رحلة فتح الله الصائغ الحلبي إلى بادية الشام وصحاري العراق والعجم والجزيرة العربية

- فتح الله الصائغ الحلبي المزيد...
347 /
257

على العساكر و السخاير (27) (؟) و الكسوة و العلف و الأكل و الجبخانات و خصوصا في أيام الحروب، فهذه الأشياء جميعها لا تكلفه أي مال‏ (28)، و علاوة على أنه لا ينفق على رعاياه و لا يخصر مصرية واحدة، فإنه يأخذ منهم الجزية و يكثّر خزائنه.

____________

(27) السّخرة عمل يقوم به الناس دون أجرة.

(28) «ببلاش».

258

[وصف الدرعية]

ثم ثاني يوم درنا بالبلد. و هي بلدة صغيرة بها مياه وافرة داخل البلد. عماراتها من الحجر الأبيض، تحتوي على سبعة آلاف نسمة، أكثرهم من أقربائه و أتباعه و مدبريه و عقّاده و رؤساء عساكره و من يلوذ به أيضا. و لا يوجد فيها سوق للبيع من نوع أكل و شرب، بل كل واحد يأكل من بيته، و الغريب يضيفونه عندهم و يتسابقون عليه بالدعوات‏ (1). و أما صنائعهم فحياكة الخام و شغل المشالح السود و البيض، و الدسمانات، و الزنانير المقلمات بأبيض و أحمر.

و هناك أيضا دكاكين سيوفية و قندقلجية لأجل شغل التفنك. و دكاكين بياطرة و دكاكين صناع 1/ 110 حوائج الجمال و مرجلات‏ (2) (؟) الخيل من لباد/ لأنهم يصنعون كثيرا من اللباد (3) في بلدهم.

مرؤتهم قليلة، و ليس لهم قوة للاستطاعة على الشغل و التعب، بل إنهم يحبون الراحة و قلة العمل و يحبون أيضا الجمعيات و الحديث الكثير و لو كان من غير فائدة، فقط للحكي و تقطيع الوقت. نساؤهم لسن محسنات كثيرا، و أكثرهن سمر غامقات، و البيضاء كمثل السمراء في بلادنا، يخرجن للطريق و هن مغطيات بمشالح سود إلى فوق رؤوسهن، [واسعة

____________

(1) «عزائم».

(2) كتابة الكلمة غير واضحة، و لعله يريد سروج أو مسروجات.

(3) «لأن يشتغلوا لبابيد كثير».

259

بنوع أن المشلح الواحد يكفي لامرأتين‏] (4). و هن حافيات بلا نعال‏ (5)، مثل نساء عرب البادية، إلا أنهن يزدن عليهن الغطاء (6)، و ملابسهن كملابس نساء العرب إلا أنهن لا يقتنين الحرير، لأنه محرم عندهن. يشككن في عراقياتهن‏ (7) ذهبا، و في طرف شملاتهن أيضا.

عندهم بساتين خارج البلد، في الوادي، بها أنواع الفواكه، مثل الموز و التين و الرمان و البلح و الليمون و البردقان و قصب المص و البطيخ الأصفر و العجور و جوز الهند، و مأكولهم لحم الجمل و حليب النوق و لحم الضأن‏ (8) قليلا، و يزرعون الحنطة سقيا، و أكثر ما عندهم الذرة البيضاء و الصفراء و يستعملونها للخبز و الطبخ أيضا، و يكثر عندهم الدجاج. و أكلهم قليل جدا و هم يشبعون بأقل شي‏ء. و مصروفهم قليل جدا أيضا لأنهم جميعا يزرعون على نفقتهم‏ (9) ذرة و حنطة، و لهم مواشي و خيل، و ملبوسهم متواضع لا يكلف دراهم كثيرة، و أكلهم كذلك لا يقتضي له نفقة كبيرة، و كل شي‏ء بأرخص الأثمان‏ (10)، و ليس هناك ما يباع من لبس أو أكل و يحوج إلى صرف الدراهم. و الشي‏ء الذي ينقصهم مهما كان يجلبه لهم أهالي ينبع بحرا إلى مكا (11)، كرسي اليمن المحل الذي يخرج منه كميات القهوة، لا مكة التي بها قبر محمد، بل إلى مكا، بلد عظيم، من تخم‏ (12) صنعاء اليمن بالقرب إلى ديرة الجوف، التي بينها (13) و بين باب المندب ستة أيام لا غير، و هي تابعة لليمن و لكن مالكها 2/ 110 الوهابي/، بلدة كبيرة جدا بقدر مدينة حلب، يعطي سكانها الجزية للوهابي و يخافون منه كثيرا. فأهالي مكا يأتون باللوازم للدرعية و يبيعونها و يشترون منها غنما و جمالا و مشالح و خيلا و ما يلزمهم، لأن كل نهار أربعاء يوجد سوق‏ (14) بالدرعية للبيع و الشراء من مواشي و لباد

____________

(4) يقول الصايغ: «مرتين في مشلح واحد».

(5) «لبّاسات».

(6) «فقط ذايدين بالغضا [- بالغطاء] عليهم».

(7) «عراقيهم».

(8) «الضان».

(9) «كيسهم».

(10) «ببلاش».

(11) يريد الصائغ مدينة مخا على ساحل البحر الأحمر.

(12) تخم ج تخوم: حدود.

(13) أي مخا.

(14) «بازار».

260

و مشالح و شملات. و أهالي الدرعية يبيعون أيضا إلى قرى بلاد الحضرموت‏ (15)، و قد بقي منها شي‏ء قليل إلا أن أكثرها خراب، و الحضرموت، كما هو معلوم، كانت بالسابق بلادا عامرة عظيمة، و أما الآن فأكثرها خراب، و هناك بعض القرى تابعة للوهابي، أهلها فقراء جدا يعطون الجزية تحت رق العبودية. و أما عملة الدرعية فالريال الفرنجي، و ذهب مشخص‏ (16)، و ذهب مجر، و نصف ريال و ربع ريال، و ذهب جنزرلي صنع مصر قديم، و ذهب أبو ورده قديم و مصريات فرط، و أما عملة العثماني فلا يتعامل بها قط. ثم عند المساء رجعنا إلى المنزل و قيدت جميع ما رأيته و سمعته في اليومية.

____________

(15) «الاضرموط».

(16) عملة ذهبية كبيرة (اسماعيل الأكوع، المدارس الإسلامية في اليمن، ص 194).

261

[حديث مع ابن سعود]

و ثاني يوم ذهبنا عند ابن سعود فدخلنا و سلمنا عليه فرحب بنا و عمل لنا غاية الإكرام. فابتدأ الحديث بخصوص الممالك الفرنجية و أحوال بونابارته، لأنه كان سامعا بأخباره فاستقصى مني على سيرته، فأخبرته على قدر معرفتي، فسرّ جدا و كان يتعجب من أفعاله و انتصاراته على غير ملوك، و قال: هذا، لا شك فيه، قائم بأمر اللّه تعالى، و ربما كان بداخل باطنه مع اللّه و لا يشرك به أحدا حتى أعطاه مثل هذه القوة و الانتصارات. فضحكت في قلبي و قلت في عقلي: يا مسكين إن قوى بونابارته بعيدة عن ظنك فيه.

ثم غيّر الحديث و قال: يا عبد اللّه، أريد منك أن تعرفني ما هو قواعد دين النصرانية.

1/ 111 فهذا السؤال عصّ قلبي منه جدا فقلت: يا ابن سعود، قاعدة جميع الملل و المذاهب/ هو اللّه تعالى وحده و لا شريك له، و هو الديان فقط، فاعتقاد النصارى باللّه تعالى سبحانه و جل شأنه، إنه هو الخالق، و الرازق، و المحيي، و المميت، و الرافع، و الخافض، و المقاصص‏ (1)، و المسامح و العاطي و القابض، إله مكنون و أمره بين الكاف و النون. قال: قوي مناسب، و لأي شي‏ء خلقنا؟ قلت: حتى نعرفه و نعبده، و نكرمه و نحبه و نرث جنته. فانشرح من ذلك جدا و قال: و كيف يا عبد اللّه تصلون؟ و ما ذا تقولون في صلاتكم. قلت: يا سيدي، صلاة ربانية و هي أبانا الذي في السموات الخ. فسرّ و حالا أمر أحد الكتاب و كتبها في ورقة، و أخذها

____________

(1) «المقاقص».

262

و وضها في عبه. و قال: و غير ذلك ما ذا تقولون؟ قلت: وصايا اللّه العشر التي كتبها بإصبعه و أنزلها على سيدنا موسى (عليه السلام) في اللوح المحفوظ. قال و ما هي؟ قلت: أنا هو الرب إلهك لا يكن لك إله غيري، لا تحلف باسم اللّه بالباطل، إكرم أباك و أمك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، و لا تشهد بالزور، و لا تشته، امرأة قريبك، [لا تشته‏] مقتنى غيرك‏ (2).

قال: و إلى أي جهة تتجهون في الصلاة؟ قلت: يا عزيز، نصلي إلى أي جهة كان لأن اللّه موجود في كل مكان، في أعلى السموات و على الأرض. قال: و بأي نوع تعرفون سيدنا عيسى. قلت: روح اللّه. قال: عندكم صلب عيسى. قلت: استغفر اللّه العظيم و لا نكون من الكافرين، إن روح اللّه يظلل و يصلب و لكن شبّه به‏ (3). قال عفاك. ثم قال: و الإنجيل أهو محفوظ عندكم كما أنزل على قلب سيدنا عيسى عليه أشرف السلام؟ قلت: نعم، و لا يمكن أن يبدل أحد حرفا واحدا منه. قال: و هل تعملون بموجبه؟ قلت: و كيف لا. قال: الإسلام لا يزال يعاملكم بموجب عهد رسول اللّه الذي أعطاه لكم. قلت: خيرا يا ابن سعود، إنهم لا يتمسكون بحرف واحد منه. و ما كفى أنهم لا يعاملوننا بموجبه بل يعاملوننا بضده. قال:

لعن اللّه القوم المشركين/ (4) الناكسين عهد نبيهم، حلّ ضرب السيف فيهم. ثم قال: و كيف تتزوجون؟ قلت: بموجب كتاب عند قاضي الإسلام و رضاء الفريقين أي أهل العروس و العريس، و النقد للعروس على حسب ما أمر الحق سبحانه و تعالى عن يد سيدنا عيسى: ثلاثة و ثلاثون غرشا لا غير. قال: و كيف تستحلون شرب المنكر و لحم الخنزير. قلت: خيرا، هذا شي‏ء محرم عندنا جدا و منهى عنه في كتابنا. و أما العصاة الذين يستحلونه فلا قياس عليهم، لأنهم من المغضوب عليهم‏ (5) يفعلونه سرا و إن عرفناهم لرتبنا قصاصهم. قال: و التوتون الذي هو مكروه جدا و حرام، أي فائدة تجدون من استعماله؟ قلت: يا سيدي أنا عمري ما ارتكبت هذه المعصية حتى أجاوب عن الفائدة من ارتكابها. فضحك الدريعي و انشرح لعلمه الأكيد أن عقلي قد طار من عدم شرب توتون، و على الخصوص أننا كنا قد شربنا نحو

____________

(2) نسي الصائغ الوصية الثالثة: إكرم يوم الرّب.

(3) كذا، و الآية تقول: وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ‏. أما قول الصائغ: «روح اللّه يظلل و يصلب» فمن الصعب تفسيره و فهمه، اللهم إلا إذا كان وقع خطأ في الكتابة، كما عهدناه مرارا، و كان الصواب: «يظلل و لا يصلب»، فيستقيم المعنى.

(4) ابتداء الكراس رقم 14.

(5) «مغاضيب».

263

عشر مرات قهوة و ماتت في فمي من غير توتون. النتيجة سؤالات كثيرة، و كانت أجوبتي له دائما مما يناسبه و يقرب إلى طريقته. فانشرح من ذلك جدا و قال: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، كنت أظن أن النصارى كفار و مشركون باللّه مثل غير ملل و أكثر، و أما الآن فقد تأكد لي أنهم جماعة على الحقيقة و قريبون جدا من طريقتنا. فقلت في بالي يا مسكين، لو تعرف أحوالنا، و قديسينا، و أعيادنا، و صيامنا، و شركنا باللّه، و اعترافاتنا، و قرابيننا، و أمور الديانة عندنا، لكنت ما تركت دمي يلحق الأرض و لكن دبر اللّه الأمور. و هو لا شك فهم أني كذبت عليه في بعض المواد، و لكن الذي جعله يتغاضى عن ذلك هو أمله بالاتحاد معنا و ارتباطه بعصبتنا، لأن رأى أن سياستنا تناسبه جدا. و ثانيا أن من طبع العرب أن يصدقوا مهما قلت لهم، و قلّ أن يراجعوا أحدا بالكلام.

264

[أحوال ابن سعود و الدعوة الوهابية]

و أما بخصوص ابن سعود فهو فصيح جدا متكلم، ديوان حكي، و عنده علماء 1/ 112 عارفون بأمور ديانتهم، و ربما بلغك أيها القارئ أن الوهابي كان أرسل قديما عالما مجادلا للشام/ و غلب علماء الشام جميعهم، و هذا شي‏ء مشهور عند كافة الناس. و حين كان يتكلم معي و يسألني كان عنده بعض العلماء، فما فتح أحد منهم فمه ليقول كلمة واحدة، و بما أنه هو الذي كان يتكلم فلم يجرؤ أحد من الحاضرين أن يتكلم بشي‏ء ما من غير إذنه. فبعد ذلك انفرط الديوان و ذهب كل واحد إلى محله.

و ثاني يوم قضينا نهارنا بالفحص عن أحواله، و ترتيب حكمه و نظامه، فقد فهمنا جيدا أن أولا له ولدين قد زوجهما و بنتا لم تزل عزباء. و له امرأة واحدة أم البنت و صبي واحد، و له جارية سرية، له منها ولد كبير. و أما بخصوص ترتيب حكمه فإنه يستند في كل أموره إلى الدين. حتى أنه حين ينصّب حاكما من طرفه على بعض الأماكن الخاضعة لحكمه، يأكل معه، ثم يتوضأن و يصليان سوية، و بعد ذلك يقلده سيفا، و يقول له هكذا: «قد اقمتك بأمر اللّه على عباد اللّه، فاعدل في الرعية و أفصل في القضية و اقسم بالسوية، و اقبض الجزية و اضرب أعناق السنّية (1) و لا تدع مشركا يستقر في حكمك () (2)». ثم يعطيه ورقة مختومة

____________

(1) كذا، و هو يريد أهل السنة.

(2) كلمة غير مقرؤة لأنها مخيطة في جلد الكتاب.

265

و ممضية باسمه مذكورا بها: «قد ولّى و اليكم عبد اللّه، القائم بأمر اللّه، فلانا حاكما عليكم فأطيعوه، و لا تكونوا من الفاجرين فنعاملكم بسيف الدين، و السلام على من اتبع هدانا، و أجاب دعانا، و أحب ما نحب، و رفض ما نرفض، فهو من أهل التقوى و الدين، و من خالف فكان عندنا من القوم المشركين و السلام». و هكذا هي صورة فرامينه لا غير، في ورقة صغيرة طولها شبر و عرضها ثلاث أصابع فقط. و عنده أيضا ثلاثة أو أربعة كتّاب من أجل الأوراق و المكاتيب لا غير. و ليس عنده دفاتر حسابات للداخل و الخارج، فهو يرسل المزكي إلى القبائل و العشائر و المدن و القرى يجمع الأموال و الأرزاق، ثم يعود إلى عنده، فيأخذ الأموال و يضعها في خزينته بيده. و أما الأرزاق مثل الجمال و الخيل و العبيد و الغنم، فما أعجبه منه يدعه، و ما بقي يبيعه إلى أهالي مكا (3) و غيرها من حكمه و يضع ثمنها بالخزينة أيضا. عنده 2/ 112 من العبيد ألف/ دائما سرمديا تحت السلاح بالسرايا. و حين ينام بالليل مئة عبد يحرسونه على باب حجرته التي ينام فيها.

أما بخصوص صلاته فهو يتوضأ و يصلي مثل المسلمين: الكلام و الفرض و السند و الركوع و الوضوء شي‏ء واحد لا يخالف المسلمين، غير أنه لا يستقبل جهة مكة كمثل المسلمين، بل على أي جهة كان تجوز عنده الصلاة. و الإمام الذي يصلي به يدعو، في آخر الصلاة (4)، الحق سبحانه و تعالى أن ينصر القوم الموحدين على القوم المشركين. فالموحدون هم المستقرون في وحدانية الحق و المشركون المسلمون. و أما بخصوص محمد فهو لا يبغضه و لا يحبه و يقول عنه أنه إنسان صالح عمل الخير (5) و فرب الناس إلى اللّه بوساطة فصاحته و سعده و تقواه، و ما عمله فهو شي‏ء مقبول، و كل من عمل خيرا يشكر على فعل الخير و يكرّم نوعا ما عن غيره، و لكن لا يعبد و لا يزار قبره و يصلّى عليه و يصير له هذا العدد من الاحتفالات الإلهية، لأن كل من أراد يستطيع أن يكون إنسانا صالحا و يشكر بين الناس و يسمى مهديا (6)، إذ أن كل من أصلح فهو مهدي و كل من أفسد فهو دجال.

____________

(3) أي مخا.

(4) «يعمل دعا في آخر الصلا».

(5) «مليح».

(6) إن هذه الأقوال عن الوهابية كانت شائعة في أوائل القرن التاسع عشر، مع أن لا صحة لها. بل إن روسّو، و كان قنصل فرنسا في بغداد، زعم «أن الوهابيين ينفون عن محمد صفة النبوة. و هم ينظرون إليه نظرهم إلى رجل عادل و صالح، استحق، بسبب تقواه، أن يكون محبوبا من اللّه و المنفذ لأحكامه. بنوع أنهم و إن كانوا-

266

ثم ثاني يوم حضر المزكي الذي كان أرسله إلى بعض قبائل عرب، نواحي ديرة الحضرموت‏ (7)، و أحضر معه الزكاة يعني الجزية فأدخل الجميع للسرايا، فذهبنا لنراه، و كان‏

____________

- يقتدون بالمسلمين فيما يتعلق بالشهادة، فهم يحذفون منها الكلمات الأخيرة فتصبح فقط «لا إله إلا اللّه».

فمن الممكن أن نعتبرهم موحدين [- إلهيين‏] بتمام معنى الكلمة» (وصف ولاية بغداد، باريس، 1808).

و كان من جراء هذه الدعاية الكاذبة، أن الأتراك كانوا يقولون عن أتباع محمد بن عبد الوهاب أنهم أعداء الدين. و بعد أن اطلع العلامة الشيخ حمد الجاسر، صاحب مجلة العرب الغراء، على ما ذكره الصايغ، كتب مشكورا إلى محقق هذه المخطوطة ما نصه:

«هذا الكلام مملوء بالأخطاء الشنيعة»:

1- القول بأنه لا يستقبل جهة مكة، و هذا غير صحيح فأتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب حنابل المذهب و يرون استقبال القبلة (الكعبة) من أركان الصلاة إذا لم يستقبل المصلي القبلة بطلت صلاته و هذا أمر لا شك فيه و يعرفه حتى المبتدئ من طلبة العلم.

2- الدعاء في أخر الصلاة و في كل وقت مشروع بأن يعز اللّه الموحدين و يذل المشركين، و المشركون ليسوا المسلمين و لكنهم الذين يصرفون شيئا من أنواع العبادة لغير اللّه، و أنواع العبادة كثيرة و هي كل الأمور المحمودة شرعا التي أمر اللّه بها مثل الصلاة و الدعاء و الاستغاثة، فهم لا يجيزون دعاء أحد من الأموات سواء كان نبيا أو عبدا صالحا بل يحبون الأنبياء كلهم و يتبعون ما شرعه اللّه و لكن لا يصرفون لهم شيئا من أنواع العبادة.

3- و أما قوله عن محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) لا يبغضه و لا يحبه، فهذا كلام باطل، فمن أصول عقيدة أتباع الشيخ محمد كغيرهم من المسلمين محبة الرسول محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و طاعته و تقديم أمره على أمر أي إنسان مهما كان، و لكن طاعته و محبته لا تجيز أن يصرف له شي‏ء من العبادة بأن يدعى أو يستغاث به، فالدعاء و الاستغاثة للّه القادر على ذلك، و من لم يحب الرسول محمدا فإسلامه غير صحيح، و يعتبر كافرا يجب قتله عندهم.

و أما زيارة قبره فهي من الأمور المحبوبة و لكن لا لدعائه هو بل ليدعى له و يسلم عليه سلاما شرعيا و يصلى عليه.

فأتباع الشيخ محمد يفرقون بين حق اللّه و حق رسوله محمد، فحق اللّه العبادة و حق الرسول الطاعة و امتثال الأمر وفق الشريعة الثابتة في القرآن و فيما صح عن الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم).

و الموضوع يحتاج إلى تفصيل لا تتسع لها هذه الرسالة و كثير من الأمور المنسوبة إلى الوهابيين هي كما يعتقد الأستاذ لا صحة لها و هي من تأثير الدعاية في ذلك العصر.

(7) (الأضراموط).

انصافا لفتح اللّه الصايغ نضيف إلى تعليق الأستاذ حمد الجاسر ما جاء في كتاب حافظ وهبة [الجزيرة العربية في القرن العشرين‏] تحت عنوان «ما ينسب إلى النجديين و هم أبرياء منه».

«و قد نسب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب و الآخذين بدعوته كراهيته النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و الحط من شأنه و شأن الأنبياء و الأولياء و الصالحين» ...

«و نسبوا إليهم القول بإن العصا خير من النبي ... و لقد سمعت في نجد أن حكّام نجد الشمالية أثناء-

267

جاء بمئة و ثلاثة عشر جملا و تسعة رؤوس خيل عظيمة جدا و عبد و عبدة و مبلغ من المال.

فحضر هو بنفسه إلى أرض السرايا، و اختار منها أربعة رؤوس خيل مفتخرة جدا، و أدخلها و ربطت مع خيله، و انتقى أيضا عشرين جملا أحسن الموجود و سلمها إلى الراعي، و أخذ العبد و العبدة و أدخلهما إلى البيت، و أخذ جانبا من الغنم و سلمها أيضا إلى راعيه لأجل الذبح لمطبخه، لأنه يذبح سرمديا كل يوم نحو عشرين رأس غنم بالسرايا، تعيينا يفرق منها وكيل الخرج لحما نيئا على بعض الأكابر الذين عيّن لهم، هو ذلك كمثل الخرج‏ (8)، 1/ 113 و الباقي يطبخ بالسرايا للحاضرين/ و للضيوف الواردين و الشاردين. و ما يبقى من جمال و خيل و غنم يسلمها إلى الأمين، و هو واحد من خواصه يقال له الأمين، حتى يبيعها و يأتي له بقيمتها كما جرت العادة دائما. و أكثر البيع يكون إلى أصحاب الأرزاق ذاتهم الذين أخذت منهم، لأن كثيرا منهم يلحقون بالمزكي إلى الدرعية، و يوم الأربعاء، حين يصير السوق، يأتون ليشتروا رزقهم مرة ثانية من الأمين، لأنه يتهاود معهم بالثمن أكثر مما إذا اشتراه أحد غريب.

و أما بخصوص عيشته فهي معذبة من غير راحة فكر، لأنه أولا يأكل بالحرم عند النساء و لا يأكل من أكل السرايا و لا من يد أحد، يأكل من يد امرأته فقط خوفا من التسميم، لعلمه أن أعداءه أكثر من محبيه حتى من بين عربه و خواصه، و السبب في ذلك من أمرين‏

____________

- خصومتهم مع آل سعود كانو يكتبون إلى الأتراك أن آل سعود اتخذوا راية شعارها: لا إله إلا اللّه محدّ (بحذف ميم محمد) أي لا أحد رسول اللّه ...

«و لقدّ حضر إلى مكة أثناء الحرب الحجازية النجدية 1925 م بعض أفاضل السنغاليين و تطوان و أخبرونا أنهم سمعوا في الأسكندرية ... أن الوهابيين ... في الأذان يقولون أشهد أن لا إله إلا اللّه فقط و لا يقولون و أشهد أن محمدا رسول اللّه» ...

«و مما ينسب إلى أهل نجد تكفيرهم من عاداهم» ...

«و إننا نقتبس ما كتبه العلامة الشيخ حمد بن عتيق من رسالته التي وضعها عن مكة: هل هي بلاد كفر أو بلاد إسلام؟ ... إذا كان الشرك فاشيا مثل دعاء الكعبة و المقام و دعاء الأنبياء و الصالحين ... و صارت الدعوة إلى غير القرآن و السنة. فلا شك أن هذا البلد يعتبر بلاد كفر و لا عبرة بالصلاة و الحج و الصوم و الصدقة».

«إن التوحيد قد تقرر في مكة بدعوة اسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام)، و استمر أهل مكة عليه ردحا من الزمن، ثم فشا فيهم الشرك فصاروا مشركين و صارت بلادهم بلاد شرك» ... (الجزيرة العربية في القرن العشرين ص 300 إلى 303).

(8) المصروف و النفقة.

268

فقط (9) اللذين هما ضد طبع العرب و اصطلاحهم: أولا أنه يأخذ منهم الجزية رغما عنهم كما ذكرنا سابقا، و ثانيا أنه يغصبهم على الصلاة خمس مرات كل يوم غصبا سيفيا (10)، و أقام عليهم أناسا ترصدهم و ترغمهم على الصلاة، و الذي لا يصلي يقتله و يقطع خصيتيه و يضعهما فوق أنفه. و قد فعل ذلك مرارا عديدة مع شعبه. فهذان السببان قد زرعا عداوة و حقدا (11) في قلوب الشعب عليه و حصل لهم فتور و ملل من محبته و مالت قلوبهم إلى بغضه، و لو لا هذه الأسباب لما كان يوجد أقوى منه، لأن شعوبه كثيرة لا تحصى و أماكنه بعيدة لا يتطاول إليها أحد، و لا مصاريف عليه كما ذكرنا سابقا، و لذا كان يستطيع أن يتقدم و يملك أماكن كثيرة، و يصبح سلطان الجزيرة العربية (12) كافة برا و مدنا.

ثم دخلنا إلى القسم الداخلي من السرايا (13)، لنمتع نظرنا برؤية خيلها. فيا له من 2/ 113 منظر للخيل لمن يحب الخيل، و ليس لي لأني/ من بعد وقوعي الذي تكلمت عنه‏ (14)، ما عاد قلبي يتحمل رؤية جنس الخيل و لا يطاوعني على ركوبها. و بالنتيجة شي‏ء يأخذ العقل، فموجود نحو مئتي فرس كأنها تصوير على ورق، لأنك مهما كنت عارفا بأمور الخيل لا تستطيع أن تميز الواحد عن الأخرى بالجمال، فجميعها كأنها صنعت من عجين، على يد معلم واحد، [إذ أنها متساوية] بالقد و العلو و الهيئة (15) و الضعف و الحسن و المزايا. فمنها ثمانون واحدة بيضاء، و أثوابها مثل الثلج، لا يمكن تمييز الواحدة عن الثانية باللون‏ (16)، و الباقي مشكلات على حسب ألوان الخيل: شي‏ء مفتخر لا يمكن وجود نظيره عند غير ملوك.

ثم رجعنا إلى منزلنا، و دعينا تلك الليلة على العشاء عند الأمير عبد اللّه الهدّال الذي كان متوليا جيش الوهابي. فعمل لنا غاية الإكرام و الحشمة و تذكرنا أيام حربنا معه أمام حماة و تلك الأمور التي جرت، و سامح الدريعي و عبد اللّه بعضهما من جميع ما جرى و صارا بوفق و محبة زائدة. و ثاني يوم توجهنا عند ابن سعود و بعد شرب القهوة طلبنا منه خلوة لأجل تأكيد

____________

(9) «لأجل نوعين فقط».

(10) «بحتم سيفلي»، أي بالسيف.

(11) «غي».

(12) «عرابيا».

(13) «السرايا الجوانية».

(14) «وقعتي المعلومة».

(15) «الكسم».

(16) اسقطنا هنا سطرا وضعه الصائغ في هامش الصفحة، فلم نتمكن من قراءته لأنه مخيط في جلد الكتاب.

269

حيلتنا (17)، عليه، فأمر بذلك. و كان بالخلوة هو و عبد اللّه الهدال كاخيته و الدريعي و أنا لا غير.

فصار رباط عظيم، بقول وثيق، و أقسام عظيمة، أننا نحن و هو بالحال واحد: العرض واحد، و الدم واحد، و المال واحد، و اللّه الشاهد و الرقيب على من يتعدى و ينقض رباطنا هذا، و إن حين يستدعي أحد من الفريقين الآخر إلى معونته يحضر سريعا من غير تماهل كليا.

و ما يضره يضرنا، و ما ينفعه ينفعنا، و الصاحب صاحب جميعنا، و العدو عدو جميعنا، و أن نبذل جهدنا لندافع و نمانع جميع غوائل الأتراك الذين يقدمون من اسلامبول‏ (18)، لأنه كان حاسبا حسابا كبيرا للسلطان و يخشى أن يرسل إليه جيشا عن طريق الحج، كما وجهه إلى 1/ 114 مصر أيام الحملة الفرنسية، فجعلناه يطمئن من هذه الناحية/ و أرحنا باله من هذا القبيل، لأنه ما كان حاسبا حسابا لوالي مصر ابدا بل كان حسابه الأكبر للسلطان، مع أن أخبار استعدادات محمد علي وصلت إليه جيدا، و لكنه كان لا يفكر بها ثقل حبة خردل.

فتمّ هذا الاتحاد فيما بيننا و تحالفنا على السيف و المصحف و تعهد لنا أن مهما لزم لنا لأجل إعانتنا على استملاك عربستان من إمداد بالرجال أم بالمال، يكون جاهزا و يرسل إلينا، و يصير الدريعي سلطان الشمال و هو سلطان القبلة و يكونان روحين في جسد واحد، و قرأنا الفاتحة على ذلك و خرجنا من الخلوة إلى حجرة ثانية، فأمر بالغداء فأخرج الغداء من الحرم و كان شيئا منظوما من لحم و أرز و دجاج و محاشي و حلويات لأن العسل كثير بالدرعية و غير أماكن. فغسلنا أيدينا و جلسنا للغداء. فمد يده هو قبل الجميع و قال: «بسم اللّه خالقك و مفرق أصابعك». فأكل من كل صحن لقمة ثم قال: تفضلوا، و المعنى أنه يرفع الشك عن مادة السم، لأن هذا الوسواس شديد عنده. فابتدأنا و هو يأكل معنا بيده من غير معلقة.

فقال له الدريعي: الإفرنج يأكلون بالمعالق الفضة و الملاقيط الفضة و السكاكين، من غير أن يمسوا بأيديهم شيئا. فقال: و كيف يصير ذلك؟ فقلت له: الآن أريك. و قمت حالا و أخذت قصبة فارسية و صنعت معلقة و شوكة (19) من القصب، و وضعت سكينا و أخذت صحنا فارغا و وضعته أمامي، و أخرجت محرمتي و جعلتها سلونية (20)، و ابتدأت آكل بكل‏

____________

(17) «نصبتنا».

(18) استنبول.

(19) «فرتيكه».

(20) كذا، و قد تكون الكلمة مشتقة من صالون: غرفة الاستقبال.

270

ظرافة على فرانكا (21). فتعجب من ذلك و ضحك حتى شبع ضحكا و سرّ من هذه [الفرجة] (22) الفريدة و ابتدأ يوحد اللّه و يقول: سبحان الذي أرضى الناس بعقولها، كل من يعجبه عقله و دينه و أزياؤه أكثر من غيره. فبعد الأكل خرجنا إلى الخارج‏ (23) و شربنا القهوة بالديوان و توجهنا إلى محلنا. و تلك الليلة دعينا عند أبو نقطة (24)، عقيد خارجي مشهور كنا 2/ 115 ذكرناه في مادة حماة. و حين رجوعنا إلى منزلنا اعتمدنا أن‏ (25) نطلب الأذن بالسفر نهار غد.

و لما كان الغد توجهنا إلى الديوان. و بعد مواجهته و شرب القهوة قال له الدريعي: يا ابن سعود إن قدّر اللّه نهار غد نسلم عليك و نستأذنك بالرحيل. فقال له: يا ابن شعلان كأنك مللت منا سريعا (26)؟ قال: استغفر اللّه لا يمل أحد من رؤيتكم، و لكن لا بد من رجوع الغريب إلى وطنه. فقال له: حاشا، أنت لم تبق غريبا، فنحن و أنت بالحال واحد. فإن كان مرادك ذلك فليكن كما تريد. فجلسنا حصة من الزمن عنده، و قمنا إلى المنزل كي نعد أمورنا للسفر.

و بعد وصولنا بوقت قليل و إذ أرسل لنا سبعة رؤوس خيل، أفراسا لا ثمن لها، لكل واحد منا فرس و عبد يقودها، و سبعة هجن للسبعة عبيد حتى يركبوها حين يتوجهون معنا. و كان قسمهم هو بنفسه و أفهم العبيد ذلك [و قال لهم‏]: أنت يا فلان و فرسك و هجينك تقدم حالك لفلان. و كذلك [أهدى‏] للدريعي سيفا ثوبه جلد أسود إذ عندهم حرام اقتناء سلاح من الفضة و الذهب، إنما حديده شي‏ء مفتخر جوهر عظيم من أفخر سيوف العجم، و أيضا مع كل عبد مشلح حساوي أسود، و سيف ضبان‏ (27) عظيم، و مئة ريال فرنجي. فقبلنا جميع ذلك، و كل منّا عرف عبده و هجينه و فرسه. و لكن يا لها من سبعة رؤوس خيل لا يمكن أن يوجد نظيرها و لا ثمن لها. ففرحنا بها جدا و أخذنا نعدّ أمورنا للسفر. و ثاني يوم توجهنا إلى‏ (28) عنده حتى نستكثر بخيره و نودعه و نسافر إذ حضر عنده هجان، من عرب الينبع، يخبره أن 1/ 115 جيش محمد علي والي مصر/ خرج من الينبع بكل نظام و قوة متوجها نحو المدينة

____________

(21) أي على طريقة الإفرنج.

(22) كلمة غير مقرؤة.

(23) «برا».

(24) هذا أيضا من ترهات الصايغ، لأن أبا نقطة قتل سنة 1809.

(25) ص 2/ 114 بيضاء. و أما صفحة 1/ 115 فتأتي بعد صفحة 2/ 115 و في نهايتها.

(26) «قوام».

(27) كذا؛ و لم يظهر لنا المعنى. و قد سبق تفسير هذه الكلمة.

(28) ورقة صغيرة أضافها المؤلف.

271

لامتلاكها (29). فضحك و قال إن شاء اللّه سيصير بهم أكثر مما صار سابقا، جعلهم اللّه غنيمة للموحدين، هؤلاء الكفار و القوم المشركين. و إني بعون اللّه وحده لا أحسب لهم حسابا و لو بثقل حبة خردل. فدعونا له بالنصر و الظفر على أعدائه و خرجنا من عنده. و قلت للدريعي: اللّه يستر ابن سعود، لا أظنه يستطيع أن يجابه‏ (30) محمد علي في خصامه معه.

فقال: و كيف ذلك، فعلى ما شاهدنا أن عرشه كبير و جيشه كثير، فمن يستطيع عليه.

قلت: صحيح و لكن الأمر الذي ينقصه هو حب الرعية له، لأن أكثر شعبه غير راض عنه و مظلوم معه. و من المعلوم أن المظلوم يبحث عن خلاصه و خراب ظالمه. و في أقرب وقت سيخونه شعبه، لا سيما و أن العثماني يحرك عليه، و يعمل على ذلك، و على التفخيذ و الخيانة، كما هي عادته.

____________

(29) كانت الحملة المصرية على المدينة سنة 1812، و من الواضح أن الصائغ لا يراعي الأمانة التاريخية.

(30) «بيطلع راس».

272

[ريح السّموم‏]

1/ 116 ثم ودعناه و خرجنا/ من البلد و معنا العبيد، كل واحد راكب على هجين، يقود فرس معلمه معه، و كذلك طلع معنا جملة من الناس من الأكابر و ذوي المناصب رافقونا نحو ساعة من الزمن و ودعونا ثم رجعوا (1). و أما نحن فأخذنا الطريق الحجازي و قصدنا التوجه بالسلامة إلى بلاد حوران، حسب الوعد مع عرباننا. فجدينا بالمسير، و كل ليلة نبيت عند عرب، لأن العربان في تلك الأماكن كثيرون جدا بسبب قربهم من الدرعية. ثم خامس يوم من سفرنا كنا نائمين عند قبيلة عرب يقال لها الهنادي‏ (2)، فقمنا ثاني يوم لنسافر فوجدنا جميع الجمال طامرة رؤوسها بالرمل، فعرفنا أن ريح السموم قادمة و يسمونها أيضا السنبلة (3). فهذه الريح تحصل في البادية الحارة جدا. و قبل أن يعرف بها أحد تشعر بها الجمال أكثر من الجميع.

و بسبب حكمتها كي لا يصيبها ضرر منها و تموت فإنها تطمر رؤوسها بالرمل و تدبير أقفيتها لملاقاة الهواء. و هي تشم رائحة ذلك الهواء قبل وصوله بساعتين أو ثلاث ساعات. و سبب طمر رؤوسها بالرمل فكي لا يدخل هذا الهواء الردي‏ء الجهنمي في مناخيرها. فإذا قتلت‏

____________

(1) جاء في ترجمة فرنيل: «فلما وصلنا إلى باب المدينة وقف الدريعي و التفت إلي و قال: تفضل و اخرج أولا، فإني واف بعهدي» ... و نلاحظ أن كل هذا المقطع لا وجود له في الأصل العربي، و هو من مبتدعات لامرتين.

(2) الهنادية، من بني محمد من بني عمرو، من حرب (الجاسر، معجم القبائل، 2، ص 888).

(3) و لعله يريد الصّنبل أي الخبيث المنكر، و من عادة الصايغ أن يبدل الصاد بالسين.

273

الجمل و قرمت لحمه لا يمكن أن يرفع رأسه حتى يخلص الهواء و لو دام يومين. فحالا أعد العرب المواقع التي يمكن أن يحتموا بها من ذلك الهواء. و حالا أغلقوا بيوتهم من أطرافها الأربعة، و أدخلوا الماء إلى داخل البيوت و سدوا آذان الخيل كلها لأن الخيل يصيبها الضرر من هذا الريح في أذانها. و حالا كل واحد غطّى رأسه بمشلحه و قعد في ناحية. ثم وصل الهواء المسم الشنيع الناري، فكأن أبواب جهنم قد فتحت: نار لا توصف و ترى البراري تلتهب من النار و الغبرات الحمر و الزوابع متصلة و الأرياح العاصفة غير منفصلة، و تسمع هدير الجمال و صهيل الخيل و عويل الكلاب، شي‏ء يفزع الأسد. و الذي يريد أن يشرب يمشي على يديه و رجليه و يذهب ليشرب من قربة الماء و قد أصبحت بالحقيقة أسخن من ماء الحمام الغالية. النتيجة أن الدنيا قد اشتعلت نارا. و دامت هذه الحالة عشر ساعات متواصلة حتى كادت تخرج 2/ 116 أرواحنا/ و بعد ذلك ابتدأ الهواء يخف رويدا رويدا إلى أن انقطع تماما، و جملة ما دام ست عشرة ساعة. فخرجنا من البيوت و خرج الناس كافة، و لكن كنت ترى وجوه العربان سوداء كأنهم خرجوا من حريق. و من ذلك الهواء مات في نزلنا ثمانية أنفار، منهم خمسة أولاد و امرأتان و رجل واحد. و الموتة بهذا الهواء سريعة جدا مثل الرمي‏ (4) بالرصاص، لأن الإنسان حين يشم هذا الهواء المسم يبتدئ الدم حالا يخرج من مناخيره و فمه بكثرة، و خلال ساعة من الزمن يصبح أسود مثل الفحم و ييبس و يموت موتة رديئة أنجس من الطاعون. فشكرنا اللّه تعالى الذي أنقذنا من هذا الخطر المحدق‏ (5) العظيم. و سافرنا في اليوم الثاني و كنت دائما أفكر بخوف شديد بهذا الهواء، خشية من أن يحصل مرة ثانية و نكون سائرين وحدنا بالطريق من غير بيوت عرب نأوي إليها فنهلك حالا بلا شك‏ (6).

____________

(4) «قويص».

(5) «القطوع».

(6) نصف الصفحة 2/ 116 بياض، و كذلك الورقة 117 و 118 و الصفحة الأولى من الورقة 119. و هذه الصفحات البيضاء تدل على أن الصايغ كان يريد أن يضيف بعض المعلومات، ثم لم يتمكن من ذلك لأسباب نجهلها.

274

[تقاليد العرب و عاداتهم و معتقداتهم‏]

نقول أن بعد ظهور الوهابي في بلاد الدرعية، تبعت طريقته السهلة المعلومة جميع القبائل و العشائر التي كانت قريبة منه، مثل بلاد نجد و اليمن و جبال شمر و الحجاز. فالبعض منها خوفا من شره و البعض منها استحسنت مذهبه و صارت معه، و البعض منها أملا بالكسب، لأنه قادم على حروب و فتح بلاد و ضرب قبائل، فطمعا بالنهب و السلب تبعوه.

و أما عرباننا الذين نحن عندهم، و هم عربان الهند و البصرة و بغداد و العراق و سورية و حوران و بلاد الجليل و غير و غير، فهؤلاء ظلوا على حالهم لعدة أسباب: أولا لأنهم بعيدون عن الوهابي، ثانيا ليوفروا على أنفسهم الجزية، ثالثا لأنهم يدخلون دائما إلى بلاد الإسلام [كذا] (1) بسبب ما يحتاجون إليه من لوازمهم مثل فروات و كوفيات و خام و مشالح و غير أشياء تلزمهم، رابعا لأجل وارداتهم و جعائلهم‏ (2) من تغفير الحج إلى مكة، خامسا لأجل خوّاتهم‏ (3) التي لهم على القرى. فلهذه الأسباب فرزوا أنفسهم من الوهابي، مع أن‏ (4) جميع العربان قريبون إلى طريقة الوهابي، و كذلك عرباننا. لا يوجد غير اللّه و محمد، و هم يكرمون الإمام علي أكثر من غير أصحابه. و أكثر أيمانهم [على الحشيش‏]، فهم يقطعون الحشيش و يحلفون: «و حق من خلق‏

____________

(1) راجع تعليقنا ص 265 حاشية 6.

(2) «مداخيلهم و معتاداتهم».

(3) خوات ج. خوة.

(4) «خوش».

275

هذه [الحشيشة]»، سواء كانت المادة هامة أو طفيفة (5). كذلك يحلفون برأس الإمام 1/ 120 علي، و إذا ضاع لهم شي‏ء ينادون عليه هكذا/ (6): «يا سامعين الصوت صلوا على النبي، أولكم محمد و تاليكم علي، يا من شاف‏ (7) لنا الحاجة الفلانية». فينتج من ذلك أن المكّرمين أكثر من الكل اللّه و محمد و علي. و كذلك يحلفون، في الأمور الهامة، بعواميد بيوت الأمراء، مثل بيت فاضل، و بيت شعلان، و بيت عبده، و بيت تامر، و غيرهم. فيقولون: «و حق عامود هذا البيت و ما أطعم من العيش». فهذا عندهم يمين قاطع كبير، و يعتقدون به كثيرا.

ثم أنهم يصدقون المنامات و يعتقدون بها جدا. و يعتقدون بالسحر و هم على يقين أن للسحر فعلا عجيبا و أن القلم يعمل في المحبة و البغضاء و الزواج و الفراق و الاجتماع. و عندهم كل من عرف الكتابة يستطيع أن يعمل كل أمر يريده، حتى أنني كنت عندهم بمنزلة سيمون الساحر (8)، لأني ما أكثر ما جمعت و فرقت، و زوجت و حببت و بغضت، مع أن ليس عندي أثر العلم بذلك و لا يقين بمثل هذه الأمور. فكنت أضحك منهم و اكتب لهم أحرفا مقطعة و خربشات و أحرفا فرنجية و أعطيهم إياها، و لكن أكون فهمت منهم المادة جيدا، و بعد ما أعطيهم الورقة أدبرهم على الطريقة و الظروف التي توصلهم إلى المطلوب، فأكثر الأمور تأتي وفق مطلوبهم. و من كثرة ثقتهم بالسحر يتوهمون أن الفعل من الكتابة و الورقة التي أعطيتهم إياها/ مع أن الفعل كان من التدبير كما هو معلوم.

و كذلك هم جماعة سريعو الإجابة، يصدقون ما تقوله لهم و لا يراجعونك مثل غير شعوب، لأن قلوبهم سليمة، و لا يغشون أحدا و لا يظنون أن أحدا يغشهم. فهذه الطباع كانت تريحنا جدا معهم. و كثير من الأوقات كنا نحتاج إلى أمر لأجل مصلحتنا، مثل الرحيل من المحل الذي نحن فيه، أو الإقامة به، أو العداوة مع إحدى القبائل، أو الصلح أو الاقتراب من إحدى المدن أو الابتعاد عن المدن، النتيجة الأمر الذي نحن بحاجة إليه وقتئذ، فأزعم أني رأيت مناما أعده في عقلي بالليل، و أقوم ثاني يوم أجمع كبار العربان و أقص عليهم منامي.

فمن المعلوم أنهم يسألوني ما هو تفسير هذا الحلم العجيب يا خطيب؟ فأفسره بما يناسبني و أختم التفسير بمطلوبي و يتم مقصودنا من ذلك المنام. و هذا الأمر حدث معنا مرارا.

____________

(5) «مادة كلية أم جزئية».

(6) نلاحظ أن عدد الأسطر و الكلمات في الصفحات قد نقص جدا إعتبارا من الورقة رقم 119.

(7) رأى.

(8) أحد المتطرفين من اليهود أشتهر بالسحر و كان معاصرا للمسيح.

276

أما بخصوص شريعتهم فهي مثل الشريعة المحمدية و لا فرق بينهما كليا (9). و لكن أين من يصغي أو يفهم منهم؟ فهم جماعة مثل وحوش البرية، و لهم مثل يرددونه دائما: «دفتر البرية مشقق»، أي أن ليس عندهم شرع و لا كتاب. و إذا حدث و احتاجوا إلى أمر يقتضي 1/ 121 له الشرع، فإنهم يذهبون عند أحد الأمراء أو مشايخ الحكم لأن ليس عندهم مشايخ دين./ و هذا الشيخ أو هذا الأمير ينهي الدعوى بينهم على أساس الوفق و الصلح، لا على قياس الشرع. و السبب بذلك أنك إذا أنهيت الدعوى على حسب الشرع، لا بد من أن يكون أحد الخصمين مفشولا، كما هي العادة. و إذا كان مفشولا لا يقنع بل يذهب و يثير حمولته، يعني طائفته و أصحابه، و يغير على طرش عدوه، و تحدث فتن و خصومات و يأخذ حقه بيده من غير قاض و لا مفتي. فلعلم الأمراء و المشايخ بذلك، فإنهم ينهون الأمور بالمصالحة، لكي لا تكثر الفتن و العداوة فيما بينهم. و حدث أن شابين من قبيلتين مختلفتين كان لأحدهما بنت عم جميلة الصورة، فوضع عينه عليها ليأخذها، و هي تحق له شرعا كما هو معلوم، إلا أن الشاب الغريب وضع عينه عليها أيضا و يريد أن يأخذها. فدخل حبها في قلب الاثنين، و ابتدأت المشاجرات و الجدالات و القتال بينهما. فكان ثلاثة أرباع العربان [مع ابن العم، و كذلك‏] كل الأمراء و المشايخ حتى أنا من الجملة، أولا لأن ابن عمها شرعا أحق من الغريب، ثانيا لأنه رجل لائق عاقل إنساني‏ (10) كريم، معروف بين العربان، طعّام عيش، جميع صفاته محمودة (11). أما الثاني فغريب، من طائفة وضيعة معلول النسب، غير أنه فارس عظيم 2/ 121 مشهور بين العربان و له أقرباء و أخوة فرسان يهابهم العرب/ بسبب فروسيتهم. [و كانت تحدث‏] كل يوم اجتمعات عند الأمراء، و جدالات‏ (12) و قتال و عداوات. و في كل اجتماع يحكمون أن البنت لابن عمها، و هذا الحل أفضل و أحسن شرعا بالنظر إلى شريعتهم. و كان آخر اجتماع عند أميرنا الدريعي، بحضور جملة مشايخ و أمراء و كبار العرب. فالجمهور جميعه حكم و جزم أن ابن عمها يأخذها و لا يكون غير ذلك. فحين رأى الشاب أنه قد خسر، و أن البنت قد راحت من يده، قام من المجلس بكل حمق و غيظ، و ركب على ظهر جواده، و أخذ رمحه بيده و هزّه أمام بيت الدريعي و قال: هذا القاضي و هذا الشرع (يعني رمحه)، و التفت إلى‏

____________

(9) ما يقوله الصائغ عن القضاء البدوي يجب إعادة النظر فيه على ضوء الأبحاث الحديثة.

(10) «آدمي».

(11) «من جميعه مليح».

(12) معالجات.

277

ابن عم البنت الذي هو غريمه و قال له: يا فلان خذ حذرك مني، إن شاء اللّه لا أدعك تتهنى بها و لا ليلة واحدة، و ساق فرسه و توجه إلى بيته. فاصفر وجه الشاب ابن عم البنت من هذا الكلام و أيقن بالموت من يد خصمه، و جميع الناس تكدروا و صاروا في حيرة لأنهم تأكدوا أنه سيقتله، لأنه قادر على قتله و قتل خمسين رجل مثله. ثم انفض المجلس و بقي الشاب و أبوه 1/ 122 تلك الليلة عندنا، أولا من الخوف و ثانيا لكي ندبرهم/ بطريقة حسنة. فاجتمعنا بعد العشاء بخلوة، مع الدريعي و الخواجه لاسكاريس و الشاب و أبيه و أنا. فقال الدريعي: يا جماعة هذا الشاب سيقتل لأن خصمه ردي‏ء جدا، و بسبب قتل هذا الشاب ستتحرك العربان، و تحدث فتنة كبيرة و سفك دماء و غارات، و تنقسم العرب شطرين و يحصل لنا تعب. و العربان يريدون مثل هذه الأمور، ليجعلوها وسيلة للكسب و النهب من بعضهم، لأن هذه صنعتهم‏ (13) و مقصودهم، قبح اللّه هذه المادة و اللّه ينهيها على خير. فبعد أن انتهى الدريعي من كلامه قال الشاب: أنا عدلت عن البنت، فاعملوا الذي يريحني و يريحكم و يريح العرب و يطفئ نار هذا الشر. فقال الدريعي: يا جماعة إذا أحضرنا الشاب و أعطيناه البنت، نكون منكوسين و نظهر بمظهر الفاشل و نبدو و كأننا خفنا منه، و يبقى العار علينا، و عليّ بادئ بدء، لأنني أول من حكم و جزم أن البنت لابن عمها، و لكن نريد طريقة حسنة كي لا نطلع بالخجل. فقال أبو الشاب: دبرنا يا معلم إبراهيم (يعني الخواجه لاسكاريس). فقال المذكور: هذا شي‏ء سهل، و هو أن تتكلموا مع الفتاة و تفهموها الواقع، و هي تقول: لا أريد 2/ 122 ابن عمي بل أريد فلانا، فيبقى القول لها و الذنب/ عليها. و أما أنتم فلا يقع عليكم لوم و لا خجل. فاستحسن الجميع هذا الرأي و ثاني يوم تكلموا مع الفتاة و رضيت غصبا عنها، و أرسلوا خبرا إلى الشاب فحضر ليأخذها، و تم له النصيب و أخذها قهرا و رغما عن الشرع و عن جميع الناس.

فبما أن هذه حالهم فأية شريعة عندهم؟ فهم جماعة يعيشون في البرية بحرية عظيمة، لا ينقادون لشرع و لا يعرفون ما هو الشرع‏ (14).

و أما بخصوص زواجهم فإن العريس يعطي العروس نقدا على قدر إمكانه، أما جملا أو ناقة أو نعجات أو فرسا، على حسب الرضى و على قدر إمكانه. و إن وجد في القبيلة أحد

____________

(13) «كارهم».

(14) يعيش البدو على الأعراف و ينقادون لها، كما بيناه في كتابنا: «الحقوق في المجتمع البدوي».

278

يعرف الكتابة، يذهبون عنده ليكتب لهم كتابا، على قدر معرفته و يشهد الحاضرون. و إن لم يكن هناك من يكتب فإنهم يذبحون ذبيحة (15) و يتعشون، و يشهد من كان حاضرا، و يدخل العريس على عروسته. و قد زوجت أنا كثيرا منهم و كنت أكتب لهم ورقة: قد أذنت لفلان و أجريت نكاحه على فلانة بنت فلان بنقد هو كذا كذا. و أضع أسماء الشهود الحاضرين.

فيقوم العريس و يقبل يدي و يذهب ليأخذ عروسته. و على هذه الصفة زوجت كثيرا من العرب.

ثم بخصوص الوراثة فهم على موجب الشريعة المحمدية كل ابنتين بذكر. إلا أنهم 1/ 123 لا يورّثون البنات الخيل بل يعطونهن حصتهن من غير صنف و تبقى الخيل/ للذكور.

و أما ذلك‏ (16) فنادر الوقوع، لأنهم لا يقتسمون إلا بالصدق، و لأنهم ليسوا مثل الحضر، سكان المدن، أصحاب أرزاق و بساتين و كروم و تجارة و دور ملك. فليس لهم شي‏ء من هذا فقط جمال لأجل تحميل البيت و الحوائج حين الرحيل، و بعض الناقات لأجل أن يشربوا (17) حليبها، و رأس أو رأسا خيل على حسب البيت. فهؤلاء هم المتوسطو الحال.

و أما الأكابر و الأمراء فإنهم لا يقسمون قط، بل يبقى البيت دائما من الأجداد إلى أولاد الأولاد، و ذلك لكي لا يكثر اسم هذا البيت، لأن، كما ذكرنا سابقا، أعظم يمين عندهم في بيوت الأكابر. و إذا قسّموا كثر اسم هذا البيت فلا يبقى موقرا و عزيزا، إذ كما هو معلوم كل شي‏ء إذا كثر لا يسمى عزيزا و لا يكون محترما.

و عندهم أيضا الطلاق، و لكنهم لا يطلقون نساءهم أبدا، لأن عندهم الطلاق عيب و رذالة كبيرة. و دائما يعيّرون أهل المدن بمسألة الطلاق، و يقولون أن أصحاب المدن ليس لهم ناموس، فكيف يرضى الإنسان أن حرمته، التي نامت معه عددا كبيرا من الأيام تكون الآن 2/ 123 مع غيره ينام معها. و اعجباه كيف لا يخجل الرجل حين يرى زوج امرأته الجديد بالسوق./ و خلال كل إقامتنا عند العرب لم نر أحدا طلق امرأته. و لكننا سمعنا أن واحدا كان طلق امرأته لأجل مادة جسيمة. فمن كثرة ضحك العربان منه و استهزائهم به بقولهم: امرأتك يا فلان يفتعل بها اليوم فلان. فاضطر أن يترك بيته و أهله و رزقه و نزل إلى حماة و خدم عند آغا غريب كيته (؟) و مات في حماة غريبا.

____________

(15) الذبيحة لا تقوم مقام الكتاب إلا أنهم يكتفون عندئذ بها.

(16) كذا و لا نعلم ما هو المقصود بهذه الكلمة.

(17) «يأكلوا».

279

فالمكروه عند العرب: الطلاق، و الضراط، و كلام السفه‏ (18)، و الخاين، و الذي ليس له قول، و البخيل، و الجبان بالحرب. فأصحاب هذه الخصال يكونون سخرية العربان، و يشهرونهم و يجعلونهم مهزأة لهم و لا يسمحون لهم بالقعود في مجالس الكبار. و أما السارق، فمقبول عندهم لأن أكثر معيشتهم من السرقة. لأنهم لا يسمون سرقة الشي‏ء الذي يأخذونه بالقوة و يزعمون أن كل شي‏ء أخذوه بعد قتال لا يسمى سرقة، لأن القافلة أو القرية أو القبيلة المعادية لا تسلم نفسها من غير حرب، و كل شي‏ء يحدث بسببه حرب يسمى كسب قوة لا سرقة. و عندهم هذا شي‏ء حلال، و كم من مرة اعترضنا عليهم و قلنا لهم أن تشليح القوافل و الغارات على أرزاق الناس حرام. فكان جوابهم أن مال أبينا آدم لم يقسم بل بقي مشاعا، 1/ 124 و نحن أولاد آدم و حواء./

ليكون معلوما عندك أيها القارئ، إن الأحوال و الأمور التي شاهدناها عند العرب، خلال سبع سنوات من السياحة، لم يرها أحد من السواح غيرنا. فهم جماعة سريعو الغضب و سريعو الرضى، أقل حركة تغضبهم و أقل كلمة ترضيهم. قوم يحبون الفتن و الحروب و المعارك و الغارات سواء على بعضهم أو على الطوائف الغريبة، أولا لأجل تمرهمهم‏ (19) بالحرب، ثانيا لأجل المكسب لأن هذه تسليتهم و أسباب معيشتهم‏ (20)، و لهم موارد أخرى، فالأمراء و الشيوخ الذين عندهم طروش جمال و خيل، يطلع كل سنة أناس ليشتروا منهم الخيل الذكور و الجمال، لأنهم لا يبيعون الخيل الإناث و لا النوق بل تبقى عندهم لأجل التولّد (21)، و النوق أيضا لأجل التولد أولا و لأجل حليبها ثانيا، لأن حليب النوق أكبر قوت لهم. و كذلك التمر و التمّن‏ (22) الذي يطلع في بلاد العراق و البصرة و بغداد مثل الأرز. و أما اللحم فإنهم يأكلونه قليلا. فهم أناس قنوعون بالمأكل جدا، أقل شي‏ء يشبعهم، و لهم صبر (23) على الجوع و العطش و الحر و البرد و التعب شي‏ء لا يوصف. فبعضهم يستطيع أن يركض مثل الحصان طول النهار بالحر، كذلك يستطيع بعضهم أن يصبر على الجوع و العطش ثلاثة أو أربعة أيام.

____________

(18) يريد: الكلام السافل.

(19) كذا، فهل يريد تمرنهم أو مهارتهم؟.

(20) «تسلايتهم و سببهم».

(21) «الخلفة».

(22) التمّن: الأرز على لغة أهل العراق.

(23) «ضيان».

280

2/ 124 و لكل واحد زنار من قدّ (24) مضفور رفيع ملفوف على بطنه/ نحو عشرين دورا. و حين يجوع يشد هذا الزنار و يشرب قليلا من الماء و يقول الحمد للّه شبعت، و ليس عندهم شراهة بالأكل.

و كذلك كسوتهم و ضيعة سواء كان واحدهم أميرا أو صعلوكا (25): قميص من الخام، و زنار من الجلد، و عباءة أو فروة من جلد الغنم‏ (26)، و في رأسه كوفية و عقال صوف مجدول تشتغله النساء و تهديه للرجال، و هم حفاة من غير شي‏ء بأرجلهم كليا، إلا الأمراء و المشايخ و الأكابر منهم فلهم جزمات يلبسونها حين يركبون أو حين يزورهم أحد من كبار الناس أو حين يذهبون لعمل الزيارات‏ (27) إلى بعضهم. و أما في باقي الأوقات فهم حفاة. و صدف أن واحدا من العرب نزل لدمشق ليشتري له جزمة، فدخل إلى أحد الدكاكين و طلب من البائع جزمة تدوم دهرا (28) و لا تتمزق. فأعطاه جزمة و شرط عليه أن لا يلبسها إلا حين يركب و متى نزل يخلعها و يخبئها، فحفظ البدوي تلك الوصية و دامت الجزمة عنده نحو عشرين سنة، و كان يمدح الذي باعها و يدعو له لأنه نصحه و أشار عليه شورا حسنا. النتيجة مصروفهم قليل جدا إذ ليس هناك سبب للمصروف، و كما ذكرنا مأكولهم وضيع و ملبوسهم وضيع أيضا، 1/ 125 و غناهم و فقرهم من بعضهم، لأن الغارات/ مستمرة، و مهما عملت من صلح بينهم فإن هناك دائما قبائل تشن غارات على بعضها بسبب كثرتها. و في اجتماعاتهم مع بعضهم لا يتكلمون إلا عن الحروب، و المعارك، و ملحمة القبيلة الفلانية، و الكسب الذي حصل اليوم الفلاني، و عن أمور سياستهم، و ما شابه ذلك، لأنهم لا يعرفون إلا الأمور التي ذكرناها. و ليس عندهم تجارة و لا مهن‏ (29) و لا فلاحة، [و لا يعرفون‏] غير أمور الحروب، و مدح‏ (30) الرجال الشجعان، و ذم الرجال الجبناء، و مواقعهم مع العثماني و مثل هذه الأمور.

ثم بيعهم و شرائهم من بعضهم البعض قليل جدا، و جميعه بالمقايضة (31)، دون إعطاء دراهم، مثلا يعطي فروة و يأخذ مشلحك و يعطي فرسه و يأخذ فرسك و جملا، يعطيك ناقة

____________

(24) جلد.

(25) «امير أم صغير».

(26) «غنمامية».

(27) «فيذيتات».

(28) «ضيان».

(29) «كارات».

(30) «الانشاد».

(31) «بالدواكيش»، أي بالتبادل.

281

و يأخذ نعجات، الخلاصة أن الحاجة التي تكون أثمن يأخذ صاحبها من الثاني زيادة، ليس من الدراهم بل من الأمتعة، لأن الدراهم قليلة جدا لا تكون إلا عند الكبار، لأن لهم خوّات و عندهم طروش يبيعون منها، و للبعض صرة معلومة من الحج. أما الرعايا فبوسعي أن أؤكد أن من العرب من لا يعرف حتى شكل الدراهم.

أما بخصوص نسائهم، فإنهن يتعبن أكثر من الرجال، لأن كل التعب على الحريم، مثل جلب الماء و الحطب، و الطبخ، و حلب النوق، و تحميل البيوت عند الرحيل، و نصبها وقت النزول. و أما في المسير فإن جميع النساء تركب، فلا ترى حرمة ماشية، لأن ذلك عندهم عيب كبير، و لكن ترى كثيرا من الرجال مشاة إذ بينهم كثير من الفقراء ليس عندهم مركوب. و بالحقيقة إن كل التعب على الحريم إلا أنهن موقرات و كلامهن مسموع مثل نساء بلاد الإفرنج. و كثير من الأمور، من كلية و جزئية، تجد النساء لها حلا، لأن الكثير منهن لهن قوانين‏ (32) و عادات‏ (33) مثل الإفرنج، بضد طرائق الإسلام الحضر. أولا ليس عندهم خباء، لا من بعضهم و لا من الغريب. ثانيا أن جميع تدبير البيت بيد الحريم، ثالثا لا يبت أحد بأمر إلا بعد أن يستشير حرمته، فإن استحسنت تدبيره عمله و إن لم تستحسنه لا يعمل به، رابعا دماؤهم حامية من أدنى سبب يثورون و تقع الفتن سواء مع بعضهم أو مع الغريب، كذلك لا يتعشون في القيظ الشديد (34)، فيتناولون طعام العشاء أحيانا قرب منتصف الليل، خامسا لا يتزوج أحد بامرأة إلا بعد عشرة معها. سادسا لا يبول أحد و هو قاعد مثل الإسلام بل و هو واقف، و اعترضنا عليهم مرارا بذلك فكان الجواب من الأنسب أن نلوث‏ (35) أرجلنا من أن نلوث وجوهنا (36)، فرأينا ذلك عين الصواب، سابعا منذ أن يخلق الولد إلى أن يموت لا يحلق رأسه بل إن شعورهم دائما مرسلة مثل الإفرنج‏ (37). ثم عندهم 1/ 126 أن الذي يموت على فراشه رذيل‏ (38)، و يقولون عنه فطس و لا يقولون مات، و أما الذي/ يموت بالحرب فإنهم يقولون عنه مات بعزه شهيدا، و يترحمون عليه و يقومون الصدقات على روحه،

____________

(32) يريد عادات.

(33) «و ذيات» (؟).

(34) عبارة الصائغ مبهمة جدا فهو يقول: «كذلك لا ينعشوا إلا لقيذ كثير».

(35) «نطرطش».

(36) لم أر قط بدويا يبول واقفا.

(37) البدو يقصون شعورهم و يحلقون رؤوسهم و لكن أقل بكثير من الحضر.

(38) قال خالد بن الوليد عند وفاته: «ها أنا أموت على فراشي مثل اللئيم».

282

لا سيما إذا قتل بمعركة مع الروم (يعني العثماني)، فذاك مرحوم و مغفورة ذنوبه، لأن العثماني، إذا استطاع، يدخل و يقتل و يسبي الحريم. فلهذا السبب، من قتل في حرب مع العثماني يكون عندهم مقبولا لأنه حامى عن عرضه و ماله، و قتل بشرفه أمام عياله، و لا يحزنون عليه.

و عندهم البكاء على الميت حرام و الحزن حرام. و البكاء على الميت لا يكون قط أمام الرجال، و لكن إذا كان الميت عزيزا على أهله فإن النساء يعملن نياحا عليه وحدهن، فيخرجن خارج البيوت حتى لا يراهن الرجال، إلى مكان بعيد عن البيوت و يعملن نياحة و يقلن القصائد و يبكين. و أما الصراخ مثل أهل المدن فغير موجود عندهم. و هذا الشي‏ء يحصل نادرا لبعض الأمراء و مشايخ مناصب فقط.

283

[نهاية الرحلة]

ثم من الآن و بعده سنتكلم على ختم السيرة لكي يكون مربوطا بالكراس الرابع عشر، حتى يعلم القارئ كيف كان منتهى سياحتنا.

فمن بعد وصولنا إلى جبال شمّر و الجوف، أصابتنا تلك ريح السموم كما مرّ في الكراس 2/ 126 الرابع عشر، ثم لم نزل نتنقل مع العربان إلى بلاد حوران و نزلنا إلى دمشق./ و سرنا إلى حلب، و من هناك أردنا الذهاب برا إلى اسلامبول إذ كان بلغنا حضور بونابارته بالجيش العظيم إلى بلاد المسكوب‏ (1). ثم لم نزل نتنقل من بلد إلى بلد وحدنا، من غير مرافقة قفل، إذ لم يتيسر لنا قافلة وقتئذ، فقط الخواجه لاسكاريس و أنا و خادم أرمني، و كان فصل الشتاء، و قد انقطعت الطرق من الثلج و البرد الشديد و أثناء مسيرنا في إحدى القرى ماتت فرسي النجدية العظيمة التي كان أهدانيها الوهابي، و كنت مزمعا على إعطائها إلى اللاجي‏ (2) و استنفع‏

____________

(1) يخبط الصائغ بالتاريخ خبط عشواء، لأن نابليون احتل موسكو في 15 أيلول سنة 1812. و من سياق الحديث يستدل على أن الذهاب إلى اسلامبول كان سنة 1814 أو شتاء سنة 1813.

(2) كذا و لعله يريد الألجي أي السفير.

284

بثمنها، لأنها كانت تساوي مبلغا وافرا من المال، فمن جملة النحوس أنها ماتت. فصرت تارة أمشي و تارة أركب قليلا مع الخادم إلى أن دخلنا اسلامبول، و أقمنا بالطريق ثلاثة أشهر و نحن بعذاب شديد. فحين وصولنا بلغتنا الأحوال التي جرت على الجيوش الفرنسية في مدينة موسكو و نواحيها فغمنا ذلك جدا، و زاد الغم علينا إذ حدث وقتئذ طاعون في اسلامبول، فاضطر حضرة الجنرال اندريوسي‏ (3)، الذي كان السفير (4) يومئذ، أن يرسلنا إلى محل خارج البلد يقال له كاغة خانه، فأقمنا هناك ثلاثة أشهر إلى أن انتهى الطاعون. و كانت تواردت 1/ 127 الأخبار بانكسار الجيش الفرنسي و تراجعه و تلك الأحوال/ التي حصلت المعروفة، فصعب علينا ذالك جدا و أصابنا غم شديد، و أصبحنا لا نعرف ما ذا نفعل، و كنا مثل المجانين. و بعد أن أقمنا خمسة أشهر في اسلامبول قال الخواجه لاسكاريس: أنا الرأي عندي أن نتنقل بحرا من جزيرة إلى جزيرة إلى أن نعود إلى بر الشام، و في مسيرنا نستنشق أولا أخبار فرنسا، ثم أريك جزر ارشيبيلاكو (5) و نرى كيف اللّه تعالى يدبرنا. فاعتمدنا على هذا الرأي، و سافرنا من اسلامبول مع قايق أروام، و درنا بعدة جزر، و كانت الأخبار تأتينا بعكس ما نتمناه.

ثم سافرنا من جزيرة الساموس، مع مركب آت من اسلامبول يشحن قمحا إلى جزيرة الساقظ، فسافرنا معه تلك الليلة، و بعد منتصف الليل ابتدأت عاصفة عظيمة و إعصار شديد جدا، فذهب بعدد من البحارة و أخذ بعض الركاب من على ظهر المركب، فرمينا الحنطة بالبحر، و لم يبق برميل و لا صار و لا شراع [إلا ذهبت به الرياح‏]، فدخلنا جزيرة الساقظ و نحن على آخر رمق، فوجدنا بالجزيرة الطاعون فظللنا شهرين في دار صغيرة في حصار من الطاعون تحت اشراف الخواجه بورفيلو (6) الذي كان عندئذ قنصلا. و خلال هذه المدة توسخت ثيابنا و أصبح من اللازم غسلها غير أننا كنا لا نستطيع أن نعطي حوائجنا 2/ 127 خارج البيت خوفا من الطاعون، فوجدت من المستحسن أن أقوم أن بغسلها، و كنت رأيت/ النساء تغلي الحوائج فتنظف عاجلا من غير تعب الأيادي. فأخذت من عند بيت القنصل دستا كبيرا جدا من النحاس، و صبرت إلى الليل لكي أضع فيه الحوائج التي علينا و أغسل الجميع غسلة واحدة، و حين كان وقت النوم وضعت جميع حوائجنا في ذلك الماعون،

____________

(3)Andreossy كان سفيرا من 26/ 5/ 1812 إلى 13/ 8/ 1814.

(4) (إلجيّ).

(5)Archipielago .

(6)Bourville .

285

و أشعلت النار و ذهبنا للنوم. فقمت قرب الصباح فوجدت دخانا و رائحة حريق، فركضت نحو الدست فإذا بالحوائج مثل الفحم محترقة عديمة النفع لأن الماء قد نشف من طول الليل و احترقت الحوائج، فصرنا تارة نضحك و تارة نتحسّر، و اضطررنا أن نبقى نحو ثلاثين يوما بطاق القمصان التي نمنا فيها ليلة الغسيل و ما كان عندنا غيرها إلى أن انتهى الطاعون فطلعنا و اشترينا حوائج و كسينا حالنا، و هذا من جملة المصائب.

ثم بعد ذلك نوينا على التوجه إلى بر الشام، و إذ وصل كتاب إلى الخواجه لاسكاريس من قنصل أزمير يطلب منه أن يحضر عنده بشغل، فاقتضى أن يرسلني مع قايق ذاهب إلى اسكندرية، لكي أتوجه إلى بر الشام و انتظره في حماة، و أعطاني مكتوب توصيه إلى حبيبه و همشريّه‏ (7) الخواجه دروفيتي‏ (8)، و ذهب الخواجه لاسكاريس إلى أزمير. فوصلت أنا إلى 1/ 128 اسكندرية فوجدت الطاعون أيضا/ بالاسكندرية، فواجهت الخواجة دروفيتي من غير ملامسة، و بعد أربعة أيام سافرت إلى بيروت و من هناك توجهت إلى حماة أنتظر الخواجه لاسكاريس، فأقمت أربعة أشهر أنتظره في حماة، و بعد ذلك حضر عندي و أخبرني أن الذين طلبوه إلى أزمير، بوساطة القنصل، هما الجنرالان الشهيران لالمان و سافاري‏ (9). ثم بعد اجتماعه مع الجنرالين المذكورين رأوا أنه من المستحسن، لأجل عدم كشف المادة، أن يأخذ حماية الإنكليز، فاضطر أن يعود إلى اسلامبول و يدخل عند إلجي‏ (10) الإنكليز و يطلب حمايته. فقبل الإلجي طلبه، و حالا أخرج له فرمانا سلطانيا فيه توصية مشددة إلى كامل [الأراضي الخاضعة] للحكم العثماني بإعطاه كل حماية و صيانة له و لترجمانه و أتباعه و من يلوذ به. فأخذ الفرمان و البوظابرة (11) و حضر إلى عندي لحماة، و أخبرني بالذي جرى، و أعطاني الفرمان. فقلت له: يا سيدي قد غلطت، فهذه الحماية ستضرنا، و لكن قد تم الأمر و ما عاد ينفع الندم.

ثم في أثناء تلك الغضون حضرت والدتي من اللاذقية إلى عندي، لأنها كانت أخذت‏

____________

(7) همشري: الرجل الكريم العصامي.

(8)Drovetti ، و كان قنصل فرنسا في الاسكندرية على عهد نابليون الأولى، ثم عزل وقت سقوط الامبراطورية و عاد إلى منصبه بعد ذلك.

(9)Lallemand ,Savary ، و الواقع أن لاسكاريس قابل هذين الجنرالين في ازمير خلال ربيع سنة 1816.

(10) سفير.

(11) جواز السفر.

286

خبرا بمجيي‏ء إلى حماة. فبعد فراق سبع سنوات من غير خبر و لا مكتوب كانت قطعت أملها 2/ 128 مني. فحين رأتني طار عقلها من الفرح، و أخذت تعانقني و تبكي،/ و لا تصدق أنها تراني باليقظة بل تقول هذا منام. ثم بعد قليل من الأيام تم الاعتماد على التوجه إلى مصر القاهرة عند الخواجه دروفيتي‏ (12) لأنه يحب كثيرا الخواجه لاسكاريس و همشري، و هناك ندبر حالنا، لأننا رأينا أن الرجوع عند العرب أصبح غير ضروري و دون فائدة. فالتزمنا أن نسافر من حماة و والدتي معنا. فبعد وصولنا إلى طرابلس اتفق أن مركبا كان مقلعا إلى دمياط فأراد الخواجه لاسكاريس أن يسافر به. فترجته والدتي، لأنها ما كانت امتلأت من رؤيتي، أن يسمح لي بالتوجه معها (13) للاذقية مدة قليلة، و بعدها أروح عنده إلى مصر. فبعد رجاء كبير سمح لي أن أتوجه معها (14) و أقيم عندها مدة ثلاثة أشهر، أرى أهلي و أحبابي، ثم أعود إلى مصر.

____________

(12) «درويتي».

(13) «معنا» (؟).

(14)

287

[وفاة لاسكاريس و الحجز على أوراقه‏]

فودعنا بعضنا و هو ذهب إلى دمياط، و نحن رحنا إلى اللاذقية. و في اليوم الثاني من وصولنا، أول عمل قمت به أني حلقت لحيتي التي كان عمرها سبع سنوات، و وضعتها بورقة و كنت أهدي منها كل محب أو محبة بعض شعرات، حتى فرقّت لحيتي على كل أحبابي، و جلست بكل راحة أتمتع بمشاهدة الإخوان، إلى أن مضت الأشهر الثلاثة الموعودة، و نويت 1/ 129 على السفر، و كنت أترقب فرصة الذهاب إلى مصر/ و إذ حضر مركب بيليك‏ (1) فرنساوي من الاسكندرية، و أخبرنا بوفاة المرحوم لاسكاريس في مدينة مصر بمرض الظلظارية (2) فحين بلغني هذا الخبر المشؤوم، لا يتصور أحد حالتي مما أصابني من الغم و الحزن و الكدر، لأنني أولا كنت أحبه جدا و أصبح عندي مثل والدي، ثانيا تأكدت أن سياحتنا خلال سبع سنوات‏ (3) و تعبنا ذهبت سدى من غير ثمرة، ثالثا تيقنت أن أجرتي مدة سبع سنوات، عن كل سنة ألف غرش، بموجت الشرط الذي بيننا، ما عدت أستفيد منها بمصرية واحد.

فجلست باللاذقية حزينا مكسور القلب و الخاطر. ثم بعد مدة أرسل الخواجه دروفيتي بمكتوب يطلب حضوري عنده، لندبر مادة المرحوم لاسكاريس. ففرحت نوعا ما و بالحال،

____________

(1)brick ، سفينة.

(2) كذا و يريد الظنطارية أو الزحار. و الواقع أن لاسكاريس توفي سنة 1817 و قد يكون مات مسموما.

(3) مدة الرحلة مبالغ بها لأن ابتداءها كان في 18 شباط 1810 و نهايتها بعد رجوع الصائغ من الدرعية أو بعد سفره مع لاسكاريس إلى استنبول أي شتاء سنة 1813.

288

عند أول فرصة، توجهت إلى القاهرة (4)، فما وجدته بها، و لكن أخبرني الخواجه دوساب، الطبيب‏ (5) الفرنساوي، أنه في بلاد الصعيد، ذهب ليبحث عن العاديّات‏ (6)، فاضطررت أن أذهب إلى الصعيد، فوجدته في بلد يقال له أسيوط. و هناك أخبرني أن قنصل الإنكليز، مستر سالط (7)، أخذ جميع ما كان مع لاسكاريس و حجز عليه، من آلة هندسة عظيمة، 2/ 129 و كتب، و أوراق، و قطع/ عاديّات، و كل ما وجد معه، و سبب ذلك لأنه مات تحت حماية الإنكليز. فالآن الرأي عندي، حين تصل إلى مصر، أن تذهب عند قنصل الإنكليز، و تطلب كتب معلمك لاسكاريس و أوراقه و تترجاه لكي يعمل لك طريقة لتحصل على نتاج علوفتك‏ (8)، و أكثر الأمل أنك تستطيع الحصول على كتاب سيرة سياحتكم، المأخوذ من اليومية بخطه باللغة الفرنسية، فأنا اشتريه منك بالمبلغ الذي تريده. فكن رجلا شجاعا و لا تخف.

ثم حين كنا بالقاهرة، ذهبت عند القنصل و طلبت جميع ما ذكرنا. فعبس وجهه و قال: أنا أعرف من علمك و أرسلك عندي تطلب ذلك، فجميع ما تطلبه لا تستفيد منه بشي‏ء، لأن [الرجل‏] مات تحت حماية إنكلترا، فهو من رعايانا و ليس له وارث. فبموجب أمر الدولة حجزت على موجوداته، و أرسلت بها إلى لوندره.

فرجعت و أخبرت الخواجه دروفيتي فقال: كذب، لم يرسل بشي‏ء، و حفظ بالجميع عنده. فعدت ثاني يوم عنده بكل جراءة و طلبت منه جميع حوائج لاسكاريس. فعبس بوجهي و اغتاظ جدا و شرّدني من بيته بكل حماقة و أرسل إلى كتخداي بك محمد علي باشا و ترجاه أن ينفيني‏ (9) من البلد، ليخلص مني بالكلية. و لو لا جاه دروفيتي و محبته مع الباشا، 1/ 129 لكان حصل لي أذية و كسر خاطر./

ثم بعد ذلك سافر الخواجه دروفيتي، و بقيت أنا بعد ذلك مدة في القاهرة (10)، ثم‏

____________

(4) «توجهت لمصر».

(5) «الحكيم».

(6) «يحوش انتيكات».

(7)Salt استلم مهام وظيفته سنة 1816.

(8) علوفة، مرتب شهري أو سنوي، و الصايغ يريد ما يستحق له من أجرة.

(9) «يسركلني».

(10) «مصر».

289

توجهت إلى دمياط، و من هناك رجعت إلى اللاذقية من غير فائدة كليا، و خسرت جميع مصاريف سفرة مصر من مالي، و راح التعب و الشقاء باطلا، و دخلت اللاذقية و صرت أبحث لي عن عمل أعيش منه.

و هكذا كان منتهى سياحتنا سيئا جدا: مات المعلم و ذهب سدى تعب التلميذ و أجرته، و رجع إلى حضن أمه كما كان خرج من عندها و السلام.

290

ملحق رحلة الصايغ إلى الدرعية (مترجمة من الفرنسية) و تعليق الشيخ الحنبلي عليها، و ملاحظاتنا نقلا عن مخطوط تحت رقم 2299، محفوظ في المكتبة الوطنية بباريس.

«أقول، و أنا الفقير إلى اللّه تعالى، فلج أنس فرسنل‏ (1) الفرنساوي، هذه نكتة أخذتها من رحلة مسيو الفونص دلامارتين الشاعر الفرنساوي، و كان أصلها كتابا عربيا لفتح اللّه الصائغ الحلبي، و لم يمكني تحصيل هذا الأصل، فرجّعت القصة من الفرنساوية إلى العربية، لكي أطلع عليها أرباب الخبرة من العرب، و أعلم من شهادتهم هل صدق فتح اللّه أم لا، فالمرجو ممن نظر في هذه الترجمة، و شاهد هذه الحادثة أو وصله علمها أن يخبر بصحته الموافق و كذلك بالمخالف. حرر بجدة في شعبان سنة 1253 (2)».

و لما اطلع عليها العلامة العمدة الشيخ الحنبلي‏ (3)، كتب عليها ما نصه:

«نظر فيها الفقير إلى مولاه العلي، أحمد بن رشيد الحنبلي، فوجد صاحبها لم يصدق‏

____________

(1)FulgenceFresnel .

(2) 1836.

(3) بعد أن استولى إبراهيم باشا على الدرعية سنة 1233/ 1818، ألقى القبض على الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد و أمر بقلع أسنانه. ثم ذهب به إلى القاهرة حيث أحسن والي مصر معاملته و أسند إليه التدريس في القلعة و في الأزهر إلى وفاته سنة 1257/ 1841.

291

في شي مما أخبر عنه، لا في وصف سعود و لا كلامه و لا أفعاله، و لا صدق من جهة وصف الدرعية و لا عادات جماعات سعود و عزائمهم، و لا أسماء الوزراء، و لا أبو مسلم و لا الحضرموتي و لا هيدل‏ (4)، و لا في عدد أقارب سعود (5) و لا أولاده، و لا في طعامه و لا في مال الحجرة- أربعين جمل تحمل الجواهر خاصة- و لا في قوله أن أهل المدينة و أهل مكة (6) و اليمن يأتون إلى الدرعية في كل أربعاء للسوق و خروج النسوة، و لا أرى هذا الرجل إلا كذاب مزور أشر بطر.

و لنا صاحب من أكبر أهل الدرعية، ابن للشيخ الوهابي، موجود الآن تحت سفرية أفندينا الخديوي، اسمه إبراهيم ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، من المشايخ الركع العبّاد العلماء، لما عرضت عليه كلام هذا النصراني، رأي مثل ما رأيت، و كذبه مثل ما كذبته، و أخبر أن الدريعي ما قدم الدرعية، لا في أيام سعود، و لا في أيام أبيه عبد العزيز و لا في أيام ابنه، و قد أشرت في الكتابة بتكذيبه باختصار، و هذه إشارة بالإجمال، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلّم». هذا كلامه بحروفه‏ (7).

قال الفقير إلى ربه تعالى فتح اللّه الصايغ النصراني الشامي في كتاب رحلته ما معناه:

«ثم وصلنا إلى كرسي مملكة الوهابية، بعد أربعة عشر يوما من سفرنا من الشام‏ (8)، و نحن راكبون على الهجن، فالمسافة كلها قدر أربعين يوما من سفر القوافل و مشي الجمال، و المسافرون- غير الفقير- أحد عشر و هم: الدريعي بن شعلان، شيخ الرولة، و كان يحكم على القبائل الشمالية و الشرقية جميعها من حدود الهند إلى البصرة وحد نجد، و من العراق و الجزيرة و الحماد إلى الشامين و حوران و الجليل» (9).

____________

(4) الصايغ يكتب: أبو السلام و عبد اللّه الهدّال.

(5) وصف الصايغ عبد اللّه بن سعود، أما الشيخ الحنبلي فيتكلم عن سعود.

(6) الصايغ تكلم عن أهل مخا.

(7) من الجدير بالتنبيه إليه أن الشيخ الحنبلي، عند ما كتب هذا التعليق، كان عمره زاد على تسعين سنة، و كان مضى على مغادرته الدرعية نحو خمس عشرة سنة.

(8) كان السفر من الصحراء المعروفة بالحماد، قرب هيت، على الفرات.

(9) هذا الوصف لسطوة الدريعي غير موجود في الرحلة.

292

كتب الشيخ الحنبلي ما نصه:

«الدريعي شيخ عرب من عرب الشام، و لا يحكم على جميع عربان الشام، كيف يحكم على ما ذكره هذا الكذاب، و في قبائل الشمالية و الشرقية و الشامية نحو من سبعين حاكما مثل الدريعي».

و كان قد جرى الحرب بينه و بين ابن سعود الوهابي، فغلب الدريعي في بعض الوقائع، ثم دعاه ابن سعود للاصطلاح و المحادثة في شروط الصلح، فذهب إلى نجد و معه ابنه سعدون و ابن أخيه، و اثنان من رؤساء جنوده و خمسة عبيد من السودان، و جميعنا راكبون على هجن.

كتب الشيخ الحنبلي:

«لا نعرف أن سعود غزا الدريعي فغلبه، إن كان بعض العرب من أتباع الوهابي غزا على الدريعي فغلبه الدريعي ربما. و أما سعود فغزا ستا و خمسين غزوة، صغيرة و كبيرة، لا يعرف أنه غلب و هزم في واحدة».

فوصلنا الدرعية بالسلامة، و تلك المدينة يحيط بها نخل كثير، و هي متقاربة ببعض، لا يكاد يفوت الفرس بين جذوعها، فتستتر البلدة وراء ذلك السور الأخضر، و سموه نخل الدرعية. و لما عبرنا النخل المذكور وجدنا تلالا كأنها سور ثان من نوى التمر، و هي تشبه سدود حصى، وراءها سور المدينة الحقيقي، فسرنا بجانبه حتى وصلنا إلى باب، و من ذلك الباب إلى قصر سعود.

كتب الشيخ الحنبلي:

«النخيل لا يحيط بالدرعية، و هذه صورة الدرعية مع النخيل:

نخيل‏

نصف الدرعية

نصفها الثاني‏

نخيل‏

293

و بين النخيل واد مفتوح، يدخل منه إلى الدرعية من غير سور و لا أبواب، قدر ربعها، يقال له باب سمحان، و لا يدخل من ذلك أحد من المسافرين» (10).

و قصره واسع ذو دورين، و هو مبني من حجر أبيض منحوت جيدا. فلما بلغ ابن سعود خبر وصولنا أمر بإدخالنا إلى محل من محال قصره، منظوم ظريف الأثاث فجلسنا فيه، ثم جي‏ء بطعام وافر فأكلنا، و تفاءلنا بالخير و شكرنا اللّه تعالى، حيث لم نطع من خوّفنا من السفر. و لما جاء المساء نظمنا ملابسنا و تزينا ثم حضرنا لمقابلة الملك، فرأينا رجلا كان عمره خمسا و أربعين سنة، في عينيه عبوس و اتساع، و جلده أسمر، و لحيته في غاية السواد، عليه قباء مشدود في وسطه بحزام أبيض، و على رأسه عمامة مخططة خطوطا حمراء و بيضاء، و على كتفه اليسرى مشلح أسود، و في يده اليمنى قضيب ملك، كأنه علامة ملكه‏ (11).

كتب الشيخ الحنبلي:

« [لحيته‏] في غاية البياض‏ (12). [و هم‏] يلبسون القبا و لا تحزم الأحزام السلاح. [و في يده‏] ليس بقضيب بل مشعاب، و ليس علامة على الملك، بل ينقله العام و الخاص».

و كان جالسا في صدر قاعة مفروشة بالحصر و البسط الفاخرة، و أكابر مملكته‏

____________

(10) إن عبارة الشيخ الحنبلي من الإبهام بمكان، فكيف يدخل إلى الدرعية من واد مفتوح، و كيف لا يدخل من ذلك أحد من المسافرين؟ و يستنتج من كلامه أن الدرعية ما كان لها سور و لا أبواب، و كرر مرتين قوله: ليس للدرعية باب (انظر ص 298 و 305)، مما يحملنا على الظن أنها كانت مدينة مفتوحة، مع أنها كانت محاطة بوسائل دفاعية هامة، لأن عاصمة الوهابيين كانت مهددة بالحروب و الغزوات. و يعلمنا المؤرخ الفرنسي ما نجان أن الدرعية كانت مكونة من خمس بليدات: هي شبه أحياء، و كان لكل واحدة منها سور و أبراج، و هي غصيبة و طرفيّة و سهل و قسّيرين و طريف. و كانت غصيبة و طرفية مبنيتين قرب جبل و كانت تحميهما قلعة حصينة (مانجان، تاريخ مصر، ج 2، ص 118). و عندما هاجم إبراهيم باشا الدرعية، صمدت له القوات الوهابية، و سدّت بعض العناصر (بوابة سمحان في الطرف الشمالي من القلعة حيث تمركز عبد اللّه نفسه داخل الأسوار. و في الخامس من تشرين الثاني، شن إبراهيم باشا هجوما شديدا مركزا على حصون المدينة من جميع الجهات) (عبد اللّه فيلبي، تاريخ نجد، ص 153 و 159).

فمن الواضح الجلي بعد هذه الشواهد أن قول الشيخ الحنبلي أن الدرعية ما كان لها سور و لا أبواب لا معنى له، لأنها كانت مقسمة إلى خمسة أحياء، و كل حي منها كان محاطا بالأسوار و الأبراج و يدخل إليه من باب حصين. و لم يغادر إبراهيم باشا الدرعية إلا بعد أن دمرها و دمر حصونها و أبراجها.

(11) لم يقل الصائغ أن القضيب علامة ملك ابن سعود.

(12) الحنبلي يتكلم عن سعود و الصايغ عن ابنه عبد اللّه.

294

واقفون‏ (13) بين يديه، و كان الديوان و المخدات و ملابس الرجال جميعها من القطن و الصوف اليماني، حيث أن الحرير محرم في بلاد حكمه، و كذلك جميع الأشياء التي لها رائحة من زهو الترك و عوائدهم كانت محرمة عنده و في مملكته‏ (14).

كتب الشيخ الحنبلي:

«لا يرون الوقوف بين أيديهم و على رؤوسهم، بل خادمهم و مخدومهم سواء في الجلوس.

و سعود لا يحرم عادة الترك و لا غيرهم، بل يحرم ما حرمه اللّه و رسوله، على قدر معرفته، و هو و أهل مملكته يلبسون الكشمير و جيب الجوخ و البابوج و كثير مما يلبسه الترك».

و لما سلم الدريعي على ابن سعود ردّ (عليه السلام) بعبوس و انقباض، فجلسنا ساكتين منتظرين كلامه. فبعد نصف ساعة، لما رأى ابن شعلان غضبه و أنه لم يأمر بتقديم قهوة، بدأ بالكلام و قال له: أراك يا ابن سعود لا تقبلنا مع ما نستحقه من الإكرام و الفضل، و كنا نتوقع منك غير ذلك. فإنك دعوتنا إلى بلادك و منزلك فجئنا، فإن نويت على الشر فاظهره و لا تخفه.

فقال ابن سعود و الشرار متطاير من عينيه: أي و اللّه، أي و اللّه، الشر بيننا و بينك، و لنا عليك كثير من الجنايات، و ذنوبك أكثر من أن تغفر. فإنك قمت عليّ و خالفتني و أبيت طاعتي، و أغرت على بني صخر بالشام، و خرّبت بيوتهم مع معرفتك أنهم تحت حمايتي و حكمي، و أفسدت عليّ أهل الوبر و رشوتهم على مخالفتي، و صيرتهم قائمين على حكمي و كسرت جنودي و نهبت ما لها و ساعدت أعدائي الزرق، و هم الترك المشركون الفاسقون الفاجرون المنجسون.

و بالغ في الغيظ و الشتم إلى النهاية، حتى أمرنا بالذهاب عن حضوره و الاستنظار إلى صفح خاطره.

____________

(13) يقول الصايغ: «فقط العبيد قايمين على أرجلهم».

(14) يقول حافظ وهبه: «و أمر [سعود] ... بترك لبس الحرير و الذهب» (الجزيرة العربية في القرن العشرين، ص 216). و يظهر أن هذا التحريم كان يجري فقط على الرعية، إذ قال مؤلف «لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب»: «و كان [سعود] يحمل السيف دائما، و سيفه عليه من الفضة و الذهب و الجواهر، مرصع غلافه بها على صفحات الذهب من جانب أعلاه و أسفله ... و أما لباس نسائه ... فغالبه من الحرير الهندي المصنوع بالذهب ... و قد جملهن من الحلي شي‏ء عظيم من الذهب المرصع بالجواهر النفيسة» (ص 176).

295

قال النصراني: و كنت أنظر إلى الدريعي بن شعلان فأرى عينيه تشتعلان، و مناخيره تنتفخ، و أخاف كل لحظة من تلك اللحظات المنحوسة أنه لا يستطيع كظم غيظه فيرد كلام الملك بكلام أشد من كلامه فيهيج غضب الملك أكثر، و لكنه مع اضطراب فؤاده رأى نفسه بلا نصرة و لا حماية من طرف الملك الذي يلومه، فامتنع من التكلم و كظم غيظه، ثم قام بغاية الوقار و الهيبة و انصرف بالتؤدة ليشاور نفسه في أمره.

و كانت نجد ترتعد من هيجان ابن سعود لا أحد يتجاسر على مخالفة مراده. فجلسنا في محلنا مدة يومين بلياليها ما نسمع شيئا من أخبار الدولة، إذ لا يرغب أحد في معاشرتنا.

و الذين كانوا يكرموننا غاية الإكرام عند وصولنا اجتنبونا الآن، و استهزأوا باعتمادنا على ذمة رجل قد اشتهر بالخيانة و سفك الدماء، فكنا في كل وقت نترقب مجي‏ء أعوان الظالم لقتلنا، و نتفكر بغير منفعة في كيفية خلاصنا من مخالبه، ثم في اليوم الثالث قال الدريعي: إن الموت أحسن من التحير و الارتياب، فبعث خلف أحد من وزراء الوهابي كان يسمى أبا السلم‏ (15) فقال له: ابلغ سيدك كلامي هذا: كلما تريد أن تفعله فافعله حالا، لا أذمك بل أذم نفسي التي ركنت إليك و صدقتك.

فانصرف أبو السلم و لم يرجع، و ما جاءنا من الملك إلا خمسة و عشرون عبدا أسود، وقفوا ببابنا، ففهمنا أننا أسراء لا محالة.

كتب الشيخ الحنبلي:

«لا نعرف أبا السلم و لا سمعنا بوزير له يسمى بهذا الاسم، فمدة مملكة سعود اثنتا عشرة سنة، و مملكة عبد اللّه أربع و كسور، و مدة مملكة أبيه عبد العزيز أربعون سنة، و مدة مملكة جده نحو ثلاثين سنة، و ما سمعنا لأحد منهم وزيرا يقال له أبو سلم» (15).

قال النصراني: فعندما شاهدت ذلك صرت ألعن الرغبة المنحوسة التي أوقعتني في الخطر، و هي الرغبة في الإغتراب من خواص النصارى الطبيعية، و أما الدريعي فلم يكن يخاف من الموت، و لكنه كان لا يصبر على الحبس و الغصب، و كان يتمشى في سجنه طولا و عرضا، كما يتمشى الأسد الأسير أمام حدائد قفصه، ثم قال: و اللّه لقد طالت هذه الحال،

____________

(15) عبارة الصايغ: «أبو السلام، من أحد مدبّري الوهّابي».

296

أريد أن أخلص، أريد أن أخاطب ابن سعود و ألومه بخيانته و غدره، فإني أرى الصبر لا منفعة فيه، و على كل حال إن متّ متّ موت الشريف الأنيف.

فبعث خلف أبي السلم و لما دخل إليه قال له: ارجع إلى سيدك و قل له: أني أقسم عليك بذمة العرب أن تسمع كلامي، ثم بعد ذلك افعل ما شئت.

فأذن له في المقابلة، فأدخلنا أبو السلم عليه، فعند ذلك لم يأمرنا بالجلوس، بل استمررنا على الوقوف‏ (16). و لما سلم الدريعي عليه لم يرد السلام، بل قال له بغلظة:

ما تبغي؟

فاستقام الدريعي استقامة الأنيف و قال: جئتك يا ابن سعود معتمدا على وفاء عهدك و صدق مواعيدك و لم آخذ معي إلا عشرة رجال، و أنا أحكم على ألوف من الناس. و قد صرت الآن بلا حماية في يديك و أنت داخل مملكتك، فإن شئت سحقتنا و دققتنا تحت الرحا، لكن اعلم أنه ما من لابس كوفية من حدود الهند إلى حدود نجد، و من بلاد العجم و البصرة و العراق و الجزيرة إلى الحماد و الشامين و حوران و الجليل إلا و يطلب منك دمي و يأخذ منك ثأري، و إن كنت ملك العرب كما تدعي، فكيف هانت نفسك و ملت إلى الخيانة و الغدر و هما من صفات الترك لا من صفات العرب. فإن القوي الشجاع تكبر نفسه و تستنكف عن الغدر، و إنما يستعمله الضعيف الجبان، ثم أنك تفتخر بجنودك و جيوشك و تزعم أن مملكتك من عند اللّه، فإن كان حسبما تقول. و تحب محافظة مجدك، فدعني أذهب إلى بلادي ثم قاتلني، و إن كان اللّه مع جيشك فلا بدّ أن يقهر جيشي، و لكنك إن غدرت بي فنصيبك العار، و نتيجة العار استخفاف الناس و نتيجة استخفاف الناس انقراض الملك. هذا ما لزم ذكره لك، و الآن افعل ما شئت، ثم تندم حيث لا ينفع الندم، فلست أنا إلا واحدا من ألف، لا ينقص فقدي قبيلتي و لا يغيب من الدنيا آل شعلان، فيخلفني ابني سهن‏ (17)، و هو الذي سيجي‏ء ليأخذ حق دمي، و حق دمي دم، فقد انذرتك فافتح عينيك.

و بينما يخاطبه بهذا الكلام كان يكرم لحيته و يهدي غضبه، ثم قال للدريعي بعد سكون: اذهب بسلام لا يعتريك إلّا خير، فانصرفنا.

____________

(16) عبارة الصايغ: «فحضر ثاني أبو السلام و توجهنا معه جميعنا فدخلنا و سلمنا حسب العوايد و جلسنا بآخر الناس».

(17) الصايغ يكتب «سحن».

297

و لم يزل الحراس يحرسوننا. و كان أهل الدولة لما سمعوا كلام الدريعي و رأوا جسارته، ارتعدوا من خوفهم عليه، و تعجبوا بعد ذلك من صبر الوهابي و حلمه، فجعلوا يطلبون معاشرتنا، و دعانا أبو السلم إلى وليمة ببيته.

كتب الشيخ الحنبلي:

«لا يتكلم الدريعي بهذا الكلام لأنه كذب، و يكذبه كل واحد، فلو تكلم عند سعود بأنه يطلب دمه من ذكر كذبه، و إن تكلم ... أكثر ما يحمل عليه أنه حشاش. و هو لا يملك إلا على طائفة من العرب تبلغ خيلهم ثلاثة آلاف خيال، و رجالهم عشرة آلاف، نهاية ما بين هجان و قراب و خيال خمسة عشرة ألف، و عند البصرة طائفة من العرب يقال لهم المنتفق يبلغون ثلاثين ألفا، و طائفة يقال لهم الخزاعل يبلغون خمسين ألفا، لا هم في ملك سعود حتى يكونوا في ملك الدريعي، و الدريعي من عنزة، و بقية طوائف عنزة في حكم غير الدريعي، و لو وقعوا في الدريعي قتلوه أعظم من سعود و هم يزيدون على ستين ألف، قدر جماعة الدريعي أربع مرات، فهذا النصراني تكلم بما لا ينقل و بما لا يعقل. و من عادة الوهابي سعود و ابنه عبد اللّه و أبيه لا يرضون للرعايا بعزائم الدريعي و أمثاله من أكابر العرب‏ (18)، بل دار الضيافة عنده و لا يعرفها أحد لا أبو السلم و لا حضرموتي، مع أن المذكورين لا وجود لهم».

و أما الفقير فما كنت مطمئنا بالكلية من جهة نفسي و اعلم أن ابن سعود لا يجسر أن يقتل ابن شعلان أو يحبسه و يجعله أسيرا، و لكنني أخاف أن ينسب إلي ذنب الحروب التي جرت بينهما، إذ كان الدريعي منذ سنين لا يعمل شيئا إلا بمشاورتي و مشاورة الشيخ إبراهيم، و هو مسيو لاسكاريس الإفرنجي. فقلت للدريعي: تسلم أنت لأن الوهابي يخاف من جنودك، و أما أنا فأقاصص لأجلكم و أكون الذبيحة التي تتصالحون عليها و تتحالفون.

فلما سمع الدريعي كلامي حلف لي أنك لا يوصل إليك إلا بالدوس علي، و أنك لتكون أول من يخرج من باب الدرعية.

____________

(18) جاء في كتاب «لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب»: كان سعود، في أول حكمه، يجيب من دعاه إلى غداء و لو كان فقيرا. و كان من عادة الشيخ ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي تولى القضاء بعد موت أبيه أن «لا يضيف أحدا قط إلا أهل رأس الخيمة، فإنهم إذا وفدوا على سعود لم يأكلوا إلا عنده و هو يرضى بهم و يكرمهم». (ص 176، 177).

298

كتب الشيخ الحنبلي:

«ليس للدرعية باب، كما ذكرنا».

ثم في اليوم التالي دعانا الوهابي إلى حضوره، و قبلنا ألطف قبول و أمر بالقهوة، و بعد مدة قليلة سأل الدريعي عن أتباعه و من معه، فقلت في نفسي ها هو جاء دوري أنا، و خفق قلبي بعض الخفقان، و لكني أفقت من ذلك التحير بعد مدة يسيرة، و لما سمّاني له ابن شعلان باسمي، التفت إليّ و قال: هل أنت فتح اللّه النصراني الشهير؟

كتب الشيخ الحنبلي:

«مادح نفسه يقريك السلام».

قلت: نعم.

قال: أرى أفعالك أعظم منك.

فقلت: رصاصة البندقية صغيرة، و تقتل رجالا عظاما.

فتبسم و قال: ما أكاد أصدق الذي اسمعه من أخبارك. فأريد أن ترد على سؤالي جوابا مطلقا خالصا: ما هي غاية التحالف بين القبائل الذي أنت ساع به منذ سنين؟.

فقلت: هي واضحة، إنا أردنا أن نجمع عرب الشام تحت حكم الدريعي لكي نمتنع عن الترك و نخالفهم، فكنا بينك و بين أعدائك حاجزا لا يوصل منه إليك.

فقال الوهابي: فإن كان الأمر كما تقول، فلما ذا قصدتم كسر جيوشي بقرب حماة؟.

كتب الشيخ الحنبلي:

«هذا كلام غير معقول، ما كسرت جيوش الوهابي عند حماة. إن كان العرب بعضها مع بعض، اللهم: و الدريعي من جملة أتباع الوهابي أيام هذه الحكاية. و لكن الرجل لا يدري ما يقول».

فقلت: لأنك حينئذ كنت مانعا لأمرنا، فإننا لم نكن نجتهد في سبيلك، بل في سبيل الدريعي. فكما أنك تحب أن تجمع العرب تحت طاعتك، ثم تحارب الترك و تطردهم من بلاد العرب، كذلك نحن جامعون لهم تحت طاعة الدريعي، فإذا ثبت حكمه في الشام و الجزيرة و العراق و بلاد العجم انقلبنا إليك و عاهدناك، و كنا منيعين حصينين لا يقدر علينا إلا اللّه، و مما

299

يليق بنا و بك أن نجتهد في سبيل واحد، و لم نجئك إلا بنية المعاهدة الوثيقة، فقابلتنا أولا بكلام ناقص في عرضنا، فعاتبك الدريعي بكلام ناقص بعرضك. و أمّا نيتنا فهي خالصة، و مما يدل على ذلك أننا جئناك بغير سلاح و سلمنا أنفسنا لذمتك و همتك.

يقول الحنبلي:

«و إذا جاء أحد عشر رجلا بسلاح ما ذا يصير في الوهابي؟».

فكنت أرى في أثناء مخاطبتي له إنحلال أثر الغم من وجهه شيئا فشيئا. فلما انتهى خطابي قال: مليح، ثم التفت إلى عبيده و أمر بثلاث قهوات. فشكرت اللّه في قلبي على إلهامه إياي. و ما كان باقي جلوسنا عند الملك إلا معروفا و إكراما، فانصرفنا بانشراح و انبساط. ثم في العشاء دعينا إلى وليمة عظيمة عند أحد الوزراء يقال له الحضرموتي‏ (19). فلما خلونا به حدثنا سرا بقساوة مولاه و ظلمه العظيم و كراهية جميع الناس له. و ذكر أيضا غناه الوافر، فإن المال الذي ظفر به عند نهب مكة و المدينة شي‏ء لا يحصى، لأنه قد كان أمراء المسلمين و ملوكهم و خلفاؤهم و سلاطينهم في أوائل الإسلام إلى أيام الوهابي يهدون في كل سنة إلى بيت اللّه و حرم الرسول هدايا ثمينة من الجواهر و القناديل التي من ذهب و غير ذلك. و زيادة على ما تهديه العامة من عبيد اللّه. و كان في المدينة كرسي أهداه ملك من ملوك العجم. فهذا الكرسي وحده لا تثمن قيمته، فإنه كان من ذهب صب، و فيه لآلي‏ء و ألماس. و كان كل أمير يرسل تاجا من ذهب مفضضا بالجواهر، يعلق في سقف الحجرة بمقام الرسول. و عندما سلبها الوهابي كان عدد التيجان أكثر من أن يحصى. و كان على قبر النبي جوهرة حمراء لا تعلم قيمتها (20). و إذ افتكرت فيما حازت الأعصر من المال على هاتين البقعتين لا تتعجب من أن الملك الظالم ساق برجوعه أربعين جملا محملة بمجرد الجواهر، زيادة على خالص النقدين. و إذا

____________

(19) في المخطوطة: «من رجال ديوان الوهابي».

(20) يعلمنا السائح بوركهارت الذي كان اعتنق الإسلام و زار مكة و المدينة سنة 1814 أن سعودا عندما فتح المدينة المنورة نهب مال الحجرة. و من جملة الجواهر النادرة التي أخذها «نجمة رائعة مرصعة بالماس، كانت معلقة على قبر النبي، و كثيرا ما يتحدث العرب عن هذه الجوهرة و هم يسمونها الكوكب الدري». (رحلة إلى الجزيرة العربية، ج 2، ص 62 من الترجمة الفرنسية). و يذكر مانجان أن عبد اللّه بن سعود، عند مقابلته مع محمد علي، كان يحمل صندوقا صغيرا من العاج، فيه ثلاث مخطوطات فاخرة للقرآن الكريم جلدها مرصع بالياقوت، و ثلاث مئة لؤلؤة كبيرة الحجم و زمردة معلقة بسلسلة من الذهب، و كل ذلك مما أخذه سعود من الحجرة (مانجان، ج 2، ص 140).

300

حسبت هذا كله ثم الزكاة التي يأخذها الوهابي من حلفائهم و هي عشر أموالهم فلا بدّ أن تجعله أغنى ملوك الأرض، و خصوصا إن اعتبرت قلة مصروفة و أنه يحرم الزهو و فخر الملابس و تنعمات الدنيا غاية التحريم، و أنه عند حروبه تتجهز كل قبيلة بمالها، و عليها المصروف و الخسارة، و لا تعويض لها.

كتب الشيخ الحنبلي:

«لم ينهب مكة، و أما المدينة فأخذ مال الحجرة اسما له و حقيقته لغيره. لم يوجد في الحجرة و لا تاج إلا تاج السلطان سليم (رحمه اللّه) و حزامه، و بيع الحزام بأربعة آلاف بندقي. قبر النبي لم يعلق عليه شي‏ء و لا يتوصل إليه أحد (20). ما أخذ سعود من الحجرة لم يذهب منه إلى الدرعية إلا بستة سحاحير ما بين مذهب مرصع بجواهر و ذهب خالص. و أما جوهر مجرد من الذهب فكيس فيه زمرد أخضر ألف واحدة قدر بيض الحمام، و أربعة آلاف دون ذلك.

و أرسل الكيس للشريف غالب و قال له: بعه على خواجات مكة و جدة و خذ بثمنه رزا و قمحا و سمنا لعسكره الذي في المدينة، فأخذه الشريف غالب بثمن بخس و أرسل ببعض الثمن ما ذكر للعسكر الذي في المدينة».

ثم أنه في اليوم التالي، حملني السرور الحاصل من إطلاقي على أن ذهبت أتنزه طول نهاري و أتفرج على كل شي‏ء مما يوجد في الدرعية و صحرائها. و تلك البلدة مبنية بالحجارة البيض‏ (21)، و تحتوي على سبعة آلاف نفس‏ (22)، و أغلبهم أقارب سعود أو وزراؤه أو رؤساء جنوده. لا صنائعية فيهم إلا القندقلية و البياطرة و هم قليلون. و لا شي‏ء للبيع حتى مما يؤكل، و كل واحد من سكان البلد يعيش من ملكه كغيط أو روضة تنبت قمحا و بقلا و فواكه. و فيها دجاج كثير، و لهم غنم و أبل كثيرة ترعى في الصحراء.

و في كل يوم أربعاء تجي‏ء أهل مكة (23) و اليمن و يقايضونهم على المتاجر بابلهم و غنمهم و ليس لهم متجر سوى هذا السوق.

____________

(21) يقول روسّو، قنصل فرنسا في بغداد، إن دور درعية كانت مبنية بالحجارة، بينما البيوت في الأحساء و بصورة عامة في جميع بلاد الجزيرة العربية كانت من الطين و القصب (روسو، وصف ولاية بغداد، ص 135، باريس 1808).

(22) يذكر حسين خزعل أن الدرعية كانت تضم قوات عسكرية نحو أربعة آلاف مقاتل (حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص 249، دار الكتب، بيروت، 1968).

(23) في المخطوطة: «مكا، كرسي اليمن، المحل الذي تخرج منه كميات القهوة، لا مكة ...».

301

و تخرج النساء في الأرزقة بغير براقع، إلا أنهن يغطين رؤوسهن بالمشلح الأسود (24)، و هذا غير مليح، و أغلبهن قبيح في غاية السمرة.

و أما البساتين التي هي في واد نزه شرح بقرب البلد، تجاه الجانب المقابل لجانب دخولنا (25)، فهي تنبت الفواكه أحسن من غيرها و ذلك بالموز و النارنج و الرمان و التين و التفاح و القاوون ... و بين الأشجار الشعير و الدخن، و يجتهدون في سقيها.

ثم في اليوم التالي دعانا الملك إلى حضرته و قابلنا بلطف، ثم سألنا سؤالات كثيرة عن سلاطين الفرنج المتفرقة و لا سيما في شأن نابوليون بنابارته، فكان الوهابي يعظمه جدا و ينبسط من أخبار فتوحه، و كان من بختي أنني سمعت كثيرا من تلك الأخبار عند محادثتي مسيو لاسكاريس، فيمكنني أن أحكيها على وجهها. و كان ابن سعود كلما سمع حكاية مني في شأن بنابارته قال: إن هذا الرجل بعثه اللّه، و لا بد أنه ملهم من اللّه حيث نصره و فضّله على غيره من السلاطين.

ثم زاد ابن سعود في الملاطفة و قال: أريد أن تخبرني خبرا صحيحا في أمر من الأمور، ما هو أساس النصرانية و ما هي قاعدتها؟

قال النصراني: فلما سمعت هذه المسألة ارتعدت ارتعادا شديدا، فإني كنت أعرف غيرة الوهابي في أمور الدين، فطلبت من اللّه أن يلهمني جوابا موافقا للحق و لا يغضبه، ثم قلت: إن قاعدة كل دين، يا ابن سعود، الإيمان باللّه، فيعتقد النصارى أنه لا إليه إلا اللّه، و أنه يعاقب الظالمين و يعفو عن التائبين و يجزي بالخير الصالحين، و أنه عظيم رحيم قادر على كل شي‏ء، كما أنك تعتقد ذلك. فقال الملك: مليح، فكيف تصلون؟ فقرأت له الباتر (26)، فأمر كاتبه بكتابته مني، فلما فرغ من الكتابة قرأه الملك ثم وضعه في جيبه و استمر في سؤالاته فقال: إلى أي ناحية من نواحي السماء تتلفتون إذا صليتم؟ فقلت: إلى أي ناحية كانت، حيث اللّه في كل مكان. فقال الوهابي: أمدحكم على ذلك. و هل فرض عليكم غير الصلاة؟

____________

(24) في المخطوطة: «يخرجن في الطريق و هن مغطيات بمشالح سود إلى فوق رؤوسهن».

(25) في المخطوطة: «عندهم بساتين خارج البلد في الوادي».

(26)Pater : يا أبانا الذي في السموات ...

302

فقرأت له الوصايا العشر التي وصى بها موسى، فظهر منه أنه كان يعرفها. و استمر في سؤالاته فقال: و كيف تعتبرون المسيح، ابن مريم؟.

فقلت: هو كلمة اللّه المتجسدة.

فقال: و لكنه صلب.

قلت: نعم، و بحيث أنه كلمة لم يمت، و بحيث أنه بشر قاسى عذابا من الظالمين‏ (27).

قال: عظيم. و أما الكتاب الذي أوحي به إليه، فهل هو معظم عندكم و تعملون به؟

قلت: منا صلحاء و منا فاسقون، فالصلحاء يعظمونه و يعملون به، و الفاسقون يخالفون وصاياه.

فقال: جعل الترك نبيهم إلها يصلون على مقامه، لعن اللّه، من يشركه، فليضربنهم السيف. ثم بالغ في شتم الترك على عادته، و استحرم شرب الدخان و النبيذ و أكل اللحوم غير الطاهرة.

و أما أنا فشكرت اللّه حيث خلصني من مسائل صعبة خطرة في اعتقادي. و في هذا الوقت ما كنت أخالف الملك في أمور مثل شرب الدخان، بل وافقته في الجميع و لمت معه ذلك الحشيش الملعون على تسميته إيّاه. فتبسم الدريعي الذي كان يعلم أنه لا يمكنني الإمتناع عن شرب الدخان. و لقد كنت كلما أخلو به أخرج عودي العزيز علي من كيسه فأشرب، و كانت تشتد بي شهوة الدخان حيث كان الحديث، و شربنا قهوة ثقيلة، فتبين أن الملك انبسط من حديثنا فقال لي: أرى أن الإنسان يتعلم طول عمره، فإني كنت من قبل أظن أن النصارى يتوهمون في مسائل الدين أقصى التوهم، و الآن أراهم أقرب إلى الحق من جنس الترك بكثير.

و بالجملة فيكون ابن سعود عالما فصيحا بالنسبة لغيره من العرب، و لكنه شديد الغيرة على الدين، حتى أنه يطلب دم من يخرج من اعتقاده و يخالف إيمانه.

و له زوجة و أمة و ابنان متزوجان و ابنة لم تبلغ بعد. و لا يأكل إلا ما طبخت له نسوته خوفا من السم.

____________

(27) في المخطوطة: «استغفر اللّه العظيم و لا نكون من الكافرين، إن روح اللّه يظلل و [لا] يصلب، و لكن شبه به».

303

كتب الشيخ الحنبلي:

«الرجل النصراني كذاب، فلعنة اللّه على الكاذبين، سعود (28) له أكثر من زوجة و أكثر من عشرين أمة، و له أحد عشر ابنا و ثمان بنات، و ثمانية من ابنائه متزوجون، و لهم أولاد و بنات، أكثر من خمسين بين ولد و بنت. و الطبخ لا يطبخه نسوته بل طبخه و طبخ أهل بيته سواء».

و حراس قصره ألف عبد أسود، لهم أسلحة جيدة، و يقدر الوهابي على أن يجمع في مملكته ألف ألف و خمس مئة ألف رجل يصلحون للحرب‏ (29).

كتب الشيخ الحنبلي:

«أكثر ما جمع الوهابي لما غزا الشام سبعين ألف رجل، و هذا الرجل كذاب في كل هذه الأوراق».

و إذا أراد أن يولي محافظا، أي حاكما، في إقليم من الأقاليم يدعو الذي يحب أن يوليه إلى مائدته فيأكل معه، ثم يتوضآن و يصليان جميعا، ثم يقلده السيف و يقول له: وليتك بأمر اللّه حاكما على عبيده، فكن حليما، و أجب الزكاة بغاية الضبط، و اضرب عنق الترك و الكفار و الذين يقولون أن اللّه له شريك، و لا تخلّ أحدا منهم يستوطن بلادك و اللّه ينصر من يوحده.

ثم بعد ذلك الخطاب يعطيه مكتوبا صغيرا يأمر فيه كل رعيته من سكان إيالته أن يطيعوا الحاكم و إلا فيقاصصون قصاصا شديدا.

هذا، ثم أنه في اليوم التالي تفرجنا على اصطبل الملك، و لا أظن أنه يوجد في الدنيا فرجة أغرب منها و أحب إلى من يعرف الأفراس الأصايل و مزية الخيل الكحائل، فرأيت ثمانين فرسا أبيض، على صف واحد، لا نظير لها في الحسن، متشابهة حتى لا تميّز من بعضها،

____________

(28) الصايغ يتكلم عن عبد اللّه بن سعود، و ذكر صاحب «لمع الشهاب» أن لعبد اللّه أربعة نسوة لا غير (ص 178).

(29) ما جاء في الترجمة عن عدد المقاتلين الذين تحت حكم الوهابي لا أثر له في مخطوطة الصايغ.

304

و شعرها لامع كالفضة يخطف البصر، ثم دخلنا في اصطبل آخر فوجدنا فيه مئة و عشرين فرسا جميلة كالأول، إلا أنه مختلفة الألوان، فتعجبت كثيرا من جمالها مع عددها.

ثم في المساء، تعشينا عند رئيس الجنود المسمى هيدل‏ (30) و كان الدريعي كسر جيشه في بعض المواقع و اصطلحا، و ممن كان يحضر ذلك العشاء أبو نقطة (31) الشهير، فخاطب الدريعي خطاب المحب و لم يظهر حقدا من كسر جيشه.

ثم بعد ذلك اجتمعنا مرارا مع الوهابي، نخلو به لنتحدث في أمورنا و شروط التحالف بين القبائل جميعها، و يطول تفصيلها، فلنقتصر على أن نقول أن الوهابي و الدريعي اتفقا على معاهدة ترضيهما، حتى قال الملك للدريعي: الآن جسمان تحركهما روح واحدة و إرادة واحدة.

و لما اتفقا على كل شي‏ء، دعانا الملك للأكل معه، و لم يكن فعل هذا من قبل. و لما جلسنا للأكل ذاق هو كل واحد من الطعام قبل أن يقدمه إلينا. ثم أنه كأن الوهابي لم ير أحدا ينقل الطعام من صحن إلى فمه إلا بأصابعه فصنعت لي شوكة و معلقة من خشب و فرشت منديلي بمنزلة السفرة و جعلت آكل بين يديه على كيفية الفرنج، فشرح هذا خاطره فقال: كل أمة من الأمم، و الحمد للّه، تحسب عوائدها أحسن من غيرها، فكل يرضى بحاله.

كتب الشيخ الحنبلي:

«ما كان سعود يأكل ألوانا إلا صحفة فيها الفتة و الرز و اللحم سواء، أو فاكهة كل فاكهة في إناء» (32).

ثم أنه قد حان وقت رجوعنا فعزمنا على السفر من الدرعية في اليوم التالي، فبعث إلينا

____________

(30) في المخطوطة: «عبد اللّه الهدّال».

(31) قتل أبو نقطة قبل عدة سنوات من الرحلة إلى الدرعية، و من العجيب أن الشيخ الحنبلي لم يشر إلى هذا الخطأ التاريخي الفادح.

(32) يناقض هذا الكلام ما جاء في «لمع الشهاب»، «و كان سعود يترف في المأكول كما يترف في الملبوس ... و اتخذ له أناسا من أهل الأحساء أو القطيف يصنعون له الأطعمه الحسنة من اللحوم المقلية و الطيور المحشية و الحلويات الخبيصة بالسكر و البلوج. هذا في بيته، و أما في المجلس العام ... فأكله مع ذلك اللحم و الثريد (ص 176)». و أما عبد اللّه فمشى على خطوات أبيه في اللبس و الأكل: «إلا أنه كان يظهر الأطعمة الفاخرة في مجلسه للخاص و العام». (ص 178).

305

الملك بهدية و هي سبع من أفضل أفراسه، بجانبها سبعة عبيد يركبون الهجن، و لما اختار كل واحد منا الفرس التي يحبها أعطونا سيوفا نصالها عظيمة، غير أن أغمادها لا زينة فيها، و أمر الملك أيضا كل واحد من أتباعنا يأخذ سيفا، إلا أنه لا تبلغ قيمته قيمة سيوفنا، و أعطاهم أيضا مئة ريال و مشالح، ثم ودعنا على موجب التشريف و شيعنا أرباب الدولة كلهم إلى خارج السور، فلما وصلنا إلى باب المدينة وقف الدريعي و التفت إلي و قال: تفضل و أخرج أولا، فإني واف بعهدي، و كان يبتسم.

كتب الشيخ الحنبلي:

«ليس للدرعية باب كما ذكرنا» (33).

و اعترف بأني تجاوزت العتبة بغاية الإنبساط، بسبب كل المعروف الذي عاملنا به الملك، و لكن كان الضيق الذي قاسيناه أولا قد أثّر فيّ تأثيرا شديدا فنسيته، حتى لم يكن خروجي من الدرعية إلا بسرور (34).

____________

(33) هذا آخر الهوامش المنقولة من خط العلامة الشيخ الحنبلي، على يد الفقير محمد عياد الطنطاوي.

(34) كل هذا الحديث عن كيفية مغادرة الوفد لعاصمة الوهابيين، و خروج الصائغ من الباب قبل الجميع، لا أثر له في الأصل العربي. و نحن لم نشر هنا إلا إلى أخطاء الترجمة التي بنى عليها الشيخ الحنبلي أحكامه الصارمة.

و هناك أخطاء كثيرة غيرها لم نعلق عليها، إذ يكفي الرجوع إلى النص الأول ليظهر الصحيح من الخطأ.

و يبدو لنا، بعد هذا العرض و بعد مراجعة المصادر التاريخية أن فتح اللّه الصايغ، على الرغم من مبالغاته و أخطائه أحيانا، كان صادقا، و أن الشيخ الحنبلي، و إن كان على صواب بسبب سوء الترجمة، فإنه أخطأ بدوره إذ تكلم عن أحوال سعود بينما الصايغ يتحدث عن ابنه عبد اللّه، و أخطأ أيضا في كلامه عن أسوار الدرعية و أبوابها و عن الأموال التي أخذها سعود من الحجرة و عن طعامه.

306

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}