الرحلة الحجازية

- أوليا الشلبي المزيد...
302 /
155

ينتفخ، ثم بئر قزاعة؛ و هو قريب من البئر السابق، و يقال أن سيدنا ابراهيم هو الذى حفره. و قد توضأ النبى الأمين من هذا البئر.

و داخل بستان نخل الخضرتين، مياه عجيبة، و لها خصائص عديدة، و خاصة للسيدات؛ فمثلا لو كانت ولادة إحدى السيدات متعسرة و شربت من هذا الماء، فإن جزءا من جسمها ترتخى عضلاته، و يتسع، و بعدها يرى المعصوم الدنيا.

و كذلك من تشرب منه وقت حيضها، فإن الحيض ينقطع، و تصبح نظيفة طاهرة. و جميع نساء، و فتيات المدينة، يعرفن هذا الحوض، و يغتسلن فيه. و لذا فإن الآهالى يطلقون على بستان الخضرتين هذا (بستان النساء) و لا يدخله غير النساء قط.

و جامع القبلتين؛ على بعد ثلاثمائة خطوة، من الموقع السابق، و هو ثالث مسجد بناه الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم). و على مسافة مائة و خمسين خطوة منه يقع مسجد سلمان الفارسى، و مسجد سيدنا عثمان على بعد مائة خطوة فقط من مسجد سلمان، و بالقرب منه يرى الزائر مسجد على «رضى اللّه عنهم جميعا).

زيارة سيدنا حمزة:

لما كان موقع سيدنا حمزة، يقع خارج المدينة بمسافة بعيدة، فقد توجهنا إليه فى جمع غفير، حيث بلغ مائة و خمسين فارسا، مسلحا، فمرقده رضى اللّه عنه حيث كانت موقعة أحد. و تقع أرض المعركة فى الطرف الشمالى منه.

و ما زال يهود خيبر يفعم الحقد قلبهم، فإذا أتيحت لهم الفرصة، لا يتورعون عن قتل أي مسلم. و فى مسيرتنا، كنا نشاهد النخل و قد إنحنت جزوعه، من ثقل ما يحمل من أسباط البلح- و على بعد ألف خطوة يجد الزائر: «مصطبة الرسول الكريم»؛ حيث ارتدى (عليه السلام) درعه فى هذا الموقع، و هو متجه إلى غزوة أحد.

و يجب الترجل عند هذا الموقع، عند التوجه لزيارة سيدنا حمزة، و يكون الأجر و الثواب بذلك مضاعف. و قمت أنا العبد الحقير بالترجل، و وضعت طرف ثوبى فى حزام خصرى، معطيا فرسى لغلامى، و بدأت المسير تحت وهج الهجير، مرددا سورة أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1) (1)؛ و بعد ساعة وصلنا إلى:

____________

(1) سورة التكاثر آية 1.

156

وادى خيمة الرسول:

و قد كان موقع جيش الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) فى هذا الوادى، و به إيوان صغير، و كانت خيمة إحرام حضرته (عليه السلام) فوق هذا الإيوان. و صلاة ركعتين هنا من السنن المحببة؛ ففى هذا الموقع صف الرسول جنده، صفوفا متراصة. و جعل سيدنا حمزة مقدمته و خالد بن الوليد ميمنته. و قد نويت أنا العبد الضعيف مع كل الرجال «نية الغزو» و استللنا السيوف واضعين إياها فى خصورنا.

و فى شمال الموقع، و على بعد يبلغ، حوالى خمسمائة خطوة، يوجد «إيوان عاشوراء»، و هو المكان الذى يقوم فيه الشاميون بإعداد طعام العاشوراء (1) و توزيعه على الحجاج. و إلى جواره يوجد إيوان أمين الصرة. و إيوان الملّا، و إيوان شيخ الحرم.

و كان صفوة الخلق (صلى اللّه عليه و سلّم) يشرف هذا المكان كل عام لزيارة سيدنا حمزة رضى اللّه عنه، و إعداد العاشوراء.

آداب الزيارة: أما مزار سيدنا حمزة؛ فعلى بعد مسيرة ساعة واحدة من المدينة، و هو على شكل قبة كأنها مقبرة، مدخلها من باب يفتح على القبلة، يطل على فناء، و الفناء مفروش بحجارة بيضاء. و تحت هذه القبلة، و ناحية الكعبة فى الفناء، يرقد رضى اللّه عنه، داخل صندوق رباعي الأضلاع، و الصندوق داخل مقصورة رباعية أيضا. و من كان يحمل سيفا، فعليه أن يضعه داخل صندوق سيدنا حمزة، و بعد فترة يخرجه، وسط تكبيرات حارسى المقبرة، و يتمنطقه، وسط تهليلاتهم، فيكسب ثواب الغزوة.

و بجوار رأس سيدنا حمزة، دفن الشريف صالح و هو من ذريته، فسيدنا حمزة من الهاشميين؛ هو ابن عبد الملك، و عم الرسول. أسلم هو، و سيدنا عمر معا، قتل العديد من الكفار فى غزوة أحد، و استشهد رضى اللّه عنه، فى نفس المعركة و تمذق جسده الطاهر.

____________

(1) طعام عاشوراء: طعام يعد بمناسبة العاشر من محرم من كل عام هجري، و يتكون من اثنا عشر حبة من الحبوب، يسؤّى حتى أن ينضج، و يوزع على الآهل، و الآقارب، و الجيران، و المساكين؛

انظر: للمترجم القيم الأسرية بين الأصالة و المعاصرة .. دار الآفاق العربية- القاهرة 1999 م) المترجم.

157

و فى فناء الضريح؛ يوجد بئر ماء. و لحكمة إلهية؛ فإن تراب هذه المنطقة المحيطة بالضريح أبيض، مع أن تراب هذه المنطقة بأسرها أحمر، و سبب هذه الحمرة، هو الدماء الذكية، التى سالت بسبب سقوط سن النبى هنا. و إذا ما مسح الزائر أسنانه بهذا التراب، فإنه يأمن ألم الأسنان، و نزلات البرد. و قد جرب ذلك، فاللّه على كل شئ قدير.

و على بعد خمسمائة خطوة شمال هذه الربوة يقع جبل أحد، و هو جبل أملس مرتفع، جباله، و صخورة حمراء، به مغارات كبيرة، و فى نفس المنطقة؛ وادى يطلقون عليه «وادى مقتل حمزة»، و هو مكان مهيب. و قد إختبئ الكفار فى هذه المغارات، و انقضوا على سيدنا حمزه الذى استشهد، و هو يقاتلهم. و قد عدنا مسرعين من هذه المنطقة، بعد أن صلينا ركعتين للّه. و اتجهنا جنوبا، و سرنا نحو مائتى خطوة حتى وصلنا إلى:

مزار ميدان الشهداء:

فقد استشهد فيه أكثر من ألف من الصحابة، و لم تقام لهم أى قباب، و لكن لبعض من مشاهيرهم شواهد قبور. و لكن عقب أمطار غزيرة، حدث سيل عارم، فجرف التراب، و الحصى الموجودة فوق أجساد ما بين سبعين أو ثمانين شهيدا، لدرجة أن أجسادهم الطاهرة ظهرت للعيان، و ما أن سمع أهل المدينة بذلك، حتى توافدوا، فرأوا ما قرت به عيونهم، و إطمئنت قلوبهم، فقد رأوا الأجساد طرية، ندية، و كأن استشهادهم قد حدث توا. فالبعض دماءهم الذكية، و كأنها ما زالت تسيل، و البعض؛ و كأنه مضطجع، و البعض مقطوع الرأس، و البعض بدون أذرع أو سيقان، و البعض، و كأنه فى سنة من النوم. و هكذا شاهد الناس جميعا بعيونهم عظمة الشهادة فى سبيل اللّه، و الدين. و هفت نفوسهم إلى الشهادة فى سبيل رفعة الدين. و قام المدنيون بتورية هذه الأجساد الطاهرة من جديد، و أمر شيخ الحرم، بإقامة جدار طوله أربعمائة خطوة، ناحية الوادى حتى يمنع وصول السيول مرة أخرى.

و شرط الزيارة هنا؛ أن تكون وقت السحر، و أن يكون الزائر عاري الرأس، حافي‏

158

القدمين، و لا يمكن أن تكون الزيارة ظهرا، حيث أن الأرض، و ما عليها، من رمال، و تراب تكون كالنيران الملتهبة. و إذا لبس الزائر فى قدميه خفا، أو ما شابه ذلك، أعتبر ذلك مخلا بحرمة المكان. فكل هذه الصحراء مرقد للشهداء.

و الجميع؛ صغيرا كان، أو كبيرا يتحرج من الزيارة بدون وضوء.

و خلال شهرى محرم و صفر من كل عام يقرأ المولد الشريف‏ (1) هنا، و عند مقبرة سيدنا حمزة. يكتظ المكان بالمؤمنين، و تجيش نفوس الحاضرين فى كل عام، تحت تأثير الإنشاد الدينى، و الدعاء، و الإبتهالات التى تتردد أصداءها فى المكان كله، لدرجة أن البعض تخور قواه، و يلقى ربه من أثر الوجد الذى تفعم به النفوس، و يعم المكان، فيدفن حيث يكون فى صحبة الشهداء.

و هنا تختم زيارة أماكن الزيارة التى تقع خارج المدينة

____________

(1) المولد عرف الأدب التركى نوعا من الشعر الدينى، عرف «بالمولد»، و هى مدائح نبوية. و أهم هذه الأعمال؛ هو «وسيلة النجاة» ل «سليمان چليى» [825 ه/ 1422 م‏]، الذى نجح فى التعبير عن عواطفه الدينية، بطريقة صادقة، أقنع بها الطبقات المثقفة جنبا إلى جنب مع الطبقات الشعبية.

و قد استخدم المولد للدلالة على تلك القصائد التى تنشد بمناسبة المولد النبوى الشريف، و ما يصاحب الذكرى من إبتهالات دينية. و قد اختلفت الأراء الدينية حول الإحتفال بالمولد، فمن يقول أنها بدعة، و من قائل أن الإنشاد و قراءة القصائد الدينية ليس بدعة، و إنما البدعة هو ما يصاحب ذلك من طبل، و طرق للدفوف و ما شابه ذلك، و من قائل إنها بدعة حسنة، و أن العرب هم أول من احتفلوا بمولد النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) بزيارة المنزل الذى ولد فيه فى يوم ميلاده.

و أقام الفاطميون الإحتفالات الباهرة فى مصر، ثم انتشرت حتى شملت العالم الإسلامى.

و بدأ الإحتفال بالمولد النبوى، فى الدولة العثمانية، يأخذ شكلا رسميا، منذ عهد مراد الثالث (982- 1003 ه/ 1574- 1595 م). و أنه قد أخذ مكانا فى تشريفات السلطان منذ سنة 996 ه، و ما زال ينشد إلى يومنا هذا، فى تركيا فى مناسبات كثيرة خاصة مولد سليمان چلبى. انظر: [د. نجلاپك اولجاى، إسلامى تورك آديبالتى، استانبول سنة 1966 س 140- 153].

و مولد سليمان چلبى هذا، كتبه مؤلفه و هو فى الستين من عمره، حين كان يعمل إماما لمسجد بورصه، فى عهد بايزيد الثانى (851- 918 ه/ 1446- 1513 م) رغبة منه فى إظهار فضائل الرسول محمد، و مكانته بين الرسل.

و عدد النسخ الموجودة فى مكتبات إستانبول، وحدها، إحدى و خمسين نسخة، لموالد مختلفة. و أرجح الأراء حول عدد أبيات هذه القصيدة هى أنها 317 بيتا.

و أهم المباحث التى تتناولها القصيدة، توحيد البارى، و التماس الدعاء، و بيان خلق العالم، بيان فطرة العالم، و روح محمد، و بيان ظهور النبى محمد، و بيان معجزاته (صلى اللّه عليه و سلّم) و معراج النبى، و هجرة النبى من مكة إلى المدينة، بيان ما يجب أن تكون عليه أمة محمد، ثم بيان بالنصح و الارشاد. انظر: [د. الصفصافى أحمد المرسى ود. ادريس نصر، دراسات فى الشعر التركى، القاهرة سنة 1978 م مولد سليمان چلبى ص 35- 53].

159

أوصاف زيارة الوداع:

بعد أن تتم جميع الزيارات و يشترط على الزائر أن يغتسل، و يلبس ملابس طاهرة نظيفة، و يدخل بأدب جم من باب «القلعة» و ما أن يصل الزائر، إلى المسجد النبوي الشريف، فعليه أن يدخل من باب جبريل الواقع ناحية قدمي النبي الكريم، و عليه أن يقرأ الفاتحة، و الدعاء التالى:

«السلام عليك يا رسول اللّه.». [و بعد أن ينتهى من دعاءه، و تضرعاته، عليه أن يتقهقر إلى الوراء مرددا .. «الوداع يا رسول اللّه .. الوداع.»] .. و السلام.

و الحمد للّه، فقد أتممنا زيارة الوداع على هذا لنحو. و كتبت أنا العبد الفقير إلى ربه من الآيات و الأقوال ما سمحت به قدرتنا.

و المعروف أن المدينة المنورة تقع على خط عرض 20 و 27 دقيقة. و خط طول 13 ساعة، و خمس دقائق.

***

160

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

161

[المكة المكرمة]

الذهاب من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة و بيان ذلك‏

أمر حسين باشا قائد القافلة بالمدافع؛ فأطلقت، إعلانا بالتحرك. و بعد أن أدى جميع الحجاج زيارة الوداع خرجت القافلة من المدينة، ميممة وجهها شطر المسجد الحرام .. نحو مكة المكرمة. و سارت القافلة ساعتين نحو الجنوب حتى وصلنا إلى أبار على.

آبار سيدنا على:

مكان مسطح واسع، بالقرب من أودية كبيرة، و قد قام سيدنا على، (كرم اللّه وجهه) بحفر بئر واسع عذب المياه، و أصبح و كأنه بستان، يستخرج منه الماء، بالدواليب و السواقى، و حوله أحواض كبيرة يشرب منها الحجيج و يسقون دوابهم، و يغتسلون فى مياهها، و يحرمون اعتبارا من هذا الموقع. و داخل بساتين النخيل، مكان جميل للتنزه، و الترويح عن النفس. و حول تلك الآبار المتناثرة، و فى جميع نواحيها أقام أهل المدينة مزارعهم. و فى كل عام، و خلال موسم الحج، يقيم الآهالى حولها سوقا كبيرا، يبيعون فيه للحجيج منتجاتهم، و يتكسب فقراء المدينة، من تعليم الحجاج شروط الإحرام، و كيفيته.

و دعاء العمرة على النحو التالى:

(لبيك اللهم عمره .. فيسرها لى ..).

و هكذا يكون الإحرام، و لبس الحرير محرم، و على الحاج، أو المعتمر، ألا يلبس ثيابا مخيطة أو مطرزة. و يرى بعض الأئمة؛ أنه من الممكن، و الجائز للفرد؛ أن يحمل سلاحا فى ذلك الوقت، بينما يرى البعض، الآخر، أن حمل السلاح ممنوع، حيث أن الفسق، و القتل، و إثارة الشغب ممنوع، و محرم فى أشهر الحج .. و على الحاج ألا يرتدى الملابس حتى ينحر الذبائح فى منى .. و إن ارتدى ملابسه فعليه أن يذبح أضحية. و على من أراد الحج ينوى بالدعاء التالى:

(اللهم إنى نويت أداء الحج، فيسره لي، و اقبله مني ..)

و يوجد فى مكان آبار على هذا، مسجد علي (كرم اللّه وجهه)، و له ثنتا عشرة قبة.

162

و يؤدّى فيه الحجاج ركعتين سنة الإحرام، و المسجد مفروش من الداخل بالرمل، و فى هذه المنطقة؛ يرتدى الجميع ملابس الإحرام البيضاء، و تعلو أصواتهم بالتلبية «لبيك اللهم لبيك»، و تعج الجبال، و الوديان بأناس و قد تدثروا، في ملابس إحرامهم البيضاء، و تصدح تلك الجبال و الوديان بتلبياتهم.

أدينا فى نفس الموقع صلاة العشاء، و أشعلنا المشاعل، ثم بدأنا نسلك طرقا، أكثر تعبيدا، مارين من داخل القرى التابعة للمدينة. و بعد آبار على هذه، تبدأ حدود مكة، و قد مررنا بقرى ذات حدائق و بساتين، و إستمرت مسيرتنا تنثا عشرة ساعة حتى وصلنا إلى:

منزل مقابر الشهداء:

فى هذا المكان كانت قد وقعت حرب ضروس بين المسلمين و كفار مكة فى عهد النبى (صلى اللّه عليه و سلّم)، و استشهد فيها أكثر من ألف من الصحابة الكرام .. تنتشر فى المكان النباتات الشوكية .. و قد مكثنا فيه بعض الوقت حيث أحضر البدو ما فى حوزتهم مما يأكل، أو يشرب؛ لكي يبيعونه للحجيج.

عند السحر، بدأنا المسير حتى وصلنا إلى «حوض إبن مسعود» الذى كان خاويا تماما من المياه، ثم مررنا ببركة شيخ الحرم و سبيله. و فى وسط منطقة صخرية ملساء، توجد قاعة صغيرة تسمى «مصطبة الغزال». حيث قد مر الرسول ((صلى اللّه عليه و سلّم))، بهذه المنطقة، فرأى صيادين، و قد هموا بذبح غزال ليأكلوه؛ فأنطق اللّه سبحانه و تعالى الغزال و قال:

«.. يا رسول اللّه، لابد أنهم سيأكلوننى، ولى صغار ينتظروننى، و لا بد أنهم يتضورون جوعا، و سيموتون إذا لم أعد، فلأذهب إليهم، و أشبعهم، ثم أعود إلى هنا مرة أخرى، و ليذبحوننى عندئذ و يأكلوننى» .. فيقول المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم) للصيادين .. «اتركوا هذا الغزال ليرضع صغاره، و أنا كفيل بعودته، فإذا لم يعد إذبحوننى أنا. بدلا منه ..» و ما أن سمع الصيادون الكفرة ذلك حتى أطلقوا سراح الغزال قائلين، لنر كيف تكون النهاية.

يصل الغزال إلى صغاره. فيرضعهم حتى الشبع ثم يقول لهم .. [.. يا أولادى إن‏

163

سيد العالمين محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم) حبيس من أجلى، فلأخلصه من الكفالة، و لا يجب أن أحنث فى عهدى .. فليأكلنى الصيادون ..] و ينطلق الغزال، بعد ذلك و ما أن رأوه الكفار، حتى أسلموا جميعا فى لحظة واحدة.

لهذا، أطلق الآهالى على هذا المكان اسم «مصطبة الغزال». صلينا ركعتين فى هذا المكان أيضا، ثم مضينا ثلاث عشرة ساعة، من مقابر الشهداء حتى وصلنا إلى‏

منزل ال «جديده»:

هضبة صغيرة محصورة بين جبلين، قصبة بها ستمائة حديقة من النخيل و الأعناب، خاضعة لحكم الشريف، بها وادى، و قد قام بتعميرها رضوان بك، أمير الحج المصرى، و فى هذا الوادى سبعة أنواع من أشجار النخيل، منازلها متينة البناء.

به العديد من الورود و المراعى، و بهذا المكان مياه كثيرة، أهلها أغنياء جدا. و يوجد جامع صغير لرضوان بك، و له حمام عام، كما يوجد سوق صغير، و أمام الجامع عين ماء يسمونها [عين الزرقا]، و تكثر العيون بهذه المنطقة، كما أن بها عيون ساخنة المياه، تبرد عندما يصبح الجو رطبا، و تصير كالثلج، و فى سوقها تقوم السيدات العربيات بالبيع و الشراء، و هن راضيات مبتسمات، أغلبهن مليحات. و فى شرق ذلك المكان، و بين الصخور يوجد مزار الشيخ سعد الدين الرومى‏ (1). و على بعد ألف خطوة من هذا الوادى توجد قرية عربية بها أربعون أو خمسون منزلا، كما أن بها حوض والدة السلطان مراد الرابع و بهذا المكان أيضا مزار الشيخ صالح. و قد أطلق الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) على هذا المكان إسم «وادى نخل حنين».

قضينا وقت الظهر فى موقع ال «جديده» هذا، ثم ذهبنا بين الحدائق، و البساتين، و أحيانا؛ بين و ديان من الصخور، متجهين نحو المشرق، و أحيانا، نحو المغرب، بشكل متعرج، حتى إقتربنا من «بدر حنين» و كان بالقرب من الطريق. «جبل صاجمان»:

____________

(1) الشيخ سعد الدين الرومى:؟

هل هو سعد الدين أفندى زاده الذى تولى مشيخة الإسلام مرتين فى عصر كل من السلطان محمد الثالث و السلطان أحمد الأول. و ابن الشيخ سعد الدين خواجه آفندى شيخ الإسلام؛ الذى كان مدرسا فى بروسه عند ما ولد إبنه سعد الدين هذا .. و بعد أن اتم دراسته و تحصيل العلوم، عيّن موللا على مكة المكرمة سنة 1000 ه- 1591 م؟ (المترجم)

164

و هو جبل مرتفع قرمزى أي أحمر اللون، و عند ما كان النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) متوجها إلى غزوة الحديبية، توقف فى هذا المكان، ثم صعد إلى ذلك الجبل، و توجه إلى اللّه، بالدعاء لنصرة جند الإسلام. و يكثر معدن الزمرد بهذا الجبل. فتح النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) هذه الديار، و أرسل الرسل برسائل الفتح إلى حكام المناطق المتاخمة و منهم «يرويز» شاه العجم، و قد دعاهم جميعا إلى الإسلام، و فى الجانب الغربي من هذا الجبل يوجد جبل عرج.

ثم مررنا بعد ذلك بكثير من القري، التي تمر بها مياه عين الزرقاء، و تكثر فيها الحدائق، و البساتين الغناء. فحيثما كان يذهب الرسول، أو يمضى كانت مياه عين الزرقاء هذه تسيل، و تمضى إلى ذلك المكان، من تحت سطح الأرض، و أينما طلبها الرسول، كانت تخرج المياه إلى وجه الأرض. «و اللّه على كل شئ قدير».

قرية صاجمان:

قرية بها ثلاثمائة منزل، بها حدائق، و بساتين، و جامع، و حمام عام، و مياهها من عين الزرقاء، تبيع النساء فيها ما يملكون من فواكه، أو تمور، يستأجر فيها الحجاج ما يلزمهم من الجمال، و يبيع أطفالها الخبز الأبيض، و الرقاق المعجون بالزبد، أو العسل. و ما أن تبعد عن الجديده مسيرة ثمان عشرة ساعة حتى تصل إلى قلعة بدر.

وصف قلعة بدر:

فتحها النبى (صلى اللّه عليه و سلّم) بنفسه فى السنة الثانية للهجرة، حيث قتل أبى جهل، و معه سبعين رجلا، من رجاله، كما أسر كعب بن عمر سبعين مكيا، و أحضرهم مكبلين فى الآغلال إلى مجلس النبى، فأسلموا جميعا، و ألبس الرسول الأكرم عمامته السوداء لحضرة العباس، و ما أن وضعها (صلى اللّه عليه و سلّم) على رأس العباس حتى قال الصحابة الكرام «لتكن مباركة للعباس»، مجمل القول أن أبا جهل رأس الكفرة المشركين، قد قتل و معه سبعين نفرا من رجاله و قتل سبعة آلاف كافر؟! و أسلم ألف نفر، و قد غضب أبو لهب عندما سمع ذلك فى مكة. و بينما كانت زوجته تحضر الخشب‏

165

و الحطب إلى منزله، جلست على صخرة لتلتقط أنفاسها، و ظنت أنها قد وضعت الحطب على الصخرة، و لكن الحطب يسقط خلف الصخرة، فيلتف الحبل المربوط به الحطب حول رقبتها، فتخنق، و تلفظ أنفاسها، و هكذا أهلكت زوجة أبا لهب الذى نزلت فى حقهما سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ (1) ما أَغْنى‏ عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَبَ (2) سَيَصْلى‏ ناراً ذاتَ لَهَبٍ (3) وَ امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) (1) و تحت رجاء، و طلب الصحابة الكرام، هدّمت القلعة لما عانوه من صعاب، و متاعب جامة فى الفتح.

و فى جنوب هذا الموقع، تقام العبادة فى المحراب، و الصّفّة التى أقام الرسول الكريم خيمته بها. و نحو القبلة من هذا الموقع، و على بعد خمسمائة خطوة، و على جبل، و عر، منحدر، يقع غار النبى.

غار النبى:

دخل الرسول الكريم هذا الغار، و أخذ يدعو بالنصر المظفر لصحابته الميامين. و قد دفن بهذه المغارة كل من نال الشهادة، و حظى بالإستشهاد فى معركة بدر من الصحابة. قام الرسول الأكرم، بثمانية و عشرين غزوة، و كانت غزوة بدر تلك، و غزوة أحد، هما أكبر هذه الغزوات جميعا.

و جنوب بدر حنين، يوجد بئر بلا ماء، و قد ألقيت فيه جثث الكفرة الفجرة الذين ماتوا فى هذه الحرب، و كان ذلك بأمر الرسول الأكرم. و ظلت جثة أبى جهل النتنة فى هذا البئر السحيق. و لا يطاق الوصول إليه لما ينبعث منه من رائحة كريهة.

و يقال أن أنينا يصدر منه دائما، و لكننى أنا العبد الحقير مررت من جانب هذا البئر، و لم أسمع الأصوات.

وصف بدر حنين:

أطراف هذه المدينة الأربع صخور حمراء. خاضعة لقائمقامية (2) الشريف على‏

____________

(1) سورة المسد، مكية.

(2) قائمقامية الشريف؛ قائم مقام؛ معتمد أو وزير أو مسئوول يحل محل الصدر الأعظم أو الوزير أو الوالى فى الإدارة، و كان هناك ديوان للقائمقامية و قائمقام فى الآستانه لإدارة الأمور السياسية و الإدارية. كما كان القائمقام يتولى‏

166

مسافة من شاطئ البحر الأحمر مسيرة ما يقرب من خمس ساعات. بها نائب لموللا مكة (1)، و أربعمائة بيت عربى، و جامع من اللبن المتين البناء، تتدفق مياه عين الزرقاء فى فناءه، و بالقرب منه حوض كبير، و ناحية القبلة يوجد أيضا مسجد ذوقبة. و بها حمام عام، و مئتا دكان. و فى هذه المدينة يلتقى طريق الحج المصرى‏ (2) بطريق الحج الشامى و يحتفل حجاج مصر، بغزوة بدر، فى هذا المكان حيث يشعلون المصابيح و المشاعل، و يطلقون الفشنك «الأعيرة النارية». و لما كانت‏

____________

- الشئوون الإدارية و أمور الأوقاف. و فى التقسيمات الإدارية كانت السناجق، و القصبات تقسم إلى قائمقاميات لتسهيل آعمال الادارة، و أستتباب الأمن، و احلال الربط و الضبط. و من هنا كانت قائمقامية الشريف فى مكة لمعاونة الوالى، و السلطان فى تنظيم أمور الحج و إدارة الحجاز. (المترجم)

(1) موللامكة: منلا؛ لقب علمي كان يطلق على من يحوز على رتبة و اختصاصات المولوية- المشيخة. ثم أخذ يطلق على المتعلمين من أبناء الأصلاء و النجباء، و آصحاب المراكز الإجتماعية الرفيعة. ثم أنحصر فيما بعد على العلماء و المشايخ فقط. كما كان يطلق على كبار المعلمين، و المدرسين. فموللا مكة المكرمة هو المسئوول عن التعليم، و أمور الدين، و الافتاء، و القضاء فى مكة المكرمة .. و كان له مخصصاته الخاصة به. (المترجم)

(2) طريق قافلة الحج المصري: و هو الطريق الذى كانت تسلكه قافلة الحج المصرى بعد أن ينضم إليها حجاج المغرب و شمال أفريقيا. و بعد إتمام المراسم المعتادة كانت القافلة تقطع المراحل التالية:

بركة الحاج:

و هى أول مراحل قافلة الحج المصرية:

جرت العادة منذ القدم أن يصحب أمير الحج المحمل المصرى الشريف، وسط إحتفال كبير من مصر القاهرة، و يتجه به إلى (بركة الحاج)، و هناك يلتقى بقافلة الحج المصرية، ثم ينضما إلى بعضهما البعض، و يتجه الموكب بعد ذلك إلى (هدف البويب).

هدف البويب:

و هو ممر ضيق جدا محصور بين جبلين، توجد فى طرفه الأيمن من ناحية الشرق هضبة مرتفعة.

و يتجه الموكب نحو منزل (الحمرا)، بعد أن يغادر هدف البويب، و قد أقامت السلطات المعنية فى هذا الموقع عدة أبنية و فسقية ماء من أجل الحجاج.

الحمرا:

تصل القوافل بعد الحمرا إلي (نخيل غانم)، ثم إلى (بركة عجرود).

بركة عجرود:

تعتبر هذه المرحلة المنهل الأول. و فيها نهير يصب مياهه فى الوادى، و بها خان كبير ينسب إلى السلطان قانصوه الغورى و ثلاث فسقيات خصيصا من أجل الحجاج و هى تقع تجاه السويس، و تسمى أيضا عيون موسى.

و تصل القافلة المصرية إلى (منصرف) بعد أن تتحرك بركة عجرود، ثم تنزل فى استراحة قبيبات).

منصرف:

و توجد بهذه المرحلة بعض المنخفضات و يظن البعض أن تلك المنخفضات كان قد حفرها الملوك السابقون فى العهود الغابرة، للربط بين البحر الأبيض و البحر و الأحمر، و هى التى حفرت مكانها الآن قناة السويس.

و سبب تسمية قبيبات بهذا الاسم راجع إلى وجود عدة كثبان رملية صغيرة فى هذا الموقع.

167

قريبة من البحر، فإنه يأتى إليها أشياء كثيرة من مصر و يعمها الرخاء. اشترى‏

____________

-

قبيبات:

بعد أن يغادر الموكب قبيبات يصل إلي (أول التيه)، و بعدها يحط رحاله فى الموقع المسمى (وسط التيه) الذى يدعى (روض الجميل) أيضا.

أول التيه:

هو بداية التيه لبنى إسرائيل، و التيه المذكورة عبارة عن صحراء مترامية الأطراف على جانبها الأيمن جبل الطور، و على جانبها الايسر جبل العريش. طوله و عرضه أربعون فرسخا، شديد البرودة شتاءا، مرتفع الحرارة صيفا. لا يوجد فيه ما يحتمى به من البرودة أو الحرارة، و مياهه معدومة. و قد تاه فيه بنو إسرائيل مدة أربعين سنة، و ظلوا حيارى ذهابا و إيابا بين هاتين المرحلتين. و لذلك سميت تيه بنى إسرائيل. و يلى وسط التيه مرحلة (بطن النخيل) و بعدها (وادى التجر)، و به ينبوع ماء. و قد أمر السلطان قنصوه الغورى بإقامة حصن و فسقية فى هذا الموقع. و أخيرا قام أمير أمراء مصر على باشا بتوسيع الحصن و الفسقية المذكورة.

و يقوم حراس الحصن المذكور بمل‏ء حوض الفسقية بمياه البئر قبيل وصول قافلة الحجاج، و يدافعون عنه ضد هجمات الأعراب المنشقين الذين يريدون تفريغ هذا الحوض.

و تحط القافلة رحالها قليلا من الوقت فى (أبيار علايا) بعد مغادرة موقع وادى القريض، و بعدها تصل إلى (عراقيب البغلة)، ثم تتجه إلى استراحة (الملاحة) و منها إلى (صقارات) ثم (رأس الركب) ف (سطح العقبة).

أبيار علايا:

و هذه المرحلة عبارة عن صحراء مسطحة واسعة تقع فى نهاية منحدر طويل، و بها بئران: أحدهما ينسب إلى (بيره) و الآخر إلى (علاتى). و يمتلئ البئران من مياه المطر، كما يوجد بهذه المرحلة حوض ماء لا بأس به.

رأس الركب:

و القوافل المتحركة من هذه المرحلة تصل بعدها إلي (سطح العقبة) و منها إلى (منزل). و مرحلة منزل هذه عبارة عن مطلع حجرى يؤدى إلى مرحلة (ظهر الحجار)، و منه إلى (الجرفين) ف (شرفة بنى عطية) التى تشتهر بكثرة أخشابها و رخصها، و تتجه القوافل منها إلى (مطلات) ثم تحط الرحال للاستراحة (مغارة شعيب)، كما يسمى سطح العقبة بعقبة (أيلة)، و هناك أطلال قصبة كبيرة على أطرافها توجد قرية لبدو قبيلة (الحويطات).

و إذا كان الحجاج لا يجدون ماء يشربونه فى هذا المنزل الذى يحطون رحالهم فيه، فهناك على بعد ميل واحد بئر عذب المياه حوله حديقة كثيفة الأشجار.

منزل:

و تمثل هذه المرحلة نهاية الربع الأول لطريق مصر- مكة المكرمة، و مياهها كثيرة عذبة المذاق قريبة من ساحل البحر، و تمتد نحو ميلين على الطرف الأيسر من جبل الطور. و يوجد فى نهاية هذا الجبل منحدران و مضيق ضيق، إلا أن مياهها عذبة و آبارها كثيرة.

مطلات:

تقع هذه المرحلة بين جبلين، و يقطنها طائفة من جماعة بنى لام.

مغارة شعيب:

و هى تتمتع بحفر و منخفضات ذات مياه عذبة و أشجار كثيفة من تلك التى تسمى (أثل مقال). و فى هذا بعض اللوحات التى كتبت عليها أسماء الملوك القدماء.

و بعد مغارة شعيب تصل القوافل إلى (قبر الطواشى)، ف (عيون القصب).

عيون القصب:

و هو واد كثير المياه، كثير الغابات، شديد الحرارة، و يحكى البعض أن الكثيرين ممن يتواجدون فى هذا المكان خلال-

168

الحجاج ما يلزمهم، و ملأوا قربهم. و بعد الظهر تحركنا، و كنا نمضى تارة إلى اليمين، و تارة إلى اليسار حتى ترائى لنا البحر الأحمر بعد ثلاث ساعات.

____________

- أيام الصيف يتعرضون للموت الفجائى. و بهذا الوادى مكان قريب من الساحل ملئ بالقبور يزوره الناس. و يظن الأهالى أن أحد هذه القبور ينسب إلى أحد أبناء إبراهيم (عليه التحية و التكريم).

و بعد مغادرة عيون القصب تصل القوافل إلى منطقة (شرم) و منها إلى مرحلة (مويلحة) ثم إلى (بطن كبريت) ثم تصل القوافل إلي (قبر الشيخ الكفافى).

شرم:

موضع قريب من البحر، يسمى الجبل الواقع على طرفه الأيمن (إشارة).

مويلحة:

تميل مياهها إلى المرارة لوقوعها على ساحل البحر، قد نزل السلطان قايتباى بهذا الموضع للاستراحة عند ما كان متوجها إلى الحج، و لذلك يطلق عليه أيضا اسم (دار قايتباى). و ما زالت قائمة إلى اليوم.

قبر الشيخ الكفافى:

و هو مدفن شخص يدعى مرزوق.

الشيخ الكفافى:

تصل القوافل إلى منزل (أزلم) بعد منزل الشيخ الكفافى، و منه إلى (سماق رخانين) ثم إلي (اسطبل عنتر) ف (شربت) حيث الصحراء الممتدة الواسعة، ثم تصل القوافل إلى مرحلة (الوجه).

أزلم:

تمثل هذه المرحلة نهاية الربع الثاني من طريق مصر- مكة المكرمة و هى عبارة عن موقع منحصر بين جبلين أرضه سبخة و مياهه مالحة و أعشابه مسهلة.

رخانين:

و لما كان هذا الموقع قريبا من الحج، فإن الحجاج المصريين يبدأون الإحرام من هذا الموقع.

اسطبل عنتر:

مرحلة صحراوية محصورة بين الجبال، ذات مياه عذبة و أشجار ظليلة.

الوجه:

منزل يشبه الوادى، به آبار عذبة المياه و حوض كبير. و قد قام إبراهيم باشا والى مصر بتجديد الحوض المذكور سنة 931 ه، و هذا الحوض يمتلئ بالمياه عند هطول الأمطار و تدفق السيول.

و الوجه قصبة صغيرة تقع فى الجهة الغربية للمدينة المنورة و تحتوى على مائتى دار و عشرين دكانا و ستة أقسام للحجر الصحى و جامع و دائرة حكومية، و قلعة كانت تحت إدارة المدينة المنورة. و قد انتقلت إدارتها مؤقتا إلى الخديوية المصرية لوقوعها فى طريق المحمل المصرى، و توجد الأن فى حوزة قائمقام مصرى. يستعين بطابور من الجنود النظامية الموجودة فى ينبع البحر و خمسة عشر نفرا من المدفعية للمحافظة عليها.

تصل القوافل المتحركة من الوجه إلى (بئر القروى) و منها إلى (حرير) ف (حورا) المشهورة بجفافها و انعدام مائها. ثم تواصل القافلة سيرها إلى (عقيق) و بعدها تنزل فى (صحن بياض) أى الصحن الأبيض.

صحن بياض:

هو منزل رملى كثير الثعابين و الحيات مخيف الأطراف.

و بعد هذا الموضع المخيف تتجه القوافل إلى (نبعا) و منه إلى (طراطير الراعى) ف (وادى النار).

وادى النار:

هو وادى رملى و حجرى بين الجبال، و يطلق الناس على هذه المرحلة (السبع الوعرات) لوجود سبع صخور خطرة و كبيرة فيها.

169

صحراء ميمون:

صحراء مترامية الأطراف، شاسعة لا نهاية لها، لو تخلف فيها إنسان عن قافلته، فإنه يمضى، ثم يمضى، و تكون عودته منوطة بحظه الميمون، لذلك أطلقوا عليها وادى ميمون، تشرق الشمس، و تغرب فى تلك البيداء، أشعتها تحرق الإنسان من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، و فى الأثر؛ أن حجاجا تحولوا كالفحم، أو الشواء و هم فى إحرامهم. و على المشارف الشرقية لهذه الصحراء يعيش العديد من عشائر البدو و قبائلهم كبنى موال و بنى جان و غيرهم و غيرهم الكثير و بقدرة الخالق، تتحول جمال الحجيج، فى هذه الصحراء، و كأنها التنين، أو كحيات من ذوات الرؤوس السبع، تخوض فى رمالها، متخطية كل الصعاب، قافذة كالغزلان .. و بعد أربع عشرة ساعة وصلت القافلة إلى:

سبيل ميمونة بنت الحارث:

و هى من أهل بيت رسول اللّه، و لما كانت هذه الصحراء تعود إلى عائلة ميمونة تلك، فقد أطلقوا عليها وادى ميمونة، و ما زالت معمورة السبيل تخضع لإشراف و نظارة من يتولى الشرافة فى مكة. و لا تطل استراحة القافلة ها هنا، بل تحركنا نحو القبلة عقب إطعام الجمال، و الدواب .. يا لها من صحراء خطرة لا أمن، و لا أمان فيها، و لكن كانت أوامر الشريف و تحذيراته للبدو واضحة حيث حذرهم [.. لوضاع للحجاج فى هذه الصحراء شيئ فلسوف أسلخ جلودكم ..] لذلك مضينا بسلامة اللّه، و قضينا سبع ساعات حتى وصلنا إلى قرية ........ و هى قرية معمورة

____________

- نبعا:

و هذه المرحلة ذات مياه عذبة وفيرة و يطلق عليها أيضا: (فقاع الحجار).

و تتجه القوافل من وادى النار إلى (حجرا) إحدى توابع ينبع، و منها إلى (جبل حمر) فوادى تيما. ثم تصل المواكب إلي جبل الزيت.

جبل الزيت:

يطل جبل الزيت على ينبع، و لهذا يستقبل حاكم ينبع المحمل الشريف فى هذا المكان و يتقدم جمل المحمل حتى السجادة المفروشة ثم تؤدى ركعتان للصلاة حسب العادة.

و تتجه القافلة التى تخرج من جبل الزيت إلى (ينبع) و منها إلى قرية (عديبية) فأول (دهنا). و من هناك إلي (واسط) و منها إلى بدر، و من بدر إلي صحراء (خيب البز) الواسعة، ثم إلي (عتيق) القريبة من ساحل البحر، و منها إلى عقبة (ودان). و تستمر القوافل من عقبة إلى (رابغ) ثم تواصل سيرها فى الطريق المعروف تجاه مكة المكرمة. «المترجم»

170

تسقى من عين الزرقاء، بها مائتين منزلا، و بساتين، و حدائق غناء، يبيع سكانها منتجاتهم على قارعة الطريق؛ تمورها، و شمّامها، و بطيخها كثير. لم نتوقف هنا، بل تابعنا سيرنا، و من الطريف أن النعام، و الغزلان، و الآرانب البرية، كانت تدخل بين الحجاج، و نحن فى هذه الصحراء، فيصطادونها فى سهولة، و يسر، و كأنها هدية من اللّه .. و فى نهاية هذه الصحراء يوجد:

جبل طيبة سلطان:

منطقة عذبة المياه، معتدلة الهواء، كثيرة المرعى، لم نتوقف بل مضينا، و استمرت مسيرتنا وسط الصحراء يومين، و كان هذا الجبل ما زال باديا لنا. و قد نفقت جمال كثيرة، و تركت غيرها بعد أن أصابها الإرهاق، و التعب فى هذه الصحراء، كما أصيب كثير من الحجاج بالإرهاق، و حل بهم التعب، من جراء شدة الحرارة. و حمدا للّه، و شكرا فقد وصلت قافلة الحج الشامى سالمة إلى قرية ......

بها مائتان و تسعون منزلا، و حماما عاما، و حدائق نخيل، و بساتين وفيرة الإنتاج.

أقبل إليها جميع الآعراب، المحيطين، لبيع منتجاتهم. و أخيرا، و بعد ثمان عشرة ساعة وصلنا إلى:

منزل قصبة ربيعة:

و هى تحت حكم الشريف، و بها نائب عن موللا مكة، و بها جامع، و خان، و أكثر من مائة بئر ماء، و بسبب قربها من البحر فإن مياهها تميل إلى الملوحة .. و لا تصل مياه عين الزرقاء إلى هنا. و يحرم حجاج القافلة المصرية فى هذا المكان. و قد مروا قبلنا بثلاثة أيام. و لما كانت القافلة تسير بدون توقف قط، فقد نفق سبعون جملا، و عشرة خيول من التعب، و الإرهاق، و عدم النوم، أو تركها الحجيج، لعدم مقدرتها على السير.

قاع البرو أو عقبة السويق:

غرقت كل الحيوانات فى الرمال، و غمرها العرق، و ترجل الجميع، و أخذوا فى السير فى بحر الرمال؛ خطوة يصعدوا فيها مطلعا، و أخرى ينزلوا فيها منزلا، و كبّر

171

الجميع «اللّه اكبر .. اللّه اكبر» حتى تجاوزوا العقبة» (1)، و لكن بقى بين الرمال ما بين سبعين، أو ثمانين حيوانا؛ فكان البدو يأخذونها على الفور من بعدنا، و لكن من كان ينظر إلي ذلك!! فلم يبق سوى أربعة أيام للوصول إلى عرفات، بينما بقيت أمامنا خمس مراحل. و بالرغم من أن رضوان بك أمير الحج المصرى قد أوقف ألف قرش لإزالة رمال تلك «العقبة» إلا أنها ما زالت منطقة مخيفة. فيها هلاك الحيوانات.

و على يمين هذا الطريق، جدار أو نصب مكتوب عليه العبارة التالية: (جدد هذا المضيق و نظف فى زمن السلطان مراد خان ابن السلطان أحمد خان سنة 1048) و قد أقام هؤلاء السلاطين جداران على جانبى هذا الممر الضيق مسافة سير ساعتين لحجز الرمال، و لكن بالرغم من ذلك لم تسلم الجمال من مخاطر الرمال، و يبقى بها سنويا مئات منها، و تاريخ الحائط (بنى على يد أمير الحج رضوان باشا سنة 1056 بأمر من السلطان ابراهيم خان) (2).

و عبرنا أيضا هذا المكان، و على مسافة أربع عشرة ساعة من «حفرة رابعة» وصلنا إلى:

قلعة البركه:

توقفت القافلة هنا. و هى قلعة جميلة مربعة الشكل مقامة على صخور مستوية على مسيرة نصف ساعة ناحية الشرق. بناها سلطان بنى هلال سنة 871 فى زمن الإسكندر. و قد خاض «مالك صمحان»"Malik Sumhan " من بنى‏

____________

(1) مطلع خطر محاط بالصخور من كل جانب، حتى أصبح كالممر، أو المضيق الضيق، تملئه الرياح، بالرمال، مما يجعل السير فيه صعبا. «المترجم»

(2) السلطان ابراهيم خان: [1024- 1058 ه- 1615- 1648 م‏]

كان هو ولي العهد الذكر الوحيد فى العائلة العثمانية عند وفاة السلطان مراد الرابع، و هو شقيق السلطان مراد الرابع هذا؛ و هما ولدي السلطان أحمد الأول و السلطانه مهبيكر. كان فى الخامسة و العشرين من عمره عندما جلس على كرسي الحكم.

ولد سنة 1615 م- 1024 ه فى مدينة استانبول. و قد قضى عمره فى جناحه محبوسا حتى توليته العرش ..

و لهذا كان عصبى المزاج، اعتلى السلطنة سنة 1640 م- 1050 ه و فى سنة 1644- 1054 ه عزل الصدر الأعظم قره مصطفى باشا و عيّن مكانه محمد باشا. ثم قتل فى 18 آغسطس سنة 1648 م بعد أن أنزل عن العرش فى الثامن من نفس الشهر. رغم عصبيته كان محبا للخيرات. (المترجم)

172

عنتر حربا ضروس فى هذه القلعة، ثم انتقلت القلعة إلى أيدى بنى هاشم «الهاشميين» ثم فتحها سيدنا على (كرم اللّه وجهه) فى السنة الثالثة للبعثة. و فى غرب المكان حوض كبير تقدر أطرافه بستمائة خطوة، و لا مثيل لهذه البركة فى طريق الحج، مياهها تأتي من عين الزرقاء، و ناحية القبلة من هذا الحوض يوجد مسجد منخفض القبة، على محرابه نقشت العبارة التالية: (أمر السلطان مراد بن السلطان أحمد بإنشاء هذه البركة سنة 1048، فلتقرأ الفاتحة من أجل رضاء اللّه ....).

و بالقرب من هذا المكان قرية، يحضر جميع البدو إليها كل ما يملكون و يبيعونه فى مزاد علنى، و هى مطروقة من الحجاج، تحركنا من هنا، و مضينا سبع ساعات تارة بين الرمال، و تارة أخرى بين الغابات حتى وصلنا إلى «عسفان». و لم نتوقف، بل مررنا، و هكذا بعد أن قضينا إحدى و عشرين ساعة من البركة الجميلة دخلنا إلى قصبة وادى فاطمة.

منزل قصبة وادى فاطمة:

قصبة تقع أسفل سفح، بها مائتان بيت عربي، بها جامع على حافة الوادى، أطرافه محاطة بالأشجار السامقة الطول، تتدفق مياه عين الزرقاء فى فنائه فقط ثم تختفى. و قد تدفقت مياه عين الزرقاء هذه بين مكة و المدينة على إثر دعوة الرسول الأكرم. فبينما كان النبى الأمين متوجها إلى الشام للتجارة، كانت عين الزرقاء تتدفق فى طريقه و أينما إتجه، و هى فى الحقيقة معجزة كبيرة؛ لإنها تدفقت بناءا على رغبة النبى الكريم، متخطية الكثير من الجبال، و الصخور، و الصحارى، و قد قدّم الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و سلّم) هذه الصحراء كجهاز للسيدة فاطمة، فى السنة الثانية للهجرة. و من هنا أخذت هذا الإسم. و يستقر الحجاج الذين يفدون من شتى بقاع الدنيا شهرا فى مكة المكرمة، فينسون متاعب الطريق، و مصاعبه. و عشرات الآلاف من الحيوانات الخاصة بالحجاج، ترعى و تتغذى على أعشاب هذه الصحراء، و لو تغذى أي حيوان على أعشاب هذه الصحراء عشرة أيام فقط، فإنه يصبح سمينا، فوادى فاطمة واد مثمر معطاء.

173

صفة النجاة ساحة النجاة:

قاعة صغيرة مبنية من الحجر، فبينما كان الرسول الحبيب متجها نحو الشام هو، و بعض أصدقائه، لما لقيه من عناء على يد المشركين، أرسل المشركون أمثال أبو لهب، و أبو جهل، رجلا يدعى «سراقة» خلفه لقتله و أعطوه ما طلب، من مال مقابل ذلك. و بينما كان سراقة يود أن يجهز على النبى الأمين بسيفه فى هذا المكان، فيسقط سراقة على الأرض بحصانه و لكن بدعاء النبى يغوص الفرس فى الرمال، عندئذ يتوجه سراقة إلى الرسول بالرجاء أن يدعو اللّه له بالنجاة قائلا، [و لأحارب أعداءك فى مكة، و أعمل فيهم سيفى‏] و لما نجاه اللّه بدعاء الرسول، أسّلم على الفور، و ما أن عاد إلى مكة فى معية الرسول ((صلى اللّه عليه و سلّم))، تعجب الكفار و سألوه قائلين:

(ما هذا الحال، أين رأس محمد؟) فيرد عليهم قائلا: «أيها الملاعين إن رأسى أنا فداء رأس محمد و قد جئت لأطيح برؤوسكم»، و قتل سبعة منهم، و أحضر رؤوسهم إلى الرسول الحبيب هنا فى وادى فاطمة هذا، و أصبح ملازما للرسول، و لم يفارقه لحظة .. و قام سراقة ببناء هذه الصفة قائلا؛ لقد نجوت من غضب اللّه. و قمت أنا آوليا العبد الحقير بالتجول و الطواف بهذه المنطقة مع عبدين من عبيدى، بعد أن استأذنت من حسين باشا. و بعد ست عشرة ساعة وصلنا إلى:

منزل مقام العمرة:

يتوقف الحجاج هنا دون أن ينزلوا أحمالهم. عبارة عن عشر منازل و عشر دكاكين تبدو عليها معالم الفقر، يخرج كل آهالى مكة لاستقبال الحجيج ها هنا، و يشرحون لهم شروط الإحرام و العمرة. و هنا يجب الاغتسال أولا. و لتسهيل اغتسال الحجاج، أمر عمر باشا والى مصر سنة 1073 ه- 1662 م بإنشاء بركة كبيرة لدرجة أن القوارب تتجول بها. كما أمر ببناء حمامات، و ميضات، و أسبلة و استراحات.

و يملئ هذا الحوض بالمياه التى تسحب عن طريق الدواليب، و السواقى التى تجرها الثيران. و على الذين أحرموا فى بئر على، ثم ارتدوا ملابسهم، مزمعين ذبح الأضاحي، عليهم أن يغتسلوا هنا. كما أنه من السنة المرعية صلاة ركعتين هنا. بعد

174

ذلك على المحرم ألا يقتل قملا، أو برغوثا، و ألا يحك جسمه بأظافره، فتلك سنة. و يحرم الفسق، أو القتل، أو الشجار تحريما قاطعا، و إذا لم يغتسل الحاج المحرم فيجب عليه تجديد وضوءه، و هذا فرض. و بمجرد لبس الإحرام يجب على المحرم أن ينوى قائلا .. «اللهم إنى نويت العمرة ..» و إذا كان مقصده الحج فقط، فيقول ..

«اللهم إنى نويت الحج ..» و تستغرق المسيرة إلى الكعبة الشريفة، مدة ساعة واحدة. و يتوجه القادم لأداء طواف القدوم الذى يعد الفرض أو النسك الأول.

و بقدر طاقة المرء، يؤدى العمرة، فكلما أكثر من الأداء نال الثواب و أتم الحج.

و السعى بين الصفا و المروة، واجب، و يحل بعده حك الرأس، و تقصير الشعر، و بعد النزول من عرفات و ذبح الآضاحى، و القيام بالطواف الأخير، يجب عندئذ الحلق، و تقصير الشعر، و هناك من يتمسك بعدم القص على أنه سنة. و على طريق العمرة؛ يوجد عمودان كبيران على جانبى الطريق، و على كل عمود ثلاث قباب صغيرة مكتوب عليها بالخط الكوفى «إنها من بناء أبى بكر»، و من يدخل من هذين العمودين، يكون قد دخل حرم مكة المكرمة.

و عند هذا الموقع ينتظر حسين باشا، و شيخ مكة، و قد إمتطى كل منهما صهوة جواده، و قد مر من أمامهما: أولا؛ خارموش باشا أمير الحاج الشامى ثم جند الشام، ثم جنود الباشا، و هذه هى الأصول، و القواعد المرعية، منذ القدم و قد قامت الفرقة الموسيقية، المرافقة للباشا، بالعزف لمدة نصف ساعة، متواصلة و استغرقت هذه المراسم ساعتين، و كنا أحيانا نسير فوق الرمال و أحيانا فوق الحصى و الحجارة.

مرحلة وادى فاه‏Fah :

و لما كنا قد دخلنا مكة، قبل عرفة بيومين، فنزلنا فى معسكر الباشا المقام هنا و قضينا به اليوم الثامن، و قد أمر بنحر سبعة جمال، و أربعين رأسا من الضأن قربانا، حيث كان جميع الحجاج، قد فقدوا الأمل فى الوصول، قبل حلول الموعد لهذا العام.

و قد قدم جماعات، و أفواج عديدة؛ من العلماء، و مشايخ مكة، و أشرافها و التقوا بالباشا، و قد لقى كل منهم من الإحترام، و التبجيل حسب مقامه،

175

و مكانته. ثم قدم بعد ذلك أوزبك بك‏ (1)، أمير الحج المصرى، و أمير جده، بقلاجى محمد بك‏ (2)، و قواد المعسكرات‏ (3) السبعة الكبار، و معتمدوها (4)، و جاوشيتها (5) و قواد المعسكرات السبعة الكبار (6)، و چوربا جيوها (7)، و اوداباشيوها (8)، و دخلوا عليه، فرقة، فرقة، و شربوا الشربات.

____________

(1) اوزبك بك: كان قائدا للقوات العسكرية المصرية التى توجهت إلى الحجاز لقمع الفتن التى قام بها الشريف سعد عقب توليه ولاية جدة سنة 1669 م- 1080 ه و عندما اشتدت القلاقل صدرت الآوامر إلى والى الشام صارى حسين باشا بالتوجه إلى الحجاز و تولى قيادة الجيوش العثمانية و القضاء على هذه التحركات، و تأمين قوافل الحج و قد تمكن حسين باشا من احتواء الشريف أولا حتى انتهاء موسم الحج .. و لكن الشريف تمكن من الهرب عندما شعر بما يدبر له. «المترجم»

(2) بقلاجى محمد بك أمير جده: عمل أميرا على جدة. و كان له قصره في القاهرة. رآه آوليا چلبي عند ما زار القاهرة و تحدث عنه عند ما تحدث عن القصور التى تحيط بالأوزبكية. (المترجم)

(3) آغوات المعسكرات- اوجاق آغالرى؛ مصطلح عسكرى يطلق على قادة معسكرات الإنكشارية، و رئيسهم يطلق عليه آغا الانكشارية و كان يستخدم بدلا منه فى بعض الأحيان «أركان المعسكر» أى أركان قوات الإنكشارية، و كانت الرتب التى تلى آغا الانكشارية كما يلى:

1- سكبانباشى. 2- كاتب الإنكشاريه. 3- معتمد كتخدا الانكشارية، أى وكيلها. 4- آغا استانبول. 5- آغوات الأناضول و الروميلى، 6- كاتب الفضلاء. 7- إمام الآغا. 8- قواد الميسرة.

9- قواد المشاة، 10- قواد كلاب الصيد الفرسان. 11- فرسان الكيان. 12- معتمد الميسرة.

13- قائد حاملى الرسائل و البريد. 14- معتمد أى كتخدا البريد. 15- رؤوساء البلوكات.

16- رؤوساء العنابر. 17- ضباط الخدمات.

و كانوا يعينون جميعا بناءا على تقرير و توصية آغا- قائد الانكشارية. «المترجم»

(4) الكتخدا؛ كتخدا:Kethuda : مصطلح يطلق على المعتمد أو الوكيل الذى كان يرعى شئوون الوزراء أو كبار رجال الدولة، أو الأغنياء نيابة عنهم ... معتمد وكيل و فى النواحى الإدارية كان يعاون الصدر الأعظم أو الوزير أو الناظر المختص فى تسيير أمور الدولة. فى البداية كان من خواص الصدر الأعظم و رجاله، ثم أصبح من رجال الدولة و موظفيها و كان يطلق عليه كتخدا بك، و فى عهد السلطان أحمد الثالث تولى نظارة الداخلية، و عاون الصدر الأعظم فى أمور الدولة.

تم إلغاء هذا المنصب فى عهد السلطان محمود الثانى 1244 ه- 1828 م. و أحل محله نظارة الملكية فى سنة 1251 ه- 1835 م.

أما فى المعسكرات؛ فكان عنوانا أو رتبة تمنح لكبار ضباط الإنكشارية، و كان لكل سلاح معتمد. و هو ما يوازى فى العصر الحديث «قائد السلاح». و كان يعاون آغا الإنكشارية فى الأمور العسكرية. و لما كان تنشئته و تعليمه يتم داخل المعسكرات، ففى بعض الفترات التاريخية فاق نفوذه نفوذ آغا السلاح نفسه. يعمل له حساب من قبل كل قواد المعسكر الأخرين. و هو واحد من ديوان قائد عام قوات الإنكشارية. «المترجم»

(5) چاووشلر- الجاويشية"Cavuslar " مفردها چاوش. و هو إسم كان يطلق على أحد الموظفين الذين يستخدمون فى الأعمال المختلفة. و هو مصطلح إدارى فى بادئ الأمر، و كان يطلق عليهم «چاوشان اركان عالى».

هذه وظيفة قديمة فى التاريخ العثمانى، و كانت مهمة الجاوشية موجودة لدى البيزنطيين و السلاچقة و فى بداية الدولة العثمانية كانوا الچاويشية هم الذين يكلفون بالمراسلات، و المباحثات السياسية من قبل سفراء الدولة. كما كانوا يكلفون بالنفتيش و كتابة التقارير عن أمور الدولة. ثم أنتقلت هذه المهام فيما بعد إلى رؤوساء الحجاب. و أسندت المراسلات إلى وظائف أخرى. و أصبحت مهمة الجاويشية فيما بعد محصورة على الخدمة فى ديوان السلطان فقط؛ بحيث كانوا يتقدمون ركب السلطان و موكبه و هو يتفقد شئوون المدينة، و يقومون بالوقوف أمام خيمة السلطان عند الخروج إلى الحرب، و أثنائها .. أو يقفون فى إحترام بالغ عند عزف النوبة أمام معسكر السلطان.

كان الچاوشية يحتلون المرتبة الثانية بعد التشريفاتية فى قانون محمد الفاتح.

كان يطلق علي رئيسهم «چاويش باشى» أى الباشچاويش أى رئيس الجاوشية. و قد ألغى هذا اللقب سنة 1252 ه- 1836 م و أحل محله لقب «ناظر دعاوى الديوان». و كانوا ضمن تشكيلات السراى العثمانى. «المترجم»

(6) المعسكرات السبعة: و يقصد بها معسكرات الإنكشارية السبعة، و كانت كل أورطة تتكون من سبعة ضباط يسيّرون أمورها و هم؛ جورباجى، أوضه باشى، وكيل خرج، بايراقدار، حامل العلم، أقدم القادة، رئيس الطهاة، رئيس السقاة. «المترجم»

(7) چورباچيلر؛ مفردها چورباجى؛-"Corbaci ": لقب عسكرى يطلق على ضباط البلوكات التى تكون الجيش العثمانى. و كانوا من المشاة فى الجيش، و كانوا عبارة عن واحد و ثلاثين بلكا يكونون سلاح العجمى أوغلان أى سلاح أولاد العجم أى أولاد غير الترك. و كان يطلق عليهم آحيانا لقب البيادة، أو الييا، و على رئيسهم ياياباشى أى باشيايا أو باشبياده أو سربياد كان.

كما كان يطلق على رؤساءهم أيضا بلوكباشى أى رئيس البلوكات. كما كان يطلق عليهم أحيانا «صوباشى».

و كانت لهم خيولهم الخاصة بهم، و ملابسهم الخاصة بهم أيضا.

و لا علاقة لهم بالچوربة أى الحساء على الاطلاق بل هى عادة شرقية قديمة أن يتسمى ضباط الجيش بمسميات أدوات الطبخ دون أن يكون لهم علاقة بها؛ فمدير الأمن هو الصوباشى أى القيم على أمور المياه .. و قد تبدل هذا اللقب سنة 1241 ه- 1825 م عقب الغاء الانكشارية و حلّ محله «آغا الأورطة».

و ظل يطلق هذا اللقب على الأشخاص المكلفين بتسيير أمور الولايات التى كانت مرتبطة بقوات الإنكشارية، .. كما كان يطلق على كبار التجار المسيحيين، و خاصة فيما بين الشعب. «المترجم»

(8) أوضه باشيلر- اوضه باشى-"Odabasi ": مصطلح عسكرى كان يطلق على واحد من ضباط الانكشارية، و كان يعاون الچورباجى فى ادارة مهام فرقته. و يعادل رتبة ملازم فى العصر الحديث و هو المنوط به حفظ الأمن داخل المعسكر، و بين عنابر الجنود. و هم الذين يقومون بمهمة أداء التعظيم و التحية فى العروض العسكرية، و ينام فى نفس العنبر مع جنوده، و عند الحرب تكون خيمتهم فى وسط المعسكر العام. و يجلسون فوق السجادة الملاصقة للعمود الأساسى فى الخيمة، و يجلس بقية الأفراد حولهم فى حلقات مستديرة.

أما داخل السراى؛ فيطلق هذا اللقب على رئيس آغوات القصر الداخلين، هو المكلف بخلع ملابس السلطان، و إلباسه إياها. و لذلك فهو يعتبر واحد من المقربين جدا من السلطان. و هم يتبعون رئيس حرس السلطان. و يختار بدقة من بين خدم السراى، و خصيانه أي من الطواشية. له مخصصاته اليومية، و السنوية ضمن خزينة ملابس السلطان. بالرغم من أنه من بين أصحاب العرضّ، أى من بين الذين لهم حق المثول بين يدى السلطان و عرض بعض الأمور عليه. ألغى هذا اللقب مع التغييرات التى تمت على السراى مع عهد التنظيمات الخيرية سنة 1255 ه- 1839 م.

176

ثم جاء كتخدا الشريف سعد (1) بحصانين مطهمين، و ستة من الغلمان الحبشيين، الحسان، و الجواهر النفيسة، و الأقمشه النادرة، و العود، و العنبر، و حمولة خمسين جملا من المأكولات، و المشروبات، و قبل يد الباشا، فأشار له، إلي مكانه طالبا منه الجلوس ثم قال:

____________

(1) كتخدا الشريف سعد: أى معتمد، و وكيل الشريف سعد الذى تولى الشرافة أربع مرات متقطعة منذ 1077- 1084؛ 1103- 1105؛ 1106- 1114، 1116- 1116 ه.

177

(لما لم يحضر جناب الشريف، فما حال حضرته؟) فاعتذر المعتمد قائلا: (إنه يدعو لكم بالخير.) فقبل الباشا، هداياه، و ودع الكتخدا قائلا: «بلغ جنابه سلامنا». ثم أصدر آوامره قائلا:

«و لتكن قوات البيادة (1)، و الخيالة (2)، و السكبان‏ (3)، و الصاريجة (4)، على أتم الإستعداد. فليؤدى آغوات الداخل‏ (5) و آغوات الخارج‏ (6) التحية).

____________

(1) الپياده:"Piyade ": قوات المشاه فى الإنكشارية العثمانية. ثم تم تجهيزها بالبنادق. و كانت تشكل عنصرا مهما فى القوات النظامية فى العصر العثمانى. (المترجم)

(2) الخيالة: الفرسان.

(3) السكبان:"Sekban ": فرقة من فرق الجيش الإنكشارى، كانوا فى بداية تكوينهم فى عهد السلطان محمد الفاتح برعاية، و تدريب، و تربية كلاب الصيد. ثم انخرطوا فى صفوف الجيش المذكور، و آضحوا من عمدة المشاة فى الجيش العثماني، و كانت اورطتهم موزعة على 25 بلوكا. و على رأس كل بلوك ضابط، و رئيسهم كان يسمى سكبان باشى. (المترجم)

(4) الصاريجة:"Sarica "؛ مصطلح عسكرى كان يطلق على الجنود المتمردين الذين ظهروا فى الآناضول، و ينسبون إلى صاريحه باشا. كانوا سبب نكبة أحلت بالبلاد خلال فترة حكم السلطان محمد الفاتح، و لهذا السبب أصبح هذا اللقب يطلق على كل الجنود الذين يرفعون راية العصيان و التمرد. (المترجم)

(5) ايچ آغالر:Ig Agalari : مصطلح يطلق على الذين يعملون فى خدمة السلاطين العثمانين داخل قصورهم، و سراياتهم و هم أنفسهم من يطلق عليهم (آغوات الآندرون) أى آغوات الداخل.

هم أربعة أنواع: 1- رئيس الآغوات، و كان بمثابة رئيس الحرس المكلف بحراسة بوابات السراى. و هو أعلى رتبة بين ضباط السراى.، كان يختار فى بادئ الأمر من الطواشية البيض، و يوجد تحت إمرته ما بين 30- 40 غلاما من الذين يطلق عليهم «غلمان الباب». و هم يتلقون الأوامر من رئيس آغوات الأبواب الأربعة. و كان يطلق عليهم أيضا آغوات المفتاح. ثم آغا البشكير، و آغا الشربات، و آغا الابريق.

و هؤلاء أعلى الرتب داخل السراى، و آغا الباب يكون فى رفقة السلطان دائمآ. و لا يتخلف عن مرافقة السلطان إلا إذا توجه إلى الصيد، أو فى النزهات البحرية، فيظل هو فى السراى للحراسة.

ثم يتلوه فى المرتبة رئيس خزينة السلطان و هو المكلف بوضوء السلطان، و فرد سجادة الصلاة، و تفقد نظافة المكان و أمنه قبل فرد السجادة، و الهدف من ذلك هو توقى وضع السم للسلطان. و فى نفس الوقت هو رئيس خدم الخزينة السلطانية.

أما ثالث آغوات السراى فى الكيلار باشى أى رئيس طباخى السراى. و هو المكلف بوضع الأطباق و أدوات المائدة للسلطان و يشرف على المجموعة التى تعمل على خدمة السلطان عند تناول الطعام.

أما الآغا الرابع الذى يعمل داخل السراى فهو آغا السراى و هو المكلف برعاية القسم الخاص فى السراى، و الغرف و الصالونات و تحت إمرته ما لا يقل عن أربعين نفرا من الأغوات. و على هذا المنوال؛ كانت طائفة منهم و على هذا النسق تعمل فى خدمة الصدر الأعظم، و الوزراء، و الولاة، و القادة.

كما كان فى السراى أصحاب وظائف أخرى ممن يعملون على راحة السلطان، و خدمته .. فهناك من يحافظ على ملابسه، و قفاطينه، و ركابه، و عدا معاشاتهم الشهرية، فقد كانت لهم مخصصاتهم السنوية، التى تعادل ما يقدم إلى آغوات الخدمة الخارجية. «المترجم»

(6) طيش آغالرى:Dis A`galari : مصطلح ادارى يطلق على صنف من كبار رجالات الدولة و موظفيها. و كان يطلق عليهم أيضا «بيرون آغالر» أى آغوات الخارج. و هو يقابل أو يضاهى لقب آغوات الداخل. و كان على رأسهم آغا الانكشارية ثم يتلوه العزب، و السباهية، و السلحدار و صاحب العلوفة، و آغوات قوات المقدمة أى القوة المهاجمة فى مقدمة الجيش. و هم من يمكن أن نطلق عليهم قوات الاستطلاع فى العصر الحديث ..

أهمهم هو آغا الانكشارية فهو بمثابة رئيس أركان الجيش، و قوته الضاربة، فهو قائد المعسكرو أعلاهم رتبة. ثم جاء منهم الوزراء. و كانت لهم أهميتهم الخاصة لموقعهم فى الجيش، يومية الواحد منهم 500 آقچه، عدا المخصصات اللازمة لتربية و تدريب المئيات من الخيول اللازمة للجيش بفرسانها.

يتلوه فى الأهمية آغا الغرب؛ و كانت قوات الغرب فى عصر السلطان محمد الفاتح و عند فتح القسطنطينية 1453 م ما يزيد عن ثلاثين ألف مقاتل. كان لهم السباهية، و السلحدارية، و العلوفجية «التموينات» و جميعهم من فرسان الخياّلة.

و كانوا عبارة عن أربعة طوابير، العلوفية، و الغرباء «العزبان» عن اليمين و اليسار، و الأخرين فى الوسط. يوميه الآغا مائة آقچة. كما أن لهم مخصصات سنوية ما بين 16- 17 ألف أقچة كعلوفة. «شعير»

أم الصنف أو الصف الثانى من آغوات الخارج؛ منهم رئيس المدفعجية، و رئيس الجبخانجيه- المسئوول عن الذخيرة و المفرقاعات، و رئيس العربجية. أى المسئول عن عربات جر المدافع، و رئيس الفرقة الموسيقية .. موسيقات المعسكر. و كانوا يبلغون جميعا اثنى عشر فردا و يعتبر أمير الأطبل. و مربى الصقور، و كلاب الصيد أيضا من آغوات الخارج.

و بإختصار فإن كل من يعمل بالخدمة خارج السراى يمكن أن ينطبق عليه أى آغا الخارج. «المترجم»

178

ثم وصلوا إلى بيت اللّه محرمين، و طافوا سبعة أشواط، طواف القدوم، ثم زاروا مقام ابراهيم، و أتموا طواف القدوم بالسعى بين الصفا و المروة، سبعة اشواط.

و فجأة وصل الباشا إلى مخيم الشريف سعد، فأطار ذلك صواب الشريف. فقال سعادة الباشا مطيبا خاطره، و مسريا عنه:

(لقد شرفتم مخيمنا صباحا .. و لكم خلعه سلطانيه‏ (1) من سلطاننا صاحب السعادة و فرو سموري، و خط شريف‏ (2) يتعلق ببقاءكم فى مكانكم ... فلندخل سويا إلى مكة بالموكب المحمدي، و لنصعد إلى عرفات معا).

____________

(1) الخلعة السلطانية: مصطلح يطلق على الجبة، أو القفطان الذى يلبس فوق الملابس. و هو فى الغالب قفطانا يقدم من السلطان إلى من قدّم خدمة خليلة للدولة من كبار موظفيها.

كما أنه يطلق على ما يلبس فى المراسم الرسمية من الملبوسات، و كان يهدى من السلطان أيضا، و ممن كان السلطان يتطلطف عليهم بالخلع السلطانية؛ الصدر الأعظم، و الوزراء، و رؤساء الجند، و شيخ الإسلام، و شريف مكة.

كانت الخلع من الفراء الثمين، أو الجوخ أو القماش الغالى القيمة .. و هى عادة اسلامية عرفتها الحضارة الإسلامية منذ صدر الإسلام.

ظلت هذه العادة معمول بها فى الدولة العثمانية حتى ألغيت فى عصر السلطان محمود الثانى و حلّ محلها تقديم ساعة مرصعة أو طبق من الذهب، أو غليون مرصع و ما شابه ذلك. (المترجم)

(2) خط شريف: مصطلح إدارى كان يطلق على الأمر الصادر من طرف السلطان بصدد أمر معيّن أو بشأن تعيين شخص فى وظيفة معينة. فلم تكن هناك ضرورة أن تخرج جميع الأوامر بخط يد السلطان بل كان الكتبة أو الكتّاب هم الذين يحظون الأوامر، ثم يوقع فقط من قبل السلطان. و كانت الأوامر تكتب على ورق خاص بالسراى، و تكون عليها طغراء السلطان.

179

فعاد إلى الشريف هدوءه، و صوابه. و بعد أن شربوا القهوة، و الشربات قدم الشريف إلى الباشا هدية عبارة عن؛ عشر زجاجات من العنبر، و ثلاث مسبحات من اللؤلؤ، و علبه من الجواهر الصغيرة، و عشرة بقشات «صرات» من الأقمشة، و ثلاثة غلمان حبشيين. فما كان من الباشا، إلا أن أخرج من حزامه خنجرا، مرصعا بالجواهر، و منطقة فى خصر الشريف سعد. و كان الشريف شخصية جذابة، كريم جوّاد، أسمر اللون، و هنا ودّع الباشا، و مكث هو فى خيمته.

موكب عساكر مصر و الشام فى مكة المكرمة:

فيما يلى أسباب تعيين حسين باشا، وزيرا، و تحت إمرته ثمانية آلاف جندى:

قبل الآن بسنة، و بالضبط فى سنة 1081 ه- 1670 م كان حسن باشا كتخدا عنكبوت أحمد باشا مكلفا بإعمار الحرمين الشريفين، و تأمين أمنهما، و جمع أموال الصرة و لم يستطع حسن باشا التعامل بحسم مع مواقف الأشراف، أو التعامل و التعايش معهم، و خلال السنة المذكورة و بينما حجاج المسلمين، فى طوافهم حدث شغب مما دعى الحجاج للبقاء فى المسجد الحرام، محتمين به، و قد أغلقت كل الأبواب، فصعد آلاف من أشقياء الأشراف المسلحين، إلى جبل أبى قبيس، و منارات مكة، و مدارسها، الملتفه حول الحرم، و أمطروا الحجاج بوابل من الرصاص، فجرح سبعمائة حاج، و استشهد مائتان، و امتلئ الحرم الشريف بجثث القتلى، و قتل حسن باشا نفسه. و سلبت أمتعة الحجاج، و الجند، و نهبت حاجياتهم، و بينما جند مصر، و عساكرها عائدون إلى ديارهم قام الشريف حموده‏ (1) بإعمال السيف فيهم فى مكان يدعى «نار»"Nar ".

و ما أن سمع السلطان بهذه الكارثه الفاجعة، حتى عيّن حسين باشا، وزير الشام‏

____________

- و هناك بعض المعاهدات أو الأوامر التى كان السلطان يخط بيده ملخصها، ثم يقوم الكتاب بكتابتها .. و يوقعها السلطان .. و كان من المعتاد ارسال خط شريف إلى شريف مكة سنويا لتثبيته فى مكانه، أو تولية غيره .. «المترجم»

(1) الشريف حموده: هو الشريف حمود بن الشريف عبد اللّه الذى يبدأ به فرع العباد له كان يحكم مكة مع الشريف بن زيد سنة 1077 ه- 1666 م. و لما نشب الخلاف بينه و بين الدولة العثمانية أقام فى ينبع، و قام بمقاومة القوات المصرية التى بعثت بها الدولة ضده. و لما اشتد عليه الضغط فر فيما بين البدو و لكنه فى سنة 1081 ه- 1670 م عقد الصلح مع الشريف سعد، و أنسحب الى الطائف. و توفى هنالك سنة 1085 ه- 1674 م. (المترجم)

180

قائدا لثمانية آلاف جندى، و لم يجعل هذا الخبر ينتشر. و فى الصباح التالى خرج أمامه ثلاثة آلاف جندى مصرى. و قد كان العسكر جميعا، مدرعين من رأسهم، إلى أخمص أقدامهم، و كانت الطبول المصرية تصدح، من كل مكان. و بينما هؤلاء الجند يصطفون هكذا؛ فى شكل بديع محتشم، سار جند الشام، فوجا، فوجا، و قد إمتطى الفرسان؛ صهوة جيادهم العربية الأصيلة، من الجلفة، و الطريفى و الصقلاوى، و المصفحة، و الكالفدانى. و قد تدثرت قوات المحمودية (1) بأطقمها المذهبة، و المطرزة بالذهب، و قد أمسك الفرسان ببيارقهم من ناحية، و من ناحية آخرى بألجمة خيولهم. ثم مر خارموش باشا، بخمسمائة من فرسانه، على نغمات فرقته الموسيقية، و من خلفهم الفرسان التتارية (2)، ثم أعقبهم الآغوات بملابسهم الناصعة، و قد أمتطوا صهوة جيادهم الكحيلانيه، و من خلفهم رؤساء القاپجية (3).

____________

(1) قوات المحمودية: مصطلح عسكرى يطلق على القوات النظامية الجديدة التى تشكلت فى عهد السلطان محمود الأول. و تسلحت بالاسلحة الحديثة، و قضى بها على الإنكشارية فيما بعد. (المترجم)

(2) طاطار- تاتارTatar : مصطلح إدارى يطلق على حاملى رسائل البريد قبل تأسيس إدارة البريد و البرق فى الدولة العثمانية. و كان يطلق عليه «اولاق»- حامل الرسائل و موصلها. أيضا. و هذا يختلف عن «ساعى» البريد، فالساعى هو الذى يقوم بتوصيل الرسائل و المكاتبات الخاصة. ثم حلّ مصطلح التاتار على كل من يقوم بآعمال البريد. و تطلق عليه بعض المعاجم العثمانية «ساعى سريع الحركة ينقل الرسائل».

كانت تشكيلات البريد- التاتار، تنطلق من العاصمة استانبول إلى سائر الولايات و البلدان، لنقل الرسائل، و قد قسمت الطرق إلى مسافات، و مراحل كانت فى كل مرحلة توجد «منزلخانه» يترك فيها التاتار حيوانه سواء أكان خيلا أو بغالا.

و كان فى كل دائرة، أو نظارة، أو وزارة عدد من التاتار؛ قد وصل فى بعضها إلى 50- 60 تاتاريا ..

و كان التاتار يتحرك من العاصمة استانبول بالفرمان الذى يصدر له من الباب العالى إلى حيث توجه الرسالة. فمن استانبول إلى بلغراد و من اسكدار حتى بغداد. و كانت الآهالى تجتمع فى المحاكم الشرعية فى المدن التى يصل إليها التاتار لقراءه، و السماع إلى الفرمان أو الأوامر، و التعليمات التى أحضرها.

كما كان الولاة يرسلون معهم تقاريرهم و كذا الأموال التى يبعثون بها من الولاية إلى العاصمة أو العكس.

كانت أوامرهم مطاعة فى كل المنازل التى ينزلونها، و لا مراد أو مخالفه لما يقولونه و كانت تنفق من سرعتهم بضع حيوانات، كما كانت القطعان تجر تحت سياطهم. و لا مانع من شنق القيم على محطة البريد إذا ما تأخر من إعداد الدواب اللازمة.

كانت لهم ملابسهم و قيافاتهم الخاصة بهم و التى يتميزون بها، و كانت أغطية الرأس ال «قلباق» الخاص بهم ممنوع على أى طائفة أخرى أن تلبسه.

و كان رئيسهم فى أي دائرة حكومية يطلق عليه «آغا التاتار». و هو المسئوول المباشر عن كل ما يتعلق بالبريد.

«المترجم»

(3) قاپجى باشى: قپوجى باشى؛ رئيس حراس البوابات: مصطلح إدارى يطلق على آمر، أو ضابط الحراسة المكلف بحراسة بوابات السراى. و كانوا يقسمون إلى قسمين؛ «دركاه عالى، أى الآعتاب العالية، و التانى، باب همايون» أى-

181

و بعد كل هؤلاء، سار الباشا فى هيبة الغضنفر، و قد تدثر بفراءه السمّورى الغامض اللون، و فى خصره كنانته، و على رأسه العمامة السليمية و من خلفه آغواته تهتز الأرض و السماء من وطأة أقدام خيولهم الكحيلة. و فى الصفوف الخلفية سار وراء الباشا السلحدارية (1)، و الچوخدارية (2)؛ بملابسهم، و معداتهم، التى تبعث فى‏

____________

- باب السلطان. و كان عدد المكلفين بالخدمة عليهما حوالى خمسمائة حارس فى آواخر القرن السادس عشر الميلادى.

و لكن من كانوا على آعتاب الدركاه العالى وحدة سنة 1077 ه قد بلغوا أربعين بلوكا.

لا يعرف بالضبط فى التاريخ العثمانى متى تم استحداث هذه القوات، و لكن بما أن ذكرهم قد مر فى قوانين محمد الفاتح فمعنى ذلك أنهم منذ اوائل الدولة العثمانية.

و كان أحدهم هو الذى يحمل الرسائل السرية أو المهمة من العاصمة إلى والى أية ولاية. و هم الذين يستقبلون سفراء الدول الاجنبية الذين يقدون فى مهمات إلى الدولة العثمانية.

كانوا ينتقلون بين اربع درجات اعلاها هى القابوچى باشى «أى رئيس حرس البوابة» و لكنهم وصلوا إلى ست رتب فى عصر محمد الثالث. و كان من مهام رئيس الحرس هو إحضار الإبريق و الطشت أمام الصدر الأعظم لغسل يديه بعد تناول الطعام فى ديوان الهمايون.

بلغ بعضهم رتبة الوزارة، ثم أصبحوا قوة من قوات النظام الجديد بعد إلغاء الانكشارية، ثم اصبحوا هم الذين يناط بهم عمل الركاب السلطانى ..

فى عهد السلطان محمود الثانى أى فى سنة 1244 ه- 1828 م حددت لهم مهامهم، و ملابسهم و ساعات الخروج مع السلطان.

فى سنة 1247- 1831 م تقرر رفع راتب من يخرج منهم على المعاش إلي ثلاثمائة قرش شهريا.

كانوا يكلفون بالخدمة فى الضواحى و كثير من الولايات الأخرى و خاصة الحرمين الشريفين.

تكونت منهم بلوكات، و كان لهم كتخداهم أى معتمدهم. و وكيلهم، و كانت لهم عنابرهم الخاصة بهم. «المترجم»

(1) السلحدارية؛ سلاحدار"Silahdar ": لقب يطلق على واحد من كبار رجال السراى. و كان يوازى له من كبار رجال السراى. و كان يوازى له لقب «سلحدارى شهربارى». و يوازى أيضاا «سلحدار آغا» أى آغا السلحدار أى الآغا حامل السلاح. و فى بداية الأمر كان من الأركان الخواص، و ثانيهما، أما الأول فهو «رئيس القاعة الخاصة». و كان السلحدار من المقربين للسلطان و لهذا السبب كانت من الوظائف المهمة.

و خلال المواكب الإحتفالية و المراسم كان يسير خلف السلطان مباشرة على الجانب الأيمن و قد امتطى صهوة جواده المطهم، و هو فى كامل ملابسه المرصعة.

قد استحدث هذا اللقب فى عصر يلدبرم بايزيد- بايزيد الصاعقة، و يبين قانون محمد الفاتح أن هذا المنصب كان مهما منذ ذلك التاريخ .. و كان صاحب هذا المنصب يتلقى تعليما، و تنشئة جيدة مسبقة فى السراى الهمايونى.

كان صاحبه يتدرج فى مناصب سابقة حتى يصل إلى هذا المنصب. و كان منذ عهد السلطان مصطفى الثانى أى 1110 ه- 99/ 1698 م يصدر بشأنه فرمان خاص بمن يتولى هذا المنصب مما زاد من قيمته.

و كان من حقه أن يشرف، و يفتش على كل الوظائف و المهام داخل السراى.

و كانت تمنح لهم رتبة الوالى على بعض الولايات المهمة مثل مصر و غيرها كنوع من الإحسان السلطانى؛ كترضية أو كمكافئة، أو أن يعيّن أحدهما قبطانا بحريا أو قائدا للإسطول، بل وصل بعضهم إلى الصدارة، و من لم ينل رتبة الوزارة فقد كان ينال الاقطاعات، و الزعامات و التيمارات الشاسعة. و من كان منهم ينال هذه العطايا فقد كان يعيش طوال حياته مرفها. و من كان يعين سلحدارا، كان يمنح مبلغا نقديا تحت مسمى «عجميلك» قد وصل فى القرن الثانى عشر الهجرى، الثامن عشر الميلادى 11600 آقچة.

و كان السلحدار يختار من بين الشخصيات العلمية و قد وصل منهم ما لا يقل عن عشرين شخصية بمنصب الصدارة العظمى.

كان يطلق على رئيسهم «سلحدار آغا» أى آغا السلحدار. كما كان من بين تشكيلات الانكشارية بلوكا يطلق عليه «بلوك السلحدار» و كانت قواته من الخيّالة و الفرسان. كما كانت هناك خزينة خاصة تحت حراستهم ملاصقة لدائرة السلطان، و لدائرة الأمانات المقدسة فى سراى السلطان، و كانت تحفظ فيها الأشياء القيمة إلى جانب أسلحة السلطان.

و هم الذين كانوا يؤمنون طريق الجيش عند التوجه إلى الحرب. و من القوات المهمة المرافقة لموكب الحج و المحمل المتجه إلى الحرمين الشريفين، و تكون هذه القوات تحت إمرة أمير قافلة الحج الشامى. «المترجم»

(2) چوخه دار-Cuhadar : مصطلح يطلق على الشخص الذى كان يقوم على خدمة السلطان فى إعداد، و تنظيف و تلبيس الأحذية.

ثم توسع حتى شمل من يقومون باسدال الستائر و فتحها فى السراى، و قصور الوزراء و كبار رجال الدولة. و لما كانوا يلبسون الجوخ فقد أطلق عليهم الإسم مشتقا مما يلبسون «أى آصحاب الجوخ».

و من يقوم بهذه المهمة فى المقاسات العسكرية يطلق عليهم «پارده چاويشى» أى جاويش الستارة. و كانوا يتولون أعمالا أخرى إلى جانب أعمالهم هذه. و كانوا يمرون ضمن المواكب و الإحتفالات كنوع من الزينة، و البهرجة و إظهار للثناء.

ثم انتقلت هذه الوظيفة إلى سائر الولايات. كما كانوا يتواجدون فى رفقة قادة الجيوش فى وقت الحرب، و فى معية أمير قافلة الحج. «المترجم»

182

النفوس الحشمة و الهيبة، فى نفس الوقت، و من بعدهم رئيس السقائين و قد حمل فى يده مطرة «قربة» من الجوهر الخالص، ثم ثمانية من الشطار (1) و قد علقوا فى خصورهم أحزمة من الفضة الخالصة، و البلط الفولاذية، و على رؤوسهم طاسات ذهبية، و فى أعقابهم، أمير الاسطبل‏ (2) و قائد بلوك الحرس، و الإمام و المؤذن كل على صهوة جواده.

كما كان الباشا قد إرتدى درعه كذلك، و كان يمضى فى تئودة، و هو يلقى بالسلام، و التحية على من إصطفوا على الجانبين، و يرد عليهم تحياتهم.

و كانت الصفوف الخلفية تشمل بقية السلحدارية، و الچوخه دارية، و حوالى مائتين من الآغوات؛ و قد ارتدوا ملابسهم المزدانة بالقصب و القشيب، ثم‏

____________

(1) الشطار: جمع شاطر

مصطلح يطلق على قسم من الذين يكونون فى معية السلطان العثمانى و كانوا يسيرون فى كوبة مطنطنة حول السلطان بملابسهم المزركشة زيادة فى الأبهة. و كان هناك مثيل لهم يسيرون حول الصدر الأعظم، أو الوزراء.

و كانوا مرتبطون بالتشكيلات الملحقة بالسراي. و يمكن اعتبارهم الحرس الخاص للصدر الأعظم، و الوزراء فى بعض العصور.

و يطلق على رئيسهم «شاطر ياشى» الباششاطر. (المترجم)

(2) أمير الأسطبل: آميرى آخور: لقب يطلق على المسئول عن الإسطبل السلطانى، و كان هو المنوط به إعداد الجنول للسراى، و للسلطان. و يعتبر من كبار القواد و رجالات الدولة. و المقربين إلى السلطان. (المترجم)

183

الكتخدا، و الخزنه دار (1) و فرقة الموسيقى المكونة من ثمانية أطقم، و هى تصدح بموسيقاتها العسكرية. و كانت مكة ذاتها، البطحاء تصدح هى الآخرى بتلك الموسيقى. و من خلف الفرقة الموسيقية رئيس الطباخين، و الذوّاقة (2) بآعلامهم، و كتخدا الاسطبل، و السرّاجين ثم السقّائين، و الجمّالة، و حملة المشاعل. و من بينهم جاوشية إثنى عشر آلايا (3) من المشاة، و قد امتطوا صهوة جياد، مزدانة، آعرافها بزينة براقة، و قد ارتدوا هم أنفسهم الملابس الحريرية،

____________

(1) خدينة دار- الخازن؛Hazinedar : مصطلح مالى، و إدارى يطلق على القيّم على الخزينة التى تحفظ فيها الأشياء القيمة و المجوهرات الخاصة بالسراى و يرأسهم من يطلق عليه خزينه دار باشى أى الباشخزينه دار أو الباشخزنه دار. و هو اللقب الذى كان يطلق على رئيس خزنة السلطان فى السراى. و هو من أهم الشخصيات فى السراى، أو فى قصر الحكم فى الولايات. و كان من الضباط الكبار فى السراى. و هو المسئول عن الموظفين الذين يعملون تحت إمرته. و من ضمن وظائفه إلى جانب الحفاظ على الخزينه، فهو يباشر فرد سجادة الصلاة للسلطان أو الصدر الأعظم الخ كما يهتم بقفازات السلطان، و حمايته من أى ضرر قد يكون كامن فى هذه الأشياء. و فى الأيام الأخيرة من حياة الدولة العثمانية انحصرت هذه الوظيفة فى سراى طوپ قپو فقط.

كانوا يذهبون فى رفقة أمير الحج و هم المناط بهم حفظ الهدايا التى تقدم إلى الحرمين الشريفين، و الأشراف، و السادات و المجاورين و العلماء فى مدن الحجاز فى موسم الحج «المترجم»

(2) الذواقة- چشنه كبر؛- چشنى يار:Cesniyar : هو المكلف بتذوق سائر الأطعمة قبل تقديمها داخل السرايى ..

و هم مخصصون للعمل داخل قسم الحريم فى السراى. و كانوا يقسمون إلى مجموعتين، إحداهما يتولون الخدمة العامة و الأخرى للخدمة الخاصة داخل قسم الحريم. و كان كل قسم مكون من سبع وظائف يعملون داخل السرايا.

و كان و هم؛ الخزينة دار صاحب الخزينة، الأبريقدار- صاحب الإبريق و حامله. اوسطى الكيلار، اوسطى الغسيل، الأوسطى القهوجى، اوسطى الصناديق- صناديق الحلي و الملابس» و كان الذواقة على رأسهم جميعا. و منوط به سلامة السلطان أو الصدر الأعظم، أو الوزير، أو الوالى أو من يقوم بخدمتهم. و كان الذواقة مع اوسطى الكيلارهما.

المسئولون عن الطعام و الشراب فى السراى أو الوالى، أو أمير الجند، أو قافلة الحج، و كانوا جميعا يمرون فى المواكب بملابسهم المميزة لهم.

و كان كلاهما يظلان بالقرب من المائدة حتى رفعها. و مناط بهما اعدادها، و تذوق الطعام و الفاكهة، و الشراب قبل تقديمها. «المترجم»

(3) الآلاى:Alay : مصطلح عسكرى يطلق على جماعة أو مجموعة متجانسة تمر فى موكب ما، و أصبحت تطلق على العرض العسكرى. أو الموكب الذى يمر أمام السلطان، أو الملك، أو الرئيس فى أيام معينه. و من أهم الشخصيات فى المواكب أمير الآلاى، و قائد الآلاى، و أمين الآلاى. و كاتب الآلاى.

و كذلك أخذ يطلق علي مجموعة فى التشكيلات و التنظيم العسكرى؛ فالآلاى؛ يضم المشاه، و الخيالة و المدفعية، و من نظم الجيش العثمانى أن الآلاى يتكون من أربعة طوابير مشاه، و خمس بلوكات فرسان، و ست بطاريات مدفعية فى كل بطارية أربعة مدافع بأطقمها.

و إن كان هذا التشكيل قد طرأت عليه الكثير من التغييرات على مر العصور. و أضيف اليها فى العصر الحديث؛ إمام الآلاى، و مفتى الآلاى، و جاويش الآلاى. و كان لكل آلاى علمه الخاص به يرفعه عند المرور فى الموكب أو العرض العسكرى. «المترجم»

184

و المخملية، و المكونة من شلوار أطلسى، و عمامات خرطاوية، و قد أمسكوا فى أيديهم صولجانات فضية، و كانوا يمرون من بين الصفوف من حين لآخر للإشراف على حسن اصطفاف الجنود.

لقد مر موكب الباشا، و آغواته، و بعد ذلك اختلط الجنود المصرية و الشامية ببعضهم، و أطلقت الفشنكات فرحا، و إبتهاجا، و ضجت كل النواحى بأصوات البنادق، التى انطلقت فى كل مكان.

و بعد أن عبر الموكب مطلعا، ترائى للجميع آعيان مكة، و أشرافها، و مواكب الشريف سعد شخصيا برجاله الحفاة، العراة، الرؤوس، و قد وقفوا على يمين الطريق للتحية بملابسهم البيضاء، و لم يضعوا على رؤوسهم عماماتهم الخضراء.

فيحكى أنه عندما كان قايتباى سلطانا على مصر حضرت شقيقته إلى مكة، و لكن شريفها لم يسمح لها بالزيارة، و الطواف ما لم يأخذ ثلاثة آلاف دينار ذهبى، كما تقاضى من كل حاج عند الطواف مائة دينار. و عند عودة شقيقة قايتباى، أراد مقابلتها، و لكنها رفضت اللقاء معه، و لما سألوا عن السبب قالوا:

(آلا تخاف من السلطان قايتباى .. حتى تطلب من شقيقته ثلاثة آلاف دينار؟

فقال هو بدوره- إن كان قايتباى قادرا، فليحضر بعشرة آلاف فارس، و ليسترد هذه النقود إن استطاع. و ما كان من شقيقة قايتباى إلا أن قطعت على نفسها عهدا آلا تكلم آخاها ما لم ينتقم لها منه).

و على الفور أعد قايتباى إثنى عشر ألف فارس، و سار بهم نحو مكة. و قبض على كل الآشراف، و استرد أموال الحجاج، و بعث بسبعمائة شريف إلى مصر، و منعهم من «لبس العمامة الخضراء، أو ركوب خيول لها ذيول، أو إرتداء أى نوع من الآخذية. بل عليهم أن يمتطوها، و هم حفاة الأقدام، و ألجمتها من الحبال العادية».

و استبقى ثلاثة أشراف فقط فى مكة؛ أحدهما الشريف الكبير، و الثانى شريف الميمنه، و الثالث شريف الميسرة. و هكذا، و فى مكان العرض المتواضع رأيت بنفسى الأشراف، و المكيين على هذا المنوال السابق شرحه. و فى هذا العرض كان يوجد الدراويش الزيديين. و حوالى مائتين من جنود الشريف العراة.

185

وصل موكب حسين باشا إلي وادى «أبطح» و مر بالمكان المسمى «المعلا»، و على جانبى الطريق إصطف مئات الآلاف من الحجاج الذين وفدوا من شتى بقاع العالم الإسلامى، و كانوا يرددون «حفظك اللّه يا وزير السلطان» أما النساء فقد كن يطلقن زغاريدهن المدوية من مقام الحجاز. و ما أن مر الموكب من منطقة المعلا هذه حتى بدت للجميع مدينة مكة المكرمة. و على كل حاج، أو عابر لمنطقة المعلا هذه أن يقرأ سورة أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) .... (1) لإن آلاف من الصحابة الكرام مدفونين بها. و لما بدت مآذن، و منارات مكة المكرمة، للعيان، علت أصوات جند الإسلام جميعا بالتلبية مرددين «لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك ...» فالإكثار من التلبية مستحب.

و فى اليوم التاسع من ذى الحجة لسنة 1082 ه- 1671 م، هذه أقام معالى الوزير حسين باشا معسكره فى منطقة المعلّا هذه.

وادى المعلا:

هنا أخذ الجند يطلقون البنادق، و المدافع ثلاث نوبات متتالية، حتى دوت الوديان، و السماء مرددة أصوات تلك الطلقات. ثم إنعقد الديوان‏ (2) بعد ذلك.

ثم أصدر الباشا أوامره و تنبيهاته التى بلغت إلى الجنود الشاميين، و إلى جنده عن طريق الجاوشية، بأن يكون الجميع فى وضع الإستعداد و أفتى أرباب المذاهب الأربعة؛

____________

(1) سورة التكاثر الآيتان 1، 2.

(2) الديوان-Divan : أصلا فارسيه، أنتقلت إلي اللغة العربية مع بدايات الفتح الإسلامى، و يستخدم فى معانى مختلفة؛ فيجتمع فيه أهل الحل و العقد لتسيير أمور الأمة سواء من النواحى السياسية، أو العسكرية، أو المالية، أو الإدارية، أو العدلية، أو المالية.

فى النواحى المالية؛ يعنى دفتر قيد الدخل و المنصرف فى كل المصالح الإدارية، أما اداريا فيطلق على الهيئة أو الجماعة التى تدير الأمور بالدولة؛ فهناك ديوان الرئاسة، و ديوان الوزارة، و ديوان الولاية، و ديوان الإمارة، و ديوان الحرب ... و قد عرفته كل الدول الإسلامية.

أما الديوان فى الأدب فله مجال آخر.

و كان لكل ولاية ديوان خاص بها، يرأسه الوالى، و يتكون من أركان الولاية للبت و النظر فى شتى أمورها. و حتى كان للديوان ترجمانه للقيام بمهام الترجمة فى الولايات التى يتطلب فيها الأمر ذلك. و كان ديوان الحرب ينعقد تحت رئاسة السلطان، كما أن ديوان قافلة الحج كان يضم كل الشخصيات المعنية، و يرأسه أمير قافلة الحج. «المترجم»

186

«ألا يحرم الجند، و يكفى أن يلبسوا ملابسهم مقلوبة و أن تجولهم، و هم يحملون سلاحهم سنة». و هكذا، بهذه الكيفية أدى الجنود طواف القدوم، و سعوا بين الصفا، و المروة مؤدين العمرة.

و فى اجتماع الديوان قال المجتمعون «ان الشريف ينوى العصيان، و من المناسب عزله، و تعيين الشريف أحمد مكانه». و لكن الباشا اعترض على هذا الرأى قائلا:

- أيها الآغوات .. أيها البكوات .. أرجو الإنتباه، إلى أنه لو حدث ذلك الآن ..

فإن جميع خلق اللّه هنا سيداسون تحت سنابك خيول البدو .. فلا تقولوا مثل هذا الكلام». و ما أن قال ذلك حتى تعجب المصريون و الشوام.

و قام الباشا بالتوجه إلى مقام الشريف سعد، و سلّمه رسالة السلطان، و أنعم عليه بفراء من السمّور. فما كان من الشريف؛ ردا على هذا الإنعام، و بناءا على طلب الباشا منه إلا أن يكون فى خدمة حجاج بيت اللّه الحرام، و أن يتوجه إلى منى و أن قدم إلى الباشا القهوة العربية، و الشربات، و ماء الورد، و أهداه مجوهرات ثمينة، و فرسين كحيلين، و قطارا من الجمال الهجين، و على صهوة كل منهم غلاما حبشيا عاد الباشا إلى خيمته، و على الفور توجه إلى منى، و عرفات. و صعد إلى عرفات فى موكب عظيم،

و إلى عرفات، و منى و حيث يقيم الباشا معسكره، يفد البدو و الإعراب من كل صوب بآغنامهم، و يتسابقون فى تقديم الهدايا إلي الباشا. و كل الآشراف يعيشون فى بزخ، و ترف، و ذوق، و صفاء على عرفات، فهم جميعا من أهل الذوق، و حب الحياة. فمرتباتهم تأتيهم بلا تعب، أو كد، و يعيشون على ما يأتيهم من هدايا، من كافة أنحاء العالم الإسلامى، و الأشراف أناس مسرفون جدا، فكل شريف منهم ينفق مالا يقل عن أربعة، أو خمسة آلاف دينار، ذهبى، منذ خروجه من مكة إلى وصوله إلى عرفات فقط؛ ففى مكة يتم التعامل بالعملات الذهبية، و الفضية فقط.

و فى يوم التلبية؛ يتوجه أولا جند مصر إلى عرفات ملبين، ثم يمر الجنود الشاميين بالمحمل الشريف‏ (1). و هما تمام وصول مواكب كل من مصر، و الشام، و مكة إلى عرفات.

____________

(1) المحمل الشريف: مصطلح إدارى يستخدم للدلالة على الوسيلة التى كانت تستعمل لحمل، و نقل الصرة

187

و قد نزلت آية كريمة، من قبل رب العزة، و الجلال، بواسطة جبريل الأمين، على الرسول الأكرم؛ عن مناسك الحج؛ التى علّمها (صلى اللّه عليه و سلّم) للخلفاء الراشدين، و الصحابة الأخيار، و اخلافهم المحترمين‏ (1).

و طبقا لما يذكره المفسرون، فى كتب التفسير؛ فإن هناك سبع و سبعون آية كريمة (1)، نزلت عن مكة المكرمة. و فيما يلى كيفية آداء فريضة الحج:

يصل الحاج إلى مكان الميقات حيث يغتسل، و يحرم، و يجب أن يتخذ لنفسه مطوفا أى مرشدا، ثم يمر بمكانى المعلا، و الأبطح ملبيا.

و الأبطح مكان به بساتين، و قبور، و منه يدخل الحجيج إلى مكة. و هنا لك، داخل السوق توجد تبتين، حادتين. و من هنا لك تبدو مآذن مكة. و يعبر الحاج من ذلك الموقع، و كذلك سوق الصفا و المروة، و هو يدعو متجها، نحو الحرم الخارجى، لباب السلام. و عليه أن يدخل من باب السلام مبسملا. و باب السلام هذا يفتح صوب المشرق، و على عتبته يوجد حجر نفطي أى يميل لونه بين الأسود، و الأخضر، و عند الدخول من هذا الباب، فعلى الداخل أن يطء هذه العتبة بقدمه اليسرى،

____________

- و ستارة الكعبة الشريفة و الهدايا المقدمة من الخليفة، أو السلطان، أو الوالى، أو الحاكم إلي الحرمين الشريفين، و أهل الحجاز عامة، خلال العصور الإسلامية السابقة. و غالبا ما كانت هذه الأشياء تحمل على الجمال؛ و لو كان السلطان أو والى مصر يشيّع بنفسه المحمل عند سفره من استانبول، أو القاهرة، أو الشام، و كانت تتم مراسم تسيير المحمل مع آلاى الصرة فى اواسط شهر شعبان من كل عام، وسط احتفالات شعبية و رسمية بديعة.

و كان كل والى يتولي شئوون المحمل و رعايته خلال مروره عبر ولايته، ثم يتم استقباله من قبل أمير مكة و واليها و قوادها، و آغوات الحرمين فى كل من المدينة المنورة، و مكة المكرمة وسط حفاوة بالغة. و قد أفرد الحديث عنه فى المقدمة. «المترجم»

(1) آيات مناسك الحج:

1- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِ‏ سورة البقرة آية 189 مدنية.

2- وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ سورة البقرة آية 196 مدنية.

3- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‏ سورة البقرة آية 196 مدنية.

4- فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ‏ سورة البقرة آية 197 مدنية.

5- وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ‏ سورة البقرة آية 197 مدنية.

6- وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ سورة التوبة، آية 3 مدنية.

7- وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ سورة الحج، آية 27 مدنية.

8- وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا سورة آل عمران، آية 97.

188

و يسير مسافة ثنتا عشرة خطوة، فتبدو له كعبة اللّه، و قد توسطت البيت الحرام، و هى مزدانة فى كسوتها السوداء. و باب السلام مكون من ثلاث ضلف متجاورة، و ما أن يدخل الفرد من هذا الباب حتى يسمى باسم اللّه، ثم يلبى سائرا، داخل الحرم حوالى مائتى خطوة.

و معنى التلبية: «عند ما بنى سيدنا ابراهيم الكعبة أمره اللّه تعالى قائلا: يا إبراهيم قل لعبادى ليأتوا إلى بيتى، من يؤمن بى إلى يوم القيامة. فبلغ سيدنا إبراهيم أمر الحج، هذا، إلى أبناء آدم، فقالوا لبيك .. يا من دعاك اللّه، و جعل الحج من نصيبك، فيجب ألا تكف عن التلبية، و ألا تسقطها من لسانك .. فأنت ضيف اللّه مدعو من قبل الرحمن:

(من كان له نصيب فى الكعبة فرحمة اللّه له فالحق يدعو من أحبّه إلى بيته).

***

189

فصل في أوصاف طواف الوداع‏

إن طواف الوداع، يسمى ايضا طواف طواف" صادر" و مناسكه كمناسك طواف القدوم، أو طواف الزيارة .. و كما سبقت الاشارة يتم الطواف سبعة أشواط، ثم الصفا و المروة، ثم الدعاء المعهود، و تمني العودة و الدعاء لذوى القربي .. و من سألنا الدعاء بأن ينالوا ما نلّنا .. و بعد الحلق أو التقصير، يتم خلع الاحرام .. و لا تجوز العمرة بعد أداء طواف الزيارة .. و لكن خلال طواف الزيارة لك أن تجلس في الكعبة المشرفة ما طابت نفسك بالجلوس. و بطواف الوداع هذا المشار اليه تكون مناسك الحج قد اكتملت .. و خلال هذه المدة يمكن أن تهب الدعاء. و الحج إذا كنت نويت الحج عن أحد- لمن أردت من الاهل، أو الاستاذة أو أولياء النعم .. و لا بد أن تكون علي ثقة من تمام اركان الحج حتي تنال القبول .. و يكون الحج مبرورا .. و من المعروف أنه بعد النزول من مني و أداء طواف الوداع هذا فيحق لك بعدها التوجه إلي المدينة، أو جده، أو ينبع .. و الذين ينوون التوجه إلي مصر يكونون قد أدوا طواف الوداع ..

و لكن يجب في هذا الطواف السكينة، و الهدوء، و عدم السرعة مثلما يحدث في الطواف السابق .. بل يكون علي تؤوده .. و حتي السعي بين الصفا، و المروة يجب أن يكون علي مهل هذا الطواف، واجب علي كل صادر أي مغادر، و لكنه غير واجب علي المكيين و المقيمين .. و لكن لو أدّوه فهو ثواب، و مهما كانت قدرتك علي شرب ماء زمزم .. فاشرب .. و أشرب علي نّية ما تشرب من أجله و اصبب من ماء زمزم- قبل المغادرة- علي شعرك و لحيتك، و اغسل وجهك، و لو أمكنك الغسل بنية الاستشفاء، فهذا أيضا جائز .. و لكن لا يجوز الاغتسال، و التطهر به في غير مكانه، أو موضعه .. و بعد ذلك قبل أعتاب و استار الكعبة .. و إذا كان متاح لك دخول بيت اللّه الحرام، فادخله و لكن بعض الفقهاء؛ يرون أنه من الافضل عدم الدخول .. و لكن من يكتب له اللّه أن تلمس قدماه أرض داخل الكعبة، فكأنما قد لمست أو لامست قدماه كل بقاع الدنيا .. و قد منح اللّه هذا الفضل للخادم الحقير إلي ربه .. و سجدت تحت المزراب الذهبي.

يحرص الزوّار، و المودعون أن يلمسوا، أو يمسحوا وجوههم، و صدورهم فى جدران الكعبة، و تزداد هذه الرغبة فيما بين باب الكعبة، و الحجر الأسود و يحاولون‏

190

جهد طاقتهم تقبيل الحجر الأسود، و يتعلقوا بأستار الكعبة .. و معلق بالأستار ثنتا و أربعين حلقة .. و قد ربطت أطرافها أي أطراف الكعبة بهذه الحلقان .. بينما التعلق بهذه الحلقان، و حتى تقبيل أطراف ستائر الكعبة .. و التمسح بكسوة الكعبة الشريفة، و تقبيل الجدران .. ليست سنة مفروضة .. أو واجبة، أو حتى مستحبة ..

و لكن محبة الخدمة فى بيت اللّه، و العمل تطوعا، و محبة؛ لا يخلو هذا من ثواب ..

و لكن تقبيل الحجر الأسود سنة محببة عن رسول اللّه «(صلى اللّه عليه و سلّم)» حتى أنه؛ يروى عن حضرة عمر، رضى اللّه عنه أنه قال .. «يا حجر لو لا أننى رأيت رسول اللّه يقبلك لما قبلتك ..». و بهذا يكون طواف الوداع قد تم .. و بعد ذلك مهما تطوّفت بالبيت العتيق تطوّف .. و يستحب مثل هذا الدعاء فى ختام طواف الوداع‏ اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك الحرام .. و إن جعلته فعوضنى عنه بالجنة يا أرحم الراحمين‏.

«و على هذا المنوال أتممت أنا العبد الحقير طواف الوداع، و الحج .. فليتقبله جناب المولي العزيز .. و السلام ..»

***

191

الأوصاف البهيجة لمدينة مكة المكرمة

عند ما أصبح الشريف بركات شريفا، دخل إلى المدينة المكرمة وسط إحتفال عظيم. و جاء إلى الحرم الشريف، و جلس عند الدرجة الثالثة، أسفل منبر رسول اللّه «(صلى اللّه عليه و سلّم)». و جاء جميع الأشراف، و الشرفاء، و المشايخ، و أهل الوفاء من الأئمة، و الخطباء، و العلماء، و جميع الآعيان الكبار، و على العموم؛ حضر الجميع، الكبير و الصغير، إلى الحرم الشريف، و بايعوا الشريف بركات. و نادى المنادون فى كل مدينة مكة باعطاء الأمان لخلق اللّه، و منح آمان آل عثمان لجميع خلق اللّه؛ و بشروا الناس بأنهم سيكونون فى أسعد حال. و استمر الإحتفال، و الإبتهاج ثلاثة أيام، و ثلاث ليالي، و زيّن كل الناس مساكنهم، و متاجرهم، و محلاتهم، و طالب المنادون الآهالي بأن يزينوا دكاكينهم .. و ما أن سمع الآهالي ذلك، حتى ردّدوا العظمة للّه‏ و ما هي إلا ساعات حتى تحولت المدينة، بداية من الجامع الشريف و الطرقات العامة إلى محفل يمج بالنشاط، و تم تنظيف و تطهير الشوارع و الطرقات، و كل شخص من الاهالى حسب مقدرته، قام بتزيين منزله.

و فتحوا أبوابهم، و شرعوا فى زيارة بعضهم البعض، و زيارة حجاج المسلمين و زيّن كل واحد من الآهالى باب بيته أو دكانه بآحلى أنواع الزينة، و علقوا القناديل و الثريات حتى تشعشعت المدينة بالأضواء المتلئلئة. و أشعلت آلاف القناديل و الشموع، و المصابيح، و الفوانيس فى جميع الأسواق السلطانية- الرئيسية.

و علقت آلاف، بل مئات الآلاف من المشاعل، و الشمع الكافوري حتى تبددت ظلمة الليال؛ و أصبح الليل مضيئا كالنهار تماما ... و استمرت الصحبة. كما يكون الحال فى ليلة القدر- حتى الصباح .. و لما كانت مدينة مكة مدينة منورة، فأضحى نور على نور .. و قام كل آصحاب الحرف بتنظيف دكاكينهم .. و جمّلوها بالمفارش و الطنامس، و أخذوا فى السمر و التسامر مع بعضهم البعض، و مع أحباءهم ..

و تبادلوا شتى أنواع المشروبات كالشربات، و الشاي، و القشير، و السحلب، و قدموا المهلبية، و القهوة. و اللبن الخالص و العيران. (1) .. و كانت هناك أمام بعض الدكاكين، أو أمام بعض الخانات مطربون، و مقرؤون و مضحكون .. و غوازى،

____________

(1) العيران: لبن خض يضرب بالملح، و يشرب، و يقدم مع الطعام و يستحب فى فصل الصيف و اشتداد الحرارة. لبن منزوع الدسم يضاف إليه الملح و يشرب بادرا. «المترجم»

192

و فتيات عفيفات، بأصواتهن الملائكية يتغنون بالموال الحزين .. أو بالقصائد الغزلية .. و ترقص الراقصات و الراقصون .. و الكل يطلق «الحي .. هو» (1).

و تشمل المكان نغمة روحانية بحيث لا يتمالك الحضور نفسه عن التكبير و آرباب التجارة .. كان كل منهم يعرض ما لديه من بضائع رائجة .. و فى سوق لحسا- الاحساء، سوق اللولي- «اللؤلؤ ..» كما يسمونه .. و يؤدى إليه طريق عام ..

أو هو نفسه طريق عام .. سوق طويل المتاجر على الجانبين، جميع دكاكينه كشباك السمك، قد نسجت من شبك رقيق .. و تمتد على الطريق بمصلوبات جميلة ..

و السوق كله مزين .. و معروض فيه و على الطريق الرئيسى شتى أنواع الحرير الأخضر .. و القمحى- البني الفاتح و اللون البحري أى الأزرق فى زرقة البحر .. كما تعرض القطيفة.

كما توجد فى دكاكين بائعى الجواهر الألماس، و الياقوت اللعل- الأحمر و الزمرد، و الفيروز- الپيروز، و العقيق، و اليمنى‏ (2) و الصمغ الجبلى و زبرجد عين الحور، و عين السمك. و كل أنواع المجوهرات الغالية الثمن قد عرضها آصحاب المحلات فى عروض مبهجة ... حتى حوّلت شمس مكة المشرقة إلى شموس مشعشعة. و لما كانت أشعة شمس الدنيا تسقط عليها لم يكن يستطيع المرء أن ينظر إلى الأشعة المنبعثة عنها .. و لم يكن ليجرأ أن يفتح عينيه تجاهها .. و كانت العيون النرجسية تقف أمامها مبهورة ..

أما فى سوق العطارين؛ حتى فى حالة عدم العبور، فإن موارد العود، و العنبر الخام، و العود الملبّس، و المسك، و الكافور المسكي، و السنبل الهندي، و السنبل الخيطاى تفوح روائحها .. و تعبق المكان و يصبح رأس، و دماغ كل انسان معطر ..

أما فى سوق السلقرى؛ فإنك ترى الورد، و الفل و السنبل، و الصندل، و ماء الورد و العطر السلطانى، و الياسمين، و البنفسج، و الحناء .. كلها تفوح منها الروائح التى تعيد روح الشباب إلى الإنسان.

____________

(1) أكبر الظن أن الرحالة يقصد حلقات الذكر؛ بما كان يجرى فيها من انشاد دينى، و ذكر و تراتيل، و يجتمع فيها أرباب الطرق الصوفية، و فى حلقات الذكر كانوا يطلقون بشكل جماعى، و متكرر «اللّه .. هو .. الحي هو ...» المترجم‏

(2) اليمنى: غطاء رأس. أو تاج يوضع على الرأس، أو تلبسه العروسة فى ليلة الزفاف، و يكون من القماش المطرز، أو الذهب أو الفضة المشغولة، و المنقوشة بالموثيقات اليمنية. و هو مشهور فى بلدان الجزيرة العربية. و يطلق أيضا على حذاء الجلد حفيف، مدبب الطرف الأمامي، و رقيق الحواف. «المترجم»

193

و ما أن يفرغ جميع الحجاج من الطواف و السعي بين الصفا و المروة حتى يمكثوا بعض الوقت فى واحد من هذه الدكاكين التى يرحب أصحابها بهم قائلين «أهلا ..

و سهلا ..» و يعظمونهم .. و لا بد أن ينثروا عليهم من ماء الورد، و العطر، و البخور المائي .. و لا بد أن يشعلوا الكثير و العديد من البخور، و العنبر .. كما أنه من المعتاد أن ينثروا ماء الورد على الغادين و الرائحين فى الطريق العام أمام دكاكينهم .. و ذلك لأن أمر معاش أهل مكة منوط بالحجاج .. كما أن حضرة جناب الشريف قد أصدر تعليماته، و تنبيهاته بحسن رعاية الحجاج .. لكل هذا يحرص أهل مكة على إرضاء الحجاج، و جلب خاطرهم. خاصة و أن عددا كبيرا من الحجاج كان قد قتل داخل الحرم الشريف .. كما حدث نهب و إغارة على متاجر بعض التجار .. أما هذه السنة .. و فى داخل المدينة كان كل الناس يخرجون المشروبات، و المأكولات تعبيرا عن المحبة، و عرضا للبيع؛ و كان البيع و الشراء ميسرا. كما أن كل يوم؛ كانت تطبخ فى المطبخ الخليلى أنواع متعددة من الحلويات؛ كالمهلبيات، و الزولابيات، و سكر النبات و الحلويات الحموية، و ألوان متعددة من الأطعمة النفيسة و كانت تقدم للغريب، و كل الغرباء لدفع الجوع عنهم .. كما كانت تقدم أنواع معقولة من الأشربة المعروفة كشربات الورد و الليمون، و البنفسج، و الفراولة، و التوت، و الحمص، و الصندل، و كان الشربات يقدم من كل المنازل، و كل الدكاكين لكل من يريد أن يشرب دون أن يسأل عن درهم أو دينار. و هكذا .. فإن آلاف آلاف المسلمين الذين جاءوا ليؤدوا هذه الفريضة تحت هذه القبة الزرقاء طاعة، و طواعية منذ آمد بعيد، و هم يسعدون بهذه التلبية .. و تطيب نفوسهم و يشعرون و كأنهم فى الفردوس الموعود.

و إذا كان الحبيب النبى قد كرّمه اللّه بالرسالة، و هو فى الأربعين من عمره، فإن من بواعث المحبة لحضرته، أن اللّه سبحانه لم يجعل الحج مطلقا، بل ربطه بالقدرة، و الإستطاعة .. مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1)

و بالسلام أتممنا نسك الطواف و الزيارة ..

***

____________

(1) سورة آل عمران: آية 97.

194

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

195

كيف أصبح حضرة الشريف وكيلا لآل عثمان‏

منذ الخلفاء الراشدين، و العباسيين، و الأمويين و كل الخلفاء الذين تعاقبوا؛ و هم حريصون على أن يمنحوا خطا شريفا لكل من هو مشرف بالإنتساب إلى نسل النبي، و إذا ما أصبح هذا الشريف مسنا .. فهو يكون حكيما ذلك الوقت أى قاضيا ..

و كان إذا ما أبرز هذا الخط الشريف؛ كانت تفتح أمامه كل الحدود ..

و لما تم الفتح المبين لمصر لصالح الشاه سليم سنة 923 ه أعطى عهدا .. و كانت طوال آيام سليم شاه، و فى كل آيالة مصر يقرأ هذا العهد .. و ظل هذا القانون متبعا حتى بعد سليم، و أقره سليمان فى قانونه .. مفاد ذلك .. أن كل شخص؛ يحسّب، و ينسّب الحسن و الحسين .. أو يكون منتسبا إلى السادات الكرام، و يكون مسنا فيكون حكما أي قاضيا .. و لكن من ينطبق عليه هذا الشرط، و يكون حكما لا بد له أن يكون مأذونا، أي مسموحا له من قبل آل عثمان. فعندما فتح الشاه سليم مصر سنة 923 كان شريف ذلك الزمان هو حاكم مكة و قاضيها .. حتى أن إبن شريف مكة قد جاء إلى مصر بمفاتيح الكعبة المشرفة و سلم المفاتيح إلى السلطان سليم و آنذاك كان كل من أبو السعود الجارحي، و حضرة الكفافي، على قيد الحياة- فسألا سليما قائلين (يا سليم هل أنت خادم الحرمين الشريفين). و كان ذلك يوم جمعة. و قام ابن كمال باشا بالخطبة فى ذلك اليوم فى مصر.

خلاصة الكلام قد أحسن السلطان عليهم بالحكومة .. و لكن كان شرطه الأول؛ إذا ما توفى فينتقل الحكم إلي الكبير .. و هكذا .. و لكن إذا ما ظهر عصيان مفاجئ ..

فإن العزل و النصب يكون فى آيدي آل عثمان .. و تنتقل إلي آصحاب الاستقامة ولدا عن والد. و صاحب الاستقامة يكون هو الشريف، و تجدد له البراءة كل سنة .. و لا بد أن يكون على وفاق و حسن مودة مع وزراء مصر .. و أن يعملوا على خدمة الحجاج المسلمين .. و من يحوز هذه الشروط الأربعين يكون شريفا .. و يتوجه إلى مكة ..

و على هذا المنوال .. و طوال التاريخ .. و هم فى رعاية السلاطين المسلمين. و الشريف الذى يصبح حاكما يمنح ألف دينار ذهبي من السلطان كخاصة همايونية. و يحضر هذا المبلغ إليه أمير الحج المصرى. و يخصص نصف جمرك بندر جده، و ينبع البحر، و ينبع البر للأشراف .. و يتولى ضبط و إدارة ذلك نفر من قبلهم فى كل مكان من هذه‏

196

الإدارات. و بعرض خاص من سنان باشا (1) فاتح اليمن، يأتى الخط الشريف‏ (2) و ما زال ساريا حتى الآن‏ (3) و يخصص لهم سنويا مائتي كيسه. و يأتيهم من الهند، و اليمن و العجم، و المغرب و الحاصل من كل بلاد المسلمين ما يماثل خزينة مصر خمس مرات ذهبا، و يقدم إليهم ما يقرب من ثلاثة آلاف جندي من العرب و الأروام- «الترك» و سيطروا على مقاليد الحكم. و فى مرات عديدة يكون لهم الآلاف من العبيد البدو العرايا .. و لكن ليست لهم علوفه‏ (4). و كان يدين لهم بالطاعة جملة الآعراب البدو، و يقسموا لهم على «نصرة السلطان الشريف الهاشمى». و إذا لزم الأمر يحضرون إلى المحكمة و يقسمون على ذلك برأس الشريف قائلين «... بحق رأس الشريف». كما كان للشريف عبيد يطلقون البنادق العثمانية ذات البيارق الإثنى عشر. يحبون طائفة الأروام، لأنهم قوم شجعان. و وجهاء .. ليس للأشراف أطواغ‏ (5) أو أعلام، و لكن لهم رايات تشبه علم رسول اللّه. و كذلك لهم فرقة طبل، و دار ضيافة- مكرمه .. و قاضى بمخصصات شيخ الحرم. و لكن لم تمنح لهم الإجازة بذلك، و ذلك لكثرة العصيان فى الماضى .. و منذ أن شاروا ضد حاكم مصر قايتباى، و هم يركبون خيولا بدون ذنب كتأديب لهم. و إلى الآن، و صرة كل الأشراف ثنتا و ستون ألف دينار ذهبي. و أن أمير الحج المصرى، و أمين الصرة يحضران كل سنة هذا المقدار من الذهب، و يوزع على الجميع. كما أن لهم جرايات من الغلال تأتي من مصر .. هذه الجراية توزع سنويا على عشرة آلاف و ستين من الرجال و النساء ..

هذا إلى جانب الصرة، و العطايا و الخلع الفاخرة التى تأتى من طرف السلطان و يحسن بها عليهم .. إن مثل هذا الإحسان لم يكن له مثيل لآهالى مكة فى زمن‏

____________

(1) سنان باشا: تولى الصدارة العظمى خمس مرات فى زمن كل من مراد الثالث، و محمد الثالث و ينسب إلي الجنس الآلبانى. قام بضم العديد من البلدان إلى أملاك الدولة العثمانية، تولى ولاية مصر سنة 977 ه ثم قاد الحملات العثمانية على اليمن، و الهند، و عاد منها بغنائم كثيرة و منح لقب «غازى» لهذا السبب. توفى سنة 1004 ه عن عمر جاوز التسعين. «المترجم»

(2) الخط الشريف: هو المرسوم الذى يصدره السلطان بصدد أمر معيّن، أو بتكليف أحد موظفى الدولة بمهمة معينة، و محددة. «المترجم»

(3) المقصود هو السنة التى حج فيها آوليا چلبى و هى سنة 1082 ه.

(4) علوفه: مبالغ مالية، و كمية معينة من القمح و الدشيشة، و البتن كانت تخصص لبعض الفئات من العسكريين، و المدنيين و المشايخ فى الدولة العثمانية «المترجم»

(5) الطوغ: طرة من شعر الخيل، كانت تعطى فى العصور التركية المختلفة للأمراء و القادة كل حسب رتبته. «المترجم»

197

الأمويين، و العباسيين، و الفاطميين، و الأكراد- الأيوبيين، و التركمان- المماليك، و الچراكسة .. و لكن منذ سليم الأول و السلطان سليمان و قد شملت الصرة، و الصدقات، و الإنعامات سيدات الأشراف و جواريهم .. إن صرة آهل مكة، و أهل المدينة تأتى من مصر، و حتى الذين يقيمون فى مصر من أهل هاتين المدينتين المقدستين فإنهم تابعون لهذه الصرة؛ لأن هذه الولاية صحراء بيداء، و الغلال التى تأتيها من الطائف، و الحجاز، و عباس لا تكفى سكانها على الرغم من أن آراضيها شاسعة.

***

198

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

199

بيان حدود مكة المكرمة

يقع على الجانب الشمالي لمدينة مكة «جبل ناقيه» على مسافة ستة عشر منزلا.

و على البعد منه شمالا تقع آراضى الشام. و فى الجانب الغربي و على مسافة ثمانية عشر منزلا «مرحلة» يتم الوصول إلى المويلح. و ما بعدها مشاع لآراضى مصر. و على الجانب الجنوبي، و على بعد مسيرة إثنتى عشرة ساعة تقع جدة على شاطئ البحر، و ما بين الجنوب و الشرق؛ طريق مسيرته أربعة أيام، و هو مشاع لليمن. و فى الموقع الذى يقع عليه، و المسمى يلملم يحرم حجاج بلاد اليمن، و فى الجانب الشرقي، و على بعد عشرة مراحل، و عند الوصول إلى «نهر القاع» أي عند الوصول إلى نهر دجله تكون حدود كل من لحسا، و البصره، و في الإتجاه نحو الشمال الشرقى تقع بلاد آهل السيدة زبيده زوجة الخليفة هارون الرشيد .. و هى على بعد مسافة ست أو سبع مراحل. و هى مناطق بساتين بغداد. و على الطرف الشمالى لمدينة عباس تمتد أرض اللّه الواسعة، صحراء، بيداء ممتدة .. و حتى نهر الفرات، و عند الوصول إلى قلعة آناخ"Aneh " و قلعة سلمى"Selma " و قلعة الحلة"Hille "، و الكوفه تقع صحراء التيه .. و هى تيه بلا حدود .. و سبب ذكر و بيان هذه الحدود أن القرى، و القلاع، و القصبات الواقعة فيما بين هذه الحدود هى تحت تصرف حضرة الشريف، و خاضعة له. و ينصّب عليها حاكما- قاضيا من طرفه .. و لا يجرؤ أى فرد آخر على التدخل فى شئوون هذه المناطق. و فى كل سنة يخرج الشريف مع جملة عساكره للدوران، و التفتيش على الحجاز، و الطائف، و وادى قدى عباس. و ليس على الآراضى التى تحت سيطرته أي تيمار (1) أو زعامة (2) أو أمانة (3). أو مقاطعات‏ (4) إلا جده، و ينبع البحر فعليهما .. فمنهما؛ للشريف و لخادم جده عائلات منهما. و ليس لهم أي للآشراف علاقة بحكومة- إدارة جده؛ فيسيطر عليها لواءا مصريا من طرف والي‏

____________

(1) تيمار، اقطاعية كانت تعطى للعسكر.

(2) زعامة- زعامت، مساحة أكبر من الأراضى كانت تمنح لكبار العسكر.

(3) آمانة- آمنت: مساحة من الأرض، أو إدارة رسمية تمنح لشخص ما على سبيل الأمانة فى مقابل مبلغ معين و لفترة زمنية محددة.

(4) مقاطعة- مقاطعه: مساحة من الارض كانت تمنح فى مقابل مبلغ معين نظير خدمات محددة و يشترط زراعتها.

200

مصر أو وزيرها. و هو يسيطر على جده بمن معه من القوة التى يبلغ قوامها خمسمائة فردا. و السلام.

أوصاف مولوية مكة المكرمة:

وفقا لقانون فتح مصر منذ الخان سليم الأول، و مكة مولوية- مشيخة، بمخصصات قدرها خمسمائة آقچة- «بيضا» يوميا. و مهما كان حكم الشريف مطاعا، و نافذا على القرى و القصبات المشار إليها فإن حكم الموللا- الشيخ، نافذ عليها أيضا .. و كان للمدينة المنورة مولوية- مشيخة آخرى. و له مخصصاته، و مراسلاته الخاصة به. و كانت تخصص له دنانير من صرة مصر. و لتغطية تكاليف المعيشة كان يخصص له مائتي أردب من الغلال كصدقة. و كانت تسير فيها الأمور حسب الشرع النبوي الشريف، و لكن لبعد المسافة .. و مرور الزمن، تعرضت المشيخة منذ زمن السلطان محمد الرابع إلى تغيير يقضى بأن من يتصدى للخطبة فى عرفات، و من يعزل من المشايخ و يأتى إلى الآستانة دار السعادة، يكون فى استقباله موللا اسلامبول، و إلى أن صدر القانون الحالى، كان هناك اعتبار و احترام لمولوية المكرمة ... و لكن فى السوق السلطاني- العام فتدخل آهل الخرافة غنيمة. و تتحول الأمور التى لا قيمة لها لدى معدومي القيمة ذات قيمة؛ كذا .. تفقد الآشياء القيمة قيمتها فى أيدي الذين لا يعرفون قيمة الآشياء .. و بناء عليه بالرغم من كل القيم الموجودة بها أي بمكة المكرمة .. فقد تحولت إلى قضاء .. و آضحت هى و قضاء ينبع، و قضاء بدر حنين، و قضاء عباس تدار عرفيا من طرف حاكم جده و آغواتها .. و كان الآغوات الجداويون من عبيدى مصر .. و حدثت حروب بين حسن باشا، قائد جده، داخل مكه، حتى أنه هو نفسه قد استشهد. و قام الشريف المسمى حمود بإعمال الرماح، و السنان فى عساكر مصر، و مئات الحجاج بالقرب من ينبع. و لقد ارتكب من الفظائع، و المساوئ مما انعكس على وزير مصر الكتخدا ابراهيم باشا (1)، فقام هو بدوره بإعلام الدولة بما حدث، فأصدر السلطان خطا شريفا بمقتضاه توجه «قاپجى باش» إلى مصر، و جمع ثلاثة آلاف جندى من مصر، و ثلاث آلاف من‏

____________

(1) كتخدا ابراهيم باشا: كان واليا على مصر خلال رحلة آوليا چلبى الى الحجاز و مصر، و قد شمل آوليا چلبى برعايته بعد وصوله إلى مصر. «المترجم»

201

جنود الشام، و تجمعوا فى سنتنا هذه، و إنتقموا من الآشراف لحجاج المسلمين، و أخذوا بثأر القائد العثمانى الذى قتلوه .. و فر الشريف سعد. و نصّب مكانه الشريف بركات شريفا .. و سعدت مدينة مكة بذلك، و ساد الأمن و السكون جملة الحجاج، و المجاورين، و ضيوف الرحمن، أما الثلاثة آلاف جندى المصريين؛ فقد بقي نصفهم فى جده و النصف الآخر ظلوا فى مكة المكرمة بكل ما يلزمهم من مأكولات، و مشروبات و معهم ست قطع من المدفعية الشاهانية، بكل تجهيزاتها و معداتها الكاملة، و ذخيرتها، و ظلوا لحراسة بيت اللّه الحرام، و الحفاظ عليه ..

كما كانوا يمكثون طوال وقتهم و عمارة المدارس الواقعة على جوانب الحرم الأربعة .. كما تحصنوا بسطوح المبانى، و المدارس حول الحرم .. بحيث صار فوق الأسطح ما يوازى نفرا، أو نفرين للحفاظ على كل بدن يدخل الحرم. و تحول الحرم الشريف كالقلعة، بالرغم من أن هناك قلعة عظيمة فى وسط مدينة مكة المعظمة.

و لو كان بها مدافع لصارت قلعة مستحكمة تماما.

من المعروف أن الحرم الشريف فى السابق كان صغيرا، و متواضعا جدا و لكن تم توسيعه بما توالى عليه من الآعمال الخيرية لبعض السلاطين السابقين؛ و أصبح الحرم الشريف واسعا جدا .. و لكن فى سنة 959 ه، ذات ليلة رأى السلطان سليمان عليه الرحمة و الغفران حضرة رسول البشرية ((صلى اللّه عليه و سلّم)) فى المنام .. و خاطبه الرسول الكريم متفضلا: (يا سليمان .. سينعم اللّه عليك بفتح بلجراد و رودس و ألف و سبعمائة و أربعين من القلاع الصغيرة و الكبيرة، و توسّع دولة آل عثمان ..

فإنهض .. و بأموال هذه الغزوات و غنائمها، أقم قلعة متينة في القدس الشريف، و رباطا حصينا، في مدينتي المنورة هذه .. و انشأ حول كعبة بيت اللّه الحرام من جوانبه الأربعة حصارا منيفا .. إجعله فسيحا مبنيا على المتانة ..) .. استيقظ سليمان من نومه فورا .. و استبشر بفتح هذه القلاع .. و بأمر اللّه تيسر له فتح القلاع الحصينة .. و من أموال الغنائم؛ بنى قلعة فى كل من القدس الشريف، و طيبة الطيبة. و بعدها صرف عشرة أمثال أموال خزينة مصر .. و أقام المبانى العظيمة حول الحرم بحيث أصبحت كالقلعة المنيفة .. و سنبيّن على قدر الإمكان جميع التواريخ للمبانى التى تمت.

202

أشكال، و أوصاف و إحرام الحرم الشريف بيت الله الحرام:

ليكن معلوما للإخوان ذوى العقول، أن مكة المكرمة، و بيت اللّه الحرام تقع داخل واد ضيق و محدود يسمى «بكه»، و دائما إذا ما سالت الأمطار من الوديان السبعة المحيطة بها، فإنها تتجه نحو هذا الوادى، و تغرق الحرم .. و كان الملوك السابقون لا يجدون لذلك حلا. و فى كثير من السنين كان الحرم من كثرة الأمطار يتحول كالبحر، و كان حجاج المسلمين يخوضون وسط آمطار الرحمة للطواف من أجل أداء الفرض، لإن الإنس، و الجن لا يمكن أن يتخلوا عن الطواف. و لقد كلف السلطان سليمان القانوني المعمار سنان محمود باشا (1) بأن يجد وسيلة تحول دون إغراق الحرم الشريف، و الكعبة المشرفة بمياه أمطار الرحمة. و عيّنه معتمدا لذلك، فظل سنان باشا يجدد، و يوسع فى الحرم مدة سبع سنوات، و على جوانبه الأربعة جعل تسعة و ثلاثين بابا كبيرا .. و جعل العتبات السفلى لهذه الأبواب عالية، يصعد لها بخمس أو ست درجات من الحجارة الصلدة، و ينزل منها بعشرة أو إثنتي عشرة درجة. و كانت الآبواب عالية فوق هذه السلالم، و حمدا للّه، فمنذ ذلك التاريخ، و قد تخلص الحرم الشريف، و الكعبة المشرفة من هذا الخطر الذى كان يتهدده. و لكن باب السلام هو الباب الوحيد الذى يخلو من السلالم فى الطابق الداخلي، و لكن عند الطابق الخارجى فإن باب السلام يعلو عن سطح الأرض بسلّم مكوّن من ست درجات. و جميع الأبواب هكذا دائرا ما دارا ذات سلالم. أما البيت الشريف فإنه يقع داخل منطقة صخرية منخفضة، و جوانبه الأربعة و كأنها قلعة، و من الثابت أن السبل قد ضرب الحرم حتى فى أيام الرسول «(صلى اللّه عليه و سلّم)» و كان الصحابة الكرام يخرجون المياه بآياديهم الشريفة خارج الحرم.

و خلال خلافة الزبير بن العوام، أقيمت للبيت الحرام عتبات طويلة، و بالرغم من ذلك فقد دخلت مياه أمطار الرحمة عدة مرات آخرى إلى داخل البيت الشريف ..

و لو لم يقم سليمان العظيم بما قام على الوجه السابق شرحه، لما تخلص البيت العتيق‏

____________

(1) المعمار محمود سنان باشا: من كبار المعماريين الذين تتلمذوا على يدى قوجه سنان باشا. و قام بتنفيذ أعمال معمارية كثيرة على مستوى الإمبراطورية العثمانية.

203

من سيلان مياه السيل العرم. فرحمة اللّه عليه .. و لسوف نسجّل لكل سلطان فى حينه ما قدّمه من حسنات، و خيرات للحرم الشريف.

أما عن باب السلام؛ فهو ذلك الباب الفسيح الذى يشترط على كل الحجاج المسلمين أن يدخلوا إلى الحرم الشريف منه. و هو باب عال يمتد بإرتفاع ثلاثة أدوار فوق بعضها البعض. و فوق عتبته العليا، نرى بخط القره حصارى أحمد چلبي التاريخ التالي، و قد كتبه على رخام أبيض بالخط المذهب. و التأريخ هكذا:

(أمر بتعميره مولانا السلطان ابن السلطان سليمان خان ابن سلطان سليم خان أيد ظله سنة 959) كما يوجد فوق البناية العليا، هذا التاريخ (عمّر اللّه قبلتنا سنة 959).

أوصاف أبواب الحرم الشريف:

لقد أطلق الناس إسما على كل باب من أبواب الحرم، و حول الحرم الشريف الذى هو كالقلعة الضخمة تسع و ثلاثون بابا فى جهاته الأربع. و لكن فى بعض الأماكن يوجد ثلاثة أبواب فى نفس المكان و سنبّين كل الأبواب الموجودة كل باسمه، و رسمه ..

أولا الحرم الشريف يقع على زوايا أربع؛ على الجانب الشرقي أربعة أبواب؛ أولهم «باب السلام». و هو عبارة عن ثلاثة أبواب متجاورة، و صاف الأبواب متقنة الصنع، مغطاة بالنحاس الأصفر الباب الثاني؛ هو باب «بنى شيبه». و هم النسب الطاهر الذى ما زال مفتاح البيت الشريف عندهم. و هو أيضا عبارة عن ثلاثة أبواب متجاورة. كما يوجد بابان آخران على الجهة الشرقية. آحدهما هو «باب النبى».

و مكانه كان بيت الرسول المصطفى، و عند ما تم توسيع الحرم الشريف، أصبح بيت المصطفى داخل الحرم، و قد بنوا مكانه هذا الباب، و لهذا يسميه الناس «باب النبي». و بالقرب منه يقع «باب الجنائز». و هو عبارة عن بابين متجاورين. و له أحزمة غاية فى الصنعة و الإتقان. أما الباب الثالث فهو «باب العبّاس». و كان مكانه هو بيت العبّاس «رضى اللّه عنه»، و قد ضمّه سليمان حيند"Suleyman Hanid " إلى الحرم، و أقام مكانه بابا. و هو باب مضيئ، و لطيف، و الأبواب الثلاثة مشرقة.

204

أما الباب الرابع فهو؛ «باب على» كما يسميه الآهالى أيضا «باب بنى هاشم».

و به تتم أبواب الجهة الشرقية. و فى الجهة الجنوبية تقع سبعة أبواب. أولهم يسمونه «باب الأسواق». الباب الثاني هو «باب الصفا». و يسمى أيضا «باب بنى مخزوم».

و لما كان الصفا يبدأ من عنده لهذا سموه «باب الصفا». الباب الرابع هو «باب جناد». و هو عبارة عن بابين متجاورين. و «باب المجاهدية» هو الباب الخامس فى الجهة الجنوبية. أما الباب السادس فهو، «باب العجلان». و هو عبارة عن بابين متجاورين؛ أولهما هو «باب أم هانئ». هو غاية الغاية فى الدقة، و الصنعة. و كلا البابين متجاورين.

و على الجهة الغربية؛ ثلاثة أبواب. أولهما «باب ابراهيم» أما الثالث فيسمونه «باب العمرة». و هو باب صغير، و غير مرتفع. أما الثانى فهو «الباب العتيق». و هو باب غير مرتفع، يميل إلى الغرب. و الباب الرابع، و الكبير هو «باب زياد» .. و هو عبارة عن ثلاثة أبواب متجاورة. أما الباب الخامس فهو «باب الدرية» و هو بالقرب من منارة باب السلام. و هكذا، هذه هى أبواب الحرم الشريف على جوانبه الأربعة. و بالحساب جملتها تسع و ثلاثون بابا. و مهما كانت المسافة التى بين كل باب و آخر .. فإن التهوية و الضياء ساطعة. و على كل باب من الأبواب؛ و فوق عتبته العليا نقشت بعض الآيات الكريمة، و تواريخ، و أسماء أصحاب الخيرات الذين أقاموها، أو رمموها ...

*** أوصاف أبواب الحرم الشريف و ما بينها من الخطوات:

أولا باب السلام عبارة عن ثلاثة أبواب متراصة .. يدخل منه إلي الحرم. و يتم التوجه ناحية الجانب الغربى من تحت القباب و الدواوين و من بين الأعمدة اللامتناهية.

و بعد العبور، و على بعد خمسين خطوة يطل «باب زياد» على الشمال، و ينزل إلى الحرم من فوق سلالم حجرية مكونة من ثلاث عشرة درجة. و من ناحية السوق، يصعد إليه هكذا بثلاث عشرة درجة حجرية. و هو باب عال غاية فى الإرتفاع. لإن ماء أمطار الرحمة كثيرا ما كانت تحدث سيولا فى هذا الجانب. و فوق كمر الباب‏