر و ابن عمه زامل و أخوه الصغير حمد و ساروا جميعهم بكامل الخيل إلى ناحية الشرق، و بعد ثلاثة أيام عادوا بكاملهم و خرجت العربان للقائهم بكل فرح و لعبوا على ظهور الخيل، و احضروا معهم مئة و ثمانية جمال من أموال الضفير. و بعد أن ارتاحوا أخبروا عن غارتهم و عما جرى لهم مع القبيلة المذكورة، و هو أنه بعد توجههم، وصلوا ثاني يوم، وقت الظهر، إلى المكان الذي كانت ترعى فيه جمال الضفير، بعيدا عن البيوت ساعتين، و ليس مع الجمال إلا الرعيان فقط، فأغارت الخيل على الجمال لكي تأخذها و هرب الرعيان سريعا نحو البيوت و أخبروا عربهم، فركبوا حالا و طلبوا ناصر المهنا و ربعه. و أما ناصر فإنه أرسل حالا الكسب، أعني الجمال التي أخذها، مع قليل من‏

____________

(7) يقول الصائغ: «يا ستي، الغريب بيصير كثير الغلبة».

71

1/ 21 الخيل، على طريق غير الطريق المعروف، حتى يوصلها إلى قبيلته، و إذ/ وصلت خيل الضفير إليهم و وقعت الحرب بينهم، فما قتل غير واحد من الضفير و جرح اثنان من الحسنة، أعني من قبيلة ناصر، فدخل الليل و رجع كل واحد إلى حال سبيله. و في ضحى اليوم الثاني حضر ناصر و كامل الخيل، و معه الكسب الذي أخذوه من الضفير.

و في ذلك اليوم أتى ناصر عندنا و هو فرحان بانتصاره، ضحوك الوجه، و جلس عندنا في المكان الذي نبيع فيه، و ابتدأ يتكلم مع الشيخ إبراهيم بالتركي. فقال له الشيخ إبراهيم: يا شيخ ناصر، أنا لا أعرف التركي، و لكن أعرف فقط الرومي [اليوناني‏]، لأني قبرصي، و قليلا من العربي، علمني عبد اللّه الخطيب. فقال ناصر، يا إبراهيم، العز بالترك و الجاه بالعثماني، و أنا أتكلم بالتركي، و لي مخالطة مع الحكام في جميع أنحاء البلاد، و إن شاء اللّه إني بوساطتهم أقهر العربان و أسود عليهم. فقال له الشيخ إبراهيم، يا ناصر، اعلم أن الشجر تقطع بفرع منها، و العثماني ليس عندك في كل وقت، و العربان أبناء جنسك أخير لك، لا سيما و أن العثماني صاحب ملاعيب و لا يحب إلا أهل جنسه، فيريك المحبة حتى يحصل بوساطتك على مآربه، و يجعل العرب ضعفاء تحت حكمه، و إن استطاع أبادهم جميعا. ثم قال له: خذ حذرك و اعمل على خلاصك، و لكن سوف تندم على رأيك.

هذا، و في تلك الأثناء وصله مكتوب‏ (8) من والي الشام سليمان باشا والي عكا مضمونه أن يحضر إلى دمشق لتنصيبه على الديرة و يطرد العربان الذين لا يدخلون تحت طاعته و يكون أمير ديرة الشام و كل القبائل تحت يده. ففرح بذلك فرحا شديدا و حالا توجه إلى دمشق مع عشرة خيالة.

و أما نحن فبقينا مع مهنا. و في مساء اليوم الثاني أمر العربان بالرحيل صباحا. و لما كان الغد، قبل طلوع الشمس، ارتمت كافة البيوت و حمّلت حالا، و ركبت الرجال على خيولها و أناس على الجمال، و النساء الوجيهات في الهوادج المجوّخة (9)، و سارت الجمال غير المحملة أماما مع الرعيان و بعدها الظعون‏ (10) أعني [الجمال التي تحمل‏] البيوت و الألبسة، و أمام‏

____________

(8) في المخطوطة: «بولردي»، كلمة تركية تعني رسالة رسمية من ممثل السلطات العثمانية يصدر فيها أوامره و يعلن عن إرادته.

(9) أي المفروشة بالجوخ.

(10) في الأصل: الضعون.

72

الجميع الخيل يتقدمها نحو عشرين خيالا مجربين بالحرب و القتال يسمونهم السلف، و عليهم 2/ 21 أن يراقبوا السير ليروا من يأتي من بعيد و من يكون في الطريق. و هذا أول رحيل رأيناه/ و هذا شي‏ء رائع حقيقة و لا سيما رؤية نساء أعيان القبيلة في الهوادج. فالهودج مثل السرير يوضع على ظهر الجمل، و له مثل السرج، و هو مركز على قوائم من خشب علوها نحو ذراعين مشدود بعضها ببعض. و هو واسع، تقعد فيه المرأة و تضع أولادها معها، و داخله مغطى بالجوخ الوردي و الأصفر، و على دائره شرّابات ملونة من الصوف. و النتيجة شي‏ء ظريف و لائق بهن. أما نساء الفقراء فإن كل واحدة منهن تعمل لها على ظهر الجمل مثل بركة مدورة من البسط و الثياب، و تقعد هي و أولادها في وسط هذا المحل الذي يسمونه حصارا أي أنه يحصر الأولاد و يمنعهم عن الوقوع. و نساؤهم على الإطلاق يلبسن فقط الثوب الأزرق مثل القميص، و فوقه عباءة سوداء حساوية، و على رؤوسهن شملات سوداء طولها ثلاثة أذرع، طرفها على الرأس و باقيها ملفوف على الرقبة، و أما الطرف الثاني فمرمي وراء الظهر، و في أيديهن أساور من الزجاج، و مرجان مضموم دورين أو ثلاثة، و حبوب كهربا، و هن حفايا لا شي‏ء بأرجلهن كليا.

و كان الأمير مهنا راكبا على جمل، لأنه أريح له نظرا إلى شيخوخته، و الناس يمشون حوله، فشبهناه بأبينا إبراهيم الخليل أيام حياته، لأنه كان على هذه الصفة كما هو معلوم.

ثم وصلنا قبل العصر إلى المحل الذي كنا نقصده، و هو مكان يقال له المحرّم، بالقرب من حماة، لأن سيرنا كان إلى جهة الغرب. و لما قربنا تسابقت الخيل و كل واحد نصب رمحه في مكان، و ربط فرسه بالرمح، و المعنى أنه يريد أن يكون بيته في ذلك المحل. فوصلت الظعون، أعني النساء و البيوت، و كل امرأة عرفت فرس زوجها و رمحه، فنصبت البيت إلى جانب الرمح. و في قليل من الوقت، بعد أن كان ذلك المكان خاليا من كل شي‏ء، صار فيه بلد و أناس و جمال و خيل و بيوت بمقدار أهالي حماة، و ماء ذلك المحل جمع من المطر، و كل تلك الأرض غدران مجموع بها الماء. و بالقرب منها أرض عالية أكثرها من الصخر و هي منقورة باليد و مملؤة من ماء الشتاء.

و بعد إقامتنا بثلاثة أيام و إذا الرعيان راكضة و هي تصيح: يا أهل الخيل الحقوا.

1/ 22 فضجت العربان و قامت الصيحة من كل جهة، و إذ وصلت الرعيان/ و أخبرت أنه حضر غزو عظيم و جموع كثيرة بقوة هائلة من عرب الضفير و أخذوا كل النوق و الجمال. فركبت الخيل‏

73

و كانوا نحو ألف خيال و طلبوا العدو، و كان الوقت قريبا من العصر، و هكذا كان تدبير العربان يجعلوا غاراتهم قرب المساء، حتى إذا طلبهم العدو يدخل الليل و يرجع الطالب عنهم، و هم يعودون سالمين بالكسب، و ما رجع عرب الحسنة إلا بعد يومين و أخبرونا أنهم ظلوا يركضون وراءهم و هم أمامهم إلى أن أتى الصباح، ثم التقى الطرفان و وقع الحرب و القتال بينهما نحو أربع ساعات، فقتل من الضفير ستة أنفار و من الحسنة عشرة و استرجعوا من الكسب نحو النصف أي خمس مئة حيوان و النصف الثاني راح مع الضفير. فحزنت العربان على الذين قتلوا و على النوق و الجمال التي خصروها، و صاروا يدعون على ناصر حيث أنه ابتدأ بالشر مع الضفير و غزاهم أولا. و حالا كتب مهنا إلى ابنه ناصر بدمشق و عرفه بجميع ما جرى مع عرب الضفير و أرسل الكتاب مع هجان خاص.

و بعد بضعة أيام حضر ناصر من دمشق، و معه جوخدار كبير من طرف الوزير و هو يحمل كتابا (11) مشددا مضمونه اشعار لكامل العشائر و القبائل يحيطهم علما بما يلي: «إننا قد وجهنا ولدنا الأمير ناصر المهنا على كامل أيالتنا (12) و مأواه‏ (13) و منازل العربان. المراد من الآن و صاعدا أن تكونوا في قدم الإطاعة في كل ما يأمر به، و من لا يطيع و يهتدي لا أمان له و لا رأي، فيقتضي عندئذ أن نرسل حالا عساكرنا المنصورة فتنهب أرزاقكم و تحرق بيوتكم، و نسلّم حريمكم إلى العساكر و نجعلكم عبرة لمن اعتبر. ها نحن قد أنذرناكم فاحذروا من الحركات المخالفة و اعتبروا ذلك».

و هذا كان بتدبير ناصر المهنا، و كان أكثر خوفه من قبيلته، بسبب الرجال العشرة الذين قتلوا. و بذلك الوقت كانت الأراضي امتلأت من العربان، فصار ناصر يعلمهم بوصول هذا الكتاب، و كل من حضر يقرأه له، و يتكلم مع الجوخدار بالتركي، مع أن كل ذلك ما كان عند العربان بثقل حبة خردل.

2/ 22 و في أثناء ذلك حضر/ في بعض الأيام شيخ قبيلة الرّفاشة، المسمى ذرّاك بن معجل، شاب نشيط، فتلا عليه الكتاب و جعل يقول له: هؤلاء حكام و لهم ملك كبير في اسلامبول، و سيف السلطان طويل، و يجب الإطاعة لهم و الخضوع، و لا تكن أنت غير طائع‏

____________

(11) في الأصل: بولردي أي مرسوم.

(12) «إيلتنا» أي ولايتنا.

(13) كذا و لعله يريد المكان الذي يأوي إليه.

74

فتندم. فتغير لون ذرّاك من هذا الكلام و نهض قائما و قال: يا ناصر آغا، اعلم أن العربان جميعهم ضدك بسبب موقفك هذا، فإن كان مرادك أن تكون كبيرا عند العثماني فانزل للشام و البس قابوقا في رأسك و اجلس بالسرايا عند الوزير، و كن كيخيا (14) و احكم على أهالي الشام، فيأخذون لك هيبة. و أما نحن العربان، فأنت و وزيرك و سلطان اسلامبول فلستم عندنا بثقل بعرة الجمل، و إن كنت تقول لا تقعد في ديرتي الشامية، فهذا كلام قوي مناسب، و أنا أصغر و أضعف كافة قبائل عنزة (15) (و هذا الاسم عام يطلق على جميع عرب البادية) (16). و لكن الآن، حال وصولي إلى قبيلتي، سأرحل بكامل عربي إلى ديرة بغداد، عند الدّريعي بن شعلان، كسّار جموع العثماني. فتغيرت ألوان ناصر من هذا الكلام، و التفت إلى الجوخدار و أخذ يفهمه بالتركي، فابتدأ الجوخدار يتكلم بالتركي مظهرا نفسا كبيرة، ليومه على الناس، على حسب طرائق العثماني المشهورة. فقال له ذرّاك: لا تكن فضوليا (17)، فو اللّه العظيم و لو كنت في حماية الناصر مهنا و أنت جوخدار الوزير، فإن أردت لا أدعك تأكل خبزا بقية عمرك. و دخل الحمق بينهما. ثم ركب ذرّاك فرسه و أخذ رمحه بيده و قال لا عليكم سلام، و اعمل يا ناصر ما تصل إليه يدك و لا تتوان. و سار إلى عربه الذين كانوا يبعدون ست ساعات عن منزلتنا. فاغتاظ ناصر من هذا الكلام و تمسك بغيه الخايب.

أما أبوه مهنا فإنه تكدر جدا لما سمع الدعوى و قال لابنه: يا ناصر إنك تريد أن تكسر عمدان بيت الملحم؟ فالعمدان هي من الخشب، فهم يضعونها في وسط البيت لأجل ارتفاعه، و أكبر بيت يكون على أربعة عمدان. و إن كان البيت على عامدون ينقسم مناقصة، و إن كان على ثلاثة فينقسم مثالثة، و إن كان على أربعة ينقسم مرابعة. و وقع الخلاف بين ناصر 1/ 23 و أبيه مهنا،/ و حصل بينهما غليظ الكلام، و كثير من العربان وضعوا الحق بيد مهنا، و خافوا على أرواحهم و سحتهم أي رزقهم من غارات العربان عليهم، بسبب أفعال ناصر الرديئة.

ثم ثاني يوم حضر بدوي و أخبر أن ذرّاك وصل بكامل عربه و توجه ناحية الشرق طالبا الجزيرة (أعني بين النهرين أي الفرات و الدجلة)، و أن جميع العربان قد رجت قلوبها من ناصر

____________

(14) «كاخيا» أو كدخدا أي الموظف الكبير أو المشير الأول.

(15) «عنازة»، يريد عنزة و هم من عرب الشمال، أما شمّر فهم من عرب الجنوب.

(16) «الجول».

(17) «غلابه».

75

و مرادهم تنكيس بيت ملحم نكاية بناصر. فبلغ الخبر العجوز (18) مهنا فانحصر جدا و أمسك بذقنه و قال: يا ناصر، أتريد أن تهان هذه الشيبة عند آخرتها؟ غدا يذهب العربان جميعهم و يلتحمون‏ (19) مع الدريعي بن شعلان، و يحضرونه إلى هذه الديرة و يملكونه إياها، غصبا عنا و عن العثماني، فإذا حصل ذلك فأين يكون لنا مأوى، فنضطر أن نهجّ (أي ننهزم) إلى عند ابن مسعود (أعني الوهّابي)، حتى يحمينا من شر الدريعي و فعله المشهور. أما تذكر اللّه يا شين (أعني يا ردي).

فبعد ذلك جلست أنا و الشيخ إبراهيم و أفهمته كامل ما حصل. فسكت حصة و قال: يا ولدي، اعلم أن هؤلاء الناس غير نافعين لصالحي لأن الوئام لا يوجد بينهم و بين العشائر، و مرادي أن أتقدم إلى ناحية بغداد، إلا أن هؤلاء الأقوام، بسبب العداوة و عدم المحبة بينهم و بين العربان، لا يستطيعون التقدم إلى المشرق، بل إن من صالحهم أن يبقوا دائما في نواحي البلاد تحت نظر العثماني. و لذا علينا أن نقضي هذا الصيف معهم، و متى حان الربيع ندبر أحوالنا. ثم قال لي: أريد منك أن تستخبر، بكل لباقة، من أحد العربان، عن الدريعي و من يكون من الناس و ما هي أحواله و ما هي أطباعه، و إذا كانت إقامته دائما في نواحي ديرة بغداد أم أنه يتقدم أكثر فأكثر إلى نواحي المشرق‏ (20)، حيث لي بذلك مصلحة كبيرة. فابتدأت أبحث عن من يخبرني بمطلوبي و لا يكون من عرب مهنا، فوجدت واحدا من 2/ 23 البدو يسمى عبد اللّه الشاعر، من دير الشّعّار/ قرية على حافة نهر الفرات، و استخبرت منه عن الدريعي. و بما أنه شاعر فهو يعرف جميع العربان و أحوالهم، فأخبرني عن الدريعي و أحواله 1/ 45 و مزاياه بالتفصيل، و صرنا نتسامر بخصوص الحال الواقع من ناصر (21)،/ فقلت له: يا عبد اللّه (هذا اسمه)، إن الناس تلهج بذكر الدّريعي كثيرا، فمن هو هذا الرجل من الناس.

قال: يا سيدي إن الدريعي رجل عظيم بين أبناء عصره، شجاع، عظيم بالحرب شديد بالقتال، جرّبته المعارك، فارس لا يوصف، له معارك شتى انتصر بها جميعا مع العرب على الحضر، حتى أنه لا يحسب حساب الوهابي نفسه. و من جملة أفعاله أنه كسر أرضي‏ (22) وزير

____________

(18) في الأصل: «الاختيار»، و يريد الصائغ أن يقول: الختيار أي الرجل المسن.

(19) أي يصبحون لحمة واحدة.

(20) أي إلى جهات الإيران و حدود الهند.

(21) تتمة الكلام صفحة 1/ 45 و 2/ 45 و 1/ 46 من المخطوطة.

(22) جيش.

76

بغداد الذي هو بقدر سلطان اسلامبول. قلت و كيف [كان‏] ذلك؟ قال: اعلم يا سيدي أن الدريعي نهب ذات يوم قفل بغداد، و كان آتيا من دمشق. فاغتاظ الوزير من ذلك و لكنه لم ير على نفسه حتى يتم خيانة العثماني. فأرسل مكتوب أمان و راية مصحوبة بأقسام عظيمة إلى الدريعي أن يقوم و ينزل إلى بغداد لأجل غرض ضروري و فيه خير له. فمن طبع العربان عدم الخيانة و قلبهم سليم، فصدق [كلام الوزير] و نزل إلى بغداد بعشرة خيال فقط. فحين دخل على الوزير أمر بحبسه و تقييده بالجنزير هو و الرجال الذين معه. و ثاني يوم طلب منه ألفي جمل و خمسة آلاف رأس غنم و خمسين فرسا كحيلة و عشرين هجينا أو يقتله. فقال له الدريعي:

على الرأس و العين‏ (23) أدفع جميع المطلوب، و لكن إذا أمرت، فإن ابني يكون رهنا مكاني، و أنا أخرج لأدبر المطلوب. فقبل الوزير ذلك و حالا أرسل الدريعي و أحضر ابنه سحن‏ (24)، و طلع هو من السجن. و في مدة خمسة أيام ورد جميع ما ذكرناه زائدا غير ناقص. فأطلق الوزير سحنا. فعندما رأى الدريعي ابنه عنده نهب أول قفل اتى من حلب إلى بغداد، و ابتدأ 2/ 45 يضرب و ينهب ضيع و قرى بغداد،/ و زاد على ذلك حتى قطع السابلة على بغداد فتضايق الوزير من ذلك و ابتدأ يعد مهمات توجيه الأرضي‏ (25) حتى يضرب الدريعي. فجمع العساكر و الخيم و المدافع و كامل المهمات الواجبة، و خرج من بغداد بأرضي [يضم‏] ثلاثين ألف مقاتل، بكل نظام و تدبير، و طقومه‏ (26) مثل أرضي همايون‏ (27). فحين بلغ ذلك إلى الدريعي تأخر عن بغداد نحو يومين و جمع عربانه و غير عشائر يقود عليهم‏ (28) فوصل الأرضي و نصب [خيامه‏] أمام أرضي الدريعي. و ثاني يوم جرت حرب عظيمة و قتل جملة فرسان من الفريقين، و ثاني يوم كذلك و ثالث يوم أيضا، فلم يكسب أحد بل كانا متساويين بالقوة. و رابع يوم انسحب الدريعي ليلا مع كامل العربان و البيوت إلى قرب بغداد ليقطع الجلب عن الأرضي، فظن الوزير أن الدريعي ولّى هاربا فسرّ و قال لقد ذهب و كفانا خيره و شره، لأن الوزير كان خائفا من الكسرة. و أما الدريعي فإنه ركب تلك الليلة ذاتها، و استصحب معه خمسة آلاف خيال من المجرمين بالحرب و القتال، و مشى بهم ليلا و صبّح أرضي الوزير، قبل بزوغ الفجر، فقسم خيله‏

____________

(23) «قوي مناسب».

(24) كذا، و لعله يريد صحن لأن من عادة الصائغ أن يبدل الصاد بالسين.

(25) الجيش.

(26) ألبسته النظامية.

(27) أي جيش السلطان.

(28) كذا و لعل الصائغ يريد أن الدريعي كان يقودهم.

77

خمسة طوابير، و دار بهم على أطراف الأرضي، و عمل إشارة، و هجم و هجمت الطوابير الخمسة بلحظة واحدة كأنهم الأسد الخاطف و دخلوا أرضي بغداد و ابتدأ ضرب السيف و القتل. و كان عساكر العثماني أكثرهم نائمين و معلقين أسلحتهم، فقاموا من نومهم مثل المجانين، و صاروا يقتلون بعضهم بعضا، فانكسر الأرضي و صاح فيه غراب البين، فنظر الوزير إلى ذلك و اضطرب‏ (29) و خاف جدا، فما وعى الناس إلا و قد ركب بطاق المسد، من 1/ 46 غير بابوج، و انهزم و دخل بغداد،/ و كذلك العساكر، منهم من قتل و منهم من رمى روحه بالدجلة. و غنمت العربان جميع ما حوي الأرضي، من خيل و سلاح وعدة خيل و قومانية (30) و ذخائر و دراهم و ملبوس و خيم و مدافع، و جميع ما كان بالأرضي من كلي و جزئي، شي‏ء كبير القيمة. و قتل من العسكر عدد وافر. و دخل الوزير بغداد و لحقه من استطاع، و أغلق الأبواب، و ظن أن العربان لا حقون به إلى داخل البلد، و دخل عليه الخوف و الوهم‏ (31). و وقعت سطوة الدريعي في قلوب أهالي بغداد، حتى وصلت إلى الأطفال يخوفونهم بالدريعي لكي يناموا. و شاع خبر الدريعي بعد ذلك و كبر صيته عند العرب و الحضر حتى وصل إلى الوهابي و إلى كامل البادية (32) و المسكون‏ (33). و الآن لا يوجد بين العربان من هو أكبر منه. و من جملة أطباعه أنه يحب الكبر و المال، و المشي في الدروب الصعبة و الوصول إلى المعالي. و هذه مزايا الدّريعي ابن شعلان. فحكيت جميع ذلك إلى الشيخ إبراهيم فسرّ و قال: هذا هو الرجل الذي يتمّ مطلوبي‏ (34). و فرح الشيخ إبراهيم و كان مسرورا مني جدا.

و ثاني يوم، دعاني ناصر و أملى علي كتابين، الواحد إلى صدد و الآخر إلى القريتين، مضمونهما طلب الخوة منهم. و ذلك لأن له كل سنة من صدد راتب قدره خمس مئة غرش و ست مشالح، و كذلك له ألف غرش و ست مشالح من القريتين. و من كل ضيعة له خوة، و ذلك من جميع قرى طبراق حلب و حماة و حمص و دمشق، كل قرية على قدر أهميتها. و هذه الخوة لا بدّ منها مثل الميري، و أكثرها يعطيها أهالي القرى المساكين إلى مهنا، ليرد عنهم‏

____________

(29) «و انعبط».

(30) مؤونة.

(31) ذكر هذا الحادث عبد اللّه فيلبي في كتابه: تاريخ نجد، ص 123.

(32) «الشول» أو «الجول» كما جاء في أماكن أخرى من المخطوطة.

(33) أي المعمورة.

(34) بقية الصفحة بياض.

78

غارات العرب، خوفا على طرشهم‏ (35) و حالهم. فوجدنا أن أهالي القرى مظلومون جدا، لأن عليهم أن يرضوا خاطر العثماني و العرب، و هم رعايا فقراء جدا، و حسبنا بالتقريب ما يصل إلى مهنا من الأموال. فيصله من القرى، باسم الخوة، نحو مئة كيس، و له على حماة و حمص كل سنة كميات من الحنطة، و له أيضا الصرة التي تعطى له من أجل الحج، و تصله الهدايا من كامل أكابر البلاد و الحكام فيرسلون إلي بالألبسة و الأرز و الدبس و غيرها من الأشياء التي لا يوجد عنده منها. و مع ذلك فهو دائما مفلس و عليه دين، على الرغم من أن لا مصروف عليه. فالحنطة تأتيه مجانا و الأرز كذلك، كما ذكرنا. أما السمن فتعطيه العربان، و عنده الغنم يذبح كل يوم منها، و تأتيه الهدايا من العرب أيضا و ليس عليه علوفة (36) لعسكر أو لخدم، أما الألبسة فليس هناك غير القميص و العباية و الكوفية و الجزمة، هذا بالنسبة إلى مهنا نفسه و أكابر قبيلته، أما بقية الناس فلا شي‏ء بأرجلهم على الإطلاق، فالغني يزيد على الفقير بالجزمة فقط. ففكرنا بذلك و صرنا نسأل أنفسنا أين تذهب الأموال التي تصله، و استخبرنا عن هذا الأمر، فعلمنا أن أمواله تصرف على العربان فهو يكسوهم و يكسو خيلهم و يكرمهم.

و متى ما صار عنده قليل من المال يفرقه على الفداوية أعني الفرسان المشهورة بالحرب، و متى أتته حاجة جديدة لا يلبسها بل حالا يعطيها للشخص الذي يكون أمامه. فهذا الذي جعله 1/ 24 كبيرا بين العربان، و هذه عادة العرب و على الأخص طائفة بيت الملحم./ و لا شك أن جميع العربان غير راضية عنهم، إلا أن كرمهم خلق لهم حزبا كبيرا و اسما شهيرا بين العشائر.

و الواقع أنهم و إن كانوا من بيت قديم، فإن أفعال ناصر من شأنها أن تبعد الناس عنهم. و لكن كرمهم و اسم بيتهم القديم جعلهم يثبتون.

ثم رحلنا من تلك المنزلة إلى أخرى بقرب حمص يقال لها الجديدة، ماؤها نبع يجري على الأرض، و هي تبعد ثلاث ساعات عن نهر العاصي الذي يقع غربيها. فنزل مهنا إلى حمص مع عشرة خيالة، و بقي فيها يومين و حضر و معه هدايا من حاكم حمص و أكابرها، لأنهم يخشون منه على قوافلهم و أرزاقهم الشاردة و الواردة. لأن من عادة العرب، إذا لم يكونوا راضيين عن بلدة، أن ينهبوا قوافلها. و بعد حضور مهنا بيومين. ركب ناصر بنحو خمس مئة خيال‏

____________

(35) ماشيتهم.

(36) علوفة: مرتب شهري أو سنوي.

79

على قبيلة يقال لها عبد اللّه‏ (37) أميرها يسمى سطام الدّغيمي‏ (38). و كان المذكور في منزلة بقرب تدمر يقال لها أسدين (أعني النهدين) لأن بها تلتين، الواحدة إلى جانب الأخرى، بالحجم نفسه. و بعد ثلاثة أيام حضر و معه نحو مائتي ناقة و غنم كسبها، و أخبر أن موقعة عظيمة حصلت بين الطرفين، و قتل من ربع ناصر ثلاثة أفراد و من العبد اللّه نحو عشرة، و أتوا بثلاثة أفراس عظام، و أخذ لهم فرس واحد، و هو فرس زامل ابن عم ناصر الذي ذكرناه سابقا.

فضجّ العربان جميعهم من هذه الغارة، و تأكد لهم أن ناصرا يقصد خراب العرب، و يريد الشر معهم، لأنه أغار على عرب سطام من غير سبب و لا عداوة سالفة بينهم، و لكن يرغب في كسر شيمتهم حتى يسود عليهم، فاشتغلت الطروش (أعني المراسلات) بين العربان يخبرون بعضهم بعضا، و انذروا الناس لكي يجتمعوا و يكونوا على حذر من الحسنة، و وصلت مكاتباتهم إلى الدريعي و إلى عرب نجد و شمر، و نمت العداوة بينهم، و عزموا على الغارات على عرب الحسنة، أتباع مهنا، و شاع هذا الخبر في كامل ديرة عربستان، و وصل إلى أمير يقال له دوخي بن سمير (39)، و يقال لقبيلته ولد علي، يقيم في ديرة حوران فوق دمشق. فهذا الأمير يأخذ صرّة (40) من وزير الشام لأجل الحج، مثل مهنا تماما، و بينه و بين بيت الملحم قرابة من جهة النساء، و هم أحباء من زمن قديم، فلما بلغته هذه الأمور اغتاظ 2/ 24 جدا و خاف على بيت الملحم، و لم يتحمل ذلك، فركب حالا و معه نحو ثلاثين خيالا/ و أتى عندنا خصوصا، فلقيه الناس بكل إحترام. و نزل من على ظهر جواده، و هو مسود الوجه عابس. فأمر مهنا بالقهوة فقال له: يا مهنا قهوتك مشروبة، فإني لم آت لأشرب القهوة بل لأقول لك أن بيتك و حمولة بيت ملحم سوف تتلاشى عن قريب، من أفعال ولدك هذا ناصر باشا، و ذلك من نوع الاستهزاء. ثم قال: و اعلموا أن كل العربان ضدكم و مرادها أن ترد النقا عليكم، (رد النقا معناه اشهار الحرب)، لأن في اصطلاح العرب متى قلت مردود عليك النقا (41)، معناه خذ حذرك مني لأني أصبحت خصمك‏ (42) و أعلنت الحرب‏

____________

(37) «عبد له»؛ من عنزة، «تلفظ لفظة الجلالة برقة زائدة» (وصفي زكريا، عشائر الشام،II ، 39).

(38) الدّغيم، من السلقا، من عنزة.

(39) «دوخي ابن سمير».

(40) «صرّ».

(41) هذا الاصطلاح لم يزل معمولا به، (انظر: العزيزي، قاموس، ج 1- ص 344).

(42) الصائغ يكتب: «أنا ضشمانك».

80

عليك. أما الجوخدار، فكان سافر إلى حماة قبل يوم واحد فقط ليذهب بعد ذلك عند باشا دمشق. فتغيرت ألوان مهنا و قال لابنه ناصر: هل أعجبك هذا الشغل؟ أتريد أن تبيد اسمنا و يكون خلاص بيت ملحم على زمانك؟ فزعل ناصر و قال: ليفعل العربان ما يريدون و لا يقصّروا، إن شاء اللّه أني سأحضر لهم عشرين ألف عسكري من البلاد. و ذلك لأنه ما كان يشد ظهره فقط بباشا الشام و لكن أيضا بدالي‏ (43) باش يقال له الملّا اسماعيل، رجل كبير الشأن مقيم في حماة، صوته يجمع دائما ثلاثة إلى أربعة آلاف دالاتي‏ (44).

فمن بعد جدال طويل و كلام كثير مع الدوخي، لم ينتج عنهما فائدة، بات تلك الليلة و ثاني يوم قال: يا ناصر، أنا ذاهب عند أهلي، و لكني لا أكون ضدك، بسبب حق الخبز و الملح و القرابة و الصحبة، و كذلك لا أكون معك، إذ لا يجوز ذلك، لأن مشيئتك رديئة و قصدك تنكيس أبناء جنسك. ثم ركب و توجه إلى ديرته حوران، بكل حمق و غيظ.

أما مهنا فإنه خاف من هذا الكلام، و ثاني يوم رحل و نزل بقرب حماة، و كان بينه و بين حماة ساعة، و ذلك بمشورة ناصر ليكون قريبا من البلاد، فإذا احتاج إلى عساكر يطلبها من حاكم حماة و من الملّا اسماعيل الذي ذكرناه سابقا. أما العربان فإنه تم رأيهم على تنكيس راية بيت الملحم، و ارتبطوا مع بعضهم بعضا، و صار كل من رأى أحدا من غير قبيلته يقتله.

و كانت الصيفية رديئة قضيناها بالخوف و الجزع و لم يعد لنا رغبة في الذهاب عند قبائل أخرى، 1/ 25 لأننا أصبحنا معروفين من أتباع بيت الملحم، فيصيبنا ضرر من العرب بسبب ذلك،/ و التزمنا أن نبقى دائما مع قبيلة مهنا.

و أما المذكور، فغشيم جدا كما تقدم الشرح عن طباعه، و بسبب غشمه ينقاد إلى ابنه ناصر في كل ما يريده. و مما يحكى عن غشمه أن وزير الختم، حين رجع من مصر بعد أن غادرها الفرنسيون، مرّ على دمشق بجميع الجيش‏ (45) الهميوني‏ (46)، فصار كبار البلدة و وجهاؤها و أعيانها يأتون للسلام عليه. و بطريق الإتفاق كان مهنا حينئذ بدمشق، فتحسن‏

____________

(43) دالي باش أي رئيس الدلاتية.

(44) الدلاتي (من التركية): جندي من المشاة أو الفرسان يضع على رأسه القاوق أي قبعة مستطيلة أسطوانية الشكل.

(45) في الأصل: أرضي.

(46) الهمايوني أي السلطاني أو الملكي.

81

عنده أن يذهب و يسلم على الوزير، فدخل عليه و هو بطاق القميص الوسخ و المشلح الأسود و كوفية على رأسه و جزمة قديمة في رجله. فدخل على الوزير و سلم عليه على عادة البادية و قال: السلام عليك يا يوسف، يا وزير السلطان، عساك بخير و لعلك عدل، ثم جلس بجانب الوزير من غير إذن و لا دعوة. فاغتاظ الوزير منه و احمرت عيناه لأن هذا شي‏ء يخالف المراسيم العثمانية، و على الخصوص أنه الصدر الأعظم، عائد من مصر منصورا، و يرى نفسه أكبر من سلطان اسلامبول، فغضب و أمر القواصة (47) أن يأخذوا مهنا و يقتلوه. فقبضوا عليه و طلعوا به إلى خارج الديوان. أما مهنا، فبسبب طرشته و عدم معرفته باللغة التركية و نظافة قلبه، و بالنظر أيضا إلى عادات العرب أن يطعموا الضيف حال وصوله عندهم خوفا من أن يكون جائعا، فإنه ظن أن الوزير أمر له بالغداء. فحين أخذوه إلى وسط السرايا ليقتلوه، ترامى جميع الحاضرين، من الأعيان و من الصيارفة اليهود الذين شاهدوا ما جرى، على أقدام الوزير و قالوا: يا سيدنا احذر عاقبة عملك، فهذا يقال له مهنا الفاضل أمير عنزة، هذا الذي يغفر (48) الحج و يرد عنه غوايل العرب. و من دون إذنه لا يمشي الحجاج. و فضلا عن ذلك إن قتلته لا تستطيع بعدئذ أن تخرج من دمشق بسبب شر العربان. فبردت همة الوزير و أمر حالا برده، فعادوا به أمام الوزير، فأجلسه إلى جانبه و أمر له بالقهوة فقال مهنا بباله: صحيح أن العثماني كلب بخيل، كأنه ندم على الغداء فاستعاض عنه بفنجان قهوة، لأن مهنا، على الرغم 2/ 25 من كل هذه الضجة (49) لم يفهم جلية الأمر. و بعد القهوة أمر الوزير له ببدلة/ و حوائج من ملبوسه، فأحضروا له قنبازا (50) مقصبا عظيما و شال كشمير و فروة سمّور، فألبسوه إياها. و أمر له الوزير بألف غرش فاحضروها حالا. و شرب قهوة مرة ثانية. و بعد ذلك صاح مهنا على العبيد الذين كانوا معه، و كانوا ثلاثة، فحضروا أمام الوزير، فشلح القنباز و أعطاه لواحد منهم، و الشال للثاني و الفروة للثالث. فتعجب الوزير منه و قال للترجمان: قل لمهنا كأنه ما قبل هديتي؟ قال مهنا: يا ترجمان قل لوزير السلطان أننا نحن العرب لا تغوينا الملابس الجميلة و لا نتكبر بالملبوس، أنا ابن ملحم و أبي الأمير فاضل، و إني معروف عند عشاير العربان سواء كنت لابسا هدوما (يعني ثيابا) زينات أم شينات (أي جميلة أم زريّة)، مفهوم و كبير عليهم.

فتعجب الوزير من كلامه و سرّ منه بالرغم عنه. و له حكايات كثيرة مثل هذه.

____________

(47) يريد القوّاسة، و المفرد قوّاس و هو الحاجب أو البواب، بالمصطلح الحلبي.

(48) يخفر أو يحفظ.

(49) «الكركبة».

(50) في الأصل: غنباز.

82

ثم نرجع إلى ما كنا بصدده: لم تزل العداوة و الغارات على الحسنة، قبيلة بيت ملحم، حتى صارت كل العشائر خصومهم‏ (51). فقضينا كل الصيف معهم بكل عذاب و خوف و وجل، من محل إلى محل، حتى ابتدأت العربان تشرّق و دخل فصل الخريف. و أخيرا بقينا معهم، و كنا بقرب حلب و نحن مرادنا التوجه نحو دمشق و الدخول إلى حلب، هذه رغبة الشيخ إبراهيم. و ظللنا نترقب الفرصة لنجد من يسير بنا إلى دمشق فصعب الأمر لأننا لا نستطيع الذهاب وحدنا، أما عرب مهنا فلا يسعهم أن يتطرفوا خوفا من سائر القبائل، و اقتضى الأمر أن العرب أخذونا إلى ضيعة يقال لها السّخنة، شرقي حلب يومين، تحوي على نحو مئة بيت من الجمالين، يصنعون القلو للصابون يحملونه إلى حلب و يبيعونه أيضا. بها حمام ماء ساخنة طبيعية، و لهذا السبب سميت السخنة. و أما أهلها فخيرون كرماء، يحبون الضيوف. فكانوا يتقاتلون علينا حتى يضيفونا عندهم، كل واحد بدوره، لأن ما بها شي‏ء للبيع مما يخص الأكل و الشرب، نساؤها حسنات جدا، و جميع لوازمها من حلب. فجلسنا بها نحو عشرين يوما حتى توفر لنا أناس، بكراء وافر، أخذونا إلى تدمر، فسلمنا على الشيخ رجب و حكينا له عما جرى لنا عند العربان، و استقمنا عنده ستة عشر يوما، حتى توفق لنا من أخذنا إلى القريتين، فدخلنا و سلمنا على الشيخ سليم و على الخوري موسى الذي 1/ 26 كنا نازلين عنده و أبقينا رزقنا تحت يده. فسألنا الخوري/ عن بضاعتنا و عن بيعنا و مكسبنا فقلنا له: بعنا و اللّه الحمد و ربحنا ما لا كنا نتأمل، و الحقيقة أننا فقدنا الرأسمال و المكسب، و جميع ثمن الرزق الذي كان معنا راح بخاشيش و هدايا و كراء و براطيل و ديون للعرب، و ظللنا جالسين بالقرية ثلاثين يوما حتى توفق لنا أناس يأخذونا إلى ضيعة بعيدة عن القريتين ست عشرة ساعة، يقال لها دير عطية، على طريق دمشق‏ (52). و لكنهم لم يعطونا دواب و خافوا من العرب أن يشلحونا و يأخذوها منا في الطريق. فاضطر الشيخ إبراهيم أن يشتري له كديشا و ركبت أنا على حمار، و كان معنا أربعة أنفار، بمئة غرش، ليوصلنا إلى دير عطية. و في ذلك الوقت كان دخل فصل الشتاء العظيم. و بالقرب من دمشق‏ (52) يقع برد شديد لا يوصف.

فخرجنا من القريتين و أبقينا رزقنا عند الخوري. و كان النهار باردا، مع هواء و ثلج و رياح شمالية قاسية جدا. فمررنا في طريق يقال له بين الجبلين. و إذ نفذ علينا خيول العرب نحو عشرين خيالا. و من شدة البرد و الخوف رمى الذين معنا بنادقهم من أياديهم، فوصلت إلينا الخيل‏

____________

(51) «ضشمانهم».

(52) في الأصل: الشام.

83

السوابق و شلحونا، و شفقة بنا أبقوا لنا القميص و القنباز و أخذوا جميع ما معنا و ذهبوا، و لكنهم لم يأخذوا الحمار و الكديش. فاشتد علينا البرد، و عصف الريح القوي، فازرقت أجسادنا و احمرت عيوننا و غابت حواسنا و قصرت السنتنا و جمدت دماؤنا و زاغ بصرنا، و خصوصا أنا أشرفت على الهلاك قبل الجميع. فرأى الشيخ إبراهيم حالي و أني عدمت كليا، فابتدأ يبكي و يشير بيده للذين معنا ليعملوا لي طريقة كي لا أموت. و صرنا جميعنا نتباكى، و لا يفهم أحد من الآخر، و يئسنا من الحياة و قطعنا أملنا منها بالكلية. ثم وقعت على الأرض مثل قطعة من الخشب و غبت تماما عن الوجود. فصار الشيخ إبراهيم يلطم على رأسه و يبكي و يعيّط و كأنه مربوط اللسان فيقول فقط: أي، أي، أي. و كان معنا شاب من جملة الأربعة يقال له موسى بن وردة، نصراني، سرياني، صاحب نخوة و مرؤة زائدة، فركض و سحب سكينا من على جنبه و أمسك بالكديش و أرماه على الأرض و شق بطنه من فوق إلى عند ذنبه و حملني بسرعة من الأرض و وضعني في بطن الكديش و ابقى رأسي خارجا، و أنا لا أعي على شي‏ء و لا أعلم 2/ 56 (53) ماذا فعلوا بي. فبعد نصف ساعة وعيت على حالي و دبت الروح/ في جسدي، فأخرجوني و حملوني على الحمار و سرنا، و بعد ساعتين وصلنا إلى الضيعة و نحن على آخر نفس. فدخلنا إلى بيت واحد بيطار نصراني يقال له حنا بيطار، من النصارى الروم، حيث كان معنا كتاب توصية له من الخوري موسى. فحين رآني في تلك الحال، طمرني في كومة زبل، و عمل النيران حولي، و ابتدأ يسقيني نبيذا، و كذلك عمل مع الشيخ إبراهيم حتى دفئنا و سكن روعنا. فأخرجنا و أحضر لنا طعاما و أكلنا و دخّنا (54) توتون، و زال عنا كل مكروه، و لكن يا له من يوم عظيم. ثم سافر رفقاؤنا في اليوم الثاني و تدينت من البيطار مئتي غرش و أعطيتهم أجرتهم مئة غرش، و خمسين غرش بخشيشا إلى الثلاثة، و خمسين غرشا بخشيشا أيضا إلى موسى ابن وردة لأنه هو الذي خلصني من الموت. فجلسنا في دير عطية أربعة أيام و توجهنا إلى دمشق.

____________

(53) اعتبارا من هذه الصفحة يبتدئ الكراس الرابع من الكتاب كما فصله الصائغ، إذ وضع رقم 4 في أعلى الصفحة.

(54) «و شربنا».

84

[من دمشق إلى حوران‏]

كان دخولنا إلى دمشق الشام في 23 كانون الأول سنة 1810 نهار السبت. فنزلنا في بيت الخواجه شاباصون الطبيب‏ (1) الفرنساوي. و بعد بضعة أيام، تبين لنا أن إقامتنا في دمشق ستطول. فانتقلنا إلى دير اليسوعية، و كان خاليا لا يسكنه أحد. و أخذنا خادما ليطبخ لنا من أهالي الشام، و صرنا ننتظر خلوص فصل الشتاء حتى نسافر عند العرب مرة ثانية. و أما بخصوص مدينة دمشق فعظيمة، منتزهاتها و مياهها كثيرة و بساتينها عظيمة ليس فيها من الأفرنج سوى الطبيب، و دير اسبنيولية، و دير كبوشيين. و دير اليسوعية خراب ما به أحد، إسلامها أردياء و نصاراها (2) أنجس، و أحوالها معلومة فلا حاجة للشرح عنها.

و في بعض الأيام إذ كنا ندور بالسوق، إذ بواحد بدوي يأتي صوبنا و يسلم علينا بكل معرفة و محبة، فتعجبنا و قلنا له: من‏ (3) أنت يا وجه الخير. فقال سبحان اللّه كيف تنسوا أصحابكم بسرعة: أنا هلال الذي تخاويت معكم، و أكلت خبزكم و ملحكم بالمعرة، و لي زمن و أنا أفتش عنكم، فأين كنتم خلال كل هذه الغيبة؟ فلزم أن نأخذه سرا و ذهبنا إلى الدير، لأن الشيخ إبراهيم أمرني بذلك، حيث قال: هذا نحتاج إليه حتى أستخبر منه عن بعض‏

____________

(1) «الحكيم».

(2) «نصارتها».

(3) «مين».

85

الأمور الضرورية لنا. و حين صار بالدير أطعمناه و سقيناه، فانبسط و طابت نفسه. فسألناه أين أهلك؟ فقال: في حوران، لأنني من عرب قبيلة يقال لها ولد علي. أميرنا يسمى دوخي ابن سمير (و هو الذي تقدم ذكره، من أقرباء بيت ملحم). و فهمنا منه أن في ديرة حوران 1/ 27 و بلاد الجليل أربع قبائل من العرب./ اسماؤها: ولد علي، السّرحان، بني صخر، السّرديّة.

فهذه القبائل الأربع لا تشرق بالشتاء، مثل عرب غير قبائل، لنحو المشرق، بل وصولها إلى نحو الزرقا و البلقا. و منها من يصل إلى الأمونية، بلاد اسماعيل، قرب البحر الميت، و ترتد إلى حوران، قبل تغريب العربان على بلاد سورية، مع أول الربيع. [و قال‏]: إذا كنتم تشتهون أن آخذكم بأول الربيع عندهم، كي تبيعوا شيئا من رزقكم فيحصل لكم ربح. و أنا المسؤول عن كل شي‏ء ردي‏ء يحصل لكم. فاعتمدنا على ذلك، و تواعدنا أن نطلع معه في آذار لنبيع شيئا من رزقنا لهذه القبائل. و قال لي الشيخ إبراهيم: إن مرادي أن أرى هذه القبائل، و لو حصل خسارة (4) و تعب. و اعلم يا ولد أن مقصودي أن أدور على كامل قبائل العرب، و لا تسألني لأي سبب، فقلت: قوي مناسب، اللّه يعطينا يد المعونة.

ثم استخبرنا من هلال عن أحوال العربان، و أمور بيت ملحم، ماذا يقول العرب عنهم. فأخبرنا بكل ما طلبنا منه. لأنه كان شيطانا خبيرا بالأمور، عارفا جيدا [بأحوال العرب‏] (5). فأخبرنا أن كل العربان ضد بيت ملحم، و أن كبرتهم لن تطول من أفعال ناصر المهنا. فسأله الشيخ إبراهيم عن الدريعي فأخبره عن كل ما سأله، و عن أحوال المذكور و أطباعه و مشيته و عقله. فسرّ الشيخ إبراهيم و قال لي: يا ولدي أريد منك الوصول إليه، و اعمل كل ما تقدر عليه و استعمل كافة الوسائط لكي نصل إليه. فقلت له: يا سيدي أنت أخرجتني من حلب لأجل البيع و الشراء، و الآن أراك‏ (6) تطلب مني أمورا صعبة التي لا تؤول إلى البيع و الشراء. إن الوصول إلى الدريعي صعب على ما فهمت. فإن كان لأجل بيع بضاعتنا، فإننا نبيعها لغير عربان، و لا يلزم كل هذا التعب. فقال: ألم أشرط عليك أن تكون معي بطاعة عمياء، من غير بحث و لا سؤال عما أريد. فانقهرت جدا من نفسي و قلت:

ما هذه الوقعة مع هذا الرجل؟ اللّه يخلصنا منه على خير. و لكن قلت في بالي: «اصبر يا ولد

____________

(4) في الأصل: خصارة.

(5) زيادة من المحقق ليستقيم المعنى.

(6) «و هلق أشوفك».

86

حتى ترى آخر الحكاية، طول البال جميل و العجلة غير مقبولة، لقد وقعت‏ (7) فاصبر على 2/ 27 مصيبتك/ حتى اللّه يفرجها عليك.

فبعد ثمانية أيام سافر هلال من عندنا و أعطيناه بخشيشا. و صار الوعد أن يأتي بأول الربيع ليأخذنا عندهم. ثم كتب الشيخ إبراهيم مكتوبا و أرسله إلى حلب مع ساع خصوصي.

و إذ بعد عشرين يوما حضر قفل حلب و أحضر لنا صرة دراهم، تحت يد شاباصون، داخلها خمسة آلاف غرش جميعها ربعيات. فقال: خذ من الدراهم‏ (8) بقدر ما تريد و اشتر لنا بضاعة تصلح‏ (9) للعرب، حتى نطلع نبيعها لأن حضور هلال بقي قريبا، حيث كانت مضت الشتوية. فاشتريت بضاعة بنحو ثلاثة آلاف غرش تصلح للعرب من جميع الوجوه‏ (10)، و بقينا بانتظار هلال. ثم قلت للشيخ إبراهيم: يا سيدي هل يا ترى هل سنعود بشي‏ء من أصل هذه الثلاثة آلاف ثمن هذا الرزق. فضحك و قال: إن معرفة كل أمير من أمراء العرب تسوى عندي ثلاثة آلاف غرش هذا مكسبي و ربحي و رأسمالي‏ (11). فقلت: أما أنا فلا أرى أين ربحي. فإذا كان ربحك أنت عشرة العرب، على ما يظهر لي، و معرفتك بهم، فما هو ربحي أنا من ذلك؟ قال: يكفيك تدبيري الذي سوف ترى ثمرته العظيمة إن شاء اللّه، و تربح جاها و مالا (12) و اسما تفوق على كافة أبناء عصرك‏ (13). و لا أستطيع أن أصرّح لك بأكثر من ذلك فيكفي [ما قلته‏]، و إنك ستعرف رويدا رويدا جميع [الأمور]. و لكن أريد منك، قبل كل شي‏ء، أن ترخي لحيتك‏ (14) حتى تصبح مثل العرب، و لا تبقى بهيئة تختلف عنهم. و الحقيقة أن جميعهم بلحى، و لا يمرون الموسى‏ (15) على وجوههم بل إنهم على العهد القديم الذي كان قبل ظهور سيدنا المسيح. و من عدم امرار الموسى على ذقونهم، ثلاثة أرباع العرب لحاهم كوساة، مثل سحن اليهود.

____________

(7) «صار و وقعة» (وقعت).

(8) «مصريات».

(9) «خرج العرب».

(10) «و وجه كل شي‏ء».

(11) «رسمالي».

(12) «و غرش».

(13) عسرك.

(14) «ذقنك».

(15) «موس».

87

فبعد قليل من الزمن إذ حضر هلال و معه جمّالان و إثنان من البدو غيره، حتى يحملونا عندهم. فلزم أن أجد حالا مكانا للجمال و أدخلت العرب الدير. فترحبنا بهم و عملنا لهم إكراما زائدا و أخبرونا أن أهلهم، من قبيلة ولد علي، نازلون على ماء المزيريب‏ (16) و أنهم بعيدون عن دمشق‏ (17) نحو ثلاثة أيام. فبعد يومين دبرنا شغلنا و طلعنا من دمشق‏ (17) في 15 آذار 1811، و كان صار لنا سنة و ثمانية و عشرون يوما (18) منذ مغادرتنا حلب. فذهبنا مع العرب و نمنا ليلتين بالبرية من غير مأوى، و هو طريق معروف من دمشق إلى المزيريب‏ (19). و في اليوم الثالث وصلنا عند العرب، فوجدنا نزلا عظيما نحو ألف بيت 1/ 28 بمواشي و خيل عظيمة، فنزلنا في بيت/ دوخي بن سمير. فعمل لنا إكراما زائدا و ذبح لنا ذبيحة، حيث كان صار بيننا معرفة، من يوم الذي جاء إلى بيت مهنا، لأجل مادة ناصر.

و هو رجل عظيم عاقل مدبر يومى إليه، محبوب من عربان قبيلته التي تعد نحو خمسة آلاف بيت، و عليهم رؤوساء من أقربائهم، و كذلك القبائل الثلاث الأخرى و هي بني صخر و السّرحان و السّرديّة، فهم أحبابه و معه في كل أمر يريده، و طمعهم قليل ليس مثل قبيلة مهنا، رزقهم كثير و خيلهم عظام مشهورة بالصيت‏ (20).

و في الليلة التي وصلنا فيها كنا نتحدث بسيرة الخيل و حسنها، فحكى لنا الأمير دوخي نكتة حدثت في قبيلته، و كان هو وقتئذ ولدا، فقال: إن واحدا من البدو يقال له جبل كان عنده فرس عظيمة جدا لها صيت زائع عند العرب و الحضر: فسمع بها وزير الشام يقال له أسعد باشا من بيت العظم، فأرسل طلبها من صاحبها بثمنها. فما رضي ببيعها لأن فرس البدوي أغلى عنده من امرأته و أولاده‏ (21). فأرسل هدده بالكلام فما صار فائدة. فعجز الوزير عن ذلك و من بعد ما عمل كافة الوسائل ما حصل عليها، و الدعوى صارت مسموعة عند كل الناس. و اغتم الوزير جدا لأنه لا يستطيع أخذها قهرا، و لا يرضى البدوي أن يعطيها بثمنها بل أكثر. فجاء بدوي عند الوزير يقال له جعيفر و قال له: يا سيدي ماذا تعطيني إذا

____________

(16) «المذاريب».

(17) «الشام».

(18) على الصحيح: سنة و خمسة و عشرون يوما، لأن الصايغ غادر حلب بتاريخ 18 شباط 1810.

(19) «المذاريب».

(20) «بالسيط».

(21) بالأصل: «فأرسل طلبها من صاحبها بحقها، فما عطاها لأن البدوي فراسه عنده أغلا من مرته و أولاده».

88

جئتك بالفرس؟ فقال أعطيك ملأ عليقها دراهم. و كان البدوي من عرب بني صخر. فراح و دخل عند عرب ولد علي، و صار يدور [بين المنازل‏] و يميزها إلى أن وصل إلى بيت جبل، صاحب الفرس المعروفة. فنظر و ميز جيدا محل الفرس، و عرف أين يربطها صاحبها خلال كل ليلة. ثم ذهب و اختبأ في مغارة قريبة إلى أن انتصف الليل، فجاء إلى بيت جبل، فوجد الفرس أمام البيت، و أرجلها مقيدة بالحديد و رأس الجنزير الغليظ، قد أدخله جبل إلى وسط بيته حيث دق سكة و فرش فوقها فراشه و نام هو و امرأته عليها. فخلع جعيفر ثيابه و بقي عاريا حسب عوائد العرب، لأن رجالهم ينامون عرايا تماما. و دخل بكل ظرافة بين جبل و امرأته.

2/ 28 فتارة يتمطى و يلزّ بالمرأة، فتظن/ أن زوجها في نومه [قد فعل ذلك‏] فتتزحزح له عن مكانها قليلا، و تارة يلز بالرجل فيظن أنها امرأته فيتزحزح لها قليلا. و لم يزل على هذه الحال حتى عمل فاصلا بين المرأة و الرجل بمقدار ذراع. و كان معه سكين حادة (22) فقوّر الفراش و خلع السكة من الأرض و وضعها (23) على الأرض، و قام بكل ظرافة من بينهما، و طلع و سحب الجنزير و السكة إلى خارج البيت، و خلّص قوائم الفرس، و لبس ثيابه، و أخذ رمح جبل، و ركب على الفرس، و مدّ الرمح و لكز به جبلا، و نبهه من نومه و قال: يا جبل، لا تقل ما أنذرتني، فها أنا جعيفر أخذت الفرس للوزير. فقام جبل مصروعا مثل المجنون، و رمى الصوت في منازل ولد علي، فركبت الخيل حالا و طارت خلفه. و كان بينها خيول عظام مشهورة، و لكن ليس لها شهرة هذه الفرس إنما تقربها. و ركب جبل فرس أخيه و هي أيضا عظيمة، مشهورة. و صارت المطاردة فيما بينهم، و ظلوا على هذه الغارة ست ساعات. و كان أكثر الناس اقترابا من جعيفر أربعة خيالة، و على الأخص جبل المذكور، فإنه اقترب كثيرا و لم يبق لامساكه إلا القليل و في ذلك الوقت صاح جبل: يا جعيفر: «انستر لجامها و اقرص أذنها اليمين و اعطبها بالركب، تروح و لا تعود تلتحق». و هذا عند العرب يسمونه السرّ. فلكل فرس سرّ لقّنها أياه صاحبها و هو لا يقوله إلى أحد، و ذلك فقط في حين الحاجة الماسة. ففعل جعيفر حسب ما قال له جبل، فطارت الفرس كأنها اللمع في كبد الجو، و في قليل من الوقت غاب جعيفر عن الخيل. فقال الخيالة الأربعة رفقاء جبل: ما هذا العمل يا جبل؟

فقال: أفضل أن تؤخذ فرسي و لا يقال أنه وجد بين خيول ولد علي من يلحقها و يعيدها، فيكون ذلك عارا عظيما علي، و إنه أحب إلي أن تذهب مني و لا يطلع عليها هذا الصيت،

____________

(22) «حادقة».

(23) «و نيمها».

89

فرجعوا. و أما جعيفر فإنه أخذها للوزير و حكى له ما فعل، فأنعم عليه و أعطاه على حسب ما وعده و أكثر.

و حكى لنا أيضا أن بدويا، من عرب نجد، كان عنده فرس عظيمة مشهورة أكثر من فرس جبل الذي ذكرناه آنفا. فعشقها بدوي آخر من غير قبيلته و أرسل يشتريها، فلم يرض صاحبها ببيعها. و عمل الآخر كل جهده للحصول عليها فلم يصل إلى نتيجة. فاضطر أن يذهب بنفسه إلى نجد و دخل بين العرب و ترقب الفرصة، و علم أن صاحب الفرس سيمر من الطريق الفلاني. فراح صبغ حاله بالحشيش و ربط رأسه و حزم رجليه و عصب رقبته و عمل 1/ 29 نفسه/ مريضا عدمان، مشرفا على الموت و بحالة التلف. و راح و رمى نفسه على الطريق التي سيمر بها صاحب الفرس. و إذ حضر صاحب الفرس راكبا فرسه و مارا في الطريق، فرأى هذا الرجل المسكين مرتميا، و هو يعن و يتلوى على جانبه و يستجير و يصيح. فأتى نحوه صاحب الفرس و سأله عن حاله فقال له: يا صاحب الخيرات، أنا رجل فقير و غريب، و بي أوجاع كثيرة و مشرف على الموت. و لي يومان بهذه الأرض المنقطعة من غير أكل و شرب، و قد عدمت بالكلية، و لم يبق لي قوة على القيام من هنا، فافعل معي خيرا و اللّه يكافئك عني. فتوجع قلبه له، و نزل من على ظهر فرسه، و حمله بين يديه، و وضعه على ظهر الفرس، و مشى أمامه حتى يأخذه إلى بيته. فذلك الحين، وقت صار على ظهر الفرس، نهزها بالركب و طار بها.

فصاح عليه صاحب الفرس: يا فلان قد فهمت ملعوبك، و لكني أرجو منك أن لا تحكي هذه الحكاية لأحد لكي لا تصير سببا لقطع الخير، إذ لا يبقى في الدنيا من يشفق على عاجز يحمله، خوفا من حيلة مثل هذه، فتكون سببا لعدم فعل الخير في العالم. فأصغى البدوي إلى هذا الكلام و ارتدّ على أعقابه، و نزل من على الفرس و سلمها له. فتصافحا كثيرا و صارا أخوين و ذهبا سوية إلى بيت صاحب الفرس، حيث بقي البدوي في ضيافته ثلاثة أيام، ثم رجع إلى عند أهله.

فهتان الحكايتان اظهرتا لنا مروءة العرب و نخوتهم. و قد سرّ الشيخ إبراهيم جدا تلك الليلة. و قال لي عند النوم: يا ولدي، إنني لا أريد شيئا من هذه القبائل، سكان حوران و بلاد الجليل، إنما أود فقط أن تتمرن على عشرة العرب و تتقوى بلغتهم لأن كلامهم يختلف كثيرا عن كلام أهل المدن، و الذي لم يعاشرهم لا يمكنه أن يفهم منهم شيئا ما. فلا تتعب نفسك‏

90

كثيرا، إنما مرادي فقط أن تعرفهم و تعرف عددهم و أسماء أمرائهم على وجه الاختصار (24)، لأن ليس لي حاجة معهم، و سنقضي بعض الأيام عندهم و بعدها نتوجه عند الأمير الدريعي، و هناك إن شاء اللّه سنبيع و نشتري و نجمع المكاسب التي أنا قاصدها، فقلت: اللّه يربحنا.

و ثاني يوم فتحنا رزقنا و بعنا جانبا منه، و قدمنا الهدايا إلى دوخي و أكابر العربان، 2/ 29 و استقمنا عنده خمسة عشر يوما. و بعدها/ توجهنا مع هلال و اثنين آخرين من البدو إلى قبيلة سرحان، و كان مسيرنا عشر ساعات لجهة الغرب. ثم وصلنا إلى النزل و كان مقداره نحو مئتي بيت فقط. فنزلنا في بيت شيخهم الذي يقال له إدغيم بن علي و هو زوج بنت دوخي، و قبيلته تحوي على ألف و مئتي بيت، و لكنهم كانوا مقسومين بسبب الأرض النازلين بها فليس فيها من الماء ما يكفيهم جميعا. و اسم المحل الذي كانوا به المريحات، ماؤه نبع قليل ممتد من القبلة إلى الشمال.

و السبب أن اسمهم سرحان أنه كان لهم جد قديم، و كان له بنت جميلة جدا، فأرسل أمير من أمراء العرب الذين سبقوا بني فزارة- لأن الظن أن أصلهم من بني فزارة، على أيام عنتر- و أحضره عنده لأنه كان يريد أن يتزوج ابنته. و لكن الشيخ ما رضي أن يعطيها، و قام من المجلس من غير سلام و ذهب. فسأل الأمير عنه فقالوا أنه سرح يعني راح. فانزعج خاطره منه و سماه السرحان. و بقي هذا الاسم منحصرا به، و قسم العربان و تبعه قسم منهم، و عرفوا بعرب السّرحان إلى يومنا هذا.

و أما الشيخ إدغيم فهو رجل حسن المنظر و السلوك، إلا أنه طماع، لأنه طمع بنا و أخذ مننا بمقدار مئتي غرش رزقا من غير حق و أكلها علينا (25). و على ما فهمنا أنهم ليسوا رجال حرب مثل غيرهم من العربان، و هم و جلون نوعا ما. فاستقمنا عندهم ثمانية أيام ثم قمنا توجهنا إلى عند عرب السّردية مع هلال و واحد من البدو من عرب السرحان. و كان مسيرنا بجد خلال ثماني عشرة ساعة، مرحلة (26) واحدة، لجهة القبلة. فوصلنا نصف الليل عندهم إلى بيت شيخهم الذي يقال له فدغم ابن اسراج. و كانوا نازلين في أرض يقال لها الصالحة. و هي قبيلة تحوي على ألف و ثمان مئة بيت. إلا أنهم كانوا نحو خمس مئة بيت فقط.

____________

(24) «الاقتصار».

(25) ابتلع ثمنها.

(26) بالأصل: «قناق».

91

و أما باقي البيوت فكانت في غير أمكنة. و هذه هي عادتهم حتى لا يزاحم بعضهم بعضا على الماء و المرعى، لأن البرية (27) واسعة، فتنقسم القبيلة إلى قسمين أو ثلاثة فيكون الماء و المرعى عندهم بكثرة. فأهدينا لشيخهم و كبرائهم بنحو خمس مئة غرش من ألبسة و دراهم، لأن 1/ 30 الشيخ إبراهيم كان مسرورا كثيرا منهم إذ كانوا عشورين جدا/ و يحبون الضيف. و في ذات يوم إذ كنا ندور بين العربان، مررنا على بيت أرملة عجوز، فركضت و سحبتنا إلى بيتها و ذبحت لنا رأس غنم، و لم يكن عندها غيره، و استجدت‏ (28) خبزا من عند قصرانها (29) (يعني جيرانها) و وضعته أمامنا. فقلنا لها يا أمنا العجوز لأي سبب هذه الخسارة؟ قالت من زار إنسانا و لم يضفه فكأنه زار ميتا. فسرّ الشيخ إبراهيم من كلامها و قال لها: يا أمي العجوز: ما لك أحد؟ قالت: ما لي غير اللّه، لأني غريبة و لست من هذه القبيلة، أصلي من عرب بغداد من قبيلة يقال لها () (30) و أميرها اليوم () (31). و كان خطفني زوجي منها و أحضرني إلى هذه الديرة. و كان لي أولاد و رجال، منهم من مات موتا طبيعيا و منهم من قتل في حرب الوهابي.

لأن في ذلك الوقت كان الوهابي مقتدرا و يقاتل العرب الذين يرفضون طاعته و لا يعطونه الزكاة أي العشر (32).

ثم رجعنا إلى بيت فدغم ابن اسراج. و كانت إقامتنا عنده سبعة أيام. و توجهنا إلى عرب قبيلة بني صخر مع هلال و اثنين آخرين من عرب السردية. و كان سيرنا إلى الشمال للغرب، كل ذلك النهار إلى المساء. فوصلنا إلى نزل عرب صغير نحو عشرين بيتا من عرب السردية. فبتنا تلك الليلة عندهم. و ثاني يوم مشينا على طريقنا الأول، و قبل غياب الشمس وصلنا إلى النزل، و كان نحو ألف و خمس مئة بيت، في أرض عظيمة يقال لها الرّبرابية. فدخلنا إلى بيت أميرهم الذي يقال له سلامة ابن نجر. و تحوي قبيلته على ألفين و سبع مئة بيت:

رجال مشهورة، خيل عظام، أغنياء أكثر من السرحان و السردية. و أما أميرهم سلامة فرجل كريم و لكنه خفيف العقل. كل من جاء عنده يظن أنه جاسوس يريد أن يقطع رأسه. و كل‏

____________

(27) «الجول».

(28) «و شحذة».

(29) القصير، بالمصطلح البدوي، هو من يلتجئ إلى عشيرة غير عشيرته و يعيش بين أهلها.

(30) كلمة غير مقروءة، و كتب الصائغ في الهامش: خنكار.

(31) «الدريعي ابن شعلان»، و لكن الصائغ خط على هذا الاسم بالحبر الأسود.

(32) «من العشرة واحد».

92

ليلة عند النوم يضع أناسا تحرسه كل الليل. له ولدان شباب و والدته و أخ أصغر منه.

فتحدثنا معهم بخصوصه و ما السبب حتى اعتراه هذا الداء. فأخبرونا أنه حين كان ولدا ابن عشر سنين وقع في جب ماء فاختل عقله. و كلما تقدم بالعمر تزداد علته و كذلك كلما زاره 2/ 30 أحد [يعاوده هذا الوسواس‏]./ و من جديد الان، منذ نحو شهرين، كلما جاء أحد عنده يظن أنه يريد أن يقطع رأسه، حتى يأخذه إلى ابن سعود، أعني الوهابي، مع أن قبيلتنا (33) فقط محبوبة عند الوهابي، و نحن نعدّ من أتباعه‏ (34)، و نعطيه كل سنة عشر المال حتى نخلص من شره. و لا يوجد في قبائل حوران و بلاد الجليل و كامل عربستان‏ (35) من هو راض بالوهابي مثلنا و محبوب عنده.

فابتدأنا نتكلم معه‏ (36) و نآنسه بالكلام، و هو يرد علينا بالصواب و يتكلم معنا بكل رقة و ظرافة. و أمه من طائفة قديمة، و آباؤه و أجداده أمراء سابقا يأخذون صرة من الحج، كل سنة عشرة أكياس. و له أخوة على قرى الشام و حوران إلى حد البحر الميت. و يأخذ هو أيضا مثلما يأخذ دوخي ابن سمير أمير ولد علي.

ثم فتحنا بضائعنا و بعنا و تعرفنا بكثير منهم، و استقمنا عندهم أحد عشر يوما. و كان العربان قد غرّبوا و امتلأت الأرض منهم، فاقتضى أن نذهب إلى دمشق‏ (37)، حتى نأخذ باقي حوائجنا و دراهمنا، لأن الذي كان معنا رجع منه شي‏ء قليل جدا. و ما بقي بددته النفقات و الكراء و البخاشيش.

____________

(33) الضمير يعود إلى ولديّ الأمير و أخيه.

(34) في الأصل: «و نحن محسوبين على كيسه».

(35) «عرب بستان».

(36) أي مع الأمير سلامة.

(37) الشام.

93

[من دمشق إلى الجزيرة]

و طلبنا من هلال أن يذهب معنا إلى الشام ففعل. و ثاني يوم من وصولنا، أتانا هلال بخبر سمعه من بعض العربان الذين التقى بهم في السوق، أن الدريعي تقرب نحو الغرب و هو الآن نازل بقرب زيتا (1) بالجزيرة، و أن ابن الدريعي و هو شاب يقال له سحن غزا عرب الحسنة، أي قبيلة مهنا، و كسب منها غنائم وافرة، و كان مهنا نازلا بقرب القريتين. فسرّني هذا الخبر جدا لأنه الشيخ إبراهيم كان طلب مني الوصول عند الدريعي كما تقدم الشرح.

فقلت يا هلال هل بوسعك أن تأخذنا عند الدريعي؟ فقال: يا سيدي كان ذلك غاية مرادي إلا أننا محسوبون نحن و مهنا بالحال الواحد، و أنا لا أعرف أحدا من الرّولا (2) عرب الدريعي، و أخاف أن نلتقي بواحد منهم فينهبنا فتكون القضية خسارة لكم و يبقى العتب و العار عليّ.

فقلت و كيف العمل؟ قال اصبر إلى غد حتى أدور بالشام، لأرى ما فيها من العرب المعروفين و كيف يدبرها اللّه. و لما كان الغد ذهب هلال و دار بالبلد و رجع قرب غياب الشمس إلى عندنا و معه واحد من البدو. فسلّم علينا و ترحبنا به. و سألنا هلالا من هذا الرجل؟ فقال:

1/ 31 هذا الذي/ يقدر أن يأخذكم عند الدريعي، لأنه ليس من عرب عنزة (3) بل من عرب بني‏

____________

(1) «ذيتا» و أحيانا «ذيته».

(2) كذا، و الصواب الرّولة أو الروالة (انظر: أحمد وصفي زكريا، عشائر الشام، ج 2، ص 23، دمشق، 1947).

(3) الرولة و الحسنة هم أيضا من العنزة.

94

سعيد، أميرهم يسمى فحل الخليل، و إقامتهم بالزور، شرقي حلب نحو ثلاثة أيام على ضفة (4) الفرات، و هم عرب أيضا و لكنهم لا يرحلون إلا مراحل صغيرة، و يشربون دائما من ماء نهر الفرات. و هم اليوم صحبة مع الدريعي و مهنا و كل العربان، لا يعترض لهم أحد بالطريق و لا يأخذ منهم شيئا. ففرحنا بذلك و سلمنا عليه مرة ثانية، حسب عوايد العرب، و سألناه عن اسمه فقال: جاسم الحمد. فقلنا له: أتقدر يا جاسم أن تأخذنا؟ قال: نعم، إن شاء اللّه آخذكم سالمين غانمين إلى بيت الدريعي ابن شعلان، و معي ربع (يعني رفقاء) يحملونكم، لأن معنا جمالا جلبنا عليها سمنا و بعناه بالشام. فاطمأن فكرنا بالأكثر إذ معهم جمال و دراهم ثمن السمن، و هم أصحاب تجارة. فربطنا معهم رباطا متينا، و تم الاعتماد على أن نتوجه بعد ثلاثة أيام على باب اللّه الكريم. فدبرنا أمورنا و أخذنا لوازمنا و نمنا في الليلة الثالثة عندهم بالخان، و مشينا مع الصبح. فركب كل واحد منا حمارا، و سرنا على الطريق الذي جئنا منه للشام، حيث أن مرادنا أن ندخل‏ (5) القريتين و نأخذ الرزق الذي تركناه أمانة عند الخوري موسى. فوصلنا بالسلامة إلى القريتين، و بكل راحة، من غير أن يحصل لنا كدر بنوع من الأنواع. و كنا فرحين جدا بهذا التوفيق. و لكن ثاني يوم من وصولنا جاءنا خبر أن الدريعي (رد النقا) على بني سعيد، أي عرب جاسم الذي نحن معه، و معنى ذلك أنه أشهر الحرب عليهم و عاداهم. فحين بلغ هذا الخبر جاسما و رفقاءه رجت قلوبهم، و خافوا جدا على أرواحهم و جمالهم و رزقهم، و حالا قرّروا على الذهاب إلى صدد، و من هناك إلى حمص و حلب ثم إلى الزور عند أهلهم، متبعين الطريق الذاهب من حلب لأنه أكثر أمانا لهم. فغمنا جدا هذا الخبر و صعب الأمر علينا و لم يبق لنا رأي نعتمد عليه. و سافر رفقاؤنا في اليوم الثاني، و بقينا نحن في القريتين، لا نعرف ما ذا نفعل، إذ لا نجد لنا باب فرج يوصلنا إلى مطلوبنا.

فاسودت الدنيا بعين الشيخ إبراهيم و فقد شهية الطعام. و داق علينا الحال جدا، و ابتدأت الأخبار تتوارد علينا، و علمنا منها أن العربان انقسمت إلى قسمين: أناس مع مهنا و أناس مع الدريعي، و ابتدأت الغارات بينهم و المعارك و الركض على بعضهم، و بلغنا أن الدريعي أغار على 2/ 31 بني سعيد و أخذ منها/ مكاسب جزيلة.

و لم نزل جالسين في القرية أثني عشر يوما حتى كادت تخرج أرواحنا من كدرنا و عدم‏

____________

(4) في المخطوطة: جفت.

(5) «نفوت على القريتين».

95

توفيقنا. فقال لي الشيخ إبراهيم: يا ولدي ضاع عقلك و معرفتك، اما كنت وعدتني بالوصول عند الدريعي؟ قلت: نعم، و لكن ما كنت أتوقع ما حدث من الأمور. و أما من خصوص الذهاب عند الدريعي، فيظهر لي أن هذا الأمر عسير جدا. فإن كنت ترغب في الوصول إليه لأجل البيع و الشراء، فإني لا أرى ضرورة ذلك. و أنا الذي أحب المتجر أكثر منك صغر في عيني. و لكن إذا كان مرادك الوصول إليه لأجل غايات أخرى، فعرفني بها حتى أعمل حسابي. قال: اعلم يا ولدي أن سفري هذا مقسوم إلى عشر نقاط مرتبة من حين خروجي من باريس‏ (6): أولا الوصول من باريس‏ (6) إلى حلب بالسلامة، ثانيا الحصول على إنسان موافق لأوامري و مطيع لأقوالي مثلك، ثالثا تعلمي اللغة العربية و تقويتي بها، رابعا الوصول إلى تدمر، خامسا الدخول عند العرب بطريقة مناسبة تغطي أهدافي، سادسا كشف أحوال العربان و أمورهم و معرفة كبارهم و اكتساب صحبتهم، سابعا رمي الاتحاد و الوفق و المحبة بينهم حتى يكونوا جميعهم برأي و عمل و قول و يد واحدة، ثامنا ابعادهم عن محبة العثماني و عشرته، تاسعا معرفة كافة الصحاري و مياهها و منازلها و المسالك الملائمة إلى حدود الهند، عاشرا الرجوع بالسلامة إلى بلاد سورية. فقلت: و بعده يا سيدي، ما ذا يكون الهدف من ذلك؟ فقال: أنسيت الشروط؟ لا تسألني عن شي‏ء بل أنا من نفسي رويدا رويدا أعرفك إذا اقتضى الأمر، فإلى الآن يكفي الذي قلته، فدبر حالك و اعلم أن لا بدّ من الوصول عند الدريعي و لو متنا.

فتلك الليلة حرم النوم على عيني من شدة الأفكار، و ما كنت أستطيع أن أجد طريقة لتنفيذ ذلك. و من بعد أن استعرضنا اراء كثيرة، تحسن عندي أن أذهب منفردا عند الدريعي، و أدبر فيما بعد طريقة لاحضاره عندي، لأن ذهابي منفردا أسهل، بسبب طلاقة لساني الطبيعية باللغة العربية، فمن الممكن أن أدخل‏ (7) [البادية] من غير أن يعرفني أحد، لأني أثناء ذلك كنت تقويت باللهجة البدوية، و صرت أتكلم معهم كأني واحد منهم. و ذلك من جرّاء دورتنا عند عرب حوران و بلاد الجليل، و قد نفعتني تلك الرحلة الصغيرة جدا.

فقمت يوما و توجهت عند صاحبنا موسى بن ورده الذي كان طمرني في بطن 1/ 32 الكديش، و أعلمته مرادي سرا فقال: أمهلني اليوم و غدا أعطيك الجواب./ و لما كان الغد

____________

(6) باريز.

(7) «أفوت».

96

توجهت عنده و قلت له: ما ذا دبّرت يا عزيزي؟ قال: اللّه يدبّر كل أمر عسير، اعلم يا أخي أنه لا يوجد عندي إلا تدبير واحد، و إن شاء اللّه يكون خيرا، و هو أني أعرف رجلا خبيرا قديرا من المسلمين، و هو طوع إشارتي، عارفا بالطرق، فهيما بلغة العرب، مجربا بالقتال، شجاعا، فرأيت أنه من المستحسن أن أكلمه ليأخذك إلى عند الدريعي، فتذهبان سوية على الأقدام، يسري بك ليلا و يكمن بالنهار، فراح و دعاه إلى بيته، و توجهنا معه و تكلمنا بهذا الموضوع. فقال: قوي مناسب، و لكن هل بوسعك المشي؟ لأن الدريعي في زيتا (8)، و من هنا إلى منازله نحو عشرة أيام، كيف تستطيع أن تمشي على مشيتي مدة عشرة أيام؟ إنك ستموت في الدرب قبل وصولك، و أخيرا سأطالب بك؟ فقلت له: لا تخف، لا يطالبك أحد بدمي، و لست ملزوما بي، و إني قادر على المشي، فما هي الأجرة التي تطلبها حتى أعطيكها. قال: خمس مئة غرش. و من بعد جدال تم الاتفاق على مئتي غرش و عباءة، و تدفع إليه هذه الأجرة متى سلم مكتوبا مني إلى موسى بأني وصلت عند الدريعي بالسلامة. و تم القول و أعطينا كلاما إلى بعضنا. ثم قلت إلى موسى: يا أخي أخشى أن يكون هذا الرجل مثل حسيسون الكعب الذي كان يريد أن يرينا خابية الذهب. قال: لا، فهذا رجل معروف، و ثانيا يجب ألا يكون معك شي‏ء يطمع به، فيجب أن تكون حوائجك زرية جدا، و كل ما معك لا تبلغ قيمته عشرة غروش. و بهذه الطريقة لا يطمع بك أحد لا هو و لا غيره.

فعدت إلى البيت و أعلمت الشيخ إبراهيم بما فعلته. فخاف علي جدا من ذلك و قال:

يا ولدي، ما أظن أن هذا الرأي مناسب، إذ يخشى عليك من الموت إما من التعب، إما من الوحوش، إما من أحد من العرب يقتلك. فقلت: إن الإنسان الذي معي شجاع قوي لا يبالي بعشرين رجل و لا يخاف من سطوة الأسد، مشهور بالرجولية، و ثانيا إن العرب لا تقتل من لا يكون لهم عدوا، بل تكتفي بالسلب، و حوائجي زرية جدا. و لهذا السبب لا أخاف من شي‏ء بعون اللّه، و إن شاء اللّه إني أتم مطلوبك و أصل عند الدريعي سالما و أرسل 2/ 32 إليك مكتوبا وقت وصولي/ عنده سالما. فابتدأ يدعو لي و يبكي و يقول هذه الكلمات: اللّه يعطيك يد المعونة، اللّه يرافقك، و سلطان الخيرات يحرسك، و يعمي عنك عيون الظالمين، و يسهل طريقك و يردك إلى سالما، و يتم مقصودي بوجودك، و لا يحرمني من حياتك، و لا يريني الردي فيك. ثم قيدنا بالدفتر كل ما يجب تقييده، و رتبنا كل أمورنا حيث لا بدّ من فراقنا،

____________

(8) منزل على الفرات، لم يعد له وجود، على ما أخبرني الأستاذ العزيزي.

97

و تواعدنا أن لا يغادر القريتين إلى أن أرسل و أحضره عندي على أهون طريقة، و طال بنا الحديث إلى أن قارب منتصف الليل.

طلبنا النوم لنستريح من تعب الدنيا، فأخذني عندئذ القلق و تراكمت علي الأفكار من مليح و قبيح حتى كاد يبزغ الفجر. فغفلت عندئذ و رأيت في منامي أني على رأس جبل عال سليخ‏ (9)، ليس به شجرة و لا عرق أخضر. و بأسفل الجبل يمر نهر عظيم يخطف الطير، فارتعت من ذلك و نمت على رأس ذلك الجبل، و رأيت شجرة تخرج من فمي و تعلو و تكبر حتى شقت أحناكي من الجانبين و صارت مثل القبة الخضراء. و ابتدأت أشعر بألم في فمي و قلبي، و أحسّ بأن شروشها تخرج من قلبي، فصرت أئنّ و أصرخ في نومي من شدة الوهم و الألم العظيم، حتى فاق الشيخ إبراهيم، فأسرع نحوي لأنه عرف أنني في اضغاث الأحلام، فهزّني حالا إلى أن صحوت، فنهضت من نومي مثل المجنون أبكي من الرعب‏ (10)، و أشعر بألم بفمي و قلبي. فقصصت منامي على المذكور، فتعجب من ذلك و قال: هذا حلم عظيم، و له تفسير جيد و أن حاجتنا بإذن اللّه منقضية، و لكن بشي‏ء من الخطر و التعب.

و في اليوم الثاني، أحضرت مصطفى الجمّال- و هذا هو اسم الشخص الذي سيرافقني- و حضر معه موسى الوردي عند الشيخ إبراهيم، و أتممنا الرباط و تم قرارنا على الذهاب مساء مع غياب الشمس. فأحضر لي موسى ألبسة للطريق و هي ألبسة عظيمة: أولا قميص خام و سخ/ مقطع، قنباز (11) كان أصله قطنيا ما بقي منه غير الرسم، كوفية عليها الدهن و يشتم منها رائحة الخمامة من بعيد، خرقة في الأصل بيضاء و لكن مزفتة و سخة شنيعة لففتها على رأسي، فروة غنم قديمة منهوشة من أطرافها ليس بها موضع سليم، و لو بقدر كف و هي ملآنة قملا، بقدمي حذاء وزنه نحو رطل حلبي قديم، زناري سير جلد يساوي درهمين‏ (12)، و قداحة، و في جيبي قليل من التوتون و قصبة طولها شبران من غير طقم. ثم كحلت عيوني بسواد الطنجرة، و كانت لحيتي قد نمت و صار طولها نحو ثلاثة أصابع. و بهذه الهيئة طلعت أمام الشيخ إبراهيم. فصار يبكي و يضحك في آن واحد، و قال: إن كنت‏

____________

(9) كذا و المعنى غير واضح، و لعله يريد: قفر.

(10) «بكيان مرعوب».

(11) «غنباز».

(12) «مصريتين». و لا شك في أن الصايغ يميل إلى المبالغة على حسب عادته.

98

تذهب معي إلى باريس‏ (13) بهذه الهيئة تستطيع أن تكسب مليون غرش من الناس، لكي يروك بهذا الزي.

ثم جلسنا و تناولنا طعام العشاء، و ودعنا بعضنا و شيعني إلى خارج القرية هو و موسى الوردي، ثم رجعا. و نحن توكلنا على اللّه و مشينا قبل غياب الشمس من القريتين و لم نزل نجد بالسير إلى نحو نصف الليل. فابتدأت أرجلي تؤلمني من الحذاء القديم لا سيما و أني كنت بغير جوارب، فتسلّخت أقدامي منه و تنفّطت‏ (14). فقلت لرفيقي مصطفى أني سأخلع الحذاء من قدمي و أمشي حافيا. فقال: يا أخي هذا ليل و شوك و صوان، و إنك ستعطل رجليك إن خلعت الحذاء. فصرت أجر نفسي جرا، و تارة أخلع الحذاء و أحمله و أمشي قليلا فتمتلئ أقدامي شوكا، و تارة ألبسه فيشتد ألم أقدامي فأخلعه من جديد. و لم أزل بهذا العذاب الشديد إلى أن طلع الفجر. فأدخلني مصطفى إلى مغارة صغيرة، في كهف جبل، لنقيم فيها ذلك النهار و نعود إلى المشي مساء. فدخلت المغارة و رميت نفسي على الأرض من شدة تعبي و ألمي الشديد، و صرت أقطع من قنبازي و أمسح الأدمية من رجليّ و أربطها و أخرج المياه منها، لأنها صارت مثل العنب، و حالا من غير أكل و لا شرب نمت مثل الميت إلى المساء، و رأيت منامات 2/ 32 شنيعة جدا من شدة تعبي و همومي و احتراق دمي/ فما شعرت إلا و مصطفى يوقظني و يقول: قم يا أخي قد غابت الشمس، فاجلس و كل لقمة و صحي رأسك، لأننا سنتوكل على اللّه و نمشي. فارتاع‏ (15) قلبي من هذا الكلام و نظرت إلى رجلي فرأيتها و رمت و زاد وجعها، فقلت له: يا حبيبي مصطفى دعنا نقضي هذا اليوم في هذه المغارة، لعل تشفى أقدامي و أستطيع المشي فقال: ألم أقل لك أنك لا تستطيع المشي و أنك تموت تعبا. و إني كنت عارفا بما سيحدث لعلمي أولا أنك رقيق الجسم و ثانيا أنك لم تعتد على المشي كراجل. فنصحتك فلم تقبل نصيحتي. و الآن إذا قضينا هذه الليلة هنا علينا أن نبقى أيضا كل النهار إذ لا نستطيع السير في النهار فيطول بنا السفر و يخلص زادنا و نهفى من الجوع. و الرأي عندي إما نرجع إلى القريتين، أو نتوكل على اللّه و نمشي رويدا رويدا إلى نحو نصف الليل، و نكمن في مكان. فسلمنا إرادتنا للّه تعالى و مشينا، و أنا من غير شي‏ء برجليّ، غير أني لففتهما بالشراطيط إلى أن ناصف الليل. و لم يبق لي طاقة. فقعدنا في سهل رمل و به «قلابات صغار

____________

(13) «باريز».

(14) «بقبقت».

(15) تسكّر.

99

لا يدروا إنسان» (16)، إلى أن طلع الضوء، و إذا من بعيد، على مسافة ربع ساعة، جمالان يرعيان على رأس تل. فخاف مصطفى جدا و قال لي: لا شك أنها هجن غزاة غرباء، و إن ظفروا بنا فإنهم ينهبوننا و ننقطع في هذه الأرض و نموت من الجوع. فالرأي عندي أن نطمر أنفسنا بالرمل إلى أن يذهبوا. فقلت أفعل ما هو أنسب. فحالا حفر الرمل و طمرني إلى رقبتي، ثم ابتعد عني قليلا و طمر أيضا نفسه. و الجمال كانت تغيب و تعود و تختفي وراء التل، ثم تعود ترعى إلا أن عددها كان دائما اثنين، لا يزيد و لا ينقص، إلى أن صار نصف النهار، و إذا بمصطفى راكض إلى صوبي و يقول: قم و لا تخف فإنها ليست جمالا، و لكن نعامات أنثى و ذكر ترعى. و ذلك لأن طير النعام يكون بحجم الجمل الصغير، و من بعيد لا يمكن تمييزه عن 1/ 34 الجمل فقمت/ و نفّضت حالي من الرمل، و شممت الهواء، و أكلت و شربت قليلا من الماء من الجود التي معنا و حمدت اللّه.

ثم قال مصطفى: نم كي تستريح، و سنمشي هذه الليلة أكثر، لأن دربنا أكثره رمل، و هذا سهل على رجليك. فسررت‏ (17) من هذا الخبر و نمت إلى غياب الشمس، ثم قمت و أكلت لقمة و مشينا و بعد مسيرنا بساعتين صرنا أمام تدمر من جهة القبلة، و لم نزل نمشي إلى أن قارب الفجر، و قد أضواني‏ (18) التعب و السهر. فجلسنا بين تلين من الرمل كل النهار إلى المساء. ثم مشينا إلى أن لاح الفجر و وصلنا إلى نهر يقال له نهر الرحيبة، و هو عظيم آتيا من القبلة و ذاهبا إلى الشمال. فخلع مصطفى ثيابه و حملني و قطع بي إلى شرقي النهر. ثم عاد و أحضر ثيابه و قال امشي. قلت له: يا حبيبي قد طلع النهار. فقال: و لو طلع النهار، إذ لا ينبغي أن نبقى إلى جانب النهر، إذ يرد إليه الغزاة و العربان من جميع الأشكال فيروننا و الأحسن أن نبعد نحو ساعة عن حافة النهر و نكمن، لأن المكان الذي قطعناه يسمى المخاضة. فجلسنا تحت ظلال أشجار جميلة إلى ضحوة النهار، و إذا بغزو كبير مكون من أربع زردات (أعني طوابير، و هذا اصطلاح لغة العرب)، من خيل و ركب أي هجن، نحو ألفين آتين من الشرق فقطعوا نهر الرحبية و ذهبوا نحو المغرب. فقال لي مصطفى: كيف تكون حالنا لو بقينا على المخاضة، كنا قتلنا لأن هؤلاء ليسوا من عربان ديرتنا، بل من ربع الوهّابي، أتوا ليغزوا على عربان هذه الديرة. و هؤلاء لا يرضون فقط بالنهب و لكنهم يقتلون‏

____________

(16) كذا، و اللّه أعلم بمراده.

(17) «فانبسطت».

(18) «ضامني».

100

أيضا، فاللّه يساعد من يقع بين أيديهم، فحمدت اللّه لأنه أعماهم عنا. و لم نزل جالسين إلى المساء، ثم أكلنا و مشينا إلى الفجر. ثم كمنا في ردم رمل فقال لي مصطفى: بقي بيننا و بين الفرات نحو ثلاث ساعات فقط. فقلت له: بشّرك اللّه بالخير، و الليلة لا نمشي إلا بعد نصف 2/ 34 الليل حتى نكون صباحا على حافة نهر الفرات، مقابل زيتا (19) لأن/ داخل‏ (20) الفرات يعدّ من العراق، و من هناك نجد لنا أناسا يجتازون بنا الفرات، إذ يوجد دائما عرب يسكنون على الشاطئ و يأخذون أجرة من الناس لقطع الفرات. و لما كان نصف الليل مشينا، و قبل طلوع الفجر وصلنا إلى الفرات الذي ينشرح الفؤاد و القلب من حسن رؤيته، و أصبحت زيتا أمامنا على الضفة الثانية من الفرات. فجلسنا إلى أن بزغت الشمس و أكلنا جميع الزاد الذي بقي معنا، لأننا كنا نأكل قليلا خوفا من أن يطول بنا الطريق بسبب بعض الموانع. و بعد طلوع الشمس، بان لنا بعض بيوت العرب على شاطئ الفرات، و عرفهم مصطفى لأنهم أصحاب و مساكين‏ (21) من سكان شاطئ الفرات. فمشينا إلى عندهم فاستقبلونا و ترحبوا بنا، و حالا أحضروا لنا أكلا و شربا. و بعد ذلك سألهم مصطفى عن الدريعي في أي مكان هو الآن؟

فقالوا كان سابقا أي من مدة عشرة أيام نازلا على زيتا ثم رحل، و الآن على ما نعلم، قد نزل في أرض يقال لها المحولة، تبعد ثلاثة أيام ما بين زيتا و الزور، لأن الدريعي تصالح مع ربع فحل الخليل و صار على وداد مع عرب بني سعيد من بعد الخصومة (22)، و قد أطاع فحل و عربه للدريعي، و صاروا يعطوه الخوة كل سنة أي مبلغا من الحبوب و الملبوس و الدراهم، لأن الدريعي لا يستطيع أحد أن يعاديه، فهو رجل مرّ في الحرب و مدبر و جيوشه كثيرة. و الآن أكثر العربان تميل إليه نكاية ببيت ملحم، و على الأخص بناصر المهنا، و على ما نظن أنه لا يقطع الشامية، أي غربي الفرات لأنه غير معتاد على هذه البلاد (23)، و لكنه قد يضرب قبيلة مهنا ثم يرجع إلى ديرته، أي بغداد و البصرة و تلك النواحي. ففرحت من هذا الخبر لأنه يدخل في مطاليب الشيخ إبراهيم، و قد تقدم الشرح أن مراده أن يتعرف بالأمير الدريعي و أبعاده عن العثماني و حكام بر الشام.

____________

(19) و يكتب الصايغ أيضا: زيته.

(20) ابتداء الكراس الخامس على حسب تقسيم الصايغ، إذ وضع في أعلى الصفحة: نمرة 5.

(21) كذا و المعنى غير واضح، فهل يريد فقراء الحال أو الأشخاص الذين يسكنون في تلك الناحية؟.

(22) «الضشمنة».

(23) أصل قبائل عنزة من نجد، و أول من دخل الشامية منها الفدعان و الحسنة. أما الرّولة فيظهر أن هجرتهم إلى بر الشام كانت في بداية القرن التاسع عشر.

101

ثم التفت بعض الحاضرين و سأل مصطفى ما هي حاجتكم عند الدريعي أنت و هذا الشاب‏ (24) الذي معك؟ فقال: لا غرض لي عند الدريعي إنما رفيقي له غرض.

1/ 35 فسألوني: ما هو غرضك أيها الشاب عند الدريعي، فأجبت حالا: يا سيدي، أنا رجل/ من تجار حلب، و لي شريك في بغداد انكسر على مبلغ خمسين كيسا من رزقي. فاقتضى الأمر أن أسعى بالوصول عنده بكل سرعة عساني أتمكن من الحصول على شي‏ء، و لكن لا يوجد اليوم قافلة من حلب إلى بغداد، و عليّ الانتظار أربعة أشهر، فيطول الأمر و لا أستطيع أن أحصل على شي‏ء من أموالي. و بلغني أيضا أن الأمير الدريعي هو كبير عربان الجزيرة، و هو الآن قريب من نواحي الزور، فتحسن عندي أن أصل عنده و أرجو منه أن يرسل معي إلى بغداد أحد أتباعه المعروفين بالأجرة، و هذا هو سبب تعبي و حضوري إلى هذه الأماكن. فقالوا جميعهم: حسنا فعلت و اللّه لا يضيع لك حقا. و رضي أيضا مصطفى بهذا الكلام و قال: الآن فهمت سبب مجيئك و الحق بيدك.

____________

(24) «الشب».

102

[الصايغ عند الدريعي‏]

و ثاني يوم قمنا مشينا و أخذنا معنا واحدا من عرب بني سعيد ليدلنا على الدرب. فبعد مسير ثلاثة أيام، عند المساء، كشفنا على نزل الدريعي، و كان نزلا عظيما نحو ألفي بيت شعر، الطنب بالطنب (الطنب هو الحبل الذي يشدّ به البيت)، و رأينا من بعيد من المواشي‏ (1) و الجمال ما يغطي عين الشمس، و لم نر مثل ذلك عند غيره من العربان.

فتقدمت إلى بيت الدريعي، و كان الوقت بعد غياب الشمس، فدخلت و سلمت عليه، فرحّب بنا و حالا أمر بالعشاء. و بعد العشاء سألني من أين و إلى أين يا شاب؟

قلت: يا سيدي من حلب إلى عند جنابك بغرض. فقال: حلت البركة بمجيئك‏ (2)، غرضك مقضي بعون اللّه، و لكن عادة الضيف عندنا يقعد ثلاثة أيام و بعد ذلك يتكلم على غرضه، قلت: السمع و الطاعة. ثم نمنا و ثاني يوم كتبت حالا إلى الشيخ إبراهيم و إلى موسى 2/ 35 الوردي، و أعطيت المكاتيب إلى مصطفى و زودته بالدعاء و توجه إلى القريتين./

و جلسنا مع الدريعي نتحدث، و هو رجل ذو نخوة زائدة، عمره نحو خمسين سنة، لحيته كوساة بيضاء، جسيم، أسمر اللون، جري‏ء (3). و جميع ما سمعنا عنه موجود به‏

____________

(1) «طرش».

(2) «يا حلة ألف براكة».

(3) «جريع».

103

حقيقة. و له ولدان ذكران، الواحد اسمه سحن‏ (4) و هو الأكبر، و الثاني سعدون. و هما متزوجان و مقيمان عنده بالبيت. و بيته كبير و هو أكبر مرتين من بيت مهنا. و عربه أغنى نوعا ما من غير عشائر، و عندهم الخيل العظام المشهورة و يقال لقبيلته الرولا (5)، و هي تحوي على خمسة ألاف بيت. هذه هي عشيرته، إلا أنه كثيرا من العشائر تنقاد له، بعضها فرضا (6)، و بعضها خوفا و بعضها محبة. فبان لي أنه رجل على قدر حاله في كل أمر، و أن جميع ما قيل عنه صحيح. و من حسن التوفيق أنه لم يكن عنده كاتب، فصار كلما احتاج إلى ورقة أو مكتوب يسخرني به، إلى أن مضت الأيام الثلاثة، و هي مدة إكرام الضيف، فما قال لي شيئا لأن عندهم من العيب أن يسألوا أحدا ما هو غرضك، لأن معنى ذلك أنهم يرغبون في أن يذهب من عندهم. و لكن العادة أن المسافر يبادر بالحديث‏ (7). فبعد ثلاثة أيام قلت: يا أمير، انتهت مدة إكرام الضيف و حل وقت الذهاب. قال: يصعب علي فراقك، فقلت و أنا كذلك، و اعلم أن سبب مجيئي عندك هو التوجه إلى بغداد بمسألة ضرورية، و لكن محبتك أنستني أشغالي و أود أن أكون في عشرتك دائما. فسرّ من هذا الكلام و قال: أنت مثل ولدي، و الذي تشور علي به فإني سأعمل به، لأنه كان رأي مني في مدة هذه الأيام الثلاثة محبة و خدمة و آراء جيدة، لأني عملت كل جهدي خلال هذه الأيام كي أرضيه و أدخل في عقله و قد حصل مطلوبي. و كنت علمت أنه ينوي أن يركب هو بنفسه على قبيلة مهنا الفاضل، و يبيدها و يغنم أرزاقها وحده، أعني فقط الخيل و الركب، و يبقي النساء 1/ 36 و البيوت عند فحل الخليل أمير بني سعيد بالزور. و كان مرادي أن يقطع الفرات/ و يدخل الشامية حتى أقربه رويدا رويدا من القريتين و أتمكن من احضار الشيخ إبراهيم عنده. فابتدأت أقول له: يا سيدي بما أنك جئت إلى هذه الديرة و عمرك ما زرتها (8)، فدعنا نقطع للشامية و نقضي الغيض (أعني الصيف) في هذه الديرة، و متى حل الخريف نشرّق على حسب عوايد عشائر عنزة (9). و بهذه الطريقة تكون أولا قهرت عدوك و ضايقته في الأرض،

____________

(4) و لعل الصواب صحن، على حسب عادة الصايغ أن يبدل الصاد بالسين.

(5) الرّولة.

(6) «البعض ملزومين التزام».

(7) «يفتح سيرة».

(8) يقول الصايغ: «و عمرك ما خطرتها»، أي لم تصل إليها، و هو يريد المكان الذي كان الدريعي نازلا به عندئذ.

(9) «عنازة».

104

ثانيا يصير لك هدايا من القرى و من عشاير العرب، ثالثا يصير لك اسم بهذه الديرة، رابعا تكون شاهدت براري بلاد سورية، و أخيرا ترتد إلى ديرتك كما كنت. فقال: هذا نعم الشور.

و ثاني يوم نبّه على الرحيل، و رحلت العربان بعد طلوع الشمس كأنهم الغمام الأسود. و مشى ابنه سحن و معه خمسون خيال يتقدمونهم‏ (10)، و بعده هو و طابور خيل من نحو خمس مئة خيال، و أركبني فرسا من خيله كحيلة (11) عظيمة، و جرت الظعن‏ (12) (أعني البيوت) خلفنا مثل الجراد، و أكثر النساء في الهوادج المجوخة، و على الخصوص بيت امرأته و كناته‏ (13) في الهوادج، و العبدات حولهنّ، و كان على ذلول أحد العبيد خرج ملآن خبزا تمرا يفرّق منه على الجائعين من الناس، و كلما مشينا ثلاث ساعات يأمرنا بالنزول حيث يوجد منتزه، فيعملون القهوة و نستريح قليلا (14) ثم نركب، إلى أن وصلنا إلى المحل المقصود و هو على حافة الفرات، منزلة يقال لها الحلاجة. فنصبوا البيوت بكل هدوء و ركون، و بلحظة صارت بلدة و أشتعلت النيران، فبتنا تلك الليلة، و ثاني يوم رحلنا و نزلنا بقرب الزور، و ثالث يوم رحلنا و قبل الظهر وصلنا إلى الزور. فركب فحل الخليل، و بصحبته نحو ألف خيال، و لاقى الدريعي، و صار لعب خيل و انشراح‏ (15)، و دعي الدريعي عنده، فرحنا تلك الليلة و تعشينا عند فحل. فكان الدريعي و أولاده و أخوه فجر، و هو أكبر منه بالعمر لا بالمعرفة و القدر، و جميع اقربائه، و معنا نحو مائتي خيال، فتعشينا عنده و بعدها ركبنا و رحنا إلى البيوت.

____________

(10) «قدام سلف».

(11) «كحيلان»؛ أي من سلالة الخيل الأصيلة.

(12) «الضعون».

(13) «كنانية».

(14) «شوية».

(15) «و كيفية».

105

[الحرب بين الرّولة و الحسنة]

2/ 36 ثم ثاني يوم قطعنا الفرات على ظهور الجمال/ و دخلنا الشامية و توجهنا غربا و نزلنا بأرض يقال لها الطافح، من حكم حلب. و ثاني يوم ورد علينا مكتوب من مهنا الفاضل و كان بهذه اللفظات:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، من مهنا الفاضل إلى الدريعي ابن شعلان، بعد السلام و رحمة اللّه، سمعنا أنك قطعت الفرات و نزلت الطافح، و مرادك أن تتقدم إلى ديرتنا و ديرة آبائنا و أجدادنا، فاستغربنا منك هذا الفعل و ظننت أن كل لحوم الطيور تؤكل‏ (1)، و اعلم أن عندنا جيوشا لا تعد و لا تحصى، و وراءنا حكاما عثمانين، و وزراء أقوياء لا يتعاندون، فالأنسب أنك ترحل أنت و عربانك و تكسب حالك و رجالك، و إن طمعت و عاندت لا تسأل عما يجري عليك من البلاء و الندم، و نردك بحول اللّه مكسورا على أثر القدم.

الامضاء: تحيات مهنا الفاضل ابن الملحم‏

فحين فرغت من قراءة المكتوب نظرت إلى وجه الدريعي، فرأيته عبس صورته و اصفر لونه و صار النور في عيونه ظلاما، و دخل في الغيظ و الحمق. ثم قال: يا خطيب خذ قرطاسا و اكتب جوابا لهذا الكلب بأصعب خطاب، و قل له لا بدّ من هدم بيته و تنكيس رايته و تطهير

____________

(1) كذا و المعروف: أن كل الطيور لا تؤكل لحومها.

106

الأرض منه و من ابنه الكلب ناصر، صبي الروم (أي العثمانيين في اصطلاح كلام عنزة).

فأخذت ورقة و كتبت جوابا و كان بهذه اللفظات:

بسم اللّه الرحمن الرحيم و هو على كل شي‏ء قدير. من الدريعي ابن شعلان إلى مهنا 1/ 37 الفاضل. و التالي‏ (2):/ وصل مكتوبك و فهمنا تهديدك الفارغ الذي ليس هو عندنا بثقل حبة الخردل. و اعلم يا مهنا أنه لا بدّ من هدم بيتك و تنكيس رايتك و تطهير الأرض منك و من ابنك ناصر. أما قولك أن هذه ديرة أبيك و جدك فالقاضي يشرع بيننا و يظهر لمن هي، و هو السيف. و يكون معلوم عندك أن بعد تاريخه نحرّك ركابنا لقتالكم فكونوا على حذر، ترى مردود عليك النقا. تحيات الدريعي بن شعلان. مكان الختم.

فأعطينا المكتوب إلى الطارش‏ (3) و سافر و ابتدأ الدريعي بالمهمات و جمع عربانه. فقلت له: يا أمير، أريد أن أشور عليك، فإن أعجبك قولي افعل به و إلا فليس هناك من خسارة.

قال: كيف يعني؟ قلت: أنت رجل غريب لست من هذه الديرة، و مهنا معروف و كل الحكام معه، و البلاد معه، و العربان قد اعتادوا عليه و يحفظون وده إكراما لاسمهم السابق، و قد أكلوا من خيرهم شيئا كثيرا. و لعلهم الآن، لسبب جرى من ناصر عليهم، رموا في حقه كلاما، و لكن بعد حين، حين يرون أن بيت مهنا سيخرب، و أنه سينكسر، فإن العشائر تعود إليه و لا بدّ أن تكون معه، و كذلك الأمر بعساكر البلاد، فيكون هو و العثماني و العرب 2/ 37 و تكون أنت وحدك، فيحصل لك ضرر و تذهب رجالك و تكسب صيت الكسرة (4)./ فقال: هذا صحيح و لكن كيف الرأي يا خطيب. قلت: أنا الرأي عندي يا سيدي أن تكاتب جميع العشاير و القبائل الموجودة بهذه الديرة و تخبرهم أنك خصم‏ (5) بيت ملحم و تريد تنكيسهم و تطلب منهم اظهار حالهم للوجود. فمن كان معك يرحل و ينزل بقربك و يظهر حاله، و من كان ضدك يبتعد و ينزل بقرب مهنا و يظهر حاله أنه خصمك، و بهذه الطريقة تكون عرفت صديقك من عدوك، و تكون كشفت ما تخفيه قلوب العربان، و عندئذ اعمل ميزانك و اعرف شغلك. فسرّ من هذا الشور ورآه غاية الصواب و قال: يا خطيب حقا إنك صاحب تدبير. فقلت له حالا: يا سيدي أنا غشيم و ولد لا أعرف شيئا، و لكن إذا كنت‏

____________

(2) بياض بعد هذه الكلمة إلى نهاية صفحة 2/ 36.

(3) الجمّال.

(4) بياض في الأصل نحو ربع صفحة، إلى نهاية ورقة 1/ 37.

(5) «ضشمان».