الرحلة الحجازية

- أوليا الشلبي المزيد...
302 /
55

الآن «آتاتورك بولوارى». و من الطريف حسب قول آوليا نفسه أنه كانت للعائلة محلات دباغة تبلغ ثلاثة عشر محلا يعمل بها أكثر من مائة عامل. و لم يبق منها إلى الآن إلا الإسم فقط، فما زال فى الحي شارعا يسمى «صاغريجى صوقاغى» أي شارع الدبّاغ.

حفظ آوليا القرآن؛ فلقّب ب «حافظ»، و لما كان إبن جواهرجي السراي، و تعلم في القسم الداخلى بالسراي فلقّب ب «چلبي» أي المذهّب، و لمتعلم، و من هنا فإن الإسم الكامل له هى «الحافظ آوليا چلبي بن درويش محمد ظلى». و حسب العادات، و الآعراف التركية العثمانية القديمة؛ كانت هناك مراسم و إحتفالات تقام لتسمية المولود؛ منها الاذان فى الأذن اليمنى، و قد قام بهذا- كما سبقت الإشارة- شيخ الإسلام صنع اللّه أفندى‏ (1) و هو الذى أطلق عليه لقب آوليا، ثم إنضم إلي الحفل كيسوه دار محمد أفندى، و كان شخصا محترما محبوبا من الجميع، فاحتضن الوليد، و أذن في أذنه اليسرى .. و هو الذى أطلق عليه إسم محمد. من هذا المنطلق يصبح «محمد آوليا چلبى بن درويش محمد ظلي».

أيا كانت الأسماء، و الآلقاب، فقد وصلنا الإسم الذي عرف به و هو «آوليا چلبي». والده هو درويش محمد ظلي‏ (2).

____________

(1) شيخ الإسلام صنع اللّه أفندى؛ هو صنع اللّه أفندى ابن الحاج مصطفى بن جعفر أفندى، 1552- 1621 م. و هو شيخ الإسلام الثالث و العشرين فى الدولة العثمانية. (المترجم)

(2) درويش محمد ظلى؛ والد آوليا چلبي و قد عاصر هذا الوالد تسعا من السلاطين العثمانيين اعتبارا من السلطان سليمان القانونى و توفي عن مائة و تسعة عشر عاما .. بدأ منادما، و مصاحبا للسلطان القانوني، و لحسن صوته؛ عمل مؤذنا أساسيا في جامع سليم الثاني فى أدرنه؛ و لما كان فنانا؛ أصبح رئيسا لجواهرجية السراي إعتبارا من عصر سليم الثاني هذا، ثم تدرج، و تدرب علي العديد من الآعمال التي طوّرت، و نمّقت الفنون لديه .. كانت له محلاته التي تعمل في الجواهر، فخرجرت من تحت يديه قطع فنية نادرة .. منها ساعة جميلة جعلها في خاتم السلطان محمد الثالث و باب الحرم المشغول خصيصا لجامع السلطان أحمد .. و أرسل به إلى مكة خصيصا لصنع المزراب الذهبي الذي صنعه بيديه لتصريف مياه الأمطار من فوق سطح الكعبة المشرفة؛ و الدولاب الذي صنعه من قنطار من الفضة ل «قدم النبي»- أثر النبي» ((صلى اللّه عليه و سلّم)) في مصر .. و البوابات، و الأبواب الفنية الرائعة التى صنّعها بنفسه لجامع «استركون» ..

و خرجت من تحت يديه العديد من البسملات، و الآيات، و آبيات من الشعر كتبها بالخط العربي الجميل لكي تزدان بها الأسبلة .. و المحاريب .. و المنابر في العديد من المدن، و الأحياء التي طاف بها آوليا فيما بعد، و ذكر أنها من إبداعات والده انظر: جعفر أرقليچ ص 6) (المترجم).

56

للوالد تأثير كبير، و ذكريات كثيرة، و مآثر حميدة؛ كانت تمنح آوليا الفرصة لكي يتحدث عن والده في ثنايا كتاب الرحلات التي قام بها فيما بعد.

و كلمة «درويش» التى تسبق، أو تلحق باسم «محمد ظلي» لا بد أنه إكتسبها لمسلكه الديني، أو الصوفى الذي لازمه؛ و ذلك لأنه كان من المداومين على حضور جلسات الذكر فى تكية الشيخ عزيز محمود خدائي‏ (2) الذي كان من مشاهير مشايخ عصره. و كان الوالد، دائما ما يصطحب ولده، و يجعله يشارك في المراسم، و التراتيل، و الإنشاد الديني، و يجالس كبار المرشدين، و المريدين في التكية.

لقد وفدت بدايات العائلة من آواسط آسيا، و توطنوا حي زره كان فى كوتاهية (3). ثم شيدت العائلة بيوتا لها في كل من «برغامة» (4) و «بورصة» (5)، و امتلكوا مزرعة فى صانديقلى‏ (6). و عند فتح استانبول، بالرغم من أن العائلة قد انتقلت إليها، إلا أنها لم تقطع صلاتها بما هو خارج العاصمة.

(1) مرجع سبق ذكره ص 6Cafer Erkilic - 1.

____________

(2) عزيز محمود خدائي؛ و هو من كبار مشايخ الطريقة الخلوتية، اشتهر بكثير من أشعاره التى تدعو إلى الزهد، و العبادة الخالصة لوجه اللّه. بعد أن أتم علومه، سلك سلك القضاء، انتسب فى بادئ الأمر إلى الطريقة المولوية، و أخذ العهد على سيخها، استقر بطريقته في اسكيدار، و عمل بالوعظ و الإرشاد فى اواخر أيامه، توفى 1038 ه و ضريحه من المزارات المفتوحة حتى العصر الحاضر؛ انظر، شمس الدين سامى، قاموس الاعلام ج 3) (المترجم).

(3) كوتاهية: (مركز ولاية فى العصر العثماني، و كانت تقع فى جنوب شرق ولايتى خداوندكار، و بروسه. من المدن التى لعبت دورا مهما فى الحضارة الإسلامية على مر العصور. بها العديد من الآثار الإسلامية التى ترجع إلى العصور السابقة من السلاجقة و العثمانيين. و فى العصر الحديث هناك قضاء يحمل نفس الإسم. و تقع بالقرب من ولاية أنقرة.

و اراضيها تغطى حوالى 18000 كم 2 من مساحة تركيا المعاصرة، تتمتع بطقس جميل، و حركة سياحية نشطة.

انظر: شمس الدين سامى؛ قاموس الاعلام ج 5) (المترجم)

(4) برغامه؛ إحدى المدن الصغيرة القريبة فى بورصه، و مناخها معتدل، و زراعية. «المترجم»

(5) بورصه: إحدى أشهر المدن التركية المعاصرة. و كانت أول عاصمه للدولة العثمانية. ثم تلتها أدرنة ثم استانبول. لها مكانه مرموقة فى الحضارة التركية العثمانية حيث شيد بها العديد من المساجد و الجوامع و المدارس و الأضرحة العثمانية.

و ظلت إلى عهد بعيد من الفتح العثمانى لمدينة استانبول و هى المدفن الأساسى للسلاطين العثمانين. انظر؛ للمترجم استانبول عبق التاريخ و روعة الحضارة، القاهرة 1999. ص 23) (المترجم)

(6) صاندقلى- صانديقلى؛ مركز قضاء، سكانها جميعا كانوا و ما زالوا من المسلمين، تابعة لولاية خداوندكار. و بها العديد من الاثار الإسلامية التى ترجع إلى العصور السابقة. و يقع فى شمالها الغربى سنجق كوتاهية. و فى جنوبها الشرقى قونية. تحوظ بها الجبال المرتفعة. كانت كثيرة المراعى فى العصر العثمانى، ينبع منها نهر مندريس الكبير.

فى جنوبها الغربي توجد بحيرة (آجى كول). متعددة المحاصيل فى العصر الحديث. تكثر بها المعادن الطبيعية.

تربطها بالعديد من المدن الطرق الحديدية، و الطرق البرية الجيدة. بها مياه معدنية للإستشفاء. انظر: شمس الدين سامى، قاموس الأعلام، ج 4) (المترجم)

57

الأم؛ و التى لم يشأ آوليا ذكر إسمها- كعادة الشرقيين- هي فتاة آباظية (1) وفدت هي الآخرى من قفقاسيا (2). أضحت خالة، أو إبنة خالة ملك أحمد باشا الذي صار وزيرا، ثم صدرا أعظم، في الدولة العثمانية. و قد تزوجها جواهرجي القصر درويش محمد ظلي ... و من هنا كانت صلة آوليا چلبي بملك أحمد باشا، وطيدة طوال حياته، و بسط أحمد باشا عليه عطفه، و حمايته .. كما حظي برعاية زوجته اسمهان قايا سلطان إبنة السلطان مراد الرابع (1623- 1640 م). و لهذا؛ كانوا ينسبون آوليا آحيانا إلي ملك أحمد باشا. كما كانت تربطه قرابة مع دفتردار زاده محمد باشا، و إبشير باشا، فقد كان الأخير يخاطبه دائما قائلا «آولياي الحافظ» أو «الحافظ آولياي»، أما دفتردار زاده فقد كان يصطحبه، و يجعله فى معيته آينما ذهب .. (3).

إن آوليا، بالرغم من ولعه بالحديث عن أسرته، إلا أننا لا نجده يتحدث عن أمه إلا فى مناسبتين فقط؛ عندما رأي الحناء في قدميها، و أعجب بذلك، و عند ما كان يراها، و هى تطرز بخيوط الذهب المكرميات، و الملائات «الحراشف» و آغطية المخّديات .. و أنه ذكر؛ أن من بين المحتويات التى تركتها جدته لأمه ما بين أربعين، أو خمسين دينارا ذهبيا من سكة السلطان مراد الثالث، و يتحدث أحيانا عن زوجة أبيه .. و ربما يكون مرد ذلك إلى وفاة والدته، و هو في سن صغير.

لم يذكر من الإخوة سوى أخا، باسم محمود، و بضع آخوات، إحداهن؛ تسمى «إينال» و هي تكبره، و قد تزوجها «كل إيلياس پاشا، أي ايلياس باشا الأقرع» صولاق اوغلى» الذى أعدم في سراي چنكل كوي، خلال الثورة التى قام بها، فى عهد مراد الرابع .. و يتضح من حكايات آوليا أنها لم تعش طويلا بعد إعدام زوجها

____________

(1) آپاظة- أپازه، تقع فى شمال قفقاسيا، و فى الشمال الغربي من بلاد الچركس؛ يمتاز مناخها بالإعتدال، و أرضها خصبة رغم أنها جبلية، و يعمل الأهالي بالرعي، و مشهود لهم بالشجاعة. دخلت تحت سيطرة الروس، لذلك اتفقوا مع الترك و التتار لمحاربتهم، انظر. ش. سامى. الاعلام ص 403 (المترجم).

(2) قفقاسيا: بلاد القفقاز- القفقاس. و تقع بين آسيا و أوروبا، و بين البحر الأسود، و بحر الخزر، تتكون من عشر ولايات. ظلت تابعة للحكم الروسى، و تنقسم إلى إقليمين قفقاس الأدنى، و ما وراء القفقاس. سكانها يتصفون بالشجاعة و هم من المسلمين السنيين. و هى موطن الچركس، و الشيشان، و يتصف رجالها و نساءها بالجمال، و لذلك احتلوا مناصب حساسة فى الدولة العثمانية. (المترجم)

(3) مرجع سبق ذكره ص 6CaFer Erkilic - 1.

58

الذى كان قد إختطفها من كوتاهية، و أن إحداهن كانت في سراي قايا سلطان، و لم يذكر شيئا عن الأخريات.

ينحدر أيضا إلى أسرة الأب، و الأم مجموعة من الشعراء؛ كالشاعر موللا فيراقي، و قول اوغلى محمد چلبي، و ابراهيم چلبي الكرمياني الذي كان يقرض الشعر متخلصا ب «شريفي» و علمدار موللا محمد بن يعقوب. (1) كما لا يمل آوليا من الحديث عن عظماء العائلة، و مدافنها التي تحتوي علي الكثيرين من المشاهير فى معظم مدافن كوتاهية، و بورصة، و شتى أحياء مدينة استانبول‏ (2).

طفولة آوليا و تعليمه:

مما سبق نلمح فى حياة الرحّالة آوليا چلبي الجو المترف الذي تربي فيه، و عاش طفولته المبكرة .. و لقد مكنته مناصب الآقارب، و وجود والده فى السراي من تعليم راقي.

درس آوليا چلبي في المدرسة الإبتدائية، و كان طالبا فى مدرسة شيخ الإسلام حامد أفندى، فى نفس الحي الذى ولد فيه، و ظل يتعلم لمدة سبع سنوات على المعلم أخفش أفندي. و كان يداوم على حفظ القرآن الكريم حتى أتقنه علي يد معلمه، و شيخه آوليا محمد أفندي، و حسب قوله هو؛ ظل في كتاب سعدي زاده إحدى عشر سنة للدراسة، و التعلم.

و درس التجويد، و القراءات، و صمم على التفرغ للعلم. بينما كان يتعلم علي أبيه فن الخط، و فنونا آخرى كصقل الآحجار الكريمة، و الكتابة عليها. (3)

كانت لآوليا إهتمامات بالموسيقى، و الإنشاد، و نراه فى سنة (1045 ه- 1625 م) حافظا، و مرتلا في جامع الآياصوفيا .. و اجتذب إهتمام السلطان مراد، و الحاضرين فى إحتفال ليلة القدر، فطلب السلطان أن يأتي إليه، و لما استقبله فى مقصورته؛ خلع عليه، و قدّره، و طلب أن يكون من مصاحبيه. (4)

____________

(1) مرجع سبق ذكره ص 7Evliya Celebi Hayati ,Sanat ,Eserleri ,- 1.

(2) انظر مادة آوليا، دائرة المعارف الإسلامية.Is .Andik .Evliya Celebi Mad .- 2

(3) مرجع سبق ذكره؛ ص 401:M .Cavid Baysun - 1

(4) آوليا چلبي سياحتنامه س؛ ج 1 ص 244.

59

و يروى آوليا چلبى هذه الواقعة المهمة فى حياته على النحو الاتى:

[كانت ليلة القدر من شهر رمضان لعام 1045 ه- الموافق 1646 م، و كما يحدث فى كل عام كان عدة آلاف من الحضور فى جامع الآياصوفيا .. و فى تلك الآثناء، و بينما كان آستاذي آوليا محمد أفندي يختم القرآن الكريم، و بسبب رغبة، و إصرار والدي درويش محمد آغا و بعد صلاة التراويح في مقصورة المؤذنين الموجودة في المسجد، و في ليلة القدر تلك بدأت فى ختم القرآن الكريم .. و عند الإنتهاء من سورة الأنعام خرج كل من [قوزبكچى محمد آغا]، و (سلحدار ملك أحمد آغا) من المقصورة، و ألبسوني تاج يوسف المقصّب بالذهب. وسط هذه الجموع الغفيرة؛ و أمسكوني من يدي قائلين! «تفضل .. إن صاحب السعادة السلطان يريدكم ...) و أحضروني إلي مقصورة السلطان .. (1).

أدرك السلطان مراد انفعال آوليا فسأله: [فى كم ساعة تستطيع ختم القرآن ..

فرد آوليا .. «مولاي السلطان لو شئت فإنني أختمه فى سبع ساعات، و لكنني أختمه إن شاء اللّه في ثماني ساعات دون إفراط أو تفريط) فأحسن السلطان عليه بحفنة من الذهب قائلا: «إن شاء اللّه تكون مصاحبي». (2)

و كان لا بد أن يتعلم في الأندرون- القسم الداخلي، بالسراي‏ (3)، و هنا تابع تعلم اللغة العربية، و الفارسية، و فنون الخط العربي .. إلى جانب ذلك كان مغرما بقراءة التاريخ .. و الإبتهالات الدينية .. و لهذا حفظ بعض المختارات من كلستان سعدى‏ (4)

____________

(1).- 77- 10.Resad Ekrem Kocu .S

(2)s :، 1951Cilt 2،aralik 24:Tarih Mev .Sa ؟

Zuhuri Danisman: Evliya Celebi Nasil Musahip Oldu

+ 1168- 1168

(3) الآندرون: مصطلح عثمانى كان يطلق على مدارس السراى أو البلاط السلطانى، و يعنى الأجهزة التعليمية، أو المدارس و الإدارات التى تعد الموظفين الذين سيعملون داخل القصر و فى البلاط المهمايونى، و يمد السلطان و القصر بكل ما يلزمه من العلماء و القواد و الاداريين و الحرفيين و قد كانوا جميعا يتخرجون فى هذه المدارس، و قد كان طلاب هذه المدارس يجمعون فى الحروب «الديوشيرمة» و يربون على تعاليم الاسلام و طاعة السلطان و العمل فى خدمته. و كذا من الشباب الأتراك و المسلمين النابهين. و قد كانت بحق مدارس نظامية داخلية محكمة التنظيم أنظر: المصدر السابق:

محمد ذكى باقلين (المترجم)

(4) كلستان سعدى: سعدى؛ هو الشيخ مصلح الدين الشيرازى، من آعاظم شعراء ايران و حكمائها المتصوفين. ولد فى آواخر القرن السادس الهجرى و فى عصر سعد بن زنكى بمدينة شيراز. و نسب لهذا الحاكم فاشتهر بسعدى، عاش 103 سنة، بعد سن الطفولة قضى 30 عاما فى التعلم، و 30 سنة فى العسكرية و السياحة، و 30 فى-

60

و مثنوي جلال الدين الرومي‏ (1)، و كان يستشهد ببعضها فى كتاباته، و خلال رحلاته التى دوّنها في سياحتنامته.

دخل آوليا القصر، و سلموه إلى رئيس آغوات السراي و اختاروا له غرفة بالقرب من الجناح السلطاني، و ألبسوه ملابس لائقة .. و علموه كيفية التحرك، و التصرف في حضرة السلطان .. و رويدا .. رويدا بدأ في حضور مجالس السلطان. و حسب رواية آوليا نفسه؛ فقد كان يجيد الشيئ الكثير من فنون القول، و الشعر العربى، و الفارسي، و السرياني، و اليوناني. و فنون الغناء الشعبي التركي، و الموسيقى ..

و الذكر و الأدب، و يحفظ الكثير من الشعر فى البحر الطويل، و من القصائد و ترجيح بند، و تركيب بند (2) و المرثية، و العيدية .. (3).

يصف آوليا نفسه، و هو فى مرحلة السراي، بأنه كان فى حوالي العشرين من عمره، و كان رشيدا، نجيبا، على علم بمجالس الأدب، و حلقات الذكر، و العلم.

و أنه، و هو فى حضرة السلطان كان حلو اللسان طليقه .. منادما خفيف الظل ...

هذا و غيره مما جعله ينال رضاء السلطان، و رعايته، و شرف صحبته‏ (4).

____________

- الزهد و العبادة. كتب كتابه المشهور كلستان سعدى أي «حديقة سعدى» و هو فى سن 67 من عمره نالت كتبه «بوستان»، «كلستان» شهرة واسعة فى عالم الأدب، أثر فى كل من أتى بعده من شعراء الفرس و الترك. و انتشرت اشعاره فى هذه المناطق الشاسعة. و كان يحفظها كل من يشتغل بالفكر و الأدب. أنظر: شمس الدين سامى، قاموس الأعلام ج 4) «المترجم»

(1) مولانا جلال الدين الرومى: (1207- 1273 م) من أكبر شعراء التصوف فى العالم الإسلامى، عالم، و فيلسوف و مؤسس الطريقة المولوية. ولد فى منطقه بلخ فى خراسان. والده كان سلطان العلماء بهاء الدين ولد. والدته مؤمنة خاتون من عائلة الإمبراطورية الخارزمشاهية. ترك بلخ متوجها الى الأناضول إلى مكة سنة 1212 م ثم انتقل عن طريق الشام الى الأناضول و عند ما وصل إلى قونيه عاصمة الدولة السلچوقية كان على عرشها السلطان علاء الدين كيقوباد، فاستقبله بحفاوة بالغة سنة 1228 م. له كتب عديدة فى التصوف و لكن أشهرها قاطبة هو كتاب المثنوى المكون من 700، 26 بيتا و قد كتبه باللغة الفارسية، و ترجم بعض أجزاؤه د. محمد كفافى ثم أكملها و أعدها كاملة من جديد الصديق العزيز المرحوم الأستاذ الدكتور إبراهيم الدسوقى يوسف شتا. و له «ديوان كبير» الديوان الكبير. و مجالس سبعة، أى المجالس السبعه و كلها تدور حول التصوف و العرفان و ما يتعلق بهما من آداب و مراسم. و له مكتوبات و هى رسائل فى الوعظ و الإرشاد؛ انظر: د. الصفصافى أحمد المرسى، استانبول عبق التاريخ و روعة الحضارة القاهرة 1999 ص 144 هامش (المترجم).

(2) ترجيح بند و تركيب بند؛ من فنون الشعر الفارسي و التركي، و قد حرص الشعراء الفرس و الترك بأن يدلي كل منهم بدلوه فيهما. «المترجم».

(3) 1169* * ** * *- 1168Zuhuri Danisman .s - 3

(4) المرجع السابق، ص 1170.

61

قضى آوليا فى السراي أربعة أعوام، تعلم فيها الكثير من العلوم و الفنون، و تعرف على الكثير من رجالات عصره بعد أن كان قد أمضى سبع أو ثمان سنوات فى المدرسة (1) إلا أن علامات التبرم، و السأم بدت عليه فطلب الإذن من السلطان ليلتحق بقوات السپاهية فوافق له، و خدم فيها براتب قدره أربعين آقچة قبل أن يخوض السلطان مراد حرب بغداد .. إلا أن آوليا لم يستمر طويلا في السلك العسكري، و لم يشغل رتبا عالية هذا المجال.

و قد شغف بالسياحة، و الرحلات و هو لم يزل شابا، و ذلك بعد أن وقع تحت تأثير ما كان يسمعه من قصص، و روايات عن البلدان البعيدة، من والده، و من رجالات الفكر، و العسكرية الذين كانوا يجتمعون فى منزلهم فى كثير من المناسبات، و دفعه هذا الشغف أن يطوف أولا بإستانبول، و يدرسها شبرا شبرا، و يتعرف على كل معالمها و مأثرها، و يعيش لياليها و يتمتع بملاهيها و ملاعبها.

و طبقا للعنعنات التركية، يربط أوليا چلبي شغفه، و بدءه للسياحة و الرحلات برؤيا؛ و كانت هذه الرؤيا فى ليلة عاشوراء سنة (1040 ه- 1630 م) و حسب روايته هو، أنه فى هذه الليلة المباركة رأى النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) وسط حشد كبير فى صلاة جماعة بجامع (أخى چلبي) و يمثل أوليا چلبي بين يدى النبى (صلى اللّه عليه و سلّم)، و تحت تأثير هذا الموقف يتلعثم، و بدلا من طلب الشفاعة يطلب السياحة حيث قال «السياحة يا رسول اللّه بدلا من أن يقول» الشفاعة يا رسول اللّه‏ (2).

____________

(1) المدرسة: اصطلاح تعليمي كان يطلق علي «دار الفنون» أو «دار العلوم» و أول من أنشأ مدرسة على هذا الطراز فى العهد العثمانى هو أور خان غازى، ثم نص محمد الفاتح فى قانونه على إمتيازات تقدم للقضاة، و المدرسين. و كانت مدرسة إزنيك، و بورصة، و أدرنة من أهم المدارس التى أنشأها العثمانيون فى عهودهم الأولى. و بعد أن فتح محمد الفاتح إستانبول أنشأ جامعته «مدرسته» الشهيرة فى إستانبول، و التى سميت بمدرسة «صحن ثمان» و كان للطلاب فيها أماكن للإقامة جنبا إلى جنب مع المدرسين. و تدرس فيها العلوم النقلية و العقلية معا.

و زاد عدد المدارس «الجامعات» في عهد القانوني و أنشأت دار الشفا» أي كليات للطب، و إلى جانبها «دار الحديث» و كليهما بجوار. جامعة المشهور (السليمانية)، و لم تحدث الثنائية فى التعليم فى الدولة العثمانية إلا تحت الضغوط الأوربية بعد عهد التنظيمات فأصبح هناك ما يسمى بالتعليم المدرسي، و التعليم الحديث: أنظر:M .Z .) (1971.Pakalin ,O .t .Deyimleri ve Terimleri Isb (المترجم).

(2) آوليا چلبي سياحتنامه س، ج 1. المقدمة.

62

و ما أن رأى سعد بن أبى وقاص (رضى اللّه عنه) منه ذلك حتى طمأنه بالشفاعة، و السياحة معا.

يذهب أوليا چلبي إلى مشايخه، و أساتذته و يقص عليهم رؤياه. و يطلب منهم تفسير هذه الرؤية. فيذهب إلى الشيخ المولوى عبد اللّه ده ده فى حي قاسم باشا فيطلب منه أن يفسر له هذه الرؤية فيوصيه الشيخ قائلا (إبدأ بتحرير تاريخ إستانبولنا العزيزة) فيشمر عن ساعده، و يتحفنا بالمجلد الأول من سياحتنامه سنة (1040 ه سنة 1630 م و فى سنة 1050 ه- سنة 1640 م) ما بين إبريل و مايو يرحل إلى بورصه مع صديق له يسمى «أوقچى زاده أحمد، و بعد عودته من هذه الرحلة التى لم يستأذن والده فيها ينصحه والده أن يسجل ملاحظاته أولا بأول فى كتاب للرحلات، و يأذن له بالترحال، فيتوجه نحو إزميت» فى (1051 ه حزيران سنة 1641 م) و بعد أن يمضى شهرين فى إستانبول يتوجه إلى طرابزون فى صحبة كتنجى عمر باشا الذى عيّن واليا عليها، و كانت رحلته الثالثة هذه عن طريق البحر الأسود فى (1050 ه 28 ديسمبر سنة 1640 م). و منها توجه إلى آناپا ((Anapa) ) و أنضم إلى الجيش المتوجه للإستيلاء على قلعة (آزاق‏Azak ) و لما إنتهت هذه الحملة بالفشل توجه نحو (بهادر كيراى خان) بالقوم لقضاء الشتاء. و قد أمضى شتاء هذه السنة فى (باغچه سراى‏Bahce Saray ). ثم عاد إلى استانبول بعد أن شارك فى إسترداد قلعة الآزاق. و مكث أربع سنوات فى إستانبول. و فى سنة (1055 ه- سنة 1645 م) شارك فى فتح خانيا"Hanya " مع يوسف باشا الذى كان يقود حملة كريت‏Girit ثم عاد إلى استانبول. و فى العام التالى مباشرة خرج إلى الأناضول كمؤذن و مصاحب للدفتردار. آده محمد باشا» الذى عين أميرا للأمراء على أرضروم. و قد مكنته هذه الرحلة من التجول و الطواف بكل مدن و بقاع الأناضول.

ثم عاد إلى أرضروم، و التحق بالحملة التى قادها الدفتردار زاده ضد أمير الشوشيك (Susik) فتمكن بذلك من مشاهدة بعض مناطق آذربيجان مثل كورجستان (Gurcistan) كلّف أوليا چلبي ببعض المهام، و حمل بعض الرسائل إلى خان روان"Revan " فتمكن من الطواف، و مشاهدة مناطق كومشخانةGumushane و طورطوم‏Tortum . بعد أن شارك فى حملة كورجستان عاد إلى أرضروم و أمضى الشتاء بها، ثم عاد مع الدفتردار زاده محمد باشا إلى استانبول و قد كلفه محمد باشا بمهام كثير،

63

و وساطات لجمع كلمة أمراء الأناضول للمشاركة فى القضاء على عصيان (واردار على باشا) الذى كان يهدد كيان الدولة أنذاك. و يحكى هو نفسه أنه بسبب العواصف الثلجية التى هبت خلال إحدى هذه الرحلات ضل طريقة فوجد نفسه وسط الجلاليين أمثال حيدر أوغلى و قاطرجى أوغلى و قد ساعدته هذه الصدف على التعرف عن قرب على ثورة الجلاليين‏ (1). و الكتابة عنها هى و ثورة (واردار على باشا) و قد أعطى معلومات قيمة جدا عن هاتين الثورتين.

يعود رحّالتنا إلى إستانبول (1058 ه- سنة 1648 م). و لكنه يتوجه مع أمير أمراء الشام مرتضى باشا إلى الشام فى (1060 ه- 18 سبتمبر سنة 1648 م) و يظل بها حتى (1058 ه- 14 تموز سنة 1650 م) و خلال هذه الفترة يكلفه مرتضى باشا بالتوجه إلى حاكم غزة،، و يحمله الرسائل إلى الشهابيين فى لبنان، مما أتاح له رؤية الكثير من بلدان، و مناطق سوريا و فلسطين. و بعد أن يطوف بالكثير من مدن وسط شرق الأناضول (لجمع الأموال لسيواس) يعود إلى استانبول و تسير الأمور لصالح أوليا چلبي، فيعين خاله ملك أحمد باشا صدرا أعظم و بالتالى يصير أوليا چلبي أمين الجيش المتوجه لتأديب الجلاليين. و يعاصر، و يرى سوء إدارة خاله- كما يرى عن قرب ما يدبر فى القصر من خطط، و خدع، و مكائد. و يصاحب بعض منها و هو فى رفقة ملك أحمد باشا، و فى بعض منها و هو وحده. و قد كان يقاوم رغبة خاله هذا فى أن يدفع إلى السوق بنقود مزيفة للقضاء على الأزمة، الاقتصادية و كيف أن هذه السياسة قد أدت إلى عواقب و خيمة، و إلى ثورة الحرفيين. و لما تم عزل الصدر الأعظم و تعينه أميرا للامراء على «أوزى»Ozi أتيحت الفرصة لأوليا چلبي ليقوم بأول رحلة له فى بلاد الروميلى، و أستمرت هذه الرحلة من (1062 ه- 23 أغسطس سنة 1651 م) إلى نهاية (1604 ه- حزيران سنة 1653 م) و كانت هذه الرحلة فى بعض منها فى رفقة ملك أحمد باشا، و فى بعض منها وحده. و كان يقوم بحمل الرسائل المهمة بين روسچوق‏Ruscuk - و إستانبول، و ذهب إلى سلسترا، و طاف‏

____________

(1) جلالى: مصطلح ادارى عثمانى يطلق على العاصى أو الخارج عن القانون أو من يعمل ضد السلطان، و قد كان هذا فى البداية اسم لأحد العصاة الذين ظهروا بالقرب من طوقات و رفع راية العصيان ضد السلطان سليم الأول (918- 927 ه- 1512- 1520 م) و ادعى المهدية و التف حوله عدد كبير من قطاع الطرق و اتباع العصابات و سبب قلاقل كبيرة للدولة تم القضاء عليهم. و لكن ظل أسمهم يطلق كل العصاة الخارجين على الدولة: أنظر: محمد ذكى باكالين. المصدر السابق (المترجم).

64

بقرى و مراكز بلاد الأوز، و كتب عما رآه من غرائب و عجائب فى قرى «بابا داغى» و زار صوفيا. و لما تم عزل الباشا عاد معه إلى إستانبول و قضى بها فترة انسته ملاهيها، و ملاعبها متاعب الرحلات الطوال التى قام بها.

عين ملك أحمد باشا واليا على «وان» فتوجه فى معيته، قريبه أوليا چلبي.

و ظل فى جنوب الأناضول من (1066 ه- 9 مارس سنة 1655 إلى 1067 ه- 24 حزيران سنة 1656 م)، و أتيحت له الفرص لزيارة كل مدن جنوب الأناضول، و إيران. و اختلط باليزيديين، و جمع عنهم الكثير من الوثائق و المعلومات. و لما تم نقل ملك أحمد باشا واليا للمرة الثانية على بلاد الأوز توجه أوليا چلبي معه إلى سلسترا و دخل فى خدمة محمد كيراى الرابع خان القرم، و شاهد هزيمة القازاق الذين هاجموا بلاد الأوز و كان هو الذى حمل انباء هذه الهزيمة إلى إستانبول. و بعد عودته إلى مقر الولاية كان يكلفه خاله بنقل الرسائل بينه و بين زوجته (قايا سلطان).

( Kaya Sultan )

. سافر إلى البوسنه مع ملك أحمد باشا (الذى عين واليا عليها و لكنه بقى فى استانبول شهرا للعلاج بعد أن جرحه واحد من رجال كوبريلى محمد باشا (1072 ه- 1575- 1661 م) (1) و هو فى الاناضول فطاف بكل سواحل الأناضول ثم توجه إلى أدرنه مرورا بكوپريلى محمد باشا (1072 ه- 1575- 1661 م) فى «چناق قلعة» و بعدها إنضم الى الحملة التى قادها «كوسه على باشا» على «واراد»"Varad " و اعتبارا من (1071- 26 مايو سنة 1660) طاف ببلاد الأورناؤوط، و الأويغار- البلغار، و بوهميا- المجر و ظل بها حتى (1073 ه- مارس 1662 م) و بعد أن أمضى الشتاء فى بلجراد عاد إلى إستانبول ثم خرج منها إلى النمسا مع الجيش المتجه إليها تحت قيادة فاضل أحمد باشا (1045- 1087- 1635- 1676 م) (2) و يقص علينا أوليا چلبي الغرائب و العجائب التى شاهدها و لمسها

____________

(1) كوپرلى محمد باشا، مؤسس عائلة كوپرلى التى تولت الصدارة العظمى في الدولة العثمانية لفترات طويلة، و لعبت دورا بارزا فى تاريخها. تتابعت فيه و فى ذريته الصدارة. و قد تولى على بلاد الآرناؤوط (آلبانيا) سنة 1070 ه- 1660 م (المترجم).

(2) فاضل أحمد باشا: من عائلة كوپريلي، اشتهر بحبه للعلم، و حمايته للعلماء، تولى منصب الصدارة بعد العديد من المناصب فى الدولة العثمانية و أجرى بها العديد من الإصلاحات. ولد سنة 1045 ه- 1625 م و توفى سنة 1187 ه- 1676 م. (المترجم)

65

بنفسه فى بلاد النمسا، و هولندا، و السويد حيث زارها بعد يوهميا. و هذه الحكايات بالرغم مما فيها من مبالغات إلا أنها فى غاية الأهمية لدراسة تاريخ، و عادات، و تقاليد، و معالم تلك البلاد خلال هذه العصور. و تصل مبالغات الرحالة، أوليا إلى أن يقص علينا أنه التقى فى فينا بالإمبراطور (ليوبولد الأول)(Leopold I) و مونتوسوكلى(Montecucolli) و أنه زار بلاد الأسبان، و الدنمارك و أنه وصل حتى دونكاركيه بجواز السفر الذى تسلمه من الإمبراطور، و بالرغم من أن هذا الكلام فى حاجة إلى تحقيق إلا أنه يعطى الكثير عن تاريخ، و عادات و تقاليد تلك البلاد، و على مدى سعة إطلاع الرحالة أوليا چلبي. و بعد أن عاد من هذه البلاد كلف بمهام التفتيش على قلاع المجر، فلذلك وافته الفرصة لكى يطوف بكل قراها و قصباتها، و يحكى لنا فى كتابه. سياحتنامه» أنه وصل إلى بلاد القرم، بعد أن تجول فى أردل(Erdel) ، و البغدان، و الأفلاق» و ينتقل من القرم إلى قفقاسيا عن طريق البر.

و يسجل أنه تجول فى بلاد «داغستان»، و شواطئ بحر الخزر، و بين قبائل الفولجا، و أنه إنضم إلى قافلة أحد السفراء الروس من ترك‏Terek حتى الآزاق و علم بها أن الجيش العثماني قد تحرك نحو كريت. فتوجه چلبي نحو (باغچه سراى) و شارك عادل كيراى فى بعض حروبه، ثم عاد بطريق البر إلى استانبول. و مضى فى هذه الرحلة ما بين (1074 ه- تموز سنة 1663 م) حتى (1078 ه- 11 مايو سنة 1667 م). و بعد أن استراح بعض الوقت توجه إلى زيارة بعض مدن الروميلى كسلانيك «و أدرنه» و ساح بكل بلاد اليونان و الموره» «و تساليا». و عاصر، بل و شاهد استيلاء العثمانيون على قانديا(Kandiye) ، و شارك فى إخماد العصيان الذى شب فى بلاد اليونان ضد العثمانيين، و الذى عرف فى كتب التاريخ بعصيان (ماينا)"Mayna " و بعد أن طاف بسواحل بحر الأدرياتيك مرورا ببلاد الأرناؤوط عاد إلى استانبول. و كانت هذه الرحلة فيما بين (1079 ه- 26 يناير سنة 1668 م) إلى (1081 ه- 31 أغسطس سنة 1670 م).

رحلته إلى الحجاز:

أصاب أوليا چلبى الذى زار الكثير من البلدان و رأى آلاف المدن نوع من الحزن و الكآبة لعدم قيامه بالحج و زيارة الأماكن المقدسة، فحزم أمره، و أعد عدته للقيام بالرحلة الرابعة عشر، و الأخيرة فى حياته ألا و هى رحلة الحجاز و مصر. فاستراح عدة

66

أشهر و أعد غلمانه، و رافق قافلة الحج التركى، و التى كانت تضم حجاج كل دول البلقان و استانبول. و شاهد و وصف لنا مراسم توديع القافلة و تسليم الجمل الذى يحمل المحمل و كيف أن السلطان بنفسه- و فى معيته الصدر الأعظم و شيخ الإسلام قد حضر هذه المراسم و قد كانت فرقة الموسيقى السلطانية تعزف أمام قصر السلطان قبل موعد قيام القافلة بزمن طويل و كان معنى ذلك ايذان و إعلام للجميع باقتراب موعد قيام القافلة، فيقدم الأمراء و الأثرياء و أهل الخير هداياهم لتكون فى عهدة أمير القافلة حيث يوصلها إلى سكان مكة، و المدينة و مجاورى الحرمين الشريفين.

و فى وصف دقيق و ممتع يصف لنا الكاتب رحلته منذ أن قامت من استانبول حتى إنتهى من آداء شعائر الحج. و يقدم لنا شعور المسلم المؤمن فى مواجهة الصعاب، و كيف أن القافلة كانت تحمل مالا يطاق من برد، و جوع، و عطش و هى تعبر الصحراء القاحلة (1). كان كل ذلك من أجل اليفاء بركن من أركان الإسلام.

و كثيرا ما كان يتحفنا ببعض من أشعاره الجياشة و تضرعاته و توسلاته فى الحرم النبوى و أمام أستار الكعبة الشريفة.

يقدم أوليا چلبي أوصاف الحرمين الشريفين و ما فيهما من تحف و عدد المأذن، و الأبواب، و الأعمدة، و الشبابيك و أطوال كل منها. و تعريف كامل بسكان البقيع من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم). كما يصف لنا وصفا دقيقا كل ما كان يصادفه من قلاع، و حصون و مساجد و تكايا، و يعرفنا بأقطاب العلم و وصفا للأوضاع الاجتماعية، و الاقتصادية، و الادارية، و التشكيلات العسكرية و التقسيمات الادارية للشام و الحجاز (2).

أتم أوليا چلبي طواف الوداع، و أتم فريضة الحج فى موسم سنة (1082 ه- 1671 م) و استقر رأيه على مرافقة قافلة الحج المصرى عند عودتها لكى يقوم برحلته إلى مصر. فيلتقى بشريف مكة، و يتجه إلى جدة لمقابلة الوالى العثمانى ليستأذنه فى الرحيل، و لم يفته أن يخبرنا بتجارة جدة، و بنوع و أجناس الحجاج، و السفن و ما

____________

(1) سنرى كل ذلك فى ترجمة المتن الذى نحن بصدده، و هو المجلد التاسع من الرحلة، (المترجم).

(2) آوليا چلبى سياحتنامه س، ج 9. استانبول 1935 م.

67

يحمله الحجاج المصريون فى رحلة الذهاب و الاياب من مكة و المدينة و جدة التى كانت تجمع فى خاناتها تجارة الشرق و الغرب.

رافق أوليا قافلة الحج المصرى بعد أن شحن كتبه، و هداياه مع بعض من عبيده، و غلمانه فى إحدى السفن المتجهة إلى السويس بحمولتها من البن و الدخان، و بضائع الهند، و الصين، و جاوه، و رقيق الحبشة و أفريقيا.

و يذهب الرحالة الى مصر عبر طريق العقبة و طور سيناء حتى وصل إلى السويس، و منها إلى القاهرة مرورا ببلبيس و الصالحية. و يسجل لنا أنه تردد بين القاهرة، و بلبيس عدة مرات لاستقبال عبد الرحمن باشا الذى عيّن واليا على مصر فى (1087 ه- 12 تموز سنة 1676 م). و فى إعتقادى أن كتاب «سياحتنامه» أوليا چلبي من أدق و أوفى ما كتب عن الحجاز و مصر فى القرن السابع عشر، فلو استبعدنا المبالغات فى تفسير بعض الظواهر لأعتبر هذا الكتاب سجلا وافيا لما كان فى الحجاز و مصر من أثار، و مساجد، و جوامع، و تكايا، و زوايا و مستشفيات، و بيمارستانات، و كنائس، و خانات، و قصور، و برك، و ترع، و قنوات، و معسكرات، و عائلات. و كذا مرجعا لا يستهان به للوضع الاجتماعى، و الاقتصادى، و العسكرى، و الإدارى لمصر فى هذه الحقبة التاريخية الغامضة من تاريخ مصر. فقد طاف الرجل بكل مصر، حيث ذهب إلى دمياط عن طريق النيل ثم إلى الاسكندرية، و رشيد و وصف لنا كل مدن، و مراكز و قرى الدلتا، ثم رافق حامية متجهة إلى السودان فتعرف و عرّف لنا بكل مدن الوادى حتى وصل إلى أعماق السودان و الحبشة و بلاد الفونج و التقى بملكها و وصف لنا ما كانت عليه هذه البلاد، و القبائل من تخلف و ما كان يسودها من عادات و تقاليد و أعراف‏ (1).

بقى أوليا چلبى فى السودان، و الحبشة مدة طويلة، و عاد إلى مصر عن طريق ساحل البحر الأحمر و سجل كل ملاحظاته و مشاهداته و التى كان يدعمها بالمراجع فى مجلدة العاشر و الأخير فى مجموعة رحلاته.

____________

(1) آوليا چلبي سياحتنامة س، ج 1.، استانبول سنة 1938. و تعد ترجمته للنشر حاليا من قبل مترجم، و ناشر هذا الجزء. «المترجم»

68

طريقة أوليا چلبى فى التاريخ:

كان أوليا چلبي يدوّن ملاحظاته، و مشاهداته عن البلد، أو المدينة التى يمر بها.

ثم يرجع إلى كتب التاريخ، و الرحلات التى سبقته إليها و خاصة الثقاة منهم. أمثال القزوينى، و المقريزى، و الطبرى، و الذهبى و جلال زاده، و صولوق زاده، و الأطلس الصغير. ثم يدعم هذا كله بالرجوع إلى القوانين، و السجلات، و كتب المناقب، و سجلات الولايات، و دفاترها، و ميزانياتها. و قد كان يستخدم أساليب عصره فى القياس، فما أن يمر بجامع، أو قلعة حتى يحصى الأبواب و الأدوار، و المخازن، و يقيس بالخطوة، و الذراع كل ما يصادفه من آثار و أطلال. كما كان يعود إلى ما سجله أو رجع إليه من مراجع فى كتبه السابقة على حد قوله هو:

طبعات سياحتنامه:

اعتمدت النسخة رقم 458462 فى مكتبة برتو باشا أساسا فى طبع سياحتنامه.

و قد أشرف نجيب عاصم، و أحمد جودت على طبع المجلدات الخمسة الأولى سنة (1314 ه- 1896 م). و قام أمره قره جه صو سنة (1318 ه- 1900 م) بطبع المجلد السادس، و قام كليسلى رفعت بطبع المجلدين السابع، و الثامن من سنة 1928 م. أما المجلدين التاسع و العاشر فقد أشرف على طبعهما أحمد رفيق فيما بين سنة (1354- 1357 ه- 1935- 1938 م) كما طبعت مقتطفات و مختارات من رحلة أوليا چلبي فى إستانبول سنة (1256 ه- 1840 م)، (1261 ه- 1845 م). (1279 ه- 1862 م) و القاهرة سنة (1264 ه- 1847 م). و استطاع رشاد أكرم قوچى إختصاره و طبع خمسة مجلدات منه فقط، و قام مصطفى نهاد أوزون باختيار لوحات تتعلق بالحياة فى القرن السابع عشر من سياحتنامة أوليا چلبي و طبع هذه اللوحات فى مجلدين. و أستطاع نفس المؤلف أن يجمع ما كانت الرقابة قد منعت طبعه فى حينه و شكل بذلك مجلدا ثالثا. و فى سنة (1390 ه- سنة 1970 م) قام ظهورى دانشمان بإعداد طبعة جديدة مختصرة تقع فى عشرة مجلدات.

و قد ترجمت مقتطفات و مختارات من سياحتنامة أوليا چلبى إلى الألمانية،

69

و الانجليزية، و الفرنسية، و الروسية، و المجرية، و الرومانية، و البلغارية، و الصربية، و اليونانية، و الأرمنية، و غيرها من اللغات الغربية (1).

إن أوليا چلبي الذى قضى سنوات طويلة يطوف، و يجول، و هو فوق صهوة جواده قد إمتلك مهارة فائقة فى ركوب الخيل و سباقها، و كان يتمتع- إلى جانب ذلك- بروح مرحة ميال إلى الفكاهة. و قد مكنته هذه السنوات، و هذه الرحلات من إكتساب علوم و معارف غزيرة، إلى جانب كونه كان خطاطا، و نقاشا، و موسيقيا و شاعرا. و قد كتب لوحاتا فنية، و أشعارا دينية و علقها فوق جدران الحرم النبوى في المدينة المنورة، خلال زيارته للمسجد النبوى سنة (1082 ه- سنة 1671 م) و أذا كانت أشعاره التى أوردها فى كتابه سياحتنامة، تتسم بشئ من الركاكة، و البساطة فإن نثره يدل على أنه كان يمتلك ناصية اللغات الاسلامية الثلاث «العربية و الفارسية و التركية» و أن أسلوبه التركي كان من النوع السلس، المتدفق.

و كان يستخدمه فى الكتابة و كأنه يتحدث أو يقص على مستمعيه ما يشنف به أذانهم، و تطيب به نفوسهم و يسعد به فؤادهم حتى و لو أدى ذلك إلى بعض الأخطاء اللغوية. (2)

***

____________

(1) انظر فى تلك المراجع التالية:

. 1947.Ist . 1473

Ayfar Guclu, Evliya Celebi Seyahatnamesi Uni. Kip. Tez. Nu

. 1

. 1969.Cafer Erkilic .Evliya Celbi .Ist . 2

. 1939.Ist . 173،

Leman Nusret. Evliya Celebinin Hayati Uni, Kip, Tez. Nu

. 3

. 1957.M .Cagatay Ulucay ,Evliya Celebi .Ist . 4

1960.

Meskure Eren, Evliya Celebi Seyahatnamasi. birinci Cildinin Kaynaklari Uzerinde Bir Arasriema. Ist

. 5 1960.Ist

«المترجم» .. 1970.

Zuhuri Danisman. Evliya Celebi Seyahatnamesi. Ist

. 6

(2) انظر فى هذا الجزء، آوليا چلبى و كتابه سياحتنامه، د/ الصفصافى أحمد المرسى، مجلة كلية اللغات و الترجمة، العدد العاشر 1985 ص 217- 227.

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

[نص الكتاب‏]

[رحلة أوليا چلبى إلى الكعبة الشريفة فى شوال سنة 1081 ه]

بسم اللّه الرّحمن الرحيم‏ رحلة أوليا چلبى إلى الكعبة الشريفة فى شوال سنة 1081 ه (1) و بيان المراحل التى مربها من الشام الفيحاء حتى بيت الله الحرام‏ عيّن حسين باشا (2) أخو سياوش باشا (3) و الى الشام، قائدا على الحملة المكلفة بحماية قافلة حجاج الشام، حتى الكعبة المشرفة. لإن أشقياء العربان، و البدو، يهاجمون الحجيج كل سنة، و ينهبون متاعهم. و لقد تم توزيع مائتى و سبعين كيسة (4) على خمسة آلاف و مائة و عشرين رجلا هم قوة الحامية، و تسلم القائد ثلاثمائة كيسة أخرى للصرف منها على بقية الأغراض و المهام المنوطة إليه.

و فى اليوم ..... (5) من شوال، قام المحفل النبوى الشريف، بالطواف فى‏

____________

(1) ورد فى بعض النسخ المخطوطة أن الرحلة كانت فى الثانى عشر من المحرم سنة 1082 ه الموافق 27 مايو سنة 1671 م.

و أنه قضى حوالى عشر سنوات فى رحلته إلى مكة و مصر و السودان و بلاد الحبشة. «المترجم»

(2) حسين باشا: والى الشام، و قائد حاميتها خلال موسم الحج سنة 1081 ه- 1671 م، و جاء تعينه عقب القلاقل التى عمت مكة فى الموسم السابق، و وضع تحت إمرته ثمانية آلاف جندى، و كان قائدا شديد المراس .. تعامل بشدة مع البدو و الأعراب مما أدى إلى هدوء موسم الحج. و عمل على تحسين العلاقة مع شريف مكة لتهدئة الأوضاع خلال موسم الحج، «المترجم».

(3) سياوش باشا من الآباظية، تولى الصدارة فى عهد محمد الرابع لمدة مائة يوم فقط. و كان من عتقاء كوپرلى زادة أحمد باشا. وصل إلى رتبه «آغا البلوك» و «قائد المهمان» و تولى ولاية ديار بكر، و حلب. عاد إلى دار السعادة و تولى الصدارة مرة ثانية سنة 1098 ه- 1687 م قتل فى نفس العام بعد أن نهب العصاة منزله و ممتلكاته «المترجم».

(4) كيسه:Kese -Kise

اصطلاح مالى يدل على الكيس أو الوعاء أو الحافظة التى كانت تستخدم لحفظ مبلغ معين من النقود الذهبية أو الفضية، و كانت قيمتها متغيرة حسب العصور. كما استخدم هذا المصطلح للدلالة على العملة و [صره‏] للدلالة على الذهب. و كانت الكيسه فى عهد محمد الفاتح و بايزيد الثانى تساوى 30 ألف آقچه، أو عشرة آلاف قطعة ذهبية. ثم كانت الكيسه السلطانية المسكوكة فى طرابلس و تونس و الجزائر تساوى عشرة آلاف و فى سنة 944 ه- سنة 1537 م كانت عشرين آلفا و فى سنة 1071 ه- 1660/ 1661 م كانت أربعين ألفا و منذ سنة 1100 ه- 1688 م أصبحت قيمتها خمسين ألف آقچة. «المترجم»

(5) ترك المؤلف مخطوطته دون ذكر لتاريخ التحرك بالضبط. و ثبت أن التاريخ هو اليوم العشرون من شوال سنة 1081 ه.

«المترجم»

72

الشام [- دمشق‏] الفيحاء. و قد وصل ألفين من حجاج إيران فى نفس هذا اليوم أيضا. و تم تحصيل خمس عشرة قطعة ذهبية (1) عن كل حاج إيرانى؛ مما شكل عونا ماديا كبيرا آنذاك.

[مسير الرحلة حتى الحجاز]

و كنت- أنا العبد الحقير إلى ربه- قد قمت بتأمين كافة إحتياجات الرحلة من مأكل، و مشرب، و اشتريت خمسة جمال، و قاعودا، و فرسا، و أربعة هوادج، و خيمة. كما استأجرت سقاءا و خمسة عبيد. و جمعت الجميع فى سرادقى.

أخيرا، و فى العشرين من شوال سنة إحدى و ثمانين و ألف من الهجرة النبوية، خرجنا من الشام، وسط إحتفال مهيب، لم تر مثله البلاد من قبل. و سارت القافلة مسافة ساعة نحو القبلة، وسط رياض، و بساتين غناء، و حدائق فيحاء، حتى وصلت إلى:

قصر كوچوك أحمد باشا: (2)

لقد انتشرت الأخبار، و تناقلت الأقاويل بين مشايخ الأعراب جميعا، و كان مفادها أن ... «إن هذه السنة تختلف عن كافة السنوات السابقة؛ فعلى رأس القافلة وزير شديد البأس، صعب المراس لا يرحم قط، و لن يرحم أبدا من تسوّل له نفسه الشغب، أو يفكر فى العصيان. فأقبلوا جميعا مع عيالكم و ذويكم و قدموا فرائض الطاعة، و اظهار الولاء ...،، .. و ما هى إلا سويعات قليلة حتى وفد عدد من مشايخ البدو و رجالاتهم على قصر الوزير كوچوك أحمد باشا، و تشرفوا بالسلام عليه و المثول بين يديه.

و هنا؛ فى هذا المنزل قام كتخدا (3) الباشا بتسليم عنان جمل المحمل الشريف إلي‏

____________

(1) عملة ذهبية ضربت فى الدولة العثمانية، و استقر الرأى على قيمتها فى عهد محمود الثانى (1249 ه/ 1833 م) على أن تكون 240 پارة أو ستة قروش. «المترجم»

(2) كوچوك أحمد باشا: هو أحمد باشا كوچك من وزراء الدولة العثمانية فى عهد السلطان مراد خان الرابع تولى ولاية سيواس، و الشام، و كوتاهية، ثم كلّف بالتنكيل بعصيان إلياس باشا الذى نشب فى الأناضول، و لما وفق فى ذلك أنعم عليه السلطان بولاية الشام سنة 1042 ه. و قد نجح فى القضاء على حركات العصيان فى الشام أيضا .. و أعاد الأمن و الأمان، شارك فى حرب إيران، ثم عيّن محافظا على الموصل، فى سنة 1046 ه، و استشهد فى الحرب التى دارت ضد الشاه عباس الإيرانى. «المترجم»

(3) كتخدا-Kethuda وكيل، معتمد-

73

معاليه، و قام هو بدوره بتسليمه إلى أمير الحاج. و تقدم شيخ الشام و قاضيها و سلمه الحجة الشرعية التى تؤيد إمارته للحج هذا العام. و بهذا تمت المراسم المتعلقة بتسيير القافلة.

فى الصباح الباكر، و عقب صلاة الفجر، تحركنا، مارين من بين المزارع و إقطاعات الموظفين. و استمرت القافلة فى سيرها أربع ساعات متواصلة حتى وصلت إلى:

قرية الكسو:

و هى قرية عربية بيوتها مائتين فقط، تقع وسط وادى صخرى. بها جامعين، و مسجدا، و حماما عاما، و خانا كبيرا. يقوم آهالى هذه القرية ببيع الكعك الأبيض، و البوريك و الدجاج المشوى، و الحملان، و الزبادى، و القشدة، و الشعير و التبن إلى الحجاج على الطريق. و معظم آهاليها جمّالة. و مياه الكسو عذبة جدا لذيذة المساغ. يشرب منها أغنياء الشام.

خان الطارخانة:

عبارة عن نزلين كبيرين على جانبى الطريق، يتوقف الحجاج عند عودتهم من الحج هنا فى شهر عاشوراء. و حسب تعليمات أصحاب الوقف؛ تعد، و تطهى هنا مئات القازانات، و القدور المليئة بالعاشورة، و حساء الطرخانة (1)، و توزع على جميع الحجاج.

____________

- لقب كان يطلق على من يقوم مقام الأغنياء أو رجالات الدولة و يعنى «الوكيل، المعتمد، مدير الأعمال».

تم أصبح لقبا إداريا يطلق على معاونى الصدر الأعظم. و كانوا فى البداية رجالا خصوصيين للصدر الأعظم، ثم أصبحوا من موظفى الدولة. و من يرتقى منهم أو يقدم خدمات جليلة للدولة كان يطلق عليه «كتخدا بك».

فى عهد السلطان أحمد الثالث أصبح معاونا للصدر الأعظم فى الأمور الداخلية و من هنا أصبح له كتبته و قلمه الخاص به.

أما عسكريا فقد كان يطلق على كبار ضباط الإنكشارية. و كان أحيانا يسمى «كتخدا القول» أو «كتخدا المعسكر» و كان يعهد إليه بمعاونة آغا الإنكشارية. و لما كانت تنشئتهم فى المعسكرات فقد إزداد نفوذهم فى بعض العصور حتى غطى على نفوذ آغا المعسكر.

و كان لحرس القصر كتخدا يسمى «كتخدا البوابين» يرأس حراس أبواب القصر السلطانى. و يقوم مقام الساعى فيما بين السلطان و الصدر الأعظم. لقبه الأوروبيون بلقب مشير القصر، أو مدير القصر، أو ناظر القصر. «المترجم»

(1) حساء الطرخانه: «Tarhana» أو الطرخانه؛ و هو حساء يصنع من اللبن الحامض، أو الزبادى، و أحيانا يضاف-

74

تحركت القافلة من هنا سالكة الطريق الذي تم تعبيده على نفقة والده سلطان‏ (1)، و من قبل كانت الجمال، و البغال تنهك، بل كان بعضها ينفق فى هذا الطريق قبل تعبيده. قطعنا عشرة ساعات على هذا الطريق حتى وصلنا إلى:

قلعة الصنامين:

و هي عبارة عن قلعة صغيرة مربعة الشكل، على حافة بحيرة ضيقة داخل حدود الشام. مدارها ستمائة خطوة، بداخلها مساكن لبعض الجند و الخفراء العرب، المعافين من الضرائب. بها مسجدين، و خانا، و حماما، تكثر بها الحبوب، و التى تباع على قارعة الطريق، و فوق برج القلعة المطل على البحيرة، كان هناك صنمين.

و قد أرسل الرسول الكريم جيشا بقيادة خالد بن الوليد و عمر ابن عبد العزيز قام أولا بفتح البوصيره، ثم هذه القلعة. و قد قاما [رضى اللّه عنهما] بتحطيم الصنمين المذكورين و ألقيا بحجارتهما فى مياه البحيرة.

و لقد شهد كل من الشيخ على عباس، و الشيخ عبيد الطائفى؛ الحرب فى هذه القلعة و استشهدا بها، و دفنا فيها.

بعد ذلك عبرنا أحد الكباري المنخفضة، و كان به تسع عشرة عينا و يقع فى اتجاه القبلة التى يممنا وجهنا إليها، و تابعنا المسير مدة ساعة واحدة، مررنا خلالها بقرية زراع العامرة الواقعة على جانبى الطريق، و بها حوالى ستمائة منزلا، و بها جامعا، و خانا واحدا. و قد استمرت القافلة فى سيرها نحو القبلة حتى وصلت إلى:

____________

- إليه حساء اللحم، و يجفف على شكل حبيبات أو بدره .. و فى الشتاء يسوى بالغليان و يصنع منه الحساء الساخن ..

و يمكن أن تضاف إليه بعض المواد الأخرى لرفع قيمته الغذائية. و يقدم منذ القدم للفقراء، و عابري السبيل من قبل الأوقاف الخيرية. «المترجم»

(1) والده سلطان: لقب كان يطلق على والدة السلطان المتربع على العرش، و كانت لها مخصصاتها، و نفوذها الكبير الذى تكتسبه من نفوذ و قوة إبنها السلطان. و كان منهن صاحبات فضل، و خير عميم. كن يقمن الجوامع، و دور الأيتام، و المطاعم التى تقدم الطعام للمساكين، و الحمامات، و الأسبلة، و يقدمن الهدايا القيمة للمقيمين، و المجاورين فى الحرمين الشريفين. و قد عرفت الحضارة الإسلامية منهن ذوات فضل كبير طوال عصور الحضارة الإسلامية .. و كان لوالدة السلطان سليمان الفانوننى، و محمد الرابع شهرة كبيرة فى مضمار الخير. و تسهيل سبل أداء فريضة الحج.

«المترجم».

75

قرية البوصرة الصغرى:

قرية ذات ثلاثين بيتا، و جامعا، و هى تبعد عن البوصرة التى وصلها النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) للتجارة قبل البعثة بمسيرة خمس ساعات. و بها قبر سيدنا إلياس بن آخطوان. جامعها ذو منارتين و على بعد ثنتا عشر ساعة منها يقع منزل كتيبة؛.

منزل كتيبة:

تبة صغيرة وسط صحراء حوران. كانت عامرة فى وقت ما، و لكنها أصبحت خرابا، تسكنها البوم، و الغربان من جراء تعديات الأعراب و هجماتهم المتوالية. بها عين، مياهها عذبة.

أخذ الحجاج حاجتهم من الماء منها. و تتمتع فتيات كتيبة و ما جاورها من القرى بجمال آخاذ، و جاذبية لا تقاوم، فكلهن من ذوات الدلال، قمريات الوجه، ملائكيات الطلعة، و كأنهن حوريات من حورى الجنة. أثّرن فى بعض الحجاج حتى صرفوا النظر عن استكمال الحج، و كتبوا للقائدين عن رغبتهم هذه و البقاء فى هذه الديار.

و يسجل التاريخ أن سيدنا آدم قد قام بزراعة ديار حوران هذه و لذلك فهى منطقة خصبة، مباركة، كثيرة المحاصيل؛ من حبة القمح الواحدة تخرج خمس عشرة سنبلة أو ما يزيد. و من كل سنبلة يخرج ما لا يقل عن مائة حبة. و يجود بها سبعة أنواع من القمح و مثلهم من الشعير. قمحها و شعيرها من النوع الجيد الممتلئ، محصولها يكفى العالم بأسره لوفرته. و لكن يهاجمها كثير من عصاة، و بدو الموال و التلدان القادمون من الصحراء بآلاف من بعيرهم، و جمالهم، و دوابهم، يحمّلونها بالقمح من الأجران، و يفرون بها. و لا يجرؤ أى من السكان أن يعترض بأى شكل من الأشكال.

تحركت الفافلة من كتيبة عابرة الصحراء، و قد مررنا بالعديد من القرى التى كانت تشاهد جوامعها، و خاناتها. و بعد أن تابعنا المسير مسافة خمس عشرة ساعة وصلنا إلى:

76

قلعة مزيرب:

شيد هذه القلعة حاتم الطائى فى زمن سيدنا أبى بكر الصديق (رضى اللّه عنه). و القلعة عبارة عن مربع داخل منطقة حجرية، محيطها حوالى ثمانمائة خطوة. و يوجد فى جدران الحصن ثمانين فتحة للرماة. يسكنها أحد السادة الباشوات- القواد، و فى معيته ثلاثمائة جنديا، كما يقطن بها قاضى حوران، ضواحيها، و توابعها حوالى مائتين و سبعين قرية و نجعا. كما يوجد داخل حصون القلعة جامعا، و حماما صغيرا، و مخازن عديدة حيث تحفظ الأموال الأميرية و بضائع التجار بها.

نهر الحور:

ينبع من جبال البوصره، و يصب فى بحيرة منى‏Mina . أقام قائد الحملة حسين باشا، و بقية الحجاج خيامهم على الساحل المواجه للنهر، و مكثنا بهذا الموقع مدة عشرة أيام حتى بداية ذى القعدة حتى تجمع الحجاج من المناطق المجاورة، و بلغ عدد الخيام المقامة ستمائة و ثلاثين خيمة. كما كانت هناك خيام أخرى تخص الحرفيين، و ما شابه ذلك. كما أقيمت هناك دكاكين كثيرة منها ثلاثمائة للخبازين و الطباخين و البزازين و القزازين. و كانت مسافة معسكر الجيش يبلغ طولها ثمانية آلاف خطوة.

يفد أعراب البادية المجاورة إلى هذا السوق كل سنة للبيع و الشراء، فيحققون أرباحا طائلة. و معظم مشترياتهم من الأقمشة الغالية النفيسة.

أما القبائل التى كانت توفر الجمال اللازمة للحجاج فكان من أشهرهم:

آل عمر، آل رشيد، آل رياح، آل معان، آل خرنوش، آل طورابى، آل شهاب، بنى سالم، بنى إبراهيم، بنى ابن حنش، آل حرفوش، بنى زيد، بنى صقر، بنى عطية و عطا، بنى زهد، بنى وحيدات، و كذا بعض من مشايخ نابلوس- نابلس، و عجلون، و صفد، و عكا، و الرملة، و غزه، و القدس، و مشايخ خليل الرحمن.

و الحاصل فإن مشايخ السبع و السبعين قبيلة التى تنال من الصرة السلطانية، و الإحسانات من خزينة الشام، هم، و أتباعهم و معهم ما بين أربعين، أو خمسين ألفا من الجمال و البعير مكلفون بخدمة حجاج بيت اللّه الحرام منذ عهد السلطان سليمان‏

77

القانونى. (1) و لكن يجب الحذر التام منهم فهم يسرقون الكحل من العين على حد تعبيرهم.

أخذ الباشا ثلاثة آلاف جملا عدا حوالى مائتى قطارا من الجمال و البعير، و حوالى خمسين قطارا من البغال، حيث أن البغال تتحمل مشاق السفر من الشام إلى مكة المكرمة.

حكمة إلاهية: اليوم الخامس و العشرين من شوال، فجأة، و فى وقت الظهيرة، إنقلب الجو إلى شتاء قارص؛ حيث هطلت الأمطار بشكل كثيف، و كأن السحاب قد نثرت شعورها و بدأت فى البكاء و النحيب. و تحولت الأمطار إلى سيول أغرقت كل الخيام، و استمر هطول المطر طوال الليل، و كانت ليلة ليلاء فى برودتها و غزارة أمطارها، و تساقط الثلج و البرق و البرد كأنه رؤوس العصافير. و قد نفق في هذه الليلة حوالي مائتين جملا، و لقى حوالى ثمانين بدويا حتفهم، و مزقت الخيول مرابطها و أعنتها من شدة الرياح، و احتمت فى القرى المجاورة من الهلع و الخوف.

و بينما الحجاج جميعا قد فقد كل منهم بعضا من خيوله، أو بغاله. فحمدا للّه و شكرا، ففى الصباح وجدت جيادى و بغالى كاملة لم تنقص شيئا.

و إستمرت الأمطار فى اليوم التالي أيضا، بشكل مخيف، حتى كانت الجياد، و الجمال تغوص فى المياه حتى ركبتيها. أما الحجيج فقد كوّم كل منهم أمتعته داخل خيمته و جلس فوقها. و للّه حكمته فى ذلك .. فإن الزواحف و القوارض التى تعيش تحت سطح الأرض لم تجد لنفسها مفرا، فظهرت على سطح الأرض، و دخلت الخيام، و لم تترك أى شئ يمكن أن تتغذى عليه، حتى ملابس الحجاج و متاعهم،

____________

(1) سليمان القانونى [900* * * 974 ه- 1495- 1566 م‏]

أعظم سلاطين بنى عثمان. ابن سليم الأول. اعتلى العرش سنة 926 ه لقب بالقانونى لعدله و كثرة القوانين التى سنها، وصلت الدولة العثمانية فى عهده أقصى اتساعها. لقبه الأوروبيون بالعظيم‏"MagniFique " وصلت فتوحاته إلى المجر، سنة 936 ه، و حاصر فينا غربا. وسّع فتوحاته فى آسيا فضم كل إيران و بغداد و آذربيجان و وصل خليج البصرة سنة 941 ه- 1534 م. حول البحر الأبيض و الأحمر إلي بحيرات عثمانية تحت قيادة خير الدين بارباروس. له عمارات فى كل العالم الإسلامى. مدة سلطنته 48 سنة. «المترجم»

78

مزقته شر ممزق. بل وصل الأمر بها أن أكلت أسرجة الحيوانات التى كانت ترقد و ذيولها. و يعلم اللّه أنه لو غفل الشخص بعض الوقت لربما أكلت أذنية أو أنفه أو أطرافه.

و كان أحمد آغا كتخدا القول‏ (1) و سياوش آغا كتخدا بوابى القصر الهمايونى‏ (2) و معهما بقية الحجاج الذين كانوا قد تخلفوا بعض الوقت فى الشام، قد داهمتهم الرياح و العواصف و الأمطار فى المكان المسمى الصنمين، فلاقوا من البلاء أشده، و من الصعاب ما تشيب من هولها الولدان، حتى وصلوا إلى الجيش فاستقبلهم الباشا فى سرادقه.

و قد حدثت عاصفة هو جاء، و ريح صرصر عاتية فى ذلك اليوم أيضا فاقتلعت الخيام، مزقتها شر ممزق، تطايرت فى الهواء. و لما كان بعض الرجال قد تشبثوا بالحبال المربوطة فى الأوتاد، فإن بعض الخيام بقيت معلقة فى الهواء بين عصف الرياح، و تشبث الرجال، و الأوتاد و سيطرت الدهشة و الحيرة على معظم الحجيج فوفدوا على معسكر الباشا و سرادقه للمشاورة و مناقشة الأمر.

مشايخ الحجاج و أصحاب الحاجات فى حضرة الوزير حسين باشا: مثل مشايخ القبائل، و أصحاب الحاجات بين يدى الوزير حسين باشا و قالوا «ها هو شهر ذى القعدة قد حلّ، و مراحلنا أصبحت معدودة، و لو تخلفنا يوما واحدا، و إذا لم يصل المحمل الشريف إلى عرفات فى موعده، لقلل ذلك من شأننا، و حط من قدرنا أمام عظمة السلطان، و جموع الأهالى. و ها هم حجاج الشام قد تشردوا».

فأجابهم الوزير حسين باشا على الفور ... «.. الحكم للّه وحده .. و ما لم يكن‏

____________

(1) القول مصطلح عسكرى استخدم فى الجيش العثماننى. و يطلق على قائده «آغا القول». و على صغار ضباطه» چاوش القول». و قد اطلق عليهم هذا اللقب تفريقا لهم عن الإنكشارية و ضباط البحرية و ضباط الديوان الهمايونى.

«المترجم»

(2) كتخدا بوابى القصر الهمايونى: لقد كان يطلق على آمرى البوابين و الحراس الذين يقومون بالخدمة على أبواب القصر السلطانى. و هذا اللقب مذكور فى دستور الفاتح ص 11 و كان يقوم بالخدمة فى مجلس السلطان و ديوانه. و يقوم مقام الساعى فى حمل المكاتبات المتبادلة بين السلطان و الصدر الأعظم. و قد عبر عنه المؤرخون الأوربيون ب «مشير القصر» أو «ناظر القصر» و كان يكلف بمهام رسمية على مستوى الإمبراطورية كلها. «المترجم»

79

الطريق آمنا .. فلا يكون الحج فرضا. و إنى لمكلف بإحضار المحمل، و لست مكلفا بإحضار الحجيج؛ هذا من ناحية. و من ناحية ثانية، فهناك مسألة نقود الخزانة المصرية، فإذا وصل المحمل المصرى قبل المحمل الشامى أو تأخر وصوله فإن ذلك يعد لطمة لسمعة آل عثمان، و لذلك يجب أن تتكاتف الجهود، و نلتف حول المحمل، حتى نختصر المراحل الثلاث فى مرحلة واحدة حتى نصل إلى الكعبة المشرفة فى الوقت المناسب، و لذلك فعلى القادر أن يتحرك أما غير القادر فلا تكليف و لا جناح عليه ...».

صادق الجميع على ما قاله الباشا. قرأت الفاتحة. و عاد قسم من الحجاج، و شاء القدير العليم أن يستمر سقوط المطر، و الثلج طوال هذا اليوم، و هذه الليلة أيضا؛ فلجأت معظم الحيوانات إلى القرى المجاورة للإحتماء فيها. و آعادها القرويون إلى آصحابها. و قد أمر الباشا بالإبتهال إلى اللّه لدفع ذلك البلاء، بقراءة سورة الإخلاص مائة ألف مرة و الصلوات على النبى المصطفى مائتى آلف مرة، و الأنعام الشريفة ألف مرة. و شاء اللّه أن هدأت السماء، أطلت الشمس بنورها .. و إن كانت جميع الحيوانات و الأمتعة قد غرقت فى بحار الماء و لجج الوحل. و بزغت تباشير شهر ذى القعدة مع إطلالة دفئ الشمس المشرقة.

قيام العبد الحقير بزيارة قبر حضرة سيدنا أيوب فى صحبة بعض الأصدقاء:

قرية نوا:

أتجهنا نحو القبلة بعد الخروج من مزيرب، و تابعنا المسير لمدة ثلاث ساعات، فوصلنا إلى قرية «نوا» و هى قرية بها ثلاثمائة منزلا، و جامعا واحدا، و حوضا للمياه. و مدفون بها الشيخ سعد الذى كان من أتباع سيدنا أيوب و خدّامه. و يتردد بين أهلها أن الملك طاهر عندما حاصر عكة، و استعصى عليه فتحها، قام الشيخ سعد هذا بتوجيه مزراق حولها، بادئا بإسم اللّه و أخذ فى إلقاء مزارقه و رماحه نحو قلعتها، فكان الجند جميعا يشاهدون تراشق الرماح، و المزارق فى جدران القلعة حتى هدّمتها، فشد ذلك من إذرهم، و ألهب حماسهم، و تم فتح القلعة. و مكانه معروف حتى الأن. و هكذا يكون سلطان أولياء اللّه الصالحين، و من هنا قطعنا مسيرة ساعتين نحو القبلة حتى وصلنا إلى:

80

قرية مزار سيدنا أيوب:

عاش النبى أيوب مائة و ثلاثين عاما يعتصره الألم، و لم يتأوه مرة واحدة. و كانت زوجته هى «رحيمة» ابنة «أفرايم ابن يوسف» (1). و مزاره فى قرية «چوان». و ما زال قائما حتى يومنا الحاضر. و لو ابتلي انسان بأي مرض جلدى و اغتسل فى نبع النبى أيوب الواقع فى قرية «سعدون» فإنه يعافى بعون اللّه و تلتئم كل جروحه.

فى الصباح الباكر، وفد مشايخ العرب على الباشا، و أخبروه قائلين: [يا معالى الوزير .. خذ معك ما يلزمك من الظهيرة و المؤن فقط، و ما تبقى سوف نلحق بكم به فى «معن» أو «المدينة». تحركوا عندما تسكن العاصفة]،. كما جاء تركمان مرعش‏ (2) و عينتاب‏ (3) و قالوا .. [يا صاحب العزة و الدولة .. لقد تجولنا في النواحي المحيطة بنا، و هناك مكان أخضر تفوح منه رائحة العشب و يقع على نفس طريقنا ..

فلو شئتم فانتقلوا إلى هنالك و إن شاء اللّه سيزداد الجو تحسنا و جمالا ..].

على الفور، أصدر الباشا أوامره إلى جميع الحجاج الذين جمعوا حوالى سبعة آلاف جمل، و تحركوا. و فى خضم الوحل، و آلاف المشاكل، و البلايا، قطعنا المسافة- التى كان من الممكن قطعها في ساعة واحدة- في أربع ساعات. و قد نفق كثير من الجمال فى الوحل، كما بقى فيه عدد آخر؛ لم تكن جمال الشام لتتحمل هذا الوحل قط. بل إن جمال التركمان الرومية هى التى تحملته و تغلبت عليه و كذا جمال العجم؛ ذات الطبيعة الطاووسية، قد نجحت هى الأخرى فى نقل متاعنا.

____________

(1) أفرايم بن يوسف:- أفرام بن يوسف‏

ولد فى نصيبين سنة 306 و توفي فى أدسه- اورفه سنة 373 م رحل دين سرياني، و كاتب- قبض عليه من قبل بطارقة مدينة نصيبين لنشاطه الديني. سنة 363 م. ثم هاجر إلى أدسه- اورفه، و أسس بها مدرستها. ترجمت أعماله فيما بعد إلى اللغات؛ اليونانية، و اللاتينية، و العربية، و الأرمنية، و السلافية و قام بأبحاث عن الكتاب المقدس، و أصبح معلما بالكنيسة، و معروفا فيما بين السريان كزعيم دينى. خاطب المشاعر بآعماله التى ألفها، و تعتبر أشعاره من أجمل النماذج فى الشعر العالمى. (المترجم).

أنظر 88.s ، 4-Buy "K Lugat Ansik .Cclt

(2) مرعش: من أشهر مدن الآناضول، و لها مكانة كبيرة فى تاريخ التركمان و الأكراد و بها العديد من الأثار الإسلامية التى تعود إلى عصور مختلفة. «المترجم»

(3) عينتاب: من مدن الأناضول الشهيرة، و قد منحها مجلس الأمة التركي الكبير لقب غازى فأصبح يطلق عليها غازى عينتاب. و تعتبر المدينة السابعة حاليا من ناحية التعداد فى تركيا المعاصرة .. و هى غنية بآثارها التى تعود إلى مختلف العصور،. «المترجم»

81

أعدنا الجمال مرة أخرى إلي مكان المعسكر لإحضار ما تبقى من الحجاج و الأمتعة.

و أنا العبد الحقير قد ترددت بين مكان المعسكر، و المنزل الجديد مرتين لنقل و إحضار حاجياتنا.

مرحلة (1) قرية طورنا:

قرية عربية بها جامع، و مائتى منزلا، حط كل الحجاج رحالهم على هذه المراعى الخضراء، و أشرقت الشمس إشراقة أضاءت وجوه الجميع. و جاء جمع من المشايخ الذين كانوا قد تواروا بجمالهم، و قدّموا أولا إلى عثمان، بك بن دمير باشا أمين بيت المؤن ألف جمل من أجل المؤن السلطانية، و إلى الباشا قائد القافلة ثلاثة آلاف جملا، و إلى أمين الصرة (2) محمود آغا الطوپ قاپى مائة جملا.

و غرب قرية الطورنا هذه يوجد قبر النبى دانيال (عليه السلام) على رأس رابية خضراء. وصل جميع الحجاج. و ذبحوا الذبائح، و صلوا، و حمدوا اللّه على النسمات الدافئة التى بدأت تهب من ناحية القبلة:

«وجد العالم حياة جديدة ....* * * و توهب الأرواح لحظة بلحظه ..»

أطلقت المدفعية على الفور، عين خارموج باشا على رأس مفرزة المقدمة و إثنين من ال «شام چورباجى» (3) و إثنين من ال «پاشا آغاسى» و خمسمائة من المقاتلين الافذاذ

____________

(1) المرحلة: المرحلة أو المنزل أو الإستراحة أو الموقف أو القوناق؛ كلها مصطلحات تدل على المسافة التى كانت تقطعها قوافل الحج، أو التجارة، و المرحلة مسيرة يوم واحد بالجمال أى مسافة سبعة و عشرين ميلا تقريبا. «المترجم»

(2) أمين الصرة- «صرة امينى» اصطلاح إدارى يطلق على الموظف الذى تسند إليه عهدة و مهمة توصيل الصرة الهمايونية إلى الحرمين الشريفين كل سنة. و كان يعين لهذه المهمة إحدى الشخصيات العلمية أو المدنية أو العسكرية التي تتصف بالتدين و الإستقامة. و كان يبدأ رحلته وسط احتفالات آلاى الصرة. و بعد أن يقوم بتوزيع الصرة على أربابها و أداء فريضة الحج كان يعود إلى استانبول.

و مع أن هذه المهمة تعتبر مهمة شرفية إلا أن أمين الصرة كان مضطرا فى كثير من الأحيان للصرف من ممتلكاته الخاصة مبالغ كبيرة و ذلك لقلة المخصصات. و من هنا كانت تسند هذه المهمة إلى بعض الأغنياء فى كثير من الأحيان، و كان كثير من العثمانين فى عصور الإزدهار لا يتوانون أو يتهيبون من صرف المبالغ الضخمة فى هذا الصدد. و لكن فى آواخر القرن الثانى عشر- الثامن عشر الميلادى، و بسبب الأوضاع المالية المتردية للدولة العثمانية، بدأ الكثيرون يرفضون القيام بهذه المهمة متعللين بكثير من الأسباب الواهية لإعفاءهم من هذه المهمة. و لكن فى عهد السلطان سليم الثالث و خاصة فى سنة 1207 ه- 1792/ 1793 م تم علاوة مبلغ 150 ألف قرشا ذهبيا على مخصصات هذه الوظيفة مما أعاد إليها رونقها و أصبحت مطلبا لكثير من رجالات الدولة. «معجم المصطلحات التاريخية ج 3 ص 283». «المترجم»

(3) چورباجى-Corbaci اصطلاح عسكرى عثمانى يطلق على ضباط البلوك الذين يكوّنون جنود المشاه فى-

82

الذين يتصفون بالشجاعة فى المؤخرة. و جميع الحجاج فى الوسط. و بعد مهرجان الطلقات النارية التى أطلقتها المدافع، و البنادق، عزفت نوبة التحرك، كما عزفت الفرقة الموسيقية الشاهانية المهتر (1) ثمان مرات، و بعدها تقدمنا و بدأ الموكب فى المسير. و قد كان بالإمكان زيارة حاتم الطائى فى نفس المكان فإن مدينة البصره تقع بالقرب من هنا؛ ضواحيها كثيرة القرى تقطعها القوافل فى إثنتى عشرة ساعة.

مرحلة قلعة مازراق:

قلعة بناها سلطان بنى هلال‏ (2)، و هى على شكل مربع، وسط الصحراء لا يوجد بها أحد. تقع فى ناحية الكرك، فى آراضى القدس. الكل يتناول طعامه هنا على شاطئ نهر الزرقاء دون أن ينزل أمتعته بالقرب منها؛ وادى خصب، وفير المياه. و بعد أن استراحت القافلة قليلا، تحرك الموكب، قاطعا مسافة ثلاثة عشر ساعة فى هواء جميل، و وسط طرق جبلية، و صخريه.

____________

- الجيش لعثمانى. و على ضباط معسكر الجند الجدد، المكون من واحد و ثلاثين بلوكا، و الذين كانوا بمثابة مخرجا لمعسكر القاپى قولى. و هو مواز للبلوك باشى أى رئيس البلوك. و كانوا يلقبون أحيانا ب «صوباشى» و يطلق على أقدمهم فى الجماعات «بايا باشى» قائد المشاه. و كانت لهم خيولهم الخاصة بهم. و كانوا يرتدون جبة طويلة الأكمام من المخمل. و قفطان رقيق و شلوار قرمزى و پاپوج نعل اصفر فى أقدامهم.

أما القادة الذين يلقبون ب «چورباجى كچه سى» فقد كانوا يرتدون فروا مقصّبا. و هم الذين يقومون يتنفيذ الجزاءات التى توقع على الجند، و ينظمون أمورهم؛ أى أنهم كانوا بمثابة البوليس الحربى فى العصر الحديث. غيّر هذا اللقب إلى «أورطة آغاسى» بعد الغاء الإنكشارية. «المترجم»

(1) مهتر: إصطلاح موسيقى يعنى الموسيقار الذى يقوم بغرف النوبة أمام باب أحد رجالات الدولة العظام أو القواد الكبار. و تجمع على مهتران أى مجموعة الموسيقيين الذين يعزفون السلام الوطنى أو السلطانى أو النوبات المختلفة فى الجيش. و كانوا يقومون بالعزف على الطبل، و الزمر، و يطوفون الأحياء تبشيرا بسير المحمل إلى الحجاز. و يجمعون الهبات و التبرعات لهذا الغرض.

و منهم «مهتران علم» أي الفرقة الموسيقية المنوط بها عزف سلام العلم، أو السلام الوطنى فى وقت الحرب. و «مهتران طبل و علم» و هى الفرقة الموسيقية المكلفة بعزف الموسيقى فى القصر السلطانى، و فى حضرة السلطان و قائدها يسمى «مهتر باشى». أما الفرقة الخاصة بالسلطان فكانت تسمى «مهتر خانة خاقانى» أو «مهتر خانة همايون» و يقول هامر ج 1 ص 313 إنها فرقة الشرف التى تعزف أمام الوزراء، و القواد وقت الحرب، و تذكرهم طبولها بأوقات الصلاة أيضا عند الجهاد. و يبين أدوات المهتر خانة كالتالى: 16 زورنا، 16 طبل، 11 مزمار، 8 نقارة 7 أجراس- «صاجات» و 4 أوستان. و كان عددهم 72 فردا أما إذا إشترك السلطان بنفسه فى الحرب فيتضاعف هذا العدد. و قد ألغى نظام المهتر خانه مع الغاء معسكرات الإنكشارية سنة 1826 م- 1241 ه و استبدل به نظام موسيقات الباندو. «المترجم»

(2) بنو هلال: قبيلة عربية يرجع نسبها حتى سيدنا اسماعيل؛ و يبدأ بهلال بن عامر بن شعشعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن قيس عيلان. كانوا يعبدون الأوتاد فى الجاهلية. و كانوا يعيشون فى نجد و اليمن. و لهم آبار و مزارع نخيل كثيرة بالقرب من البصرة. و هم الذين كانوا يقيمون سوق عكاظ الشهير. و هم الذين زحفوا إلى شمال أفريقيا ..

و تتحدث عنهم سيرة بنى هلال. و لهم أهمية كبيرة فى تاريخ الحضارة، و الثقافة، و اللغة العربية بالذات، «المترجم»

83

قلعة عين الزرقاء:

شيدها نور الدين شهيد (1)، و هى قلعة مربعة الشكل، تقع فوق صخرة مدببة، لم يعد بقطنها أحد. تقع ناحية الكرك، ضمن أراضى القدس.

و الكل تناول طعامه على شاطئ نهر الزرقاء دون أن تحط الرحال. و ملئت مئات الجرار و القرب بالماء. و قد كانت هذه المياه سابقا تتدفق إلى الصحراء، و عند ما وفد الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و سلّم) مع قافلة مكة المكرمة قاصدا البصره‏ (2)، فأشار (صلى اللّه عليه و سلّم)، إلى هذه المياه، فشاءت قدرة القادر، أن تتجه هذه المياه الضائعة إلى أعماق القلعة، و تحولت رويدا رويدا مع الزمن إلى بحيرة. و يشاع أن كثيرا من سباع صحراء بغداد تفد إلى هذه البقاع. و لكنى لم أر أي منها. و قد مررنا من هذه المناطق على عجل.

منزل تبركه:

منزل به خان خرب، مطل على رابية سهلة. و بينما كان التفكير متجه إلى الإستراحة هنا فى هذا الموقع بعض الوقت دون أن حّط الرحال أيضا، فإذا بالمطر

____________

(1) نور الدين شهيد: هو نور الدين زنكى، و نور الدين محمود زنكى، الملك العادل أبو القاسم بن عماد الدين زنكى بن أقسنقر؛ الإبن الثانى لعماد الدين زنكى مؤسس دولة الآتابكة فى نواحى الموصل و الجزيرة. ولد سنة 511 ه/ توفى والده سنة 541 ه. فتولى اخوه سيف الدين عرش الموصل، و قام هو بتخليص حلب من بنى الأرقط، و أسس بها ملكا، و كون دولة بعد ضم حماة، و حلب، و بعلبك، و دمشق. و استطاع أن يستخلص مدنا و بلادا كثيرة من الصليبيين منها مرعش، و الرقة، و يانياس. كان نور الدين ملكا، شجاعا، و عادلا، محبا للعلم، و العلماء، و الأدب، و الأدباء؛ صاحب خيرات كثيرة، مما جعل- حتى- أعداءه يبهرون بعدله، و منجزاته. أنشأ الكثير من المدارس و الجوامع و المبرات فى كل من حلب، و حماة، و حمص، و دمشق، و بعلبك. كما أمر بإنشاء مستشفى كبير فى دمشق، أوقف عليه، أوقافا كثيرة، و جلب إليها أشهر أطباء عصره. سار على منواله صلاح الدين الأيوبى فى مصر.

توفى نور الدين سنة 569 ه. بعد أن قضى فى الحكم ثمان و عشرين سنة اتسمت بالعدل و جلائل الأعمال. انظر:

«شمس الدين سامى، قاموس الأعلام ج 6 ص 4607». و هو الذى أمر ببناء «دار العدل»، و عيّن فيها محلا للملك و محلات لقضاة المذاهب الأربعة، و المفتى، لتجرى فيها أحكام الشرع. انظر: تاريخ جودت، ج 1 بيروت سنة 1308 ه ص 51.

(2) البصره:Busra إحدى القرى السورية تقع فى أحضان جبل الدروز من الناحية الغربية، بها آثار يونانية قديمة، و حمامات، و أسبلة تعود إلى القرن الثانى عشر الميلادى، السادس الهجري، كما أن بها قلعة، و جامعا يعودان إلى نفس القرن .. كانت مركزا للولاية العربية فى العصر الرومانى، و كانت تمر بها طرق القوافل. دخلها الإسلام بعد سنة 634، إلا أنها خرّبت خلال الحروب التركية- الصليبية. (أنظر: ميدان لاروس مادةBusra ) «المترجم».

84

ينهمر دون أي مقدمات، فدهش الحجاج لذلك. و بدأوا التفكير فى الكيفية التى يتمكنون بها من عبور صحراء «بلقاء» فالكثيرين منهم يعرف أن العديد من الكروانات- القوافل قد غرقت فى مياه تلك الصحراء. فمعروف أن بلقاء هذه منطقة و حلية تكثر بها المستنقعات و رمالها متحركة.

أخيرا، تجمع الرجال فى حضرة الباشا، و تشاوروا فى الأمر، فأصدر الباشا أوامره متسائلا .. «أين رجال الشام ..؟ أين الدليل إبراهيم چلبى؟ فلقد عبر هذه المناطق عشرات المرات، فلتخرج مفرزة من الفرسان لإستطلاع الطريق.

فتقدم شعار اوغلى و الباششاويش و الجاويش حب الزمان و بعض أصحاب الخبرة.

و بعد ساعة عادوا قائلين .. «يا معالى الباشا هناك طريق رملى فى الناحية الشمالية، و لكننا سنتأخر يومين فى هذا الطريق ..». فغضب الباشا و زمجر قائلا .. «إننا و نحن على هذه الحالة قد تأخرنا .. و أنتم تودون تأخيرنا يومين آخرين ..! سأطيح برقابكم جميعا فداء لسمعة السلطان ..». فقال بعض الشوام:

«.. إن صحراء بلقاء هذه تقطعها القوافل بمسيرة ثلاث ساعات، و نتعشم إن شاء اللّه ألا تكون الأمطار قد أثرت فيها، فلنتحرك فورا.

و على الفور أطلقت نوبات الإستعداد، و تحرك الموكب، و نزلنا فى صحراء منبسطة. و لكن استمرار هطول المطر بغزارة حال دون أن نخطو خطوة أخرى إلى الأمام.

مرحلة بوغاز بلقاء:

استمر هطول المطر حتى منتصف الليل، و صارت الخيام، و الخيول، و الجمال وسط بركة من المياه. و شاء اللّه أن تخف الأمطار قليلا بعد منتصف الليل. و بينما القافلة تستعد للتحرك من جديد، فإذا بالسماء تعصف، و الثلوج تهطل، و يخيم الظلام على المكان، و يطمس معالمه. مما أدى إلى نفوق بعض الحيوانات، و إختفاء بعض الأفراد. و على الفور نادى المنادون بألا يتحرك أحد من مكانه، و فى النهاية، و ما أن أصبح الصباح حتى رأينا الصحراء و قد تحولت إلي بحر متلاطم الأمواج، فأمسك كل حاج بزمام جمله، أو مقودة فرسه، و أخذ يخوض وسط المياه، سائرا على قدميه،

85

شاقا طريقه بصعوبة جامة بين الأوحال، متجها نحو خان قديم على الجانب الأيسر من الصحراء.

خان عين الطير:

و هو من أعمال خليفة بنى هلال. سمى بهذا الإسم لتشابه أحجاره مع عين الطير. و لقد كانت هذه المنطقة قديما مدينة كبيرة. و لقد اكتشفتا أن القافلة فقدت العديد من حيواناتها عند عبور هذه المنطقة إما غرقا، أو نفوقا من شدة البرد.

و الصقيع و ساءت حالة النسوة، و الأطفال، بسبب ترجلهم، و خوضهم، وسط المياه و كأنما الحالة تذكر بيوم المحشر. و لكن الحجاج التركمان و العجم قد عبروا المستنقع بدون أدنى تردد، و كانوا أكثر جرأة، فى خوض غمار المياه، و أكثر تصرفا، إذ كانوا يضعون بعض الأكلمة تحت أقدام الجمال التى تغوص فى الأوحال حتى يساعدونها على الخروج و مداومة السير.

منزل صحراء بلقاء:

عبارة عن منطقة رملية بها بعض الكلأ الأخضر. و كان المطر ما يزال منهمرا. و لم يكن حسين باشا يكف عن الطواف، و الدوران ممتطيا صهوة جواده حتى يطمئن على الجميع، و يجمع الجمال و الحجاج الذين تفرقوا، و يجمع لهم أمتعتهم، و أموالهم، فنال دعاء الجميع. و أمر بإعداد عشرة قدور من الحساء الساخن، و تم توزيعها على الحجيج، حيث كانت بوادر أزمة فى المواد الغذائية بدأت تظهر بين أعضاء القافلة، و وصل ثمن الأوقة من البقسماط ثلاث قطع ذهبية. و فقد الحجاج أملهم فى الوصول إلي عرفات فى الموعد المناسب. و هبت هنا أيضا عاصفة هو جاء، لم تبق على شئ، حيث اقتلعت الخيام بأوتادها، و بعثرت المؤن، و الأحمال، من أماكنها. فأمر الباشا أن يتوسل الحجاج ثانيا بقراءة الأنعام الشريفة، و الإخلاص. فهدأت الأمطار قبيل المساء، و لكن اشتد البرد القارس، لدرجة أن أحد عشر رجلا و ما يزيد عن مائتى جمل، و فرس، و بغل، قد تجمدت، كما تجمدت المياه فى القرب، و غطى الصقيع، و الثلوج وجه الصحراء. و لما رأى الحجاج فى الصباح؛ أنه لم يعد هناك و حل على الطريق، فتحركت القافلة على‏

86

الفور، و استمرت فى سيرها، أربعة عشر ساعة، حتى دخلنا فى ممر ضيق و مضيق مهول.

قلعة الفطران:

تخضع لسيطرة صوباشى‏ (1) قلعة الكرك من أعمال القدس. أهلها غلاظ، عصاة حتى أنه ما أن بدت قلعة القطران للعيان حتى وجدنا أنفسنا بين أربعين، أو خمسين فارسا بدويا، و قد سيروا خيولهم علينا، و وجهوا سهامهم، و مزارقهم نحونا. و على الفور قام فرساننا بالرد عليهم، و أمطروهم بوابل من الرصاص، فقتل إثنان منهم وفر الباقون. و دخلنا نحن القلعة، و قد كانت على شكل مربع، قلعة صغيرة محيطها ثلثمائة خطوة، بداخلها سبع منازل و مخازن. بها سبعون رجلا من رجال الحصار- جنود القلاع. و معظمهم يجلبون مؤنهم، و موادهم الغذائية من الكرك، كما يحضرون الظهيرة؛ و يبيعونها هنا، بأسعار عالية.

تحرك العبد الفقير من هناك مع بعض من جند القلعة و حوالى مائتى من المسلحين بالبنادق، و أتجهنا نحو الغرب متخطين عقبات، و سالكين طرقا حجرية، حتى وصلنا قلعة الكرك بعد مسيرة ساعتين.

قلعة الكرك:

تعد من أهم سناجق ولاية القدس، و هى ملتزمية (2) ضواحيها حوالى سبعين قرية. شيدها العباسيون. و قد سلمت القلعة إلى السلطان سليم‏ (3) سنة 922 ه-

____________

(1) صوباشى:Subasi - أمين البلدية- و مدير الأمن؛ اصطلاح ادارى عثمانى كان يطلق على كبار موظفى الإدارة فى المراكز و القصبات فى العهد العثمانى. و كانت أعمالهم تشبه أعمال الضبطية الإدارية فى عصرنا الحالى. و كان عثمان هان- مؤسس الدولة العثمانية- هو أول من أسند هذا المنصب إلي أخيه «كوندوز بك». كما أسند أعمال الحكومة إلى إبنه أورخان بك، و ذلك بعد فتح قره حصار. [عاشق باشازادة مارنجى ص 20] كما قام السلطان محمد الفاتح بتعيين «سليمان بك» صوباشيا على استانبول بعد فتحها، و فوضه فى أمر تعميرها و اعمارها. [تاج التواريخ ج 1 ص 447]. «المترجم»

(2) الملتزمية: اصطلاح مالى عثمانى يطلق على القرية أو القصبة التى تمنح لأجد رجالات الدولة نظير مبلغ معيّن يقدمه إلى الخزينة سنويا أو يدفعه مقدما لعدة سنوات ثم يقوم بتحصيله من الأهالى. و كانت هذه الملتزمية تحال إلى من يدفع أكثر. كما يمكن أن يطلق هذا المصطلح على المبلغ المطلوب من الملتزم. «المترجم»

(3) السلطان سليم الأول: 875/ 926 ه- 1470/ 1526 م.

87

1516 م لها حصن خماسى الشكل، و قلعة الظاهر بيبرس‏ (1) متينه جدا، بداخلها مائة و خمسين منزلا، و جامعا، و خانا، و حماما. و لها سوقا صغيرا، و كانت فى الماضى سجنا يستخدمه السلاطين المصريون. و بها مزار الشيخ شجاع‏ (2). و قد اشترينا. على عجل، بعض المأكولات و المشروبات من هنا، و ما أن لاح لنا أن الحجاج ينسحبون فوجا فوجا حتى جن جنوننا، و أتينا إلى قلعة القطران فى ساعتين، فوجدنا أن كل الحجيج قد غادروا المكان، و لم يبق سوى المؤخرة.

فرافقناها، و قطعنا مسيرة أربع عشرة ساعة حتى وصلنا إلى:

منزل تابوت:

لم تبق أي أطلال من البناء، و فى هذا المكان يجمع الأعراب منتجاتهم لبيعها إلى الحجيج، و إذا ما سنحت لهم الفرصة فإنهم ينهبون ما يتاح لهم من متاع الحجاج و يهربون بها.

حمدا للّه .. إذ تحسن الجو، و عادت البسمة و الحيوية إلى وجوه الناس، و دبت الحركة فى أوصال الدواب. و بينما كان الحجاج مشغولون بملئ جرارهم، و قربهم من المياه، هاجم البدو ثلاثة قطارات من البغال و الجمال مطلقين صيحاتهم، و ولولاتهم‏

____________

- لقب ب «ياووز» الفظ. و هو ناسع سلاطين آل عثمان، فاتح مصر و الشام ابن بايزيد خان، حفيد محمد الفاتح و والد سليمان القانونى جمع بين السلطة و الخلافة. وسّع من حدود الدولة فى آسيا و أفريقيا. شمل خير الدين بارباروس برعايته، تولى العرش 918 ه حاول خلق جنسية عثمانية تشمل كل العناصر الإسلامية التى دخلت حوزة الدولة ليخلق بذلك تكتلا إسلاميا يصد الصفويين سنة 1920 ه- 1514 م موقعة چالديران، و لم يدفعه إلى ذلك إلا رغبته فى كسر شوكة الصفويين لتعاملهم مع البرتغاليين. توفى عن إحدى و خمسين سنة بعد أن قضى فى السلطة ثمان سنوات فقط و ثمانية أشهر».

(1) الظاهر بيبرس: هو الملك الظاهر سيف الدين الصالحى البندقدارى 1223- 1277 م- 620- 676 ه و هو السلطان الرابع للمماليك البحرية. اختلفت الروايات حول مولده .. و هو قپچاقى فى الأصل، اختطفه تجار الرقيق هو و أخيه فى الرضاعة و أحضر إلى سيواس و منها إلى حلب ثم أخيرا إلى الشام. نال أخيرا حريته على يد ملك مصر الأيوبى الملك الصالح نجم الدين. أحبه شعب مصر لسلوكه الطيب تجاه الشعب. كوّن امبراطورية مصرية، أصبح لها كلمة مسموعة فى العالم الإسلامى. ما زالت أثاره على مستوى العالم العربى و الإسلامى مائلة للعيان .. و خاصة فى القاهرة و حلب و الشام و الحجاز .. و يعتبر من أهم الحكام الذين أعطوا أهمية قصوى للمنشآت المعمارية؛ من جوامع، و مدارس، و مستشفيات، و أسبلة ..

كان رجل دولة من الطراز الأول؛ له بصماته فى ميادين الحرب، و تشكيلات الجيش، و ادارة امور الدولة. جمع السلطات فى يده لكى يضمن الأمن فى البلاد، و يحول دون فساد المماليك. «المترجم»

(2) الشيخ شجاع: هو الشجاعى شاهين الجمالى شيخ خدم المسجد النبوى الشريف حوالى سنة 893 ه. «المترجم»

88

المعهودة؛ فأمر الباشا خمسة من حاملي الأعلام الأشداء بتعقبهم بخيولهم، فلحقوا بهم و تم القبض على ستة منهم .. و قال قائل منهم .. «أيها الباشا .. لا تغفل عيناك و خذ حذرك حتى الصباح، فإن الأعراب سيهاجمونكم». فأمر الباشا أن يستعد الركب للتحرك. و بدأ الموكب فى الحركة فى منتصف الليل، و تم تسليح كل الجنود، و اصطفوا على اليمين و على الشمال، و عزفت الموسيقى الهمايونية ثمان دفعات متتاليات حتى اهتزت الجبال، و صدحت الوديان، و كان الأعراب فعلا قد اتخذوا من الجبال و الصخور المتوفرة فى منطقة عنزة مكمنا لهم، و بدوا و كأنهم كالغابة المتناثرة الأشجار، ثاروا، و هاجوا؛ و ماجوا؛ و أذ بدوا و لكنهم لم يجرؤوا على الهجوم؛ ففروا و تابعت القافلة سيرها فى هذه المنطقة مدة تسع عشرة ساعة.

منزل عنزه:

عبارة عن منطقة صحراوية واسعة، ليس بها قرى أو ما يشابهها، و هنا وفد بعض المشايخ من أعراب عنزه‏ (1) و زهد و الوحيدات طالبين الصرة. فقال لهم الباشا: «إن الصرة تقدم لكم مقابل الخدمات التى تقدمونها إلى الحجاج حسب قانون السلطان سليمان خان القانونى، و لن أقدم هللة واحدة إلى هؤلاء الأعراب الذين اصطفوا على قمم الجبال، و استعراضا للقوة، و عددهم عشرة، أو خمس عشرة ألفا ..

قال الشيوخ: «إننا سنرسل هدية الباشا، حتى و إن لم نحضر بأنفسنا ..».

و أرسلوا بالفعل ثلاثة خيول كهيلانية إلى الباشا الذى تقبلها و لكنه أعلن مصمما:

«إن شاء اللّه .. عند عودتنا بسلامة اللّه و رعايته سأجد رؤوس العصاة و حتى و لو كانوا فى أعماق البحر، المهم هو أن تسيطروا على المنطقة و تقبضوا على كل من وقف ضدنا أو خرج علينا ..».

____________

(1) عنزه: من أشهر القبائل العربية، و أقواها. كانت تعيش فى جزيرة العرب، و بادية الشام. و كانوا يتجولون ما بين الجزيرة و الموصل و الزور و شمال بادية الشام هذه. كانوا فى صراع دائم مع قبائل شمر: موطنهم الأصلى ديار نجد، كما كانوا يتواجدون فى منطقة الحجاز، ناحية خيبر. سكنوا اليمامة قبل الإسلام. كانوا يقضون الصيف ناحية الشام و حلب، أما فى الشتاء فكانوا يعودون إلى جوف الصحراء؛ و كثيرا ما كانوا يصلون إلى العراق. و يعيشون- فى ذلك الوقت- على الرعي، و تجارة القطعان .. كانوا يتلقون العطايا من الصرة السلطانية؛ سواء فى العصر المملوكى، أو العثمانى (أنظر: قاموس الأعلام، شمس الدين سامى ج 5) «المترجم».

89

ثم صدحت الأبواق عاليا و تابعت القافلة سيرها إحدى عشرة ساعة بين الرمال، و الصخور حتى وصلنا إلى:

قلعة معان- معن‏

قلعة صغيرة على شكل مربع، بدون خندق، محيطها ثلاثمائة خطوة. كانت فى الماضى تحت سيطرة انكشارية الشام‏ (1)، ثم تمكن الأعراب من قتل محافظها، و الإستيلاء عليها ..

____________

(1) إنكشارية الشام: الإنكشارية؛ لغويا ينى چرى، و يطلق عليهم الأوروبيون‏Janiser . أما عسكريا؛ فهو اسم يطلق على فرق المشاه النظاميين التى كونها الترك العثمانيون فى القرن الرابع عشر الميلادى- الثامن الهجرى، و أصبحت اكبر قوة عسكرية عندهم، و قد مكنتهم من الفتوح الواسعة التى قاموا بها.

و يطلق عليهم أحيانا اسم ال «قاپى قولى» أى عبيد الباب السلطاني، أو الرقيق السلطانى نظرا لإرتباطهم بالسلطان شخصيا. و كانت هذه التشكيلات العسكرية موجودة عند السلاجفة، و المماليك .. و لكن العثمانيون أدخلوا عليها الكثير من التنظيم و الانضباط، خاصة فى عهد السلطان مراد الأول [سنة 1360- 1389 م- 762- 792 ه] و كان تدريبهم، و تعليمهم العسكرى مركزا على الطاعة و تحمل الجوع و العطش و كافة الصعاب. و ترقيتهم مبنية على الشجاعة و الطاعة، و لذلك أثبتت الإنكشارية وجودها فى كل فتوحات الدولة العثمانية سواء فى آسيا أو فى آوروبا.

أو فى شمال أفريقيا.

أما لباس الرأس عندهم فهو قلنسوة من الصوف الأبيض، و تتدلى من خلفها قطعة من القماش رمزا للبركة التى منحها إياهم مرشدهم الشيخ حاجى بكداش كما يعتقدون. و على لباس الرأس شارة عبارة عن ملعقة من الخشب. و كانت ألقاب الضباط مرتبطة بمختلف مرافق المطبخ كالجورباجى باشى [رئيس طهاة الحساء] و آشجى باش- [رئيس الطباخين‏]. و أهم الأشياء فى الكتيبة هو القدر الكبير [القازان‏]. و كانوا يجتمعون حوله لا لتناول الطعام فقط، بل للتشاور، و كان قلب القدر دلالة على العصيان و الثورة.

و كانت الفرقة منهم تسمى أوجاف» أى المعسكر أو الموقد .. و تنقسم إلى وحدات حربية تسمى كل منها «اورطه» أى فرقة و هى ثابتة العدد، مختلفة القوة، تتراوح وفقا للظروف من 100- 500- 3000 جندى. و هذه الفرقة تقيم فى ثكنات تمسى (اوضه)- غرفه- عنبر. أما فى ميدان الحرب فكانت الفرق تقيم فى سكنات عبارة عن خيام واسعة مستديرة، و قد نقشت عليها شاراتهم المميزة لكل منهم.

كان يرأس الفرقة قائد رتبته [يكچرى آغاسى‏] أى آغا الإنكشارية. و هو يتولي فوق عمله الخاص، أمر الشرطة و حفظ النظام فى المدينة.

لقد تنوعت أسلحتهم الحربية فى الدفاع و الهجوم تبعا للزمن الذى يعيشون. و لكن كثرة مشاكلهم، و عصيانهم، فى فترات ضعف السلاطين، السلطة المركزية، و معارضتهم لكل ما هو جديد لكل ما هو جديد أؤ أى تطوير فى الجيش بحجة أن هذا بدعة و كل بدعة ضلالة- عند ما أرادت الدولة أن تأخذ بالنظام الجديد، مما دفع السلطان محمود الثانى بالقضاء عليهم فى 9 من ذى الحجة 1241 ه- 10 يونية سنة 1826 م فى آت ميدانى، و فى مذبحة شبيهة بتلك التى نفذها محمد علي الكبير ضد المماليك فى القلعة.

و كانت معسكراتهم تنتشر فى كل الولايات العثمانية، و تسمى باسم الولاية الموجودة فيها فهناك انكشارية الشام، و انكشارية مصر و انكشارية اليمن .. الخ .. [المترجم‏]

90

تحيط بها أشجار النخيل، و الحدائق، و البساتين، بها منازل حوالى ألف و خمسمائة إعرابى، مواطنيها أثرياء جدا، محصولاتها؛ من حبوبيات، و فواكه كثيرة، و مرغوبة. تتبع ولاية الشام إداريا، و إن كانت ضمن أراضى القدس الشريف. بها ثلاثة جوامع، و حماما واحدا. أهلها عصاة شداد.

اشتكى الأهالي في الولاية من خمسة رجال عصاة، و حدث أن سرق واحد من الأعراب ناقة أحد الحجاج و أخفاها فى منزله بين التبن، و تم القبض عليه و ضربت رأسه.

تم استئجار ألفا جمل، و قدّم الأعيان الأطعمة، و المواد الغذائية، للباشا الذى ترك بدوره بعض أمتعته، و حاجياته هنا كأمانات متخففا منها. و نال الحجيج فى هذه المدينة من الراحة و العطايا و المشتريات ما أنساهم متاعب مزيرب.

و بهذه المنطقة هيكل لكلب تظنه حىّ عند النظر إليه. و يحكى آهالى المنطقة أنه هيكل الكلب الكاسر الذى هاجم النبى محمد صلى اللّه عليه و سلم قبيل البعثة عندما كان متوجها إلى البصرة للتجارة فنهره النبى الكريم قائلا: «قف يا كلب مكانك كالحجر ..» و بمشيئة اللّه، و قدرته تشكل الحجر على هيئة الكلب.

تحركت القافلة من هنا، و عاودت سيرها، و نحن معها لمدة ست عشرة ساعة، حتى وصلنا إلى منزل العقبة:

منزل العقبة:

عبارة عن منحدر صعب، تحوطه الصخور الملساء من كلتا ناحيتيه، يترجل الجميع فى هذا الموقع، و يتابع كل سيره ماشيا و قد سحب دابته. مكان تحف به المخاطر؛ و قد قام البدو بنهب الحجاج فيه عدة مرات، مهددين حياتهم، و لكننا تخطيناه بسلامة اللّه، و رعايته، و سرنا عشرة ساعات حتى وصلنا إلى قلعة حوزيمان:

قلعة حوزيمان:

عبارة عن صخرة واحدة من صنع اللّه سبحانه و تعالى، تقع جنوب الصحراء، لا يقطنها أحد من البشر. و قد أقامت أسماء بنت السلطان سليمان حوضا للمياه فى‏

91

جنوب هذا المكان، و إن كانت مياهة تميل إلى الملوحة بعض الشئ، و بعد ذلك عبرنا صحراء جرداء لمدة ست عشرة ساعة حتى وصلنا إلى قلعة نبع النبى ...

قلعة نبع النبى:

بناها معاوية سنة 56 ه، و بالقلعة قوة قوامها مائتى نفر على رأسهم چورباجى من قوة انكشارية الشام. داخل القلعة مائتى حجرة، و مسجدا و حماما. و كان الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم) قبيل البعثة، و عند توجهه إلى البصرة للتجارة قد حفرها بيده الكريمة، فخرج الماء ساخنا، و هى مياه مباركة، من شربها و هو مصاب بالإسهال يشفى منه فورا بإذن اللّه، و على حافتها، مصلى صغير، يتسع لخمسة أشخاص بالكاد. و كان النبى الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم) يتعبد فيه. و من خصائص هذا المكان؛ أنه إذا ما نام به العليل بعض الوقت شفاه اللّه، و عافاه، و إذا ما قام الفقير بالخدمة فى هذه القلعة؛ أنقذه اللّه من براثن الفاقة، و براثن الفقر. و حول هذه القلعة قرى عامرة، و أرض خصبة معطاءة.

يتوافد القرويون فى هذا الموقع على الحجاج ليبيعونهم ما يحتاجون إليه من نتاج أرضهم. نهضنا من هذا المكان، و تابعت القافلة المسير سبع ساعات، وسط الصحراء الجرداء حتى وصلنا إلى «شجرة الحور الجاحدة» و هى بلا ماء، أو نبات، و لم تتوقف القافلة بها، لضيق الوقت، بل تابعت سيرها لمدة إثنتا عشر ساعة أخرى، حتى:

مرحلة قلعة النخلة العاصية:

تفع فى منتصف الطريق إلى مكة، و عند العودة يقوم باشوات نابلس، و عجلون،

92

و أثرياءهما، يإغراق الحجاج بخيراتهم مما لذ، و طاب أكله. و قد شيدها نور الدين شهيد و لكنها تهدمت مع مرور الزمن، و لكن بناءا على فرمان السلطان محمد الرابع‏ (1) قام ناشف أوغلى بتجديدها؛ محيطها أربعمائة خطوة. و على بابها تأريخ مكتوب نصه: «فى أيام مولانا السلطان محمد خان ابن إبراهيم خان مد ظله قام أمين دفتر دمشق ناشف زاده محمد الفقير سنة 1062 بتعميره ..».

يوجد بها مدافع، و مدفعجيّة، و قوة من انكشارية الشام. تحتوي على جامع، و حمام، و عين ماء، كما أن هناك نبع كبير فى غرب القلعة؛ و هو من مآثر الرسول الكريم. و معجزاته، فمما يروى فى هذا الصدد أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بينما كان يمر من هنا التجار قبل البعثة لم يعطهم أهل هذه المنطقة ما يسد رمقهم، أو يذهب عطشهم. فقال ركب القافلة .. «يا محمد إن هؤلاء القوم لن يساعدوك، و لن يعطوك تمرا ..» فما كان منه (صلى اللّه عليه و سلّم) إلا أن تفضل بالقول .. «فليكن نخلهم مثلهم عاصيا مجدبا غير مثمر ...» و لهذا فإن نخيل هذه المنطقة مجدب، غير مثمر، و جريده، و آغصانه لا تجدى، و لا يتأت منه أي نفع. توسل الآهلين إلى الرسول الكريم آنذاك قائلين «.. نحن أخطأنا و أنت أكرم من أن تعاملنا بمثل أفعالنا .. فلا ماء عندنا فادعو لنا دعاء الرحمة ...» فقام الرسول الكريم بحفر الأرض بيديه الكريمة، فخرج منها ماء عذب متدفق. ما زال يروى الحدائق، و البساتين، و يملأ الآبار، و العيون التى بداخل القلعة. و ما زال الحجيج يغتنم منها ما يكفيهم تاركين ما يزيد عن حاجتهم ..

خرجنا فى هذه الليلة المظلمة على أضواء المشاعل، و كانت تحيط بالقافلة قوة عسكرية، مسلحة تحرسها. و استمرت فى السير سبع ساعات حتى وصلت إلى موقف «المقابر».

منزل المقابر:

كانت مدينة كبيرة فى زمانها، و لكنها الآن أطلال خربة، مدفون بها «آصف برهيا» وزير سيدنا سليمان، على بعد نصف ساعة من الطريق، و يبدو أنها من عمل العمالقة، فقبتها عبارة عن صخرة واحدة و برهيا هذا هو الذى أحضر بلقيس من مدينة سبأ.

____________

(1) السلطان محمد الرابع: (1642- 1693 م- 1052- 1105 ه. بعد تنحية السلطان إبراهيم عن العرش بالقوة، فتح الطريق على مصراعيه أمام ولى العهد محمد لكى يكون سلطان. فتولى العرش فى الثامن من أغسطس سنة 1648 م و هو ما زال صغيرا، مما أدى إلى زيادة القلاقل .. و لكن عندما اشتد عوده عين فى الصدارة من هم على علم و خبرة و دراية، و عقد العديد من المعاهدات مع النمسا، و الصرب .. و لكنه قام بحروب على روسيا و كريت و فتح الأخيرة. و توجه إلى لهستان للمرة الثانية سنة 1676 م و فى سنة 1681 م عقد معاهدة صلح مع الروس، و فى سنة 1682 م قرر الدخول فى حرب ضد النمسا، و لكن نتيجة للهزيمة التى منى بها الجيش تم اعدام الصدر الأعظم فره مصطفى باشا المرزفوّنى .. و خلال سنتى 84، 1685 م فقدت الإمبراطورية بعض قلاعها المهمة. و سقطت بعضها الأخر فى يد الأعداء دون حروب تذكر.

و فقدت المجر تماما بعد سقوط بودين فى يد العدو سنة 1686 م. ثم موهاج 1687، و آثينا سنة 1687، بالرغم فى كل ذلك، افتتح فى عهده العديد من الجوامع و المؤسسات المعمارية الكبيرة.

أنزل عن العرش فى الثامن من شهر ديسمبر سنة 1687 م. «المترجم»

93

و بعد أن جلسنا هنا ساعة للإستراحة تابعنا المسير ست ساعات و تخطينا مرحلة العقبة كلها بعد مسيرة إثنتا عشر ساعة.

منزل قلعة حيدر:

يسكن بها العرب الحيدريون، و حسب رواياتهم أن سيدنا على رضى اللّه عنهم هو الذى بناها، ثم جددها حيدر باشا والى الشام. (1) و هى عبارة عن قلعة رباعية الشكل على حافة جبل أملس، مطلة على ثلاثة وديان، و بداخلها معسكر لإنكشارية الشام. و بها أيضا ما بين أربعين، أو خمسين غرفة للعرب العذاب. كما أن بها مسجدا، و على الطرف الأيمن من الباب الخارجى توجد بحيرة صغيرة، مياها باردة كالثلج، و بها مؤن كثيرة. و كان المولي عز و جل يفيض علينا بنعمه و إحساناته الكثيرة فى كل منزل ننزل به فى صحبة حسين باشا حيث كان يكرمنا بأطيب الأطعمة و ألذها.

ليس هناك قرى فى ضواحى قصبة حيدر. و يحكى المعمرون هنا أن نهر مراد أحيانا ما كانت تفيض مياهه فتحول هذه الصحراء إلى بحر متلاطم الأمواج تصل مياهه إلى هذه القلعة. و نهر مراد هذا قريب من بغداد.

إن المجيئ إلى هذه القلعة، و المرور بها، أمر مسلم به، و متبع بين جميع الحجاج.

و قد أخبرنا أن قافلة الحج المصرى قد مرت من هنا منذ عشرة أيام. و تم تغيير جند الحراسة، و قوات الأمن. و خرجنا من هنا، و قطعنا مسافة ثمانية عشر ساعة فى الصحراء.

قلعة شرين المعظمة:

من أعمال الملك المعظم طوران شاه الأيوبى‏ (2) و طوران شاه هو ابن نجم الدين‏

____________

(1) حيدر باشا: من وزراء عهد السلطان سليم الثالث، هو مؤسس معسكر- قشلاق حيدر القريب من السليمية. هناك فى إستانبول محطة كبيرة لقطار الشرق السريع تحمل إسمه، و هى فى الجانب الأسيوي. و قد زادت شهرته لهذا السبب. «المترجم».

(2) طوران شاه الأيوبى: تورانشاه هو الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين بن نجم الدين أيوب، شقيق القائد المشهور صلاح الدين، أنتقل من الشام إلى مصر مع عائلته سنة 564 ه- 1168 م أظهر حماسا كبيرا فى الحروب التى خاضها مع السودانيين، فأقطعه آخوه قوص و اسوان تمكن من السيطرة على النوبة سنة 568- 1172 م ثم كلف بفتح-

94

صالح الذى كان ملكا على مصر، و استشهد أثناء حروبه مع الإفرنج. و قد اتفق المصريون على تنصيب زوجته شجرة الدر مكانه. و أصبحت ملكة على مصر، ثم استدعت إبنها طوران شاه و أصبح سلطانا مستقلا سنة 938 ه- 1531 م.

قام السلطان مراد (1) بإعادة بناءها سنة 981 ه- 1573 م. و قد تمكن البدو من الدخول إلي القلعة سنة 1035 ه- 1625 م بعد استشهاد كل حراسها، و حملوا كل ما كان بها. و بقيت على حالتها تلك منذ ذلك التاريخ. محيطها أربعمائة خطوة. كان يجب وضع جند فى هذه القلعة لتأمين سبل الحياة فى هذه المنطقة، لأن الذين سيأتون إلى هذه المنطقة ما لم يجدوا ماءا بها فإنهم لن يجدوا له أثر فى «شق العجوز» على الرغم من أن هناك بحيرة قوامها حوالى مائتى مترا و عرضها عشرة باعات بجوار هذه القلعة و قد قام الملعون المسمى ابن رشيد (2) بغلقها فى السنة الماضية، و أطلق النيران على الحجاج، و لم يحظ الآلاف منهم هم، و بهائمهم أي قطرة من الماء، لدرجة أن العديد من الحجاج قد تقددت أجسادهم من شدة العطش و قيلولة الشمس. و كانوا يرقدون- كما يحكى البعض- و كأنهم من الطين الصلصال الجاف.

لذا، فإن المحافظة علي هذه القلعة، و تعميرها، يعد من الفروض الواجبة.

____________

- اليمن بعد هذا التاريخ بسنة، تمكن من فتحها سنة 571 ه- 1175 م و شكل بها حكومة ثم عاد إلى مصر سنة 572 ه و منها عيّن من قبل أخيه واليا على الشام، ثم أرسله صلاح الدين إلي مصر خلال حروبه سنة 574 ه- 1178 م ثم أصبح واليا على الاسكندرية، و مات بها سنة 576 ه- 1180 م كان جوادا، سخيا، ترك بعد وفاته تركة عبارة عن مائتى ألف دينار. «المترجم»

(1) السلطان مراد: المقصود هو السلطان مراد الرابع ابن السلطان أحمد الأول و والدته هى ماهبيكر سلطان .. ولد فى 27/ 7/ 1612 م .. تربى فى دائرة والده سلطان فى سراى طوپ قاپى .. ظهر فى اشد فترات الدولة العثمانية اضطرابا .. تولى السلطنة و هو فى سن صغير مما أعطى الفرصة لأمه، و لقادة الانكشارية للتدخل فى أمور الحكم ..

و لكنه نجح فى القضاء على الكثير من ثورات الجند .. و حقق بعض الانتصارات للدولة. و فتح بغداد سنة 1639 م و كان قد حاصرها من قبل فى سنة 1630 م. عقد مع ملوك البلقان بعض معاهدات الصلح .. كان محبا للأدباء و إن اعدم الشاعر نفعى سنة 1637 م.

تولى السلطنة فى العاشر من سبتمبر سنة 1623، و توفى فى ليلة 9/ 8 فبراير سنة 1641 م.

أكثر من عزل و تعيين الصدر الاعظم مما لم تتوفر به الفرصة لزيادة الاعمار فى الإمبراطورية .. أهتم بالحرمين الشريفين، و تأمين القوافل خلال مدة حكمة، [المترجم‏]

(2) لم يكن بن رشيد موجودا فى ذلك التاريخ، و لعله يقصد إسما آخر غير بن رشيد، حيث أن بن رشيد لم يظهر على الساحة السياسية فى هذه المنطقة إلا فى نهاية القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين. (المترجم)

95

بقينا هنا ساعة، و بعدها غصنا ثانيا فى بحر الرمال اللانهائى و سرنا به ثمانية عشر ساعة مستمتعين تارة بهديل القمرى، و تارة أخرى بمطاردة النعام، أو صيد الغزلان، و الآرانب البرية.

منزل شق العجوز:

أطلق عليه هذا الاسم لإن على بن أبى طالب رضى اللّه عنه كان قد شق عجوزا شمطاء إلى شقين بسبب سوء خلقها، و ما زال جسدها كالحجارة السوداء فى غرب الطريق.

و يطلق الآهالى على هذا المكان «المنطقة التى لا يمر بها الخازوق». و قد أمرت، والدة السلطان بحفر عدة آبار فى هذه المنطقة هذه السنة. لم نمكث هنا طويلا. و بينما كنا نسير مستمتعين بهديل القمرى، فإذا بصوت جاويش الكتيبة يقطع هذا السكوت معلنا: «سنصل اليوم عند الظهر إلى الممر الضيق المسمى «قضاء سيدنا صالح» فأستعدوا، و كونوا على يقظة تامه لإن ابن رشيد قام بقتل الحجاج فى هذا الموقع فى العام الماضى. و الواقع انه منقاد لطاعة حسين باشا هذا العام، و لكن ربما تشعر قبيلة أخرى برغبة فى النهب أو يستشعرون لذة من ذلك. فلا تغفلوا ...».

و قد حرص الباشا على أن يجعل الجند يسيرون فى نظام و انتظام بأسلحتهم و هم فى وضع الإستعداد الدائم. و بعد قليل عاد المبشرون من المقدمة معلنين:

«كان الآعراب ينتظرون وصولنا بعد يومين. و لقد قضينا علي بعض العصابات وعدنا ببعض الرؤوس و الألسنة ..».

عتيق الرمال:

ما أن تصل القافلة إلى مضيق النقب حتى تواجه بعتيق الرمال، و هو بحر من الرمال و النيران، و عنده تتسمر الجمال واقفة و هى تبعبع. و يسمى الجبل المحيط بهذا المضيق «جبل الناقة» و سبب هذه التسمية أن سيدنا صالح قد أرسل إلي قومه فى هذه البقاع، و لم يؤمن بع بعض من قومه، و أنكروا عليه دعوته، و أصروا على عقر ناقته، فأخذوا يرصدونها، و خرجوا يرقبونها، فلما صدت عن وردها، و رجعت عن مائها، فرموها بسهم انتظم عظم ساقها، و ابتدرها آخر منهم بالسيف، فكشف عن عرقوبها، فخرت على الأرض، فطعنها فى لبتها فنحرها ... فرعدت السماء رعدة

96

مدهشة، و إلى الآن يسمع الصوت من هذه الصخرة. و صخور المنطقة كلها ملساء.

و مازال الشق الذى أحدثه جبريل (عليه السلام) بجناحيه واضح للعيان حتى اليوم. إن بعض النوق تسمع صوت ناقة صالح (عليه السلام) أثناء المرور من هذه المنطقة الصخرية، و تلك النوق التى تسمع الصوت تتجمد فى مكانها و لا تستطيع الحركة، و لذلك، فإن القوافل عند مرورها من هذه المنطقة تطلق المدافع و البنادق و يكبر المارة مرددين بصوت عال «اللّه ... اللّه ... اللّه اكبر ..» حتى لا تسمع النوق صوت الأنين الصادر عن ناقة صالح (عليه السلام). و مع أن قافلتنا قد فعلت نفس الشئ؛ فأطلقت المدافع و البنادق .. و كبرنا جميعا، إلا أن سبعون ناقة قد توقفت فى مكانها، و لم تستطع الحركة، فقام أصحابها بذبحها فداءا فى سبيل اللّه .. و ترضية للباشا؛ و هم يقولون .. «.. لقد سمعت الإبل صوت الناقة الصغيرة بين الصخور .. و لن ترجى منها فائدة بعد الآن ..».

قام عصاة البدو و أشقياءهم، بالتفرق و التشتت فى أماكن بعيدة، بعد أن سمعوا جلبة القافلة، و طنطنة قوات حسين باشا.

و يمثل شمال مضيق الناقة هذا حدود الشام؛ حيث أن من يمتلك أمور مصر، أو يحكمها، تكون مكة المكرمة، و المدينة المنورة تحت حكمه، و إدارته. و يأتى القمح، و المؤن إلى المدينتين المقدستين من مصر عن طريق السويس، و لو لا مصر لمات أهل الحجاز، و الطائف جوعا.

و قد حدت أن وقعت مصر فى أيدى الروم سنة 26 م فاستولى الزنوج على مكة و المدينة، فما كان من «دارشاه» سلطان بغداد آنذاك إلا أن أعمل سيفه فى رقابهم، و فتح الحجاز، و كان يرسل المؤن إلى مكة، و المدينة سنويا. و لم تدخل مكة المكرمة، أو المدينة المنورة- منذ العصر الجاهلى- تحت نفوذ الكفرة، و لن تدخل قط، إن شاء اللّه .. و إن كانت المدينتين المقدستين قد خضعتا فى بعض العصور لسيطرة بعض المذاهب الغير سنية.

و الحجيج الذين تطأ أقدامهم حدود صخرة الناقة، يترجلون و يدعون اللّه قائلين «اللهم ثبت قدمى على طريق عرفات» و تستغرق الرحلة فى هذه المنطقة ساعة واحدة، حتى تدخل القوافل وادى سمود.

97

قوم سمود؛ أى آبار صالح:

هى حدود الكعبة، بها آبار كثيرة واسعة، متدفقة المياه، كانت من مدن سيدنا صالح. و بها الكثير من المراعى المعشبة الخضراء، يتوقف بها الحجيج فترة للإستراحة، و الإستزادة من حدائقها، و بساتينها، و فواكهها؛ و أحد هذه الأطلال يطلق عليها مدينة الوادى العتيق.

الوادى العتيق:

أطلال مدينة تحيط بها حدائق النخيل من كل جانب، يأتيها العرب فى موسم التمور، لجمعه، و التمتع بطلاوته، و بالقرب منها مدينة أخرى تسمى وادى صفره.

وادى صفره:

أطلال مدينة قديمة تسمى «وادى صفره»، و هى عبارة عن أطلال، و بقايا، و خرابات، وسط الحدائق، و الرياض، و البساتين. يسعد بها العرب و يستلذون فواكهها.

وادى القرا:

شيده قوم سمود، منازلة عبارة عن مغارات، شقت فى صخور الجبال، تحيط به مجموعة من الصخور التى يمكن للإنسان أن يستخلص منها العبر، و لم أر مثل هذه الصخور فى أي بقعة أخرى من ديار العالم؛ فبعضها كالسرو، و بعضها كالأفاعى، أو التنين. و البعض الآخر كالأسود المتنوعة، أو كالسفن المبحرة، أسفلها مجوف، و مقسّم إلى غرف، و حجرات، و بعضها؛ كخراطيم الأفيال المشرئبة، و قد تشابكت بعضها بالبعض الآخر. لأرضية مفروشة بالرمل الناعم، و بين خضم هذا البحر الرملى، ترى القواقع، و الأصداف، المتنوعة، لشتى مخلوقات البحر، مما يجعل المتأمل لها يقتنع تمام الإقتناع بأن هذا المكان كان فى الزمن الغابر بحرا متلاطم الأمواج، يعج بكثير من المخلوقات و قد قرأت- أنا العبد الحقير- فى التاريخ اليونانى القديم، أن صحراء مكة المكرمة، و المدينة المنورة كانت كلها بحرا متلاطما قبل أن يفتح الإسكندر

98

ذى القرنين‏ (1) مضيق سبته. و من الممكن أن يقبل العقل ذلك، و هكذا .. فإنه عند ما كانت صحارى الكعبة بحرا، جفت مياهه مع مرور الزمن و لم يبق سوى بحر السويس [و اللّه على كل شئ قدير]. و تحركت القافلة من هذه المنطقة، بعد العصر، إلى مدينة سيدنا صالح.

مدينة سيدنا صالح:

كان سيدنا هود، و صالح، و سمود، و قفّاح قد عاشوا فى هذه الديار، و بعثهم اللّه إلى قوم سمود. و قد قمت مع سبعين أو ثمانين رجلا بزيارة هذه المدينة، و مشاهدة بقاياها، و أطلالها، و قد أدى ذلك إلى تخلفنا قليلا إلى مؤخرة القافلة.

و جبالها عبارة عن مغارات، يربط بينها أنفاق، و ممرات، يعجز اللسان عن وصفها، و تثبت للمشاهد أنهم- فى ذلك الزمان- كانوا قد سيطروا على الحجارة سيطرة كاملة، و أنهم كانوا يشكلونها، و يقطعونها، و كأنهم يقطعون جبّنا هشا.

فقد شقوا فى الصخور النوافذ، و الأبواب، و زينوها بالحفائر، و النقوش البارزة، و الغائرة، و شقوا الطرق بينها، و شيدوا القصور، و أقاموا الإيوانات، و الدواوين، و حفروا تحت سطح الأرض قاعات تتسع الواحدة منها إلى ألف أو ألفا شخص.

و فوق أبواب هذه المدينة ثبتت كتابات عبرية، و سريانية، مكونة من سطر، أو سطرين، و هى عبارة عن تواريخ، و إن كان الناظر إليها، يظنها نقوش، فنيه، بديعة. و قد قمت- أنا العبد الحقير- بنقشها، و رسمها، لتكون مطابقة للأصل قدر الإمكان. و إن شاء اللّه سأقوم بتصحيحها، عند إعادة كتابة هذه المسودات.

كما نقشت بعض الصور المخيفة على بعض الأبواب كرأس طائر كاسر، أو تنين، أو حيوان مفترس و قد دخلت إلى أعماق هذه المغارات، و كان بها العديد من الهياكل البشرية، رؤوسها فى حجم يقطين أطنه- آضنه، أزرعتها طويلة؛ تبلغ‏

____________

(1) اسكندر ذو القرنين- ذو القرنين:

من أكبر فاتحى العالم، مقدوني الأصل. كان يرتدى تاجا له شارتان كالقرنين فلقبه الناس بهذا اللقب.

مر اسمه فى القرآن الكريم كفاتح من أكبر الفاتحين، و قد قام بصراع طويل ضد قومي يأجوج و مأجوج عند حدود الصين، و تقول الأساطير كان يبحث عن ماء الخلود. اختلف المفسرون حول نبوته و إن اتفقوا حول ولاية من ذكر فى القرآن الكريم. و تختلف الأراء حوله. (المترجم)

99

سبعة أو ثمانية أذرع، بعضها تآكل، و لم يبق منها سوى عظمتين، نحيفتين أو ثلاث.

و لما كانوا قد كفروا بسيدنا صالح، و لم يؤمنوا به، و لم تلن قلوبهم، إلى الإيمان، جاءهم النذير من ربهم، على شاكلة صوت مهلك، فمن لم يؤمن صعق. و جاءهم جبريل بأمر من ربه، و حملهم على جناحيه، و أعادهم إلى الأرض، فارتطموا بها، رطمة قاضية، أودت بهم، و قضت على قصورهم، و بيوتهم، إلا قلة، بقيت سليمة، و لم يصبها الدمار، و تلك هى منازل من آمنوا بالنبى صالح، و مقبرة النبى سمود، كانت مقامة فوق قصر فى مغارة، داخل صخرة طويلة.

زيارة النبى سمود:

هو الأخ الأصغر لسيدنا صالح، نزلت فى حقه الآية الكريمة: وَ إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ‏ (1) طول مقبرته سبعون خطوة، و قد أقام النحل فيها خلاياه، و إذا ما حاول البدو أن يفتحوا فيها فتحة ليأخذوا منها العسل، فيصيبهم الدمار، و الهلاك. و على بعد ألف خطوة فقط كانت تقع قلعة دبّل، و جذّل.

قلعة دبّل، و جذل:

كل منهما حصن، قد قد فى الصخر فوق قمة الجبل، لم نستطع التفرج عليه أو مشاهدته عن قرب، بسبب ضيق المكان، و فى الغالب لم يكن به أحد. و لكن كانت هناك تحت سفح الجبل، و الحصن مباشرة، حديقة نخل يسمونها «قرية جذل. و قد عبرناها، و استمرت مسيرتنا خمس ساعات، حتى وصلنا إلى قلعة العلا:

مرحلة قلعة العلا:

شيد القلعة سيدنا هود، و أعاد بناءها معز الدين الفاطمى سنة 358 ه- 968 م‏ (2)، و القلعة ثلاثية الأضلاع، خفرها من العرب، لا علوفة عندهم، و يوجد

____________

(1) سورة الأعراف آية 73.

(2) معز الدين اللّه الفاطمى: هو معز لدين اللّه؛ أبو تميم معد بن منصور بن القائم بن المهدى، هو الرابع بين-

100

داخل القلعة عشرة منازل، و خارجها ما يقرب من سبعمائة منزل سليم، سقوفها مغطاة بالطين، آهاليها من أتباع المذهب المالكى، المياه متوفرة فى كل منزل من منازلها، تمورها لا مثيل لها فى ديار أخرى. و النهر الذى يمر وسط المدينة يروى الحدائق، و البساتين، التى تنتح الليمون، و النارنج فى حجم رأس الإنسان.

محصولها من القمح وفير، ينضج فى شهرين، نساءها جميلات المظهر و المخبر، أهلها شداد، عصاه، غلاظ. يقدحون الحجاج المسلمين ب «القرمانى، أو أولاد النصارى».

نادى المنادون بأن القافلة ستستريح هنا يوما واحدا .. و صدر أمر إلى الآهالى مفاده «على كل من الآهالى أن يخرج ما فى بيته من بضائع إلى السوق، و إلا ستقطع رأسه». فأخرج الأهلون ما لديهم، و تكدست البضائع فى السوق؛ من خبز، و بقسماط، و مأكولات مختلفة. فأشترى الحجاج حاجتهم. و أحضر ألف جمل، استبدلت بعضها بجمال الحجاج النحيفة المنهكة، و أستأجر البعض الآخر. و قدّم الآهالى إلى الباشا الأشياء المعهودة حسب القانون.

أقام الباشا الحراس، فى كل مكان، هذه الليلة، و جعل المنادين ينادون فى الحجاج، بضرورة أن يتخذوا الحذر، و الحيطة، و لكن الحجاج المساكين- الذين لم يذق أى منهم طعم الراحة، أو النوم منذ مدة- قد استغرقوا فى النوم فور خلودهم إلى الراحة. و ما أن انتصف الليل حتى نجح بعض لصوص الآعراب فى الإندساس بين الجيش و فى أيديهم الحبال، و الأربطة و لكن قوات السكبان‏ (1) و الصاريجة (2) الذين‏

____________

- ملوك الفاطميين، اتخذ من القاهرة عاصمة لمصر بعد فتحها، ولد فى المهدية سنة 318 ه، عين وليا للعهد فى زمن والده، و تولى العرش عقب وفاة والده سنة 341 ه.

بعد أن أقر الأمن و الهدوء فى بلاد المورسكين، و شمال أفريقيا بعث بجيشه تحت قيادة جوهر الصقلى إلى المغرب، ففتحها و أدخل كل بلدان البحر الأبيض تحت سيطرته، و وصل بالبحر إلى المحيط، و فى سنة 358 ه بعث بجيش أكثر كثافة تحت قيادة جوهر الصقلى أيضا إلى مصر. و صادف ذلك وفاة كافور الإخشيدى، و عم مصر القحط، و الوباء مما سهل دخول جوهر إلى مصر، و خضعت له بالتبعية الشام و الحجاز التى كانتا خاضعة لمصر. أسس مدينة القاهرة، و أغرى جوهر المعز بالمجئ إلى القاهرة، و أخيرا وصل المعز مصر سنة 364 ه و نقل رفاة أجداده و أباءه إليها، و أتخذها عاصمة لملكه، استمر فى الحكم 24 سنة؛ 21 فى المغرب و ثلاث فى مصر توفى سنة 362 ه، كان عالما، و شاعرا، و حكيما، و عاقلا و مدبرا لكافة الأمور. «المترجم»

(1) السكبان: «Sekban»: فرقة من فرق قوات الانكشارية، تكونوا فى عهد محمد الفاتح، و كانوا مكلفين برعاية، و تربية، و تدريب كلاب الصيد .. ثم انخرطوا فى صفوف الانكشارية، و أصبحوا من عمدة المشاة فى الجيش العثمانى. و كانت اورطتهم موزعة على 35 بلوكا .. و على رأس كل بلوك ضابط، و يطلق على رئيسهم فى التاريخ العثمانى. «سكبان باشى» أي رئيس السبان. «المترجم»

(2) الصاريجية- صاريجه‏Sarica مصطلح عسكرى يطلق على عصاة الجند فى منطقة الأناضول خلال فترة حكم الدولة العثمانية. و قد نسبوا إلى صاريجه پاشا الذى تعرض لغضب السلطان محمد الفاتح لما ارتكبه من عصيان و ثورة. و قد مرت هذه الحادثة فى التاريخ العثمانى تحت مسمى «عصيان صاريجه پاشا» و أصبح هذا المصطلح يطلق على الجنود الذين يظهرون العصيان .. فيتم ابعادهم عن العاصمة. «المترجم»

101

كانوا كامنين فى مخابئهم، استطاعوا القبض عليهم، و اقتادوهم إلى الباشا فورا، فأمر بجز نواصيهم، دون رحمة، و هوادة. مكثت القافلة يوما آخر للراحة، ثم تحركت فى الصباح الباكر. و عندما وصلنا إلي المضيق، انهالت علينا رصاصات آعراب «علا»"Ula "، و لكنا حمدا للّه لم يصب أحد بسوء، ورد الجند بالهجوم فأصابتهم الدهشة، و لم يدروا كيف يتصرفون حيال هذا الهجوم المضاد، المفاجئ.

و كانت النتيجة أن قتل حوالى أربعين بدويا فى هذه المحاولة.

دقت طبول الموسيقات العسكرية، و صدحت معها الجبال، و تردد الصدا فى جميع الأنحاء .. أكلنا اللوز النبوى الذى تشتهر به هذه المنطقة. ثم قطعنا ست عشرة ساعة أخرى ...

منزل بئر زمرد:

مرحلة وسط الصحراء، ليس بها ماء وفير. نشب عراك حول الماء، مما أدى إلي مقتل أحد الأبطال. و ما أن عبرنا هذا المكان حتى نادى المنادون «... يا أمة محمد ... إننا سنمر الليلة من بين يهود خيبر، إنهم يشربون دماء محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) نفسه لو كان حيّا، فمن كانت حياته، و ماله غاليا عليه، فليكن حذرا ..».

و ما أن خيّم ظلام الليل حتى أشعلت مئات الألوف من المشاعل و الفوانيس و المصابيح. و تم القبض على ثلاثة يهود، و قطعت رقابهم كانت الطرق فى هذه المنطقة مليئة بالأشواك، محاطة بأشجار السنط، المليئة بالشوك، و من الطريف أن عمائم و قلانس الكثيرين قد بقيت معلقة بهذا الشوك. كما جرح الآلاف منه.

و أدميت أطراف البعض. تعلق قلباق‏ (1) أو أحد من البوشناق‏ (2) فى هذا الشوك قد

____________

(1) قلپاق: غطاء رأس يصنع من الجلد، أو الوبر، أو الجوخ، و يرتديه التتار، و البلغار، و الچركس، و منه أنواع عديدة.

يرتديه الخيّالة .. و منه أنواع تصنع من السمور، و الفراء و قد ارتدت طائفة من التركمان نوعا منه لونه أسود، فأطلق عليهم هذا الإسم. «المترجم»

(2) البوشناق:Bosnak هم من آهالى البوسنة، أو من ينحدرون من نسبهم، يتسمون بالجمال، و هم من المسلمين ..

و منهم من هم مسجيون يعيشون فى بلاد الصرب و الكروات. «المترجم»

102

اخذته سنة من النوم فظن أن اليهود هم الذين اخذوه فإستل سيفه، و هاج، و لم يهدأ إلا بعد أن جرح ثلاثة من رفاقه. سارت القافلة فى هذه المرحلة سبع عشرة ساعة.

منزل البئر الجديد:

والدة السلطان محمد الرابع‏ (1) هى التى أمرت بإنشاءه سنة 1081 ه- 1670 م عمقه حوالى أربعون زراعا، و اتساعه حوالى مائة خطوة. ما أن وصلناه حتى وجدنا البدو قد ملئوه بشوك الجمل، و لكن القائد حسين باشا، و تحت إمرته آلاف الجند، استطاعوا أن ينظفوه فى غضون ساعة و بدت للعيان مياهه الرائقة كالبلور.

انتشرت حوله نباتات السيناميك، و هى من النباتات المسهله. و يطلقون على هذا الوادى «شعيب النعام» و هو مكان كثير الكلأ، و حسب الكتب الدينية كان موسى (عليه السلام) يرعى أغنام سيدنا شعيب فى هذا الوادى.

زيارة سيدنا هود:

لقد أرسل اللّه سبحانه و تعالى هودا على قوم عاد، و لكنهم لم يؤمنوا به، فأرسل اللّه عليهم ريحا صرصرا عاتية، ظلت ترطم بعضهم بالبعض حتى أهلكوا عن آخرهم. و نزلت فى حقهم الآية الكريمة: وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً (2).

بيت: لقد هبت تلك الرياح، العاتية، مرة واحدة على الدنيا، فاقتلعت قوم عاد، و قطّعت أوصالهم، ثم هدأت. (3)

____________

(1) والدة السلطان محمد الرابع: هى والدة السلطان محمد الرابع، و كانت تسمى طورخان خديجة سلطان .. أصبح لها نفوذ كبير عند ما تولى ابنها السلطنة و هو فى سن صغير. و كانت من المحبات للخير .. و انشاء الكثير من العمارة الإسلامية فى شتى بقاع الإمبراطورية. «المترجم»

(2) سورة الحاقة الآيتان 6- 7.

(3) دنياه اول بل بركز اسوب دورور ... عاد قومينك كوكسدة كسوب دورور

103

قدم هود (عليه السلام) إلى هذه الديار، و توطنها، ثم توفى بها عن عمر جاوز المائة و خمسين سنة. و قد أمضى حياته بالتجارة.

و قبيل تحرك القافلة، من هذا الموقع، وصل رهط من الفرسان العرب، يتراوح عددهم ما بين أربعين، أو خمسين فارسا، و طلبوا حصتهم من الصرة؛ و قالوا أنها ستة آلاف و ستمائة قرش، فأخبرهم الباشا «إن القانون لا يسمح لي بدفع أكثر من ثلاثمائة قرش فقط» فقال قائد الفرسان .. «إن تدفعوا. فهذا حسن .. و إن لم تدفعوا فسترون ماذا تشربون من هنا حتى المدينة .. علاوة على ما بالطرق من عوائق» و ما أن سمع الباشا هذا الكلام، حتى أصدر أوامره، بالقبض عليهم، بعد أن واجههم بالعبارات التالية. «أيها الكفرة الجاحدين ... لقد اغلقتم الآبار، و هل تظنون أن ما فعلتموه يخفى علينا ..» و تم القبض عليهم، و إقتيدوا وسط لعنات الحجاج، و لطمات الجند، و ربطوا بالجمال و هم حفاة الأقدام، فوق الرمال المحرقة، و تحت أشعة الشمس القائظة و استمروا على تلك الحالة عدة أيام، كان من نتيجتها؛ وفاة إثنين منهم. تابعت القافلة مسيرتها سبعون ساعة حتى وصلت إلى:

مرحلة نبع الهديه:

هذه المنطقة عبارة عن وادى أخضر، تتراكم فيه مياه الأمطار، فيستفيد بها الآهالى، فى القضاء على الجفاف. مياهه تميل إلى الملوحة بعض الشئ، لدرجة أن من يكثر من شربها يصاب بالإسهال. و قد اتضح أن أعشاب هذا الوادى كلها من السيناميك المسهل.

و كانت دهشتنا كبيرة حينما أحضر باشجاويش الشام‏ (1) أحمد آغا، و كتخدا قاپى قولى‏ (2) أحمد آغا سمكا، إلى الباشا، فسألهما فى حيرة، «ليس هنا نهير، أو بحيرة فمن أين أحضرتم هذا السمك؟ فقالا: «.. يقال أن اللّه سبحانه و تعالى جلت‏

____________

(1) باشجاويش الشام أحمد آغا:

من أشهر جاوشية قوات الإنكشارية فى الشام، و كلّف بالعمل مع قائد قافلة الحج سنة 1081 ه «المترجم».

(2) كتخدا قاپى، أحمد آغا:

من قوات الحرس فى السراي السلطانى، و من المكلفين بإحضار قافلة الحج إلى الديار الحجازية. و كان مع قافلة سنة 1081 ه.

104

قدرته كان قد أنزله من السماء، و كلما أكل و ألقى بعظامه فى الرمال، فإنه يعود إلى الحياة من جديد ..». و قد أكلت أنا- العبد الحقير- من هذا السمك، و كان لذيذا، و مقويا، بدرجة ملحوظة. و كانت الاسماك، تسبح فى الرمال، كما لو كانت تسبح فى البحر. و يطلق الآهالى عليها «هدية المائدة». (1)

لم تتوقف القافلة هنا، بل استمرت فى سيرها ثلاث عشرة ساعة حتى وصلنا إلى قلعة الفحلتين:

مرحلة قلعة الفحلتين:

يسميها الآهالى و سكان المنطقة أيضا «صخرة السلام» و يقولون أن الرسول الكريم «(صلى اللّه عليه و سلّم)» عندما كان يمر من هذا المكان ألقى السلام قائلا «السلام عليكم يا جبل منوّر» فجاءه صوت من الجبل مجيبا «و عليكم السلام يا رسول اللّه».

و تسمى هذه المنطقة أيضا، ولاية بلاد خيبر، و القلعة مقامة فوق صخرة مدببة، و يقال أن أول من أقامها عنترة. و لم يكن بها أحد، و لم نشأ أن نصعدها، أو نتفحصها. فى شرق هذه المنطقة؛ توجد جبال بها عيون مائية عذبة من القاع. و قد قام الجميع بملئ قربهم منها.

فى هذه الليلة شن اليهود هجوما على القافلة كان من نتيجته استشهاد أحد الأكراد، و قطع ثلاثة رؤوس منهم.

ديار خيبر هذه منطقة ذات رياض، ورودها فوّاحة، تعبق الجو بأريجها من مسافة بعيدة. أهلها شجعان، لم يخمد حقدهم ضد العرب، و المسلمين، فما أن يروا عربيا مسلما، فى أي مكان حتى يودون قتله، و لكن الغريب أنهم كانوا يفتحون حدائقهم لحجاج بلاد الأناضول ..!!

و كما تسطر كتب التاريخ؛ فإن الغزوة الخامسة للنبى الكريم «(صلى اللّه عليه و سلّم)» كانت على قلعة «فديك» فى ديار خيبر. و تنسب هذه القلعة إلى «فديك» أم عنترة ابن شداد الزنجية. كما كانت الغزوة السادسة أيضا فى هذه الديار، ألا و هى غزوة أحد. و قد

____________

(1) ربما يقصد الكاتب، الضب الذى يظهر عقب موسم الأمطار. «المترجم».