رحلة فتح الله الصائغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية

- فتح الله الصائغ الحلبي المزيد...
347 /
157

و نحن واضعون ثقتنا (10) باللّه و بك، و نحن معك على الخير و الشر، فالرجاء أن تجدّ بالرحيل و تلحق بنا في أقرب وقت ممكن‏ (11) لأن العربان أكلتنا. و كل سبب هذه الفتنة من أجل ابن سعود. فإياك المهل و التأخير يا أهل المرؤة و الحشمة (12)، تراني بوجهك (يعني وقيعك) (13) يا أبا الفوارس و الرجال‏ (14).

فحين انتهينا من قراءة المكتوب، نبّه على الرحيل المداوم يعني من غير نزول و لا راحة، و كانوا بعيدين عنا ستة أيام. فصار الرحيل وجدينا بالمسير ثلاثة أيام ليلا نهارا من غير راحة و لا نزول، بل النوم على ظهور الجمال و الأكل كذلك، و النساء تعجن و تخبز على ظهور الجمال بالصاج، يضعن الجلة و الحطب في خرج تحتهن على الجمل. تأتي المرأة بصاجين من حديد، الواحد تضع فيه النار، و الآخر فوقه تخبز عليه. و إلى جنبها امرأة أخرى راكبة على جملها و مصاففة لها، عندها العجين، تقطع أرغفة و تعطيها للأخرى و هي ترقها و تخبزها. و امرأة ثالثة (15) أمامها طاحونة و هي تطحن الطحين. و الجمال و الغنم و الخيل ترعى و هي ماشية.

و كلما وصلنا إلى ماء، و كانوا على علم أن الماء أمامهم بعيدة، تملأ كل امرأة قربة ماء و تربطها تحت بطن الجمل أو الناقة التي راكبة عليها. و كان أكلنا من غير طبخ فقط الخبز و الحليب و التمر. فحين نجوع تنزل النساء حالا و يحلبن النوق و يملأن لنا قدح حليب، (فالقدح يكون من الخشب و يسع نحو رطل حلبي). فنجتمع‏ (16) أربعة أو خمسة و نحن راكبون، فنضع لقمة 2/ 63 خبز في فمنا و نشرب قليلا من الحليب و نعطي القدح للذي جنبنا،/ و هكذا يدور من واحد إلى آخر بالدور. و كلما نعسنا نتمدد على وجهنا فوق ظهر الجمل. و نضع أرجلنا في عيون الخرج، لأن لكل جمل أو ذلول خرجا كبيرا لأجل وضع أغراض الراكب و حاجاته‏ (17).

و كنا نستلذ كثيرا بالنوم أولا من شدة التعب و النعاس، ثانيا اعتدنا على ذلك ثالثا من عادة

____________

(10) «نحن شادين ضهرنا».

(11) «قبل بساعة».

(12) «الحشيمة».

(13) الوقيع بمعنى الدخيل: الذي يطلب حماية شيخ من قبيلة غير قبيلته.

(14) «الرجاجيل».

(15) «ثانية؟».

(16) «فنجمتع».

(17) «مصالح».

158

سير الجمل إذ يهتز و يتمايل فيظن الإنسان أنه في سرير فيطيب له النوم، و هكذا ينام حتى يشبع.

ثم ثالث ليلة من مسيرنا ولدت امرأة الأمير فارس الجربا و وضعت‏ (18) صبيا في هودجها، على ظهر الجمل، من غير أن تنزل، و سموا الولد القرنا (19)، لأننا كنا بالقرب من القرنا أعني مجمع النهرين أي الدجلة و الفرات، [كما هي العادة] في أكثر أسماء العرب، لأنهم يسمون أولادهم باسم المحل الذي ولد فيه كي يعرفوا أين ولد.

ثم لم نزل جادين بالمسير نحن و القبائل التي معنا. و كان برفقتنا ثلاث قبائل: الجربا و السوالمة و عبد اللّه. فوصلنا ثالث يوم بعد العصر عند دعاس، و كان عددنا نحو سبعة آلاف بيت. فصار الفرح عند دعاس و عربه، و امّنوا على حالهم، و أطمأنّوا و تقوّوا. و بالحال حضر دعاس و كامل كبار قبيلته و لاقانا، و فرح بنا فرحا عظيما، و ذبح الذبائح، و دعى كل كبار القبائل. و بعد العشاء وضع اسمه و ختمه بورقة الشروط.

و كان العدو (20) بعيدا عنا يوما واحدا فقط على حافة شط العرب، أمام البصرة، من الجانب الشرقي. فكان رأي الدريعي ثاني يوم أن يرحل و يتقدم نحوهم. و لكن بما أن الناس و الخيل و الجمال كانت تعبانة من السير ثلاثة أيام و ثلاث ليالي متوالية فتحسن عندنا الرأي أن نستريح يومين ثم نقدم على العدو. إلا أن العدو لم يصبر حتى نقدم عليه، بل ثاني يوم العصر، إذ أقبل نحونا عربان لا يعلم عددهم غير اللّه فقط. فحالا رحل الدريعي و تقدم إلى 1/ 64 قرب الشط لأجل الماء. و كذلك العدو نزل على الشط أمامنا. و كان بيننا و بينهم/ ميدان نحو نصف ساعة. و كان بالقرب منا قرية يقال لها الهوطا.

و ثاني يوم كتب الدريعي لهم مكتوبا و كان بهذه اللفظات:

من الدريعي إلى ضويحي ابن اغبين أمير قبيلة الفدعان و إلى صقر ابن حامد شيخ المضيّان و إلى مفضيّ ابن عيده أمير السّبعة و إلى برجس ابن أهديب شيخ الموايجة و إلى عمران ابن نجرس شيخ المعايده و إلى كامل المشايخ و الكبراء بالسن‏ (21) عموما، و الثاني‏

____________

(18) «و جابت».

(19) «الكرنا».

(20) «الضشمان».

(21) «الاختيارية».

159

نعلمكم أنه قد بلغنا عدم الوفاق و المحبة الواقع بينكم و بين دعاس ابن علي، شيخ قبيلة الأشاجعة لقد أخذنا العجب الشديد من ذلك لأننا على علم بالمحبة السابقة التي كانت بينكم. و الآن أنتم مزمعون على الحرب و القتال و سفك الدماء و خسارة الرجال من أجل ابن سعود الذي مراده خراب العربان، و تدميرهم و استعبادهم و وضعهم تحت رق العبودية، و أخذ الجزية (22) منهم و رميهم في مهالك العثماني و هلاكهم. فتأكد عندنا رأيكم الفاسد و عدم تبصركم بأمور الدنيا، لأنكم تركتم الخير و الحرية و تمسكتم بالشر و العبودية. و أما أنا فمن محبتي لكم حررت هذا الكتاب، و مرادي التوفيق بينكم و المحبة و رفع هذه الفتنة القبيحة (23)، فإن أصغيتم إلى قولي كنتم عندنا مكرمين، و أنتم و نحن على حال واحد رجالا و مالا، و إن خالفتم كنا الكفاية بعون اللّه عليكم بل أكثر. و الفتنة شر و الصلح خير فاعملوا كما تريدون‏ (24) و السلام.

و أرسلنا المكتوب مع خيال، و بعد قليل حضر المرسل و أتى بالجواب، و كان بهذه الألفاظ:

من ضويحي و صقر و مفضي و برجس و عمران إلى الدريعي ابن شعلان و بعد، وصل مكتوبك و لكن لن يتم ما في عقلك. فإن كنت مخدوعا (25) فنحن على علم بالحيلة التي تمت عليك. و كل هذه التدابير التي أخذتوها صار لنا علم بها، و فهمنا مراد المدبرين و هم لا يريدون خير العرب و لا يشفقون عليهم من ظلم ابن سعود بل يريدون فائدتهم‏ (26). و قد صارت هذه 2/ 64 الأمور معروفة لدينا من أناس عارفين و خابرين بنيتهم من حين ابتدائها،/ و جميع ما جرى في بر الشام صار معلوما لدينا. فالأنسب لكم أن تكسبوا حالكم و أموالكم و تكفّوا بلاكم عنا و ترجعوا إلى ديرتكم، و إن بقيتم على رأيكم و قصدتم حربنا تندمون.

____________

(22) كذا و لعله يريد الزكاة كما هو ظاهر من أماكن عديدة من الكتاب.

(23) «الشينة».

(24) «ارغبو ما تشتهو».

(25) «فإنكان أنت داخل عليك ملعوب».

(26) «اصطلاحهم».

160

[عبد اللّه الخطيب في الأسر]

فحين قرأنا هذا المكتوب أخذنا العجب من هذا الكلام لأنه ليس كلام عرب، كما عهدنا بكلام العربان. فكان رأي المعلم إبراهيم أنه من المستحسن أن أذهب أنا عندهم و أتكلم معهم لسانا، و أجلبهم بقوة الكلام اللين و ما يقرب من العقل، كما سبق أن فعلنا مع غير قبائل فاعتمدنا على ذلك الرأي و ثاني يوم توجهت عندهم و معي جملة هدايا. و كان برفقتي واحد بدوي بصفة خادم لا غير. فحين وصلت إلى بيت مفضيّ ابن عيده أمير السّبعة، إذ كان بيته أمام الجميع و هو أكبر الموجودين، و قبل أن أسلم عليهم ركضوا علي مثل الأسد الخاطف، و نهبوا جميع ما كان معي و أمسكوا بي و بالخادم و أخذوا جميع ما علينا و ضربوا بأرجلنا قيود الحديد و ألقونا بالشمس على الرمل الحامي. فابتدأت أتكلم معهم و استغيث‏ (1) بهم، فكان جوابهم اسكت و إلا قتلناك و عملنا قتلك شهرة. فابتدأت أبكي و أترجى أن يطلقوا سبيلي و أعود عند عربي، فما كان أحد يصغي إلى قولي. و بينما أنا بهذا الحال الشنيع إذ أقبل علي عبسي القبيسي، عدونا الكبير الذي ذكرناه سابقا حين كنا في بر الشام، و هو الذي نزل و اشتكى إلى سليمان باشا والي الشام، و كان خلال كل هذه المدة يدور من قبيلة إلى قبيلة باحثا عما يضرنا. فحين رأيته تأكدت أنه هو الذي أفهم العربان و وشى بنا، و إن الكتاب الذي ذكرناه سابقا من المشايخ إلى الدريعي هو أيضا عمله و تدبيره.

____________

(1) «و استنغيظ».

161

فأتى إلى عندي و بصق بوجهي و قال: يا كافر أي موتة تريد حتى تموت‏ (2) بها. فكان جوابي روحي ليست بيدك. فإن كانت انتهت حياتي فإني أموت، و إن بقي لي عمر بالدنيا فلا أنت و لا غيرك يستطيع أن يأخذ نقطة دم مني. إني فهمت أن كل ذلك تدبيرك فاللّه كريم./ و كان يوقد نار الحقد و يدور بين العربان يوشي بنا و يعظم الشر و مراده قتلي. فاستقمت على هذا الحال أربعا و عشرين ساعة مقيدا من غير أكل و لا شرب. فعظمت عندي المادة و ضاقت بي الدنيا. و كان كل بدوي من نساء و رجال و أولاد يأتي ليراني في هذا الحال و كل واحد منهم يعمل لي عملا قبيحا.

فبعد// أربع و عشرين ساعة اجتمعت المشايخ عند مفضي ابن عيده. فتحسن عندهم الرأي أن يبقوني عندهم، فأطلقوني و أحضروني أمامهم و قالوا: كنا قادرين على قتلك، و لكننا نهبك دمك إذا كنت تحكي لنا على الصحيح ما هي نيتكم؟ و ما هو السبب في تدبير كل هذه الأمور؟ و إلى أي غايات تسعون؟ و ما هو مرادكم من ذلك؟ فابتدأت أتكلم محاولا التمويه عليهم‏ (3) قائلا: إن ذلك لأجل راحتكم و حريتكم و خلاصكم من ظلم الوهابي. فكان جوابهم: و إذا نحن خلصنا من ظلم الوهابي و صرنا ممتلكين ذاتنا أحرارا في أنفسنا فما هي الفائدة لكم من ذلك. فقلت: نكون قد فعلنا خيرا معكم و عملنا جميلا. فقالوا: هذا شي‏ء لا أصل له. نريد أن نعرف حقيقة نيتكم التي أنتم من أجلها مهتمين بهذا الأمر كل الاهتمام.

فإن رأينا الشي‏ء مناسبا، صرنا معكم على الخير و الشر و إن لم يرضنا أطلقنا سبيلك و أرجعناك إلى محلك من غير ضرر لك كليا. و نحن قادرون بعون اللّه على كسر الدريعي و طردكم‏ (4) من هذه الديرة. فقلت: يا جماعة ليس معي إذن أن أتكلم معكم بشي‏ء ابدا// (5)، و ذلك لأني رأيت عين الغدر منهم، بوساطة عبسي، لأنه يريد قتلي بلا شك، و هو يعمل كل جهده لذلك، فما رأيت مناسبا أن أتكلم معهم بحقيقة مرادنا أولا بسبب وجود عبسي العدو الذي يعمل ما بوسعه لخرابنا، ثانيا وجود الشيخ برجس ابن أهديب الذي هو صهر عبد

____________

(2) «أموتك».

(3) «بالمحاولات».

(4) «و تهجيجكم».

(5) قد وضع الصائغ خطا على كل هذا المقطع الذي بين خطين// كما لو كان يريد حذفه بنوع أننا لا نعلم إذا كان المشايخ أطلقوا سراحه ثم أعادوه إلى القيود. فهل اختلق هذا الحادث أم خانته الذاكرة كما يتبادر إلى الذهن لأنه أبقى صفحة 2/ 65 بيضاء كما لو كان يريد إملاءها بعد مراجعة مذكراته.

162

اللّه الهدال، كيخيا الوهابي و هو المسؤول عن خراب نظامنا. و من جهة أخرى رأيت أن خلاصي صعب و لا بد لهم أن يقتلوني أولا بسبب كلام عبسي‏ (6)/ للعربان ضدي، ثانيا أن مفضي ابن عيده الذي أنا عنده [في الأسر]، محب كبير لبيت ملحم و صديق حميم للأمير مهنا الفاضل، و عنده علم بجميع ما جرى بيننا و بينهم في سورية، و عنده عبسي يفهمه و يوشي بنا. فما رأيت أحسن من الهزيمة فابتدأت أبحث عن طريقة [توصلني إلى نجاتي‏].

و قد تقدم الشرح أن العربان كانت تأتي لرؤيتي [بالقيود]، و كل واحد منهم يهينني أنواع الإهانة. و لكن شابا بدويا أتى مرارا عديدة من غير أن يقول كلمة واحدة، و كان فقط ينظر إلي و يذهب، و كان أيضا يطرد الأولاد عني، و هم كانوا يضربوني بالحجار و يقفزون فوقي و يسخرون بي. فأتى آخر مرة قبل غياب الشمس و طرد الأولاد عني و قال: هل أنت جائع لأحضر لك شيئا تأكله؟ فقلت له: أنا لا أريد أكلا و شربا و إن كنت تريد أن تفعل معي خيرا و جميلا، و أنا لا أنسى جميلك، فتعمل طريقة لأهرب من أيدي هؤلاء الناس.

فقال: سآتيك هذه الليلة و أفكك من القيد و أوصلك عند عربك. و عند نحو نصف الليل كان سرق مفتاح قفل القيد الذي في قدمي، و هو قيد فرس من زنجير (7) و قفل و مفتاح يقيدون به الخيل ليلا حتى لا تسرق. فأتى نحوي بكل لباقة و فتح القفل و فكني من الزنجير (7)، و أخذ بيدي و خرج خارج النزل بكل هداوة و خفة (8)، و لم يزل حتى اجتزنا العرب، و هو دائما معي إلى أن وصلنا إلى عربنا، فوجدت الجميع نياما إلا الحراس، لأن من عادة الدريعي دائما أن يضع أربعة عبيد للحراسة عند النوم. فحين رأوني عريان ليس علي ثياب تعجبوا و ذهبوا و صحوا الدريعي من النوم، فأقاق و أفاق معه الشيخ إبراهيم و كثير من الناس، و صارت ضجة في الليل و ابتدأ الشيخ إبراهيم يبكي من شدة فرحه لأني نجوت من ذلك الخطر (9)./ و حكيت لهم جميع ما جرى، فشكر اللّه الشيخ إبراهيم و كامل المحبين على خلاصي، و أعطى الشيخ إبراهيم البدوي مئة غرش بخشيشا (10)، و كان اسمه فاعور، فعاد المذكور عند أهله. و أما الدريعي، فإنه استاء منهم كثيرا (11) و اشتد قهره منهم فكتب لهم مكتوبا يطلب البدوي الثاني‏

____________

(6) الصفحة 2/ 65 بياض و الصفحة 1/ 66 كناية عن حاشية كبيرة تأتي بعد صفحة 2/ 68.

(7) «جنذير».

(8) «خفّيّة».

(9) «القطوع».

(10) هبة.

(11) «أخذ على خاطره».

163

الذي كان ذهب معي، لأنه لم يزل مقيدا عندهم و خاف عليه من أن يقتلوه لأنني هربت من عندهم، و في الوقت نفسه يقبح فعلهم الذي فعلوه معي. فكان الجواب لا نرسل الرجل‏ (12)، و استعد للحرب و القتال غدا صباحا، و لا تقل ما أنذرناك فكن على حذر (13).

فجمع الدريعي حالا كبار القبائل و ابتدأوا بتحضير مهمام الحرب و تدبير أمورها.

و ثاني يوم من الصبح خرجت الجموع من الطرفين، و اصطفت الطوابير أمام بعضها، و انفتح ميدان الحرب، و اشتد القتال بين الطرفين. و كان نهار لا يوصف شديد الحر جدا، إلى أن غابت الشمس، فما رجحت كفة الواحد على الآخر و لكن حصلت مقتلة عظيمة في الفريقين، و قتلت فرس عوض جندل شيخ السوالمة التي تسوى عنده أكثر من خمسين كيسا و لا تقدر بثمن لا بكثير و لا بقليل. فتكدرنا عليها جميعنا كثيرا و أعطاه الدريعي فرسا عوضا عنها، و لكن دونها لا تماثل التي قتلت، فرضي و استكثر بخيره‏ (14) عليها.

و في اليوم الثاني وقع القتال أيضا، و كان أشد من اليوم الأول، و كانوا هم الراجحين علينا بسبب أنهم أكثر منا. فهم كانوا نحو ثلاثين ألف مقاتل من خيالة و رجال و مراديف، و نحن كنا مقدار نصفهم لا غير. فأخذوا منا في هذا اليوم أربعين ممسوكا (15)، يعني أسيرا (16)، تسمّيه العرب ممسوكا. و نحن أخذنا أحد عشر واحدا. و كان من جملة الأحد عشر ممسوكا عندنا ابن صقر شيخ قبيلة المضيان، فقيدنا الجميع، و هم كذلك/ قيدوا مماسيكهم.

و بعد ذلك النهار قضينا ثلاثة أيام دون حرب و لا كلام بين الجانبين. و لكننا كنا متيقظين إلى بعضنا ليلا و نهارا. و بعد ذلك إذ حضر إلى طرفنا الشيخ صقر ابن حامد الذي كان ولده ممسوكا عندنا، من جملة الأحد عشر، و برفقته خيال واحد فقط، لأن هذه عادة العرب إذا وقف الحرب يزورون بعضهم بعضا و يتكلمون و يأكلون و يشربون، و حين رجوع الحرب كل منهم ينسحب إلى فريقه. فحضر المذكور عندنا، فرحّب به الدريعي و عمل له غاية الإكرام. و كان سبب حضوره أنه يحاول أن يفك ابنه لأنه كان غاليا عليه جدا. و كان قد

____________

(12) «الذلمة».

(13) «صير على حضر».

(14) شكره.

(15) «ممسلوك»، و لكن في مكان آخر من المخطوطة يكتب الصائغ «ممسوك» و يجمعه على «مماسيك».

(16) «يسير».

164

جرح يوم الذي وقع أسيرا فبقي مشغول البال عليه خوفا من أن يكون مات. و لكننا كنا داوينا جرحه كالواجب، على حسب مداواتهم للجروح، و مهتمين به جدا لأننا نعرف أنه غالي الثمن على أبيه و على كافة عربانهم، و هو شاب عظيم و فارس مشهور اسمه حامد باسم جده.

165

[ماوراء الحلف من أغراض سياسية]

ثم جلسنا للحديث مع صقر. فقال: يا جماعة نحن متعجبون منكم على فعلكم هذا، و اجتهادكم بإدخال القبائل في اتحادكم و سعيكم العظيم في هذا السبيل، من غير أن نرى لكم ثمرة من ذلك تستحق اثقال هذه الحروب و هذه الأتعاب التي تتكبدونها أنتم، و يتكبدها الناس بسببكم. و إذا قلنا شفقة على العرب حتى ننقذهم من أسر ابن سعود، فما أظن أنكم شفقون على العرب إلى هذا الحد، و لا يكون لكم فائدة خاصة من ذلك. و يقول المثل: لا يصلي أحد حتى يطلب الغفران. فأنا واحد من الناس لا أدخل معكم إلا إذا أعلمتموني حقيقة غرضكم، و هكذا يرى أكثر الناس. فإن شاء خاطركم افهمتموني المادة، و أنا بعون اللّه معكم و واحد منكم. فكان جوابنا: أنت على حق و ما تقوله هو الصواب و لكن ما هي الطريقة لنعرفك بسرنا من غير أن تضع ختمك و تقبل الشروط؛/ قال هذا عين الصواب‏ (1) فاحضروا ورقة الشروط لنسمعها. فأتينا حالا بالورقة و قرأناها له، فسرّ كثيرا و قال: كنت أخمن‏ (2) من جملة التخمينات‏ (3) أن مرادكم أمور الديانة، فوجدت أول شرط أن لا يتكلم أحد بالأمور الدينية. و كان تخميني الثاني أن ربما أنتم من طرف العثماني سياسة،

____________

(1) «قوي مناسب».

(2) أظنّ.

(3) الظنون.

166

لأجل تدمير ابن سعود الوهابي، فوجدت كذلك من الشروط الابتعاد عن التعامل‏ (4) مع العثماني و حكامه، و كثير من الأشياء كنت أظنها صالحة لكم فوجدتها بعكس ذلك. و عليه فقد انفتحت على المادة جدا و ضاعت ظنوني تماما، فباللّه عليكم‏ (5) أن تعرفوني المادة و أنا أول من أطاع و آخر من عصى. ثم وضع ختمه و اسمه بالورقة و تعاهدنا معه بكل محبة، و قلنا له: اعلم أن المراد الوصول إلى أبواب الهند، و الكشف عن طريق يكون بعيدا عن المدن و معرفته، و يكون به المياه اللازمة و مراعي للمواشي دائمة. فقال: حسنا، و لكن هذا الأمر لا يحتاج إلى كل الأعمال التي تقومون بها، فبوسعكم أن تأتوا معي، و أنا أرسلكم إلى غير قبيلة، و هكذا من قبيلة إلى أخرى تتنقلوا حتى تصلوا إلى الهند، من غير هذه الحروب و المعارك التي تصدر عنكم. و أنا لا أظن أن هذا مقصودكم، بل هو تملص مني‏ (6) لأنكم لا تريدون أن تعرفوني حقيقة الحال، فإن تدبيركم و مساعيكم ليست فقط لأجل كشف الطريق، و لا بدّ أن يكون لكم غايات داخلية لا تريدون أن تعرفوني بها على الوجه الصحيح، و ستندمون لأنني قادر، بعون اللّه، على مساعدتكم إن أعلمتموني بحقيقة مرامكم. فقلنا الصحيح أن مرادنا الوصول إلى الهند، و لكن ليس نحن فقط بل أيضا جيش كبير نحو مئة ألف. فلأجل ذلك نريد أن نجمع العرب على رأي واحد، و نجعل لهم رأسا كي يسعفوا الجيش المذكور، و يساعدوا على إيصاله إلى الهند، و يحملوا جميع لوازمه من أكل و شرب و غير ذلك من المهمات، و اركاب العساكر على الجمال و المسير معهم و إعانتهم في كل ما يلزمهم و الوصول معهم/ إلى الهند. قال: حسنا و لكن ما هي فائدة العرب من ذلك و ما هو أملهم. فقلنا له: أولا إن السلطان الذي سيرسل هذا الجيش سيصير لكم منه خير عظيم، ثانيا تملكون حريتكم و تخلصون من عبودية الوهابي و حكم العثماني عليكم، ثالثا تغنمون أموالا لا تحصى من الهند، لأن غنى الهند زائد كما هو معلوم عندكم، رابعا من اتحادكم مع بعضكم بعضا، و كسب مثل هذه الكميات من الأموال، و نظر مثل هذا السلطان عليكم تستطيعون أن تملكوا أنفسكم، و تعودوا ملوكا كما كنتم سابقا، و لا خسارة لكم من ذلك بل تكسبون صيتا كبيرا و يحصل لكم ربح عظيم.

و صار حديث كبير في هذا المعنى و دخل الموضوع في عقله و تشرب المادة على‏

____________

(4) «مقارشة».

(5) «سايق اللّه عليكم».

(6) «صرفه منشاني».

167

جليتها،// و تعهد لنا بإدخال كثير من القبائل معنا و اتحادهم في رباطنا. و نحن وضعنا أملنا به لأنه رجل ذو عقل و تدبير، طاعن بالسن، مسموع الكلمة، و عملا بالرباط تعهدنا أن نعيد كل الأسراء (7)، و هو يرسل إلينا الأسراء الذين عندهم و أخذ على نفسه أن يهتم بأمورنا بكل رغبة و محبة ثم أفهمناه مرادنا// (8) فقال: يا جماعة إني قد فهمت المادة جيدا، و عرفت الغاية من جميع ذلك، إنما العداوة مع الوهابي لا معنى لها و لا علاقة لها بهذا الأمر، لأن الرجل في بلاده و نحن في ديرتنا نفعل ما نشاء، و هذه العداوة تؤدي إلى سفك الدماء، و ذهاب الرجال و الأموال و تحميل أثقال شتى من غير فائدة لنا، و ليس هناك أمر ضروري يحوج إلى ذلك.

فقلنا: يا صقر كل منا يعرف وجعه، فاعلم أيها العزيز (9)/ أن الوهابي اليوم متقوي جدا، و أخذ يملك البلاد و عمل نفسه ملكا، و إلى الآن صارت بيده بلاد اليمن و الحجاز، حتى أنه ملك مكة المكرمة و المدينة، و هو يرسل جيوشه إلى أماكن أخرى، حتى وصل إلى ديرة عربستان‏ (10) و قرب من الشام كما هو معلوم. و نحن نرى أن العثماني غير قادر على رده، و هو لم يزل يمتد و يملك، فإذا ملك سورية فمن المعلوم أنه سيزحف‏ (11) و يملك بغداد و ديرتنا هذه مع التمادي، و إذا امتد ملكه و صارت سورية في يده و هذه الديره، لا يعود يتم لنا أمر و تتعطل أشغالنا لأسباب كثيرة. أولا بسبب رفضه و تمسكه بأمور الديانة و شدة بغضه للملة النصرانية، و نحن نصارى، و الجيش الذي يريد أن يمر بهذا الطريق نصراني أيضا، فلا يمكن أن يتفق معنا و يسمح لنا بذلك، ثانيا لربما افتكر أنها حيلة عليه من طرف العثماني لأجل خرابه و تدميره، فعلى هذا الجيش النصراني أن يحارب في وسط الصحراء (12)، و أنتم تكونون يومئذ معه و تحت أمره، و إذا لم تساعدونا بالحرب و تركتونا وحدنا في البرية نهفى و نموت من الجوع و العطش، لأن جيشنا لا يعلم كيف يسلك في البراري، و إذا العرب لم تساعد و تعين على الركوب، و تدل على المسالك، و تنقل الماء و الأكل و الشرب، و تمشي أمام عسكرنا، لا يمكننا الوصول إلى الهند. ثالثا إن سلطاننا الذي نحن في خدمته له عدو كبير، و البحر بيد هذا

____________

(7) «اليساره».

(8) وضع الصائغ علامة في المخطوطة كما لو كان يريد أن يكون هذا المقطع في مكان آخر و لكن لم تظهر لنا حقيقة ذلك.

(9) في المخطوطة إشارة إلى أن تتمة الكلام في صفحة 1/ 66.

(10) «عرب بستان».

(11) «يسحف».

(12) «الجول».

168

العدو، و يستطيع أن يصل عند الوهابي من بحر الهند، و يقوّى الوهابي و يعمل اتحادا معه 1/ 69 ضدنا و يخرب شغلنا و نظامنا. فلهذه الأسباب و غيرها يجب معاداة (13) الوهابي و الإنفراد عنه./

ثم تكلمنا معه كلاما كثيرا فدخل في عقله و فهم المطلوب، و اتحد معنا اتحادا عظيما، و أخذ على نفسه الضمان بأن يجذب إلى طرفنا كل ما يستطيع عليه من القبائل و يوفق بينها و بيننا و يكون هو المقدم في هذا العمل، و ينال مكافأة على تعبه مثل الدريعي. و نحن عملنا على أن يكون مطمئن البال و أملناه بشي‏ء كثير، و وعدناه بكل ما يسر خاطره، فأمل بالعز (14) و الكسب من أموال الهند، و هذا شي‏ء طبيعي في العرب لأنهم يسرون جدا من النهب‏ (15)، فهذه صنعتهم‏ (16) و ليس لهم صنعة غيرها. فجلس صقر عندنا يومين كان حديثنا معه على هذه الأمور و أخذت تدابير جيدة، و انتهى الكلام و الوعد معه على أن يعمل كل جهده هذه السنة ليأخذ رأي القبائل و يمزجنا معها. و أما نحن، فنتابع طريقنا إلى طرف المشرق. و إن استطاع أن يفعل كل هذه الأمور هذه السنة، فإنه لا يغرّب بل يبقى بالمشرق عند القبائل التي لا تغرب و يتم العمل، بينما نحن نغرّب حسب العوايد، و حين التشريق يكون كل شي‏ء مرتبا و حاضرا، فندخل و نتم مرغوبنا.

فأطلقنا الأسراء الذين كانوا عندنا و أهدى الدريعي فرسا عظيمة لابن صقر، و قدمنا له نحن جملة هدايا و نفقة جيب‏ (17) وافرة، و ودعنا بعضنا بكل محبة و ذهبوا عند أهلهم. و بعد توجههم من عندنا بنحو أربع ساعات من الزمن أرسلوا مماسيكنا، و قبل توجههم عندنا ذبحوا لهم الذبائح و صنعوا لهم غداء عظيما و أبدوا لهم غاية الإكرام و المحبة.

هذا و في اليوم الثاني أتانا مكتوب منه و من مفضي و من ضويحي، و كان بهذه اللفظات:

من مفضي و ضويحي إلى الدريعي بعد السلام عليكم و الثاني حضر أخونا صقر من عندكم، و المذكور بغاية الرضى عنكم، فهو شاكر لكم و حامد حسن مزاياكم و الإكرام الزائد الذي فعلتوه معه. و قد تكلم معنا بخصوص المطلوب، شي‏ء قليل الذي كافي لنا لحد

____________

(13) «ضشمنة».

(14) «الكبرا».

(15) «بينحظوا في النهايب».

(16) «كارهم».

(17) «خرجية».

169

الآن‏ (18)، و اللّه يعين على كل أمر يحصل منه نفع لجيوش العرب. و قد توجه صقر عند 2/ 69 () (19)، لأن‏ (20)/ المذكور بعيد عنا نحو ثلاث ساعات ليتكلم معه، فيكون معكم علم بذلك و السلام.

فسررنا من هذا الكتاب إذ تأكدت لنا صداقة صقر. و ثاني يوم رحل من أمامنا و نحن أيضا رحلنا لأن الأرض قد امتلأت بالأوساخ و لم يبق فيها مرعى. فتقدمنا إلى الأمام نحو عشر ساعات و نزلنا بأرض يقال لها مقتل العبد على شط العرب، فأقمنا ثمانية أيام و إذ حضر عندنا صقر و ابنه، و أخبرنا أنه استطاع أن يجلب بعض القبائل إلى طرفنا و أضاف أن هذا الأمر لا يتمل بالعجل، لأن أمامنا عربانا لا تحصى و لا تعد، و كل واحد برأي و عقل يختلف عن الآخر، و إذ أردنا الدخول هذه السنة نتعب و يحصل لنا هموم و حروب و سفك دماء كثيرة، [و قال‏]: و الرأي عندي أن أبقى بالمشرق هذه السنة، و أعدّ (21) لكم هذه الأمور كما يجب و حين تشرّقون من بلاد سورية يكون كل شي‏ء جاهزا وفق مرادكم، فتدخلون الأراضي و تصلون إلى الأماكن التي تريدونها، و تكشفون عما تريدون، و تفهمون جميع ما ترغبون، و يصير كل شي‏ء حسب مطلوبكم إن شاء اللّه، و لكن بالتأنّي و طول البال، و قد بذلت كل جهدي لأنكم وصلتم إلى هنا، و كابدتم من المشقات و الأتعاب ما لستم معتادين عليه، لتقضوا مطلوبكم و ترجعوا إلى سورية و تتموا الأمور المنوطة بكم. و لكن تحقيق ذلك غير ممكن الآن، و أنا أقوم مقامكم بل أحسن منكم، إذ كما يقول المثل الشجر لا يقطعها إلا فرع منها.

فاعتمدنا على رأيه و جلس عندنا نهارا واحدا، ثم ودعناه و أفهمناه جميع الأمور اللازمة و سافر بالسلامة.

____________

(18) كذا بالحرف الواحد، و المعنى: عرفنا القليل و لكن ما عرفناه يكفينا الآن.

(19) في المخطوطة: ضويحي ابن حبس (؟) إلا أن الصائغ شطب الاسم بالحبر مرارا و لم يضع مكانه اسما آخر.

(20) هنا ابتداء الكراسة نمرة 9.

(21) «اطبخ».

170

[العودة إلى بر الشام‏]

أما نحن فنوينا الرجوع إلى بر الشام، إذ كان انتهى فصل الشتاء و دخل الربيع، و نحن لم نزل فوق البصرة بنحو ثلاثة أيام. فابتدأنا نعود إلى الغرب، و بعد عدة مراحل قطعنا الدجلة و دخلنا الجزيرة من القرنا، فجلسنا يومين فقط بالجزيرة، و قطعنا الفرات من المنصورية و خرجنا 1/ 70 إلى الصحراء (1) التي يسميها العرب الحماد و هي قبلي الفرات./

فرحلنا بعد مقطعنا، و نزلنا أرضا تبعد عن الفرات نحو ست ساعات ليس فيها ماء جار. فحفر العرب كلهم حفرا طول قامة الإنسان ليستقوا منها. فكل عشرة بيوت أم أكثر أم أقل عملت لها حفرة ماء. و هذه المنزلة اسمها غبيب الدّرّ: الدر يعني الحليب و غبيب يعني الشرب، كناية عن قلة وجود الماء بهذا المكان، يعني محل شرب الحليب عوضا عن الماء. فما أطلنا الإقامة، بل رحلنا ثالث يوم، أولا بسبب قلة الماء كما سبق الشرح، و ثانيا لأننا كنا مستعجلين لنلحق ربيع بر الشام، إذ الوقت أدركنا و أصبحنا في منتصف الربيع‏ (2)، و نحن نخاف أن يحضر غيرنا من العربان و يضعوا يدهم على الأماكن الجيدة، و خصوصا و أن وراءنا خصومنا و هم بيت ملحم، فلربما كانوا شدوا أزرهم ببعض القبائل كي يملكوا الديرة و يحاربونا، كما تقدم الشرح عنهم عام الماضي قبل تشريقنا.

____________

(1) «جول».

(2) ربيع سنة 1812.

171

ثم رحلنا و نزلنا أرضا يقال لها الصّارعة، مياهها كثيرة من نبوعات و مراعيها كثيرة أيضا، و لكن بها عشبة تسمى الخافور (3) تحبها الجمال، إنما لها فعل غريب إذ يجن منها الجمال فقط، و ليس لها فعل على غيرها من الدواب. فمتى أكل منها الجمل صار مجنونا و عمي، فلا يرى بعينيه شيئا و يهيج. فاستقمنا يومين في تعب‏ (4) عظيم مع الجمال لأنها تهجم على البيوت من غير أن تراها فتخرب البيوت و تدعس الأولاد و كل من كان بوجهها. فكانت الناس دائما راكبون و راكضون خلف الجمال حتى يردونها عن البيوت. فخلال هذين اليومين لم يستطع أحد أن ينام أو يستريح بل حصل تعب‏ (5) عظيم أشد من معركة كبيرة مع خصم قوي. و السبب أنهم أطلقوا على هذا المكان اسم الصارعة لأنها تصرع الجمال و تجعلها كالمجانين. و ثالث يوم قلت للدريعي باللّه عليكم دعونا نرحل من هذه المنزلة الملعونة فكأني بكم مسرورون من هذا التعب فضحك. و في ذلك الوقت نفسه إذ بجمل عظيم هاج و ركض نحو الدريعي نفسه، فركضت حالا و دخلت البيت و اختبأت فيه. أما الدريعي، فإنه أخذ عامودا من عواميد الخشب التي كانت أمام البيت، و ضرب الجمل على رأسه، فانكسر 2/ 70 العامود قطعتين و لم يردّ الجمل،/ و احترنا عمّن نقول أنه أكثر قوة الجمل أم الدريعي، لأن المذكور يقول: لو ثبت العامود كنت كسرت رأس الجمل و قتلته. فأنا عدلت بينهما و قلت:

أظن يا دريعي، أنك و الجمل بالقوة نفسها، لأنك تحتج بأن العامود قد انكسر، و الجمل على ما أظن ما أحسّ بالضرب، و عليه فإنكما متقاربان لبعضكما بعضا. فضحك كل من كان حاضرا.

و رحلنا ثاني يوم، و بينما نحن في الطريق إذ نفذ علينا مكتوب من صقر مضمونه أنه ذهب عند برجس ابن أهديب، و لكنه لم ينل فائدة، و وقع بينه و بين المذكور إغاظة. و قد حرد صقر عليه و ذهب من عنده متكدرا، و إن برجس غرّب بكامل عربه و دخل الجزيرة و يريد أن يصل بسرعة إلى بر الشام، و يجتمع مع بيت ملحم و مع جيوش الوهابي، لأجل تنكيس رايتكم و خراب نظامكم و تدميركم، من حيث أولا أنه زوج أخت عبد اللّه الهدال، و ثانيا أنه محب لبيت ملحم، و ثالثا أن عنده عبسي القبيسي و هو يحرك الشر عليكم دائما، فكونوا على‏

____________

(3) الخافور: «نبتّ كالزّوان» (القاموس المحيط مادة خفر).

(4) «جنك»، و يريد ضنك.

(5) «جنك».

172

علم بذلك و خذوا حذركم منه. فقال الدريعي: اللّه أكبر منه. و لم نزل نجد بالسير من مرحلة إلى أخرى.

و علمنا أن السّلقا (6)، و هي قبيلة عظيمة نازلة في منزلة يقال لها حزملما (7). فقال الدريعي: هذه قبيلة عظيمة و رجالها مشهورون بالمواقع‏ (8). و أميرهم رجل طيب، فيجب أن نجلبهم إلى طرفنا قبل وصولهم إلى الديرة الشامية. و الأمير اسمه جاسم ابن حريميس و هو صديقي جدا. فقلت نكتب له مكتوبا، قال الدريعي: هذا لا يناسب لأنه لا يقرأ، فيجب أن يقرأ له أحد المكتوب، و تصبح المادة مسموعة، و نحن نريد أن تكون سرية. فرأى الشيخ إبراهيم أنه من المستحسن أن أتوجه أنا عنده و تم الرأي على ذلك. و ثاني يوم أرسل الدريعي معي ستة أنفار ليدلوا (9) [على الطريق‏]، و أنا ركبت ذلولي و كنا سبع أنفس. و كان بيننا و بين حزملما مرحلتان، و سرنا طالبين قبيلة السلقا. فبعد يومين وصلنا إلى المحل [المقصود]، فما وجدنا أحد لأنهم كانوا رحلوا و لكن لا يعلم أحد إلى أي جانب توجهوا. فصرنا ندور بالبرية 1/ 71 إلى المساء، فبتنا بالخلا في البادية (10)؛ من غير أكل و لا شرب لأننا لم نأخذ معنا/ غير زاد يوم فقط، إذ كنا متأملين بالعرب. فأقمنا ثالث يوم ندور أيضا إلى المساء، و لكننا كنا نمشي بجد فما وجدنا أحدا، و لم نلتق بغير عربان. فاشتد بنا العطش و خصوصا بي أنا، فتلاشت حواسي و يبس فمي و احترق جسدي من شدة الظمأ، حتى كدت أغيب عن الوجود، إذ مضى علي ثلاثة أيام من غير ماء. فصاروا يضعون في فمي حصوات صغيرة و تارة رصاصات، و كل ذلك بدون فائدة، و لم يزل يزداد عطشي. فاسود وجهي، و يبس لساني و صار مثل الفحم الأسود، و جمدت عيوني، و رميت نفسي على الأرض كالميت، و غاب عقلي و عدمت حواسي بالكلية. و منذ يومين كنا نبحث عن الماء فقط و لا نسأل عن العرب. و كنا دائما نبعد كأننا مسحورون، فلا نستطيع أن نجد عربا أو ماء لنشرب. فبعد ذلك رفعوني عن الأرض و أنا غير واع، و وضعوني على ظهر ذلولي و مشوا قاصدين منزلة يقال لها جب الغنم بها ماء. و ما زالوا سائرين إلى بعد الظهر، و كان ذلك خامس نهار من غير ماء.

____________

(6) «السلقة»، من العنزة.

(7) «حذملما»، إنما من عادة الصائغ أن يكتب ذالا بدلا من الزاي.

(8) «بالمراجل».

(9) «دلالة».

(10) «الجول».

173

فأقبلنا على الجب فصار رفقائي يتسابقون إليه، فرميت نفسي من على ظهر الجمل على الأرض و ابتدأت أبكي، إذ تصور بعقلي من شدة احتراقي و عطشي أنهم سيشربون كل الجب و لا يبقون لي شيئا، فعادوا و صاروا يضحكون من عقلي و قالوا: أنت عدمت عقلك فهذا الجب يكفي جيوش عنزة (11) و طروشها و لا يخلص، و نحن ستة أنفار نريد أن نشرب الجب بكامله. ثم وصلنا و حين صرنا على فم الجب ركض واحد من العرب اسمه غلفص، و اشهر سيفه و جلس على فم الجب و قال: كل من قرب منكم قطعت رأسه و رميته بالجب، اقعدوا و أنا أسقيكم بمعرفتي. فأخذني أولا و وضع رأسي عند فم الجب و قال: شم رائحة الماء فقط شما. فابتدأت اترجاه و أسأله بإلحاح‏ (12) أن يسقيني. فبعد حصة أخرج قليلا من الماء قدر نصف وقية، و صار يأتي بالواحد بعد الآخر و يدهن شفاهنا و لساننا دهنا بالماء فقط. ثم بعد حصة أخرى أخرج كمية أكبر من الماء، و صار يعطي لكل واحد نحو نصف فنجان قهوة 2/ 73 ماء، و بعد حصة قدر فنجان و بعد قليل قدر فنجانين/ (13). و لم يزل يدرجنا رويدا رويدا مقدار أربع ساعات حتى شبعنا ماء. و أخيرا قام من على الجب و قال: اشربوا قدر ما تريدون.

و قال: لو لم أفعل ذلك معكم لكنتم متّم جميعكم إلى جانب الجب. و بالحقيقة كم من السواح و غيرهم الذين بلغنا عنهم أنهم ماتوا من شرب الماء بعد عطش. فبتنا تلك الليلة إلى جانب الجب من غير أكل، فقط على الماء، و كنا نشرب كل ربع ساعة و ما كنا نروى. فأصبحنا ثاني يوم و كان أمامنا تل عال فصعدنا عليه عسانا نرى عربا نذهب عندهم فما رأينا شيئا إلا أن أحد رفقائنا رأى عربا نازلة بعيدا جدا، فصار يرينا مكان نزولهم و يعلّم لنا، و لكن ما كنا نستطيع أن نرى النزل، حتى أكد لنا أن بينهم بيتا كبيرا على ستة عواميد و أمامه شي‏ء أحمر.

فاعتمدنا على كلامه إذ شهد رفقاؤه أنه حاد البصر بعيد النظر جدا، فتوكلنا على اللّه و مشينا بسرعة. فبعد ثماني ساعات وصلنا عند العرب و وجدنا أن كلامه صحيح: بيت كبير على ستة عواميد، و أمامه هودج امرأة الأمير و هو ملبس بالجوخ الأحمر. و كانوا هم عرب السّلقا الذين كنا نبحث عنهم، و ذلك البيت هو بيت جاسم ابن حريميس. فدخلنا و سلمنا عليه، و أعطيناه المكتوب الذي معي و هو بخطي و قد كتبته ليكون وسيلة للوصول إليه. فأخذ

____________

(11) «عنازة».

(12) «اتدخل عليه».

(13) ورقة 2/ 71 بياض- و قد أعاد الصائغ ترتيب الصفحات فجاءت ورقة 2/ 73 بعد 1/ 71، و أخّر بعض المقاطع و قدّم غيرها، و نحن أعدنا سبكها على حسب تعليمات المؤلف.

174

المكتوب و فرح به و قرأه‏ (14) و ترحب بنا جدا. فحكينا له ما أصابنا فصعب عليه جدا و قال: ليتكم أرسلتم هجانا فما كنت رحلت من حزملما، و لكن ما حصل إلا خير، أهلا و سهلا بكم. ثم سألني عن الدريعي و أحواله، و عن جميع ما حدث فحكيت له إذ معه علم بالأمور الجارية. ثم أخذت بالكلام معه و ابتدأت أتحدث معه من أبواب مناسبة و ملائمة له حتى جذبته رويدا رويدا إلى طرفنا و اعتمد على رأينا و أعطاني كلاما ثابتا أنه معنا على الخير و الشر، و أنه في أول اجتماع له مع الدريعي سيضع ختمة و اسمه في ورقة الشروط.

____________

(14) يقول الصائغ (ص 172) إن هذا الأمير لا يعرف القراءة.

175

[إنكلترا تبدي نواجذها]

// ثم أخبرني أن بنت سلطان الإنكليز أتت إلى تدمر، دعاها مهنا الفاضل بالشتاء، فأتت بهرج‏ (1) عظيم و كبر زائد، و بقيت نحو عشرة أيام في تدمر، و وهبت أموالا و أعطت بخاشيش كثيرة و قد شاع الآن خبرها (2) بالكرم في تدمر و بين القبائل. و هي بنت سلطان الإنكليز، و هذا شي‏ء أكيد، و هي معروفة عند الحكام و كل أهالي البلاد، و مقيمة حاليا في حماة. و صار كل من يحكي عنها و يتحدث بصيت كرمها و يعظم به، لأن من عادة العرب أن يكبروا الحكاية و لو كانت وضيعة و خصوصا بالبرية. فدخل علي الوسواس من هذا الخبر و تصدع‏ (3) عقلي، و ما عدت أصدق متى سأصل عند الشيخ إبراهيم لأطلعه على هذا الخبر// (4).

فدرنا في القبيلة و دعينا عند كبارها و هي عشيرة عظيمة تحتوي على ثلاثة آلاف بيت 1/ 74 و أغنى فرسان، أنفسهم قنوعة جدا (5)./ فأقمنا عندهم خمسة أيام، و رحلنا معهم مرحلة. ثم‏

____________

(1) «هرتك».

(2) «خبرنا» [كذا].

(3) «و انشعب».

(4) جميع هذا المقطع ورد في المخطوطة صفحة 1/ 72.

(5) عبارة الصائغ غير واضحة المعنى فهو يقول: «أغنا فرسان نفسهم رضية جدا».

176

بعد ذلك وصلنا خبر أن الدريعي نازل في نواحي القبيسة (6)، بعيدا عنا نحو أربعة أيام.

فودعنا حالا جاسما و عائلته و كبار قبيلته و كامل المحبين و توجهنا طالبين الرجوع عند الدريعي.

و من بعد مسير أربعة أيام، وصلنا بالسلامة عند عربنا، فوجدنا الشيخ إبراهيم و الدريعي في و جل عظيم جدا بسبب تأخرنا. فحكينا لهم جميع ما حدث لنا، فشكروا اللّه على سلامتنا، و سروا جدا من مكتوب جاسم و كان بهذه اللفظات:

من جاسم إلى الدريعي بعد السلام وصلنا مكتوبكم الذي يحوي سلاما منكم صحبة عبد اللّه الخطيب، و صار لنا علم بسلامتكم و حمدنا اللّه على هذا. و تكلم معنا عبد اللّه المذكور بكل ما يلزم، و أفهمنا كل ما حدث، و علمنا منه عن مرادكم، فرأيكم عندنا حسن جدا و قبلنا شروطكم، و نحن و أنتم إن شاء اللّه بالحال الواحد، ليس بيننا شي‏ء محرم غير الذي حرمه اللّه. و أنا معكم و على رأيكم بجميع ما يصدر من خير و شر. على هذا قول اللّه و رأي اللّه و رأي محمد و علي، و الخائن يخونه اللّه. و متى تواجهنا معكم نضع ختمنا بالشروط، و نكون معكم أحسن من غيرنا، لأن صحبتنا معكم قديمة و محبتنا إن شاء اللّه مستديمة.

ففرح الدريعي و الشيخ إبراهيم بهذا المكتوب، و قالا: ما ذهب العطش و التعب 1/ 72 سدى، بارك اللّه بهمتك./ ثم أخبرت الشيخ إبراهيم سرا بخبر بنت السلطان، فتعجب من هذا الخبر و صار في و جل عظيم و أخبر الدريعي. فصرنا جميعنا متحيرين من هذا الخبر، و صرنا نحسب أشكالا و أشكالا و حسابات شتى. و كلما اقتربنا من تدمر نسمع هذا الخبر من كل شخص نلقاه و هو يزداد و يكبر. فدخل الوسواس على الشيخ إبراهيم، و قال: إنها أتت خصوصا ضدنا لتعكس أشغالنا، و يظهر أن سرنا قد انكشف، و لكن لا نستطيع أن نفهم شيئا إلا من تدمر.

ثم رحلنا ثاني يوم، و لم نزل نرحل بسرعة و نقرب إلى نواحي تدمر. و في قليل من الزمن وصلنا إلى تدمر و نزلنا بعيدا عن البلد نحو ساعة على ماء أبو الفوارس. فنزلت إلى تدمر، و سلمت على الشيخ و كامل المحبين، و استخبرنا عن المادة، فأخبرني الشيخ علي أن بنت سلطان الإنكليز قد أحضرها مهنا الفاضل، و أقامت ثمانية أيام في تدمر تدور فيها و ترى [آثارها]، و أعطت هدايا كثيرة لأن كرمها زائد، و هي لابسة ألبسة (7) رجال، و تركب الخيل‏

____________

(6) «القبيسي».

(7) «كسم».

177

مثل الرجال، و هي بنت سلطان و مرادها الإقامة في هذه البلاد لأنها، على ما أخبرني، دائما مريضة، و قد وصف لها الأطباء (8) الإقامة بهذه الأقاليم، و هي الآن في حماة و قد كسب مهنا الفاضل منها كثيرا، و جميع العرب يشكرونها لأنها صرفت مالا جزيلا على العربان. و في حماة لم يزل العرب يلفون عليها، و هي تقدم لهم الهدايا، لأنها تحب العرب كثيرا و مرادها المعرفة بهم و محبتهم‏ (9). و لم تزل تهدي الحكام التحف الإنكليزية و أصبح لها صيت عظيم.

فهذا الخبر دخل علي منه الوسواس بالأكثر، و عمي قلبي و تأكدت أنها مرسلة خاصة حتى تفسد عملنا. فرجعت عند الشيخ إبراهيم و حكيت له جميع ما سمعت، فتأكدت عنده [ظنوني‏]، و أشتد قهره و دخل عليه الوهم و الهم. و أعلمنا الدريعي أيضا فقال المذكور: لا تفكروا بشي‏ء، و اللّه العظيم لا أغير نيتي نحوكم، و لا يمكن أن أدع أمرها يسلك و في جسدي نقطة دم و لو صفت لي أكياس الذهب من أبواب حماة إلى الهند. فكونوا مطمئني البال و الخاطر، فأنا أعطيت كلاما و لا يمكن أن أرجع عنه حتى الموت. فابقوا أنتم على حالكم و تدبيركم و لا تغيروا شيئا مما يجب عمله، وضعوا في عقولكم أن هذه المادة ما سمعتم بها، و ثابروا 1/ 74 (تابع) على جهدكم و ارفعوا كامل الوسواس من فكركم. و قال: أنا عندي الرأي أن نتوجه أولا/ نحو بلاد حوران حتى نكشف أخبار ابن سعود، و بعد ذلك نتابع الرحيل و نذهب نواحي حماة و حمص و غيرها. فقال الشيخ إبراهيم: بما أن الأمر كذلك فانزل يا عبد اللّه إلى القريتين و احضر لنا ما بقي من اللبس الذي عند الخوري موسى، و خذ هذا المكتوب و أرسله مع ساع خاص إلى 2/ 74 حلب، يكون أمينا معروفا نصرانيا حتى يجلب لنا مصريات،/ إذ لم يبق معنا مصرية واحدة.

و بما أننا سنذهب نواحي بلاد حوران فسيكون حتما طريقنا على القريتين. فحين نكون قريبين منك نرسل لك خبرا، و أثناء ذلك يكون حضر الساعي و أتى بالدراهم فتحضر عندنا. أما أنا فرغبت في ذلك إذ كنت سئمت من البرية و التعب و العطش و الجوع و الرحيل و النزول و الوسخ و الأخذ و الرد (10) و الخطر. فقلت بعقلي: أنزل إلى القريتين و أقيم بها نحو خمسة عشر يوما إلى حين رجوع الساعي، و أنام براحة في بيت الخوري و أغسل ثيابي و أغير أفكاري، لأني كابدت أتعابا و مشقات شتى ما لا يوصف و لا يجب ذكرها.

____________

(8) «الحكامة»، يريد الحكماء.

(9) «و المحبة».

(10) «المعالجات».

178

[عبد اللّه يهتف باسم امرأة و ينجو من الموت‏]

ففي اليوم التالي استعديت حالا و بكل سرعة و أخذت المكتوب، و ركبت و ركب معي عبد من عبيد الدريعي اسمه فضّة ليوصلني، وجدينا بالمسير من قبل الشمس إلى ما بعد العصر، نحو عشر ساعات جدا عظيما فكشفنا على نزل عرب كبير، نازلين في منزلة يقال لها القمقوم، ما بين تدمر و القريتين، و لم نعرف من هم من العرب إلى أن وصلنا إلى البيوت، و إذ هم الموايجة أكبر أعدائنا، و ما عاد يمكننا الرجوع كليا، فتقدمنا إلى بيت كبيرهم و هو بيت أميرهم برجس ابن أهديب، و كان عنده جمع عظيم أمام البيت، فحين نزلنا من على الذلول و صرنا على الأرض عرفني برجس و عرف عبد الدريعي، فحالا أمر بتقطيعنا، فأشهروا سيوفهم و ركضوا علينا و قبضوا أولا على العبد فضة فقطعوه نحو خمسين قطعة، و أنا أرى ذلك بعيني، ثم تركوه و أتو نحوي كالغزاة (1)، و السيوف مجردة بأيديهم، فحين رأيتهم مقبلين علي و رأيت العبد قتيلا انقطع قلبي من الخوف، و غبت عن الدنيا، فما أذكر إلا أني رأيتهم جاءوا ليقتلوني فصحت أنا وقيع بنت هدّال‏ (2)، و غبت عن الوجود و صرت مثل الميت لا أدرك شيئا، و لا أدري إلا أني لما فتحت عيني وجدت نفسي في فراش، و على رأسي نحو عشرين‏

____________

(1) «غارة».

(2) إن الاستجارة بالنساء معروفة عند العرب في الجاهلية و الإسلام، و ما يقوله الصائغ لا يخرج عن المألوف المشهور.

179

امرأة من العرب، منهن بأيديهن بصل يشممنني إياه، و بأيدي غيرهن شرائط (3) محروقة 1/ 75 و صوفات محروقة، و مع غيرهن شعر محروق، و أناس ترش الماء على وجهي/ و واحدة منهن ماسكة بيدي تشد عليها و تقول: لا تخف يا عبد اللّه، تراك عند بنت الهدال، سكن روعك و قوي قلبك، أنت عند بنت الهدال، و اللّه لا أخلي يصيبك مطر السماء، لا تخف افتح عينيك. فصرت أسهو و لم يبق لي إدراك لأعرف أين أنا و أصبحت مهبولا (4)، أرى الناس بعيوني و لكني لا أستطيع الكلام و لا أعرف نفسي عند من أنا موجود، إذ قد ذهب من عقلي كل شي‏ء و نسيت و صرت مثل الطفل الذي لا يدرك شيئا. فأخذت تسقيني زبدة مذوبة إذ يبس حلقي‏ (5)، و لساني مربوط و حالتي حالة الموتى. و دمت على هذه الحالة الشنيعة كل تلك الليلة، و عند الصبح وعيت نوعا ما و صرت أتكلم رويدا. فدخل برجس حتى يراني و يتصالح معي، فحلفت امرأته بحياة رأس أخيها عبد اللّه الهدال أنه لا يدخل عندها حتى يشفى عبد اللّه و يعود كما كان. فأقمت ثلاثة أيام و ثلاث ليالي عندها و هو لا يدخل البيت بل إنه كان ينام خارجا عند الضيوف، و ما دخل البيت بسبب اليمين الذي حلفته. فبعد هذه الأيام الثلاثة ركن قلبي و رجع عقلي و ملكت حواسي فدخل برجس و غار (6) عليّ حتى يصالحني، فامتنعت عنه و لم أرد الصلح، فصار الحاضرون يترجوني أن أصالحه و أسمح عما مضى، فما كنت أقبل بذلك و أخيرا أتت امرأته و قالت: إكراما لخاطري صالح برجس و تآخ معه، فما مضى قد مضى. فلم أستطع أن أرفض طلبها لأن حياتي على يدها، فقمت و صافحته و صالحته على شرط أن يكون هو أول محب لنا، و يتحد معنا و يضرب ختمه في شروطنا و يكون معنا على الخير و الشر. فقبل ذلك و تصافحنا ثانيا. و أهداني عبدا لأقدمه للدريعي بدلا من العبد الذي قتل، و اسمه جوهر، و قال برجس: قتلت لكم فضة و عوضت عنه بجوهر و هو أغلى و أثمن. ثم خرجنا من [بيت النساء] (7) إلى مجلس الرجال فأمروا بالذبائح و ابتدأوا يعدون 2/ 75 ضيافة الصلح، و راقت الأمور و حصل الحظ و الإنشراح. و فيما نحن/ على هذه الحال قبل الغداء، إذ وصل مكتوب من الدريعي إلى برجس لأن الخبر كان بلغه بأني قتلت و أن العبد قد قتل. و كان بهذه اللفظات:

____________

(3) «شراطيط».

(4) «مبهول مبضول (؟)».

(5) «زلاعيمي».

(6) أقبل.

(7) «إلى برا».

180

من الدريعي ابن شعلان إلى بركز (8) ابن اهديب، أعلم يا بركز أن مردود عليك النقا التام، فكن على حذر (9)، إن مكنني اللّه سأجازيك على فعلك هذا أضعافا، فنهار غد نحرّك جوادنا لقتالكم، و لا أرجع عنكم حتى لا يبقى في قبيلتكم من يخبر عنكم، يا خائن، يا عثماني، يا فاسخ عهود العرب، الذي خرق رسوم عنزة، الذي أساء بسمعة (10) العربان بفعاله الردية، يا قتّال ضيوفك، يا أسود الوجه، إعلم أن دم عبد اللّه غال جدا لا أرضى نظيره كل عشيرتك فأنذرك يا خائن فكن على حذر (11).

فمن هذا الكلام اصفر وجه بركز و الحاضرين و قالوا: لو كان عبد اللّه قتل كنا حسبنا حسابا كبيرا، و لكن نحمد اللّه لأن عبد اللّه حي. و [بحسن‏] تدبيره و [بعد] نظره لا يحدث إلا الخير. فقلت كونوا في برج الراحة و لا تفكروا بشي‏ء لا يصير إلا الخير. هاتوا لنا الغداء عاجلا كي نمشي و نلحق [بعربنا] قبل بساعة لنطفي هذه النار، لأنهم متى رأوني حيا يهون الأمر. فحضر الغداء و بعد القهوة ودعناهم حالا و ركبت و بعد قليل وصلت‏ (12).

فحين رآني الشيخ إبراهيم مقبلا عليه و أنا على أحسن حال‏ (13)، وقع على الأرض و صار يبكي و يقبل الأرض و يشكر اللّه. و ركض الدريعي علي و جميع الحاضرين و هم لا يصدقون من شدة الفرح، فجلسنا و حكينا لهم كل ما جرى من الأول إلى الآخر، و برّدنا همتهم و قدمنا العبد بدلا من العبد الذي قتل، و عملنا على تهدئة خاطر الدريعي على بركز و رفعنا فكرة (14) الحرب التي كانوا مهتمين بها، لأني وجدت العرب جميعهم حاضرين و مستعدين، و كان مرادهم أن يركبوا في اليوم التالي على الموايجة. فتقع أمور رديئة جدا فتلافيناها (15). و ذهبنا ثاني يوم و بعد تلك 1/ 76 المرحلة نزلت إلى القريتين و سلمت على الشيخ رجب و على الخوري و على موسى بن ورده/ و على كل المحبين و في اليوم التالي وجدنا ساعيا إلى حلب و أرسلناه ليحضر لنا الدراهم و جلسنا نستريح و نغسل شقاء جسدنا من التعب.

____________

(8) كذا في هذه الصفحة من المخطوطة و ما بعدها، و الصواب برجس كما الصفحات السابقة.

(9) «حضر».

(10) «رذّل».

(11) «حضر».

(12) يقول الصائغ صفحة 178 أنه سار عشر ساعات سيرا حثيثا قبل أن يكشف على نزل الموايجه، و لعل الدريعي كان اقترب من خصومه.

(13) «طيب».

(14) «همة».

(15) «فمضت المادة».

181

[غارة وهابية على تدمر]

فبعد جلوسي بقليل من الأيام، إذ وصل خبر أن غزوا كبيرا من طرف الوهابي جاء إلى الديرة الشامية، و هو يعمل على تخريب الضيع و القرى و نهبها. فخاف أهالي القريتين جدا و نبّه الشيخ سليم إلّا يتطرف أحد خارج الضيعة، و كل ليلة كانوا يحرسون‏ (1)، و كان هذا الخبر صحيحا، لأن ثاني يوم أتى خبر أن الغزو الوهابي ضرب تدمر و لم يستطع أن يدخلها لأن من المعلوم أن لها بابا يغلقونه فتصبح في مناعة عظيمة، فالتدامرة مقيمون في مكان مثل القلعة، و هو هيكل الشمس القديم. فلم يتمكن الوهابيون من دخول البلد، و لكنهم وجدوا بعض الأنفار خارجها فقتلوهم و أخذوا جانبا من جمالهم و ذهبوا إلى أرك، و هي ضيعة تبعد عن تدمر نحو خمس ساعات، فكبسوها عند وجه الصبح و قتلوا جميع الرجال من كل جنس ذكر، و لم يبقوا إلا على النساء فقط، و أحرقوا البيوت و أخذوا طروشهم، و قد فعلوا كل ذلك نكاية بالدريعي. فخاف أهالي القريتين جدا، و لم يبق أحد له الجراءة (2) ليخرج منها أو يدخلها ليلا أو نهارا و هم يحرسون دائر الضيعة تحت الخوف و الرعب.

فأقمت عشرين يوما بالقريتين و لم يحضر الساعي. فكنت في و جل عظيم خوفا من أن يكون التقى بالغزو الوهابي حين رجوعه، فقتلوا الساعي و أخذوا منه الدراهم. فكنت في‏

____________

(1) «ينظروا بالليل».

(2) «الجراعا».

182

خوف و تفكير شديد جدا إذ وصل الساعي بالسلامة و أحضر معه المطلوب. فسألناه عن سبب تأخره فقال: كنت في صدد منذ خمسة أيام جالسا بها خوفا من الغزو إذ بلغني خبر ذلك. و قد منعني الشيخ عساف، شيخ صدد، عن الذهاب حتى عرف أن الطريق نظيف فأرسلني. و هو يسلم عليك. فسألته عن أهالي صدد إذا كانوا خائفين من الوهابي قال: لا لأن لهم أخا (3) من الوهابي- و هم يقدمون له كل سنة شيئا معلوما- يحميهم من 2/ 76 كل ضرر يحدث من الوهابي./ و استخبرت عن عربنا فأخبروني أنهم وصلوا إلى غوطة (4) الشام، و لكن الوصول إليهم صعب لأن أهالي القريتين لا يستطيعون السفر خوفا من أن يلتقي بهم الغزو الوهابي. فاضطررت أن أسافر ليلا مع اثنين من أهالي القريتين، من النصارى، إلى صدد فوصلت و سلمت على الشيخ عساف و كامل المحبين. فسألني الشيخ عساف و أهالي صدد عن تجارتنا (5) مع العرب، فقلت: للّه الحمد نحن مسرورون جدا و رابحون، و غرشنا كسب خمسة مع العرب و لو كنا نعرف أن التجارة مع العرب فيها كل هذا الربح لكنا تعاطيناها من زمان. فدخل ذلك في عقلهم لأنهم قد عرفونا على هذه الصنعة و هذا كان كلامنا معهم منذ الابتداء. فجلست عندهم يوما و في اليوم التالي تزيّيت بزي‏ (6) أهالي صدد، أي لبست مثلهم، و أخذت معي اثنين من أهالي صدد لأنهم مضمونون‏ (7) لدى الوهابي، و سافرت من عندهم قاصدا غوطة الشام. فبعد ثلاثة أيام وصلت عند عربنا، فوجدتهم نازلين بالغوطة، و نازلا إلى جانبهم بركز (8) ابن اهديب بكل قبيلته، و أصبحت المحبة بينهم عظيمة. و قد وضع بركز اسمه و ختمه في ورقة الشروط. و أما الأمير مهنا الفاضل فهو نازل نواحي الزرقا و البلقا، و معه جملة قبائل من عرب جبال شمر، و يريد قتال الدريعي و أخذ ثأره السابق. و بلغنا أيضا أنه عمل رباطا مع حكام حمص و حماة ضد الدريعي و من يلوذ به، و اشتد أزره بقوة عظيمة من عرب و عثمانيين. فرأينا من المستحسن فسخ هذا الرباط و ذلك بأمر والي البلاد، و هو وزير الشام سليمان باشا، إذ يوجد بيننا و بينه‏

____________

(3) الأخ، في العرف البدوي، شيخ عشيرة أو قبيلة، كبير السلطة يأخذ الخوة من عشيرة أو قرية ضعيفة و يحميها، و يكون أحيانا من بعض أفراد البدو.

(4) «غوضة».

(5) «متجرنا».

(6) «بكسم».

(7) «مسوكرين».

(8) برجس.

183

محبة عظيمة، و بنوع خاص بيننا و بين مديره الأكبر المعلم حاييم اليهودي، فأصبح من الضروري أن نركب من الغوطة و ننزل إلى الشام أي الشيخ إبراهيم و أنا.

184

[ميلادي استانوب‏]

// فنزلنا في بيت المعلم حاييم، فترحب بنا بكل إكرام. و قبل كل شي‏ء سألناه عن بنت سلطان الإنكليز. فأخبرنا أن ابنة أحد وزراء دولة الإنكليز، يقال لها ميلادي استانوب، تريد الإقامة بهذه الأقاليم لأن هواء بلادها لا يناسبها، و ذهبت إلى تدمر و طلبت من الباشا بولردي إلى حكام حماة و حمص. و هي الآن مقيمة [في حماة] و ربطت أواصر الصداقة المتينة مع العرب، و صاحبة كرم زائد و لا تزال تهب و تعطي و لا أحد يعرف حقيقة نيتها. فتشوشت أفكارنا من كلام المعلم حاييم، و بما أن المذكور على علم بسبب سياحتنا فإنه حرص على أن نكون مطمئنين البال و قال: لا تخافوا، أريد منكم فقط إن شاء اللّه أن تربطوا شغلكم جيدا مع العرب و كما يجب، و أنا معكم دائما، و أعمل كل ما أستطيعه لصالحكم. ثم اطلعنا أيضا على أحوال مهنا الفاضل و على الرباط الذي أجراه مع حكام حمص و حماة// (1)، و طلبنا منه بولردي من قبل سعادة الوزير إلى حكام حمص و حماة يفسخ رباطهم مع مهنا، و يطلب منهم أن يكونوا مساعدين للدريعي في كل ما يلزمه من الأمور و المصالح. فأحكم المعلم حاييم العمل 1/ 77 مع سعادته و أخرج لنا بولردي عظيما مشددا جدا و كان مضمونه بهذه اللفظات:/

افتخار الأماجد الكرام، أولادنا المحترمين، وكيل متسلمنا بمحروسة حماة سليم بك، و وكيل متسلمنا بمحروسة حمص حسن آغا مملوك، و سائر الضباط من دالي باشا و آغة

____________

(1) ورد هذا المقطع صفحة 2/ 72 و 1/ 73.

185

هواسره‏ (2)، و كامل خدام بابنا، و جميع وجوه البلاد، نحيطكم علما أنه قد طرق إلى مسامعنا أنه حصل منكم تعاهد و رباطات باهوية أنفسكم إلى طرف مهنا الفاضل، ضد محسوبنا و خاصتنا، افتحار أمراء العشائر و القبائل ولدنا الدريعي ابن شعلان. فهذا شي‏ء ضد إرادتنا و بخلاف خاطرنا، و لا نرضى به كليا لأنه غير مناسب لسياسة حكمنا. فالمراد أن ترجعوا عن غيكم الذي أنتم معتمدون عليه، و تكونوا محبين و مساعدين لولدنا الأمير الدريعي في كل ما يلزم و يقتضي له من الأمور و الأغراض، حيث فوضناه في ديرتنا، فليكن ذلك معلوما كل العلم لديكم، و تعتمدوا عليه غاية الاعتماد، و الحذر كل الحذر من حركات المخالفة لأمرنا هذا و السلام.

فوضعنا البولردي عندنا و اشترينا لوازمنا من دمشق، و أصبحنا جاهزين للسفر. فقال الشيخ إبراهيم: يجب أن نذهب و نسلم على الطبيب الفرنسي شاباصون قبل خروجنا، فلربما يكون عنده أخبار من فرنسا قد نحتاج إليها. فتوجهنا عند المذكور و سلمنا عليه، فوجدنا عنده الشيخ إبراهيم السائح الإنكليزي‏ (3) فسلمنا عليه. و لكن الشيخ إبراهيم استاء لأنه التقى بالإنكليزي المذكور، لأن ذلك ضد مصالحنا و أوصاني أن أكون يقظا لكل كلمة أقولها أمامه. و أما المذكور فإنه عمل كل جهده و احتال حتى يكشف أخبارنا و يطلع على أمورنا و يعرف أسباب سياحتنا فما استطاع، و نحن عدنا حالا إلى منزلنا و توجهنا في اليوم التالي عند 2/ 77 عربنا من غير تماهل فوجدنا الدريعي في حوران نازلا عند الأمير دوخي/ ابن سمير. فأعلمناه بالذي جرى و أعطيناه البولردي ففرح به. ثم أقمنا بعض الأيام في حوران و وصلنا خبر عن الوهابي أن قواته زادت جدا و يريد امتلاك ديرة عربستان و هو آخذ بتدبير ذلك. أما مهنا فهو بصحبة عربان كثيرة تلوذ بالوهابي، و مراده قتال الدريعي. فدخل علينا الخوف و الوسواس و فكرنا (4) بعقولنا أن الإنكليز حضروا عند الوهابي عن طريق بحر الهند من بوغاظ (5) باب المندب، و ارتبطوا مع الوهابي و أرسلوا ميلادي استانوب عن طريق بر الشام، و ارتبطت مع مهنا الفاضل الذي هو خصمنا، و مرادهم خراب نظامنا و منعنا عن متابعة مقاصدنا، من بعد

____________

(2) كذا في الأصل و لم يظهر المعنى.

(3) هو السائح السويسري بوركهارت الذي اكتشف آثار بترا.

(4) «و كسرنا المادة».

(5) مضيق.

186

تعب ثلاث سنين‏ (6) و نحن بهذا العمل. فقال الدريعي: كونوا مطمئني الفكر من طرفي، إني أعطيت كلاما و لا يمكن أن أرجع عنه، و أنا أضمن جميع الذي اتفقوا معي أنهم لا يخونون.

و ما ذا تستطيع أن تعمل هذه البنت؟ أما الوهابي فإني لا أحسب له حسابا، لأنه في ديرته و كل ما هو قادر عليه إرسال جيش‏ (7) علينا، و بعون اللّه لا آكل همه، أولا لأن الحكام يجب أن تساعدنا عليه، فهو عدو السلطان و عدو الديانة، ثانيا أصبحنا نحن، بعون اللّه، نحو عشرين قبيلة، متحدين على رأي واحد، نقاتل ملوك الروم‏ (8)، فكونوا أقوياء القلب و لا تفكروا بشي‏ء أبدا. فأطمأنت قلوبنا نوعا ما.

و ثاني يوم رحلنا من حوران و ابتدأنا بالتقرب من حمص و حماة. و بينما نحن بالقرب من حمص إذ وصل مكتوب من الميلادي إلى الشيخ إبراهيم تدعوه عندها بحماة، و تعلمه أنها أرسلت من يحضر حرمته مدام لاسكاريس من عكا إلى عندها بحماة، لأن الشيخ إبراهيم متزوج كرجية و ذلك حين كان في مصر مع العمارة (9)، و حين حضر من باريس إلى 1/ 78 عربستان أتت معه و أبقاها في عكا كما تقدم الشرح سابقا (10)،/ ضاق صدر (11) الشيخ إبراهيم من ذلك جدا و فهمنا أن الشيخ إبراهيم الإنكليزي هو الذي حدثها عنا حين رآنا بدمشق. فاضطر أن يكتب لها جواب مكتوبها بكل رقة و احتشام، و وعدها أن يزورها في حماة بعد عدة أيام. و كان القصد من ذلك أن يرسل علما إلى مدام لاسكاريس ليمنعها عن الحضور عند الميلادي. فأرسل ساعيا إلى ميلادي، و كتب مكتوبا إلى امرأته بعكا يحذرها من الذهاب عند ميلادي، و أرسله مع ساع خاص. فعاد الساعي و أخبر أنه لم ير مدام‏ (12) لاسكاريس في عكا، و أخبروه أن ميلادي أرسلت و أحضرتها عندها و هي ذهبت‏

____________

(6) كان التوقيع على الرباط في 12 تشرين الثاني سنة 1811، أي بعد سنة و تسعة أشهر من مغادرة لاسكاريس و الصائغ مدينة حلب. ثم تابعا رحلتهما خلال الشتاء و الربيع. و عليه فالحوادث المذكورة هنا، على ما يظهر من سياق الحديث، وقعت في صيف سنة 1812.

(7) «أرضي».

(8) يريد العثمانيين.

(9) الحملة الفرنسية.

(10) انظر أعلاه ص 119.

(11) «فانحصر».

(12) السيدة.

187

حالا بمل‏ء إرادتها، إذ لها ثلاث سنوات من غير خبر من زوجها الخواجه لاسكاريس فتضايق جدا من هذا الخبر و نزل إلى حماة و بقيت أنا عند العرب.

و أما مهنا فإنه لم يزل يقرب إلى طرفنا مع القبائل التي معه، حتى بقي بيننا مقدار مرحلة واحدة، و أصبحنا جميعنا في طبراق حماة و حمص. فنزل سحن ابن الدريعي إلى حمص و معه البولردي، فأقام ستة أيام ثم عاد و بصحبته الشيخ إبراهيم، و أخبرنا أنه عرض البولردي على الحاكم فأطاع للأمر، و عمل إكراما زائدا لسحن و ألبسه فروة، و توجه من حمص إلى حماة و هناك أيضا حصل له إكرام و هدايا من الحاكم و كامل الضباط (13) و أكابر البلد، و كذلك ألبسه المتسلم فروة و وعدوه بكل ما يلزم من المساعدة دون أي قصور، و امتثلوا أوامر الوزير.// و ربط سحن رباطا مع الحكام مقتضاه أنه متى نزل مهنا أو أحد أولاده يرمون القبض عليه بحجة أنه أحضر عربا وهابيين، و هم أعداء سلطاننا و ديانتنا و يريد أن يسلم البلاد للوهابي// (14).

أما سحن فحين كان بحماة أرسلت ميلادي تدعوه عندها. و تناول عندها طعام الغداء، و عملت له إكراما زائدا و أعطت هدايا له و لأبيه و لزوجة أبيه لأن والدته متوفية، و هدايا أيضا لزوجته، و ألبست جميع من معه من الفداوية كل واحد عباءة و جزمة و وعدته أن تزوره.

و أما الذي جرى للشيخ إبراهيم فإنه حين نزل إلى حماة وجد مدام لاسكاريس قد وصلت و نزلت عند ميلادي. فاستاء من ذلك من غير خوف لأنه على علم أن امرأته 2/ 78 لا تعرف شيئا من أمورنا لتحدث بها ميلادي. و بعد أن سلم/ على المذكورة أخذت تسأله عن أمور كثيرة و عن سبب حضوره و عن نيته، و لكن بكل ظرافة تريد أن تسرق منه الكلام فلم تحصل بفائدة، فاستاءت منه و أخذت تتحدث معه بقساوة و حتّمت عليه بأمر أن يقول لها ما هو مراده من هذه السياحة بين العرب. فدخل عليه الحمق من ذلك و اختلف معها إختلافا شديدا و حرد عليها و أمر امرأته، مدام لاسكاريس أن تعود حالا إلى عكا. و في اليوم التالي تمكن من العودة عند عربنا مع سحن. و بعد قليل سافرت ميلادي إلى دمشق و رجعت مدام لاسكاريس إلى عكا.

____________

(13) «الظبّط».

(14) ورد هذا المقطع ص 1/ 73 منفردا و أثبتناه هنا وفقا لتأشيرات التي جاءت في المخطوطة.

188

[الصلح بين الدريعي و مهنا الفاضل‏]

و أما مهنا الفاضل فإنه كان يريد الحرب معنا لا سيما و قد اشتد ظهره بحكام حمص و حماة، فأرسل ابنه فارسا ليطلب منهم العساكر و المعونة علينا، فرأى الحال متغيرا جدا، و حالا رمى حسن آغا المملوك متسلم حمص القبض عليه و على جميع من معه، نحو عشرة فداوية، و كبلهم بالزناجير، و أفهمه أنه يفعل ذلك على حسب أمر الوزير، لأنكم جئتم بالعرب الوهابيين الذين هم أعداؤنا، و تريدون أن يملك الوهابي عربستان‏ (1). فخاف فارس ابن مهنا جدا من ذلك و أرسل يخبر أباه بالذي جرى. و أما نحن، فحين بلغنا ذلك، أرسلنا حالا مرسالا (2) إلى مهنا ننذره أن أستعد غدا للحرب و القتال فإننا محركون عساكرنا عليك.

و كان مرادنا أن نحوطه بالمصائب من كل الأطراف. فحين وصل مرسالنا إليه، و أخبره أن غدا صباحا سيشن عليه الدريعي الهجوم، و كان علم قبل ذلك بقليل أن ابنه فارسا قد ألقي القبض عليه في حمص، و من جهة أخرى رأى أن عربه قليلون و أن الدريعي أولا أقوى، و ثانيا أن الحكام و الوزير من طرفه، فكبر عليه الوهم و دخل عليه باب الخوف، فتلك الليلة رحل ليلا بكامل عربه و نزل إلى صدد، عند الشيخ عساف، يترجاه أن يمشي بالصلح 1/ 79 و يصالحه مع الدريعي/ إذ رأى أن الأمور عظمت عليه و لم يبق له ملجأ، فخاف من الأعظم‏

____________

(1) «عرب بستان».

(2) رسول أو مرسل.

189

و دخل على الشيخ أبو إبراهيم و ترجاه. فركب الشيخ المذكور و مهنا و أربعة مشايخ قبائل من الذين مع مهنا، و بصحبتهم نحو مئة خيال لا غير و حضروا عندنا، و كنا نازلين على عاصي حماة. فأبقاهم جالسين في محل بعيد عنا نحو نصف ساعة، و حضر وحده ليعلم مرادنا، خوفا من أن لا يكون لنا رغبة في الصلح، و الحال أن الصلح كان جل مرادنا.

فحضر المذكور فترحبنا به و أظهرنا له‏ (3) غاية الإكرام اللائق، فابتدأ يتكلم بخصوص الصلح فصار الدريعي يعتذر و يمتنع فترجيناه نحن أيضا و قام ابنه سحن و قبّل يده و ترجاه، فأعطى كلاما بالصلح بشرط أن يضعوا أسماءهم و ختومهم في ورقة الشروط. فأخذ الشيخ عساف على نفسه ضمان ذلك، و ركب للإتيان بهم فحضروا جميعهم، فركضنا لملاقتهم و أنزلناهم بكل إكرام و إعزاز. فأمر الدريعي بالقهوة فقال مهنا: يا ابن شعلان لا نشرب قهوتك قبل أن نتصالح و نتصافح و نطمر الحصى‏ (4). و حالا قام مهنا و الدريعي و اشهرا سيفيهما و كل واحد قبّل سيف الآخر. ثم أنهما تصافحا مع بعضهما و صار كل من الحاضرين يقبل الآخر. و ابتدأت النساء تهاهي و تزلغط. ثم أخذ مهنا سبع حصيات من الأرض و حفر مقدار نصف ذراع في الأرض، و أمسك الحصيات بيده و قال: يا دريعي هذا حقك و حقي طمرناه إلى الأبد. و دفن الحصيات في الحفرة و ردّ التراب عليها، و داسها برجليه و تفل هو و الدريعي عليها بعد الطمر ثم جلسا. و أمروا بالقهوة و ما عدت تسمع كلمة واحدة مما يخص ذلك.

فتعجبنا أنا و الشيخ إبراهيم من ذلك لأننا ما كنا رأينا بعد هذه النكتة و لا سمعنا بها. فسألنا عن ذلك فأخبرونا أن ذلك من عاداتهم، و معنى السبع حصيات هي السبع فتن التي صارت ضد الإمام علي بالكوفة بعد محمد. و علامة الطمر أن الشي‏ء مات و لا عاد يذكر، و التفل فوقه 2/ 79 يعني/ على‏ (5) الشيطان خزاه اللّه، لأنه هو محرك الشر بالعالم فهذا من جملة عاداتهم و تقاليدهم‏ (6).

____________

(3) «و سقنا معه».

(4) «الحصوات».

(5) يبتدئ هنا الكرّاس رقم 10. أما التفل فمعناه البصاق.

(6) «ذياتهم» (؟) و لعله يريد أزيائهم. إن عادة دفن الحصى طاعنة بالقدم و قد ذكرها شهاب الدين العمري و ابن ناظر الجيش و القلقشندي، و نظن أنها زالت اليوم أو آخذة بالزوال. (انظر مقالنا: رحلة فتح اللّه الصائغ إلى البادية، مجلة العرب ص 796، ج 11، 13، سنة 1406 ه كانون الثاني، شباط 1986، رياض).

190

و بعد الغداء حدثت خلوة كبيرة و قرأنا عليهم ورقة الشروط فأعجبت الجميع. و حالا وضع مهنا ختمه و اسمه بالورقة و كذلك رؤساء الأربع قبائل الذين كانوا معه، و هم ذرّاك ابن فخر، شيخ قبيلة الجملان‏ (7)، عشيرته تحوي على مقدار ألف و مئتي بيت، و أيضا جرّاح ابن معجل شيخ قبيلة الجهما، عشيرته تحوي على نحو خمس مئة بيت، و أيضا غالب ابن رمضون، شيخ قبيلة البلاعيس‏ (8)، عشيرته تحوي على ألف و أربع مئة بيت، و أيضا فارس ابن نجد شيخ قبيلة المصاليخ‏ (9)، عشيرته تحوي على مقدار ألفي بيت. فالجميع وضعوا ختومهم و أسماءهم و قبلوا بما شرط عليهم و أعطوا كلاما ثابتا و صار صلح على أتم المراد. فارتاح بالنا جدا من ذلك إذ لم يبق قبيلة في عربستان عدوة لنا بل الجميع اتحدوا معنا. ثم نزل سحن إلى حمص و فكّ ابن مهنا من الحبس و ألبسه خلعة من المتسلم و حضر عندنا. و كذلك الشيخ عساف كشف على المادة و فهمها جيدا، و عاتبنا لأننا لم نعرفه بنيتنا منذ البداية، لأنه كان أسعفنا ببعض الأمور. ثم المذكور ودعنا و رجع إلى صدد.

____________

(7) من العشائر الغنّامة المستقرة اليوم (وصفي زكريا، عشائر الشام، ج 2، ص 39 و 154).

(8) البلاعيس: فرع من الأشاجعة.

(9) المصاليخ، من ولد علي، من عنزة.

191

[حلفة زواج في البادية]

ثم تفرقت القبائل من حدود بلاد حوران إلى شمالي حلب، جميعها عصبة واحدة قولا و عملا و الرأس عليهم هو الدريعي، و بقينا بانتظار خلوص فصل الصيف حتى نتوجه إلى المشرق و نكمّل المقصود. و أثناء هذه المدة اتفق أن اجتمعت جملة قبائل على منزلتين كبيرتين الواحدة إلى جانب الأخرى، بالقرب من حلب، يقال لهما تل السلطان و المتنج. فكان من جملة القبائل الجربا، و لأميرها فارس ولد [شاب‏] فاهتم بزواجه و أراد أن يأخذ له بنت بركز [برجس‏] ابن اهديب. فتاة جميلة جدا اسمها صبحة. فأتى عند الدريعي و ترجاه أن يذهب معه حتى يطلبها على حسب عاداتهم./ فراح الدريعي و جملة مشائخ و رؤساء قبائل و بعض الكبراء سنا (1)، و أنا من جملتهم لأجل المشاهدة (2) لأننا ما كنا رأينا بعد عرسا منظوما.

و كان بركز بعيدا عنا نحو ساعة من الزمن.

فركبنا جميعنا و كل منا لبس أفخر ما عنده، و جاء العريس معنا إذ لا بد للعروس أن تراه. فإن أعجبها أعطت كلاما و إن لم يعجبها ما صار شغل مثل طرائق الإفرنج. و كان اسمه جراح، و هو شاب عظيم حلو المنظر. فحين أقبلنا عليهم كان وصلهم الخبر، فما خرج أحد

____________

(1) «اختيارية».

(2) «الفرجة».

192

للقائنا و لا وقف أحد على أقدامه‏ (3)، و هذه عادتهم حتى لا يقال عنهم أنهم فرحون بزواج ابنتهم، بل العادة عندهم أن يظهروا أن ليس لهم رغبة (4) و يعتذروا من الطالبين.

ثم وصلنا و نزلنا عن خيلنا و سلمنا عليهم فترحّبوا بنا و أمر بركز بالقهوة. فبعد شرب القهوة قال الدريعي: ما لك يا بركز عابس الوجه بنا؟ فإن كان ذلك بسبب الغداء، فنحن لا نريده، إذ أكلنا في بيوتنا و جئنا عندك لنراك فقط. فأجابته زوجة بركز بنت هدّال التي حياتي على يدها و قالت: أهلا و سهلا بالدريعي و كامل من معه، مرحبا بكم، و أبشروا بالغداء و الذي تريدونه حاضر أمامكم. فاستكثرنا جميعنا بخيرها و ابتدأ الكلام.

و كانت العروس من خلف النساء تنظر إلى العريس فأعجبها و قالت لأمها: قد أعجبني العريس. فصار لنا علم بأن العريس قد قبل. فقال الدريعي: يا بركز أطلب ببنتك على حسب عوائدنا. فقام و دخل إلى الحرم و شاور امرأته و ابنته و طلع و قال: أريد بصبحة مئة ناقة و خمسة رؤوس خيل نجادي‏ (5)، و خمس مئة نعجة، و ثلاثة عبيد و ثلاث عبدات، و حساوية مقصبة، و شملة مقصبة و زبّونا (6) شاميا يعني قطنيا شاميا و معاضد كهربا و مرجان أي أساور، و جزمة صفراء. فقال له الدريعي: إن كنت لا ترغب في زواج ابنتك فعرفنا بذلك كي 2/ 80 لا نتعب و نتكلم، إذ يقول المثل: إذا كنت لا تريد أن تعطي بنتك فغلّ نقدها./ و النتيجة، بعد كلام كثير و رجاء شديد، انتهى الحال على خمسين ناقة و رأسي خيل و مئتي نعجة و عبد و عبدة و حساوية و شملة و زبّون و معاضد كهربا و مرجان و جزمة صفراء، و إلى والدها حساوية و جزمة، و إلى أخيها كذلك، و إلى أمها حساوية و شملة. و هذه الأشياء الأخيرة من غير طلب منهم، لأن العادة أن يقدمها العريس. فقال الدريعي: أكتب يا خطيب الذي صار عليه الإتفاق. فكتبت جميع ذلك في ورقة و وضعنا بها اسماء شهود الحال، و قرأنا الفاتحة على ذلك. و بعدئذ أتوا بحليب النوق و سقوا جميع من كان حاضرا. و هذا عوضا عن الشرابات التي يقدمها أهالي المدن، و صار الوعد إلى ثلاثة أيام لإحضار النقد جميعه. ثم بعد الغداء ركب الشباب و صار ميدان لعب خيل عظيم، و العريس من جملتهم، و العروس تنظر إلى عريسها و تتفرج على لعبه فأعجبها جدا. فباركنا لهما و توجهنا إلى عربنا.

____________

(3) «فما حد لاقا لنا و لا قام على حيله».

(4) «ما لهم خاطر».

(5) خيل أصايل نجدية.

(6) من التركية: نوع من الصدرية بأكمام موشاة.

193

و في اليوم الثاني أرسلوا مرسالا (7) إلى حلب فأتى بالمطلوب و أعدّوا كل شي‏ء. و في اليوم الثالث الذي هو يوم الوعد، منذ الصباح، فرزوا خمسين ناقة بيضاء عظيمة و رأسي خيل و مئتي نعجة و جميع الذي صار القول به. ثم جمعوا حشيشا من البرية و زينوا رؤوس الناقات بالحشيش الأخضر، و زينوا العبد و العبدة و أركبوهما على الفرسين اللذين تقدّم ذكرهما، و ركب نحو خمس مئة خيال بأيديهم‏ (8) الرماح، و ساقوا الجمال أمامهم، بالغناء الحربي و التقويصات‏ (9). و كذلك نحو مئتي امرأة، جميعهن مزينات و سائقات الغنم أمامهن، و العبدة راكبة معهن، و سائر النساء ماشيات بالغناء و التهاليل‏ (10) و الزلاغيط. و مشى خيال أمام الجميع ناشرا على رمحه زنارا أبيض على هيئة العلم و هو ينادي هذه راية بركز ابن اهديب.

و مشت امرأة أمام الغنم، و بيدها إناء من فخار (11) فيه نار، تضع عليها بخور البان كل الطريق و نحن سائرون. و كان أمام الجميع حامل الراية البيضاء، و بعده النوق، و بعد النوق البواردية 1/ 81 الرجّالة (12)،/ و بعد الرجالة الخيالة، و بعد الخيالة المرأة التي بيدها البخور، و بعد المرأة الغنم، و بعد الغنم العبدة راكبة، و بعد العبدة النساء، و بعد النساء الأولاد و معهم جمل يحمل الحوائج من غير حزم، و على ظهره مشلح من حد رأسه إلى ذنبه، و قد نشرت الحوائج عليه، الحاجة بعد الحاجة، حتى الجزمات مربوطة بخيطان و مدليات على جانبي الجمل، و ركب أحد الأولاد من أكابر القبيلة فوق الجمل على الحوائج [و هو يقول‏]: أخمد اللّه نيران الخصم، كسر اللّه قوة عدونا، نصرنا اللّه على من يعادينا، و الأولاد ترد عليه: آمين، إلى أن وصلنا. فخرج للقائنا نحو ألف رجل و كامل نساء القبيلة، بالبخور و الزلاغيط و ضرب البارود و الغناء الحربي و لعب الخيل، حتى طار الغبار و غطى عين الشمس من طرد الخيل و كثرة الناس. فوضعنا جميع ما جئنا به معنا في سهل أمام البيت و جلسنا. فأتوا بالقهوة و سقوا الجميع. و كانوا غلوا القهوة بالدست الكبير. ففحصنا عن ذلك فأخبرونا أنهم وضعوا في الدست راوية ماء و نحو خمسة أرطال بن. و أما الشيخ إبراهيم فإنه أملأ طاسة قهوة و شربها، حتى يقول يوما شربت قهوة بالطاسة من الدست. و ذبحوا للغداء عشرة جمال و خمسا و عشرين نعجة غنم‏

____________

(7) رسول أو مرسل.

(8) عبارة المؤلف بالأصل: «و بأيدهم رماح و ركبت نحو خمس مئة خيال».

(9) «و القويصات».

(10) «الهلاهيل».

(11) «شقف».

(12) «الزلم».

194

حايل‏ (13)، وضعوا أرزا و لحما مسلوقا و أكثروا السمن و الخبز حتى أشبعوا جميع العربان و فضل من الأكل. فبعد ذلك شربنا دستا آخر قهوة، و سلمنا النقد إلى بركز و كتبنا الكتاب على حسب عاداتهم و قرأنا الفاتحة، و صار الوعد بعد ثلاثة أيام نحضر لنأخذ العروس و يتم العرس.

فدخلت أنا و الشيخ إبراهيم عند زوجة بركز و باركنا لهم. و استكثر الشيخ إبراهيم بخيرها لما فعلت يوم الذي أنقذتني من القتل، لأنه ما كان رآها قبل ذلك. فكان جوابها إلى الشيخ 2/ 81 إبراهيم أنها تريد أن تكمل معروفها معي فتزوجني عندها و تعطيني بنت أختها. فالمذكور شكر فضلها و وعدنا إلى السنة/ القابلة إن شاء اللّه أنه سيحضر عندها و يزوجني، و كان ذلك وعدا بطالا (14) حتى لا يرفض كلامها، ثم توجهنا جميعنا إلى عربنا.

و قبل إنتهاء الأيام الثلاثة التي سيكون العرس بعدها، إذ وصل خبر أن غزوا عظيما وصل من عند الوهابي إلى بر الشام، بقوة عظيمة و جيش كبير. فأرسل الدريعي حالا إنذارا إلى جميع العربان و أعلمهم أن يكونوا دائما مجتمعين، كل ثلاث أو أربع قبائل معا كي يتمكنوا من أن يدفعوا عن أنفسهم ضرر الوهابيين.

و ثاني يوم بعد ذلك كانت مضت الأيام الثلاثة، فاهتموا بإحضار العروس. فركب الدريعي و كل كبار القبائل و نحو ألف خيال و خمس مئة امرأة و مشينا، إلا أن العريس لم يأت معنا. و السبب أنه سيحدث قتال بين أهل العروس و أهل العريس، على حسب عاداتهم. فإذا كان العريس حاضرا فقد يقتله أحد أقرباء العروس، إذ قد يكون لأحد من الشباب خاطر بها أو أنه يحب الفتاة و يريد أن يأخذها فيقتل العريس حتى تبقى العروس له. فمشينا و حين أقبلنا عليهم نفذت خيلهم علينا مثل الأسود. فنزل كل الكبار و المشايخ الذين معنا [عن خيولهم‏]، و كذلك جاء كبار [قبيلة أهل العروس‏] و مشايخها و جلسنا بعيدا عن البيوت، و ابتدأ الشباب بالحرب كأنها حرب جدية مثل العادة. فدامت الحرب نحو ساعتين من الزمن حتى وقع من الطرفين نحو عشرين جريحا (15)، و أخيرا تفوقت خيلنا عليهم و هجموا على بيت بركز و أخذوا البنت و سلموها إلى النساء. ثم أتى الجميع و اجتمعنا كلنا جملة و شربنا قهوة فقط، و إذ مقبل علينا نحو عشرين امرأة الّاتي يقال لهن حبّابات العروس يردن أن يذهبن‏

____________

(13) حائل تجمع على حول و حيال، الحيوان الذي لا يزيد عمره على السنة.

(14) باطل.

(15) «مجاريح».

195

معها، و بصحبتهن ثلاثة جمال، الواحد عليه هودج العروس ملبس جميعه بجوخ أحمر و شرّابات أشكال و أشكال، و مرصع بالودع الأبيض و أنواع الخرز و ريش النعام و المرايا الصغار، النتيجة منظر جميل جدا (16)، و على الجمل الثاني البيت و العواميد، و على الجمل الثالث أواعي البيت مثل السراجات و البسط و النحاس لأجل المطبخ: فهذا فقط ما يجب أن على 1/ 82 العروس أن يكون معها./ فركبنا و مشت جميع الخيالة أماما، و العروس راكبة في هودجها و حولها النساء، كل واحدة في هودج مزين، و مشى وراء العروس نحو عشرة خيالة من أقربائها و نحن جميعنا أمامها. و كل الدرب لعب خيل و محاربة و ضرب تفنك و زلاغيط و تهاليل و كلما مررنا على عرب بالبخور ذبحوا رأس غنم أمام جمل العروس. و حين وصلنا دخلنا بيت فارس أبي العريس، و التمت العربان من صدر البرية و صارت تأتي حتى اجتمع خلق لا يحصي عددها غير اللّه. فكل تلك الليلة لعب ماصول‏ (17) و دق طبول، و رقص و إشعال النيران من كل جانب إلى أن أصبح الصباح. فابتدأوا يذبحون الذبائح لأجل أن يصنعوا الغداء، فذبحوا يومئذ عشرين جملا و خمسين رأس غنم، و أتوا من حلب بخمسة قناطير أرز، و كانت القبائل المجتمعة لأجل العرس ثماني قبائل. فأكل الجميع و شبعوا و فضل من الأكل حتى نادوا بالنزل: «العيش يا جوعان»، إلى أن صار المساء و ابتدأت الناس تعود إلى بيوتها. فذهبت امرأة فارس و معها عدة نساء و نصبت بيتا صغيرا على عامود واحد بعيدا عن بيتها نحو مرمى الرصاص. و كان ذلك لأجل خلوة العريس مع عروسته. ثم أنهم أخذوا (18) العروس و أدخلوها ذلك البيت.

و قبّل العريس يد أبيه و أمه و يد الدريعي و دخل على عروسته، و كل منا ذهب إلى سبيله.

و في اليوم التالي رحنا على حسب العادة لنبارك للعريس فأخبرونا أنه ما استطاع أن يتزوج. و هذا شي‏ء عند العرب عار عظيم‏ (19)، و كذلك في الليلة الثانية و الثالثة لم يتمكن، حتى أصبح أحدوثة بين العرب، و صار أبوه لا يكلمه و لا يدعه يقعد بين الناس و لا يأمر له 2/ 82 بقهوة بل أنه، من جملة علامات الإحتقار، أحضر له مغزلا مثل الذي تغزل به النساء/ الصوف لأجل حياكة البسط و العدول، و معنى ذلك أنك امرأة. فاضطرب‏ (20) العريس و أمه‏

____________

(16) «فرجة».

(17) كذا؟ و لعله يريد متواصل.

(18) كذا في المخطوطة و لا نعلم لمن يعود الضمير. و لعل الصائغ يريد النساء و كان الصواب أن يكتب: «ثم أنهن أخذن العروس و أدخلنها».

(19) «قوي رذل».

(20) «ضاج».

196

و كل الناس من ذلك و صار سيرة و فضيحة بين العرب. فأرسلت أمه رسولا إليّ تستدعيني، فذهبت عندها. و حين دخولي وضعت يدها بزنّاري و قالت لي: أنا بجيرتك، تكتب لأبني حجابا حتى يستطيع أن يتزوج و اطلب الذي تريده فهو حاضر أمامك. فضحكت في نفسي ثم قلت: مرحبا بك الآن أكتب له و بحول اللّه سيتزوج هذه الليلة. و في الحال أخذت ورقة و كتبت عليها كلها أحرفا مقطعة و أرقاما لا معنى لها، إنما طلبت من اللّه سبحانه و تعالى ألّا يخجلني أمام الناس، و أعطيته الحجاب و قلت له: صحيح أنك كنت مربوطا، و الآن حليتك من الرباط، فلا تخف و اذهب و تزوج بكل جراءة، لأنك صرت الآن مطلقا، إذ كان يظن أنه مربوط. فتأكد عنده ذلك و اعتمد على كلامي أني فككته من الربط. فذهب حالا و من فرحه لم يصبر، بل أبقاني عند أمه و ذهب و تزوج حالا. فصار الخبر عند أمه و عند جميع الناس، فابتدأوا بالزلاغيط و الأفراح، و صرت عندهم في عز عظيم كأحد الانبياء و شاع خبر هذه الأعجوبة بين العربان و ازداد إكرامي عندهم.

197

[الدريعي يردّ غزوا وهابيا]

و بعد ذلك تواردت أخبار جيوش الوهابي تفيد أنها وصلت إلى الديرة و أنها الآن تحاصر تدمر، فرحلنا حالا بكل جد و سرعة لملاقاة العدو في نواحي تدمر. فالتقينا بالوهابيين في محل يقال له الدّوة، ما بين القريتين و تدمر. و هناك علقت نيران الحرب بكل حرارة و شدة. و كان الوهابيون نحو عشرة آلاف، منهم خيالة و منهم مراديف أي كل اثنين منهم على جمل، و منهم مضاعف أي كل أربعة منهم على جمل بأربع بواريد فتيل، الأربعة ظهورهم إلى بعضهم فوق الجمل، الواحد من الأمام و الثاني من الوراء و الثالث على جانب و الرابع على الجانب الآخر، 1/ 83 و قد عملوا لهم مقاعد من عشب/ مثل الكراسي مربوطة بحبال و عندهم أكل مشترك بينهم و هو جراب طحين و جراب تمر و عكّة سمن. فاليوم الذي يصيبون فيه نهبا ينهبونه، و شيئا للأكل فإنهم يأكلون على حسب العادة، و اليوم الذي لا يصيبون فيه شيئا، يأكل كل واحد منهم قبضة طحين، يجبلها بالسمن، و يعمل منهم ثلاث كريّات‏ (1)، كل واحدة بحجم الجوزة، فيأكلها ثم يأكل بعض التمرات و يشرب قليلا من الماء أو الحليب، إذ معهم جود لأجل الماء مربوطة تحت بطن الذلول، النتيجة كأنهم في قلعة لا يحتاجون إلى شي‏ء قط.

فوقع الحرب و اشتد القتال و طار الغبار و عجت الأعفار و كان نهار من الاعمار إلى أن دخل الليل و أعتم. فارتد كل رفيق إلى محله. و كان الراجح يومها نحن، حيث أولا كنا أكثر

____________

(1) «دعابيل».

198

عددا منهم، و ثانيا أن بيوتنا و نساءنا معنا، و هذا شي‏ء مجرب أن البدوي يقاتل زيادة إذا كان أهله معه، و يكون له نخوة و مرؤة و شجاعة أضعاف عما إذا كان أجرد أي من غير أهله، و هذا شي‏ء قد لاحظناه عدة مرات، و كان الوهابيون جردا أي من غير نسائهم. و ثاني [يوم‏] ارتدوا علينا و اشتعل الحرب و اشتد القتال بصرامة لا توصف. و أمر اللّه بالنصر فانتصرنا عليهم، و قتل منهم عدد و أخذنا أربعة عشر فرسا كلاعة (2) يعني كسبا، و ستين ذلولا و اثنين و عشرين ممسوكا يعني أسيرا و أنكسر عسكر الوهابي وهج في البرية. فسار الخبر في البلاد ففرح الحكام، و صار للدريعي صيت عظيم، و أصبحت الديرة و القرى و العربان و الحكام بيده مثل الخاتم يديرها كما يشاء، و كان هذا مطلوبنا و غاية رغبتنا.

____________

(2) كذا، و لعله يريد قلاعة.

199

[الاستراحة في حماة]

فبعد ذلك قال الشيخ إبراهيم أن أشغالنا و الحمد للّه تمشي على حسب خاطرنا و كل شي‏ء تمّ إلى الآن بموجب مرادنا. فيقتضي الآن أن ننزل إلى حماة لأجل أشغالي، إذ علي أن أكتب مكاتيب عديدة، و أقوم بأشغال كثيرة، و يجب أيضا أن نهتم بأمورنا إذ قربت أيام التشريق فنأخذ ما نحتاج إليه في الطريق. ثم تواعدنا مع الدريعي أنه متى قرب وقت التشريق 2/ 83 يرسل لإحضارنا من حماة/ لنتوجه إلى الشرق و نتم شغلنا. فنزلنا إلى حماة و حين دخولنا وجدنا صاحبنا نوفلا (1). فأخذ بنا و أنزلنا في بيت خالته، بيت يعقوب السرياني. فأبدوا لنا غاية الإكرام و الإعزاز. و أما الشيخ إبراهيم فإنه من حين دخولنا قال لي: يا ولدي إنك تعبت كثيرا و تحملت أثقالا و متاعب فيلزمك قليل من الراحة مع إنشراح‏ (2)، فهذه حماة بلد المنتزهات، و أنا علي كتابة مكاتيب كثيرة، فأنت اعمل لبسطك و انشراحك‏ (3)، ودعني أتمّ أشغالي و الواجب علي. فابتدأت أنا و نوفل و أولاد يعقوب الذي نحن نازلون عندهم بالترويح عن النفس، كل يوم في البساتين و الأفراح و المقاصف و المنتزهات، مدة عشرة أيام و هو دائما يكتب. و بعد ذلك أرسل مكاتيبه بصحبة ساع خاص إلى حلب، و عند رجوع الساعي‏

____________

(1) انظر اعلاه ص 41. إلا أن نوفلا كان يسكن حمص، فهل وجد مصادفة بحماة؟.

(2) «شوية راحة بكيفية».

(3) «فتش عن كيفيتك».

200

أحضر معه مالا وافرا لنفقتنا (4). فابتدأنا نتسوق من حماة بضائع تصلح للعرب لكي نشرّق معهم و نكمل مقاصدنا. فاشترينا جميع ما يلزم لنا من الحاجات و دبرنا كل شي‏ء و أصبحنا مستعدين و إذ وصلني كتاب من عند والدتي‏ (5) تخبرني فيه بوفاة أخي و ليس لي غيره من الأقرباء، و مضمون الكتاب أولا وفاة المرحوم أخي في مدينة بيروت حيث توفي غريبا بالطاعون، و ثانيا تشكي لي حالها من ألم حزنها على أخي و احتراق قلبها علي، لأنها بغير خبر مني و لا تعلم إذا كنت مت أو لم أزل حيا، و تشرح لي وحدتها و وحشتها إذ لم يبق لها أي ملجأ تستأنس به، فليس لها من طرف أهلها و لا من طرف والدي أحد على قيد الحياة (6)، فلم يبق من عائلتها أحد حي سواها، كما لم يبق من عائلة أبي غيري. فمن شدة حزنها و وفاة أخي و فقدي اعتراها مرض سرساب‏ (7)، كمثل الجنون، و بقيت ساهية (8) بالبلد. ففكر أيها 1/ 84 القارئ في أي حال أصبحت حين قرأت هذا المكتوب/ و أي حزن و غم أحاقا بقلبي، فأخذت بالبكاء و النحيب بسبب هاتين المصيبتين، فتارة أفكر بفقد أخي الوحيد، و تارة أفكر بأحوال والدتي الحنونة. فأقمت ثلاثة أيام بالعويل‏ (9) و البكاء ليلا نهارا من غير أن يدخل الزاد إلى فمي كليا، فترجيت الشيخ إبراهيم أن يسمح لي بكتابة مكتوب إلى والدتي كي أبرد قلبها نوعا ما فما سمح، إذ خاف أن تحضر إلى حماة قبل سفرنا و تعطل أشغالنا. و أخيرا من بعد رجاء عظيم سمح لي أن أكتب لها مكتوبا في اليوم الذي سنذهب عند العرب لنشرق معهم، إذ نكون عندئذ قد غادرنا حماة و ذلك لكي لا تحضر عندنا، فاعتمد رأينا على ذلك.

فبعد جميع هذه الأمور ورد إلينا من عند الدريعي أربعة رجال‏ (10) خيالة و اثنان معهما جمال كي تحمل العفش‏ (11)، و فرسان فريغان‏ (12)، الواحد للشيخ إبراهيم و الآخر لي، إذ

____________

(4) «خرجية».

(5) لا يعلمنا الصائغ كيف وصل هذا الكتاب، مع أن والدته لم تستلم منه أي خبر، بل أنها تجهل إذا كان ابنها حيا أو ميتا، كما يقول بعد أسطر قليلة.

(6) «طيب».

(7) نوع من السهو و التردد و التحير في الأفكار و الأعمال.

(8) «سابحة».

(9) «بالجعير».

(10) «أزلام».

(11) اللبش.

(12) «فرغ»، فرس فريغ: واسع المشي، سريع (لسان العرب).

201

كان مضى فصل الصيف‏ (13) و اقشعرّ وجه البرية. فكتبت ذلك النهار مكتوبا إلى والدتي، و حدثتها بكل ما استطعته من أنواع التسلية و الأخذ بالخاطر و الاطمئنان علي، و وعدتها أني عما قريب سأحضر عندها إن شاء اللّه.

____________

(13) صيف سنة 1812، على ما يظهر من سياق الحديث.

202

[عبد اللّه بين الحياة و الموت‏]

ثم حزمنا رزقنا و أخذنا حوائجنا و ودعنا الأحباب و ركبنا من حماة، إلا أني خلافا لعادتي، كنت مغلق القلب و مغموما كأني ذاهب إلى الموت. و كان الدريعي بعيدا عنا نحن عشرين ساعة. فبعد أن مشينا النهار كله قال العرب أنه من الأنسب أن نسري ليلا كي نصل غدا صباحا عندهم، خوفا من أن يرحلوا و يبعدوا عنا. فبقينا جادين بالسير إلى قرب نصف الليل. و كان أمامنا دائما اثنان من خيالتنا يسبقاننا قليلا، احتراسا من أحد الأعداء لأن الدنيا مظلمة، و المثل عند العرب يقول: «الليل ما له صاحب». و أثناء تلك الغضون رجع الخيالة الذين هم أمامنا و قالوا افتحوا عيونكم جيدا لأن أمامنا واديا ملعونا يقال له وادي 2/ 84 الهيل مقدار مسيره ربع ساعة،/ طريق ضيق، فوقك جبل و تحتك واد لم ينزله أحد و لا يمكن لأحد أن يعرف قراره، و الطريق عرضه نصف ذراع‏ (1) فقط، فكونوا يقظين لأنه إذا وقع أحد فليس له خلاص. فصرنا ننبه بعضا و ابتدأت أفرك عيوني من النوم لأني كنت نعسان جدا.

ثم دخلنا طريق الوادي و الليل شديد الظلام ليس فيه ضوء قمر. و بينما نحن في نصف الطريق المعلوم إذ عثرت‏ (2) بي فرسي، فأخذت رأسها باللجام نترا قويا من شدة خوفي، فرفعت يديها

____________

(1) لا يمكن لدابة أن تمر في طريق عرضه نصف ذراع، لا سيما و أن الجمال موقرة بالبضائع و السلع. و لا شك عندنا أن الصائغ يحب المبالغة فيجمح به الخيال، و نراه عرضة لشتى الأهوال. أما الشيخ إبراهيم فوقع مرة واحدة من على ظهر الجمل.

(2) «تعست».

203

الاثنتين و أنزلتهما فوقعتا على الخلاء، فما علمت إلا أني رأيت نفسي أهوي بالوادي أنا و الفرس ثم ما عدت أدرك ما ذا جرى‏ (3). و قد أخبرني الشيخ إبراهيم أني لم أزل أهوي و أنا أسقط، تارة أنا فوق الفرس و تارة الفرس فوقي‏ (4). و قامت الصيحة و ابتدأ الشيخ إبراهيم يضرب على نفسه و ينتف لحيته و يستغيث بالعرب أن ينزلوا و يطلعوني. فقالوا له: يا سيدي إنزع من عقلك هذا الفكر، لأن هذا الوادي لم ينزله و لم يطلع منه أحد، و قد أصبح الآن مئة قطعة (5) هو و الفرس، فكيف تأمل أن يكون إنسان وقع في واد مثل هذا الوادي هو و الفرس؟ فصار يبكي و يستجير بهم فقالوا له: يا شيخ إبراهيم إن عبد اللّه غال علينا، و لكن نحن على ثقة أنه مات و شبع موتا، فما هي فائدة من نزولنا نحن في هذا الليل المظلم إلى واد شنيع مثل هذا من غير نفع؟

لقد مات الرجل و أصبح مئة قطعة. قال: أنا راض أن تأتوا به مئة قطعة حتى أعود به و أقبره في حماة و لا أتركه لتأكله الوحوش في هذا الوادي العميق.

فبعد جهد كثير برطلهم بمئتي ربعية حتى يطلعوني. فنزل اثنان منهم و كان لاح الفجر فوجداني معلقا بزناري بغصن شجرة، و رأسي إلى تحت و رجلاي فوق، قبل أن أصل إلى قاع الوادي بشي‏ء قليل./ و أما الفرس فوجداها في قاع الوادي مفزورة و ميتة. فأخذا عدة الفرس و حملاني على أياديهما، تارة يستريحان و تارة يحملان إلى أن وصلا إلى فوق. فرمى الشيخ إبراهيم نفسه فوقي و صار يبكي و يلطم على جسده‏ (6). فكان في رأسي جروح في عشر مطارح، منها بالغة و منها [سطحية] سلخ الجلد و بان العظم، و كذلك جميع أضلاعي تغرست و انكسر بعضها، زندي اليمين مجرد جميعه من اللحم و لم يبق إلا العظم، كذلك يداي مسلختان و رقبتي مجروحة و جسدي مهبّر و باطن ساقيي مسلخ و مهبّر و في ظهري و في بطني و جميع جسدي جروحات لا تعد و مواضع عديدة مسلوخة (7)، من أخمص قدميّ إلى رأسي جسمي ملآن شوكا مثل الإبر، النتيجة حال لا توصف لا أحتاج إلا إلى الدفن‏

____________

(3) هذه المرة السادسة التي يشرف بها الصائغ على الموت خلال رحلته.

(4) يعلمنا الصائغ قبل هذا الكلام أن الليل كان شديد الظلام فكيف رآه الشيخ إبراهيم يهوي إلى قعر الوادي؟.

(5) «شقفة».

(6) «يقتل حاله».

(7) «سلوخات».

204

بالأرض. و كان الشيخ إبراهيم على معرفة بأمور الطب‏ (8) و معنا كل ما نحتاج إليه فيما يتعلق بالطب و الأدوية، فحالا أخرج من صندوق الاسعاف‏ (8) أرواحا و وضع منها في مناخيري، فظهر له بعض إشارات تدل على أن فيّ روحا، غير أن حواسي الخمسة كانت معدومة و عيني جامدة في وجهي، و من كثرة الأدمية على جسدي لا يبان مكان الجرح من المكان السليم.

فتأمل الشيخ إبراهيم و فرح و أعد العرب لي مكانا على ظهر الجمل و ارتدوا إلى حماة. و لم يزلوا سائرين إلى قرب نصف النهار، فازداد الورم فيّ و أصبح رأسي بحجم الطبل و تغيرت أحوالي إلى أسوأ. فخاف الشيخ إبراهيم أن أموت قبل الوصول إلى حماة، فاستشار العرب فقالوا له: حماة ما زالت بعيدة و من الأنسب أن نأخذه إلى زين العابدين و هي قرية تابعة لحماة، تبعد عن حماة بالنسبة إلينا أربع ساعات، فاعتمدوا على هذا الرأي و دخلوا بي القرية المذكورة إلى بيت الشيخ، و هو شيخ جليل يقال له الشيخ درويش و كان بيننا معرفة سابقة. فحالا وضعني الشيخ على فراش في محل نظيف و أرسل رسولا إلى حماة لإحضار الشيخ خليل و هو جرّاح‏ (9) مشهور، و جلس الشيخ إبراهيم جنب رأسي مع القطرات‏ (10) و الأدوية يعالجني.

2/ 85 إلا أني إلى ذلك الوقت ما كنت أعي كليا على أمور الدنيا. فعلى قول الشيخ إبراهيم/ إني أقمت تسع ساعات ميتا، لا أعي على شي‏ء قطعا، و ليس بي حاسية بالكلية. فمن كثرة الأرواح و القطرات فتحت عيني و صرت أنظر إلى الناس الذين أمامي، و أنا في فراشي داخل غرفة (11)، و لكن كمثل منام، ليس لي عقل يعي أين أنا موجود أو يعلم ما ذا جرى لي، إذ كنت كالطفل الذي لا يدرك شيئا. و كان الشيخ إبراهيم يكلمني. و أما أنا فما كنت أرد عليه إذ كنت لا أسمع و لا أستطيع أن أتكلم أو أتحرك: قطعة حجر بالفراش. بل أني ما كنت أحس كليا بوجع، مرتاحا بذاتي من غير إدراك.

فأقمت على هذه الحالة أربعا و عشرين ساعة، إلى مثل الوقت الذي وقعت به، فرجع إلي شي‏ء قليل من عقلي و صرت أفكر ما الذي أتى بي إلى هذا المكان، إذ كنت ذاهبا مع العرب فكيف أصبحت في هذا المحل، فهل أنا في يقظة أم منام. ثم حضر الشيخ خليل الجراح و أخذ حالا بمسح الجروح و وضع المراهم. فحسست بالوجع في تلك الساعة

____________

(8) «الحكمة».

(9) «جرايحي».

(10) «الاستقتاراة».

(11) «أوضه».

205

و وعيت على نفسي و فهمت القضية. فصار المسكين الشيخ إبراهيم يبكي و يسألني عن حالي و يقبل يدي، فجعلته مطمئن البال عني ففرح فرحا شديدا و شكر اللّه و قبل الأرض، و قال للشيخ خليل الجراح: إعمل جهدك و إذا استطعت أن تشفيه أعطيك مهما طلبت. فرغب الجراح و ابتدأ يعالجني بكل مهارة (12). و أما العرب الذين كانوا معنا فإن الشيخ إبراهيم كان أذن لهم بالإنصراف كي يذهبوا عند الدريعي و يخبروه بما جرى. فحين وصلوا أخبروه بما جرى و كيف أطلعوني و بأي حال و أني الآن موجود في زين العابدين. فطار عقله من هذا الخبر الشنيع و ركب حالا على خيل و حضر عندنا. فرأى الحال الذي أنا به و قطع أمله من الشفاء و أصبح على يقين أننا لا نستطيع أن نشرّق معه هذه السنة و سيحصل تعطيل في أعمالنا، فازداد غمه علي، فصار الجرّاح‏ (13) يسكن روعه فوعد الجرّاح‏ (14) بهدية عظيمة إذا استطاع 1/ 86 أن يشفيني مما أنا به. ثم أخذنا بخاطره بخصوص الفرس التي قتلت/ فضحك و حلف باللّه أنه يتمنى لو قتلت عشر أفراس مثلها و أن أكون أنا معافا، مع أن الفرس و اسمها العبسية من خاص الخيل البخارية المشهورة و لو أعطي بها خمسون كيسا لا يمكن أن يبيعها. ثم سافر الدريعي في اليوم التالي و بكى حين فارقنا، إذ لم يكن متأكدا تماما أني سأشفى من الجروح و الأوجاع التي أنا بها، إذ كان نوعا ما قاطعا أمله مني.

فأقمنا ثلاثين يوما في زين العابدين، و الشيخ خليل يعالجني على قدر معرفته فلم يحصل على نتيجة بل بالعكس فالجروح أصبحت قروحا و لعبت المواد بالقروح و انتنت، و استحال الورم إلى ضعف عظيم. فأشار أناس أهل خبرة إلى أن الشيخ خليل لا يحسن معالجة أمر كبير مثل هذا، و لكن يوجد في ضيعة يقال لها دير عطية، على طريق الشام‏ (15)، و قد ذكرناها سابقا، معلم جراح مسلم جليل فهيم، فهو قادر على أمور مثل هذه. فأرسل الشيخ إبراهيم رسولا لإحضاره فلم يأت بل قال: إن شاؤا أحضروا العليل إلى عندي.

فاستحسن الشيخ إبراهيم هذا الرأي، و حالا صرف الشيخ خليل و أرجعه إلى حماة، و أعطاه أجرة وافرة، و عمل صندوقا من خشب و وضعني به، ثم حملت على بغل و توجهنا إلى دير عطية. و حين وصولنا نزلنا في بيت البيطار صاحبنا. فأتى الجراح، و كان اسمه الشيخ حسن‏

____________

(12) «معلمية».

(13) كذا بالمخطوطة.

(14) «الجرايحي».

(15) دمشق.

206

و عاينني، و حالا نزع اللصقات التي علي و غسل جميع الجروح بالنبيذ و وضع مراهم من عنده و ابتدأ بعلاجي.

النتيجة لا أستطيع أن أصف العذاب و الأوجاع التي كابدتها إذ يقصر عن وصفها اللسان، حتى بقيت بالفراش كالخلال‏ (16) و الخيال، و تبدلت أحوالي و تغيرت صورتي، و قاسيت آلاما مريرة و وجعا و عذابا و شدائد من كل الأنواع. و كنت دائما أعتب على الشيخ 2/ 86 إبراهيم الذي سعى في إخراجي من الوادي، لأنه لو تركني أموت كان ذلك أريح لي بكثير/ و بالمختصر لم يبق وجع بالعالم إلا تركب على جسدي و كذلك الأدوية و الوصفات التي كانت تأتينا من عند الخواجه شاباصون الطبيب الفرنسي‏ (17) بدمشق، إذ كان بخدمتنا خيال من أهل الضيعة فقط لأجل إحضار الأدوية من عند الخواجه المذكور، لأن بيننا و بين دمشق يومين. و إن سأل القارئ‏ (18) لأي سبب ما نزلتم إلى دمشق لكي تكونوا قريبين من الطبيب و تصبح المداراة أنسب؟ فالسبب الأول سياستنا، إذ ليس من صالحنا القعود بالشام كثيرا، ثانيا أن هواء دمشق ردي‏ء و ثقيل فلا يمكن أن أحصل على الصحة بدمشق، فانتقلنا بعد شهرين من دير عطية إلى قرية يقال لها النبك، نحو ساعة و نصف بين الواحدة و الثانية.

و القرية المذكورة هواؤها و ماؤها مشهوران بالحسن. فالغاية بعد أربعة أشهر استطعت أن أقوم على العكاكيز. و كنت أصح يومين و أعود مريضا خمسة، حتى ذقت أنواع الموت أشكالا و أشكالا. و في أثناء تلك الغضون انعزل سليمان باشا العكاوي عن إمارة الشام، و حضر من اسلامبول وزير يقال له أيضا سليمان باشا سلحدار (19) سلطان سليم، و حكم بدمشق، فهذا صعب علينا نوعا لأن سليمان باشا العكاوي كان يوافقنا على جميع ما نريد من الأمور.

و كان انتهى فصل الشتاء و قدم الربيع‏ (20) و ابتدأت العربان تبشر بالديرة، و أزهرت الدنيا و أنا تماثلت للعافية و قمت من الفراش، و كانت جملة إقامتي بالفراش طريحا خمسة أشهر. و بعد أن أصبحت قادرا على المشي نوعا ما تسلط علي حال غريب و هو أني كلما رأيت فرسا أو حصانا يصفر وجهي و أقع على الأرض مغشيا علي. و بعد ذلك، رويدا رويدا، قويت نفسي‏

____________

(16) الألبسة البالية.

(17) «الحكيم الفرنساوي».

(18) «القادر»، كذا.

(19) سلاح‏دار، أي الذي يحمل سيف السلطان، و هو من أكابر موظفي الدولة.

(20) ربيع سنة 1813.