رحلة فتح الله الصائغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية

- فتح الله الصائغ الحلبي المزيد...
347 /
207

على رؤية الخيل إذ وضعت نصب عيني أني سأحتاج إلى رؤيتها كثيرا، إلا أني حلفت يمينا عظيما أني ما دمت حيا يحرم علي ركب الخيل إلا بسبب أمر ضروري جدا جدا. و فيما نحن 1/ 87 على ذلك إذ ورد علينا هجان من عند الدريعي يسأل عن أحوالنا/ و يبشرنا أن الدريعي قطع الفرات و دخل الشامية و هو في نواحي ديرة حلب. ففرحنا بذلك و حالا أرسلناه في اليوم التالي يخبر الدريعي و يبشره بوجودي حيا، لأن الرسول قال لي: «إن الدريعي ما كان يظن أنك شفيت مما كنت به، و قد تكدرت عليك العربان جدا، و جميعهم قطعوا الأمل منك»؛ فلهذا السبب اضطررنا أن نصرفه عاجلا. و حين وصل الرسول إليه و بشره أني على قيد الحياة و شفيت من جميع ما كان بي، طار من فرحه و أرسل رسولا آخر يعرفننا أن لا نتحرك من النبك، بل هو يقرب مننا كي لا أتعب بالطريق لأني ما كنت ملكت عافيتي مثل السابق.

فقعدنا ننتظر قدومه إلى طرفنا.

208

[من حديث البادية: الخوّة]

و لكن قبل ذلك حين كنت بعد بالفراش، وقعت نكتة عجيبة و هو أنه في ذات يوم حدث أن تاجر غنم كان آتيا من ديرة الأناضول و ذاهبا إلى دمشق و معه نحو عشرة آلاف رأس غنم كبار عظام. فوصل إلى الرستن الذي هو ما بين حمص و حماة. فهناك رأى ثلاثة من العرب. فقال الواحد منهم للتاجر: هل لك أن تؤاخيني؟ فضحك التاجر من عقله و قال له: أأنا خائف حتى أؤاخيك؟ معي خمسون باروديا. فقال له البدوي: اسمع مني آخيني و أنا أرضى بشي‏ء قليل، و تم الاتفاق على غرشين و قبضة (1) توتون. فأعطى التاجر غرشين و قبضة توتون، و ظن أن البدوي عمل حيلة لأنه محتاج حتى يأخذ بعض الدراهم. أما البدوي فإنه أخذ الغرشين و التوتون و وهب الكل إلى رفيقيه الاثنين و قال لهما: اشهد أنه صار أخي، لأن هذه العادة عند العرب: أنهم يفرقون على العرب أول شي‏ء يأخذونه خوة و يشهدونهم، و السبب أنه إذا ادعى بدوي يريد تخليص شي‏ء أنه أخذ من أخيه فيجب أن يكون عنده شهود يشهدون له أنه أخوه حقيقة و قد خاواه على يد شهود، و أكل الشهود وقت عقد الخوة: هكذا عادتهم.

فبعد ذلك سافر البدوي و رفيقاه و سافر التاجر قاصدا دمشق. و بينما هو في الطريق في مكان يقال له عيون العلق، بالقرب من دمشق، إذ نفذت عليه العرب و تحارب معهم‏

____________

(1) «كمشة».

209

2/ 87 و كسروه و أخذوا جميع ما معه من الغنم، و شلّحوه هو/ (2) و جميع من معه و تركوهم عراة (3) و ذهبوا في حال سبيلهم. فنزل إلى دمشق و ليس معه مصرية يأكل بها خبزا، و صار يشحذ و يأكل. و شاع أمر هذه الغنيمة بين العربان حتى سمع بها البدوي أخو التاجر الغنّام.

فسأل أي يوم أخذت الغنم و في أي مكان، فأخبره الناس، فعرف و تأكد أنها غنم أخيه الذي أعطاه غرشين و قليلا من التوتون. فذهب حالا و أخذ الشهود و راح عند شيخه، و هو كان من قبيلة العمور، و دخل على الشيخ و حكى له المادة و شهد له الشهود. فحالا ركب و أخذ معه أكابر القبيلة و توجه إلى قبيلة النّعيم. فهذه القبيلة مثل عشيرة العمور، تشريقها قليل و أغلب السنين لا تشرّق بل تبقى بالديرة، و اسم شيخها فهد ابن صالح. فدخل عليه سلطان البرّاق شيخ العمور و طلب منه الغنم بموجب عهود العرب و قدم الشهود. فما استطاع فهد أن يهرب من الحق و بالحال و السرعة سلّم الغنم إلى شطي، فهذا اسم البدوي الذي خاوى الغنّام، سلمها بتمامها من غير أن ينقص منها شي‏ء كليا. فقام شطي و استأجر أناسا تسوق الغنم معه، و مشت الأغنام جميعها أمامه و توجه إلى دمشق. فأبقى الغنم خارج البلد و دخل هو يفتش عن التاجر، فوجده جالسا في قهوة، عاريا جائعا. فدخل شطي عنده و سلم عليه. فأدار وجهه و لعنه و شتم كل العرب لأنه محروق القلب منهم. و لم يأت على باله أنه آخى واحدا منهم، و لا هو يصدق، و الحكاية ذهبت من فكره و صار إذا رأى بدويا كأنه رأى عزرائيل. فقال له شطي ما لك يا أخي؟ أنا أخوك الذي تآخيت معه بالرستن.

فقم معي و استلم غنمك جئتك بها كما هو واجب علي. فما كان يصدق. فمن بعد تأكيد صدّق، و خرج معه إلى خارج البلد، و بانت له الحقيقة، فركع على أرجل شطي و صار يقبلها و يستكثر بخيره. ثم نزلا إلى دمشق، و عمل التاجر جهده لكي يعطيه قسما من الغنم فما رضي أن يأخذ شيئا منه كليا، غير أنه قبل فقط جزمة و كوفية جديدة قيمتهما نحو عشرة 1/ 88 غروش لا غير، و ثاني يوم رجع/ عند أهله.

____________

(2) يبتدئ هنا الكراس رقم 11.

(3) «بالظلط».

210

[الاستعداد للحرب‏]

ثم بعد قليل من الأيام، قربت العربان من ديرة الشام و إذا بالدريعي حضر عندنا و بصحبته جملة من أكابر العرب أحبابنا. فرأونا و رأيناهم بخير، و فرحنا بهم و فرحوا بنا. و كان عرب الدريعي قد اقتربوا منا. ثم حدثنا بجميع ما وقع له مع العربان أثناء تشريقه، إذ جرت له بعض المعارك مع قبائل العرب و أخضع أربع قبائل و أدخلها في اتحادنا و وضع شيوخها أختامهم و أسماءهم. و هم ظهران ابن عواد، شيخ عشيرة الخرصة (1)، قبيلته تحتوي على ألفي بيت، و أيضا نايف ابن عابد، شيخ قبيلة المحلّق، عشيرته تحتوي على ثلاثة آلاف بيت، و أيضا روضان ابن سلطان، شيخ قبيلة المريخات، عشيرته تحتوي على ألف و خمس مئة بيت، و أيضا مطلق ابن فيحان، شيخ عشيرة الزكرد (2)، قبيلته تحتوي على ثماني مئة بيت فقط. فهذه القبائل الأربع من أعظم عشاير العرب، و أكثر أنسابها إلى عرب جبل شمر التي هي تحت حكم الوهابي.

ثم أعلمونا أن الوهابي كثير الحركة هذه السنة، و لا بدّ له أن يضرب جانبا من الأراضي التي يحكمها العثماني و الأقرب إلى الظن هو بر الشام أو بغداد. فبعد هذا في اليوم التالي دبرنا أحوالنا و ذهبنا مع الدريعي و باقي الجماعة عند العرب، و كانوا بعيدين عنا يوما فقط. و أما أنا

____________

(1) «الخرسا»، فرع من الفدعان.

(2) لا أعرف عنها شيئا.

211

فكنت راكبا حمارا، استأجرته من الضيعة و ذلك خوفا من الوقوع مرة أخرى. فبعد وصولنا بعدة أيام عند العرب، إذ وردت أخبار من طرف الوهابي أنه أرسل جيشا (3) عظيما على بر الشام، و مراده أن يأخذ حماة و حمص و استملاك بر الشام. فضجت الناس من هذا الخبر و حسبت حسابات كبيرة، و صار الخبر عند الوزير و دخل عليه الوهم، و كبرت الدعوة في بر الشام و وصلت برد (4) و أوامر من وزير الشام بالمحافظة ليلا و نهارا و اليقظة و استخدام العساكر. و ما زالت أخبار الوهابيين تزداد و تشيع الأخبار و تكثر حتى تعبت قلوب الناس من 2/ 88 هيبة (5) الوهابي، و عزم كثير من الناس على الفرار إلى ناحية ساحل/ البحر، لأن صيت الوهابي شنيع جدا، و المشهور عنه أنه دموي غدار بحاث عن أمور الدين، فسكرت الناس من هذا الخبر، حتى أن الوزير أرسل إلى الدريعي يدعوه عنده إلى دمشق لكي يدبرا هذه الأمور.

إلا أن الشيخ إبراهيم لم يستحسن أن يذهب الدريعي إلى دمشق خوفا من أحوال العثماني و خيانته، لأن الوزير جديد من اسلامبول و أطباعه غير معروفة. و لذا كتبنا جوابا للوزير من طرف الدريعي يعتذر عن الحضور لأنه لا يستطيع أن يترك الديرة و يذهب عند الوزير، خوفا من أن يحضر الوهابي فجأة، [و جاء فيه‏]: «أي نعم أن أمر سعادتكم بإرسال فرقة من العسكر معين لنا، و أنا بحول اللّه كفاية لحفظ البلاد من غوائل الوهابيين»؛ و أرسلنا الجواب.

و أما الدريعي فإنه ابتدأ بتدبير مهام الحرب لدفع غوائل عرب الوهابي و أضرارهم عن البلاد و عن نفسه. و هو أنه أحضر حالا ناقة بيضاء و سودها بشحّار (6) الدست، و ربط برقبتها شقة بيت شعر سوداء، و أركب فتاة عليها و هي لابسة السواد و مسودة وجهها. و أرسل معها نحو عشرة رجال من العرب، و هي تدور على القبائل و تدعوهم إلى الحضور لمعونة الدريعي. و كانت كلما وصلت إلى قبيلة تقول: «الفزاع، الفزاع، الفزاع، يا أهل الخيل أصحاب المرؤة و النخوة، يا من يبيض عرض هذه الناقة و يغسل سوادها، هذه شقة بيت الدريعي المهدد بالخراب. (7)، يا أهل الحشيمة و الغيرة انهجوا انهجوا (8)، ترى ربعكم ذبحهم الوهابي و عدمتموهم، يا سامعين الصوت صلوا على النبي، أولكم محمد و آخركم علي». فهذه من عاداتهم حين‏

____________

(3) «أرضي».

(4) «برادي»، و هو يريد برد جمع بريد.

(5) «رجت»، كذا، و يريد: «رجة».

(6) «شحوار».

(7) «المزعم يخرب».

(8) امشوا على حسب عادات العرب.

212

يكون عليهم حملة (9) كبيرة من عدو كبير أن يسودوا الناقة. و لم تزل تذهب من قبيلة إلى أخرى. و مكاتيب الدريعي أيضا متواصلة إلى القبائل. و صار الوعد و الاجتماع على عاصي حماة لأجل استقاء الماء. و صارت القبائل تتوارد علينا من كل الجهات، المتحدة معنا و غيرها حتى اجتمع عندنا نحو ثلاثين قبيلة عرب، جميعها في نزل واحد، و رابطة أطناب البيوت بعضها 1/ 89 إلى بعض و صائرة مثل القلعة أمام العاصي، و جاعلة العاصي و البلاد وراءها،/ و متصدية للعدو.

و من الطرف الثاني الوزير، فإنه قد أرسل جيشا (10) بكامل لوازمه من مدافع و زنبلاك‏ (11) و جبخانه‏ (12) و خيم، و رأس عليه ابن أخته إبراهيم باشا، باشا بتوخين‏ (13) صاري عسكر. و وجه بالجيش إلى حماة و كان عدده نحو ستة آلاف مقاتل: دالاتية و هوارة (14) و مغاربة و أرناؤوط. فدخل الجيش إلى حماة و أقام بها إلى أن يحضر الاسعاف من وزير عكا سليمان باشا، لأن والي الشام كان أرسل استنجده. فبعد قليل صارت العساكر ترد من عكا و ما يليها حتى حضر علي بك الأسعد. و أرسل البرير (؟) أيضا عساكر حتى اجتمع في حماة، الجيش مع عساكر البلد، نحو أربعة عشر آلف عسكري.

و أما الوهابي فإن أخباره كانت تقرب حتى علمنا أنه وصل إلى تدمر، و هرب‏ (15) أهالي تدمر و القريتين و سائر الضيع التي أمامه، فأرسل إبراهيم باشا و متسلم حماة و كامل الضباط إلى الدريعي يرجون نزوله إلى حماة لأجل المشورة بلوازم الحرب و تدبير هذه الأمور. فاضطر أن ينزل إلى حماة و نزلت أنا الفقير معه. و صار الديوان عند الباشا و دبروا كل شي‏ء يجب تدبيره. و آخر تدبير كان رأي الباشا أن الجيش العثماني يكون مختلطا بنا، فوافق الدريعي على ذلك و اعتمد عليه. ثم حضر الدريعي من الديوان و أعلمني بجميع ما تقرر من الأمور و التدابير. فرأيت كل شي‏ء مناسبا إلا مسألة واحدة ليست مناسبة و يحصل لنا منها

____________

(9) «ركبة».

(10) «أرضي».

(11) كذا و لعله يريد زنبرك أو زنبلكات.

(12) قنابل و صناديق بارود.

(13) من التركية: طوخ، أي ذنب الفرس، و باشا بطوخين أعلى مرتبة من باشا بطوخ واحد.

(14) هوّاري جمعها هوّارة: جنود غير نظامية.

(15) «و هجّت».

213

ضرر، و هي اختلاط الجيش العثماني بنا. فقال الدريعي: و ما هو سبب ذلك. فقلت هؤلاء ترك غشماء لا يستطيعون أن يميزوا عربنا من عرب الوهابيين. فحين اشتداد المعارك و اختلاط العساكر يمكن أن يروك أنت و يتوهموا أنك من عرب الوهابي فيقتلونك، لأن العربان جميعهم، سواء عربنا أو عرب الوهابي، على نفس الزي و الكلام و الهيئة، لا يستطيع أحد أن يميز بعضهم عن بعض، إنما يعرّفون أنفسهم بالتنخّي. اعلم أيها القارئ أن لكل قبيلة نخوة خاصة تنتخي 2/ 89 بها وقت/ الحرب، و ينادي البدوي باسم قبيلته. فكل واحد من الرولة مثلا يقول: خيّال العليا رويلي، و من قبيلة الحسنة يقول: خيال البيوضا حسيني، و من الضفير يقول: خيال الحمرا ضفيري، و هلم جرا جميع القبائل. و كل واحد من المشايخ و الأمراء يتنخّى باسم أخته وقت الحرب أو غيره. فالدريعي مثلا يقول أنا أخو ربدا، إذ كان له أخت اسمها ربدا بديعة في الحسن، و مهنا يقول أنا أخو فضة، إذ كان له أخت اسمها فضة محسنة، و هلما جرا كل الأمراء و المشايخ، و هذه من جملة عاداتهم. [ثم قلت للدريعي: إن هذا الاختلاط يضر بنا] على الخصوص إذا لا سمح اللّه و صارت كسرة، فإنهم يقتلون من عربنا أكثر من عرب العدو.

فقال: هذا صحيح و يحصل لنا منه ضرر على أي وجه كان. فرجع إلى عند الباشا و قال له: يكون الجيش بعيدا عنا نصف ساعة. فتضايق الباشا من هذا الكلام، و لكن ما كان يمكنه أن يغضب الدريعي و اضطر أن يخضع لأمره.

ثم خرج الجيش العثماني بكل نظام و تدبير و ركب الباشا و دقت النوية و ضربت المدافع على حسب هرج‏ (16) العثماني. فحضر و نزل الجيش بعيدا عنا نحو نصف ساعة، بكل نظام وخيم معتبرة و صيوانات و عساكر مثل التراب من خيل و رجال. فامتلأت أعين الناس من هذه الرؤية، و اطمأنوا على أرواحهم من خطر الوهابي، و أمنّوا على أحوالهم و شدوا ظهورهم. و أما الدريعي و بقية عرباننا فإنهم كانوا يضحكون منهم‏ (17) إذ تبين لهم أنهم ليسوا على قدر المادة.

و في اليوم الثاني من خروج الجيش قام غبار من صدر البرية و اعتم الجو من الغبار و ظهرت غمامة سوداء كأنها الضّبّان‏ (18) تمشي على وجه الأرض. و في قليل من الزمن إذ أقبل شي‏ء يغطي عين الشمس و يجفف النظر. و ابتدأ القادمون بنصب البيوت أمامنا، بعيدا عنا

____________

(16) «و هرة».

(17) أي من الأتراك.

(18) ضبّان ج ضبّ: دويية تشبه الورل، «و هو أحرش الذنب، خشنة، مفقّره، و لونه إلى الصّحمة، و هي غبرة مشربة سوادا» (لسان العرب، مادة ضبب) أو لعله يريد الذبّان أي الذباب.

214

نحو ساعة، لأنهم أتوا بأهلهم، و كان عدد قبائلهم نحو خمسين قبيلة، على حسب ما استنتجنا من البيوت، و كانوا بالحقيقة خمسة و ثمانين آلف بيت. و اعلم أيها القارئ أن كل 1/ 90 بيت/ الأصغر منها فيه عشرون جملا (19) و من الغنم ما لا يحسب، و من الخيل و الأولاد و النساء و الرجال عدد كبير. النتيجة جاء منهم ما يدهش العقل، مليونات، شي‏ء لا يعرف أوله من آخره. فارتج قلب الوزير و كامل من معه من هذه الرؤية المبهرة و أرسل الباشا يدعو الدريعي ليشرب القهوة عنده. فراح المذكور و رأى أن حال الباشا متبدلة و هو خائف. فسكن روعه و شرب القهوة و رجع حالا و أمر بجمع كامل الجمال. فجمعوها حالا و ربطوها من أياديها و ركبها بالحبال و برّكوها أمام جيشنا كالمتاريس. و فعلت هكذا كل العربان من عربنا و من عرب العدو إذ هذه عادتهم، و حفروا ممرات‏ (20) بالأرض لأجل أن يختبؤا بها و يحاربوا، مثل‏ (21) المتاريس. ثم بعد ذلك عملوا ناقة العطفة (22) و زوقوها، و وضعوا عليها هودجا مزوقا بالجوخ و القطني و الحرير الأحمر و الشراريب و المرايا و الودع، و أدخلوا فيه فتاة محسنة جدا يقال لها أريكة و فصيحة متكلمة، لأن التي تقعد في العطفة يجب أن تكون أجمل جميع بنات العربان الموجودين و أفصحهن، فالكلام و جميع الحركة منوطان بها. فهي التي تنخّي الرجال و تشجعهم على الحرب. إلا أن المسكينة تكون في خطر عظيم لأن جميع الضربات و الحملات عليها. إذ متى تمكن العدو من أخذ العطفة إنكسر العسكر. و لذا يجب أن يكون الرجال دائما حولها يحمونها في وسط العسكر.

____________

(19) لا شك أن هذه الأرقام خيالية، إذ يبلغ عندئذ عدد الجمال وحدها نحو مليون و سبع مئة ألف جمل!.

(20) «مرور»، أي خنادق.

(21) «نعت».

(22) العطفة (بكسر العين و فتحها و ضمها): «ناقة متميزة في شكلها تركبها ابنة الزعيم في أيام الحرب لكي تشجع الفرسان» (العزيزي، قاموس العادات، ج 2، ص 312). و تطلق أيضا هذه الكلمة على الهودج الخاص الذي تركب فيه هذه الفتاة. «و هذه العطفة لا توضع إلا في بيت أشجع العشيرة و أفرسها» (وصفي زكريا، عشائر الشام، ج 2، ص 24). و قد رأيتها في الكويت، عند آل صباح، سنة 1956.

215

[المعركة الكبرى‏]

ثم أخذت التدابير في كل الأمور، و الخصم أيضا دبّر حاله و حفر متاريس و نوّخ‏ (1) جماعته و عمل عطفة و قسم حاله إلى قسمين: الفرقة الكبرى أمامنا لأجل محاربتنا و الفرقة الصغرى أمام جيش الباشا، و ابتدأ الحرب بكل حرارة من الجميع. و من عادات العرب أنهم يبتدئون الحرب كمثل اللعب، بفتور عظيم، و بعد ذلك تشتد همتهم و قوتهم و يصبحون مثل السباع. و أما العثماني فهو بضد ذلك: أول نزوله بحرارة ثم يفتر. فسرّ الباشا من هذه الرؤية و ظن أنه يكسر عرب الوهابيين بعسكره فقط. و بعد ذلك اشتدت حرارة العرب، 2/ 90 و صار نهار يقف عن وصفه اللسان/ منا و منهم إلى غروب الشمس، فانفك الحرب بعد أن وقعت مقتلة وافرة من الفريقين. ثم في اليوم الثاني أتت نجدة من قبيلة يقال لها الحديديّة و شيخها حمود آل إبراهيم‏ (2). فهؤلاء العربان من سكان طبراق حلب، لا يشرّقون مثل العرب، بل هم دائما مقيمون في نواحي ديرة حلب و سرمين و المعرة، و عليهم شي‏ء مثل الراتب للوزير. و كلهم بواردية، يركبون الحمير فقط، و لكن بعض كبرائهم فقط يركبون الخيل.

فكانوا نحو أربعة آلاف بارودي‏ (3).

____________

(1) أي نخّى، اثار النخوة في رؤوس الرجال و حثهم على الحرب.

(2) «البراهيم».

(3) «بواردي».

216

فعملنا حسابنا: كانت عربنا نحو ثمانين آلف مقاتل من غير جيش الباشا، و أما الوهابيون فكانوا نحو مئة و خمسين آلف مقاتل، و لكن بالحرب و المعارك عربنا أشد حربا و قوة.

و ذلك على رأي الشيخ إبراهيم، له علاقة بالأقاليم. فهو يقول: إن الأقاليم الحارة لا يكون أهلها أشداء بالقتال، بل إن سكان الأقاليم الباردة أشد حربا و قوة، و بما أن الوهابيين من سكان ناحية الجنوب فنحن أشد منهم قوة. و في اليوم الثاني صار حرب و ظهر فعل كبير من الوهابيين رجت منه قلوب الناس و خصوصا أهالي حماة. و شاع الخبر أن الدريعي إنكسر و الباشا أيضا، و عزمت الناس على الهرب إلى نواحي البحر. و لم يزل الحرب و القتال معقودين‏ (4) مدة عشرين يوما، حتى ضجت الناس و كرهت حالها، و على الخصوص أن الجوع ابتدأ ينتشر، لأن كل لوازمنا و لوازم الباشا من حماة، حتى افتقرت و تعرت من جميع المآكل، و حصل الغلاء و عدم وجود الشي‏ء بالمدينة المذكورة. فابتدأ الحكام باستيراد الحنطة من غير أماكن، و أعطى أناس من مؤونتهم لأجل تقوية الدريعي خيفة من الوهابيين. أما نحن فلم نزل كل يوم في حرب، و نقص عسكر الباشا إذ قتل منه كثير، و ابتدأت الناس من عرباننا تنسل و تهرب من شدة الجوع، حتى أن الجمال التي وضعناها كالمتاريس صارت تأكل بعضها من الجوع، إذ كان لا يمكننا أن نتركها ترعى أولا لأن نار العدو تعمل بنا ما تريد 1/ 91 إذ نبقى من غير وقاية، و ثانيا لأنه لم يبق في الأرض شي‏ء لترعاه/ بل و لا للأوادم.

و لم يزل الحرب متواصلا يوميا حتى أنه في بعض الأيام كان يتصل ليلا نهارا. و أما أركية التي كانت جالسة بالعطفة، فإنها كانت تنخي الرجال و تهيجهم على الهوشة (5) و الحرب.

و أكثر الذين يقتلون من طرفنا تكون هي السبب بكلامها المهيج للحرب. و كانت دائما تعد الشباب أن الذي يأتيها برأس عبد اللّه الهدال تتزوجه، لأن المذكور صاري‏ (6) عسكر العرب الذي يقاتلوننا، و أبو نقطة صاري عسكر العرب الذين أمام جيش الباشا. فهذان الاثنان صواري عسكر الوهابيين. و بسبب رغبة الشباب في أركية كانوا يرمون بأنفسهم إلى الموت.

حتى أن من جملة من تقدم و زاحم الناس شاب عظيم و فارس عنتري، وصل عند أركية و قال: أريني وجهك يا زين الملاح، إذ ما كان رآها بعد. فأخرجت رأسها من وراء ستار

____________

(4) «و لم يذل كل حرب و مقاتل».

(5) «الهوش».

(6) رئيس.

217

العطفة و قالت: أتعرف يا شاب ما هو نقدي‏ (7)؟ هو رأس ابن هدال عبد اللّه. فهز رمحه تحت العطفة و انتخى و رمى بنفسه في وسط العدو فما عاد من نزوله لأنه قتل. فكنت، أنا الفقير، قريبا منها فقلت لها: يا أركية يسلم رأسك بالرجل، فقالت: مثله كثيرون ذهبوا و ما عادوا.

____________

(7) مهري.

218

[المبارزة]

ثم و في تلك الغضون، إذ نزل إلى الميدان فارس من فرسان العدو مدرع، في رأسه خوذة من البولاذ، و أنف نازل على وجهه من البولاذ، و عكس صفائح البولاذ، و قميص زرد بولاذ و جزمة بولاذ، و الفرس مدرعة أيضا. فهذا اسمه مدرّع. و كان عندهم من هذا الشكل عشرون واحدا و كان عندنا أثنا عشر فقط. فنزل الفارس المدرع المذكور إلى الميدان و طلب الدريعي. و هذه عادة قديمة عندهم كان من ينزل الميدان يطلب الشخص الذي يريده. و على المطلوب أن ينزل و إن لم ينزل يكون ذلك عارا عظيما عليه. فحين سمع الدريعي ذلك الطلب نهض قائما حتى ينزل إلى الميدان. فما استصوبنا نزوله خوفا من خطر ما يحصل له لا سمح اللّه، فيخرب شغلنا جميعه. فقمنا كلنا ضده و منعناه عن النزول لحرب ذلك الفارس. الذي 2/ 91 يطلبه، بينما هو كان يعمل/ كل جهده ليتخلص من أيدينا و يريد أن ينزل الميدان، حتى اضطررنا أن نربطه بالحبال و ندق له سككا مثل الخيل و نقعد فوق السكك خوفا من أن يقلع السكك و يذهب. و لم يزل الفارس المدرع يصيح و يصرخ‏ (1) و يقول للدريعي: يا من عاين اليوم يومه، أود أن أراه في هذا الميدان حتى أعدمه حياته. و كلما سمع الدريعي ذلك يهيج مثل الجمال و تحمر عيناه و يشد على السكك حتى يقلعها و يروح. و نحن نعمل كل جهدنا حتى لا ندعه ينزل إذ يحصل لنا ضرر عظيم في الحاضر و المستقبل إن حدث له أمر لا سمح اللّه.

____________

(1) «يعيط».

219

و بينما نحن في اعتلاج معه نشده و يشدنا، و إذ حضر خيال من الشرارات يقال له طعيسان راكبا على فرس شقراء، ليس عليه إلا القميص، و بيده رمح فقط لا غير. فرأى الحال الذي نحن به، و الفارس لم يزل بالميدان يطلب الدريعي. و كان اشترى في ذلك اليوم الفرس التي تحته، من عرب الحديدية. و كان له امرأة اسمها شامة بنت جديد. ثم زاحمنا و دخل أمام الدريعي و قال هذا الشعر:

يومي أنا شريت جواد الحديدي‏* * * شريتها يوم صار لي بها شف‏

اشتريتها و أبغي عليها الحميدة* * * و أكف طراد الخيل من فوقها كف‏

و أطعن لعيون شامة جديدة* * * بنت الذي لا طالع الزول ما خف‏ (2)

و فرّ من بيننا إلى حومة الميدان مقابل ذلك الخيال، و ابتدأ بينهما الحرب بكل قساوة حتى تعجبت الناس. و بقينا جميعنا ننظر إليهما و هما لم يزلا مع بعضهما بالأخذ و الرد نحو ساعة من الزمان، من غير أن يرجح أحد على الآخر. ثم أخيرا تمكن خيالنا منه فضربه برمح في حلقه‏ (3)، إذ ليس في جسمه مكان خال من الدرع يتحكم به غير شي‏ء قليل عند حلقه فقط، فضربه بالرمح الأجرد و إذ لمع سنان الرمح من الجانب الثاني فقتل، إلا أنه بقي على ظهر 1/ 92 الفرس، و الرمح عالق في رقبته، فعادت به الفرس إلى بيته، و ذلك من عاداتهم‏ (4)./

فرجع طعيسان عندنا. فقام الدريعي و كل من كان حاضرا عندنا و صافحناه و حمده الناس على شجاعته و رجولته، و أهداه الدريعي فرسا و رمحا و الشيخ إبراهيم قنبازا جديدا من الحرير.

____________

(2) يقول: في هذا اليوم اشتريت جواد الحديدي إذ شغفت بها. و إني اشتريتها أريد بها الأعمال الحميدة و طرد الخيل من فوقها كما يعمل الخياط عندما يكف الثوب، و أطعن إكراما لعيون شامة بنت جديد، بنت الذي لا يخاف وقت النزال.

(3) «زلعومه».

(4) يريد أن العرب قد علّمت الخيل أن تعود إلى البيوت متى جرح الفارس أو قتل.

220

[إنكسار الجيش العثماني‏]

ثم لم تزل الحرب متصلة و الجوع يكثر، حتى ضجت الناس عندنا و عند أهالي حماة، لأن البلدة تعرت تماما من الحبوب و المآكل، حتى أن بيت الدريعي بقي يومين من غير أكل.

و في اليوم الثالث أتى من عند الملا اسماعيل دالي، باش عظيم مقيم دائما في حماة، ثلاث قفف أرز، فأمر الدريعي بطحنها جميعا دفعة واحدة حتى يأخذ كل واحد من الناس شيئا قليلا.

أما سحن ابن الدريعي فما رضي أن يأكل مع أنه كان على ظهر فرسه منذ أربع و عشرين ساعة من غير أكل و لا شرب. فبذلنا كل جهدنا حتى يأكل فلم نفز بفائدة. و أخيرا قال: اعطوني ما تريدون أن تطعموني. فأعطوه حالا من السفرة لحما و أرزا و خبزا. فخلط الجميع بعضها ببعض و وضعها في العليق و أطعم الفرس، و هو قاعد جائع، و قال: خير لي أن تكون فرسي شبعانة و أنا جائع.

و لم نزل على هذا الحال سبعة و ثلاثين نهارا، و الحرب متواصلة يوميا، فقتل من الفريقين شي‏ء كثير. ثم نهار الثامن و الثلاثين اشتد الحرب من كل الأطراف فانكسر جيش الباشا و تعطل بكامله و دخلته العربان و غنمت جميع ما فيه من الخيم و الأسلحة و الخيل. فانهزم الباشا إلى حماة، و كل العساكر التي استطاعت الركوب ركبت، إلا أن أكثرها ما لحقت خيلها.

و دخل العسكر مكسورا إلى حماة. فارتجت المدينة و خافت الأهالي عند رؤية العسكر المكسور، و فيه من القتلى و الجرحى شي‏ء لا يعد. و هرب كثير من أهالي حماة و حمص إلى‏

221

الجبال و اقترب غيرهم من ساحل البحر. و أما الدريعي فقد صعب عليه ذلك جدا 2/ 92 أولا بسبب عار الكسرة، و ثانيا لأن جيش أبو نقطة الذي كان أمام/ جيش الباشا ارتدّ علينا و كثر عدونا و زادت قوته و اشتد الحرب و زاد قساوة، و انعقد الغبار إلى الجو الأعلى و انخلط العربان بعضهم ببعض، و عقد ضرب السيف فيما بينهم حتى تصبغت الأراضي بالدماء و جرت مثل سيول المياه، و صار نهار و ملحمة ما جرى قط نظيرهما.

و أقمنا على هذا الحال ثمانية أيام بعد إنكسار الباشا و نحن ثابتون أمام العدو. و أما أهالي حماة فإنهم قطعوا مواردهم عنا، و جلسوا في البلد بكل تحفظ، و كانوا يدورون بالبلد ليلا نهارا، بينما كان أهالي القرى يواصلونهم دائما بالأخبار الرديئة عنا. و كانوا يسمعون كل يوم، مرتين أو ثلاث مرات أن الدريعي قد انكسر، و صار الخبر أيضا بدمشق و خاف أهاليها أيضا من هذا الخبر الشنيع.

222

[انتصار الدريعي على الوهابيين‏]

فبعد ذلك رأى الدريعي أن أمورنا تتأخر كل يوم و أننا صائرون عما قريب إلى العدم، فتحسن عنده رأي [به النجاة] كما سنوضحه لمسامعكم. و هو أنه جمع كامل رؤساء القبائل و عمل ديوانا عظيما و قال: أريد منكم أن تفعلوا ما أقوله، و أنا نهار غد، إن أراد اللّه و إن ما أراد (1)، أكسر الوهابيين. فضحك أناس و قال غيرهم: كفرت يا دريعي، قل ما هو المتحسن عندك. قال: أريد منكم في هذه الليلة أن ترحّلوا كامل بيوتكم و نسائكم و أولادكم و حوائجكم غربي العاصي من غير أن يبقى بيت واحد، إنما يفضل هنا جميعكم: الرجال و الخيل و الركب و الزلم‏ (2)، لا غير، و لكن بدون ضوضاء و لا ضجة و لا تدعوا العدو يعرف ذلك، أريد أن نهار غد، قبل طلوع الشمس، أن لا أرى بيتا منصوبا في هذا النزل بشكل من الأشكال. فحالا انفرط الديوان و كل من راح و نبّه عربه بالرحيل. و في الليل، من غير غوغاء رحل جميع عرباننا و قطعوا غربي عاصي حماة و لم يبق بيت و لا ولد و لا امرأة إلا فقط رجال 1/ 93 و فرسان. فقسمهم الدريعي أربعة أقسام، و رتبهم من أربعة أطراف/ جيش الوهابي، و أمر الأقسام الأربعة أن يهجموا هجمة واحدة. فدخلوا في الجيش الوهابي و ابتدأ ضرب السيف‏

____________

(1) «و إنما راد».

(2) الزلم، جمع زلمة، أي الرجال. و هذا التكرار يفيد أن الصائغ يعني أولا أصحاب الخيل، ثم أصحاب الأبل و المشاة.

223

و انعقد دخان البارود و انكسر الوهابيون و فروا هاربين و إلى النجاة طالبين و أبقوا جميع أرزاقهم و بيوتهم منصوبة. و أما الدريعي فكان أمر أن لا يأخذ أحد شيئا من الكسب كي لا يلتهوا عن العدو بل يطلبونه و يسعون في أثره، و ظلوا وراءه حتى قطع تدمر و ارتد على أعقابه، فغنموا جميع أرزاقه و بيوته و جماله.

و أما الشيخ إبراهيم و أنا، فبعد أن انكسر جيش الوهابي و ركض عربنا وراءه نزلنا إلى حماة و تكلمنا بالذي جرى فما كان يصدق أحد بذلك حتى الباشا نفسه. و خرج الناس إلى الأماكن المرتفعة، فكنا نرى البرية كمثل الضبان‏ (3) الأحمر و هو من الرمل و الغبار المتصاعد من أقدام الخيل، و ظل الحمار ظاهرا بالجو بعد ثماني ساعات. و مع ذلك ما يصدق أحد أن الدريعي كسر الوهابي حتى أتت أناس من القرى و شهدت بذلك و نحن أكدناه لهم. فصار الفرح عندهم و أرسل الباشا حالا تانار (4) يبشر والي الشام. و صارت الناس تدعو للدريعي بالنصر، و امتلأ العالم من البهجة و السرور (5).

و أما الدريعي و عربنا فقد كفوا عن الوهابيين، و عدوا على أرزاقهم و بيوتهم، و غنموا شيئا لا يوصف من أموال و جمال و بيوت و حوائج و أمتعة. و نزل الدريعي و أولاده و كثيرون من كبار العشائر، فخرج المتسلم و الكيخيا و كل الضباط و كبار حماة لاستقباله و أدخلوه البلد بزفة عظيمة و عراضة (6)، و الناس من نساء و رجال تدعو له و تحمد فعله. ثم إن الباشا عمل له غاية الإكرام و الواجب، و أهداه تحفا و ذخائر. و كذلك وزير الشام أرسل إليه بولردي يحمده و يشكره على فعله، و أرسل إليه أيضا بسيف عظيم، و فروة سمور، و خمسين كيسا، و أربعين 2/ 93 حملا من القمح./ و شاع خبر ذلك في جميع بلاد العرب‏ (7)، عند الخاص و العام.

____________

(3) ضبان ج ضب و قد سبق تفسيره (انظر صفحة 213 حاشية 18).

(4) كذا.

(5) يظهر من سياق الحديث أن موقعة حماة بين الدريعي و الوهابيين كانت خلال صيف سنة 1813. و لكن هل جرت هذه المعركة حقا أم أنها من نسج الخيال؟ إننا نميل إلى تصديق الصائغ و إن كان بالغ جدا في عدد المتحاربين. و قد ذكر هذه الموقعة أوغست دي نرسيا في كتيب طبع سنة 1818، إلا أنها حدثت، على ما يقول، سنة 1812.

(6) مظاهرة شعبية للسرور و الابتهاج.

(7) «في كامل بلاد عرابيا»، كذا. فهل يريد الصائغ جميع البلاد العربية أو جميع بلاد الجزيرة العربية؟.

224

[الحلف الأكبر]

ثم بعد ذلك كان مضى فصل الصيف، و قربت أيام التوجه إلى نواحي المشرق.

فأخذنا جميع لوازمنا من حماة و خرجنا نحن و الدريعي و كامل كبار قبائلنا من حماة بكل عز و إكرام و اجتمعنا مع عربنا و قصدنا التشريق على حسب العادة، و لكننا دائما كنا لا نتخلى عن عشر (1) قبائل تكون معنا، خوفا من رجوع الوهابيين علينا، لأن هذا الأمر مشهور، و يقال أن العرب لها ردّات. فرحنا و نزلنا في محل يقال له تل الذهب بالقرب من طبراق حلب. فهناك كانت نازلة عدة قبائل، البعض منها كانت معنا و قبلت شروطنا و وضعت أختامها بالورقة. و هم أربعة مشايخ: فراس‏ (2) ابن عجيب، شيخ قبيلة البشاكنة، عشيرته تحتوي على خمس مئة بيت، و أيضا قاسم الوكبان، شيخ قبيلة الشمسي، عشيرته تحتوي على ألف بيت، كذلك سلامة النعسان، شيخ قبيلة الفواعرة، عشيرته تحتوي على ست مئة بيت، و أيضا مهنا الصانع، شيخ قبيلة الصّلبة، عشيرته تحتوي على ثمان مئة بيت.

ثم رحلنا و توجهنا رويدا رويدا إلى الزور، و هناك توجهنا مع حبيبنا الأمير فحل الخليل شيخ قبيلة بني سعيد و هي تحتوي على اثني عشر ألف بيت. فحصل لنا غاية الإكرام‏

____________

(1) «لا نتخلا من عشرة قبايل معنا»: المعنى غير واضح، فهل يريد المؤلف معاشرة القبائل و صحبتها أو يريد عددا من القبائل، و في هذه الحالة يقتضي تذكير العدد، بموجب قواعد النحو.

(2) في مكان آخر: فارس.

225

و الهدايا، و قطعنا الفرات من عنده و دخلنا الجزيرة نحن و جملة قبائل. و توجهت غير قبائل من المتحدة من قبلي نهر الفرات قاصدة الحماد و برية (3) البصرة. و بعد قليل من الأيام وصلنا مكتوب للدريعي من الأمير فارس الجربا، لأن المذكور لم يقطع الجزيرة معنا و لكنه ذهب مع جملة قبائل من أحبابنا على طريق الحماد. و مضمون الكتاب:

1/ 94 نخبركم أن عدة قبائل من/ ربع الوهابي قد انفصلوا عنه‏ (4) بعد أن فروّا عند حماة، لا يلوون على أمر (5)، و هم الآن نازلون بالعباسية بالقرب من مسجد علي. و هي القبائل التالية: الفدعان، السّبعة، الفكاكا، و المساعيد (6)، و السّلقا (7) و بني وهب: ست قبائل كبيرة، و قد بلغني أن لهم فكرا بالصلح و الاتحاد معكم، لأنهم كرهوا أحوال الوهابي و خصوصا بعد الذي جرى عليهم في هذه الأثناء أمام حماة، فقطعوا أملهم من الوهابي، و الآن قد لانت أنفسهم إلى الصلح معكم، فإن تحسن عندكم أن ترسلوا إلي عبد اللّه الخطيب، و ترسلوا معه بورقة الشروط و أنا أتوجه بنفسي‏ (8) معه إلى عندهم، و إن شاء اللّه يأخذهم إلى طرفنا و يتم الصلح معهم، و بذلك نزداد قوة جدا و نضعف عدونا. و لا تفكروا بأي خطر يقع لعبد اللّه، نحن نكفله مالا، و دمنا دمه، [و نكفل‏] كل ما يجري عليه من الأمور المخالفة.

فاعتمد رأينا على ذلك، لأنها فرحة عظيمة و عشائر مشهورة لا تقع بيدنا في كل وقت. فدبرت أحوالي و أخذت ورقة الشروط معي و توكلت على اللّه تعالى و توجهت. و كان بصحبتي خادم بدوي، و الشخص الذي أتى بالمكتوب للدريعي رجع معنا. و بعد ستة أيام وصلنا عند فارس، و كان نازلا على القبيسة، فرحب بنا، و عمل لنا غاية الإكرام، و تكلمنا بخصوص الصلح مع الفدعان و بقية القبائل. و في اليوم الثاني أمر بالرحيل لنكون قريبين منها.

و لم نزل نرحل حتى لم يبق بيننا و بينها إلا مرحلة فقط. فكتب الأمير فارس مكتوبا إلى ضويحي ابن اغبين أمير الفدعان، لأنه هو الأكبر بين القبائل المتقدم ذكرها، و بينه و بين فارس قرابة

____________

(3) «جول».

(4) «قد فسخوا».

(5) «بعد هجيجهم من على حماة».

(6) المساعدة؟

(7) «السلقة»: من العمارات، من عنزة.

(8) «بالأجر»، يريد بالرجل.

226

من طرف النساء. و مضمون الكتاب أنه يشور عليه بالصلح مع الدريعي و ينصحه بترك العناد و العداوة و يتعهد له من طرف الدريعي، بالصفح عن جميع ما مضى، و عرّفه: «أن 2/ 94 عبد اللّه الخطيب قد حضر عندي/ لأجل غير أشغال، و لكن بما أنه عندي صدفة، فمن المستحسن أن نكسب الفرصة و نجري الصلح على يده، و الصلح أوفق لك و لعربانك».

و أرسلنا بالمكتوب حالا.

و عشية اليوم الثاني إذ أقبل ضويحي و بصحبته بعض الخيالة من أقربائه. فاستقبلناهم بكل إكرام و أخذنا نتكلم بالصلح. فكان جواب ضويحي أنا قابل الصلح، و أعطي كلاما به عن عشيرتي، و لكني لا أستطيع أن أعطي كلاما عن غير عشائر، إذ لا يخفى عليكم أحوال العرب و حريتهم، كل واحد يقود قبيلته. و الرأي عندي أن تتفضلوا عندي نهار غد، و نجمع كافة كبار قبائلنا و نتكلم معهم بما يجب، و إن شاء اللّه تعالى يتم الصلح. فاعتمدنا على هذا الرأي.

و ركبنا صباح اليوم التالي و سرنا مع ضويحي إلى بيته. فوصلنا إلى نزلهم و كان المنظر يؤلم القلب، و ذلك لأن جميع العربان بالشمس، من غير بيوت و لا جمال و لا حوائج، رؤية شنيعة جدا: فراشهم الأرض و غطاؤهم السماء، و في النهار يحترقون بالشمس، و منهم نحو عشرين رجلا، وضعوا مشلحا على العصا، و أدخلوا رؤوسهم فقط في ظله من حرارة الشمس.

و النساء و الأولاد و كثير من الرجال و من الأكابر مرتمون بالشمس مثل الحجار، حتى أن ما كان عندهم شي‏ء يأكلونه و لا يتقوتون به. و كانوا نحو ثلاثين ألف نسمة. فالنتيجة أن قلبي تألم عليهم و كنت مقهورا جدا.

و في اليوم الثاني أرسل ضويحي يدعو كامل كبار القبائل عنده، فحضر الجميع و صار مجلس عظيم يضم نحو خمس مئة نفر من رجال طاعنين بالسن و مشايخ و أمراء و مشيرين، أشكال و أشكال. و كل من يبدي رأيا. فالبعض يريدون الصلح و البعض يريدون أن يتوجهوا إلى نجد، و البعض يريدون الذهاب إلى جبال شمّر. و كل واحد في هواه يخالف الآخر. فرأيت من الأنسب أن أتكلم معهم بالمليح و الكلام اللين عساني أستطيع أن أجذبهم جميعا إلى طرفنا (9). فابتدأت و قلت: اعلموا يا معاشر الناس أنكم الآن، كما هو معلوم، قد خرجتم من 1/ 95 حزب الوهابي، و لا بد أن يكون خاطره قد تغلظ لكم، إذ لم تذهبوا مع جيشه برفقة صاري/

____________

(9) «حوفنا».

227

عسكره الأمير عبد اللّه الهدال، لأنكم انفصلتم عن المذكور و تركتوه يذهب وحده. فهذا لا بدّ له أن يشي بكم إلى ابن سعود، و يبتدئ معكم بالمكايد و القصاص، و خصوصا أنكم تريدون التوجه إلى نجد و جبال شمر، و هي تحت حكمه و بقبضة يده، فيخشى عليكم من بغيه و ظلمه المشهور، فيستعبدكم و يفعل بكم ما يشاء، حسب عادته مع الذين هو راض عنهم، و لكن كيف تكون حالكم أنتم الذين خرجتم الآن من رضاه‏ (10) و عاديتم‏ (11) كيخياته عبد اللّه، فعلى أي شكل يريد أن يقاصصكم؟ و لكن أنتم مثل الطير الذي فرّ من فخ الصياد، و لكن بسبب عدم معرفته و تمييزه عاد و رمى نفسه بالفخ ثانية، و وقع بالمهالك. فارفضوا هذا الرأي الفاسد من عقولكم و اعلموا أن نهر الفرات في مبتدأه نبع صغير، و أثناء جريانه تصب فيه غير أعين، فيزداد و يكثر و لا يزال يكبر و يزداد عرضه و يقوى حتى صار بحرا طاميا يجري بكل قوة و عزم و لا يستطيع أحد أن يمنعه عن مسيره، حتى و لا جميع ملوك الأرض. فأنتم أيضا إذا اتحدتم مع بعضكم تصيرون كنهر الفرات الطامي الغدار. و أيضا تشبيه آخر يا إخواننا، اصبروا حتى أريكم شيئا بعيونكم. ثم نهضت من الجمع و ابتدأت أجمع العصي التي بأيدي الناس، حتى جمعت نحو ثلاثين أو أربعين عصا. فأعطيت إلى أحد الشباب كان قريبا مني واحدة و قلت له: اكسرها فكسرها، ثم أعطيته اثنتين فكسرهما، ثم ثلاثا فكسرها أيضا، ثم حزمت الجميع و أعطيته و قلت له: اكسر هذه، قال: هذا شي‏ء لا يمكن. فقلت له: أنت مالك قوة فاعط إلى غيرك. فأعطى إلى الذي جانبه حتى دارت العصي على كل واحد. ثم قالوا: هذا شي‏ء غير ممكن، لا يستطيع أحد أن يكسرها. فقلت لهم: و أنتم كذلك، إن كنتم قبيلة أو ثلاثا أو خمسا تنكسروا. و لكن إذا كنتم مجتمعين مثل هذه الحزمة و مرتبطين بحبل الشروط لا يستطيع أحد أن يسطوا عليكم أو يقهركم أو يستعبدكم، بل أنتم تقهرون الجميع و تسودون على الدنيا كافة. و إذا شدوا قلوبكم، و قوّا عزائمكم، و ارفضوا العبودية، و اقبلوا 2/ 95 الحرية، و التحموا مع إخوانكم أصحاب الخير،/ (12) بموجب هذه الشروط. و أخرجت صورة الشروط و قرأتها عليهم، و عند نهايتها قلت: اعلموا يا إخواننا، من بعد جميع ما قلته لكم، إني لا أريد إلا صلاحكم، بل إني أتعهد لكم أيضا برد جميع ما أخذه منكم الدريعي عند حماة

____________

(10) «خاطره».

(11) «و ضشمنتوا».

(12) ابتداء الكراس رقم 12.

228

من بيوت و سائمة (13) و غير ذلك، فكونوا مطمئني القلب و الخاطر و اصرخوا: نحن قابلون، إننا مع المتحدين على الخير و الشر حتى الموت. فقامت ضجة عظيمة و صيحة هائلة من فم واحد: نحن مع المتحدين و قابلون بهذه الشروط على الخير و الشر حتى الموت.

فللوقت صافحنا بعضنا بعضا جميعنا، و حصل الفرح و السرور لكامل الناس، و صرت عندهم بأعلى منزلة. و لكن النهار كان متعبا جدا لي إلى درجة لا توصف. ثم اعتمد رأينا و تواعدنا على أن يرحلوا و ينزلوا إلى الحلة، و أنا أعود حالا عند الدريعي و آتي به إلى الحلة أيضا لأنها مقطع جيد، كي يستلموا بيوتهم و جمالهم، و يتصالحوا مع الدريعي، و يضعوا ختومهم بورقة الشروط. فتم الرأي على ذلك. و في اليوم التالي من الصبح ركبت و توجهت عند الدريعي، و قطعت الفرات من الحلة، و بعد خمسة أيام وصلت عنده. و كان بالهم مشغولا جدا بسببي، فحكيت لهم جميع ما جرى، فسرّوا جدا و حمدوني على ذلك. و بالحال أمر الدريعي بالرحيل و التقدم إلى حلة. و بعد قليل من الأيام نزلنا نواحي الحلة. و حين رأونا (14) قطعوا نهر الفرات. و حضر عندنا كل كبار قبائلهم مع فارس الجربا. فنهضنا للقائهم و استقبلناهم بكل إكرام و عز، و اجتمعوا كلهم مع كبار قبائلنا في بيت الدريعي.

و كان مجلسا عظيما. فابتدأ بعض الحاضرين يتكلم و يعتب عما مضى. فقال ضويحي: يا جماعتنا، العتاب للنساء ليس للرجال. ثم نهض‏ (15) قائما و أخذ سبع حصوات و طمرها في الأرض، و فعل كما ذكرنا سابقا عن عاداتهم، حين تصالح مهنا مع الدريعي و طمر الحصوات. فصار الفرح و أيقنوا بالصلح الأكيد لأنهم متى طمروا الحصوات كان صلح 1/ 96 حقيقي من غير/ انتقاض قطعا.

ثم حضر الطعام فتغدينا و تحالفنا على الخبز و الملح. و بعد الغداء صارت خلوة خارج البيت مع رؤساء قبائلهم و قبائلنا، و قرأنا لهم ورقة الشروط الأصلية مرة ثانية، فقبلوا بها و ازدادوا رغبة حين رأو العدد الكبير من الختوم الموضوعة بها فضربوا جميعهم ختومهم و أسماءهم بها.

و هم ضويحي ابن اغبين أمير قبيلة الفدعان، عشيرته تحوي على خمسة آلاف بيت، جميعهم فرسان مجربون بالحرب و القتال و مشهورون. و أيضا علي ابن حريميس، شيخ قبيلة

____________

(13) «و سيحة»، (؟) كذا.

(14) أي ضويحي و القبائل التي معه.

(15) «فزّ».

229

السلقا (16)، عشيرته تحتوي على ثلاثة آلاف بيت، و أيضا نعيمان ابن فهد، شيخ قبيلة المساعيد، عشيرتة تحتوي على ثلاثة آلاف و خمس مئة بيت، و أيضا امعضي ابن عيده، أمير السبعة، عشيرته تحتوي على أربعة آلاف بيت، و أيضا شطي ابن عرب، أمير قبيلة بني وهب‏ (17)، عشيرته تحتوي على خمسة آلاف بيت، و أيضا اشتيوى‏ (18) ابن طيار، شيخ قبيلة الفكاكا، عشيرته تحتوي على ألف و خمس مئة بيت.

ثم بعد ذلك قال لهم الدريعي ابشروا يا أحبابنا، إن جميع ما راح لكم من بيوت و سائمة و غير و غير تفضلوا استلموها، لأن عبد اللّه الخطيب تعهد لكم بردها، و قوله من قولنا و قولنا من قوله. فجميع ما تعرفونه أنه حقيقة لكم خذوه من غير ممانعة. فشكروا فضله و استكثروا بخيره‏ (19). و بالحال ابتدأ عربانهم يجتازون إلى الجزيرة من مقطع الحلة، لأن هناك أشياء كثيرة مخلوطة في بعضها لا يمكن للرجال أن تفرق بينها، بل يجب حضور النساء حتى تعرف كل واحدة منهن بيتها و حوائجها و جمالها. فالنتيجة حضر الجميع و أخذوا يستلموا ما هو لهم. و كثرت العربان في الحلة حتى اضطر سكان الحلة أن يهربوا من كثرة العربان و ضجيجهم. فأقمنا خمسة أيام في تعب عظيم حتى عرف كل واحد رزقه و أخذ ماله، و انفصلوا عن بعضهم بعد غوشة و عياط و ضجيج و قتال صغار العربان مع بعضهم، بسبب 2/ 96 اختلاط الجمال و الغنم بعضها ببعض. و على كل جمل/ و غنمة كان يقع العياط.

و النتيجة أنه حصل لنا تعب كبير بسبب هذه الشعوب، و هي تقدّر، ما بين عربنا و عربهم، بنحو مئتي ألف نسمة من رجال و نساء و أولاد. أما الجمال و الأغنام فلا يعرف عددها سوى ربنا. و هي مختلطة بعضها ببعض. و الشي‏ء الذي سهّل الأمور نوعا ما، أن لكل قبيلة وسما أي علامة (20)، يكون بالنار على أفخاذ الجمال: لكل قبيلة علامة عامة تسمى وسم العشيرة، و إلى جانب وسم العشيرة العام وسم ثان خاص بصاحب الجمال. و لكن من كثرة هذه الوسوم تتقارب العلامات و تشبه بعضها بعضا، فيحدث القتال لأجل ذلك.

____________

(16) «السلكة»، من عنزة.

(17) بني وهب: من ضنا مسلم، فرع من عنزة.

(18) اشتيوي أم أسطوي؟.

(19) أي قالوا له: «اللّه يكثر خيرك».

(20) «نيشان».

230

[من حوادث البادية]

و مختصر الكلام أنه حصل تعب لا يوصف بشفة و لا لسان، حتى استطعنا أن نوفق بينهم و بقوا جميعهم معنا بالجزيرة ثم توجهنا جملة. و كان بالجزيرة غير قبائل أيضا، و أتت أيضا عدة قبائل من نواحي نجد، حتى تغطى وجه الأرض بالعربان و ضاقت الطرق و المسالك بهم.

و بوقته كان قفل قادما من بغداد إلى الشام، فغارت الفدعان و السبعة عليه و نهبوا جميع ما فيه، و شلّحوا الناس الذين فيه، و كسبوا أموالا لا توصف. و كان محملا من قماش الهند و قهوة و نيل و قرفة و قرنفل و شال و سجادات‏ (1) و بياض بغدادي و جانب من المعادن و شال كشمير و غير ذلك، النتيجة بألوف الأكياس. فنهبوا الجميع و غنموه. فشاع خبر ذلك فصارت تحضر الناس من أهالي القرى و القبيسة و أهل شتاته (؟) و غيرهم، حتى من جهة الموصل، و اشتروا من الأرزاق. فكان يباع شال الكشمير الذي يسوى ألفي غرش بمشلح أسود، و ثوب البياض الهندي الذي يسوى مئة غرش يباع بجزمة صفراء. و القرنفل و القهوة بالكيل، كل كيل من القهوة أو القرنفل بكيل تمر. و باع واحد من البدو صندوق نيل بقنباز خام، و باع آخر فردة محزوم بياض هندي بخمسين غرشا، و بدوي آخر باع قرفة و فردة بياض هندي و نصف 1/ 97 صندوق نيل و ساعة إنكليزية/ إلى واحد موصلي، كل ذلك بمشلح و جزمة و قميص قز و رطلين توتون و لبادة فرس. فبلغ ثمن جميع ما أعطي نحو مئة غرش، و أخذ أشياء بعشرين ألف غرش.

و قس على هذا النحو جميع ما باعوا من الأرزاق. و أما القرفة السيلانية من الصنف العالي فما

____________

(1) «سداجات».

231

صار لها راغب يشتريها، فكنت ترى منها حزما حزما بين أرجل الخيل و الجمال. و كذلك بلغنا عن واحد بدوي باع خاتم الماس كبيرا عظيما برطل توتون. فالغاية أن الذين اشتروا غنموا، و أما نحن فلم نتدنس بشي‏ء كليا لأن الشيخ إبراهيم ما رضي بذلك.

أما بخصوص القبائل التي ذكرنا أنها أتت من نجد إلى الجزيرة فهي القبائل الخمس التالية: الحماميد (2) و الضّفير و العجاجرة و الخزاعل و بني طي. و سبب حضورها هو أن الأمير بني طي بنتا جميلة جدا اسمها قمر. فعشقها شاب ابن أمير من عرب نجد و هي عشقته بالأكثر. و هذا الشاب نسيب الوهابي من طرف الحريم. فاشتد عشقهما الواحد للآخر حتى انكشفت حكايتهما. فمنعها أبوها عنه و نبهه بعدم الحضور عندهم. فصار المنع من الطرفين و اشتدت المحبة أكثر كما هو معلوم. و كان لها ابن عم يريد أن يتزوجها، و هي لا تحبه بل تريد ذلك الشاب الذي تحبه، و كان اسمه فهراب. فالمذكور من شدة حبه، حسن لديه أن يخطفها ليلا و ارتبط معها بوساطة امرأة عجوز، و هي رغبة في ذلك و أخذت تنتظره. و أما ابن عمها فمن غيرته و محبته لها كان دائما يراقبها ليلا نهارا، حاسبا هذا الحساب، حتى أنه في الليل أيضا كان دائما راكبا فرسه و دائرا بالنزل، مفكرا باللذي هما مفكرين به. و أما الشاب فهراب 2/ 97 فإنه تزيا بزي فقير و دخل النزل نهارا، و راح إلى بيت قمر، و عرّفها بحاله و اتفق/ معها. و لما انتصف الليل خرجت من البيت و هو كان يترقبها. فسرقت فرس أبيها و ركباها و طلبا الفرار.

فبعد خروجهما بقليل من النزل، بمقدار ساعة، تصادفا مع ابن عمها عرضا، فعرفهما و صار الطلب. و لم يزلا راكضين و ابن العم وراءهما، نحو ست ساعات، ركضة واحدة.

و أخيرا وقعت الحرب بين الرجلين بشدة عظيمة حتى هلكا من التعب و هي واقفة تنظر إليهما. ثم غلب فهراب و وقع من على ظهر الفرس مجروحا على الأرض. فنزل تامر هذا اسم ابن عم البنت، حالا و ذبح فهراب و أخذ يعاتب قمر بالكلام اللين جدا لأنه كان يحبها كثيرا، ثم سار إلى أن قربا من النزل. فنزل تامر كي يستريح إذ كان تعبا و نعسان جدا، فغفل و استسلم للنوم. فقامت قمر و قطعت رأس تامر ابن عمها و أخذت حربة رمحه و ضربت بها قلبها و ماتت هي أيضا، إذ وجد الناس، فيما بعد، فهراب بعيدا عنهما نحو خمس ساعات، و وجدوا تامر مقطوع الرأس و قمر و الحربة لا تزال مغروزة في صدرها، ففهموا أن قمر قطعت رأس تامر من حبها لفهراب و أخيرا قتلت نفسها بيدها.

____________

(2) الحمايدة.

232

فبسبب قتل فهراب تحركت عدة قبائل ضد بني طي، و الوهّابي نفسه تصدى لهم، و كثرت الأعداء و تواصلت الحروب و سفكت دماء كثيرة، و ابتدأ الوهابي بالكيد لهم و الغارات عليهم و على من يلوذ بهم من القبائل، و حصل لهم ضيق‏ (3) شديد و تعب كثير و حروب، حتى اضطروا أن يهربوا و يأتوا عند الدريعي كي يحموا حالهم من نار الوهابي، لأنهم كانوا سمعوا بالنظام الجديد و بأحوال الدريعي. فحالا جمعناهم و قرأنا عليهم ورقة الشروط فقبلوا بها و رضوا، و وضعوا ختومهم و أسماءهم بكل قبول و رضى. و هم شطي ابن فارس، شيخ قبيلة الحماييد (4)، عشيرته تحتوي على ألف و خمس مئة بيت، عوض ابن مطلق، أمير قبيلة 1/ 98 الضفير، عشيرته تحتوي على ألفين و ثلاث مئة بيت، و أيضا سلامة ابن براق شيخ قبيلة/ العجاجرة، عشيرته تحتوي على ثمان مئة بيت و أيضا خنكار العليمي، أمير قبيلة الخزاعل‏ (5)، قبيلته تحتوي على ثلاثة آلاف بيت، و أيضا الحميدي ابن تامر، أمير قبيلة بني طي، عشيرته تحتوي على أربعة آلاف بيت.

و من بعد هذا رحلنا، و ابتدأ التقدم إلى نواحي المشرق بكل قوة، إذ صار حزبنا كبيرا و ازداد جدا، و تحققنا عندئذ بنجاح أمورنا و إتمام مقاصدنا. ثم قبل وصولنا قريبا من بغداد ضرب العرب قافلة آتية من حلب إلى بغداد، جميعها من أموال حلب و أموال بلاد الإفرنج، من جوخ و طربوش و دوده و مرجان و كهربا و خرز و غير و غير. كذلك باعوها للمشترين بأرخص ثمن، كما باعوا أرزاق القافلة التي نهبوها سابقا. فبسبب نهب هاتين القافلتين قد تحرك وزير بغداد في طلب الأرزاق من العرب، و أرسل بولردي إلى ضويحي، شيخ مشايخ فدعان يطلب الأرزاق منه لأن المذكور و عشائره هم الذين ضربوا القافلتين. فحضر المذكور عندنا و استشار الدريعي بذلك، فكان جواب المذكور: لا تخف و أجب الوزير بكل شجاعة و قساوة. ففعل ذلك و أرسل الجواب. فتغير خاطر الوزير و أراد أن يجهز عساكره على العربان فمنعه المدبّرون، و أعلموه أن الدريعي تصالح‏ (6) مع ضويحي، و هو الآن موجود بالقرب من بغداد، و بصحبته عربان لا تعد و لا تحصى تضيق بها الأرض لكثرتها و يخشى منها على العسكر الذي سيطلع.

فمن هذا الخبر ارتجّ قلب الوزير و ما حرّك بعد ذلك ساكنا.

____________

(3) «ديق».

(4) و يكتب الصايغ أيضا: الحماميد و يريد الحمايدة.

(5) «الخذاعل».

(6) «طيّب على ضويحي»، طيّب على الفلان، بالاصطلاح البدوي، معناه تصالح معه.

233

[مع عرب العجم و الهند]

أما نحن فلم نزل سائرين و قطعنا الدجلة من مقطع يقال له أبو علي و دخلنا طبراق العجم. و كان معنا نحن عشرين قبيلة من العرب. و لم يزل يزداد عدد القبائل، إذ صارت المسألة غيرة بين العربان و أصبحوا يأتون و يطلبون الاتفاق معنا من غير أن ندعوهم. و لم نزل 2/ 98 بالتقدم في تخوم العجم حتى بلغنا/ أرضا يقال لها التعلبية، واسعة عظيمة من طبراق العجم، فنزلنا بها. و هنا حضر صاحبنا صقر ابن حامد، شيخ قبيلة المضيّان الذي كنا ذكرناه سابقا. فهذا [الأمير] لم يغرّب، كما قلناه، خلال كل هذا الوقت، إذ رأى من الأفضل، حين افتراقة عنا، أن يتقدم إلى أواخر طبراق العجم و يصل عند الأمير الأعظم سعد البخاري، رئيس قبائل عرب الهند، الذي يقيم دائما في أواخر طبراق العجم على حدود الهند الشرقي‏ (1)، و تسمى بين القبائل عرب الهند. فهذا الأمير الأعظم من طائفة قديمة جدا، و قد أعلمنا العرب أنه إلى الآن يوجد في بلاد الأندلس (يعني اسبانيا) عرب بالبر يسمون عرب البخاري، من سلالة (2) هذا الأمير، و ذلك من الزمن الذي أخذ ملوك بني العباس بلاد اسبانيا. و على قولهم لم يزل إلى يومنا هذا موجود من سلالتهم في برية اسبانيا.

و أعلمنا [الشيخ صقر] أنه وصل إلى عنده و أفهمه المادة سرا لذاته فقط، و ربط معه‏

____________

(1) كذا، و من الواضح أن الصواب: الغربي.

(2) «سليلة».

234

رابطة متينة جدا و أثار محبة بينه و بين الدريعي عن بعد، و بقي سعد باشتياق لرؤية الدريعي و انتظار قدومه عنده. فسررنا (3) جدا من هذا الخبر، إذ كنا نفكر جدا بهذا الأمر و مهتمين به، لعدم معرفتنا إذا كان سعد و قبائله سينجذب إلى طرفنا، فليس هناك معرفة سابقة بينه و بين الدريعي، و لا حدثت مكاتبة بينهما قط. و كان الناس يقولون عن سعد و تلك العربان أنهم جماعة غليظو العقل و الفهم، سمجو الأطباع، و كانت هذه الفكرة تقلقنا جدا، لأننا إذا لم نستطع أن نجذبهم إلى طرفنا و نضمهم إلى اتحادنا يحصل لنا تعب، و يصبح الدخول إلى أرضهم عسيرا جدا علينا، و يحيجنا (4) إلى حروب و مخاصمات و أمور كثيرة. و لكن شكرنا الباري تعالى على هذا التوفيق الرباني، و تسهيله الأمور معنا من كل الأطراف، إذ قد هانت المادة جدا باكتساب محبة عرب الهند و صحبتهم. فتحسن الرأي عندنا و عند بعض كبار القبائل أن نتقدم بعض المرحلات‏ (5) إلى المشرق، و نرسل إليه بمكتوب مع هجانة، و نرى جوابه و على أي 1/ 99 معنى ستكون مكاتبته معنا. فاعتمدنا على هذا الرأي، و ثاني يوم رحلنا بكامل/ عرباننا و تقدمنا و نزلنا بأرض يقال لها منزلة صالح، بها الماء و المرعى متوفران جدا. فأقمنا بها ثلاثة أيام و رحلنا و نزلنا منزلة يقال لها ريخ‏ (6)، ليس بها ماء جارية بل في حفر. فحفر العرب حفائر بالأرض نحو ذراعين فقط فخرجت ماء عظيمة حلوة باردة. فكل سبعة أو ثمانية بيوت عملوا لهم حفيرة يستقون منها. فأقمنا أربعة أيام و رحلنا و نزلنا بأرض يقال لها المعدنية بها مجاري ماء وافرة. و لكن بعد هذه المنزلة، مدة ثلاثة أيام، لا يوجد ماء إلى رام صالح. فبعد أن أقمنا خمسة أيام في المعدنية نبّه الدريعي أن يأخذوا معهم فائضا (7) من الماء، فملأت جميع العربان رواياها و قربها و أجوادها (8) و رحلنا. فأول يوم سرنا إلى المساء و نزلنا بأرض يقال لها الخربة، من غير نصب بيوت، لأن مرادنا أن نبكّر و نرحل بسبب عدم وجود الماء. و كان بتلك الأرض شكل حيوان صغير بقدر الطبوع أو أكبر قليلا و لكن يدخل بالأذنين‏ (9) و إذا دخل في أذن‏ (9) أحد و لم‏

____________

(3) «فانبسطنا».

(4) «يتكلف».

(5) «كم مرحلة».

(6) ريخ: موضع بخراسان (معجم البلدان).

(7) «أفاذة ماء».

(8) جود تجمع على أجودة.

(9) «دان» و المثنى «دانين».

235

يخرجه‏ (10) فإنه يتسع، و إن أقام أربعا و عشرين ساعة يسد الأذن و يطرش الإنسان. فالعربان كانوا يعرفون ذلك الحيوان فنبهوا كل من ينام أن يسد أذنيه. و لكن الشيخ إبراهيم استهتر بذلك و لم يصدق. فدخلت واحدة من [تلك الحشرات‏] في أذنه و أحس بها، فحصل تعب عظيم حتى أخرجناها بالملاقيط و () (11)، حتى خرج الدم من أذنه و تعذب كثيرا إلى أن طلعت.

فثاني يوم رحلنا حالا إلى المساء و نزلنا أيضا من غير نصب بيوت لأن الماء أوشكت أن تخلص، و عند الصباح لم يبق عندنا ماء كليا. و في اليوم التالي كان رأي الدريعي أن ينبه على العربان أن يرسل كل بيت جملا و راويتين يملأهما ماء، من مكان بعيد عنا ست ساعات إلى ناحية الشمال، يقال له- (12)، به جباب ماء. فقال الشيخ ابراهيم أن رأيه، قبل أن يذهب الناس لأجل جلب الماء، أن يحفروا هنا لعل تخرج المياه. فما قنع أحد بذلك.

أما الشيخ إبراهيم فإنه بنى استناده [على المشاهدة]، إذ تبين له أن كل أرض التي يكون فيها 2/ 99 عشب أخضر، أو فيها عشب كوم متجمعة صغار من عشب يقال له الرّوثة (13)،/ يطلع بها ماء، لأنه تأكد ذلك من الأماكن التي حفروا بها حفرا و خرج الماء منها مثل منزلة ريخ التي ذكرناها سابقا، قبل منزلة الخربة، لأن عشبها كان مثل عشب تلك الأرض‏ (14) و شكل التراب واحد. ثم قال الدريعي: جربوا، لعل في الشيخ إبراهيم روح نبوة، لأن العرب ما كانت قط جربت هذا المحل، فحفروا و بالأمر الذي يريده اللّه طلعت الماء. ففرح العربان و شكروا للشيخ إبراهيم فضله و فطنته و عقله. و أقمنا بذلك المحل ثلاثة أيام. و لم نزل نرحل و ننزل و نمرّ بأراض متعددة الأشكال من صحراء و وعر و جبال و سهل ... (15) حتى قطعنا بلاد كرمان و وصلنا إلى نهر خرسان، و هو نهر عظيم غدار كبير، بمقدار نصف الفرات. إلا أننا أرجعنا كثيرا من القبائل إلى الوراء لأن لا لزوم لحضورها معنا، فنحن مرادنا التقرب لأجل المكاتبة، و إذا أمكن المقابلة، مع الأمير سعد البخاري. و لم نزل نرحل و ننزل و نواجه أثناء سيرنا قبائل عرب التي تقيم دائما في طبراق عجم استان، و تحت تدبير الأمير سعد و أوامره، في نواحي‏

____________

(10) «و ما طالعه».

(11) كلمة غير مقرؤة لأنها مخيطة بجلد المخطوطة.

(12) كذا في المخطوطة، أغفل المؤلف ذكر اسم هذا المكان.

(13) نوع من العشب يستخرج منه أحسن أنواع القلي أو الصودا.

(14) «كانت من قماش تلك الأرض بالعشب».

(15) عبارة في الهامش لا يمكن قراءتها لأنها مخيطة في جلد الكتاب.

236

سواحل البحر حيث يكون السهل. و نحن كان مسيرنا بالقرب من ساحل بحر الهند، لأن جبال العجم أكثرها و أكبرها في وسط الطبراق، و لأن السواحل سهلة أكثر و إن كان مرعاها أقل من الداخل، فلأجل سير الجمال يجب أن نلحق السهل.

فمن بعد مسيرنا في طبراق العجم اثنتين و أربعين مرحلة كبيرة، نزلنا بأرض يقال لها الهندوان‏ (16)، و هناك كان نازلا أمير يقال له هبش ابن معدن، رجل من كبار عرب ديرتهم، له قرابة و نسب من الأمير سعد. فحين بلغه قدوم الدريعي ركب و حضر إلى عندنا لأنه كان سامعا بصيته. فخرجنا للقائه و رحبنا به و صارت المحبة بيننا و بينه. و أما هو فإنه رجل أنيس جدا. فأقام عندنا كل ذلك اليوم، و استخبر منا عن أحوال ديرة بغداد و الجزيرة و الحماد و الوهابي و عربستان‏ (17). و كذلك نحن استخبرنا منه عن أحوالهم، و عن الأمير سعد، فقال 1/ 100 لنا: أن الأمير سعد نازل الآن في محل بالقرب/ من حدود الهند، يقال له مراح طهماز، و بيننا و بينه تسع مراحل كبيرة، فإن شاء خاطركم الوصول إليه، أرسل معكم دليلا يوصلكم إليه لأنكم قط ما جئتم إلى ديرتنا، و تجهلون الأراضي و المياه، فقبلنا ذلك. و بعد يومين توجهنا برفقة دليل، و أتى معنا قليل من القبائل لأنه ليس من الضروري أن تحضر معنا، و كان قرب انتهاء فصل الشتاء و قادم فصل الربيع‏ (18)، و يجب أن نكون وقتئذ في نواحي العراق و بلاد سورية.

و لهذا السبب لم ندعها تحضر معنا، بل توجهنا فقط مع خمس قبائل، منها قبيلة المضيّان التي شيخها صاحبنا صقر، و قد صار له معنا تعب كثير.

ثم جدينا بالسير، و كل يوم مرحلة، البعض منها فيها مياه و البعض منها خالية من المياه.

فكل مرحلة نحن قادمون عليها ليس فيها ماء، تحمّل العرب الجمال ماء، ما يكفينا و يزيد عن حاجتنا. و كان بوسعنا أن نجد دائما الطرق التي فيها ماء، لأن العرب تعرف دروبا كثيرة يوجد فيها الماء يوميا، و لكن أولا إنها بعيدة، و ثانيا لا يوجد فيها مرعى للجمال، و يجب أن تكون الدروب موافقة من الطرفين، أي أن تكون صالحة للماء و المرعى، و الألزم عند العرب و عند الجميع المرعى، لأن الماء يحمل و أما المرعى فلا يحمل. و حين بقي لنا ثلاث مراحل،

____________

(16) الهندوان: نهر بين خوزستان و أرّجان عليه ولاية. (معجم البلدان).

(17) «عرب بستان».

(18) شتاء سنة 1814 بمقتضى سياق الحديث و لكن إذا سلمنا أن موقعة حماة جرت سنة 1812 استنادا إلى ما جاء في كتاب اوغست دي نرسيا، عامل نابوليون، كما ذكرناه في المقدمة، فإن الصايغ يتكلم عن شتاء سنة 1813.

237

أرسلنا مع هجان، من عرب ديرتهم، بمكتوب للأمير سعد من طرف الدريعي، للسؤال عن خاطره و السلام عليه، و مضمونه أننا جئنا من بلادنا خصوصا لأجل رؤيتك، و ربط المحبة و الصحبة و المعرفة معك. ثم رحلنا أول يوم و ثاني يوم، و في الثالث، و هو اليوم الذي سنصل فيه عنده، في منتصف النهار، إذ بالغبار معقود من صدر البرية كأنه غمامة ممطرة. و اسود وجه الأرض من جهامة العربان المقبلة علينا. فحسبنا لذلك حسابا كبيرا و ظننا أن قوما أعداء قد أتوا لقتالنا. فاستعدينا للحرب، إلا أننا كنا قليلين فندم الدريعي عندئذ كل الندم، لأنه طلب من القبائل أن تعود، و لم يدعها تحضر معنا، لأنها كانت تعيننا إذا حدث لنا أمر.

2/ 100 فوقفنا في محلنا و التمت عرباننا بعضها على بعض، و لم يبق لنا/ جراءة (19) على التقدم إلى الأمام و لو خطوة واحدة. فقال الدليل الذي جاء معنا من طرف الأمير هبش: أنا أذهب و أكشف لكم خبر هذا القوم. و بالحال غار من بيننا كأنه الصاعقة فوصل عندهم و بعد قليل ارتد و قال: «ابشروا تراه الأمير سعد بعربانه آتيا للقائكم». ففرحنا بذلك و اطمأن قلبنا، و حالا ركض الدريعي و أولاده و كثير من كبار قبائلنا و الشيخ إبراهيم و أنا للقائكم. و كذلك سعد و كبار قبائله ركضوا لملاقاتنا، و اجتمعنا مع بعضنا بين الصفين، و سلمنا على بعضنا، و أمر سعد بنصب البيوت في تلك الأرض لأنها منزلة متسعة للجميع، و هي على نهر عظيم يسميه العرب جيستان يبعد عن حدود الهند نحو عشرين ساعة فقط، بالقرب من بلد هي آخر بلاد العجم يسمونها المنونا. فنزلنا جميعنا هناك، و دعينا عند الأمير سعد نحن و كامل من معنا من أمراء و مشايخ و كبار القبائل، مدة ثلاثة أيام على سفرة الأمير سعد. و أما المذكور فهو رجل بلغ من العمر نحو خمسين سنة، و له أربعة أولاد شباب و بنت واحدة فقط. و أما بالرجولية (20) فهو مشكور جدا بين العربان و لكن بالكرم‏ (21). و هو من بيت قديم و طائفة كبيرة مشهورة بالكبر و الحكم و الإمارة، و ذلك من قبل دولة العباسيين في بغداد، و صوته مسموع من قبائل كثيرة، حتى عرب الهند تتبع صوته، و له عندهم اسم كبير مشهور من قديم الزمن.

ثم كل يوم كنا نعمل معه خلوة و نتكلم، حتى فهم المادة جيدا و دخل في عقله مطلوبنا، فوافق على ذلك و سرّ جدا إذ قال: على ما أعلم أن جميع أهالي بلاد الهند غير راضين على حكامهم اليوم، و يتمنون أن تحدث أمور مثل هذه لأنهم مظلومون. و أما أنتم فلا تفكروا

____________

(19) «جرعا».

(20) «المراجل».

(21) كذا، و العبارة غير كاملة.

238

بشي‏ء فإني أقدم للجيش‏ (22) جميع ما يلزم، و إذا اقتضى الأمر فإني أرسل من عندي أناسا و جمالا و ذخائر لملاقات الجيش‏ (22). فأنا معكم على كل ما تريدونه من العمل. ثم قرأنا ورقة الشروط، فسرّ منها جدا. و لكنه ما وضع اسمه و لا ختمه بها، بل عمل لنا ورقة ثانية خاصة به 1/ 101 لنا، و وضع اسمه و ختمه بها و كانت بهذه الألفاظ/:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أقول أنا سعد بن بدر بن عبد اللّه بن بركات بن علي البخاري رضي اللّه عنه، هو أني قد رهنت لساني بقول ثابت لدى حافظين هذه الورقة، بأن أكون موافقا لهم و متحدا معهم و قابلا بشروطهم المرقومة في ورقة عمومية غير هذه، و أكون مساعدا و معينا لهم في جميع ما يريدونه و يبغونه، و أكون حافظا لسرهم و عدوا لعدوهم و صاحبا لصاحبهم. و قد أعطيت هذه الورقة حتى يكونوا مطمأنين من طرفي، و متأكدين من كلامي، و السلام على سيدنا و مولانا الأعظم، فحل الرجال، الإمام الغالب علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه و السلام. ثم وضع توقيعه و ختمه و دفعها لنا.

فأقمنا مع بعضنا ستة أيام بإكرام زائد، و نحن دائما معه و مع كبار قومه في حديث و محبة و دعوات. النتيجة حصل لنا منه جبران خاطر عظيم. و أما بخصوص طباعهم فهي تختلف عن مزايا عربنا، و ذلك حاصل من اختلاف المناخ و المياه. و من ذلك، على سبيل المثال، إن أكلهم أقل من عرب ديرتنا، و طباعهم ألين من طباع عربنا. و أما من حيث الشجاعة و الفروسية و الخيولية (23) فإن عربنا أنشط منهم. و أما من حيث الكرم، فإن عربنا، على وجه العموم، أكرم منهم، و لكنهم أكثر طمعا منهم. إذ ليس عند رجالهم طمع على الإطلاق. و أما تعاملهم مع أهالي بلادهم فهو قليل جدا، لأنهم يحبون أن يتجنبوا المدن، و يرغبون عن معاشرة أبناء البلاد. و أما سلاحهم فالرمح و السيف و الكلنك‏ (24) الحديد و الترس مثل عربنا، غير أن بارودهم بقداحات و ليس بفتيل مثل عربنا و عرب الوهابي.

ثم ودعناهم و صافحنا جميع الأكابر، و تواعدنا أننا عن قريب إن شاء اللّه سوف نرى بعضنا، و رجعنا إلى بيوتنا. و إذا بالأمير سعد يرسل رأسي خيل عظيمين، مع عبدين، كل واحد منهما يجر فرسا، و الخيل و العبيد هدية للدريعي. فوجب على المذكور أن يعود عنده‏

____________

(22) «الأرضي».

(23) يريد ركوب الخيل أو الفروسية.

(24) الكلنك و يقال أيضا الكرنك سلاح يشبه المطرقة من جهة و معكوف من الجهة الأخرى.

239

و يستكثر بخيره، لأن الهدية عظيمة الثمن، ثم رجع من عنده و ثاني يوم أرسل الدريعي إلى 2/ 101 سعد فرسا/ نجدية عظيمة من الخيول المشهورة، اسمها العدبية، و هجينا أملح أي أسود، مشهورا بالسير، أصله من هجن عرب شمر، لأن هجن شمر مشكورة جدا لسرعة سيرها، و كمية من الكهربا و المرجان و الخرز و أساور من الزجاج للحريم، و هذا شي‏ء مقبول عندهم جدا.

و في اليوم الثاني نادى بالرحيل و قمنا و طلبنا الرجوع إلى ديرتنا. و ما زلنا نرحل يوميا لأننا نريد أن نلحق جانبا من فصل الصيف في بلاد سورية، إذ كان مضى الوقت و انتهى فصل الربيع‏ (25). ثم نزلنا بعض المنازل، و وجدنا هناك محبنا الأمير هبش، فاجتمعنا به و سألنا عن أحوال سعد فأخبرناه بالذي جرى و أريناه الورقة، فسرّ جدا و قبل بشروطنا و وضع اسمه و ختمه بالورقة العامة. و قبيلته يقال لها الهوارج تحتوي على مقادر ثلاثة آلاف بيت، من القبائل المشهورة بالغنى و الاسم.

____________

(25) ربيع سنة 1814 بمقتضى سياق الحديث، و لكن الأقرب إلى الصواب أن المؤلف يريد ربيع سنة 1813، أي الفصل المعتدل من السنة، لا الربيع على حسب التقسيم السنوي، أما الأشهر الحارة فتبدئ، في هذه الأقاليم، منذ شهر نيسان.

240

[كبير أمراء عرب العجم‏]

و كان أخبرنا بعض العربان، قبل رحيلنا، أن في ديرة كرمان يوجد أمير عظيم من العرب يقال له الرّديني ابن خنكار، رجل معروف من طوائف العرب و العجم، لأن له صلة بحكّام بلاد كرمان و حتى مع الشاهات، و هو دائما مقيم في بريّة كرمان مثل المحافظ لساحل بحر بوغاظ العجم. فقال الشيخ إبراهيم: نحن بحاجة لهذا الرجل و لا بدّ لنا منه، لأن دربنا عليه و ليس لنا غير طريق، و إذا ما كان متحدا معنا، فلربما يستطيع أن يمنعنا بوساطة الشاهات و العساكر، أو يحصل اتفاق بينه و بين أعدائنا المعلومين سكان الهند (1). و على كل حال من الأصلح أن يكون متحدا معنا من أن نبقيه هكذا خارجا عنا، و لكن كيف الطريقة. فقال الأمير هبش: ليس هناك إلا طريقة واحدة. فاعلموا أن الرديني لا شي‏ء يفزعه على وجه الأرض غير الأمير سعد، و لا يمكن أن يقبل رأي أحد أو يطيع لأحد و يتّحد مع أحد، لأنه أولا جبار و ليس بين العربان من هو أكثر تجبرا منه‏ (2)، ثانيا عنيد، ثالثا دموي. فهذا ما له طريقة إلا بوساطة الأمير سعد البخاري لا غير، اللهم إلا إذا أردتم أن تتركوه و شأنه الآن إلى أن 1/ 102 تعودوا فيدبر اللّه الأمور./ فقال الشيخ إبراهيم: لا يمكنني أن أغادر هذه الديار و أبقي أميرا

____________

(1) كذا و المعنى غير واضح، فهل يريد الصائغ أن يقول: و بين أعدائنا الذين يعرفهم ساكنو الهند، أو يريد أن يقول: و بين أعدائنا الذين يسكنون الهند، أي الإنكليز؟.

(2) «ما بين العربان أجبر منه».

241

مثل هذا بالطريق عدوا (3)، بعد أن فهمت صفاته و صارت طباعه عندي معروفة. فرجل مثل هذا يجب اكتساب محبته قبل كل شي‏ء. ففكرنا بالأمر و لم نجد طريقة إلا باحضار رسالة من الأمير سعد، كي يصير واسطة للتعرف به. فكان رأي الشيخ إبراهيم أن أرجع أنا عند سعد. و لكن الدريعي لم يستصوب هذا الرأي، خوفا عليّ من عربان تلك الديرة غير المعروفين منا أن يقتلوني. فلزم أن أحرر مكتوبا إلى سعد من طرف الدريعي و طرفنا، مضمونه السؤال عن خاطره و مدحه و أسفنا على فراقه‏ (4) و عرفناه بعد ذلك مادة الرديني، و طلبنا منه مكتوبا إلى المذكور، على حسب حسن معرفته، لكي يصير واسطة المحبة و عقد الصحبة معه. و أرسلنا المكتوب مع هجان شاطر من عرب الأمير هبش، و تواعدنا مع الهجان إلى محل معلوم. و ثاني يوم رحل هبش بكامل عربه. فودعناه و استكثرنا بخيره على تعبه معنا. و ابتدأنا نحن نرحل رويدا رويدا منتظرين قدوم الهجان. و كان مضى على ذهابه ثمانية أيام، و كنا دخلنا في طبراق بلاد كرمان، و إذ وقع الصوت‏ (5)، فركبت الخيل و طلبت صوت‏ (5) الرعيان. و كانت غارة علينا من عرب الرديني يريدون أخذ طرشنا (6). فوصلت خيلنا و صارت الحرب بشدة نحو ساعتين من الزمن، فما استطاعوا أن يأخذوا شيئا بل انكسروا و ارتدوا و وقعت الدماء من الطرفين. فغمنا ذلك، لأن هذا الأمر يصعب معه الوفق و المحبة فيما بيننا و يبعد الصلح. و بعد يومين و إذ بركب عظيم مقبل علينا، و شنّ الغارة على طروشنا لأجل فتح الشر. فركبت فرساننا و ركضت رجالنا و تصاعد العفار. و كانوا أكثر مننا إلا أن عربنا أشد حربا منهم و أفرس من فرسانهم. و ظهر ذلك اليوم فعل من الدريعي بذاته ما فعله عنتر. و كنا دائما خائفين أن 2/ 102 تأتي عربان ملبية نداءه‏ (7)، لأنه يقود قبائل كثيرة، و المدن قريبة منه./

فرجحنا عليهم بالحرب، و لكننا حسبنا له حسابا كبيرا، لأنه يستطيع أن يأتي بعربان و عساكر و يضرنا لأننا قليلون. ثم وفّق الباري تعالى إذ نفذ علينا الهجان حين انكسروا، و انفصلنا عن بعضنا، و معه كتاب عظيم من عند الأمير سعد إلى الرديني و كان بهذه اللفظات:

____________

(3) «ضشمان».

(4) «و تمجيد له على فراقه».

(5) «صوط».

(6) الماشية.

(7) أي نداء الرديني.

242

بسم اللّه الرحمن الرحيم، رب الخلق أجمعين، و الصلاة و السلام و أعظم التحيات و الإكرام على شرف الأئمة و أجملهم، و أكبر الأبناء و أعرفهم، و أحسن الخلفاء و أفرسهم، الإمام الأكبر، الكبريت الأحمر، سيدنا و مرشدنا الإمام علي الأعلى صاحب سيف ذي الفقار، لعن اللّه من عاداه و الويل ثم الويل لمن آذاه و طوبى لم أجاب دعاه و بعد، هذا كتاب من أسعد (8) البخاري، نسيب الجدين، و أصيل‏ (9) النسبتين، إلى أخينا الأمير الدريعي ابن خنكار، و الثاني نعرفكم أنه حضر إلى بلادنا و داس ترابنا أخونا الأمير الدريعي ابن شعلان، من سكان ديرة بغداد و الشام، فحضر من بلاده إلى عندنا، يقصد صحبتنا و معرفتنا، و يريد محبتنا. فحل ضيفا علينا (10) و أكل خبزنا و أجرى المحبة معنا. و نحن أكدنا له [محبتنا]، و صحبناه و أعطيناه كلاما وثيقا و صار كواحد منا. فكما استحسنت هذا الأمر الذي سيؤول فيما بعد إلى نجاحنا، كذلك أريد منك أن تفعل معه كما فعلت أنا، و ترى الورقة التي بيده منا، و تعمل بموجبها، و إياك الخلاف فتخرج من خاطرنا، و تكون خالفت قول سيدنا الإمام الأعظم كما هو معلوم، و قوله تعالى في الجفر الجامع و النور اللامع لا تكرهون شيئا فعسى هو خير لكم‏ (11). فأنا أعرف أن الاتحاد مع هؤلاء الناس به خير لكم و للعرب أجمعين و السلام.

فأرسلنا بالكتاب حالا مع الهجان الذي جاء به للرديني، و كان المذكور بعيدا عنا نحو عشر ساعات فقط. و كان معه مكتوب آخر من سعد للدريعي، مضمونه محبة و سؤال عن خاطر و جواب مكتوبنا، و به يعرفنا بمزايا الرديني، و أنه يحب المكسب و البراطيل. فقال 1/ 103 الدريعي: سبحان اللّه، من جملة مزاياه الرديئة أنه يحب البرطيل و يقبل الرشوة/ فاللّه يعيننا عليه. و قد كنا تأكدنا من مكتوب سعد أن الجماعة روافض‏ (12) لأن الإمام علي مكرم عندهم إلى هذا الحد، و هذا شي‏ء معلوم أنهم يحبون الإمام علي كما يحبون اللّه. و سعد من هذه الملة. و الشي‏ء الذي جعله يحبنا و يرضى بالشروط فهو الشرط الأول المكتوب في ورقة الشروط لأنه يشعر بعدم البحث و الكلام بأمور الديانة. و قد لاحظنا حين قرأنا له الشروط أنه سرّ

____________

(8) أسعد، كذا.

(9) «واصلين».

(10) «فانضاف عندنا».

(11) الآية: وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ‏.

(12) «أرفاض».

243

جدا من الشرط الأول و قال هذا ألزم من جميع الشروط، لأن هؤلاء الناس لا يحبون من يفتح لهم سيرة ديانتهم، بل مرادهم دائما كتمانها و يظنون أن ليس هناك من يعرف أنهم روافض.

ثم بعد ذهاب الهجان بيومين، و إذ أرسل الرديني خبرا قبل وصوله إلى عندنا أنه آت ليضيفنا. فركب الدريعي و جميع الكبار و أولاد الدريعي و الشيخ إبراهيم و أنا، و كنا نحو ثلاث مئة خيال و ركضنا لملاقاتهم. و إذ وصل إلينا الأمير الرديني و كان ركبه من نحو خمس مئة خيال، كلهم بألبسة مفتخرة و سلاح عظيم و تفنك مفضضة و سيوف ثمينة و رماح رؤوسها مفضضة، عظام، أكابر. فاستقبلناه و ترحبنا به و جلس. و هو رجل شاب، عمره نحو أربعين سنة فقط، لأن والده كان توفي من مدة قصيرة، و هو ورث الحكم من بعده. و أراد الدريعي أن يعد له غداء، فما قبل إلا بشرب القهوة. ثم طلب خلوة، من بعد كلام كثير عن أحوال البلاد و غيرها من الأديار، و أمور الوهابي و مادة حماة مع المذكور، و شكر الدريعي على فعله. ثم اختلينا، و كان بالخلوة هو و ابن عمه و اثنان آخران من مدبري قبيلته. فقال الرديني: يا إخواننا ليس من الضروري أن أعرف أمورا كثيرة، أطلعوني على الورقة التي عملها لكم الأمير سعد و أنا على موجبها أعطيكم واحدة نظيرها. فأريناه إياها و قرأنا له الشروط، فأعجبه ذلك، و بالحال كتب بيده ورقة مثل ورقة سعد كلمة بكلمة و ختمها و قدمها لنا. فقمنا 2/ 103 بعد/ (13) ذلك لشرب القهوة، و صار بيننا و بينه محبة و كلام ثابت. فقال الدريعي: يا أمير، يجب أن يصير بيننا خبز و ملح. فامتنع لأنه رافضي جدا، لا يأكل من أكلنا. ففهم الشيخ إبراهيم ذلك، فذهب حالا و أتى برغيف خبز و قليل من الملح و قال للرديني و الدريعي: تخاوا و اعقدا الحلف على هذا الخبز و الملح و كلاهما (14). فتحالفا عليهما و أكلا الرغيف و الملح وحدهما فقط. ثم طلب الرديني الذهاب، فقدم له الدريعي فرسا من أحسن خيول قبائلنا، أخذها الدريعي من أحد عرباننا، و أعطاه بدلا منها فرسا من عنده و أربعين جملا حتى رضي.

فسر منها الرديني جدا إذ ليس بين خيله نظيرها، لأن خيلهم ليست مشكورة لا بالحسن و لا بالفعل مثل خيلنا. ثم ودعناه و ركبنا معه نحو ساعة من الزمن ثم رجعنا. و كنا استخبرنا عن قبيلته فعرفونا أنها تحتوي على ستة آلاف بيت و يقال لها المعازيز، بارودهم أكثر من رماحهم.

____________

(13) ابتداء الكراس رقم 13.

(14) «و كلوه».

244

[العودة إلى بر الشام‏]

و في اليوم التالي نبّه الدريعي إلى الرحيل بكل سرعة، إذ كان دخل فصل الصيف‏ (1) و لم يبق لنا عمل يعوقنا في ديار العجم، لأن كبار قبائلهم التي تجب صحبتها قد اكتسبناها و حصلنا على مطلوبنا. فجدينا بالرحيل يوميا، و المرحلة كانت من اثنتي عشرة ساعة إلى خمس عشرة ساعة، و لم نزل على هذا الحال حتى دخلنا طبراق بغداد، و قطعنا الدجلة و صرنا بالجزيرة. فنزل الشيخ إبراهيم إلى بغداد و جاء لنا بدراهم إذ لم يبق معنا مصرية واحدة (2).

فابتدأت تتوارد علينا أخبار الوهابي، و بلغنا أن الأمير عبد اللّه الهدّال رجع عنده مكسورا و منهوبا، و أخبره بالذي جرى عليه من الدريعي عند حماة. فدخله الغيظ و الحمق و قرّ رأيه على إرسال جيش عظيم بقيادة ابنه و رؤساء عساكر غير الأمير عبد اللّه، لتدمير الدريعي و نهب سورية و ربح أهلها، فمنعه أكابر ديوانه من ذلك، و أشار عليه واحد من مدبريه يقال له أبو محسن قائلا: إن كان يمكن أن تعمل طريقة لجذب الدريعي/ إلى طرفك و اكتساب محبته‏

____________

(1) يريد الفصل الحار، و هو يبتدئ، في هذه الأقاليم، منذ أواسط نيسان.

(2) هل قام الصايغ بهذه الرحلة إلى إيران أم هي من نسج خياله كما يتبادر إلى الذهن عند قراءتها؟ إننا نطعن بصحتها، إلا أن لاسكاريس نفسه، في مقال له صدر بعد وفاته، تحدث عن جولته في البادية و سفره إلى بغداد ثم إلى الممونا (كذا) على حدود الهند الشرقية (كذا). و يظهر أن العودة من إيران كان خلال ربيع 1813، أي قبيل سقوط نابوليون و بعد انكسار جيوشه في روسيا. و لكن أخبار هذه الحوادث السياسية الهامة ما كانت وصلت إلى السفارات النائية بسبب بطء المواصلات في ذلك التاريخ.

245

[فيكون ذلك أفضل‏]، و لا سيما أن الدريعي أصبح الآن قويا جدا، و أنت لك عدو كبير من طرف العثماني، إذ كان يشتمّ من الأخبار أن محمد علي باشا في على و شك السفر لأجل أخذ مكة و المدينة، و رد الوهابي إلى بلاده‏ (3).

فانشرحنا من هذا الخبر و صرنا مطمئنين من طرف الوهابي. و لم نزل سائرين حتى نزلنا منزلة يقال لها مقتل العبد و كان نازلا هناك قبيلتان يقال لهما النّعيم و البقّارة (4). فحضر مشايخهما عندنا، و يقال لشيخ قبيلة النعيم فهد ابن صالح، عشيرته تحتوي على ثلاث مئة بيت فقط، عشيرة صغيرة، كذلك [يقال لشيخ قبيلة البقّارة] سعدون ابن والي، عشيرته تحتوي على ألف و مائتي بيت. كذلك بعد مرحلتين حضر عندنا عليان ابن نجد شيخ قبيلة بو حربا، و دخل بالاتحاد و وضع ختمه و اسمه، و عشيرته تحتوي على خمس مئة بيت.

____________

(3) من المعلوم أن الجيش المصري احتل المدينة المنورة في شهر تشرين الثاني سنة 1812.

(4) «البكارة».

246

[رسالة من عبد اللّه بن سعود]

ثم رحلنا و قطعنا الفرات من مقطع بالقرب من بلد يقال لها هيت، و صرنا بالحماد، قاصدين تدمر و بر الشام، و إذ مقبل علينا هجان و بصحبته مكتوب إلى الدريعي من عند الوهّابي من غير ختم، هذا من جملة عاداتهم‏ (1) أنهم يبقون مكاتيبهم مفتوحة من غير ختم.

و كان طول المكتوب نحو شبر و عرضه ثلاث أصابع، و هذا من جملة نظام الوهّابي أن يصغر مكاتيبه حتى تكون بضد مكاتيب العثماني و فرماناته الكبار. و كان بهذه الألفاظ لا غير:

بسم اللّه الواحد الأحد الفرد الصمد، خالقك و مفرق أصابعك، من بعد أن نقول لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له. من عبد اللّه ابن عبد العزيز ابن عبد الوهاب ابن سعود (2) القائم بسيف اللّه على القوم المشركين، لإشهار حقيقة الدين‏ (3)، إلى ولدنا الدريعي ابن شعلان أهداه اللّه إلى الصراط المستقيم أمين. نعلمك يا ابن شعلان إن كنت تؤمن باللّه وحده و لا تشرك به أن تطيع أمر عبد اللّه، القائم بأمر اللّه، و تحضر حالا إلى عندنا و ترفع من 2/ 104 بالك كامل الوساوس، و أنت عندنا بأعز منزلة و قبول،/ فقد صفحنا عن جميع زلاتك، و غفرنا و سامحنا كامل سيآتك‏ (4). فإن حضرت إلى عندنا جعلناك واحدا منا. و إياك و العناد فإنه‏

____________

(1) أي عادات الوهابيين.

(2) كذا و النسب خطأ، و الصواب: عبد اللّه بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود.

(3) «لاشتهار حقيقة و الدين».

(4) «سيادتك».

247

من أعظم الكفر، و السلام على من أجاب المطلوب و جعل من أهل الجنة محسوب، و الامضاء الرهوب‏ (5) من اللّه ابن سعود عبد اللّه‏ (6).

فابتدأنا نتشاور و رأينا من المستحسن أن يذهب الدريعي عنده لعدة أسباب:

أولا لأجل الكشف عن أخباره و رؤية بلاده و الاستفهام عن أحواله، ثانيا ربما نستطيع أن نبرم الصلح معه لأن الصلح معه يومئذ أحسن بكثير من عداوته، لأننا أصبحنا أقوياء و صرنا حزبا كبيرا، لذلك تأكد عندنا أنه يرضى بالصلح معنا مثل قرنين مع بعضهما، و لكنه ما كان في أول الأمر يرضى بهذه الصفة لأننا كنا ضعفاء، بل كان مراده أن نكون من جملة رعاياه بإعطاء الجزية (7)، و تحت أمره في كل ما يريد، فما كان بإمكاننا أن نفعل أدنى حركة من مطلوبنا، ثالثا لكي نريح القبائل التي تبعتنا من شره، إذ يوجد دائما قبائل متفرقة، كما هي عادتهم بالبادية (8)، فيقوم بعمل أذيات لها، [و بالصلح‏] تكون آمنة على نفسها من طرفه، و غير ذلك من أسباب سياستنا و هي عديدة. فاعتمد رأي الدريعي على الذهاب عند الوهابي فقال الشيخ إبراهيم: ما هي نيتك يا ولدي، هل لك جراءة على التوجه مع الدريعي عند هذا الرافضي و رؤيته الغريبة؟ فقلت: نعم أتوكل على اللّه و أذهب، و إن هي إلا موتة في سبيل اللّه، إذ من المعلوم عندي أنه يبغض جنس النصارى، و إذا لم يفعل شيئا مع الدريعي فإنه يقتلني أنا، أولا لأن قلبه ملآن مني بسبب ما بلغه عني، و ثانيا لأني نصراني عدو الدين. و لكن لا بد لي من الذهاب و لو فاحت من ذلك رائحة الموت، فإني أحسب نفسي قد متّ و أن [هذه السفرة] من جملة الأخطار (9) المميتة التي جرت على رأسي. فقال الدريعي: لك بسعري، لا يحدث لك شي‏ء إلا بعد أن يقتلني أنا. فاعتمد رأينا على ذلك و شاع الخبر فأتى كبار القبائل و ودعونا، و جهزنا لوازمنا، و دبرت أموري مع الشيخ إبراهيم و ودعته وداعا كبيرا و طلبت منه الدعاء، و أوصيته بوالدتي إن جرى علي شي‏ء يكون نظره عليها. و قبل ركوبنا أمر الدريعي ابنه أن يرحل بالعربان و يذهب إلى حوران إلى أن نحضر عن طريق الحجاز.

____________

(5) «المرهوب».

(6) تسنّم عبد اللّه بن سعود العرش الوهابي، بعد وفاة أبيه في أيار سنة 1814. و لكن جرت العادة أن يشارك ولي العهد والده في الحكم، لا سيما و أن الحروب كانت ترغم الملك على أن يكون على رأس جيوشه لمجابهة العدو، فكان يسند أمور الدولة و إدارة العاصمة إلى ابنه عبد اللّه. و من البديهي أن الرسالة الأصلية قد بقيت في حوذة الدريعي و أن الصايغ قد أعاد سبكها بأسلوبه العامي البدوي.

(7) كذا، و يريد الزكاة.

(8) «الجول».

(9) «قطوعات».

248

[السفر إلى الدرعيّة]

1/ 105 و ركبنا و كان عددنا اثني عشر نفرا لا غير،/ و هم الدريعي، و ابنه سعدون، و ابن أخيه الأمير هجري، و ابن عمه جبل الدريعي، و اثنان آخران من وجوه العرب، و أنا، للّه عبد، و خمسة عبيد لا غير كل واحد على هجين. فأول ليلة وصلنا عند عرب يقال لهم بني صلوب‏ (1) الذين صنعتهم‏ (2) صيد النعام لأجل ريشه، و يأتون به إلى القرى حيث يبيعونه، و أهالي القرى يأخذونه إلى بغداد و حلب و دمشق و يبيعونه إلى تجار الإفرنج. و هؤلاء الناس مساكين جدا و فقراء ليس عندهم جمال و لا غنم بل حمير فقط. مأكولهم من لحم الغزلان و ملبوسهم جلودها يفصلونها مثل أثواب البادرية (3)، بأكمام عريضة جدا، [و الثوب‏] مغلق من الأمام طويل، يحنو على الأرض، رؤيتهم تفزع إذ يظن الإنسان أنهم وحوش، و بيوتهم صغار حقيرة جدا. أما زواجهم فهو مع بعضهم بالمراضاة: متى العريس رضي بالعروس و هي رضيت به. و تقدم العروس إلى أهلها من عريسها نصف ما يصطاده من الغزلان مدة سنة كاملة. و هؤلاء العرب يدّعون أنهم من أصل بني عبس قبيلة عنتر. فلم نتأكد من ذلك، بل اعتمدنا على أن نحقق و نبحث عنه.

____________

(1) الصّلبة أو صليب (زكريا، عشائر الشام، 2 ص 112 و ما بعدها).

(2) «كارهم».

(3) أي الرهبان الفرنسيسكان، من كلمة بادري أي بادره‏Padre ، أب.

249

ثم سافرنا في اليوم الثاني، و لم نزل جادين بالسير على اطلاق الهجن إلى غروب الشمس. فوصلنا إلى منزلة عرب عظيمة يقال لها رام‏ (4) بني هلال، بها رام كبير من نبع ماء منحدر من جبل صغير فعمل راما أمام الجبل. و بعضهم يسمى هذا المكان المذبنة (5) يعني الحامية، ليس بمعنى السخن و لكن بمعنى الذي يحمي من العدو.

و في اليوم الثاني جدينا بالمسير أيضا. و فيما نحن سائرون إذ أقبلنا على بقعة من الأرض صغيرة، نابت بها من شجر الطرفة كمثل حرش صغير. فحين اقتربنا منها وقفت الهجن عن مسيرها، فتعجبنا من ذلك و لم ندر ما هو السبب، و كل الهجن كانت تنظر إلى ذلك الحرش.

2/ 105 فنزل واحد من العبيد و تقدم/ إلى قرب الأشجار و صاح‏ (6) قائلا: انزلوا و انظروا إلى أثواب الحيات. فنزلنا عن الهجن و تقدمنا فرأينا أن الأرض و الأشجار مغطاة بأثواب الحيات، شي‏ء لا يعد و لا يحصى، أشكال و أشكال، كبار و صغار من جميع الألوان، ألوف ألوف، ربوات ربوات، و لكن ليس بينها واحدة طيبة (7)، و لكن توجد فقط أثوابها. فظننت أنه لم يبق في الدنيا أفعى إلا أتت و خلعت‏ (8) ثوبها في هذا المحل. و شكرنا اللّه لأننا ما رأيناها طيبة لأنها كانت بالحقيقة أكلتنا، إذ كان بين الأثواب أثواب حيات كبيرة جدا بقدر ثخن غنمة (؟) (9) المركب.

ثم رجعنا ركبنا وجدينا بالمسير إلى المساء، فما وجدنا عربا، فنمنا بالخلاء، و أكلنا مما معنا من الزاد إلى الصبح. و في اليوم التالي جدينا بالسير، و قبل العصر أقبلنا على نزل عرب عظيم لا يعرف أوله من آخره، فاستخبرنا من الرعيان عنه فقالوا هؤلاء عرب شمّر، و أميرهم اسمه نجم الضرغام. فوصلنا إليهم و نزلنا في بيت المذكور، فاستقبلنا بالترحيب و الإكرام، و كل أنس و وداعة. و هذه كانت أول قبيلة نراها من أتباع الوهابي، و هم وهابيون أيضا. فقبل كل شي‏ء أخفينا غليون التوتون لأن التوتون، كما هو معلوم، محرم عندهم جدا، و منعه الوهابي بكل شدة و صرامة، و الذي يلاحظون عنه أو يرونه يشرب التوتون فليس له مغفرة و لا رجاء و لا سماح،

____________

(4) الرام نوع من الشجر، و الظاهر من كلام الصائغ أنه يعني الواحة أو الحرش.

(5) كذا، و لعله يريد المذيبة.

(6) «عيّط».

(7) على قيد الحياة.

(8) «شلحت».

(9) لعله يريد صاري المركب.

250

و قصاصه القتل و الموت السريع، و هذا كان عندنا معلوما من السابق. و نحن أربعة من ركبنا نشرب التوتون، و معنا غليون واحد صغير لأننا كنا حاسبين هذا الحساب. فاستخبرنا تلك الليلة من الأمير نجم عن أحوال الوهابي، و فهمنا منه برمز العين أن أرواحنا عنده في عين 1/ 106 الخطر لأنه غدّار، و يستعمل الخيانة بعض الأحيان./ فمن هذا الخبر قد ارتجت قلوبنا و ندمنا على الحضور عنده. و لكن قال الدريعي: لا بد من الوصول إلى عنده و لو كان منتهى حياتي على يده، لا يمكن أن أرجع من غير الوصول إلى عنده.

و مشينا في اليوم التالي إلى المساء و تقابلنا مع قبائل عرب كثيرة لأننا دخلنا في أراضي نجد، و هي و ديان و جبال و سهول و مياه، و بها قرى لم تزل مسكونة، و العرب المقيمون بها يزرعون و يفلحون. و بها أيضا بلاد قديمة متهدمة، كانت في السابقة عامرة و مملكة عظيمة في زمن بني هلال الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب، و أراضيها جيدة، و بها فواكه، و أكثر ما يوجد فيها البلح و له لفة عظيمة، [و بها أيضا] قبائل عربان أشكال و أشكال لا يعلم عددها غير رب السماء. فالجميع من أتباع الوهابي و على مذهبه. و كنا دائما نسمع عن مزاياه الرديئة، و ظلمه لعربانه، و رداءته و ترفضه و قلة الوداد له في خواطر عربانه، لأنه غير محبوب عندهم من ظلمه لهم.

فمن بعد أربعة عشر يوما من حين خروجنا من عند أهلنا، إذ أقبلنا على نخل الدرعية، و دمنا نمشي نحو أربع ساعات بين النخل الملتحم بعضه ببعض و حامي البلد، و هو نافع جدا لها لمنع العدو. فلم نزل نمشي إلى أن وصلنا إلى باب البلد فوجدنا دائر البلد تلالا سوداء صارت على نعت السور، و كان ذلك جميعه من العجوة القديمة التي تتكدّس‏ (10) من سنة إلى سنة، يرمونها خارج البلد على بعضها، و مع المداومة فإنها كثرت و تراصّت على بعضها و صارت حصنا للبلد كمثل السياح. فدخلنا البلد و هي مركزة على جانب واد و لها أبواب تغلق كل ليلة مساء و تفتح عند الصباح‏ (11). و لم نزل سائرين إلى السرايا فدخلناها فإذا هي سرايا واسعة جدا، حجرية على طابقين.

____________

(10) «تنعكس».

(11) «بكرا».

251

[بين يدي ابن سعود]

ثم حالا أخبر [الحرس‏] (1) ابن سعود أن الدريعي قد حضر، فأمر بقناق‏ (2) داخل السرايا فأدخلونا إلى محل نظيف مفروش و أتوا لنا حالا بالغداء. و قريبا من العصر طلب 2/ 106 الدريعي عن يد واحد [أن يستأذن لمواجهة ابن سعود فكان الجواب أن‏]/ يتوجه الدريعي و من معه لمواجهته من غير طلب إذن، إذ لم تجر العادة بذلك. فدخلنا إلى المكان الذي كان جالسا فيه، و كان عنده جمع كبير من خواصه. فسلمنا عليه، كل واحد منا وحده، من غير أخذ يده و لا تقبيل أذياله على حسب عادات العثماني، بل حين دخولنا يؤشر كل واحد بيده عليه و يقول السلام عليك يا ابن سعود و يجلس، و العبيد فقط قائمون على أرجلهم. و هو جالس في صدر المحل، عمره نحو خمس و أربعين سنة بلحية سوداء، و عليه قنباز أبيض من القطن، و زنار شاش أبيض من القطن أيضا، و مشلح حساوي‏ (3) أسود غطش‏ (4) من غير قصب، و على رأسه كوفية و لفة من القطن، قلم أبيض و قلم أحمر رفيع يسمونه دسمان، و بيده محجلات من شجر المحلب. فهذا ملبوسه دائما لا غير، إذ حرام عنده اقتناء الحرير و الأشياء

____________

(1) «أخبروا».

(2) شقة؛ نزل.

(3) «حصاوي».

(4) غامق السواد.

252

المفتخرة الملونة. و أما المحل الذي هو الديوان، فهو مفروش بالحصر، و سجادات الصوف، و مخدات وجوهها صوف، من شغل اليمن لا غير.

فبعد ما جلس الدريعي ابتدأ يسلم عليه بهذا الكلام. عساك طيب يا ابن سعود، عساك عدل، لعلك مبسوط (5) و هو يرد عليه: للّه الحمد طيب يا ابن شعلان، و لكن بوجه عبوس يرد السلام. ثم جلسنا نحو نصف ساعة، فما أمر بالقهوة و لا تكلم، فهذه علامة الغضب.

فبعد ذلك قال له الدريعي: ما لي أراك يا ابن سعود عابسا فينا و لا تتكلم معنا؟ نحن و طأنا محلك و الآن عندك، فتكلم بالذي في قلبك علينا. فردّ عليه الوهابي قائلا: أنت عليك ذنوب كثيرة، و أفعالك لا تغفر، أولا عصيت علي، ثانيا ضربت قبيلة بني صخر التي في بلاد الجليل مع علمك الأكيد أنها تلوذ بي، ثالثا أفسدت العربان علي و جعلت لك حزبا ضدي، 1/ 107 رابعا/ كم و كم من الغزوات التي أرسلتها أنا فطلعت ضدها و ضربتها و سفكت دماءها و عطلتها عن أوامري، خامسا قويّت الروم يعني العثمانيين عليّ في مادة حماة، و كسرت عرباني و أخذت أموالها و سفكت دماءها حبا بخاطر العثماني، الذي هو أكبر عدو للّه من القوم المشركين، شرابي المنكر، لوطيين‏ (6)، و غير و غير أشياء لا تعد من التي فعلتها ضدي و قصدت بها تدميري و خرابي. فإذن مالك عندي سماح أذهب إلى قناقك.

فاحمرت عيون الدريعي، و دخل عليه الغيظ و الحمق، و نهض قائما و توجهنا جميعنا إلى قناقنا، و جلسنا في تفكير و وسواس أشكال و أشكال. و تجنبنا جميع الناس الذين كانوا عرفونا، و لم يبق أحد يقترب مننا، و دخل علينا باب الخوف و وقع بنا الندم على رمي أرواحنا بيده، و صرنا نلوم بعضنا بعضا على ما فعلنا، و صارت الناس تتحدث بقلة عقولنا و حضورنا إلى عنده، لأن الجميع كانوا على يقين و تأكدوا أننا مقتولون من كل بد، و دون أقل شك، لمعرفتهم بطبع السلطان، [فهو] غدار، مكار، خائن، دموي، مترفض. فأقمنا تلك الليلة و ذلك النهار من غير أكل و لا شرب، و لم يدخل أحد علينا خشية، لأننا صرنا من المغضوب عليهم، حتى أننا ما كنا نجرأ أن نخرج خارج المنزل‏ (7)، و حرم علينا النوم من شدة الفكر

____________

(5) مسرور.

(6) «لواطية».

(7) «المنذول».

253

و الوهم. و ما كنا نندم على ما مضى إذ ما كان ينفع الندم، بل صارت أفكارنا إلى الوسيلة التي تمكننا من الخلاص من يد هذا الظالم. فثالث يوم، أرسل الدريعي و استدعى رجلا يقال له أبو السلام، من أحد مدبري الوهابي. فحضر المذكور، و هو رجل طاعن بالسن حسن الأخلاق، فترجاه الدريعي أن يذهب من طرفه عند ابن سعود و يقول له هكذا: «يقول لك الدريعي: الذي في خاطرك افعله عاجلا، و لا لوم عليك إذ ما لك ذنب، فهو باختياره رمى 2/ 107 بروحه بيدك». فتوجه أبو السلام/ و تكلم بذلك. فما ردّ جوابا بل أرسل خمسة و عشرين عبدا مسلحين يرصدوننا على باب المنزل لئلا نهرب. فصرنا تحت الحوطة (8). فاشتد علينا الوسواس إذ كنا دائما منتظرين الموت. فأخذت ألوم نفسي على حضوري، و رميي حالي في مثل هذه المهالك الملعونة التي لا لزوم و لا حاجة لها، فقط لأجل البحث و كثرة الغلبة. فأقمنا يومين تحت الحوطة و الأفكار المتنوعة، فكثر الغم على الدريعي و ضاقت أخلاقه و كاد يقتل نفسه من شدة قهره، إذ هذا شي‏ء ما قط ذاقه و لا جرى عليه، من بعد حريته و إمارته و كبره‏ (9) يصبح تحت الحوطة محبوسا مهددا بالموت، فيئس من روحه و قال: إنه من المستحسن عندي أن يكون تدبير هذه المادة مع ابن سعود بالكلام القاسي الصارم، و خرق الحجاب معه و كسر الجرة، و من المؤكد عندي أن بالمعروف [لا تصلح أمورنا] و يتأتى عنه قتلنا (10). فبسبب ذلك، الكلام اللين و الرجاء لا تنجينا، و إن هي إلا موتة في سبيل اللّه، لكم بسعري، فإن متنا نمت كلنا، و إن خلصنا نخلص كلنا. فقلت له: يا أبو سحن، جميع ما قلته صحيح، و رأيك فيه الصواب، و لكن يا عزيزي على ظني أنه يمكن أن تخلصوا أنتم و لكن أنا غير ممكن أن أخلص من يده، أولا لأن قلبه محروق مني بسبب ما سمع عني، ثانيا إني نصراني عدوه الأكبر فكيف يمكن خلاصي؟ فقال: يا عبد اللّه و حق باسط الأرض و رافع السماء إن قتلنا لا أدع أحدا يقتلك إلا بعد أن يقتلني أنا و كل من معي، و إن خلصنا لا يكون أحد أمامنا حين خروجنا من هذه البلد إلا أنت، وثق بكلامي و اللّه شاهد على ما أقول. فقلت: «لا حول و لا قوة إلا باللّه، بالرغم عني أقول افعل يا أمير ما تراه مناسبا 1/ 108 لخلاصنا»./

و بالحال أرسل واحدا من العبيد الذين يحرسوننا ليحضر أبو السلام. فأتى المذكور.

____________

(8) «اليسق»، كلمة تركية، أي الحفظ و المنع و الحراسة.

(9) «كبرته».

(10) عبارة الصائغ: «لأن عندي ماكد [- مؤكد] بالمعروف لا تمضي معه إلا بقتلنا».

254

فقال له الدريعي: يا أبو السلام، أريد منك، بحق ذمة

أدعوته باللّه ثمّ قتلته‏* * * لو هو دعاك بذمّة لم يغدر

(11) العرب، أن تروح عند ابن سعود و تقول له: الدريعي يريد أن يكلمك خمس كلمات و بعدها افعل الذي تريده يدك و لا تتوان‏ (12). فذهب أبو السلام و قال له ذلك بحضور جمع كبير كان موجودا عنده. فصار الحاضرون يشيرون عليه أن أرسل و أحضر الدريعي و اسمع ما هو كلامه. و إن كنت تريد قتله فيمكنك أن تقتله في أي وقت أردت. فأذن بمواجهته. فحضر أبو السلام مرة ثانية و توجهنا معه جميعنا، فدخلنا و سلمنا حسب العادة و جلسنا بآخر الناس. فقال ابن سعود: «ما هو الكلام الذي تريد أن تقوله لي، تكلم به». فقال: اعلم يا ابن سعود أنني الآن بيدك، و ليس معي غير أحد عشر نفرا و أنا، و من المؤكد أنه لا يمكنني أن أقاتلك بهم إذ من المعلوم عندي أن عندك [مثلهم‏] ألوفا و ربوات، فإن نفخت علينا تعملنا رمادا، و هذا شي‏ء مؤكد. و لكن كن على حذر، و حياة اللّه الذي لا يعبد سواه، من حد أبواب الهند الشرقي‏ (13) إلى العجم و الجزيرة و البصرة و الحماد و عربستان و [من‏] بلاد حوران إلى حد أبواب نجد، كل من لبس على رأسه كوفية يطالب بدمي منك و يأخذ ثأري‏ (14). فإن كنت سلطانا حقا و تدعي بالعروبة، فمن العيب عليك أولا الخيانة التي هي صنعة العثماني المشهور بها، و ثانيا الغدر فهو ليس من شأن الملوك الأقوياء (15) بل للعاجزين. فجيوشك كثيرة و سيفك طويل. فإن كنت حقا أنت الوهابي سلطان العرب و الحجاز و اليمن، ردني إلى مكاني و خذني بقائم سيفك، فيكون لك الفخر بذلك. و إن قتلتني بالغدر و الخيانة يكون ذلك سقوطا لفخرك، و حقارة لشأنك، و خرابا لملك و تدميرك للأبد. و أكثر من ذلك ليس عندي ما أقول. فافعل ما تريد يا خاين عهود العرب و بوّاق‏ (16) في من يدعس بساطك، و سوف تندم، فما أنا إلا واحد من جملة 2/ 108 ألوف/ و صفوف، إن قتلت لا أنقص و إن بقيت حيا لا أكثر، تسلم طائفة بيت شعلان‏

____________

(11) إن الحلف بذمّة العرب من أعظم الأقسام، و أغلظها استنادا إلى الأعراف البدوية، و في هذا المعنى يقول الشاعر المخضرم متمم أبو نويرة:

أدعوته باللّه ثمّ قتلته‏* * * لو هو دعاك بذمّة لم يغدر

(انظر كتاب الأغاني ج 14، ص 155، بيروت، دار الحياة، 1957).

(12) «و ما تطوّل».

(13) كذا، و الصواب الغربي.

(14) الدريعي يتكلم بهذا الكلام لأن جميع العرب الذين ذكرهم دخلوا معه بالرباط و أصبح رئيسهم.

(15) «الطايلة».

(16) الخائن؛ في مصطلح أهل البادية البوّاق هو الضيف الذي يخون صاحب البيت الذي أضافه.

255

و سحن أميرهم، و وراءه عدة قبائل و عشائر لا تعد، جميعها تطالب بدمي، فكن على بصيرتك و افتح عينيك و لا تقل ما أنذرتك على فعلك الردي‏ء معي. فتبسم بضحكة خفيفة و صار يلعب بذقنه‏ (17) ثم قال: قم ارجع إلى محلك و استرح، لا يصير إلا الخير. و أمر العبيد إلا يعودوا إلى الحوطة علينا. فرجعنا إلى منزلنا و حالا (18) وصلنا الغداء من بيت أبو السلام.

فاطمأنينا نوعا ما و سكن روعنا. و لما كان الغد استدعانا عنده فحضرنا و أظهر البشاشة و الميل إلينا، و أمر بالقهوة لأننا إلى الآن لم نكن قد شربنا قهوته. و بعد ذلك سلم على الدريعي سلام المحبين، و سأله عن الذين معه كل واحد بمفرده، إلى أن صار الدور لي، فقال له: هذا عبد اللّه الخطيب. فالتفت إلي و قال: أنت عبد اللّه الخطيب النصراني؟ قلت: نعم أنا هو.

قال: يظهر أن فعلك أكبر منك. قلت: نعم يا ابن سعود، و ما هذا بعجيب فالرصاصة صغيرة، و تقتل سلطانا كبيرا. فضحك و قال: قد حققت جميع ما قيل لي عنك. و لا أريد منك سوى سؤال واحد أريد أن تجيبني عليه بالصواب و تقنعني. قلت: و ما هو؟ قال: هذا الرباط الذي لكم خمس سنوات تشتغلون به ما هي الغاية منه؟ فقلت: يا سيدي هذا شي‏ء واضح كالشمس فنحن بوساطة الحرية عملنا على اتحاد القبائل، و جعلناها روقا (19) واحدا مع بعضها، و جعلنا على رأسها الدريعي ابن شعلان و ذلك لامتلاك عربستان كي نكون حصنا لك في وجه الأتراك‏ (20). قال: قوي مناسب، و لكن لماذا حين حضر الجيش من طرفي منعتوه عن أخذ حماة و بذلتم جهدكم في تدميره/ و كسره؟ قلت: صحيح لأن مرادنا أن نملكها نحن لا أن تملكها أنت. و بعد امتلاك عربستان‏ (21) و تدبيره و ترتيب حكمه كما يجب، فعندئذ نعمل الاتحاد معك و نكون على سوية لأننا جميعنا عرب، و جنس واحد، و حاشا أنك تقسو علينا أو نقسو عليك. و نحن لم تزل هذه نيتنا، و ما حضرنا عندك، يا ابن سعود، إلا لأجل إتمام ذلك و ربطه، و عقد الشروط الواجبة فيما بيننا، لتقويتنا و تقويتك و اتحادنا معك. و بما أن هذه غايتنا فإن الدريعي تكدر جدا نهار أمس و تكلم بكلام غير لائق، لأنه يريد هو تقويتك‏

____________

(17) لحيته.

(18) وصول الغداء بهذه السرعة إلى عدد كبير من الأشخاص يدل على أن ابن سعود كان أعطى الأوامر بهذا الخصوص قبل أن يتكلم الدريعي معه.

(19) «روك»؛ و الروق: القرن.

(20) «في وجه باب الأتراك».

(21) في المخطوطة: «بعد امتلاك عرب»، و هذه العبارة لا معنى لها.

256

و رفع شأنك و أنت قصدت أن تنزل من شأنه و تكسر شيمته أمام الناس. فصدق المغرور (22) هذه الحيلة (23) و سرّ جدا، و صرت عنده في عين القبول و أصبحت مطمئنا على نفسي من ضرره لي فيما يتعلق بأمور الديانة. و ما كان هناك واسطة لإقناعه غير هذه الطريقة، أو لنخلص من يده و يجعلنا مقبولين عنده. ثم أمر بالقهوة أولا و ثانيا و ثالثا، و هذا عندهم كرم زائد، و فناجينه كبيرة تطفح بالقهوة الممتازة لأنه هو سلطان اليمن‏ (24). و لكني كنت مقهورا جدا إذ ما كنت أستطيع أن أشرب التوتون، لأن هذا محرم عنده جدا جدا، و الذي يشربه ما له قصاص إلا القتل.

ثم توجهنا إلى قناقنا مسرورين. و تلك الليلة دعينا إلى العشاء عند واحد من رجال ديوان الوهابي يقال الحضرموتي‏ (25)، و كان حديثنا تلك الليلة مع المذكور عن أحوال ابن سعود و حكمه، فتبين لنا أن باطنا لا يوجد أحد يرضى به، و لكن بالظاهر فقط. ثم أخبرنا المذكور على تحف و أموال أخذها الوهابي من على قبر الرسول بمكة (26): شي‏ء لا يوصف، أربعون جملا محملة ذهبا، و جواهر، و قطع سلاح مجوهرة، و أشياء ثمينة التي تجمعت من حين دفن محمد إلى الآن، [هدايا] من سائر ملوك الإسلام و العرب و الأعاجم، فتجمعت التحف و الأموال و القطع الثمينة في ذلك المكان. النتيجة شي‏ء لا يثمن، و من الجملة كرسي مرسل من العجم، مرصع بالجواهر الكبيرة داخلا و خارجا لا يستطيع أحد أن يثمنه، و نحو مئتي 2/ 109 قنديل/ من الذهب و مجوهرات، شماعدين ذهب مرصعة بالجوهر و اللؤلؤ الثمين، صناديق من ذهب ملآنة ذهبا، عقيق، و تيجان مجوهرات، و أيضا جوهر، قطعة واحدة بحجم الجوزة التي كانت معلقة على قبر محمد، النتيجة شي‏ء ما له ثمن و لا يدخل بعقل. فجميع ذلك في خزينة الوهابي سوى الغروش التي يجمعها من الجزية، و الأموال من خيل و جمال و غنم و غير ذلك، من البلاد التي تحت حكمه، مثل الحجاز و اليمن، و حتى المكان الذي يخرج منه اللؤلؤ هو تحت حكمه، و أماكن أخرى يجمع أموالها و يضع في خزينته بالدرعية. فتأكد لنا أنه أغنى من كافة الملوك، لسبب واحد أن ليس عليه مصروف كليا. لأن أكثر مصاريف الملوك، كما هو معلوم،

____________

(22) «التيس».

(23) «النصبة».

(24) امتد الحكم الوهابي إلى تهامة اليمن.

(25) «الاضراموطي».

(26) من المعلوم أن قبر الرسول بالمدينة.