رحلة فتح الله الصائغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية

- فتح الله الصائغ الحلبي المزيد...
347 /
107

تريد العقل و التدبير الجيد و المعرفة و النظام، فلي معلم يقال له الشيخ إبراهيم القبرصي‏ (6)، موجود الآن بالقريتين، إن شاء اللّه ستسمح الظروف بإحضاره عندك فتراه و تحبه و تكون مسرورا جدا منه، لأنه رجل جليل و معلم ماهر، و مهما كان بخاطرك من الأمور أعانك بمعرفته و تدبيره و أوصلك إلى مطلوبك. فكان مسرورا بهذا الخبر و قال لي: اركب حالا مع مئة خيال لاحضاره، فقلت: لا، فمن الأولى أن يبقى الآن بالقريتين حتى نقترب نحن منه فنحضره. و كل هذا التدبير و الشور الذي أشرت به عليه، إنما لأتمكن من فتح سيرة الشيخ إبراهيم، و قد حصل مرادي، فصرت مسرورا محظوظا.

ثم قال الدريعي: خذ ورقة و اكتب إلى دوخي بن اسمير أمير ولد علي‏ (7)، و قل له نحن جئنا من بلادنا لأجل إعانتكم و تخليصكم من يد ناصر المهنا الذي يريد أن يدوسكم و يخرب نظامكم و يتكبر عليكم بوساطة الحكام، و أخيرا تأكلكم نار العثماني. فالآن رديت النقا على بيت ملحم و أريد أن أهاجمهم‏ (8)، و قصدي الآن أن تظهروا حالكم من غير محاباة إن كنتم 1/ 38 معي أو علي، فمن/ كان معي ينزل قريبا مني، و من كان علي ينزل بالقرب من مهنا و السلام.

و كتبت عشرة مكاتيب مثل هذا المكتوب نفسه، الأولى إلى دوخي بن اسمير أمير ولد علي، و الثاني إلى سلامة شيخ بني صخر، و الثالث إلى إدغيم بن علي شيخ السّرحان، و الرابع إلى باني بن إمهيب شيخ بني خالد، و الخامس إلى ذرّاك بن معجل شيخ الرفاشا، و السادس إلى سلطان البّراق‏ (9) شيخ العمور، و السابع إلى سلامة النعسان شيخ الفواعر، و الثامن إلى علي بن نجد شيخ بوحربا و التاسع إلى سعدون شيخ البقّارة (10)، و العاشر إلى قاسم الوكبان شيخ الشمسي. فطوينا المكاتيب و أعطيناها للدريعي، فأعطى كل مكتوب إلى خيال مخصوص و أرسله إلى قبيلة.

و ثاني يوم نحن رحلنا مع الدريعي و كان مسيرنا ثماني ساعات و نزلنا بأرض واسعة يقال لها الشومرية، لنستقبل العربان بها حيث أنها سهل عظيم واسع، و هي تبعد عن حماة ثلاثة أيام شرقي هذه المدينة. و لم يمض إلا قليل من الأيام حتى ابتدأت تتوارد علينا الجوابات. فالجميع‏

____________

(6) «القبرصلي».

(7) ولد علي، أبناء محمد، من فروع الفدعان، من ضنا عبيد.

(8) «أن أركب عليهم».

(9) «البراك».

(10) «البكارة».

108

أتوا و نزلوا بالقرب من الدريعي، إلا دوخي بن اسمير فكان جوابه لا معك و لا مع مهنا فإني مشغول بحالي في ديرتي. و كذلك كان جواب سلامة شيخ بني صخر، و أما جواب قاسم الوكبان شيخ قبيلة الشمسي، فبسبب القرابة التي بينه و بين مهنا، فإنه راح و نزل بالقرب منه.

و أما القبائل السبع الأخرى فإنها نزلت على الدريعي، و أتى مشايخها و كبارها و سلموا عليه، فاستقبلهم بكل إكرام.

و كان الدريعي أرسل جواسيس‏ (11) إلى عند مهنا، فحضروا و أخبرونا أنهم خائفين جدا، و أن ناصرا نزل إلى حماة ليستنجد بالحكام و يحضر العسكر العثماني لأجل إعانته. و بعد أربعة أيام ركب الدريعي و ركبت معه جميع القبائل و كان عددهم نحو ستة آلاف خيال جميعهم رمّاحة، و يصحبهم نحو ألف ذلول مراديف (ذلول يعني جمل، و مراديف يعني كل اثنين على 2/ 38 جمل)، فهؤلاء جميعهم بواردية بتفنك فتيل،/ لأن من عادة العربان أنها لا تحوي تفنك بقداحة، أولا لأن قليلا من يأخذ لهم من هذا الصنف للبيع، و ثانيا بسبب غلائها، ثالثا لأنها إذا تعطلت‏ (12) ليس عندهم عمال تصلحها، رابعا بسبب الخطر لأنهم دائما في حلّ و ترحال و تبقى التفنك مرمية بين حوائجهم و بأيدي النسوان و الأولاد، خامسا أنها أسرع للضرب و لا تخطئ و لا تخالف، فلأجل هذه الأسباب إن جميع العربان بالبادية (13) بتفنك فتيل، و تجدّل النساء لهم الفتيل من غزل القطن.

فمشى الدريعي بكامل ما ذكرنا لحرب مهنا الفاضل، و نبه، قبل توجهه، أن بعد غد ترحل العربان على أثره، يعني على الطريق الذي توجه منه، و كان مراده أن تكون عربانه قريبا منه، لأن من عادات العربان إذا كانت مع أهلها أن تقاتل بشدة و لا يكون قتالها فقط ركض خيل و جمال‏ (14)، و ثانيا لأنه يتمكن من الديرة أكثر. فحسب الأوامر رحلنا و نزلنا بأرض يقال لها الطامة، تبعد يومين عن حماة شرقا. و كان بقي بيننا و بين مهنا يوم فقط، لأنه كان نازلا بأرض اسمها برّي، تبعد يوما عن حماة. ثم بعد خمسة أيام من ذهاب الدريعي، وصلت البشائر أنه قد انتصر على مهنا، و بعد قليل أقبل عربنا منصورين و قد غنموا طروشا و جمالا و نوقا و خيلا. فالذي لم يذهب إلى الحرب لسبب ما، إما لأنه ليس عنده سلاح، أو أنه‏

____________

(11) «دواسيس».

(12) «إذا انعكسوا».

(13) «بالشول».

(14) «جرد خيل و ركب».

109

مريض أو لسبب منعه، فكل واحد ركض و طلب العرضة من الذين غنموا فأعطوهم إما جملا إما غنما إما قطعة سلاح أو ملبوس. فهذه عادة عند العرب، فالذي لم يستطع الذهاب لسبب ظاهر يعرض للذين كسبوا أعني يعارضهم بالدرب قبل وصولهم للبيوت و يقول لهم: العرضة يا خيرين، فعليهم أن يعطوه شيئا مما غنموه، و هذه هي العادة المصطلح عليها في كامل البرية (15). ثم حضر الدريعي و من معه من العقداء، أعني الرؤوساء، فسلمنا 1/ 39 عليهم فحكوا لنا ما جرى لهم مع قبيلة مهنا و عشائره. و هو أنه بعد توجههم بيومين/ من طرفنا وصل إلى نزل مهنا، و رمى عرب مهنا الصوت‏ (16) على بعضهم و ابتدأت الحرب بكل حرارة. و كان مع مهنا عساكر من العرب بمقدار الذي مع الدريعي بل أكثر، فاشتعلت الحرب بينهم من الصباح إلى المساء. فانتصر الدريعي و كسب طرشا و جمالا و خيلا، حتى أن ابن الدريعي سحن كسب من الجملة فرس ابن مهنا فارس. و أما ناصر فإنه لم يكن موجودا بالوقعة بل كان في حماة، ثم انكسر مهنا و هجّ بعربانه و من معه من غير عشائر بكامل البيوت، و قطعوا غربي عاصي حماة. و كثير من عرب مهنا دخلوا حماة و حكوا لناصر [ما حدث‏]. و وقع خوف الدريعي في قلوب أهل حماة و الحكام، و ضج الخبر في كامل البلاد. و نزل مهنا بنفسه إلى حماة و حكى للحكام صورة الواقعة و استنجدهم طالبا منهم العساكر حتى يضرب الدريعي. و قتل من عرب الدريعي اثنان و عشرون فردا (17)، أما من عرب مهنا فإنه قتل أكثر.

و أما المذكور، فبعد حضوره رحل و تقدم إلى قرب مدينة حمص بكامل عربانه. فبعد خمسة أيام إذ رعيان عرب الدريعي يركضون و يقولون: أتتنا الروم‏ (18)، و ناصر المهنا معهم و عربه و أخذوا الطريق. فصارت الضجة بين عربنا و صاحوا: الخيل يا أرباب الخيل. و في لحظة ركبت الخيل و طلبت [الحرب‏] في كتف ناصر و عربه و العساكر العثمانية. و في قليل من الوقت لحقوهم و انتشرت الحرب بينهم حتى عقد الغبار إلى الجو و صارت موقعة أكبر من الموقعة الأولى. فدخل الليل و أظلم و ما عاد يعرف العدو (19) من الصاحب. فاقتضى الإنفصال،

____________

(15) «الشول».

(16) «السوط».

(17) «واحد».

(18) الأتراك.

(19) «الضشمان».

110

و راح قسم من طرش الدريعي و عربه، لأنه حين دخل الليل، انهزم عرب مهنا بقسم من الطرش و لم يرهم أحد. و قتل عدد من العسكر العثماني و غنم عرب الدريعي سلاحا و خيلا و حوائج حتى قلابق‏ (20) الدالاتية. و قتل من عرب الدريعي اثنا عشر فردا فقط، الواحد منهم 2/ 39 ابن أخت الدريعي و هو شاب عظيم، تحصرت عليه كل العرب و بكت،/ و زرع قتل هذا الشاب عداوة في قلوب العربان، و بنوع خاص في قلب الدريعي لمهنا، و استقام سحن ثلاثة أيام في بيته‏ (21) و لا يأكل من جراء قتل هذا الشاب الذي فقد، و حلف أن لا بد أن يقتل ناصرا، أولا ليأخذ ثأره منه، و ثانيا لأجل طفي النيران التي اشتعلت بين العربان.

ثم بلغنا خبر أن ناصرا و أباه ذهبا لدمشق ليشكيا حالهما إلى الوزير، و يحضرا العساكر لطرد الدريعي من الديرة. فاضطر الباشا أن يكتب المكاتيب إلى قبائل حوران و بلاد الجليل، و ألزمهم أن يكونوا في إعانة مهنا و طاعته و مساعدته على الدريعي، فبعض القبائل دخلت في طاعة المهنا لا خوفا من الباشا و لكن محبة ببيت ملحم، و بعضها عملت عكس ذلك و التحمت مع الدريعي نكاية بالباشا. و انقسمت العربان إلى قسمين، و كل يوم تقع غارة و حروب حتى عجزت الحكام عن تلك الفتنة، و أتت القبائل من البرية فمنها من كان مع الدريعي و منها من كان مع مهنا، و اشتعلت النار و انتشرت في برية عربستان‏ (22) حتى انقطعت السابلة و امتنعت القوافل عن السفر.

ثم رحلنا و نزلنا في مكان يقال له القمقوم يبعد يومين عن القريتين. و هناك ركب سحن ثاني يوم و غزا قبيلة مهنا. فبعد ذهابه بيومين حضر عندنا غزو كبير من عرب مهنا، و كان عقيدهم أي صاري عسكرهم فارس بن مهنا، و غنموا من عندنا مئتين و عشرين جملا. و لم يلحقهم أحد لأن الطرش كان يرعى بعيدا عن البيوت نحو ساعتين حسب العادة، و كانت الخيل أكثرها مع سحن. و حدث بعد يومين أن عاد سحن و هو كسبان من عرب مهنا مئتين و عشرين جملا، الشي‏ء الذي يكاد لا يصدق أن يكون الكسب نفسه لا أكثر و لا أقل.

و حكى لنا سحن أن ما طلبهم أحد لأن الخيالة كانت مع ناصر. النتيجة كما صار فيهم صار

____________

(20) قلابق، مفردها قلبق: «عمرة تقوم مقام الطربوش، تتخذ من جلود صغار الخرفان، و كانت هذه العمرة في الأصل من الفراء» (العزيزي، قاموس، ج 3/ ص 101).

(21) «محصورا».

(22) «عرب بستان».

111

1/ 40 فينا حتى بالوقت نفسه. فنقل هذا الأمر عنا و عنهم حتى صار سيرة بين العربان،/ لأنه من الصدف التي يحكى بها.

ثم أن ناصرا غزا ذات يوم قبيلة تابعة للدريعي يقال لها بني خالد. و كان معه نحو خمس مئة خيال من العرب و مئتي خيال من الدالاتية أتى بهم من حماة، فضرب بني خالد و كسب منهم، و من جملة ذلك ثلاث نساء سلمهن إلى العسكر و بنتا أعطاها إلى آغا الدالاتية، و رجعوا فدخلوا قرية بقرب حماة اسمها زين العابدين. فالآغا دخل البيت وحده و أخذ الفتاة و تصرف بها و نام معها بالغرفة (23)، فحين هدي الليل قامت البنت و أخذت خنجر الآغا و شكته في قلبه فمات. و بالحال فتحت الباب و هربت من غير أن يراها أحد، و رجعت عند أهلها و أخبرتهم بالذي جرى. فسارت أخبار ناصر الشنيعة بين العربان و ضجوا منها، و امتلأت قلوبهم من العداوة له، لأن العرب من طبعهم [تكريم‏] الحريم و الناموس، فاغتاظوا جدا من ناصر لأنه سلّم الحريم إلى العسكر، و قرّ رأيهم إما أن يموتوا جميعهم، و إما أن يقتلوا ناصرا و يشربوا دمه.

فذلك اليوم حضر أشخاص من قرى حمص و أخبروا أن ناصرا توجه إلى ضيعة يقال لها النبك، في طريق دمشق، و هو يريد الذهاب إلى صدد، لأجل أن يأخذ من أهالي صدد الخوة التي رتبها عليها سنويا، و أن ليس معه إلا نحو مئة خيال من العرب. فحين بلغ ذلك الخبر سحنا أخذ حالا نحو مئة خيال و توجه بهم إلى الدرب الذي سيمر به ناصر في طريقه إلى صدد، و كمن بهم في كمين وراء جبل بالقرب من مهين و حوارين، الضيعتين اللتين كنا ذكرناهما سابقا بين صدد و القريتين. و بعد أن كمن يوما واحدا فقط و إذا بناصر و خيالته مقبلون، فنفذ عليهم مثل الأسد الخاطف و وقعت الحرب بينهم، فانكسرت خيل ناصر، فنزل ناصر بنفسه للميدان و نزل سحن أمامه و اشتدّ الحرب و القتال بينهما فقط نحو ساعتين، و هما بين أخذ ورد، و أخيرا تمكن سحن من ناصر و ضربه بالرمح فمرق من الخاصر إلى الخاصر، فوقع ناصر من على ظهر جواده و هربت خيله، فالذي تمكن من الهرب خلص، و الذي لحقوا به على فرسه و سلّم فاز بدمه لأن هذه العادة عندهم الذي ينزل عن فرسه 2/ 40 و يسلمها/ لمن لحق به لا يقتل. و أما سحن فإنه نزل حالا من على فرسه و أمسك ناصرا و قطعه‏

____________

(23) «بالأوضة».

112

قطعا صغيرة و أرسل من جاء بقفة من ضيعة حوارين و وضع ناصرا بها إربا إربا (24)، و خيّط القفة و أمسك بواحد من عرب ناصر و قطع انفه و حملّه القفة و أرسله إلى عند مهنا و قال له: رح و احك كما رأيت‏ (25).

و رجع سحن و بشر العربان بما جرى، فضج خبر ناصر بين العربان و في المدن، و استنجد مهنا بقبائل أن تعينه على الدريعي، من قبائل شمّر أعني سمرقند (26)، و من عربان نجد، حتى اتصل خبر ناصر بالوهابي في بلاد الحجاز، فحضرت قبائل غريبة من البادية (27) إلى قرب الديرة الشامية و عملوا رباطا مع مهنا على السنة القادمة أنهم يحضرون السنة القادمة و يضربون الدريعي، [و رجعت القبائل‏] (28) لأن الوقت فات، و قرب الخريف و لم يبق وقت لمثل هذه الأمور، حيث قرب وقت تشريق العرب على حسب عوائدهم.

____________

(24) «شقف شقف».

(25) «كما شفت أحكي».

(26) أين نجد من سمرقند؟.

(27) «الشول».

(28) المعنى واضح إلا أن الكلمات غير مقرؤة لأنها مخيطة في جلد المخطوطة.

113

لاسكاريس في مخيم الدريعي‏

و في أثناء هذه المدة كنا قربنا من القريتين، و بقي بيننا و بينها ساعتان فقط. فقلت للدريعي: يا سيدي إن كنت تأمر حتى أركب أنا و بعض الخيالة و نذهب من طرفك إلى القريتين لاحضار معلمي الشيخ إبراهيم. فسرّ من ذلك و حالا أمر لي بعشرين خيالا، فركبنا و دخلنا القريتين و صافحنا بعضنا و سلمنا على الأحباب، و بقينا ذلك النهار بالقريتين: الخيالة في بيت الشيخ سليم و نحن في بيت الخوري موسى، و بقينا كل الليل أيضا، و ما كنا نستطيع أن نذهب [للرقاد] لأننا لم نر بعضنا من زمن. و في الليل حكيت للشيخ إبراهيم جميع ما جرى، و قيدنا جميع أوراق اليوميات بالدفتر، و رتبنا شغلنا، و طلع الصبح من غير نوم كليا. و ثاني يوم فطرنا و ودعنا المحبين و أخذنا الشيخ إبراهيم و توجهنا بالسلامة، فوصلنا إلى عند الدريعي.

1/ 41 فحالا ركض/ و صافحه و سلّم عليه سلاما كبيرا و ترحّب به، و حالا أمر بذبح جمل من العظام، فذبحوا إكراما للشيخ إبراهيم و أكلنا منه تلك الليلة و كان أول مرة نأكل لحم جمل‏ (1)، و قد وجدناه طيبا و غير ردي‏ء يشبه طعمه لحم الغزال و له مزة (2) [تمييزه‏] نوعا عن لحم الغنم.

و لكنه مدهن و لحمه أحمر جميل، لأن الجمال التي يذبحونها وحدها ليست من جمال التحميل، و يخصصون لها دائما راعيا، و هي ترعى من غير أن يوضع على ظهرها شي‏ء، مثل‏

____________

(1) نسي الصائغ أنه أكل لحم جمل عند مهنا الفاضل، (انظر اعلاه ص 69).

(2) طعم خاص.

114

قطيع الغنم، و التي للأكل تكون بيضاء مثل الثلج، و حين تتقدم بالعمر يجعلونها للتحميل.

و أما النوق فإنهم يرغبون فيها لأجل النسل‏ (3) و الحليب، لأنهم يشربون حليب النوق بكثرة، و من كثرته يسقونه أيضا الخيل الأصايل، كل ليلة شربة عند المساء، حيث أنه يغذّي و يقوي عصب الخيل. و نحن في الأول ما صار لنا نفس نشربه، و أخيرا جربنا و تبين لنا أنه طيب جدا و حلو، و هو أكثر حلاوة من حليب الغنم و الماعز، و لكن لا يعطي سمنا كما يستخرج من حليب آخر.

ثم رحلنا ثاني يوم و نزلنا في أرض يقال لها شعب اللوز، على نبع ماء القريتين، و في غير نبعه، و هي أرض عظيمة بها مرعى و مياه كثيرة. فبعد يومين إذ بالرعيان يصيحون: يا أهل الخيل. و كان الطرش بعيدا نحو ساعتين عن البيوت، فركبت الخيل و طلبته. و كان غزو كبير من عرب الوهابي نحو ألف خيال و ألفي مردوف، فوقعت حرب شديدة و دخل الليل.

فانكسر الدريعي لأن ما كان معه غير نحو خمس مئة خيال فقط، و ربح العدو (4) و راح بمكسبه.

فثاني يوم أخذني الشيخ إبراهيم و ذهبنا وحدنا إلى نبع القريتين. فقال لي: إن هذا الرجل طبق مرادي، و لكن لأجل غايتي يجب أن تكون جميع قبائل البادية (5) و عشائرها في طاعته، حتى إذا أراد أمرا من الأمور لا يعارضه أحد، فيجب أن تعمل الطرائق و الوسائل من 2/ 41 جميع الأنواع، بحرب كان أم بالمليح،/ بالتهديد أم باللسان الحلو للوصول إلى الغاية التي أريدها. أريد منك أن يكون هذا الرجل مسموع الكلام و مطاعا من حد أبواب حلب إلى حدود الهند الشرقية (6)، و لا يكون هناك مانع و لا خصم‏ (7). فقلت: يا سيدي هذا أمر صعب جدا، لأن حال العربان معروف، فهم جماعة أحرار في ذاتهم، فلكل قبيلة شيخ أو أمير يحكمها، و لم يستطع أحد في زمن من الأزمان أن يسيطر عليهم أو يجعلهم تحت حكم، فأخاف إذا ابتدأنا بمثل هذه الأمور أن يحصل لنا ضرر. قال: من دون ذلك لا يمكن تتميم أغراضي. فقلت: معونة اللّه على كل أمر عسير.

____________

(3) «الخلفة».

(4) «الضشمان».

(5) «الشول».

(6) «لحد حدود الهند الشرقي»، كذا و هو يريد الغربي.

(7) ضشمان.

115

فرجعنا إلى البيوت و أنا أفكر كيف سأجد طريقة حتى أقول ذلك للدريعي، و من أي باب يجب أن أدخل عليه. فافتكرت أن عندنا ألعابا من نار الهوا، مثل صوفة تشعلها فتطق، و مكتوب تفتحه فيطق أيضا، و قنينة ملآنة نار هوا فوسفور، و من هذه الأشياء معنا بكثرة في آلة الزعبرة (8). فقلت للشيخ إبراهيم: أريد منك الليلة أن تعمل لنا بعض الألعاب في نار الهوا. و لما كان المساء أخرجنا من صندوق الزعبرة بعض الأشياء من التي ذكرناها، فتعجب العربان من ذلك لأنهم لم يروا بعمرهم مثل هذه الأشياء، و من طبعهم الغشم الطبيعي‏ (9)، حتى طارت عقولهم من رؤوسهم فصاروا يعتبروننا جدا و يكرموننا و نشعر أننا في نظرهم مثل الأولياء و نستطيع أن نفعل العجائب. و صاروا يتذاكرون ثاني يوم بذلك، و شاع هذا الخبر بينهم حتى صارت العربان تأتي خصوصا ليرونا. حتى أن الدريعي قال لي: يا عبد اللّه ما هذه الأمور العجيبة التي فعلها معلمك الليلة البارحة؟ فقلت: يا سيدي إنك لم تر شيئا من مهارته، هذا معلم جليل و يقدر على أمور كثيرة أصعب من هذه، و اعلم أن هذا الرجل، بوساطة معرفته و علومه العميقة، يستطيع أن يجعلك سلطانا على كامل العرب و يملك الدنيا. و اعلم يا دريعي أن سعدك كبير و رزقك كثير و على وجهك فتوحات عظيمة. و اعلم أن معلمي رأى ذلك من دلائل نجم أبو ذنب الذي ظهر بالشمال. (و ذلك لأن قبل سنتين طلع نجم أبو ذنب من طرف الشمال). فهذا نجمك و خاص بسعدك، فإن عملت‏ (10) بما 1/ 42 يقوله لك بواسطتي‏ (11) لا يصير أكبر منك/ بين أبناء جنسك، و تنال درجة عالية لم ينلها أحد من العرب قبلك. فانشرح من كلامي و دخل في عقله لأن من طبعه يحب التكبر و المكسب و التقدم، كما هو طبيعي في كل إنسان، و ثبّت كلامي إذ قال: صدقت يا عبد اللّه فيما قلت لأني كنت رأيت مناما من زمن [بهذا المعنى، فرأيت‏] أن شرارة من نجم أبو ذنب قد سقطت على بيتي و احرقت جميع ما فيه، و أنا امسكت الجمرة بيدي و ما أحرقتني. و بالحال صاح على امرأته فشهدت بذلك، لأنه كان قصّ عليها هذا المنام في الليلة التي رأه، و تحقق عنده أن سعده عظيم لأنه ما نوى قط على أمر إلا ناله، و تأكد له الآن أن له توفيقا عظيما لا مثيل له. ثم قال: يا عبد اللّه مهما يقول معلمك و أنت على رأسي و عيني و إن شاء اللّه يكون قدومكم خيرا علي.

____________

(8) الشعوذة.

(9) سلامة الطوية.

(10) «طعت».

(11) «عن يدي».

116

فأعلمت الشيخ إبراهيم بجميع ما جرى، فأعجبه ذلك جدا و أصبح مسرورا تماما.

و ثاني يوم أرسلنا و أحضرنا رزقنا من القريتين و أهدينا الدريعي أشياء يكون مسرورا بها، و أهدينا أيضا أولاده و نساء أولاده و أكابر العربان و نساءهم فأصبحنا معزوزين جدا عندهم. و ذلك كان من نوع التدبير، لأن الدريعي أولا من طبعه حب المكسب و الهدايا، و ثانيا ليتأكد أن ما هو مرادنا أن نكسب منه لكي لا يظن أن دخولنا عنده لأجل الكسب، بل ليتحقق أن مرادنا ربحه و كبره فقط، و لم ندخل عنده لأجل طمع. فزادت كرامتنا و مقامنا عنده حتى أنه كان لا يدعنا نأكل بالديوان مع الضيوف بل عند الحريم، أكلا ممتازا معدا لنا، مع امرأته و نساء أولاده و هو معنا بعض الأحيان. و يقال لحرمته سكر بنت هدال من أكابر العربان، أخوها كيخيا الوهابي، يقال له عبد اللّه الهدّال.

ثم كان عند الدريعي واحد قبيسي‏ (12) من القبيسة (13)، و كان بياعا على حسب عوائد أهل القبيسة (13)، هذا عملهم و يوجد منهم عند كل قبيلة عربية، و من طبعهم الطمع و الحسد و الغيرة. فرأى هذا الرجل أننا معزوزون عند العرب بهذا القدر، و أننا نبيع بضاعتنا 2/ 42 بنصف ثمنها (14)/ و أكثرها ببلاش‏ (15)، فدخلت عليه الغيرة و الحسد، و ابتدأ يعمل ما بوسعه ليخرب أشغالنا و يكرّه فينا العرب، و إن استطاع يقتلنا، إذ لم يعد له سبب ليتقدم أو يبيع رزقه و لم يبق له إكرام عند الدريعي أو عند العرب كالسابق، لأن المذكور كان يوكله بكتابة المكاتيب و ببعض أشغاله و يكرمه بالمال نظير خدماته، فانقطع عنه جميع ذلك، و لم تبق له قيمة عند الدريعي و لا عند العرب، فازداد غيرة منا و عداوة لنا. و كان اسمه عبسي، و هو ردي‏ء الطباع، شنيع الأفعال، حقود غيور حسود ملعون لا يتصف. فابتدأ يتكلم و يفسد العرب علينا، و يعطل أمورنا، و يقول عنا أننا سحرة جئنا نخطف بنات العرب، و دخل ذلك في عقول البنات حتى أنه كلما رأتنا فتاة تهرب منا. و ابتدأ أيضا يدخل في عقول النساء أيضا أننا سحرة، نريد أن نفسد قبائل العرب و نكره الرجال بالنساء، و نقطع نسلهم حتى نملك ديرتهم و البلاد للأفرنج. فشاع هذا الخبر حتى أن في ذات يوم، إذ كنّا مارين على بيت أحد العربان،

____________

(12) «قبيسي»، و يقول الصائغ في كتابه «المقترب»: هو البائع الذي يحضر عند البدو، من اسم بلد في طريق بغداد اسمها القبيسة.

(13) القبيسة و هي غير القبيصة، «بالفتح ثم الكسر، قرية من أعمال شرقي مدينة موصل» (معجم البلدان).

(14) وضع الصائغ في أعلى هذه الصفحة: «نمرة 6».

(15) دون ثمن مقابل، بلا شي‏ء.

117

خرجت لنا عجوز و بيدها عصا (16) و هجمت علينا و قالت: و اللّه العظيم إن قربتم من بيتي كسرت رؤوسكم بهذه العصا، جئتم لتخطفوا بنتي و تفسدوا رجالي علي، فضحكنا من عقلها و ابتعدنا عن بيتها و فهمنا أن [كلامها من نتائج‏] شغل عبسي القبيسي. و لم يزل هذا الخبر [ينتشر] حتى وصل إلى الدريعي، فاغتاظ جدا و احمرت عيونه و قال لي: لماذا يا عبد اللّه لم تحك لي حتى أقتل هذا الكلب و نخلص من هذه المفاسد؟ فقلت له: لا يا سيدي لا نريد ضرر أحد، و لكن إن كنت تأمر و تنفيه من قبيلتك فيذهب إلى بلاده. فحالا أرسل و أحضره و نبّه عليه أن يسافر حالا من قبيلته، و إن رآه أو سمع أنه موجود في اليوم التالي يقتله، فقام عبسي و هو لا يرى الدرب من الغيظ، و حالا سافر و هو لا يعلم إلى أين يتوجه.

و نحن بعد ذلك رحلنا و تقدمنا إلى جهة دمشق‏ (17) قرب ضيعة يقال لها المعضمية، 1/ 43 ضيعة كبيرة. فهذه الضيعة تعطي إلى مهنا كل سنة خوة ألف غرش غير مقطوع/ فأرسل الدريعي و طلب منهم خوة كل سنة ألف غرش، كما يعطون إلى مهنا يعطونه أيضا، فرفضوا ذلك و طردوا المرسل‏ (18) و تكلموا بكلام غير لائق، فعاد المرسل و حكى بما جرى. فركب نحو مئة خيال و أرسلهم إلى دائر القرية و أخذوا طرشها. و كان عندهم بالضيعة عبسي القبيسي، فارتبط معهم و نزلوا إلى دمشق‏ (19) هو و كبار الضيعة و ذهبوا عند التفنكجي باشي يقال له السقا (20) أحمد آغا كركتلي، لأن المذكور كان طيب على عبسي‏ (21)، و قالوا له: يا سيدي يوجد عند الدريعي اثنان من الإفرنج جواسيس‏ (22)، و هما اللذان يدبران الدريعي و يعلمانه على هذه المفاسد، و مرادهما أن يكبرا شأنه و يمتلكا البلاد بواسطته [لتسليمها] للأفرنج.

فصدق التفنكجي باشي ذلك و ذهب حالا عند الوزير، و كان يومئذ والي الشام سليمان باشا (23) والي عكا و معه المدبر الجليل المعلم حاييم اليهودي‏ (24). فحين عرض ذلك على‏

____________

(16) «عصاية».

(17) «الشام».

(18) «و قلّعوا المرسال» أي الرسول.

(19) الشام.

(20) كذا.

(21) كذا، و في اصطلاح البادية: طيّب على فلان معناه صالحه، و الظاهر من سياق الكلام أن الصائغ يريد أن يقول: عزّاه أو أخذ بخاطره.

(22) «دواسيس».

(23) من أصل كرجي مسيحي، و كان يحترم كافة الأديان.

(24) حاييم فارخى كان متسلما شؤون الخزينة في أيام الجزار، و كان الأمير يسومه أحيانا ألوان العذاب. و بعد وفاة-

118

مسامع الوزير صدّق، و انشغل خاطر المعلم حاييم بهذا الأمر. و بحسب أمر الوزير كتب حالا بولردي مشددا إلى الدريعي و أرسله مع جوخدار. و إذ نفذ علينا البولردي مع الجوخدار المذكور. فأخذه الدريعي و قال لي: اقرأ ذلك، فقرأت و كان مشددا جدا بهذه الألفاظ:

افتخار الأمراء و المشايخ الدريعي ابن شعلان زاد مجده. المنهى إليكم قد طرق مسامعنا ما قد صدر منك من الأفعال الشنيعة و الطغيان، و قد خربت هذه الديرة و دمرت عربانها و أهلكت رجالها، لا سيما أنك تجاسرت و قتلت ناصر المهنا محسوبنا (25)، الذي كان نافعا إلى بابنا و مهتما بأمور الحكام و منفذا لمصالحهم، و خربت قبيلته و غيرها من القبائل الطائعة لنا. و تريد برأيك الفاسد امتلاك ديرته بقائم سيفك حتى أنك اتصلت بالقرى التابعة لا يلتنا (26) و طلبت منها الخوة [و تريد] بلصها (27) و تغير عليها و تنهبها، و لا زلت تزيد في غيك الردي. و جميع ذلك قد صار معلوما لدينا أنه ناشئ من شخصين من الإفرنج الكفار موجودين عندك، و هما 2/ 43 اللذان يدبّرانك على هذه الدروب الشنيعة الراجعة إلى خرابك، و منتهى حياتك، و تطهير/ الأرض منك و من كافة من يلوذ بك. فالمراد حال وقوفك على مرسومنا هذا أن ترمي القبض على الأشخاص الذين عندك و ترسلهم مع الجوخدار مصطفى آغا تابعنا، حتى نقاصصهم على تجاسرهم و نجعل قتلهم شهرة. و أنت بالحال ارحل و ارجع إلى ديرتك و ردّ جميع ما أخذته من عربان ديرتنا و من ضيعة المعضمية، و إن عاندت حسب طبعك، لا تسأل عما يجري عليك من الأهوال الجسيمة و تندم حيث لا يعود ينفعك الندم، و الحذر من حركات المخالفة، اعتمد ذلك.

فحين خلصت من قراءة البولردي نظرت إلى الدريعي، فرأيت وجهه أعتمّ‏ (28)، و صارت عيونه حمراء، و دخل عليه الغيظ و الحنق، و نهض قائما و قال للجوخدار: و حق من رفع السموات و بسط الأرض، لو لا يكون [ذلك‏] خرقا للعوائد الجارية، لكنت قتلتك و ربطت رأسك بذنب حصانك و أرسلتك إلى وزيرك بدمشق. قم و اركب بلا تكثير كلام. صحيح أنا عندي شخصان غريبان، إلا إني لا أسلمهما إلا بعد موتي. فإن كان وزيرك قادرا أن‏

____________

- الجزار و تعيين سليمان باشا واليا على عكا، أسندت، من جديد، إدارة الخزينة إلى المعلم حاييم.

(25) أي صنيعتنا.

(26) ولايتنا، أو إيالتنا، أكبر وحدة إدارية في العهد العثماني.

(27) أي ابتزاز أموالها.

(28) من العتمة، أي أظلم.

119

يأخذهما بسيفه فهما عندي، و أنا لست راحلا من هذا المكان، فليكلف خاطره و يحضر، و أن ما ركبت حالا قتلتك. فاصفر وجه الجوخدار و ارتعب و قال: أنا ما هو ذنبي، ما على الرسول‏ (29) إلا البلاغ. فنهضت أنا و أمسكت يد الدريعي و قلت له: يا سيدي استرح، نحن كفؤون لتدبير هذه المادة. نحن نكتب إلى الباشا و نريك الجواب. فبعد رجاء كبير رضي أن نكتب للباشا من طرفنا. و كان بين الباشا و المعلم حاييم و الشيخ إبراهيم معرفة و محبة عظيمة، و السبب أنه حين كانت العمارة (30) الفرنسية في مصر تزوج الشيخ إبراهيم واحدة كرجية من سراري مراد بك، فأخبرته بعد مدة أنها بنت عم سليمان باشا والي عكا. ثم أخذها معه إلى باريس، و حين رجوعه من باريس إلى بر الشام، أحضرها معه و دخل‏ (31) عكا و أخذ بيتا و وضع لها خداما و واجه الباشا و رأى أن الأمر صحيح، و عمل له سعادته إكراما زائدا و أهداه تحفا عظيمة، و هي كان أكثر إقامتها في بيت الباشا، و المعلم حاييم قام بواجبه بإكرام 1/ 44 و وقار زائد، أولا لأنه‏ (32) متزوج بنت/ عم الباشا، و ثانيا احتراما لقدره لأنه من أكابر بلاد الإفرنج و أشرافها، و كما هو معلوم أن بيت لاسكاريس دي فنتميل كان مشهورا، ثالثا إجلالا لعلمه و معرفته. ثم قال لي اكتب من طرفي مكتوبا إلى جناب المعلم حاييم، و يكون بهذه الألفاظ كما سنوضحه لمسامعكم الكريمة:

جناب المهاب، فسيح الرحاب، حضرة عمدة الأحباب، الأجل الأكرم الخواجا حاييم، بعد السؤال عن شريف خاطركم و المعروض لمحبتكم بخصوص مادة محبنا الأمير الدريعي، فجميع ما بلغ سعادته من أقوال الوشاة لا أصل له، فالإفرنج الجواسيس‏ (33) هم أنا و ترجماني فتح اللّه صايغ، فالمرجو من همتكم أن تعرضوا ذلك على سعادته و تعلموه بما ذكرنا، و تصفّوا خاطره و ترسلوا لنا بولردي من سعادته إلى الدريعي يكون بضد البولردي السابق، و تزيدوا به و تفضلوه على كامل القبائل و العشائر، و تأمروهم أن يكونوا في طاعته، و لكم بذلك الفضل و تصيّروننا ممنونين حبكم إلى الأبد، و أطال اللّه بقاءكم آمين. و ختمناه و سلمناه إلى الجوخدار و توجه حالا إلى دمشق.

____________

(29) «المرسال».

(30) الأسطول، و هو يريد القوات المسلحة.

(31) «فات على».

(32) أي لاسكاريس.

(33) «الدواسيس».

120

و ثاني يوم رحنا و تقدمنا إلى ناحية القبلة، بالقرب إلى حوران، و إذ نفذ علينا الجوخدار مصطفى آغا بذاته و بصحبته بولردي إلى الدريعي و مكتوب من المعلم حاييم إلى الشيخ إبراهيم. فأخذت البولردي و قرأته إلى الدريعي و كان مضمون ذلك:

افتخار أمراء الكرام، و عمدة المشايخ العظام، رئيس العشائر و رأس القبائل، ولدنا الدريعي ابن شعلان زاد مجده، بعد السؤال عن خاطركم و المبدي إليكم، وصل كتاب من جناب محبنا الشيخ إبراهيم إلى محسوبنا المعلم حاييم، و به معرفة عن حسن حالكم و جيد أطواركم، و أن جميع ما تقرر لدينا سابقا فهو كلام و شاة و مغرضين، فبناء على ذلك أصدرنا لكم مرسومنا هذا، فالمراد أن تكونوا مطمئنين البال و الخاطر، و دبروا ايلتنا بحسن معرفتكم المشهورة، و تكونوا من طرفنا متقدمين و مفتخرين على كامل القبائل و العشائر. و كذلك نرغب أن تبدوا غاية الإكرام و التوقير إلى جناب محبنا الشيخ إبراهيم و ترجمانه، فبذلك تصيّروننا راضين عنكم و اعتمدوا على ذلك و السلام.

و مكتوب المعلم حاييم [يعرب عن‏] محبة تامة، و يعرفنا أن مهما لزم من الأمور المتعلقة 2/ 46 بالوزير نعرفه عنها فيقضيها لنا حالا بكل سهولة و طبق إرادتنا (34)./

فتعجب الدريعي و كل الحاضرين من ذلك و ازداد إكرامنا عندهم و توقيرهم لنا. ثم كتبنا جواب البولردي بإملاء يليق بحضرة الوزير، و أرسلنا أيضا جوابا إلى المعلم حاييم و استكثرنا بخيره، و أعطينا الجوخدار خمس مئة غرش إكراما و توجه لدمشق راضيا حامدا شاكرا لنا و للدريعي أيضا.

و بعد ذلك رأيت أنني أستطيع أن أكلّم المذكور بما أمرني به الشيخ إبراهيم، إذ حصل الوقت المناسب. فقلت له: اعلم يا أبو سحن (و هذا تكبير عند العرب إذا سميّت الإنسان «أبو فلان» باسم ابنه، و عند الحضر [هذا الأمر] أيضا مقبول)، إن اللّه عز و جل أرسلنا لأجل سيادتك‏ (35) و تقديمك على أبناء عصرك، فإن سمعت ما نقوله لك لا يكون أكبر منك بين العربان. فقال: مهما تقولون فهو على الرأس و العين. ففرحت بذلك و قلت: تمت إرادة معلمي. و أعلمت المذكور بذلك فسرّ، و قيدنا جميع ذلك بالدفتر و بتنا تلك الليلة مسرورين جدا.

____________

(34) الصفحة 2/ 44 بياض، أما الصفحات 1/ 45 و 2/ 45 و 1/ 46 فإنها الحقت بالصفحة 2/ 23، وفقا للإشارات التي وضعها الصائغ في المخطوطة.

(35) «كبرتك».

121

[ابتداء الحرب مع الوهابيين‏]

و في اليوم التالي وصل خبر أن غزوا من عند الوهابي ضرب قبيلة ولد علي، و غنم منها شيئا كثيرا، لأنه غزو عظيم يدور في هذه الديرة و يفتت العربان‏ (1) حتى أنه ابتدأ يدخل القرى و يبلص‏ (2) أصحابها. و العربان خائفة جدا منه، و البعض منهم قرروا على إعطاء الزكاة، أي عشر المال، للوهّابي حتى يخلصوا من شره، و يبقوا محسوبين من أتباعه و موهّبين، لأن الذي يعطي الزكاة و يطيعه يقال عنه موهب‏ (3). فأعلمت الشيخ إبراهيم بهذا الخبر، فاغتم جدا و قال: هذا ضد إرادتي، و الرأي عندي أن الدريعي يجب أن يكون ضد الوهابي، و يعمل كل ما يستطيع ليجرّ إلى طرفه زيادة من القبائل، و أما العربان التابعون للدريعي فيجب أن يكونوا جميعهم مطيعين له، و على قلب و رأي و عمل واحد. فتكلمت مع المذكور بذلك و حسنت له الأمور بقولي له: اعلم أن الوهابي إذا لم يرتدّ من هذه الديرة سوف يملك كافة العربان، و يجعلهم تابعين له، و تكون أنت من جملتهم و تصير عبدا من بعد أن كنت أميرا و حرا و أكبر منه. فالأنسب قطع رجله من ديرتنا و افراز عربه عن عربنا. فحسنت عنده هذا الرأي 1/ 47 و حالا اعتمد أن يضرب غزو الوهابي/ و يلحقه في أي مكان كان، و يظهر العداوة بينه و بين‏

____________

(1) بالأصل: يفتت على العربان، و لعل الصائغ يريد: يشتت شمل العربان.

(2) يبتز الأموال.

(3) كذا، و لا أدري كيف ضبط هذه الكلمة: موهب أو موهّب. و نلاحظ أن الصائغ كثيرا ما يستعمل كلمة وهّابي.

122

الوهابي. و أمر العربان أن تجمع بعضها بعضا و أرسل طروشا (أعني سعاة) إلى قبائل حوران و بلاد الجليل يخبرهم و يطلب منهم اسعافا، و كذلك إلى غير قبائل. و حمّل الرسل‏ (4) كلاما، و هو أن يقولوا من طرفه إلى القبائل أن مراده أن يضرب غزو الوهابي و يشهر العداوة معه، فمن تبعه فليظهر حاله، و الذي يريد أن يكون من أتباع الوهابي فليرحل إلى ديرة الوهابي.

فبعد يومين، جميع القبائل التي كانت بالقرب منا طاعت الدريعي على ذلك الرأي و حضرت إلى عندنا، و بعد ذلك حضر الطروش‏ (5)، و أخبروا أن جميع القبائل طاوعت على ذلك و اعتمدته، سوى قبيلتين و هم بني صخر و الحسنة، قبيلة مهنا، فما أطاعوا و لا لهم إرادة أن يعادوا (6) الوهابي. فتركهم الدريعي وقتئذ، و ركب حالا و لحق غزو الوهابي. و كان معه نحو خمسة ألاف خيال و ألفي مردوف بواردية، كل اثنين على جمل، و طلب غزو ابن سعود.

فغاب عنا عشرة أيام و انقطعت أخباره عنا، و صرنا في وجل عظيم و خوف جسيم، حتى ظننا أنه قتل هو و كامل عسكره، و حزنا في قلوبنا حزنا شديدا، و صرنا خائفين جدا على أرواحنا، لأن إذا حصل ذلك فالعربان تقتلنا، حيث نحن سبب ذلك الأمر.

ثم يوم الحادي عشر قبل نصف النهار إذ ورد علينا خيال جاء كالغائر، يحمل راية (7) و هي زنار أبيض رابطه من الطرفين و عامله مثل بنديرة (8) بالرمح، و هو يركض و يقول: هذه راية الدريعي، نصرنا اللّه على الضشمان، ابشروا يا عربنا. فحالا ركضنا و سلمنا عليه، و هو بشرنا أن الدريعي انتصر و سيكون هذه الليلة عندنا. فألبسناه حالا مشلحا جديدا و كوفية و جزمة [و أعطيناه‏] مئة غرش بخشيشا. و كذلك نساء أكابر العربان أهدينه‏ (9) نظير بشارته. و قامت الأفراح و الألعاب و الغناء (10) و الكيفيات‏ (11)، و ذبحت 2/ 47 الذبائح و عدت المآكل‏ (12)، و كان نهار من العمار (13)، مبهج/ و عظيم. و قبل غياب الشمس‏

____________

(4) «المراسيل».

(5) أي السعاة، كما جاء في الشرح أعلاه.

(6) «أن يضشمنوا».

(7) «جاية غارا و ساحب رايه».

(8) أي مثل العلم.

(9) «هادوه».

(10) «و الغنة».

(11) «المسرات».

(12) «الأماكيل».

(13) الأعمار، أي يوم يذكره الإنسان طول عمره.

123

إذ أقبل الدريعي و كامل من معه. فركضنا نحن و ركب جميع من بقي من الرجال، و استقبلناهم بلعب خيل و إطلاق النار (14) و الزلاغيط، إلى أن وصلوا. فنزلوا و سلمنا عليهم و حكوا لنا أنهم لحقوا بهم بعد ستة أيام في أرض يقال لها حذملما، شرقي تدمر لناحية القبلة ثلاثة أيام، على حسب ركض العرب. و كانوا بمقدار عسكر الدريعي و عقيدهم رجل صاحب صيت‏ (15) عظيم و فعل جسيم يقال له أبو نقطة، إنسان من جملة طباعه حين ينزل إلى القتال أنه يشلح عاريا (16) و يتزنر على القميص و يشلح أكمامه فيبقى مستترا من الزنار و ما تحته و أما سائر جسمه فيكون عاريا مكشوف الرأس، حافي الرجلين، و هو أسود غامق السواد، جسيم بمقدار ثلاثة أفراد (17)، شعره منفوش لم يحلقه قط، كبير اللحية تصل إلى بطنه، النتيجة تفزع منه الجن، و أكثر عربانه قريبون من هذه الصفات‏ (18).

ثم التحم القتال بينهم و اشتد الحرب، و طار العفار (19) و الغبار، و استقاموا ثماني ساعات على هذا الحال. ثم انكسر أبو نقطة و تفرقت عربانه، و انتصر الدريعي بعون اللّه، و أخذ جميع ما أخذوه من الكسب من قبيلة ولد علي و أتى به معه، و جاء أيضا بخمسة و ثلاثين فرسا كحايل‏ (20)، كسبها جميعا من عرب أبو نقطة. و قتل من عربنا اثنان و خمسون نفرا، و من عرب أبو نقطة نحو مائتي نفر. وهج المذكور مع باقي عربانه في نواحي بلاد نجد، و شاع خبر هذا الانتصار حتى وصل إلى سليمان باشا في دمشق، فسرّ جدا و حالا أرسل فروة و سيفا إلى الدريعي، مع بولردي يحمده و يشكره به على فعله هذا، لأن الباشا و أهالي ديرة الشام كانوا خائفين جدا من الوهابي، و خصوصا من صيت أبو نقطة.

و بعد ذلك رحلنا و نزلنا بأطراف بلاد حوران، و حصل لنا إكرام زائد من دوخي ابن اسمير، أمير قبيلة ولد علي، لأن الدريعي ردّ عليهم جميع ما أخذ منهم أبو نقطة. و تخاوى دوخي مع الدريعي، و جاء مشايخ القبائل و قدموا الطاعة و ارتبطوا جميعهم معنا ضد الوهابي، 1/ 48 و صار رباط عظيم في/ حوران مع كامل العشائر، إلا مع بني صخر و الحسنة.

____________

(14) «قويصات».

(15) «سيط».

(16) «بالظلط».

(17) «أزلام».

(18) ذكرنا في المقدمة أن أبا نقطة مات قبل هذا التاريخ، قتله الشريف حمود قائد عرب اليمن سنة 1809.

(19) عفر و عفر ج أعفار: التراب؛ أعفار و عفار رمال بالبادية ببلاد قيس (القاموس المحيط).

(20) كحيلات.

124

ثم ثاني يوم نفذ علينا شيخ علم من دمشق: دنبكية (21) كبيرة خضراء في رأسه معصوبة بمنديل، ثيابه بيضاء، في رقبته مسابح، عيونه مكحلة، كبير اللحية (22)، في زناره محبرة (23) و عبه ملآن من الكتب، و هو راكب على بغلة و في يده حربة. فدخل بيت الدريعي و سلّم على المذكور و على جميع الحاضرين و أخذ يتكلم بأمور الدين، و يرشدهم و يزرع في قلوبهم الرفض و الورع، و هذا شي‏ء يخالف طبائع العرب لأنهم لا يريدون أن يتكلموا بأمور الدين، و عندهم جميع الملل بالسوية و لا يسألون قط أحد عن دينه، و عندهم الجميع‏ (24) خلقة اللّه و حالهم واحد. و هذه أحسن الخصال التي وجدناها عند العرب، لأنه إلى اليوم لم يسألنا أحد أأنتم إسلام أم نصارى، و لكننا نحن في أثناء الحديث نقول أننا نصارى، و لو كانوا مترفضين و عندهم توريع‏ (25) مثل أهالي المدن، لما كنا استطعنا أن نعيش معهم يوما واحدا.

ثم قمت من المجلس و رحت إلى خيمتنا الصغيرة و كلمت الشيخ إبراهيم عن هذا الشيخ فتأذى منه، و بعد ساعة من الزمن رجعت إلى المجلس، و حسب عوائدهم نحوي نهضوا جميعا واقفين، و قام أيضا الشيخ الغريب. و بعد جلوسنا استخبر من أحد العرب الذين كانوا قريبين منه عني، فأخبروه أنني نصراني كاتب عند الأمير. فنهض قائما و قال: لا يجوز في دين اللّه أن تقوموا واقفين لنصراني كافر عدو الدين، فأنتم جميعكم إلى نار جهنم، و نساؤكم طوالق منكم بموجب شريعة سيدنا محمد شرّف اللّه ذكره. فبعد هذا الكلام نهض الدريعي بنفسه و قبض عليه من لحيته و طرحه بالأرض و سحب سيفه يريد ذبحه. فكان بأمر الصدفة أن الشيخ إبراهيم دخل المجلس. فركض و أمسك بيده و رفعه عنه. فقال: إكراما لخاطرك لا أذبحه و لكن و حق ذات اللّه العزيز لا بدّ من قطع لحيته و هذه الساعة يعود إلى بلده. و ركض مرة ثانية و أمسك بلحيته و قطعها بالسيف و أمره بالركوب حالا. فما صدق أنه يخلص بروحه و ركب 2/ 48 حالا و توجه لبلده./

ثم بعد ذلك بيومين، ركب الدريعي و كامل عربانه و راح ضرب عربان بني صخر لسبب: أولا أنهم لم يطيعوه، و ثانيا نكاية بالوهابي، لأن بني صخر، كما ذكرنا، يعدون من‏

____________

(21) الدنباكية، من التركية. عمامة ملفوفة مدورة تدل على بركة حاملها و طهارته.

(22) «ذقن».

(23) «دواية».

(24) أي جميع الناس.

(25) لعله يريد: الحث على الورع.

125

أتباع الوهابي‏ (26) و يعطونه الزكاة، أي عشر المال. فعاد منهم بخيرات جزيلة و قتل كثيرين من رجالهم. فشاع هذا الخبر بين القبائل و وقعت سطوة الدريعي في قلوب الناس، و طاعته جميع العشائر، إلا قبيلة مهنا، فإنه لم يرد أن يتعرض‏ (27) لها، لأنها أكلت جزاها، و تضعضعت أحوالها، و قتل ناصر، و لم يبق لها اسم مثل السابق، و خمدت سطوتها.

فبعد كل هذه الأمور كان مضى فصل الصيف و دخل الخريف و ابتدأت العربان رويدا رويدا تنسحب إلى الشرق. و نحن أيضا لم نزل نرحل و ننزل إلى أن صرنا أمام حماة. فقال الدريعي: أكتب يا ولدي مكتوبا إلى متسلم حماة و عرفه، لكي يرسل إلينا بقليل من الحنطة.

فكتبت مكتوبا ظريفا و أرسلناه مع طارش خاص، فوصل إلى المتسلم و قرأه و حالا أمر بأربعين جملا [محملة] حنطة و عشرة مشالح و فروة إلى الدريعي. فوصلنا جميع ذلك و فهمنا جيدا أن المتسلم لم يرسل هذه الهدية إلا خوفا من الدريعي، و ما هي كرم منه، حيث نعرفه من السابق أنه رجل بخيل وردي‏ء الأفعال.

و لم نزل ننسحب حتى صرنا بقرب حلب. فقال لي الشيخ إبراهيم: يا ولدي نحن راجعون إلى البادية (28)، و لم يبق عندنا ثياب نلبسها، و لم يبق عندنا رزق حتى يكون لنا حجة، و يلزمنا من حلب أشياء كثيرة، فكيف ندبر ذلك. قلت: أعطني مكتوبا إلى محبك الذي ستأخذ منه الدراهم و أنا أقوم بتدبير الباقي. فكتب لي حالا مكتوبا فأخذته منه و اتفقت مع الدريعي أن يرحل إلى الزور، و أنا آتي عنده من حلب. و أخذت معي اثنين من العرب بالأجرة و نزلت إلى ضيعة يقال لها الجبول، و هو المكان الذي يستخرج منه ملح حلب.

و وجدت ساعيا، و كتبت مكتوبا من طرفي إلى الشخص الذي سيعطينا الدراهم، و أرسلته 1/ 49 مع مكتوب الشيخ إبراهيم، فحضر/ المرسال‏ (29) و جاءني بالدراهم، و كان قصدي من ذلك ألّا أواجه أحدا من أهالي حلب و لا أدع أحدا يعرفني. فنزلت إلى البلد و أنا بلباس‏ (30) العرب، و بلحية، و أتكلم مثلهم، و لا يستطيع أحد أن يعرفني. فأخذت غرفة في خان من الخانات التي بأطراف البلدة، و ابتدأت أشتري لوازمي و أرى كثيرين من الأصحاب و المحبين و هم‏

____________

(26) «بني صخر محسوبة على كيس الوهابي».

(27) «ما راد يقارشها».

(28) «الشول».

(29) المرسل أو الرسول.

(30) «كسم».

126

لا يعرفوني، و أنا أضحك بقلبي منهم، و مررت عدة مرات بالطريق الذي يمرّ أمام بيتنا، و كل رغبتي أن أرى أخي و إن لم أعرّفه بحالي، فلم أتمكن من رؤيته، و لم أستطع أن أعرف إذا كان مات أو مسافرا و لم أثق بأحد لأظهر حالي، و أسأله عن أخي و عن والدتي المسكينة، و هي لم ترني منذ نحو سنتين، و لا عندها خبر مني، و لم تستلم مني مكتوبا من يوم خروجنا من حلب، لأن من جملة الشروط التي شرطها الشيخ إبراهيم علي أن لا أكاتب أحدا و لا إلى والدتي، كي لا يزيع خبرنا بين الناس و تشتهر أمورنا. و بعد ستة أيام أنهيت جميع مطلوبي و توجهت مع رفقائي العرب إلى الزور، فوجدنا عربنا نازلين على شاطئ الفرات، بقرب محل يقال له دير الشّعّار، و كنا ذكرنا سابقا أن جميع سكانه شعار (31)، و كان بلدا في السابق و به عمارات قديمة لم تزل إلى الآن. فسلمت على الشيخ إبراهيم و على الدريعي، و حكيت لهم ما فعلت. فقال الشيخ إبراهيم: حسنا عملت، كنت أخشى أن تذهب و تواجه والدتك، فتتمسك بك و لا تدعك تعود إلى عندي. و من المؤكد أن والدتي لو رأتني لما دعتني أعود قطعا. و لعلمي بذلك عملت كل جهدي لكي لا يعرفني أحد، و لا أنا عرّفت بحالي.

ثم وجدت أناسا كثيرين عند العرب، من أهالي حلب و حماة و حمص و المعرة و سرمين و إدلب و كلّز و عنتاب، و من كل ايلة حلب و غيرها، و هم يشترون جمالا من عند عربنا و معهم بضائع: ملبوس و مأكول، من مشالح و جزمات و كوفيات و قمصان خام سميك و سروج خيل، و عدد خيل و قمصان قزّ (32) للنساء، و دبس و زبيب و تين و توتون، أي جميع لوازم العرب. و قد فتحوا سوقا (33) عظيما و هم يبيعون بضائعهم قسما منها نقدا و قسما منها بالمقايضة (34)، 2/ 49 و يشتروا جمالا لأجل التحميل./ و بيع أغلى جمل بماية غرش. و أما بخصوص العملة التي يتعامل بها العرب فإنهم لا يرضون إلا بالعملة الفضية (35). و أكثر ما هو مقبول عندهم الريال الفرنجي. و إذا كانت قطعة العملة قيمتها خمسة غروش إلا ربع، كما هي الحالة بالعملة العثمانية، فإنهم، لكي لا يغلطوا بالحساب، يقبضونها بالتمام، و لو أخذوا قطعة العملة بزيادة

____________

(31) شعراء.

(32) حرير.

(33) «بازار».

(34) «داكيش».

(35) «عملة بياض».

127

عشر مصريّات‏ (36)، فإنهم لا يختلفون على ذلك إذ يهون عليهم الحساب. و كذلك لا تكون المساومة على سعر الجمل بالغروش و لكن بالريالات، أو أنهم يختارون لهم قطعة من العملة العثمانية تكون المساومة عليها.

فاستقام ذلك السوق‏ (37) ثمانية أيام. و عملنا حسابا تقريبيا [تبين لنا منه‏] أنه شري من عند عربنا فقط، بماية و خمسين ألف غرش جمالا. ثم توجه [الناس‏] إلى بلادهم. و من صار عنده دراهم كثيرة من العرب، مثل الدريعي أو غيره، وضعها في عدل الطحين أو القمح، لكي لا تقرقع وقت التحميل.

ثم بعد ذلك أمر الدريعي بالرحيل و قطع الفرات إلى الجانب الثاني. فكان نهار عظيم و ضجيج و اضطراب‏ (38)، حتى قطعنا من جانب إلى الجانب الآخر، من جهة الدير.

و غرق منا امرأة و معها ولدان أثناء قطع الفرات، لأن جملها تعثر فوقعت و أخذها مجرى الماء لشدته و أخذ أولادها بسرعة. و لم يكن إلى جنبها أحد [لينتشلها] فماتت هي و أولادها.

____________

(36) مصرّية: قطعة صغيرة جدا من العملة تعادل البارة التركية أي 40/ 1 من الغرش العثماني.

(37) «بازار».

(38) «و غوشات و كركبات».

128

[أول خطوة نحو الاتحاد]

فبعد أن أقمنا ثلاثة أيام، رحلنا و توجهنا نحو البادية شرقا. و كانت الجزيرة ملآنة من العربان، منهم من الذين كانوا معنا بالشامية، و منهم غرباء أعني من عرب ديرة بغداد و البصرة و البادية (1)، و هم أشكال و أشكال لا يمكن إحصاؤهم، و نزلنا في أرض يقال لها عين الراج.

فهناك حضر عندنا أمير يقال له فارس الجربا، و قبيلته اسمها الجربا (2) تضم نحو أربعة آلاف بيت يعدّون من عرب البصرة. و كانت غايته من هذه الزيارة التعرف بنا و الصحبة مع الدريعي على يدنا، لأنه كان سمع أن المذكور قد عادى‏ (3) الوهابي و هو عاص عليه. و صار له اسم عظيم بين القبائل، و كل ذلك بسبب تدبيرنا و حسن مشورتنا، لأنه كان شاع الخبر بين العرب أن 1/ 50 عند الدريعي جماعة ماهرين يقومون بتدبيره على/ أمور الدنيا، و بواسطة تدبيرهم سوف يصير سلطان العرب و أكبر من ابن سعود الوهابي. فبلغ ذلك فارس الجربا، و عمل حسابه أن المحبة و الوفاق معنا أنسب، و على الخصوص حين سمع أن الدريعي على خصام‏ (4) مع الوهابي، لأن العرب على إطلاق لا تحب الوهابي لسببين كبيرين: الأول لأنه يأخذ منهم العشر و يستعبدهم بواسطة أمور الديانة، [و الثاني لأنه‏] يستجرهم إلى الحرب و الموت مع القبائل العاصية و مع‏

____________

(1) «الشول».

(2) الجرباء، بطن من شمّر، فيهم الرئاسة (وصفي زكريا، عشائر الشام ج 2 ص 284 و ما بعدها).

(3) «ضشمن».

(4) «ضشمنة».

129

أهالي بلاد الحجاز و اليمن. و هذا شي‏ء ضد طبعهم لأنهم أولا يحبون أن يأخذوا و يكرهون أن يعطوا، و هو يأخذ عشر المال منهم بالغصب، و عمله هذا كأنه نوع من البلص و خصوصا أن المزكي‏ (5) الذي يحضر من طرف الوهابي ينتقي ما يعجبه من كل عشرة رؤوس واحدا، سواء كان ذلك من جمال أو نوق أو هجن أو خيل نجدية (6) أو غنم أو دراهم، و هذا يصعب جدا على العربان و يزرع العداوة في قلوبهم. و ثانيا أنه يستعبدهم بالصلاة، كل يوم خمس مرات، و الذي لا يصلي يقتل، و هو يستجرهم دائما إلى الحروب و القتل. فهم و الحالة هذه رعايا يبتزّ أموالهم و عسكر دون نفقة (7) يقتلون بسببه. و لذا ضجت‏ (8) العربان منه كثيرا و لكنهم يطيعون خوفا منه لأنهم ليسوا على رأي واحد ليكونوا عصبة عليه.

ثم قال فارس الجربا للدريعي: أريد منك أن تجمعني مع عبد اللّه الخطيب الذي عندك، إذ بلغني أن عندك جماعة أصحاب معرفة و تدبير. قال نعم. و بالحال أتى العبد و صاح علينا، و كنا في خيمتنا الصغيرة مكبين على الكتابة، فحضرت و سلمت عليه و ترحبت به، و عرّفني الدريعي به و شكره لي جدا. فقال: أريد منك ظهرة (9) أي خلوة، و السبب في هذه التسمية أن الحضر، سكان المدن، يختلون داخل [البيوت‏] ليتكلموا بالأمر الواقع السري، و أما العرب فإنهم بعكس ذلك يخرجون إلى ظاهر البيوت، و يبعدون عنها قليلا و يجلسون في أرض سهلة، لا يكون حولهم شي‏ء و لا يستطيع أحد أن يسمعهم. فنهض الدريعي و فارس و قمت معهما، فقال الدريعي: ادع‏ (10) الشيخ إبراهيم، لأن من الأنسب أن 2/ 50 يكون معنا، إذ لا بد أن يحتاج الأمر إلى تدبيره الجيد./ فجلسنا للحديث، فقال فارس للدريعي: قد بلغني جميع ما صدر منك في بر الشام، و قد عملت حسنا و أصبت المراد، و خصوصا بقتل ناصر، فإنك خلصت إخوانك العرب من شره، و كذلك خصومتك مع هذا الظالم ابن سعود. و قد تأكد عندي بعلم اليقين أن جميع ذلك نتيجة تدبير هؤلاء الأشخاص، و أومأ بيده علينا. و إني أريد أن أكون معكم برأي و فعل و قلب واحد، في كل‏

____________

(5) «المذكي».

(6) «نجادي».

(7) «ببلاش».

(8) «ضجرت».

(9) «ظهرا».

(10) «عيط».

130

ما يحصل من خير و شر، أرجو أن تقبلوني أخا لكم على عهد اللّه و رأي محمد و علي. فقال الدريعي: من جهتي قد قبلتك من كل قلبي، و لكن حتى نرى رأي‏ (11) الشيخ إبراهيم و عبد اللّه. فقال لي الشيخ إبراهيم بالإيطالي: يا ولدي أخاف أن يكون ذلك حيلة (12) علينا لأجل خراب أشغالنا، و خراب حبيبنا الدريعي. فقد يكون هذا الرجل من طرف الوهابي، أو من طرف قبيلة مهنا، أو من طرف إحدى القبائل التي عاديناها، و هو يريد الدخول معنا حتى يفسد عملنا. فقال الدريعي: تكلم يا خطيب، ما ذا يقول الشيخ إبراهيم، لا تستح، إذ يقتضي على الإنسان، في مثل هذه الأمور، أن يتكلم بما في قلبه. فكلمتهم بجميع ما قاله الشيخ إبراهيم. فضحكوا و قالوا: اعلم يا عبد اللّه أن هذا الأمر لا يحدث عند العرب، و لم يمشوا قط على مثل هذه الخيانات‏ (13)، و لا يمكن أن يمشوا عليها، فهذا شي‏ء لا يتصور عندنا، بل عند العثماني، و نحن كل أمورنا خلاف أمور العثماني و تدابيره، فكونوا من هذا القبيل في برج الراحة. و قال الدريعي: أنا أعرف شمس بلادي، يريد أنا أعرف أحوال أبناء جنسي، و الوقت الذي يحدث منه أقل حركة مضادة فاللّه أكبر عليه، فقال فارس: ساعدوا على الخير، يا جماعة أنا قلبي محروق من الوهابي، و يد واحدة لا تصفق، و ما رغبتي في عشرتكم إلا خصامكم مع الوهابي. فأعطيناه كلاما و تعاهدنا معه على عهد اللّه و رجعنا إلى البيت و تغدينا و سررنا.

ثم بعد ذلك قال الشيخ إبراهيم: يا ولدي هذا التدبير لا يستقيم‏ (14) من غير رباط (15)، فيجب أن تعمل ورقة رباط عظيمة، تربطهم بالشروط و العهود (16)، و كل من هو 1/ 51 معنا،/ و على رأينا و عملنا يضع اسمه و ختمه، و من ليس عنده ختم [يضع‏] اسمه، و يطبع في رأس الإصبع الطويلة من يده اليسرى بالحبر في الورقة، كناية عن الختم. فقال الدريعي و فارس: هذا نعم الشور، و قد رضينا فاعملوا الورقة. فدبرنا ذلك اليوم الورقة، في طرحية ورق كبيرة سميكة، و كانت بهذه الألفاظ:

____________

(11) «حتى نشوف خاطر».

(12) «ملعوب».

(13) «على هكذا أمور خيانة».

(14) «فالت».

(15) وثيقة.

(16) «إيمانات».

131

بسم اللّه الرحمن الرحيم، و به نستعين على القوم الخائنين، و نحمد اللّه الذي نوّر أبصارنا، و روّق أذهاننا، و دبّر (17) أحوالنا، و نشكره على ما أنعم به علينا من العلوم الإلهية و النفحات‏ (18) الربانية، و هيأ لنا طريق الخير، و جنبنا عن الشر، و جعلنا في الدنيا نفوز بالحرية، و نبتعد عن رق العبودية. و نشهد أن لا إله‏ (19) غيره، و لا يعبد سواه القادر على كل شي‏ء آمين. و بعد فنقول نحن المحررون اسماءنا بذيله، قد اتحدنا جميعنا باختيارنا و إرادتنا من غير إكراه و لا إجبار و لا إلزام يحوجنا إلى ذلك رغما عنا، بل بكل رضانا و من كل قلوبنا و نوايانا و بكامل صحتنا أن نكون جميعنا بقلب و رأي و عمل و تدبير و رضى واحد، و بذات واحدة في جميع ما يقوله الشيخ إبراهيم و عبد اللّه الخطيب من التدابير و الأمور الراجعة إلى صالحنا، و نافعة لرفع‏ (20) شأننا، و نيل حريتنا، و اشهار رايتنا. أما الشروط التي قبلنا بها [و فرضناها] على أنفسنا (21) فهي:

أولا: الابتعاد عن التعامل‏ (22) مع العثماني.

ثانيا: أن نكون ضد الوهابي حتى الموت.

ثالثا: عدم التكلم بأمور الديانة.

رابعا: أن نكون طائعين إلى أخينا الأكبر الدريعي ابن شعلان.

خامسا: كل واحد منا يكون ضابطا عربه من كل أمر يخالف هذه الشروط، سواء كان ذلك من نوع الخيانة أو اشعار للعدو بما نفعل.

سادسا: أن نكون جميعنا ضد من لا يطيعنا من القبائل.

سابعا: نحمي من هو معنا و ضارب ختمه في صك الوفق هذا و نعادي من عاداه.

ثامنا: كل من وضع ختمه في هذه الورقة و صدر منه أدنى حركة مخالفة لهذا الإرتباط، فإن دمه و ماله و عياله حلال، و يكون جزاؤه الموت السريع.

تاسعا: لا نقبل رشوة (23) و لا نسمع كلام الوشاة ضد الشيخ إبراهيم و عبد اللّه.

____________

(17) «و بدير».

(18) «و الفنحات».

(19) «الإله».

(20) «قيام».

(21) «ذواتنا».

(22) «مقارشة».

(23) «برطيل».

132

2/ 51 عاشرا/: قد قبلنا بهذه الشروط من كل قلوبنا، و على هذا عهد اللّه و أمان اللّه و رأي اللّه و رأي محمد و علي، و الخائن يخونه اللّه. و قد عزمنا على أنفسنا أن نموت و نحيى على هذه الأمانة، ما دام فلك و سبح ملك و السلام تحريرا في اليوم الثاني عشر من شهر تشرين الثاني سنة ألف و ثماني مئة و أحدى عشرة مسيحية غربية.

فقرأنا لهم هذا الرباط فسرّوا به جدا، و وضعوا ختومهم حالا الدريعي و فارس الجربا.

و رحلنا ثاني يوم، و توجه فارس عند عربه حيث كانوا بعيدين عنا نحو خمسة أيام، و نزلنا في أرض عظيمة واسعة جدا يقال لها الرامة. فتحسن عند الدريعي أن يجمع القبائل القريبة منه كي يدعوهم إلى وضع ختومهم بالشروط. فأول من حضر الشيخ عوض ابن جندل شيخ قبيلة عرب السّوالمة. فهذه القبيلة تحتوي على ألف و خمس مئة بيت: رجال مجربون بالحرب و القتال، لهم صيت عظيم بين العربان، مهابون جدا. و شيخهم رجل كامل معدود الخاطر. فقرأنا له ورقة الشروط و الرباط، فأعجبته و أعطى كلاما ثابتا و وضع ختمه بها حالا.

و حضر معه إطعيسان ابن سراج، شيخ قبيلة عرب العلما (24)، قبيلة تحتوي على ألف و أربع مئة بيت. و هو شاب ابن أربعين سنة، و كان حكم العربان منذ كان ابن خمس عشرة سنة، إذ توفي والده و استلم هو القبيلة بكل تدبير و سياسة أحسن من زمن والده. و هو فهيم جدا، و عربه اسمهم العلما، و الصحيح أن هذا الاسم لائق بهم لأنهم فهيمين جدا بالنظر إلى غير قبائل، عارفين بأمور الدنيا أكثر من غيرهم، فصحاء اللسان، شعراء (25).

و السبب بهذه التسمية، على ما قيل لنا، أنه كان لهم جد يقال له عليوي، و كان من عرب ديرة بغداد، فحضر عنده إنسان بدوي و قال له: يا شيخ عليوي، حرمتي‏ (26) فقدت من جنبي بالفراش‏ (27)، و لي ثلاثة أولاد صغار يبكون. و صار لي الأن أربعة أيام أفتش عنها و لم أجد لها خبرا لا في الأرض و لا في السماء، فجئت أشكي لك مصيبتي و أرجو منك أن تجد 1/ 52 لي حرمتي و لك الأجر./ فقال له: اذهب إلى بيتك و لا تعرف امرأتك إلا مني، فانصرف‏

____________

(24) العلمة، من عنزة (حمد الجاسر، معجم القبائل، ص 574).

(25) «شعّار».

(26) زوجتي.

(27) «بالفرشة».

133

الرجل‏ (28). أما الشيخ عليوي فقد كان له ولد شقي ردي‏ء الأفعال يقال له الغضبان، لم يره منذ أربعة أيام. فحالا شك في ابنه، لأنه كان فهم من الرجل، زوج الحرمة، أنها جميلة، و يعرف أن ابنه يحب النساء الحسان، فتأكد عنده ذلك. فقام و ركب ذلولا و أخذ يطوف بالبراري، فرأى من بعيد نسورا خارجة من باب مغارة، في كهف جبل، ففكر أن النسور لا تجتمع إلا على الجثة. فقصد تلك المغارة و دخلها، فوجد المرأة مذبوحة و الطيور تأكل جسدها. فدار حولها فما وجد أي أثر، إلا أنه وجد على باب المغارة بعر ذلول صحاح غير مفروطة، و شرّابة خرج من شرابات خرج ذلول. فأخذ الشرابة و ركب و رجع إلى بيته، فوجد أن ابنه قد عاد إلى البيت أيضا. فسأله أين كنت؟ فقال له: كنت عند أقربائنا العرب الفلانية و كان زارهم من زمن غير بعيد. و رأى بعد ذلك الذلول‏ (29) الذي كان راكبه الغضبان، و كان منوخا أي باركا أمام البيت ليستريح. فنظر الشيخ عليوي إلى الذلول فوجده أطوز من غير ذنب، فتأكد عنده أن البعر الذي رأه على باب المغارة هو بعر هذا الذلول، لأن كل ذلول ليس له ذنب يكون بعره صحاحا غير مفروطة. و وجد أيضا أن الخرج ينقصه شرّابة. فوضع الشرّابة التي معه فجاءت بمكانها و من قماش رفيقاتها. فاشتد عندئذ غضبه على ابنه و قال له: يا ردي‏ء الأفعال أخبرني بحقيقة (30) ما فعلت. فاصفر لون الغضبان و أقرّ بذنبه. فحالا قبض‏ (31) عليه و قتله. ثم أرسل خلف الرجل زوج الحرمة و حكى له القضية و زوجه ابنته، و شاع هذا الخبر في كل العشاير و القبائل، و صار للشيخ عليوي صيت عظيم على هذا الفعل و النظر الثاقب، و صار الناس يقولون عنه أنه عالم، و درج هذا الاسم عليه حتى أصبح اسم عربه العلما، و هذا كان السبب بهذه التسمية.

ثم قرأنا ورقة الشروط على الشيخ إطعيسان و أفهمناه [مضموناها]، فرضي بتلك 2/ 52 الشروط و وضع ختمه و قال: أنا أول من أطاع و آخر من/ عصي، إنني معكم في كل أمر تريدونه الذي به خير العرب، و ضرب ختمه و اسمه.

و كذلك حضر ثاني [يوم رجل‏] يقال له سطّام ابن معجل، شيخ عرب عبد اللّه، قبيلته تحتوي على ألف و مائتي بيت، فقبل كذلك بالشروط و وضع اسمه و ختم بإصبعه حيث‏

____________

(28) «الراجل».

(29) عبارة الصائغ متقلقلة و غير واضحة المعنى. فهو يقول: «و كان ما صار له زمان وصل بعده الذلول».

(30) «اصدقني».

(31) «قضب».

134

ما له ختم. و أيضا ذراك شيخ عرب الرفاشة (32)، وضع اسمه و ختم بإصبعه و هو الذي كنا ذكرناه سابقا.

ثم نزلنا في منزلة يقال لها عين الوساد بقرب نهر يقال له الشابور (33). فكان قريب منا قبيلة من العرب يقال لها الولدة، شيخها اسمه جندل المهيدي، تحتوي على ألف و ست مئة بيت، رجال مجربة بالحرب و القتال. فأرسل الدريعي يدعوه‏ (34) عنده حتى يدخله بالرباط مثل غيره. و لكن جندلا المذكور كان بلغه جميع ما حصل في بلاد سورية من الأمور مع العربان و الدريعي و الوهابي، و عارفا بورقة الشروط و الرباط، الغاية أنه كان على علم بجميع ما حدث حين وصل عنده رسول‏ (35) الدريعي يدعوه للحضور، فقال له: ارجع إلى سيدك و قل له أن جندلا و عربه ما هم تحت يدك، و كل هذه الأمور راجعة إلى خراب بيتك و زوالك‏ (36) من العالم، إنك لست بقدر ابن سعود و لا تقدر على مثل هذه الأمور، فحط عقلك في رأسك وضع هؤلاء المدبرين الذين يعملون على تدبير خرابك و خراب العرب.

فعاد الرسول و تكلم بما ذكرناه. فاغتاظ الدريعي و من كان حاضرا، حتى أن سحن ابنه نهض قائما و أرسل من ينبه العربان ليكونوا على استعداد للذهاب عند قبيلة الولدة و ضربها، و إحضار جندل أسيرا (37). فقلت له: يا سحن، كن طويل البال، إذ يظهر من الكلام الذي بعثه مع الرسول أنه ليس كلام عدو، بل كلام إنسان غير فاهم حقيقة الأمور، و الذي بلّغه الخبر هو من الوشاة، و ليس من الأصدقاء، فخذ الأمور بالحلم‏ (38). و يجب أن نكتب لهذا الرجل كتابا نجلب خاطره و نعلمه نوعا ما عن رباطنا و أنه يرجع إلى خير طائفة 1/ 53 العرب لأنه اتحاد و ليس تفرقة، و من المعلوم أن الاتحاد قوة (39) و خير/ للطائفة. و اعتمدنا على المكتوب. ثم في الليل قال لي الشيخ إبراهيم: ليست المهارة (40) أن تكتب له مكتوبا، و لكن‏

____________

(32) «الرفاشا».

(33) كذا، و لعله يريد الخابور كما يظهر من سياق الحديث.

(34) «يعزمه».

(35) «مرسال».

(36) «و ذوالانك».

(37) «يسير».

(38) «بالرايق».

(39) «مكن».

(40) «الشطارة».

135

المهارة أن تذهب عنده و تحضره معك و تدخل في عقله أن يكون معنا، و ترفع من رأسه الوسواس و الأمور غير الملائمة لنا، قلت على رأسي.

ثم ثاني [يوم‏] قلت للدريعي أريد منك أن ترسل معي من يوصلنا عند جندل.

فتعجب من ذلك و قال لأي سبب تذهب أنت عنده؟ إن جاء من تلقاء نفسه فأهلا و سهلا به، و أن لم يأت فهذا السيف يحضره. فقلت له: يا سيدي، الشي‏ء الذي يمكن عمله باللسان فقط، لأي شي‏ء حتى نتعب حالنا و نسفك دماء رجالنا؟ فإن رضي و حضر معي انقضت المصلحة، و إن لم يطاوع، أرجع حالا و ندبر له عندئذ طريقة أخرى.

و بالحال ركبت و أرسل معي اثنين من الخيالة و توجهنا. و بعد ست ساعات من المسير وصلنا عنده. فسلمنا عليه و جلسنا، فما عرف الدعوى و ظن أننا ضيوف عابرو الطريق، حتى تكلم رفقائي و سلموا على الحاضرين ففهم أنهم من عرب الرولا (41) تابعين الدريعي.

فسأل رفقائي عني فأجبته: أنا محبك و الساعي في خيرك عبد اللّه الخطيب. فعرف عندئذ من أنا و أني جئت لاحضاره. فقال: لو لا أنك و طأت‏ (42) المحل لكنت جعلت قتلك شهرة، و لكن لا يمكن الآن ذلك إذ ليست العادة (43) عندنا، ثم قلت له: يا أمير، الكلام لا يلصق بالإنسان، أريد أن أتكلم مع محبتك كلمتين سرا في ظهرة (44)، يعني خلوة، فإن رأيت أن الأمر يناسبك و يرضيك‏ (45) كان به الخير، و إن لم يناسبك فإننا نعرف الدرب‏ (46) الذي جئنا منه.

فقام حالا و أخذ معه ابنه الكبير، و قمت أنا و رفقائي و اجتمعنا خارج البيت بالسهل، على حسب عوائدهم، كما ذكرنا سابقا. فقلت يا جندل، أي شي‏ء في الدنيا ترغب فيه أكثر: العبودية أم الحرية. قال: لا شك الحرية. قلت: تحب الوفاق أكثر أم الإنشقاق‏ (47)؟

قال: الوفاق. قلت: تحب العز أكثر أم الذل؟ قال: العز. قلت: تحب الفقر أكثر أم‏

____________

(41) كذا، أي الرولة.

(42) «دعست».

(43) «الطريقة».

(44) «ظهرا».

(45) «و قطع عقلك».

(46) «دبر».

(47) «التفخض»، و هو لا شك يريد التفخذ. أي الإنقسام إلى أفخاذ.

136

الغنى؟ قال: الغنى. قلت: تحب القوة (48) أم الضعف؟ قال: القوة. قلت: تحب 2/ 53 الإنكسار (49) أم النصر؟ قال: النصر. قلت: تحب الخير/ أم الشر؟ قال: الخير. قلت:

ما هي الأسباب التي تجلب ذلك؟ قال؟ الحرية و الاتحاد. قلت: من حيث أنك تعرف ذلك كيف تقول عنا أننا جواسيس‏ (50) مفسدون نريد خراب العربان. فنحن مرادنا أن نخلصكم من أسر الوهابي و من ظلم العثماني و خيانته، و نجعلكم أحرارا أقوياء في ذواتكم، و ورقة الشروط التي سمعت بها هي لأجل اتحادكم مع بعضكم بعضا و تقويتكم بالأكثر على أعدائكم، و الخصام‏ (51) مع الوهابي كي نخلصكم من رق العبودية و نجعلكم أحرارا في أنفسكم. فبما أن هذا الأمر الذي نرغب فيه فكيف تبين لك أن مرادنا خرابكم؟ قال: صحيح و لكن يا عبد اللّه نحن لسنا بقوة ابن سعود حتى نعاديه، هذا سلطان و جيوشه كثيرة. قلت: اعلم أولا أنه إنسان مثلك، و ثانيا أنه ظالم و اللّه لا يحب الظالمين و لا يصلح عمل المفسدين، ثالثا أنه غشيم لا يحسن تدبير ما يجب‏ (52)، رابعا لا تظن أن النصر يحصل بكثرة العساكر، و لكن اللّه يعطي النصر لمن يشاء، و كم من جيوش قليلة كسرت جيوشا كثيرة. فالمسألة ليست بكثرة العساكر بل بالمحبة و الوئام‏ (53) إذا كان موجودا. فإذن أرفض كامل الوسواس من بالك، و تأكد أن قصدنا خيركم و نشاطكم، و قيام عزكم و جاهكم، و رفع مجدكم و راياتكم، و إغماد سيفكم في رقاب أعدائكم، فلا تكن من الأغنياء بل من المدركين، و باللّه نستعين على القوم الظالمين. و قمت حالا دون أن أعطيه الوقت ليرد علي، و صافحته و صافحت ولده، فسرّ من ذلك و دخل في عقله و قال: جميع ما قلته يا خطيب فهو حق و صدق، فكن طيب الخاطر فكل شي‏ء يكون وفق إرادتك.

ثم رجعنا إلى البيت و ذبحوا رأس غنم و تغدينا و قضينا ذلك النهار عندهم. و ما كان عملي‏ (54) ذلك النهار و الليل إلا و عظهم‏ (55)، حتى صاروا جميعهم بيدي مثل الخاتم. و ثاني‏

____________

(48) «التقواي».

(49) «الكسر».

(50) «دواسيس».

(51) «ضشمنة».

(52) «غشيم تدبير الواجب ما عنده».

(53) «الوفق».

(54) «كاري» أي صنعتي.

(55) «أكرز عليهم»: أعظهم و أكرر النصح.

137

يوم ركبنا. و ركب معنا جندل و توجهنا عند الدريعي، فدخلنا و سلمنا عليه. فتعجب المذكور و الشيخ إبراهيم من ذلك. ثم أخرجنا له ورقة الشروط و قرأناها و أفهمناه رموزها و معناها.

و كذلك الدريعي أعلمه بجميع ما رأى منا من النصائح و التدابير الجيدة الراجعة إلى خير العرب. فانشرح من ذلك و قال: إن غاية مرادي هذا الأمر و لكني أخشى ألّا نكون كفوئين له فنفشل و نخرب، و نكون نريد الخير فيحصل لنا الشر و تضحك منا الناس. فقلت يا جندل إن اللّه مع الضعيف كي يتعجب القوي، إن اللّه مع منكسري القلوب، اللّه جبّار (56) الخواطر، 1/ 54/ كن مع اللّه، اللّه يكون معك. ثم قال: توكلنا على اللّه و وضع ختمه و اسمه بالورقة و أعطى كلاما ثابتا، ففرحت بذلك، و صارت ضيافة عظيمة لي و لكبار الموجودين في عربنا.

____________

(56) «جار».

138

[الدخول في الحلف‏]

و ثاني يوم توجه و راح إلى عربه، و نحن رحلنا و نزلنا في أرض يقال لها خشم الحواره.

و هناك كنا بالقرب من جبل سنجار و سكانه، كما هو معلوم، يعبدون الشيطان. و كنا أيضا قبله على نهر الساجور (1) بالقرب منا [قبيلة] يقال لها المفنفج‏ (2) أميرها اسمه حمود التامر.

فهؤلاء مثل عرب فحل الخليل بني سعيد، لا يرحلون مثل عرب عنزة، بل إقامتهم دائما على نهر الساجور (1) و حول جبل سنجار. و قبيلتهم كبيرة تضم نحو خمسة آلاف بيت، جميعهم رجال حرب‏ (3)، ينقلون التفنك أكثر من الرمح، و يأخذ أميرهم الخوة (4) من كامل قرى الجزيرة. و كل أهل بلاد العراق تخاف منه و تهابه جدا. فقال لي الشيخ إبراهيم: كيف السبيل يا ولدي حتى ندخله في جميعتنا؟ قلت: هذا حصتك، واحد عليك و واحد علي.

فقال: لا تتأمل مني و لو بواحد، قم دبّر حالك معه. فتكلمت مع الدريعي و تم رأينا أننا قبل كل شي‏ء نكتب له كتابا ظريفا و نرى ما يكون جوابه، فنعلم طرفا من نواياه‏ (5). فكتبنا له مكتوبا و كان بهذه اللفظات:

____________

(1) كذا، و الواقع أنه يريد الخابور.

(2) في مكان آخر: المفنفخ؟ (بالخاء بدلا من الجيم).

(3) «حرباجية».

(4) «خواة».

(5) «يصير معنا رموز لنيته».

139

بسم اللّه الرحمن الرحيم رب العالمين. من الدريعي ابن شعلان إلى حمود التامر، بعد السلام عليكم و رحمة اللّه لديكم، نعلمك يا محب، أعلمك اللّه بالخيرات، أنه ربما بلغك أحوال الظالم ابن سعود الذي يستعبد العربان و يبتز أموالهم‏ (6) و يقتلهم بالحروب بجرائره، لأجل عظمته و غاياته الفاسدة، حتى خرب حرم اللّه الشريف، و قطع الحج المنيف، و كل مراده أن يكون سلطانا (7) على العرب، و يملكهم و يسودهم و يتمّ مقاصده بواسطتهم. فلم يزل يأخذ الجزية (8)، و يجعلنا في العبودية، و يقتل من أهل السنة. فهذا الرجل لا بد أن يصل شرار ناره إليك، كما وصلنا إلينا و إلى غيرنا. فحين شاهدنا هذه الأفعال، و هي ضد الطبع البشري و ضد إرداة المولى ثقتي، توكلنا على باسط الأرض و رافع السماء، و شمرنا عن ذيل الجد، 2/ 54 و قصدنا أن نحقن‏ (9) دماء إخواننا العرب المؤمنين، و إنقاذهم من يد/ هذا الظالم الغشيم. فنحن الآن لذا مهتمون و إلى جوابك منتظرون، و نرغب أن تكون لنا معينا و معاذا، و اللّه أكبر (10) على القوم المخالفين و السلام.

و سلمنا المكتوب إلى خيال خصوصي و ذهب بالسلامة. و ثاني يوم إذ ورد علينا المرسال من غير جواب، و أخبرنا أن حمودا قرأ الكتاب و ما أعطى جوابا، بل قال: قم رح عند سيدك و قل له ما عندي لكم جواب. فاغتاظ الدريعي من ذلك و قال: يا عبد اللّه هذا الرجل لا يمكن أن يدخل معنا عن طيبة خاطر (11) لأنه قوي الظهر، أولا برجاله و ثانيا بسكان جبل سنجار، لأنهم جميعا يلبّون نداه. فما له عندي من دواء غير السيف، و لذا فإني سأرسل له ورقة و أردّ عليه النقا. و ثاني يوم كتب له ورقة بهذه اللفظات‏ (12):

من الدريعي إلى حمود، سبق أن أرسلنا إليك مكتوبا و لم ترد الجواب، فبان لي من ذلك أنك تريد الخصام معنا، فمن حيث أنك تريد ذلك فخذ حذرك‏ (13)، مردود عليك النقا. و أرسله مع خيال ثان. و سلمه المرسال المكتوب، فحين قرأه تغيرت ألوانه، و حالا

____________

(6) «يبلصهم».

(7) «يتسلطن».

(8) و هو يريد الزكاة.

(9) «اكتفاف».

(10) «و ما ذا اللّه و أكبر».

(11) «بالمليح».

(12) الألفاظ.

(13) «خوض حضرك».

140

أرسل من قبيلته رجلين كبيرين بالسن‏ (14)، أحدهما عمه و آخر غريب، و حملهما كلاما و سارا مع خيالنا. ثم وصلا إلينا و طلبا خلوة. فاجتمعنا خارج البيت على حسب العوائد.

فقالا: يا جماعة كلما ذكرتم لنا هو حق و صحيح، و لكن حمود التامر ليس رجل حرب‏ (15) مثلكم. صحيح أنه من العرب، و لكنه مستقر لا يتزعزع و أنتم لستم عنده دائما، و يخاف من شر الوهابي على حاله و رجاله و رزقه. فقال الدريعي: حمود، بفضل اللّه، قوي بقوة اللّه و رجاله. و هو لا يحسب حسابا لغزو ابن السعود. فالوهابي لا يحضر بنفسه بل يجي‏ء من طرفه غزو فقط. و أكثر ما يكون خمسة آلاف. و على ظني أن حمودا لا يأكل‏ (16) همها. و إن شاء اللّه أني سأقطع أخبار غزو الوهابي من هذه الديرة. فأنا و كامل من يلوذ بي من العرب معه على الخير و الشر حتى الموت. و لكن إن خالف فأنا و جميع من اتّحد معي خصومه إلى الأبد. فليطلع عند عبادين الشيطان و يلوذ بهم‏ (17)، و يستعين بكل الشياطين، و أنا بعون اللّه 1/ 55 انتصر عليه و سوف يندم على ذلك./

فبعد كلام كثير، من الدريعي بالتهديد، و منّا باللين، قالوا: نحن ليس معنا تفويض بإعطاء جواب، يجب أن نخبر حمودا بجميع ما ذكرتم، و هو يفعل ما يستحسنه. و بالحال ركبوا و رجعوا عند حمود و كلموه بجميع ما سمعوه. فخاف من ذلك و حسب حسابا كبيرا للدريعي، ثم أرسل ابن أخيه، و هو شاب متكلم يقال له صقر، و بصحبته عشرة خيالة، كي يدعونا للذهاب عنده. فوصل المذكور و استقبلناه بكل إكرام، فدعى الدريعي و من يلوذ به و كل الكبار الموجودين في القبيلة إلى ضيافة عمه الأمير حمود التامر. فركب الدريعي و أولاده و كل الكبار و الشيخ إبراهيم و الفقير، و ركب معنا ثلاث مئة (18) خيال و توجهنا عند المذكور. فركب هو و كبار قبيلته و لاقونا من نحو نصف ساعة، و صار لعب خيل و فرح.

ثم نزلنا عن الخيل فعملوا (19) معنا كل معروف و إكرام و ذبحوا ثلاثين رأس غنم و خمسة جمال و ابتدأوا يعدون المآكل. و جلسنا نحن و سلمنا على حمود التامر، و هو رجل ذو حسن‏

____________

(14) «اختيارية».

(15) «نزال».

(16) «يهكل».

(17) «يحاصر عند عبادين الشيطان».

(18) بالأصل خمس مئة ثم أبدلها الصائغ بثلاث مئة.

(19) «فساقو».

141

و شجاعة و معرفة جيدة. فاختلينا مع المذكور و صرنا نتفاوض و نتكلم كثيرا. ففهمنا نيته و هو أنه يريد هذا الأمر، و لكنه يخاف من تقلبات العرب. فهو يقول: إن العرب ليس لهم رباط ثابت، و أخاف أن تتغير نواياهم و يفسد الرباط، فأولا يكون نصيبنا الخجل، و ثانيا يشتد علينا من جديد ساعد العثماني و الوهابي و تحرقنا نارهم. فأكدّنا له أن هذا الشي‏ء لا يحصل لأننا عملنا رباطا عظيما، بالشروط الواجبة، و سوف يطّلع‏ (20) عليها و يرى أن الرباط متين، لا يستطيع أحد أن يخون من جميع الذين يدخلون معنا على هذا الرأي. فوثق‏ (21) بهذا الكلام و أعطى القول إنه سيحضر عندنا و يسمع [ما هو مكتوب‏] بالورقة و يضع ختمه عليها.

فقمنا من الخلوة مسرورين كافة، و كان حضر طعام الغداء فوضعوه بالسهل، أمام البيت، في خمسة مناسف من النحاس، كل واحد منها يستطيع أن يجلس فيه أربعة أنفار، عليه من الأرز بعلو نحو ذراعين، و فوقه خاروف محشي. و لكل منسف أربع آذان من نحاس.

و حين وضع على السّفرة (22) حمله أربعة عبيد. و الشخص الذي يكون أمامك على السفرة 2/ 55 لا يراك و لا تراه/ من علو الأرز و كثرته، لأن الأرز عندهم كثير و هم يستوردونه من مرعش و ملطية حيث ينتج بكثرة. و خبزهم من الحنطة ممتاز، و يستوردون حنطتهم من بلاد الرها، لأن الحبوب تطلع كثيرا في بلاد الرها أعني ديار بكر و غيرها.

ثم بعد الغداء و كان قرب المساء، ابتدأت الطروش بالإياب، من جمال و نوق و غنم و جواميس‏ (23) و خيل، و أشياء لا توصف. فيطلع عندهم سمن و صوف و جمال يبيعون [منها] إلى بلاد الرها بمبالغ عظيمة. و أما نساؤهم فجميلات جدا، و لباسهن أفخر من ملابس عرب عنزة: في أيديهن أساور فضة و حبال مرجان و حبال كهربا (24) و في أذانهن أحلاق فضة أو ذهب، و في أنوفهن خزائم‏ (25) من ذهب أو فضة أو نحاس، [و يلبسن‏] القنابيز من القطن و الحرير (26). و كذلك لباس الرجال أحسن من لباس عرب عنزة. و كل ذلك من الخيرات التي تطلع عندهم.

____________

(20) «و سوف تسمعهم».

(21) «متأمن».

(22) «الصفرا».

(23) «جاموس».

(24) «كاربا».

(25) «خذامات».

(26) «قنابيذ قطني حرير».

142

و قبل المغرب ركبنا من عنده، و أعطانا كلاما أنه بالغد سيحضر إلى عندنا. و لما كان الغد قبل الظهر حضر حمود عندنا و بصحبته ابن أخيه صقر الذي أتينا على ذكره، و ابنه و ولده الذي يبلغ عمره سبع عشرة سنة اسمه تامر، و نحو عشر رجال مسنين من خواص قبيلته، و نحو ماية خيال لا غير. فترحبنا بهم، و بعد شرب‏ (27) القهوة عملنا خلوة و قرأنا له الورقة و أفهمناه معناها جيدا. و صار تفاوض و كلام كثير و رضي بجميع محتوياتها، و أعطى كلاما ثابتا و وضع ختمه و اسمه على تلك الورقة، و صار فرح عظيم و اتحاد و محبة شديدة.

و بعد الغداء، قبل المغرب، ركب و توجه إلى بيته.

و من هناك رحلنا و نزلنا بقرب نهر () (28)، و هو نهر عظيم، و عليه دائما أناس بالفلائك ليقطع النهر من يريد بالاجرة. فبعد وصولنا بيوم، حضر واحد بدوي من نواحي بلاد نجد على هجين. و قد جاء خصوصيا من عند أمير يقال له علي ابن أعواد و قبيلته يقال لها الخرصة (29). و بصحبته مكتوب من المذكور إلى الدريعي، لأنه صديقه الحميم. فقرأنا المكتوب و كان بهذه اللفظات:

السلام من علي ابن اعواد إلى الدريعي ابن شعلان. و الثاني الذي بعلمك، أعلمك 1/ 56 اللّه علوم الخير يا وجه الخير، نعرفك أن/ نهار أمس حضر طروش من ناحية الدّرعيّة (30) و أخبرونا أن ابن سعود زعلان كثيرا منك بسبب الأفعال التي تفعلها ضده.

و جميع ما عملته صار معلوما عنده، و قد فهم أن حكاية الرباط و الشروط الذي فيه موجهة ضده، و الآن قد عزم على أن يكون ضدك و ينفي ذكرك و ذكر من يتحد معك من على وجه الأرض. و قد أوعز إلى كاخيته‏ (31) و معتمده عبد اللّه الهدّال بذلك، و أمر كافة العربان أن يكونوا تحت طاعته لأجل خرابك و خراب من يرتبط معك. و قد ابتدأ الآن عبد اللّه الهدال يأخذ التدابير اللازمة لذلك، و كل بلاد الدرعية و نجد متقلقلة من ذلك، و تريد كسر شأنك و تنكيس أعلامك، لأن ابن سعود و كامل العربان فهموا جيدا أن هذا التدبير و الرباط مع‏

____________

(27) «شرف»، و لعله من خطأ النسخ.

(28) بياض في الأصل، و يذكر الصائغ بعد قليل اسم هذا النهر فيقول الساجور، و الواقع أن الساجور يصب في الفرات قرب جرابلس، إنما يريد الخابور.

(29) «الخرسا»؛ و الخرصة من الفدعان من عنزة.

(30) «الضرعية».

(31) كدخدار أو كاخيا كلمة تركية تشير إلى موظف كبير يعتمد عليه القائم بالأمر في المهمات.

143

العثماني‏ (32) لأجل خراب دولة الوهابي، و امتلاك مكة و المدينة و ارجاع الحج كما كان سابقا.

فالرأي عندي أن ترفع من ذهنك جميع هذه الأمور الصعبة و تتجنب عمل الشيطان و تضع في رأسك عقل الرحمن، و تميل إلى أبناء جنسك الذين لا يمكن أن يغشوك أو يخونوك، و بذلك تكسب حالك و رجالك و مالك، لأن ابن سعود سيفه طويل و ماله كثير و جيوشه طوابير (33)، و لا يمكنك قتاله بل تخرب حالك بيدك و تندم حيث لا يعود يفيدك الندم. و أنا ناصحك من باب المحبة و الصحبة و حق‏ (34) الخبز و الملح. و قد أنذرتك بجميع ما حصل فافعل ما به خلاصك و لا تكن عنيدا و السلام.

و لما قرأت ذلك قال الدريعي: فشر، اللّه أكبر عليه، اللّه يدبر كل أمر (35) عسير.

و قال الشيخ إبراهيم: لقد ظن المغفل‏ (36) الوهابي أننا ننوي خرابه من طرف العثماني، فهو غلطان جدا، و أنا لا أريد أن يكون العثماني أقوى منه و لا أن يقوى هو على العثماني، و كل مقصدي أن لا تكون يد أعلى علينا لا من هذا و لا من هذا، حتى أذا أردنا أن نفعل أمرا في بريتنا لا يستطيع أحد أن يمنعنا عنه.

ثم قال الدريعي: اكتب يا عبد اللّه لعلي ابن عواد جواب مكتوبه بحسن معرفتك، 2/ 56 و لكن إياك أن تظهر له باب الذل، و لكن ليفهم أننا لسنا من طرف العثماني/ بل نريد أن لا نكون تحت امره. فأخذت [ورقة] و كتبت له مكتوبا بهذه اللفظات:

من الدريعي ابن شعلان إلى علي ابن عواد، وصل كتابكم و فهمنا خطابكم، فبخصوص ما ذكرتم لنا عن ابن سعود، فهذا و حق رب السموات و الأرض لا أحسب له حسابا بثقل حبة خردل، فليقدم على أكثر ما عنده، و اللّه أكبر من كل كبير، و إن شاء اللّه سوف يرى ما يحل به من سطوة مولانا السلطان‏ (37)، نصره المالك الرحمن، و ما سيجرى عليه و على بلاده، هذا الظالم الغاشم الذي يريد أن يستعبد العربان، و يملكهم تحت يده، و يجري أوامره و غاياته عليهم، و ذلك راجع إلى خرابه و خراب كافة عربان ديرته و السلام.

____________

(32) «الرباطات من العثماني».

(33) فيالق.

(34) «حقيقة».

(35) «أمرا».

(36) «التيس».

(37) ما كتبه الصائغ يخالف الأوامر الصادرة من الدريعي.

144

و أعطينا الكتاب إلى المرسال‏ (38). و سألناه من كم يوم خرجت من عند علي؟ قال:

من ستة أيام. و كان راكبا هجينا خمساويا (39)، فتكون الجملة ثلاثين نهارا. ثم ركب و توجه.

و بعد ذهابه قال لي الدريعي: أني تعجبت منك كيف ذكرت في مكتوب عليّ سوف ترى ما يحل بك من سطوة السلطان، و أظهرت كما لو أننا صحيحا من طرف العثماني بهذا الشغل.

قلت: نعم و هذا هو التدبير الواجب، دعه يظن أننا من أتباع العثماني، فيدخل عليه بالأكثر الخوف و الوهم بهذه الطريقة. و كذلك إن أتانا مكتوب من العثماني بهذا المعنى، نظهر حالنا من طرف الوهابي، و نقطع قلوبهم من سطوة الواحد على الآخر، و نحن نستريح و نفعل ما نريد:

هذا هو عين السياسة الصالحة لنا. ففرح من ذلك.

ثم رحلنا ثاني يوم و قطعنا نهرا يقال له الساجور (40). فوجدنا هناك أناسا تقطعّ النهر بالفلائك لأنه نهر عظيم كبير و شاطئه كله رمل و من الصعب جدا قطعه على ظهور الخيل إذ تغرز فيه رجل الدابة. فهذا النهر يقطع الجزيرة بالنصف، و مواصل من الفرات إلى الدجلة (41). و نزلنا على طرف النهر المذكور. و كان بالقرب منا قبيلة يقال لها الشرارات.

1/ 57 أميرها اسمه عابد ابن اصبيح. فهذه القبيلة تحتوي على ألفين و ثلاث مئة بيت، رجالها أهل حرب/ و لكنهم عنيدون جدا و غشماء نوعا ما، و نساء هذه القبيلة أفهم من رجالها. ثم كتب الدريعي مكتوب سلام و محبة إلى أميرها و دعاه لكي يحضر عندنا. فلما وصل المرسل [و قرأ الرسالة] غضب و مزّق المكتوب و قال: أنا عارف بجميع هذه الحيل‏ (42). قم وعد عند سيدك و قل له ما من جدوى، و اللّه العظيم، إنه لن يراني في اتحادهم، و لن يرى اسمي و ختمي و لو فنيت أنا و كل عربي و من يلوذ بي من القبائل و العشائر. فرجع المرسل و تكلم بجميع ما ذكرنا. فقال الدريعي: إني على علم تماما أنه سيحصل مثل هذه الأمور، أولا لأن قبيلة الشرارات مشهورة بالغشم و الجبن، ثانيا لأنه توجد صداقة عظيمة بين عابد و عبد اللّه الهدال، كاخيا ابن السعود، و هو المسؤول لدى المذكور عن خرابنا. قلت: هذا رأي جيد، و لكن كيف عرف عابد بهذه الأمور، و من أين له أن يعلم أن الوهابي قد اسند إلى عبد اللّه الهدال أمر مضادتنا؟

____________

(38) المرسل أو الرسول.

(39) الهجين الخمساوي يقطع في اليوم المسافة التي تقطع عادة في خمسة أيام.

(40) يريد الخابور.

(41) الواقع أن الخابور يصب مياهه في الفرات آتيا من نواحي الدجلة.

(42) «الملاعيب».

145

قال: الذي أتى بمكتوب علي ابن عواد و أخذ جوابه قد يكون مرّ عليه أثناء مسيره من عندنا، و حكى له جميع الواقع. ففحصنا عن ذلك و وجدنا أنه بالواقع مرّ به، و أن ظنّ الدريعي بمحله. فقلت: و ما يستحسن عمله الآن؟ قال: هذا السيف يفصل بيننا و بينه، و اللّه أكبر عليه‏ (43).

ثم ثاني يوم ركب سحن بنحو خمس مئة خيال فقط و سار إلى غزو قبيلة عابد كي 2/ 57 ينهب طرشها كما هي عادتهم دائما. فغاب عنا/ ثلاثة أيام و عاد اليوم الرابع و قد كسب مئة و أربعين جملا و رأسي خيل عظيمة. و حكى لنا أنه حين أغار على الطرش وصل الخبر إلى البيوت. فركبت عرب الشرارات و لحقت بهم، فوقعت حرب شديدة بينهم. فقتل من عربنا أربعة أنفار فقط، و من عرب الشرارات كذلك، و أما المجرحون‏ (44) من الفريقين فكثيرون.

و السبب في وقوع قليل من القتلى أنهم يتحاربون بالرمح فتكثر الجرحى. و من جمله خيالتنا الذين كانوا مع سحن واحد يقال له صبيهي، شاب عظيم من أقرباء زوجة سحن. فعادوا به محمولا، و كان به تسعة جروحات كبيرة بالغة بالسيوف و ضربتان بالرمح خارقة من الخاصرة إلى الأخرى و في رأسه ضرب كناة كسرت رأسه. فالكناة هي عصا رأسها مكتل بقدر الرمانة، مضروب بها مسامير من الحديد. و أحد الرماح لم يزل مشكوكا فيه مثل قربة اللحم، فوضعوه على الأرض و لا يمكن أن يميّز المكان المجروح من السليم إذ كان مثل بركة دم. فأتوا حالا و نشروا طرف الرمح من الجانب الواحد عند خاصرته و سحبوه من الطرف الثاني. و بينما هم على هذه الحال إذ رفع أجفانه فرآني واقفا فوق رأسه فقال: لا تخف علي يا عبد اللّه تراني بعون اللّه سالما (45). أعطني غليونك حتى أدخن‏ (46) التوتون. و مد يده و أخذ الغليون و صار يدخن كأنه في غاية الصحة و كأنه لم يحدث له أمر. فتعجبنا منه نحن و كل من كان حاضرا، و بعد عشرين يوما شفي و عاد إلى ركوب الخيل أحسن مما كان سابقا. و كل المداواة (47) كانت قلة شرب الماء، لأنه يشرب عوضا عن الماء حليب الجمال و السمن الطرى، و أكله دائما التمر بالسمن مع قليل من الخبز. و كل ثلاثة أيام تغسل جروحاته ببول الجمال. و على تلك الحكمة

____________

(43) «اللّه و أكبر».

(44) «المجاريح».

(45) «طيب».

(46) «اشرب».

(47) «حكمته».

146

شفي و رجع كما كان أولا بل أحسن. فتعجب الشيخ إبراهيم و قال: لا يمكن أن يلتقى بباريس جراح‏ (48) يشفي مثل هذا الإنسان بعشرين يوما.

ثم نمت العداوة و كثرت بيننا و بين عابد، و صار يجمع العربان الذين هم تحت قيادته، و حميت المادة جدا بين الطرفين. ثم رحلنا و نزلنا في أرض يقال لها الكافرية، أرض رمل ما فيها 2/ 58 ماء إلا من نهر الخابور (49) الذي كان بعيدا عنا نحو ساعتين من الزمن،/ فجميع المواشي ترد للشرب كل يوم بعد طلوع الشمس حتى تسرح في المرعى. و جميع ما يلزم من الماء للخيل و البيوت تنقلها النساء على ظهور الجمال بالروايا. و في كل بيت يوجد راوية، و في بيوت الكبراء راويتان و ثلاث روايا لأجل جلب الماء، إذ كانوا في مكان، و كان الماء بعيدا عنهم.

و جميع الروايا كبار من جلود الجمال.

فبعد ثلاثة أيام من نزولنا في هذا المكان، إذ رمت الرعيان الصوت على العرب، و قامت الصيحة و الضجة بالنزل. و كان السبب أن عرب الشرارات أغارت على الطرش، و هو يشرب، و أخذت منه عددا عظيما نحو ثماني مئة جمل. فركبت الخيل و سحن معهم و طلبوا أثر العدو، فوصلوا إلى النهر فما وجدوا أحدا لأنهم كانوا قطعوا و راحوا و أبعدوا كثيرا. لأن النهر، كما ذكرنا، يبعد ساعتين [عن النزل‏]، فاقتضى لمجي‏ء الرعيان و أخبارهم بالغزو ساعتان، و نحو ساعة لركوب العرب و جمعهم، و نحو ساعة ركض إلى أن وصلوا إلى النهر فصار المجموع نحو أربع ساعات. و من المعلوم أن الذين أخذوا الطرش أصبحوا بعيدين جدا فلا يمكن طلبهم كليا. فحالا نبه الدريعي بالرحيل و المشي بكامل العربان و البيوت على عرب الشرارات. فرحلنا نحن و قبائل الذين كانوا بالقرب منا من الأصحاب. و كان عددنا نحو عشرة آلاف بيت فجدينا بالسير كل ذلك النهار و الليل، و أصبحنا الصباح أمام نزل الشرارات.

فنزلنا بعيدا عنهم نحو نصف ساعة. و كان عرب الشرارات و من معهم من غير قبائل نحو ستة آلاف بيت أيضا (50).

و بعد طلوع الشمس أرسل الدريعي رسولا (51) إلى عابد يقول له: يا عابد، كن‏

____________

(48) «جريحاتي».

(49) «الساجور».

(50) كذا، مع أنه سبق القول أن عدد بيوت الدريعي نحو عشرة آلاف.

(51) «مرسال».

147

آدميا خير لك من العناد، و أرجع بالرضى‏ (52) ما أخذت من الطرش و اكسب حالك و رجالك. و إن عاندت حسب طبعك، لا تسأل عما سيجري عليك، لا أرحل من أمامك حتى لا يبقى منكم من يخبر عنكم. و نحن قد أنذرناك فافعل لخلاصك. فراح الرسول و عاد بالجواب: يقول عابد ارجع له الفرسين‏ (53) و الجمال التي أخذها منه سحن ذلك اليوم و هو 2/ 52 يرجع لكم ما أخذ منكم، و أما (54) لا تتأمل بصحبته معك كما في عقلك./

فقلت للدريعي: أصحيح أن هؤلاء الناس جبناء؟ فقال: إنهم ليسوا فقط جبناء و لكن أحوالهم و مزاياهم عجيبة، فهم أولا ينقادون لنسائهم، في جميع أمورهم، و يراجعونهن بالشور في كل مادة يريدون أن يفعلوها، و هذا كان عندنا معلوما، فمن جملة أطباع العربان و مزاياهم تكريم الحريم، و عمل الواجب لهن، و أخذ الشور منهن في جميع أفعالهم، و لكن هذه القبيلة بزيادة عن غيرها، و خصوصا شيخها عابد فهو لا يعمل شيئا من غير أمر حرمته لأن أولا هذا طبع خاص بالعرب كما ذكرنا، ثانيا أنه يحبها بزيادة عن العادة، ثالثا أنها صاحبة عقل و تدبير جيد. فجميع ذلك صار عندنا معلوما و فكرّنا أنه ليس لدينا عندهم مدخل إلا من طرف النساء (55).

فحين فهمنا ذلك قال الشيخ إبراهيم: عرفت من أين يمكن الدخول على هذا القوم.

قلت: نعم من باب النساء. قال: دبّر حالك. فتكلمت عندئذ مع الدريعي و قلت له: استرح أنت و عليّ قضاء هذا الغرض و إدخال هذا الرجل في اتحادنا. لأن الحرب لا يحصل منها إلا الخسارة، و قتل الرجال، و تبديد المال، و زيادة العداوة، و سفك الدماء، و شماتة الأعداء. و أما أنا فمتحسن عندي أن أصل عندهم و أكلمهم بالذي يلهمني به اللّه.

و الرجاء باللّه أن يحصل المطلوب و نكون بذلك و فّرّنا الرجال و التعب. و إن أنا لم أقدر على ذلك يكون عندك الوقت لتعمل ما تريده. و لم يسمح لي بذلك إلا من بعد جهد. فحالا أخذت معي هدايا من كهربا و مرجان و أساور زجاج و عبي سود و شملات حرير سود و قمصان قز حمر: أشياء بقيمة ألف غرش و توجهت إلى طرفهم. فدخلت البيت فما وجدت عابدا

____________

(52) «بالمليح».

(53) «رأسين الخيل».

(54) كذا، و المعنى غير واضح. فهل يريد «و إلّا» كما يتبادر إلى الذهن أو يريد: «و لكن» فيستقيم المعنى.

(55) في المخطوطة إشارة إلى أن هذا المقطع الذي بين خطين//، المدرج ص 1/ 57، يجب أن يؤخر ليوضع ص 2/ 58.

148

فأخبروني أنه مجتمع مع المشايخ و أكابر القبيلة في بيت صهره زوج ابنته. فدخلت حالا عند الحريم و سلمت عليهن‏ (56) سلاما عظيما طويلا عريضا كأنني أعرفهن منذ عشرين سنة.

فرحبن بي و استقبلنني بإكرام. و حالا أمرت زوجة عابد بذبيحة و ابتدأن يعملن لي غداء، فجلست عندهن و ابتدأنا نتحدث عن أمور العربان من غير أن نفتح السيرة التي جئت أنا بسببها. و كان بلغ عابدا خبر حضوري فأرسل حالا رسولا (57) إلى امرأته يقول لها اطردي هذا الضيف الذي جاء الآن عندك فهذا خطيب‏ (58) الدريعي عبد اللّه، أتى خصوصا حتى يفسد قبيلتنا و يخرب نظامنا. و إن جئت إلى البيت و رأيته فما له عندي من دواء إلا التقطيع بهذا السيف. فقالت للمرسل: رح و قل لسيدك عابد الضيف الذي جاء لم يأت عندك بل جاء عندي مخصوصا، و هو ضيفي فإن كان يستطيع أن يأتي و يقتله فهو حاضر في بيتي، 1/ 59 و كان اسمها اركية. فحين سمعت ذلك نهضت قائما و قلت و اللّه إني لا أبقى/ قاعدا عندك، فأنا جئت من غير إذن الدريعي مخصوصا إلى عندك حتى أتشرف بمعرفتك. فإن كان بين عابد و الدريعي بعض الأمور، فأنا لا يعلق بي منها شي‏ء و لست ملزوما أن أتكلم بها و لو كلمة واحدة. ثم أخرجت بسرعة جميع ما كان معي من الهدايا و وضعتها أمامها و قلت: أرجو منك أن تقبلي مني هذه الهدية الدنية، إذ جئت بها على اسمك و لا يجب أن أرجعها معي، و لو أن زوجك كسر بخاطري و يريد أن يقتلني، مع أن ذلك على علمي ضد رسوم العرب، و لكن إكراما لخاطرك سامحته، اللّه يساعدك على عقله، لأني فهمت خلال هذه الساعة التي قضيتها عندكم، أن لو لا حضرتك لكانت هذه القبيلة (59) عدمت، و لكن من ذكاء عقلك و حسن معرفتك و تدبيرك الجيد جعل هذه العشيرة (59) بخير و عز و جاه و رفعها على كل قبائل عنزة، أسأل اللّه عز و جل أن لا ينقصك عنها، و لا يميلك عن رأسها، و يكون عمرك طويلا، و ينصرك على من يعاديك، لأنك بالحقيقة جوهرة ثمينة ضائعة بين هؤلاء الناس. و ركضت بسرعة كي أركب و أروح. فوثبت‏ (60) و أمسكت بيدي و حلفت باللّه قائلة لا أدعك تخطو خطوة من هنا إلا بعد أن تكون رضيت عنا و راق خاطرك على عابد. فكن صافي البال‏

____________

(56) «عليهم»، و كذلك في ما سيأتي من الكلام عن النساء يستعمل الصائغ الجمع المذكر السالم.

(57) «مرسال».

(58) كاتب، على اصطلاح أهل البادية.

(59) يستعمل الصائغ القبيلة بمعنى العشيرة و لا يميز بين العشائر و القبائل.

(60) «فغارت»، يريد هجمت.

149

و لا تضع في عقلك أدنى شي‏ء من كلام عابد، فشر (61) فهو يحكي كثيرا بغير معنى، و حياة اللّه العزيز لا أدعك تذهب من عندي إلا راضيا بكل ما تريد. ثم أدخلتني البيت و أعدت القهوة فشربناها. و هي لم تزل تتلطف بخاطري و تروّق خلقي. فقلت: يا اركية، اللّه يساعد زوجك على أيامه، لأنه لا يعرف الخير من الشر مهما كان. فظنّ أني جئت لأصالح و الحال لو أن الدريعي عرف أني جئت عندكم كان تكدر مني كثيرا، لأنه لا يريد الصلح معكم و لا يستطيع أحد أن يكلمه بهذا الخصوص. و لو كان الأمر بيدي لعقدت الصلح، إذ يقول المثل الصلح سيد الأحكام، و لا ينتج عن العداوة إلا خسارة المال و الرجال و كثرة الأعداء 2/ 59 و ازدياد الخصام و شماتة العدو./

و بينما نحن بهذا الكلام إذ أقبل علينا عابد، فما دخل البيت بل وقف خارجه و قال لو لا أنك دخلت بيتي لكنت قتلتك يا جاسوس الشر. فردّت عليه زوجته قائلة: كذبت يا رجل فيما تقول. ثم خرجت عنده و كلمته و جرّته من يده و أدخلته عندي، فجلسنا للحديث فقلت له: يا أمير، ليس معي إذن بأن أتكلم معكم بخصوص الأمور الواقعة، بل أني جئت فقط حتى أكسب صحبتكم و أتشرف بمعرفتكم، لأن الصحبة و المعرفة بالناس شي‏ء مشكور بالدنيا. و لكن بما أنك فتحت هذه السيرة فعرفني بذنبي الذي تريد أن تقتلني به.

قال: ذنبك أنك تعمل على تدبير الدريعي لتجعل العربان تحت حكمه حتى يستكبر عليهم و يستعبدهم أكثر من الوهابي، و أنت مزمع‏ (62) على أن ترمي العداوة بيننا و بين الوهابي حتى تخربنا دون شك‏ (63)، و على الخصوص الورقة التي عملتها رباطا حتى نبقى جميعنا في طاعة الدريعي يفعل بنا كما يريد. فقلت له: يا أمير عابد، الكلام الكثير لا يستحلى. هل وصل إلى مسامعك أني أعمل على بث العداوة بين القبائل أم على صلحها؟ هل أريد إنقسامها أم اتحادها؟ هل أرغب في حريتها أم في استعبادها؟ عرفني ما ذا ينتج عن الصلح؟ الاتحاد و الحرية خير أم شر؟ فسكت فقالت له امرأته: علام سكتت‏ (64)؟ رد الجواب على عبد اللّه.

قال: ينتج عن ذلك الخير. قلت: بما أنك تعرف أن النتيجة خير فكيف تسميني جاسوس الشر؟ فاخز الشيطان من بالك و سمّ بالرحمن، و اعلم أن الذي مراده صلحك مراده خيرك،

____________

(61) تبجّح.

(62) «مزعم».

(63) «و لا بدّ».

(64) «علامك اسكة».

150

و الذي مراده عداوتك مراده شرك. و صحيح أني عملت ورقة لأجل اتحادكم مع بعضكم بعضا، كي تصيروا أقوياء من قوة بعضكم و تخلصوا من عبودية الوهابي و بلصه لكم في كل سنة. و أنا كما سبق القول ليس معي إذن لأتكلم معك بهذا الخصوص، و الدريعي ليس له خاطر بالصلح كليا. و الآن و لو أردت أنت أن تذهب معي لما استطعت أن آخذك، بل علي أن أذهب أولا لإرضاء خاطره ثم أرسل من يحضرك، لأن جميع عربان الدريعي متأملين الكسب من عربك، لأنهم أكثر عددا منكم و سيحضر بعد قليل قبائل تابعة للمذكور 1/ 60 لا يعلم عددها إلا الذي خلقها./

و من بعد كلام كثير دخلت اركية إلى الداخل‏ (65) و صرخت على عابد و تكلمت معه.

ثم خرجا و أتيا عندي و قال لي عابد: افعل ما ترى فيه خيرا، إذ تأكدت من اركية أن الصلح أنسب لنا، و أنك تريد خيرنا و راحتنا و اتحادنا (66) فاذهب و دبر هذا الأمر بمعرفتك مع الدريعي، و أرسل لي رسولا كي أحضر عندكم. فبعد الغداء ركبت و رجعت و تكلمت مع المذكور عن الرباط الذي صار بيني و بين عابد. فأرسل حالا رسولا يدعوه عنده. و بعد قليل حضر عابد و بصحبته ابنه و صهره و نحو خمسين خيالا فقط. فترحبنا بهم و عملنا لهم غاية الإكرام و صار كلام كثير و من بعد ذلك وضع ختمه و اسمه بورقة الشروط و توجه عند أهله و أرسل جميع الجمال التي أخذها من على النهر و نحن أرجعنا لهم جمالهم و رأسي الخيل و صار صلح عظيم.

____________

(65) «إلى جوا»، و بما أن الاجتماع كان داخل الخيمة فالصائغ يعني القسم الداخلي من البيت الخاص بالنساء.

(66) «اعتصابنا» أي أن نكون عصبة واحدة.

151

[من قصص البادية]

ثم بعد يومين رحلنا و نزلنا بأرض يقال لها العاطرية، و السبب لهذا الاسم، على ما أخبرنا العرب، أن بعيدا عنا نحو ساعة قلعة قديمة اسمها العاطرة، و كان بيننا و بين الدجلة نحو ثلاث ساعات، [و فيها] مرعى و مياه كثيرة. فأقمنا ثمانية أيام في ذلك المحل ثم رحلنا و توجهنا نحو الشرق، و بينما نحن في الطريق إذ حضر واحد من البدو راكبا على ذلول أملح يعني أسود. فسلّم على الدريعي و سلّم جميعهم عليه سلاما طويلا عريضا بشوق و استمالة عظيمة، و خذوا يسألونه عن أحواله و عن الغرض الذي كان ذهب لأجله العام الماضي، فحدثهم بذلك، و نحن فيما بعد سألناه عن قصته فأخبرنا بها، و هي حكاية غريبة كما سنوضحه لمسامعكم الكريمة.

حكي أن هذا الرجل‏ (1)، و اسمه علوان، كان يدور [في البرية] ذات يوم [سعيا وراء] الصيد. فبينما هو دائر مرّ بأرض وجد بها أثر حرب، من قتلى‏ (2) و أدمية و أرماح مكسورة و سيوف مرمية، الغاية إثر حادث جديد. فصار يدور بين القتلى فوجد شابا فيه رمق من 2/ 60 الحياة، و هو يئن. فنزل حالا و أركبه على الذلول و أخذه إلى بيته‏ (3)/ و ابتدأ يعالجه و يداويه‏

____________

(1) «الراجل».

(2) ليس من عادة البدو إبقاء القتلى في البرية لتأكلها وحوش الفلاة.

(3) ابتداء الكراسة نمرة 8.

152

و يطببه‏ (4) و يخدمه و يعلله مدة ثلاثة أشهر، حتى شفي و استراح [و التأمت‏] جميع جروحه و رجع كما كان بل أحسن. فقال له علوان: يا أخي فارس- و هذا اسم الشخص‏ (5)- أنت و للّه الحمد استرحت، فإن شاء خاطرك ذهبت بك عند أهلك. و إن شاء خاطرك تبقى عندي، فأنا أخوك و زوجتي هذه امرأة أخيك، و البيت بيتك، أنت صاحب البيت و أنا ضيف عندك. فقال له فارس: أنت أخي و لولاك كانت بليت عظامي من زمان و أكلت لحمي الوحوش. فأين استطيع أن أجد أهلا أحسن منكم، أنا لا أفارقكم ما دام في جسمي روح‏ (6). فانشرح علوان من هذا الكلام، و زادت عنده قيمة فارس، و سلمه البيت و تدبيره. و ما كان هذا الكلام من فارس و سبب بقائه عند علوان إلا حبا بامرأة علوان، و كان اسمها حفظة إذ عشقها و عشقته و غاصا بالمحبة لبعضهما، و ليس عند علوان شبهة و لا شك في فارس و لا يمكن قط أن يفّكر بشي من هذا القبيل حتى [بان له الصحيح و ذلك أنهم‏] في ذات يوم أزمعوا على الرحيل على حسب عوائدهم. فركب علوان من الصبح على ذلوله و توجه للصيد و قال لفارس: ارحل يا أخي مع الناس، و أنا على معرفة بالمنزل الذي سترحلون إليه، و المساء أكون عندكم. أما فارس فإنه كان على اتفاق مع زوجة علوان للهرب معا، فرأى أن ذلك اليوم مناسب للهزيمة. فما كان كسلان و أرسل الطرش مع الطروش و حمل الحوائج و البيت، و أرسل بهم مع غير ظعون. و كذلك فعل مع العجوز أم علوان أركبها و وضع ولدي علوان معها و هما صبي و بنت. أما هو و امرأة علوان فأخّر حالهما إلى آخر كل الناس فركب هو فرسا و زوجة علوان فرسا آخر و فرّا هاربين بكل سرعة طالبين عرب فارس. و أما العجوز أم علوان، فإنها التفتت فلم تر أحدا وراءها فظنت أنهما مع العرب ماشيين. و لم يزل الناس سائرين حتى وصلوا إلى النزل المقصود. فنزلت العجوز مع الأولاد و انتظرتهما إلى المساء فلم يحضر أحد. فساورتها المخاوف و لم تنصب البيت لأنها لا تستطيع ذلك وحدها، إلى أن غابت 1/ 61 الشمس و هجم الليل و إذ حضر علوان من الصيد فرأى أمه و أولاده وحدهم/ يبكون و البيت لم يزل مرميا بالأرض. فسأل أمه عن جليلة الأمر و قال: أين أخي فارس و حفظة؟ فقالت: من المرحلة لم أرهما، و على ظني أنهما ركبا الخيل و هربا. فتأكد له ذلك، و قال: إني أستحق أكثر من ذلك. و لكن صدق من قال: ابعج القربة و اقتل السقا، خير لا تعمل شر لا تلقى. فنام‏

____________

(4) «و يحكمه».

(5) «الزلمه».

(6) «ما دام فيه روح بالعالم».

153

تلك الليلة و ثاني يوم ركب ذلوله و أخذ معه زوادته و سار يسعى وراءهما. فبعد يومين وصل مساء إلى نزل عرب فارس يقال لهم الموايجه، قبيلة عظيمة. فنزل في بيت صغير حقير عند عجوز تعيش وحدها (7) ليس لها أحد. فقالت له العجوز: يا سيدي أنا امرأة فقيرة ليس عندي شي‏ء حتى أقوم بواجبك، فرح و انزل في بيت الأمير. فقال لها: إن زادي‏ (8) معي لا أحوجك إلى شي‏ء. ثم قالت: لقد عملت حسنا بمجيئك حتى تنشرح و ترى الليلة عرسا. فقال عرس من؟ قالت عرس فارس بن امهيد، و هو عرس على عرس، لأن هذا الرجل كان غائبا (9)، و سمعنا أنه قتل و أهله قبلوا التعازي به، و لآن نسوه إذ مضت على القضية نحو سنة. و لكن صباح أمس عاد بالسلامة و معه عروس جميلة جدا، و هذه الليلة سيدخل عليها، فصبر علوان إلى أن دخل الليل كثيرا، فقام من عند العجوز و مشى إلى قرب بيت العرس و اختلط بالناس إلى أن انفض القوم و انطفأت النيران و نامت كل عين ساهرة. فأتى بكل ظرافة إلى المكان المختلي به العريس و العروس و دخل من تحت أروقة البيت و أتى نحو الفراش فوجدهما نائمين. فسحب سيفه و ذبح فارسا و جره إلى خارج الفراش. ثم هز امرأته و صحّاها من النوم و قال لها يا حفظة أنا علوان. فقامت مرتعشة و قالت له: يا مجنون ما هذا المجي‏ء؟ الآن يفيق فارس و أخوته فيقتلونك. فقال لها: يا شينة يعني يا رديئة، ما ذا فعلت معك و ما الذي جرى مني بحقك من العمل الردي‏ء؟ اذكري اللّه و فكري بأولادك الذين كادوا يموتون [حزنا] عليك. فقومي و تعالي معي حتى نذهب إلى بيتنا، عند أهلنا، و اخزي الشيطان عنك، فإنك لن تجدي بحياتك أحسن من علوان. فيا روحي ما هو ذنبي بحقك؟

2/ 61 عرفيني فقط بذنبي. و من بعد كلام كثير مثل هذا قالت له: إن لم تذهب/ فإني أنبّه فارسا (10) و أجعل قتلك شهرة. فقال: إن كنت لا تذهبين معي فاعطني فرسي و دعيني أروح. فقامت و فكت الفرس من قيدها و أعطته إياها. فحين صار على ظهر الفرس و رمحه بيده قال لها: يا حفظة يا بنت الحرام، نسيتي رجلك و أولادك. فأقل ما يكون أن تعطيني قبلة (11) من فمك حتى أودعك. فمدت فمها إليه، و هو راكب على ظهر الفرس، فعضّ على شفتيها بنوع أنها ما كانت تستطيع أن تصرخ، و رفعها من الأرض، و قبض عليها مثل‏

____________

(7) «مقطوعة».

(8) «زوادتي».

(9) «كان في الكون».

(10) «علوان»، و هذا الخطأ يدل على أن الصائغ لم يعد إلى قراءة مخطوطته أو أنه قرأها بكل سرعة.

(11) «بوسة».

154

الباشق على العصفور، و طار بها مثل الأسد الخاطف. و في لحظة صار خارج البيوت، فوضعها خلفه على ظهر الفرس و سار بكل سرعة.

أما أهل فارس فما واحد عرف أو فاق إلا بعد [هرب علوان‏] بنحو ساعتين من الزمن، لأن [الوقت‏] كان قريب الصبح. فوجدوا ابنهم فارسا مذبوحا و العروس و الفرس مأخوذين. فرموا الصوت و ركبوا الخيل‏ (12) و صار الطلب في كتف علوان و لم يزل [الطراد] حتى تلاقوا مع علوان، و الذين لحقوا به هم أخو فارس و أبوه و واحد من أقربائه‏ (13). أما علوان فحين رآهم أقبلوا عليه، وضع حفظة على الأرض و ارتدّ عليهم. و علقت الحرب بينهم و اشتد القتال بكل حرارة. و كانت حفظة من طرف أهل فارس، تعينهم على زوجها بضرب الحجار، حتى أنها ضربت زوجها بحجر فصدعت رأسه. و لم يزل [علوان‏] بالحرب حتى قتل أخا فارس، و بقي الأب و أحد الأقرباء (14) فاشتد الحرب بالأكثر. فبعد قليل قتل علوان قريب‏ (15) فارس، و بقي الأب و علوان فقط و حفظة. فتعبت الخيل جدا و لم يبق لها قوة على التحرك. فنزلوا من على ظهور الخيل و صاروا يتعاركون‏ (16) على الأرض، و تماسكوا ببعضهم 1/ 62 بعضا، علوان و أبو فارس. و جاءت حفظة و صارت تعين أبا فارس على زوجها/ فمن بعد [قتال شديد حتى بان‏] العجز العظيم‏ (17) فيهما، تمكن علوان من أبي فارس و أخذ سلاحه.

ثم أركبه على فرسه و قال له أنت رجل كبير السن‏ (18)، و عيب علي أن أقتلك، فاذهب عند عيالك و أعطاه فرس قريبه، و ركب هو و أركب حفظة فرس أخي فارس، لأنها كانت عين الفرس التي كانت راكبتها حفظة حين انهزمت هي و فارس. و لم يزل سائرا حتى وصل عند أهله. فما قال لحفظة كلمة واحدة إلى أن وصل إلى بيته، فأرسل و أحضر أباها و إخوتها و أقرباءها و قال لها احكي بما جرى من دون زيادة و لا نقصان فحكت جميع الذي جرى حرفا حرفا فقال: يا جماعة هذا فعل ابنتكم فانظروا ما تستوجبه فافعلوه. فحالا قام أخوها الأكبر و ذبحها في وسط المجلس. فهذا ما كان و من الأمور التي جرت.

____________

(12) «و ركبت الخيل».

(13) «قرايبينه».

(14) «و قرايبهم».

(15) «قرايب».

(16) «يتكاونوا».

(17) «العجز العضيم».

(18) «ختيار».

155

[مع عرب البصرة]

ثم رحلنا و كان مسيرنا إلى طرف بغداد، و نزلنا بأرض يقال لها المزوان. و ثاني يوم رحلنا أيضا و جدينا بالسير إذ جاء خبر للدريعي أن عرب البصرة (1) تخاصم بعضهم مع بعض و صاروا قسمين بسبب الوهابي: أناس يريدون أن يعصوا، و أناس يريدون أن يطيعوا و يعطوا الجزية. و الذي كان محرك الشر دعاس ابن علي أمير قبيلة يقال لها الأشاجعة (2) تحتوي على مقدار ألفي بيت. فهذا كان مراده أن يعصي على الوهابي، و برجس ابن اهديب شيخ قبيلة الموايجة التي ذكرناها، من عرب فارس، فهذا مراده أن يطيع الوهابي، لأنه من طرف الوهابي، و زوجة برجس أخت عبد اللّه الهدال، كيخيا الوهابي، و هو الذي كان موكولا بالعمل ضدنا (3) من طرف الوهابي. فرحلنا ثاني يوم و صرنا أمام بغداد، بعيدين عن البلد نحو أربع ساعات فقط. فنزل الشيخ إبراهيم إلى بغداد سرا عند القنصل الفرنسي الذي يقال له ادرين كورنسه‏ (4)، لأنه كان صديقه الحميم. و لكنه لم ينزل من أجل الصحبة و لكن ليأتي لنا بالدراهم‏ (5)، لأن دراهمنا كانت نفذت،/ و لم يبق معنا شي‏ء بتاتا. و كان يحصل لنا تعطيل‏

____________

(1) «البصرا».

(2) «الاشجعا»، قبيلة من عنزة.

(3) «مقيد من طرف الوهابي ضدنا».

(4)Adrien de Corrence .

(5) «مصريات».

156

بعض الأحيان في بعض الأمور بسبب قلة الدراهم. فاضطر الشيخ إبراهيم رغما عنه أن ينزل [إلى بغداد] ليحضر لنا المصريات. و بعد يومين عاد من بغداد، و أحضر لنا معه المطلوب.

و أثناء ذلك حضر من بغداد، عند عرب الدريعي، واحد قبيسي بياع، فاشترينا كل البضاعة التي كانت معه لاحتياجنا إليها في بعض الأمور، فما كنا نستطيع أن نقضيها إلا بوساطة البراطيل، سواء للنساء أو للرجال.

ثم ثاني يوم رحلنا و قطعنا الدجلة من مكان يقال له المشهد و نزلنا على نهر تسميه العرب الفهان. و في ذلك اليوم وصلتنا أخبار أن فتنة عظيمة واقعة بين العربان و أن اختلافا كبيرا قد حصل بينهم: أناس [مع‏] الوهابي خوفا منه، و أناس ضده. و السبب بوقوع الفتنة هو ما كان بلغهم من أمورنا و ارتباطنا (6) ضد الوهابي. فبعض القبائل حسن عندها رأينا و صارت من طرفنا قبل أن نراها، و البعض الآخر رفض هذا الرأي. و لذا وقع الاختلاف فيما بينهم و اشتد الحرب. فحين بلغنا ذلك استحسن الشيخ إبراهيم و الدريعي و جميعنا أن نجدّ بالسير و نلحق بهم بكل سرعة (7)، كي نعمل طريقة لاطفاء هذه النيران و إخماد هذه الفتنة بين العربان، لأن الشيخ إبراهيم قال: يجب تدبير هذا الأمر إذ ينتج عنه ضرر و تعطيل لأمورنا.

فاضطررنا ثاني يوم إلى الرحيل، و نزلنا بأرض يقال لها الدرغوان، ماؤها ينابيع عيون‏ (8) في الأرض، إذ بالقرب منها جبال تبعد عن بغداد نحو عشرين ساعة إلى ناحية [تقع‏] ما بين الشمال و الشرق. ثم رحلنا و قطعنا جبلا عظيما، و العربان جميعهم سقت طروشها، و ملأت [الروايا] ماء قبل انتهاء الجبال، لأن المنزلة التي نحن قادمون عليها ما بها ماء كليا. ثم وصلنا و كان مسيرنا نحو اثنتي عشرة ساعة بأرض صحراء ما بها مرعى و لا ماء و هي على حدود 1/ 63 العجم: رمل أحمر و هواء ساخن/ و إذ ورد مكتوب من عند دعاس ابن علي، شيخ الأشاجعة، إلى الدريعي و كان بهذه اللفظات:

من دعاس إلى الدريعي بعد السلام عليكم و رحمة اللّه لديكم و الثاني يا أخانا نعلمك أننا واقعون في ضيق عظيم، لأن القبائل جميعها ردت النقا علينا و هي الموايجة و السّبعة و الفدعان و المعايدة و المضيّان‏ (9) و كثير غيرها من القبائل، و حسبنا عددها خمسة عشرة ألف بيت،

____________

(6) «و ارباطاتنا».

(7) «قبل النوم».

(8) «نبوعات أعيون».

(9) من السّلقا، من العنزة.