الرحلة الحجازية

- أوليا الشلبي المزيد...
302 /
205

الأوسط من هذه الأبواب الثلاثة، و بخط القره حصارى و على المرمر نقشت هذه الآية: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) (1).

و عند الدخول من هذا الباب إلى الداخل، يوجد حرم صغير مزين بالآعمدة المتراصة، و المتوازية فى الجوانب الأربعة. و هو أيضا متصل بالحرم الكبير. و يتم العبور آيضا، من باب زياد هذا، إلى الجهة الغربية من تحت القباب. و على مسافة عشرين خطوة من باب زياد تكون «دار الندوة». و يسميها البعض «باب اليهود» حيث كان فى زمن الجاهلية، فى هذا الحي دير- «معبد» لليهود. و لقد تهدم بعد الرسالة المهدية المحمديّة. و فى ناحية معتمة يوجد باب صغير. و ينزل إلى الحرم الشريف بثنتا عشرة درجة .. و يصعد إليه بمثلها من الضاحية. و يمكن التجول من هنا ناحية الغرب من تحت القباب أيضا .. و بعد مسيرة مائة خطوة، يوجد «باب الباسطية». يفتح أن ينظر إلى ناحية الشمال. و يمكن الدخول منه إلى الحرم الشريف بسلّم حجري مكوّن من اثنى عشرة. درجة، و طرفه البعيد مطعّم .. ليس له سلالم.

و على العتبة العليا لهذا الباب، نرى على لوحة من الرخام الخام، و بالخط الجلي المذهب الجميل هذه الآية: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) (2).

و منه آيضا يتم العبور من تحت القباب إلى الناحية الغربية. و على مسيرة خمسين خطوة، نجد الباب العتيق المطل على الجانب الشمالي، و ينزل من الحرم باثنتي عشرة درجة، أرضه مسطحة، ليس بها سلالم. و فوق كمر هذا الباب، نرى لوحة ذهبية مثبتة، و مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول اللّه‏ و عند الخطوة العشرين من ناحية الجنوب بعد العبور من تحت القباب، يكون باب العمرة، و هو باب مكشوف.

و ينزل إلى الحرم بسلالم حجرية من عشر درجات. خلفه محشو .. و على كمر هذا الباب بالخط الجلي كتب القره حصاري بالمذهب نص الآية التالية من سورة البقرة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ‏ (3).

____________

(1) سورة الحجر آية: 46.

(2) سورة الإسراء آية: 80.

(3) سورة البقرة آية: 196.

206

للملك قايتباى. و لكن لما كانت أرقامه مخلوطة، فلم أتمكن من تسجيلها.

و أيضا يتم التوجه ناحية الشرق، من هذا الباب و تحت القباب، و على بعد عشرين خطوة يكون «باب حزور». و هو عبارة عن بابين متجاورين .. و هو من النحاس الأصفر المصري البديع. منقوش نقشا بديعا .. بحيث أن عمالقة آسطوات و آساتذة زماننا يقفون آمامه حيارى .. و على جانبه الجنوبى باب مكشوف منقوش. و ينزل إلى الحرم بسبع درجات تكوّن سلما .. لأنه اعتبارا من باب ابراهيم، و آحجار الحرم طريق عام، محال أن تعرض للسيول. و لهذا فيتم النزول و الصعود من هذه الأبواب بالسلالم. و فوق هذا الباب، و بالخط الكوفي نقرأ مايلى:

[بسم اللّه الرحمن الرحيم .. يا سيدى يا مبدئ‏ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ قُلْ‏] (1) كما نجد بالخط الجلي الآية الكريمة:

إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ (2). و بعد الآية نجد هذا التاريخ:

(أمر بعمارت هذا الباب الشريف فى أيام مولانا السلطان الملك الناصر الدنيا و الدين و السلطان ابن أبو (3) سعيد سنة أربع و ثمانة مائه).

و من تحت القباب أيضا، و ناحية الشرق و ما بين الشرق و الجنوب. و على بعد خمسين خطوة يقع باب أم هانى. و يطل ناحية الشرق. و هو عبارة عن بابين متجاورين .. و يقع هذا الباب في أحد أركان الحرم و زواياه .. و ينزل إلى الحرم بسبع درجات حجرية هو باب لطيف الصنعة. كما أنه مستراح الحجاج ذوى الحاجات، و تهب عليه رياح الصبا، و نسيم الصباح .. و يجد فيه الإنسان روحه من طلاوة النسيم .. و فى هذا المكان .. كان بيت السيدة أم المسلمين الست أم هانى زوجة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) .. و كان الأمين جبريل ينزل بالرسالة فى سنوات النزول على الحبيب المصطفى فى هذا المكان .. كما أن الأمين جبريل قد دعى الرسول الكريم إلى المعراج من هذا المكان الطاهر .. و قد وصل الحبيب المصطفى من هذا المكان إلى القدس الشريف بالبراق حيث عرج به إلى السموات العلا .. و كان قاب قوسين أو أدنى، حيث كلّم البارئ الخالق .. ثم عاد مرة آخرى إلى هذا المنزل الطاهر، منزل أم هانى.

____________

(1) سورة القصص آية: 85.

(2) سورة التوبة آية: 18.

(3) فى نسخة قصر بغداد «أبو» غير موجودة.

207

و هذا مسطور فى كل كتب السير .. و الذى قام بضم هذا البيت الطاهر إلى الحرم الشريف هو سيدنا الزبير «رضى اللّه عنه». و لهذا فإن النسيم الجميل و رياح الصبا لا تنقطع عن باب أم هانى. و على العتبة العليا لباب أم هانى، مكتوب بالخط الجلي المذهب على الرخام الأبيض الخام هذه الآية الكريمة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ .. إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ (1).

و من تحت القباب آيضا، و ناحية الشمال، و بعد مسيرة ثلاثين خطوة نجد باب مدرسة العجلان. و هو باب يطل ناحية الشرق. و ينزل إلى الحرم بإثنتى عشرة درجة. و على العتبة العليا و بالخط الجلي، و باللون الأبيض، نرى الآية التالية مسطرة: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ فَانْظُرْ إِلى‏ آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها .. (2).

ثم نجد بعده «باب جياد» و باب الجهادية و الذى يطلقون عليه كذلك باب الرحمة. و هو يطل على الناحية الشرقية و فوق عتبته العليا بالخط المذهب الجلي كتب القره حصارى: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ .. فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ .. (3). ثم نجد هذا التاريخ [983000].

و من هنا، و بالاتجاه ناحية الشمال، و بمسيرة ثلاثين خطوة يكون الباب السادس، و ينزل إلى الحرم بسلالم حجرية مكوّنة من عشرة درجات. و فوق كمر هذا الباب نرى هذا الآية محفورة:

..... وَ وَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) (4) و بعده، و ناحية الشرق أيضا، و يوجد خمسة أبواب متجاورة، و مكشوفة، أوسطها هو أتقنها، و أبدعها صنعا، و آعلاها. و يقال أنه كان باب جامع السلطان حسن‏ (5) فى مصر. و على جانبى هذا الباب، يوجد على كل جانب بابان مختلفان .. و ينزل من هذه الأبواب‏

____________

(1) سورة الفتح الآيتان: 1، 2.

(2) سورة الروم آية: 50.

(3) سورة النساء آية: 95.

(4) سورة ص آية: 30.

(5) السلطان حسن: من المماليك الأتراك الذين حكموا مصر، و من سلالة قلاوون فهو ناصر الدين محمد بن قلاوون، ترتيبه التاسع عشر بين مماليك مصر، تربع على عرش مصر سنة 748 ه. استمر فى الحكم ثلاث سنوات ثم اعتكف للعبادة. هو صاحب الجامع الشهير القاهرة. توفى سنة 762 ه. «المترجم»

208

الخمسة إلى الحرم بسلالم حجرية عريضة، و طويلة. و له عشر قوائم متناثرة .. و فوق كمر الباب الأوسط الكبير، مكتوب بخط القره حصارى بشكل ساحر، و معجز، هذه الآية الكريمة من سورة البقرة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ .. و على الباب الثانى:

«فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما» (1).

و على باب آخر، أيضا: وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) (2).

و على البابين الرابع، و الخامس مكتوب تكملة الآيات الكريمة، و من أبواب الصفا هذه حتى الوصول إلى الطريق حوالى خمسين خطوة داخل المحلات. و من باب الصفا إلى الداخل، و من تحت القباب و بالاتجاه ناحية الشمال، و بعد مسيرة عشرين خطوة نجد «باب البغلة». و هو عبارة عن بابين متجاورين و مكشوفين ناحية الشرق. و ينزلا إلى الحرم بعشر درجات لكل منهما. و لا ترى العين فوقهما أي خطوط .. و بالسير تحت القباب لمسافة عشرين خطوة فى اتجاه الشمال يكون باب «بنى شيبه». و هو مكشوف و يميل ناحية الشمال فى الجانب الشرقي. و فوق كمراته، نقرأ بالخط الجلي، المذهب و فوق رخام أبيض هذه الآية الكريمة.

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6) (3).

أما باب حضرة على «رضى اللّه عنه» فيقع بعد مسيرة ثلاثين خطوة ناحية الشمال، و من تحت القباب .. هو عبارة عن ثلاثة أبواب بجوار بعضها البعض .. و ينزل إلى الحرم منه بسلالم مكوّنه من عشر درجات. و لا توجد أى كتابات على عتبته العليا .. و بالسير تحت القباب أيضا يتم الوصول إلى باب حضرة عبّاس «رضى اللّه عنه». و هو باب مرصع دقيق الصنع، و مكوّن من ثلاث أبواب متجاورة .. و هو يطل ناحية الشرق .. و ينزل منه إلى الحرم بثمانى درجات. و برواق ضيق يصل‏

____________

(1) سورة البقرة: آية 158.

(2) سورة آل عمران: آية 133.

(3) سورة الإنسان: آية 6.

209

إلي باب «بنى شيبه» .. و حتى الوصول إلى «باب بغلة». نرى بطول ثمانين خطوة، و فوق هذه الأبواب الثلاثة قصيدة عربية، مكتوبة بالاسلوب القره حصارى، و هى بالخط الجلي المذّهب .. و فيما بين هذه الكتابة المنمقة، يسجل سوّاح العالم هذا التاريخ:

أمر بتعمير سلطان مراد خان عز نصره.

و على الرغم من آثار تعدّيات القيزيلباش‏ (1) المنحوسين على هذا الجدار إلا أننا نستطيع أن نقرأ اسم ذى الجلال، و اسم الرسول و اسم الخلفاء الأربعة. و هذه الكتابات بالذهب الخالص المصفى. و بمرور الآيام، تهدم هذا الجانب، فأمر السلطان مراد خان الثالث بترميمه و تجديده. و هو الذى أمر بكتابة هذا الخط الطويل، و له تأريخ.

خير مساجد الله. البعض يقول قد سقط التاريخ، و البعض يقول إنه تاريخ هذا اليوم .. و هناك تاريخ آخر:

(جدد المسجد الحرام مراد دام سلطانه و طال آوانه سنه) و ما أن تسير عشرين خطوة آخرى تحت قباب الحرم، حتى تصل إلى «باب النبي» (صلى اللّه عليه و سلّم). و هو يطل على الشرق عبارة عن بابين متجاورين ينزل إلى الحرم بست درجات. و فيما بين هذين البابين، نرى هذه الآية الكريمة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ (2). و بعد نهاية الآية نرى هذا التأريخ (أمر بتجديد باب النبى أيّام مولانا السلطان ملك الأشرف‏ (3) سنة 935).

و بالسير أيضا تحت القباب، و لمسافة ثلاثين خطوة ناحية الشمال نصل إلى «باب‏

____________

(1) القيزيلباش: رافضي، بلادين. و هم طائفة من غلاة الشيعة. و قد توغلوا بين المسلمين الأتراك، و الأكراد، و يتصفون بالعناد، و التزمت. تداخلت معتقداتهم ببعض الطرق الصوفية المشبوهه. يكثر تواجدهم حوالي نهر قزوين و بحيرة و ان فى تركيا. «المترجم».

(2) سورة التوبة: آية 18.

(3) الملك الأشرف: من أشهر سلاطين المماليك الذين حكموا مصر، و امتدت آياديه الخيرة إلى الكثير من بلدان العالم الإسلامي، و خاصة مكة المكرمة، و المدينة المنورة. «المترجم»

210

المدرسة». و يسكن فيها أمير الحاج المصرى‏ (1). و هى مدرسة عظيمة، و عالية.

و لكن بابها صغير جدا، لا يعرفه كل انسان، و لكنه يؤدى إلى شارع الصفا، و المروة.

يصعد إليه بسلالم مكوّنة من خمس و عشرين درجة. و منه بمسافة عشرين خطوة شمالا يتم الوصول إلى باب السلام، و حول كل هذه الأبواب من الخارج و فى محيطها كمرات أخرسة مقامة على أعمدة. و أمام كل باب صفّات مختلفة. و تحيط هذه الصفّات حول الحرم. و بعض الغرباء و المسافرين يسكنون فى هذه الصوفات- الأروقة. و يقع باب السلام على إحدى زوايا الحرم الشريف و الواقعة فى الجهة الشرقية.

و على الزاوية- «الركن» الآخرى باب عمر، و هى تلك الزاوية الغربية. أما باب أم هانى فيقع على الزاوية الثالثة، و على الزاوية الرابعة يقع باب البغلة. و السلام.

و لكن إذا ما أضفنا إلى هذه الأبواب السابق بيانها، بابين للمدارس يصبح جملة الأبواب الكبيرة و الصغيرة واحد و أربعين بابا. أما داخل الحرم، و حول الكعبة فتبلغ المسافة ثمانمائة خطوة. و داخل الحرم، و خارجه سلالم حجرية بلغت درجاتها مائتين و اثنين و خمسين درجة. و المسافة من الداخل أي من زوايا الحرم الشريف من الداخل من باب السلام حتى باب العمرة ثلاثمائة و خمسين خطوة.

***

____________

(1) أمير الحاج المصرى: منصب كان يتولاه واحد من العسكريين أو القضاة أو المشايخ، و يكلف بمهام احضار قافلة الحج المصرى إلى البلاد الحجازية و العودة بهم فى أمن و سلام. و كانت له مخصصاته بعد أن كان منصبا شرفيا دينيا. يمثل الدولة أثناء موسم الحج. «المترجم».

211

بيان بأعداد أعمدة حرم الكعبة الشريفه و آماكن وجودها:

يوجد ثمانين عمودا مربعا عاديا، مائة و خمسة و ثمانين عمودا من الرخام الأبيض.

و من باب العمرة إلى باب أم هانى مباشرة مائتين و خمسين خطوة، و بها خمسة و عشرين عمودا سداسيا عاديا- عمليا، و مائة و خمسة و ثمانين عمودا أبيضا من الرخام و الآحجار ذات القيمة و من باب أم هانى حتى باب البغلة، حيث كتبت أسماء ألخلفاء الأربعة الراشدين بماء الذهب الخالص مسافة ثلاثمائة و عشرين خطوة، فى هذه المسافة مائة و ثمانية و خمسين عمودا من الرخام الأبيض، و من باب البغلة حتى باب السلام مائتين خطوة، فى هذه المسافة ستة أعمدة سداسية الزوايا، مختلفة الأطوال و الإنحناءات. و عدا ذلك مائة و خمسين عمودا من الرخام الأبيض الخام ..

و غيرها من نوعيات آخرى بحيث وصل مجموعها مائة و خمسة و ثلاثين عمودا.

و باختصار جملة الآعمدة الصغيرة، و الكبيرة 678 عمودا موذونا. و لكن الحرم الشريف الذى أمر ببنائه السلطان سليمان خان، داخل أركانه الداخلية دون أي انحراف، بحيث تكون هذه المسافة هى أطراف حرمي الكعبة قد بلغت ألف و مائة و عشرين خطوة واسعة.

و من الأعمدة المذكورة 211 عمودا؛ منها 62 عمودا فى الجانب الشرقى، و تأتى فى مواجهة بيت اللّه الحرام. و 81 عمودا فى الجهة الشامية و يسميها البعض الجهة الشمالية و 64 عمودا فى مواجهة باب العمرة، و ستة من هذه الآعمدة من حجر الصوان. و الباقى من الرخام الخام.

أما الجانب المواجه للركن اليمانى؛ ففيه 33 عمودا اسطواني الشكل، واحد منها عمليا أي عاديا من حجر الصوان. و الباقي من الرخام الأبيض. و عند باب إبراهيم 15 عمودا اسطوانيا، أحدهم من حجر الصوّان. و أيضا أمام باب إبراهيم يوجد عمود واحد شمسى من الحجر الأصفر. و مجموعها 240 عمودا. بعضها اسطواني، و بعضها مسدس، و بعضها مثمن الشكل. و ثلاثة أعمدة طول كل منها ثلاثة أذرع من الصخر الأصفر المصقول، و يسمونه لذلك الحجر الشمسي. و ما عدا هذه الأعمدة التى ذكرناها، فيوجد فى الجانب الشرقى من الحرم 30 عمودا اسطوانيا،

212

و على الجانب 76 عمودا اسطوانيا. و فى أركان المسجد الشريف أربعة اسطوانات و بداخل الحرم أمام باب الندوة 36 عمودا إسطوانيا. و من عند باب ابراهيم إلى باب زياد 18 عمودا اسطوانيا.

و فوق كل هذه الآعمدة التى ذكرناها فى الحرم الشريف عليها نقوش و زخارف شطرنجية الشكل، و عليها من علامات الرونق، و البهاء ما يجعلها، كل واحد منها و كأنه قوس قذح أو قوس من أقواس النصر. و كلها من إبداعات المهندس المعماري العظيم سنان (رحمة اللّه عليه). و كان يجلب لأقواس النصر هذه الآحجار ذات القيمة العالية من شتى البقاع البعيدة لعلمه، و معرفته بها .. و كلما أمعن الناظر النظر فيها اكتشف بها، و فيها علما، و رونقا، و أبهة يبعث الدهشة و الإنبهار. «مصراع»:

مقام عجيب لطيف ذى بنيان متين .. سنة 975.

و ما أن ترى ذلك حتى تدعو كل الشفاه مرددة «عمّرك اللّه» و جعل شوكة عزك مرفوعة.

***

213

أوصاف القباب الكبيرة، و بيانها:

أولا؛ على الجانب الشرقى من الحرم الشريف أربع و عشرين قبّة عظيمة. و على الجانب الشامى ست و ثلاثين قبة، و على الجانب الغربي أربع و عشرين قبة، أما الجانب الجنوبى فتعلوه ست و ثلاثون قبة. و هناك قبة أيضا عند المنارة الموجودة فى الركن اليماني، و ست عشرة قبة فوق منطقة دار الندوة، و خمس عشرة قبة عند حرم باب ابراهيم، و هذه القباب العظيمة تذكرك بقبة السماء العظيمة، و مجموعها مائة و خمسين قبة بديعة الصنع. وعدا هذه القباب فسائر الآعمدة لها قباب صغيرة.

و بيانها هى الآخري كما يلى:

على الجانب الشرقى 38 قبة، و على الجانب الشامي 59 قبة، و على الجانب الغربي 43 قبة، و أما الجانب الجنوبي فتعلوه 64 قبة و على باب السلام قبتين. و على ركن المسجد الشريف هناك قبة، و على باب الزيارة لدار الندوة 24 قبة تاجية و على باب العمرة قبة تاجية. و بحساب هذه القباب التاجية المنحنية 232 قبة تاجية.

و عدد المصلوبات 56 مصلوبة. و حول الحرم الشريف دائرا مادار جدران تجعله و كأنه قلعة شامخة.

***

214

أوصاف أبدان الحرم الشريف:

أولا يقع على الجانب الشرقى للحرم الشريف 162 شرفه، 27 منها مبنية من الرخام الأبيض. و وسطهم واحدة هى أعلى الجميع، مائة و خمس و ثلاثين منها من الحجر الشمسى. و على الجانب الشمالى ثلاثمائة و أربعين شرفه، ثمان و سبعين مبنية من الرخام الأبيض .. ثلاثة من جملتهم عالية، و البقية من الحجر الشمسى. و على الجانب الغربي مائة و أربع اثنان و عشرين منها من الرخام، و الباقى من الحجر الشمسى. و من ناحية باب زيارة دار الندوة مائة و إحدى و تسعين شرفه. و عند باب ابراهيم مائة و ست و أربعين جدارا، و كلها مزينة. و كلها من الحجر الشمسى، و بحساب كل هذا يتضح أن هناك ثلاثمائة جدار و شرفه، اللهم احفظنا .. ساعة الحصاد يمكن أن يصعد فوق سطح خمسة أو ستة آلاف مسلح بالبنادق و يكون السطح بمساعدة هذه الشرفات مساعد، و مناسب لمثل هذه الحرب. فهذه الجدران، و هذه الشرفات تجعله كالقلعة .. و لكن جبل أبى قبيس محيط به، و قريب جدا، بحيث يستطيع من يلقى بالحصى بيده لا يسمح لأى شخصى أن يسير فى الحرم.

و قد حدث خلال الحرب التى درات مع حسن باشا المشار إليه، فإن أعدادا غفيرة من الناس قد قتلوا بالرصاص المطلق من جبل أبى قبيس هذا .. و لهذا السبب فإن السلاطين السابقين قد حصّنوا الحرم الشريف من جوانبه الأربعة. و بنوا حوله المدارس دورا فوق دور- و سوف نتحدث عن هذه المدارس فى حينه- و كل نوافذها تطل على الحرم الشريف ... و خلاصة الكلام فإن تعفير الوجه على هذه الآعتاب الشريفة سعادة ما بعدها سعادة.

***

215

أوصاف منارات بيت الله الحرام:

ليكن معلوما لآصحاب القلوب المحبة، و المشتاقة لرؤية الحرم الشريف الذى تحدثنا عن بعض أوصافه السابقة، بأن هناك سبع منارات خالدة حول الحرم الشريف فى جهاته الأربع. و يتلى، و يؤدى منها الآذان المحمدي للصلوات الخمس صبحا و مساءا و أقدم هذه المآذن هى تلك التى تجاور باب العمرة، و التى يسميها الناس «منارة باب العمرة». و قد شرع الآذان منها فى بادى العصر. و لكن يؤدى الآذان حاليا من المقصورة التى تعلو بئر زمزم، و كمن أول من ابتدأ ذلك شيخ من آحفاد بلال الحبشي. و كان محط أنظار، و بؤبؤ عين المؤذنين. و على كل منارة من منارات الحرم الشريف السبع، هناك سبعة رؤساء مؤذنين يستطيع كل منهم أن يؤدى الآذان على المقام الحجازى‏ (1). و فى وقت الصلاة تجدهم جميعا يؤدون الآذان بصوت رخيم ..

فتصبح به و كأنك تسمع لترانيم داود (2) الحزينة. و هم بهذا الصوت يعلنون عن أوقات الصلوات الخمس .. و اللّه عالم .. و عليم بأن المؤذنين جميعا حينما يرددون «اللّه أكبر .. اللّه أكبر» أن السكينة و الراحة تنزل على قلوب جميع الحجاج الذين جاءوا ملبين .. و مكبرين .. و يهب الجميع لأداء الصلاة فى جميع الزوايا، و الأركان .. و لكن التمجيد الأول يتلى أولا من منارة باب السلام، و التمجيد الثانى يقرأ من منارة باب؟ و ما آحلى أن يتنافس المؤذنون فى ساعات الليل، و وقت السحر و هم يرددون بصوت ملائكى عال (الصلاة و السلام عليك يا رسول اللّه) أو عندما يترنمون ب «الصلاة و السلام عليك يا رحمة للعالمين و يا شفيع المذنبين ..) .. فكل من يسمع هذه الدعوات النورانيه يزداد حبا، و شوقا للصادق الأمين.

و يعتقد أن منارة باب العمرة هى أقدم منارات الحرم الشريف، و أول من أقام هذه المنارة هو الخليفة العباسى الثاني أبو منصور الدوانقى! و يقول البعض أنه هو الذى أضاف طبقتها الثانية. و منارة باب السلام هى المنارة الثانية، و جددها مثل سابقتها هو سليمان خان. و المنارة الثالثة هى منارة باب علي و بانيها الآوائل هم آل العباس أي‏

____________

(1) مقام الحجاز: مقام فى الموسيقى الشرقية.

(2) ترانيم داوود: و هى الترانيم التى كان يعزفها سيدنا داوود على المزامير. و تسمى اختصارا مزامير داوود. و لها موقع دينى مميز،.

216

العباسيين، و بالتحديد المهدى العباسى، و بعده، و بمرور الأيام تهدمت، فأمر سليمان خان ببناءها من جديد على طابقين من الحجر الأصفر .. و كان أمره أن تكون منارة رائعة. و من يتفحصها فكأنها شجرة السرو السامقة. و المنارة الرابعة .. و هى أيضا من بناء المهدي، و هى كذلك بمرور الآيام تهدمت، فبناها بعده حاكم الموصل و هى ذات شرفتين .. و عند باب زياد أقام الملك أشرف برسباى‏ (1) أحد سلاطين مصر منارة. و هى طبقتان. غاية فى الإبداع، و الصنعة .. و هى منارة سرمدية. و المنارة السابعة، هى اعلى المنارات جميعا، و أكثرها ارتفاعا .. و لا مثيل لها .. و قد صرف المهندس المعمارى الذى أبدعها فيها جهدا، بحيث جعلها شيئا مختلفا؛ فى الفن، و الابداع عن كل الّاخريات .. و صدق من قال (من لم يره لم يعرف). و على هذه المنارات السبع، لا يصعد الأربعة عشر مؤذنا .. بل الآخرون يوقدون عليها القناديل فى الليالى المباركة .. و كل هذه المنارات، ما عدا الإحدى و العشرين طبقة، مطلية بالذهب حتى قمتها. و يوقد حول كل منهم القناديل، بحيث يصير حول كل واحدة خمسة أو ستة طوابق من القناديل المشعشعة بالضياء. و تصبح المنارة وسطها و كأنها شجرة السرو السامقة الإرتفاع. و تظل على هذا المنوال إلى أن يغادر مكة المكرمة حجاج بيت اللّه الحرام. و يبلغ عدد القناديل المضاءة خلال موسم الحج الشريف حوالى ثمانية آلاف قنديل فتحول المكان ليلا و كأنه نهار مشرقة شمسه، ساطعة سماءه ..

و إذا كنا فى هذه المقتطفات السابقة قد أحطنا علما بأبواب الحرم، و أعمدته، و إيواناته .. و مناراته .. فمن الجدير أن نلقى بعض الإجتهادات حول بيت اللّه، الكعبة المشرفة التى هى مهجة الفؤاد، و كما تتوسط الحرم الشريف، فإنها تسكن، و تتربع فى سويداء القلب لدى كل المسلمين الذين يقصدونها ملبين و مكبرين.

***

____________

(1) الملك أشرف برسباى: من ملوك و سلاطين المماليك فى مصر. و له باع طويل فى عمل الخيرات، و ما زالت مآثره المعمارية تشهد على عظمة عصره.

217

فصل فى إجلال و إكرام بيت الله الحرام .. و بيان جميع آحواله‏

أولا؛ إن الحقير إلى ربه آوليا منذ أن وعي الدنيا، و شب عن الطوق و أصبح فى عمر الشباب، و هو يتمنى من كل قلبه، و روحه أن يكون مولعا بالسياحة، و طالبا للرحلة؛ و أنه كلما أمعنت النظر فيما ترى عيناى ازدادت رغبتى فى ذلك، و أكون طوعا للمكان .. و أظل محبوس الفؤاد بالبلاد التى نزلت قدماي بها. و أمعن النظر فى سمائها، لأرى نجومها السّيارة، و أشاهد بروجها برجا، برجا .. و أقطع لذلك المنازل و أطوى المراحل. و أسابق رياح الصبا فى قطع الديار حتى أصل إلى موطن الحبيب المصطفى .. و قد قضيت وقتا طويلا آحيانا فى الذكر، و أحيانا فى قراءة المدائح النبوية، و أحيانا فى تلاوة القرآن الكريم .. و أحيانا فى السير و المشاهدة، و التطلع إلى كل ما يقابلنى فى المدن العظيمة، و القلاع القديمة .. و أعبر الأنهار، و اتخطى الجبال و الوديان و كنت كلما تواتينى الفرصة أرجع إلى علم الهيئة- «الفلك» و كتب الآطالس الجغرافية .. و أبذل الهمة فى تدوين ما رأيت، و توثيق ما كتبت؛ و اتخذ من همة الأوائل نبراسا أهتدى به ... و بتوفيق من اللّه سبحانه و تعالى أتممت الحج فى سنة 1082 ه و طفت ببيت اللّه العتيق .. و إلتزمت- بعد الإطلاع على بعض الكتب المعتبرة، و أوصاف مكة المكرمة،- أن أدون بعض من أحوال مكة، و تجرأت على ذلك بعون اللّه .. و باللّه التوفيق.

أولا؛ خلق اللّه السموات و الأرض من العدم يلفظ «كن» فيكون، ثم استوى على العرش، وفقا للآية الكريمة .. ... فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ .. و يسترسل المؤلف فى الحديث عن خلق السموات و الأرض و ما فيها من جبال، و مياه .. و يفصل القول فى الجبال و يبين أن أعلاها على سطح الأرض مائة و ثمان و أربعون جبلا .. و هم منبع المياه .. و أن جبريل الأمين بأمر من اللّه سبحانه و تعالى حوّل سبعة من هذه الجبال إلى رماد فى قبضته .. و من تراب هذه الجبال السبعة أقام سيدنا ابراهيم (عليه السلام) الكعبة، و بناها .. و فى مكانها ذكر لهذه الجبال السبعة. و يقول أن سبب تسميتها بالكعبة لأنها مربعة الشكل. و يقول و أن سبب وصفها بالحرم، هو تعظيم من الخالق لها .. و أورد المؤلف الآحاديث الواردة فى حق الكعبة المشرفة ... ثم يستعرض ما

218

تعرضت له الكعبة المشرفة أثناء طوفان نوح (عليه السلام) .. و الأسباب التى من أجلها فرض اللّه سبحانه و تعالى زيارة مكة و الطواف بالبيت الحرام تعظيما و إكراما لأنه سبحانه و تعالى قد أنزله من الجنة ليكون مقام عبادة لسيدنا آدم بعد نزوله الى الأرض .. و كلّف اللّه سبحانه و تعالى آدم بأن يجعله بيتا معمورا و أمره هو و حواء بالطواف حوله .. و قد طاف آدم و معه الملائكة حول البيت الحرام .. و لكن بعد الطوفان أصبح مزارا لبني آدم، و فرض اللّه عليهم الطواف حوله .. و يقول المؤلف ..

أن بيت اللّه الحرام الذى أنزله اللّه من الجنة، و أثناء الطوفان عرج إلى السماء- بأمر اللّه- و خلال العروج انفصل عنه جزء يسير فى حمرة الياقوت .. و حسب رواية آخرى أنه أى الجزء الذى انفصل عن البيت الحرام أثناء العروج كان كلؤلؤة بيضاء و أن سيدنا جبريل الأمين هو الذى قام بدفن هذه اللؤلؤ فى جبل أبى قبيس و أن اللّه سبحانه و تعالى قد أمر سيدنا ابراهيم بإعادة تعمير و إعمار بيته الحرام بعد الطوفان، و قد تم ذلك بتعاليم من جبريل الأمين الذى أمره أن يبنى الكعبة من حجارة الجبال السبعة المحيطة .. و كان سيدنا إسماعيل آنذاك فى الثالثة من عمره المبارك .. و لكنه كان يساعد والده الحنون، فكان يحمل الحجارة الصغيرة الخفيفة. أما سيدنا اسحاق فكان فى الثانية من عمره، بينما كان سيدنا ابراهيم قد بلغ المائة من عمره أثناء بناء الكعبة، و خلال هذا البناء؛ آخرج جبريل الأمين الحجر الذى كان قد دفنه فى جبل أبى قبيس، و وضعه فى موضعه الحالي حيث زاوية الركن اليماني. و مما رواه الشيخ الترمذي؛ عن ابن عباس رضى اللّه عنه:

قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم)؛ الحجر الأسود من الجنة، و هو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بنى آدم ..) ... و بعد أن أتم سيدنا ابراهيم بناء الكعبة تلى الآية الكريمة ..

(ان أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا و هدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم و من دخله كان آمنا) كما نزلت مئات الآيات الكريمة فى شأن البيت الشريف. و سوف تحرر فى حينها .. (1).

***

____________

(1) لم أحاول مناقشة ما أوردة المؤلف من آراء .. حفاظا على الجو العام الذى حاول أن يحيط به ما كتبه بهذا الصدد.

219

أوصاف وضع انصاب الحرم الشريف‏

مضى الزمان و قام جد الرسول الكريم قصى بن كلاب بتجديد البيت الحرام، بعد سيدنا ابراهيم (عليه السلام) .. و ظل على هذا الحال حتى بعثة النبى «(صلى اللّه عليه و سلّم)». و خلال عصيان قوم قريش تهدمت بعض آجزاء مكة، و منها بعض آجزاء الكعبة و لكنهم خوفا من اللّه تجمعوا جميعا، و رمموا الكعبة، و عمّروها. لأنهم قد أصابهم القحط لما خرّبوها ... بحيث وصلت بهم الأمور أن أكلوا لحم الميتة، و جفت مياه زمزم ..

فأدرك قوم قريش أن اللّه قد أنزل بهم العذاب .. فذهبوا فى الحال إلي عبد المطلب ..

و طلبوا منه أن يصطحبوا معهم محمدا، و توجهوا إلى جبل أبى قبيس للإستسقاء و طلبوا من محمد أيضا أن يدعو معهم .. فتفضل بالقول لهم. ما لم تعمروا البيت الحرام فلن يرضى اللّه عنكم. فأقسموا جميعا قائلين يا محمد .. لو أنزل علينا المطر، و أغثنا فنعاهدك .. و نعاهد اللّه أن نعمر الحرم .. و تعهدوا بذلك .. فرفع المصطفى فى حضور عبد المطلب يديه الكريمتين .. و قال انظروا يا آل قريش إن الغيث سينزل بعظمة اللّه، و بقدرة الخالق و عظمته أمطرت السماء، بحيث ارتوت الجبال و الوديان بماء الحياة .. مما جعل سائر قبائل آل قريش يحبون محمدا و بذلوا الهمم فى تجديد الكعبة المشرفة. و كان عبد المطلب آنذاك فى العشرين بعد المائة من عمره .. و هو جد الحبيب المصطفى .. و كان حضرة المصطفى قد بلغ الأربعين .. و لما بلغته رسالة النبوة، كان يباشر عملية بناء مكة، و أصبح البناء عظيما، و أفخم مما قام به الجد قصي.

و حين ذاك توفي عبد المطلب، و دفن بالقرب من المعلا. و كان سلطان قريش، و كبيرهم. و بعد النبى «(صلى اللّه عليه و سلّم)» قام أمير المؤمنين أبو بكر الصديق، و أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، و حضرة عثمان، و حضرة عليّ، و حضرة معاوية، و حضرة الزبير بن العوام و الحجاج يوسف الظالم، و من آل العباس أبو جعفر المنصور، و المهدى العباسى و الأشرف شعبان خليفة الموصل، و الملك أشرف بارسباى، و نور الدين شهيد، و يوسف صلاح الدين، و السلطان برقوق، و السلطان فرج، و السلطان قايتباى .. لقد قاموا جميعا بتجديد و تعمير بيت اللّه الحرام، و ترميم الكعبة المشرفة. و من آل عثمان قام كل من؛ السلطان سليم، و سليمان خان، و السلطان‏

220

مراد الثالث و السلطان أحمد، و السلطان مراد الرابع فاتح بغداد، و كذا السلطان ابراهيم .. و لقد قام كل هؤلاء الخلفاء، و ظل اللّه فى الأرض من الملوك، و السلاطين، و الأمراء بتوسيع مكة المكرمة، و ترميم الحرم المكي، و الكعبة المشرفة؛ بحيث فى كل مرة، خليقا بأن يكون بيت الفردوس .. و ما زال يرمم، و يتم تعميره .. و من يوم إلى يوم و سيظل إلى يوم الدين بيتا معمورا .. «عمّره اللّه إلى انقراض الدوران». و ما زال إلى اليوم الصيد، و القنص حرام داخل حدود مكة، و ما زال الحشيش و النباتات المخدرة لا تنمو بها .. و آحجارها لا تخرق و لا تصير جيرا .. و لا تقطّع أشجارها، و طيورها .. و حمامها، و يمامها وقف رسول اللّه .. لا تروّع .. و لا تخوّف .. بل تحط أسرابا .. أسرابا بين الحجاج، و لا تخاف هى من أحد، و أحيانا تحط على رأس حاج، و آحيانا على ظهر، أو أكتاف آخر .. و لكن لحكمة غريبة .. فهناك الآلاف و مئات الآلاف من الحمائم و اليمائم، و لكن لم يثبت أن واحدة منها قد حطت على سطح الحرم، أو طلعت فوقه .. و لكن النسر الأبيض و الذى يسمونه‏Cayluk فيأتى إلى سطوح مكة، و يمكث بها .. و لكن غيره من الطيور، و كل ذوى الجناح فلا تحلق حتى فى أجواء مكة، بل إذا ما اقتربت تعود أدراجها .. و هذا سر من أسرار اللّه العجيبة، فكأن الطيور هى الآخرى تعرف شرافة مكة، و تشرفها .. و تعرف معنى الخشوع .. و لا يجوز بأي حال من الآحوال الفسوق، و الجدال فى الحرم بل هذا حرام، و محرّم .. و من يجادل فيه لا يعمّر .. و للحرم الشريف مجموعة من المميزات، و الخواص؛ أولا؛ لو دخله كافر يسلم، و لو جاهر بالكفر يقتل .. و كذا اليهودى .. و إذا ما دخل الظبي، أو الغزال الحرم فلا يذبح .. و لا يتعرض له آحد ...

***

221

أوصاف الإحرام للحرم الشريف:

أولا؛ فى الجهة الشمالية اعتبارا من منطقة وادي فاطمه، و من المكان المسمى عمره أربعة آميال من مكة، و تدخل هذه المسافة فى حرم مكة المكرمة. و على طريق جده بعشرة أميال .. و يمتد حتى منتهى جده .. و إلى أن تصل طريق الطائف إحدى عشر ميلا .. و على طريق اليمن، و حتى منطقة «يلملم» أربعين ميلا .. و القادمون من اليمن أو جهاتها يحرمون فى يلملم .. و على طريق العراق، و إلى أن يتم الوصول إلى المكان المسمى، ستة أميال. و على حدود كل طريق .. و حيث يتوجب الإحرام قد تم إقامة بناء ينار لمسافة ميل حتى يدرك من منارته حدود الحرم هذه العلامات قد وضعها عدنان، ثم آضاف هارون الرشيد، و ولده الخليفة المأمون الكثير من الآثار و الأبنية الأثرية إلى حرم المدينة، و آثناء خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي .. و عند ما تم فتح مدينة طليطله فى ديار الأندلس، و لما توجه إليها بألف قطعة من السفن، و تغلبت على آهلها، وجد كنز سيدنا سليمان .. و داخل العجول الذهبية، وجد ياقوتا أحمرا، و زمردا، و ألماسا لا حصر، و لا عد له .. و وجد الكثير من الأزيار المليئة بالذهب الخالص .. فبنى فى دمشق الجامع الأموى، و أقام فى مكة العديد، و الكثير من الزينات حتى أصبحت، و كأنها جنة عدن. و فى البداية أقام من سبعة قناطير من الذهب الخالص مزابا لمياه الرحمة «المطر» .. و لكن لثقله كان يسقط من حين لآخر.

و بعده، و فى زمن السلطان أحمد كلّف درويش محمد ظلي والد العبد الحقير بإبداع مزراب آخر. و بينما كان فى الآعتاب العالية قام والدنا بإعادة بناء مزراب ماء الرحمة، و خلال تلك كان والدنا هو أمين الصرة، و قد قاموا بوضع المزراب الجديد فوق سطح الكعبة الشريفة. و حتى أنا العبد الحقير قد رأيت هذا المزراب، و كذلك رأيت ما خطه بيده الكريمة من خطوط بديعة .. و لكن لم يكن كل ذلك يصل إلى مرتبة ما بناه الوليد بن عبد الملك. و قد كان ما صنعه درة مصافة .. و قام عبد الملك بتوسيع الحرم الشريف، و ترميمه، و أصبح طول مسجد الحرم ثلاثمائة و سبعون ذراعا مكيا ..

و عرضه ثلاثمائة و خمسة عشر ذراعا مكيا- و لكن الحقير لم يستطع حساب الذراع و لم أقم إلا بالقياس بالخطوة. و قد سطرت ذلك سابقا، و إن كان حساب الذراع المكي أقل من الخطوة .. و كان ذلك الحساب مساويا لما قمت آنا به بالخطوة تقريبا.

***

222

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

223

فصل في أوصاف صفات البيت الحرام و فتح مكة بيدي الرسول (عليه السلام)

إن الكعبة الشريفة، شرفها اللّه تعالى، كما سبق القول مقامة فى وسط الحرم الشريف الذي فى وسعة الصحراء. و هى مربعة الشكل، مبنية من حجر الصوان الزيتونى اللون، و لكنه يميل إلى الصفرة قليلا. البناء متين، و فى زوايا الآحجار توجد أحجار ناصعة البياض مجلاة كالثلج فى حجم الصندوق الصغير، و من مستوى الأرض تمتد إلى آعلا، و إلى قدر علو المباني المكيّة، و تصل إلى أربعة و عشرين ذراعا مكيا. أرضها ثلاثة و عشرين ذراعا، و شبرا واحدا .. و ارتفاع جدارها سبعة و عشرين ذراعا، و مدار الحجر خمسة عشر ذراعا، و يسمونه الحطيم .. و على الجهة الشمالية من الكعبة الشريفة يقع مزراب ذهبي، تجرى فيه مياه أمطار الرحمة، و تحت الحطيم يمر هذا الخط من الركن العراقى إلى الركن الشامي. و لكن هذا الحطيم كان قد خلع فى خلافة الزبير بن العوام، فأعاد بناءه، و ألحقه بالبيت الشريف، و جعله فى مساواة مباني مكة، و جعل على جوانبه الأربعة نوافذ، و شبابيك عليها بلور، و زجاج مختلف الأنواع من الموراني، و النجفى و بمختلف الألوان. و فتح الباب الشريف الذى كان مسدودا عن الركن اليماني، و جعل للبيت الحرام كالأول إثنا عشر بابا، و صرف عليها أموال كثيرة، بحيث جعل خارج الحرم، و داخله مزدانا بشتى أنواع النقوش، و الزخارف. بحيث من يراه. يرتل الأية الكريمة .. هذه جنات عدن‏ فَادْخُلُوها خالِدِينَ‏ بحيث من يدخله من باب لا يوجد الخروج من الباب الآخر، بل يتمنى لو ظل مخلدا فيه. و الذين يطوفون بالبيت الحرام، يدخلون من باب ثم يخرجون من باب آخر بعد الطواف .. و منذ أيام خلافة الزبير بن العوام و الأمور تسير على هذا المنوال. و بعده .. عند ما تهدمت الكعبة خلال حصار الحجاج الظالم لمكة المكرمة بعساكره الذين لا حصر و لا عدّ لهم، و الذين بلغوا ما يزيد عن ثمانين ألفا حسب بعض الأقوال .. و لقد وضع الحجاج المجانيق فوق جبل أبى قبيس، و أخذ فى ضرب الكعبة، و الحرم حتى تهدمت الكثير من مبانيه .. و أخيرا تخلى الزبير بن العوام عن الحرب .. و سلّم مفتاح مكة للحجاج بعد أن أخذ الأمان ..

و لكن الحجاج الظالم لم يدع عهده، و علّق الزبير بن العوام عند باب السلام ..

224

و صعدت روحه إلى بارئها و إن ظل جسده معلقا .. و لما وصل الحجاج إلى مراده، أنزل جسد الزبير من حيث صلب، و تم دفنه .. و لم يشأ أحد من أهل الزبير أن يرجو الحجاج فى شيئ .. حتى أن والدة الزبير بن العوام رضى اللّه عنه كانت على قيد الحياة .. فلم تشأ أن ترجو الحجاج، و ظل الزبير مصلوبا .. حتى أنها ذات يوم كانت تمر بالقرب من الجسد المصلوب، فنظرت نحو ولدها، و مضت. و كذلك .. فإن شيخ الزبير ظل يخطب، و يعظ الناس، و هو على المنبر، و لم ينزل قط. و كل من كان يعبر أمامه كان يستمع إلى مواعظه .. و لما علم الحجاج بذلك، اعتبره رجاءا، فأمر بأن ينزل الزبير، و أن يغسّل، و حضر صلاة الجنازة عليه فى المسجد الحرام .. و دخل الحجاج إلى ناحيته بالقرب من التابوت، و طاف سبع مرات حول جسد الزبير.

و دفنوه فى المعلا. و بعد ذلك؛ أمر الحجاج الظالم بأن تقرأ الخطبة باسم خليفة الشام الخليفة مروان الحمار. ثم أصبح الحجاج الظالم يوسف خليفة على مكة و المدينة، و الكوفة، و العراق، فخلع الحطيم من حيث وضعه الزبير بن العوام، و أمر ببناء جدار الحطيم كما كان فى عهد صاحب الرسالة (صلى اللّه عليه و سلّم). و على جدار الحطيم مكتوب بخط جميل:

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ .. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ‏ (36) (1).

و هذه الآية بخط القره حصارى مكتوبة على الرخام الأبيض، و قد كتبت بقدر قامة الرجل- و تتضح عند النظر بامعان، و إلا فلا يلحظها كل إنسان. و جدار الحطيم أحد طرفيه عند الركن العراقي، و الأخر عند الركن الشامي. و البسملة عند هذه الزاوية. كما أن الحجاج قد جدد بناء أحد جدران الكعبة، و الجدران الثلاثة الأخرى بناهم ابن زياد. و قام الحجاج الظالم بسد الباب اليمانى الذى كان قد فتحه الزبير.

و هو الذى وضع الباب الذى يطل على الجانب الشرقي حتى الآن. و هذا الباب، باب كامل و بديع، فى علو قامة الرجل. و الرجل قصير القامة، يجد مشقة فى تقبيل عتبة البيت الشريف .. هذا الباب طوله ستة أذرع مكيّة مضافا إليها إحدى عشر إصبعا ..

و عرضه ثلاثة أذرع و إثنى عشر إصبعا.

____________

(1) سورة النور: آية 36.

225

بيان فى بداية الخيرات و الكسوة الشريفة لمكة المكرمة

بداية، الحجاج هو الذى أتم باب الكعبة، و هو الذى أمر بإعداد كسوة لها من الديباج .. و في الزمن القديم قام التّبع اليمانية يعنى السلاطين اليمنيون القدامى بكسوة الكعبة بالحصير سنويا .. و كان المأمون بن هارون الرشيد طوال مدة خلافته يكسو الكعبة المشرفة بكسوة من الديباج .. و بمرور الآيام خربت الأوقاف التى كانت موقوفة عليها، إلى آن قامت السيدة شجرة الدّر (1) زوجة الملك الصالح نجم الدين الآيوبي بإعداد كسوة سوداء مطرزة بخيوط الذهب من آدناها إلى آعلاها .. و ألبستها للكعبة المشرفة .. و منذ ذلك الحين أطلق على الكعبة (كعبة اللّه) و قد يسّرت عليها الكثير من الخيرات العظيمة. و لم يتيسر لأحد من الملوك أن يسيّر إلى مكة بمثل ما سيرته هذه السيدة شجرة الدّر. و قد علم الحقير، أنه عند ما كان ابراهيم باشا الموسطارى حاكما على مصر عيّن ناظرا لكسوة الكعبة. و أوقف الكثير من الآماكن، و القرى المعمورة لهذا الهدف، بحيث كان ريعها السنوي مائة و سبعين كيسه مصرية (2). و كان أمين الأوقاف و ناظر الكسوة يشترون عشرين قنطارا من الحرير، و يصبغونها باللون الأسود، و يشترون عشرين أوقية من الذهب الخالص، و ألفين دينارا من الصيرمة- «خيوط الذهب» الإفرنجية. و يقوم بتشغيلها و تطريزها مائة و خمسون نفرا من أمهر الصنّاع فى قصر يوسف بمصر المحروسة، و فى غرة الشهر المولود (3)، تقام الورش، و يغزلون- يبرمون الصيرمه، و يشرعون فى الشغل، و يعملون على مدار ثمانية أشهر كاملة، و فى اليوم الأول من شوال يحضرون إلى مقام الوزير نموذجا من إبداعهم، و يتم عرضه، و عرض مهاراتهم .. فإذا كانت ممتازة، و بلا نظير، ينعم عليهم بالإحسانات الوفيرة، و التى بها تقر أعينهم، و تطيب‏

____________

(1) شجرة الدّر: إحدى ملكات مصر فى العصر المملوكى الأيوبى، و ترتيبها التاسع بين الملوك الآيوبيين. تولت الحكم سنة 648 ه و تلقبت ب «ملكة المسلمين والدة خليل». «المترجم»

(2) الكيسة المصرية: و كان ذهبها ذهبا خالصا. و عياره هو الذى تقاس عليه بقية السكة المضروبة من الذهب فى الدولة العثمانية، و الدول الإسلامية.

(3) الشهر المولود: أى بداية الشهر الذى يولد فيه الهلال و يكون محددا لبدأ أعمال الكسوة.

226

نفوسهم، و يخلع عليهم بالخلع القيّمة .. و هم يستحقونها .. و أشغالهم رائعة.

و يعلم اللّه؛ أن من لم ير شاغل هؤلاء الأسطوات المهرة، فكأنه لم ير شيئا على سطح الأرض كلها- فهى لا يمكن وصفها، أو التعبير عنها بالكلام، بل لابد من التمتع بالنظر و الإمعان. و كما يقول الشاعر:

(شنيدن كه بود مانند ديده ..) (1)

فلذلك، فأنت محتاج للمشاهدة و الرؤية .. و جملة النقوش (لا اله إلا اللّه محمد رسول اللّه). و كما سبق السبك فى أوصاف الكعبة الشريفة و حرمها .. فإن الكسوة المشرفة تستحق هذا القدر من الأوصاف و الألقاب .. و لكن؛ كسوة هذا العام فإن أمير الحج المصرى هو الذى نال شرف اسدالها، و وضعها على الكعبة الشريفة. و قدم تم تثبيت أطراف الكسوة بالحلقات النحاسية المثبتة أسفل جدران الكعبة دائرا ما دار، و التى يبلغ عددها ثنتا و أربعين حلقة .. و كل منها سمك الذراع .. و لشدة لمعانها، و صقلها فكأنها من الذهب الخالص .. هذه الكسوة المشرفة لا تخترقها الرياح ..

و لأجل ذلك فإنها قد ربطت بهذه الحلقات بإثنى عشرة قنطارا من الحبال المجدولة، و المشغولة بالخيوط البيضاء، و الحمراء .. و تحيط ببيت اللّه، و تجعل الكعبة الشريفة ظاهرة، و بادية من مسافة بعيدة- بحيث يبهر الإنسان، و يبهت .. و حتى أن الستين ألف حاج الذين يمسحون بها وجوههم، و يعفرون بأريجها جباههم، لا ينالون منها إلا كل الخير .. و فى الطرف الآعلى من الكسوة بكرات مثبتة بحيث يمكن بها رفع الكسوة بقدر قامة الرجل حول الكعبة من جوانبها الأربعة. و وسط الكسوة المشرفة شريط مشغول بالذهب الخالص، و كأنه يحتضن بيت اللّه. و هو يحيط به دائرا ما دار .. و هو بعرض ثلاثة أشبار. و قد نقشت الآية الكريمة التالية؛ بخيوط الذهب الخالص فوق هذا الحزام:

(فى بيوت اذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه) هذه الخيرات العظيمة العجيبة تأتى فى كل سنة جديدة من مصر، و تقسم الستائر القديمة قطعا قطعا، و ترسل هدايا إلى كل الملوك، و السلاطين، و الأمراء المسلمين .. و هم بدورهم يسارعون فى إرسال العطايا، و الهدايا، و الصرة الشريفة. و يوجد فى كل الديار أقسام، و قطع من هذه‏

____________

(1) (لا يمكن أن يكون السماع شبيها بالرؤية).

227

الستائر .. و تبركا؛ تفرش فوق نعش الميت و هم يحضرونه فى الجنازة حيث مثواه الأخير. و لكن منذ أيام السلطان سليمان القانونى، و قد صدر فرمان الشهريار، و البعض يسميه خط الحج الأكبر- و هو يحتم أن ترسل الكسوة، و الحزام، و ستارة باب الكعبة من قبل سلاطين آل عثمان. و ظلوا يرسلونها .. و أما ستارة باب الكعبة و الخاصة بآل عثمان، فكما هو محرر، فهى بقدر القامة .. و عرض ستارة الباب المشرف ليست كنزة- ضيقة، كذلك. هى من الحرير الخالص المتعدد الألوان و لكن نسبة الذهب لا تساوى نسبة الحرير. بل متناثر، متألق، يضفى رونقا، و بهاءا يليق بستارة باب بيت اللّه الحرام؛ بحيث أصبح لا نظير له. و ضلفتي الباب المشرف هى من الذهب الخالص، و هذا الباب أيضا من شغل و تصنيع المرحوم والدنا .. و قد شاهدت، و رأيت ذلك بنفسى محررا فى كتابته .. و على ضلفتى هذا الباب المشرّف كتابة ذهبية .. و بينها هذا التاريخ:

(تما بخير مولانا السلطان البرين، و خاقان البحرين سلطان احمد خان عز نصره سنة عشرين و ألف ..).

كما أن هناك كتابة فضيّة مذهبة، و لكن لإزدحامها و تداخلها فى بعضها البعض يصعب النظر و القراءة. و قد اكتفينا بهذا التاريخ .. و حقا أنه باب فى غاية الروعة ..

و مفاتيح باب الكعبة منذ أيام الرسول «(صلى اللّه عليه و سلّم)» و هو فى أيدى «بنى شيبه». و للآن و هو تحت تصرفهم، و هم مثل آل بلال الحبشى قد دعا لهم الرسول المصطفى بعدم الإنقراض لنسلهم، و ذريتهم إلى أبد الآبدين .. و ما دامت الآفلاك تدور و لذلك فهم مازالوا يتناسلون جيلا بعد جيل: بحيث لا يمكن أن تمر بمكة المكرمة بدون أن تلتقى بأحد من ذرية آل بلال و آل شيبه. و آحيانا يفد إلى مكة المكرمة بعض العظماء، و تتوق نفوسهم الدخول إلى بيت اللّه المشرّف .. فيرجون الشريف فى ذلك، فيصدر حضرته فرمانا لإبن شيبه بذلك، و خلال موسم الحج يفتح باب الكعبة مرتين أو ثلاث .. و ماء زمزم متصل بالجدار الأيمن للكعبة المشرفة .. و من باب الكعبة ينزل بسلم، و هو سلم خشبي سميك مكوّن من عشرة أقدام. عرضه ثلاثة أذرع. و عند فتح الباب الشريف يسحب رويدا، رويدا .. و يتصل بعتبة الباب بروز يصعد منه بعض الحجاج، و بعض ذوى الجرأة، و السرعة يقفزون دون النظر إلى السلالم‏

228

و يدخلون إلى الكعبة، و لكن الحجاج الذين تتسم حركتهم بالبطئ، و يصعدون ذلك السلم، و يدخلون البيت الحرام .. و لكن كثير من الناس يهلكون اللهم عافنا، فالسبعون ألف حاج يزاحمون بعضهم بعضا. و لذلك فإن العبد الحقير، لم يتيسر له هذه السنة دخول البيت الشريف، خوفا من هذا الزحام. و لأن بعض الفقهاء لم يرضوا بذلك، و قالوا بجواز الطواف من الأطراف. و كان كذلك، لأنه لم يكن هناك موضع لقدم داخل الحرم، و لا يشترط الدخول داخل البيت الشريف .. و لو كنت مجاورا، فيجوز لك أن تدخله خلال شهرى، رجب، و شعبان عند فتحه فيهما ..

و لكن العبد الحقير، تمكن من النظر بعشق و وله إلى الداخل من الباب الشريف ..

فزاد شوقى، و عشقي، فتجولت بنظري فى البيت الشريف ..... ثم عرجت إلى سطح البيت الشريف، ففى الركن الشمالي، يوجد غطاء، و كأنه مربع الشكل، ففتحته، و صعدت فوق السطح، كانوا يرممون، و يعمرون السطوح، و كان بداخل البيت العتيق، كما هو موجود فوق ستائر الكعبة، مسطورة عبارة لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه‏ و عليه ستائر من الحرير الأحمر، و ليست سوداء ...... و على بعض الآعمدة كتبت كلمة «الحنّان» و على آخر كتب «المنّان» .... و به بعض الثريات، و لكنه ليس مزخرفا أو مبهرجا كسائر المساجد، و الجوامع .. لأنه بيت اللّه .. و ليس للزخرفة، و الزينة.

إن بعض الآعيان و العظماء من حجاج المسلمين يدخلون إلى داخل الكعبة الشريفة .. و يقبلون الآعتاب آلاف المرات .. و كم هى من عتبة بديعه .. فبياضها فى بياض اللبن الحليب. أو كأنها قد صنعت من الحليب.

بعد ذلك صعدت من السلالم السابق ذكرها. يضعون من ماء زمزم فوقها، فتقف المياه، و لذلك فقد آقاموا فوقه، مزراب من الذهب لماء الرحمة من فوق سطح الكعبة المشرفة؛ فتدخله المياه، فتجرى منه المياه نحو الحطيم .. حيث كان مكان سجود الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) حين إمامته للصلاة، و قد وضعوا علامة كالسجادة حيث كانت رأس حضرته، و هى صخرة مربعة لونها أخضر سوماكى، تنزل عليه المياه المتدفقة من المزراب الذهبي .. و هكذا فإن مياه الرحمة تتدفق حيث كان يسجد الحبيب المصطفى .. و تحيط بجوانبه الأربعة جدران الحطيم المذكور .. حوالى خمسمائة

229

خطوة. و هو عبارة عن جدار دائرى .. و إمام مذهب الإمام الأعظم، و كما كان الحبيب الأعظم إماما، و يسجد داخل الحطيم، فإن إمام المذهب يسجد و يؤم الصلاة منه. و موضع سجوده يقع تحت المزراب الذهبي و على جانبي هذه الصخرة السجّادة الخضراء، يوجد شمعدان من الفضة المطعمة بالذهب قد قامة الرجل، و داخل كل شمعدان تمتد شمعتان فى طول الرجل و سمك جسده، و هما من الشمع الكافورى ..

و توقدان ليلا، وسط مائتي فانوس تضاء، فيتلألؤ الضوء فى كل الأجواء. و يقيم آلاف الحجاج المسلمين عبادتهم فى هذا الجو المشحون بالضياء و الرجاء فى رحمة اللّه.

و هذا المكان مكسوة أرضيته بالرخام الأبيض الناصع و هذا المكان، مع فرش البيت الشريف دائرا ما دار مائة و سبعين خطوة. و جدران الحطيم بارتفاع ذراع مكسوة بالرخام الأبيض من ناحية جدران الكعبة. حتى تحفظ الجدران عند انسياب أمطار الرحمة. و يحلى هذا الرخام الحلقات الإثني و الأربعون التى تثبت فيها أطراف ستائر الكعبة .. حقا إنها حلقات نحاسية، و لكنها مجلاة و مصقولة بحيث من يراها يظنها من الذهب الخالص .. و كل منها كأنه طوق انسان. و هى تحيط بزوايا الكعبة الشريفة الأربع. في البداية، زاوية، أو ركن الحجر الأسود على الجانب الشرقي، و فى الشرق أيضا و اتجاها نحو الشمال «الشمال الشرقى» الركن العراقي .. و على الجانب الشمالي الركن الشامي، و أما الركن اليمانى فيقع على الجانب الجنوبي مرتبطا بالشرق حيث الحجر الأسود.

***

230

أوصاف، و مدائح ألوان و قروقامة حجر الله الأسود:

أولا، الحجر الأسود، يعلو عن أرضية الحرم بمسافة زراعين، و هو يميل إلى السواد «أسمر». و كأنه خال أو شامة الكعبة .. قد وصفه آلاف من المؤرخين .. و هو فى سمرة فاتحة .. هو خال مكة، و شامة على و جنتها .. «بيت»:

(كعبة قبله م سنك جما لكدر* * * حجر الأسود آنده خالك)

إن جمالك هو كعبة قبلتى‏* * * و الحجر الأسود شامتها)

(1) و قد وصفه الكثير من الشعراء و شبهوه بخال أو شامة المحبوبة الحقيقة. حقا .. إن مبنى الكعبة كله مبنيّ من البياض، و الآحجار التى فى ينعة الخضروات. و لكن هذا الحجر الأسود على جبينها الشرقي فكأنه خال و هو بالفعل قد أشرق على مكة كلها فأضاءها، و شرّفها هو حجر مجلي، و مصقول، فصّ نادر من فصوص الكون الغامضة هو مجر مدوّر. و يفسره البعض على أنه من حجّارة سجّيل، و الذي نزل ذكرة فى سورة: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ....

و يستشهدون بالآية الكريمة على ذلك. و من المعروف أن أبرهة الملعون قد أراد هدم كعبة اللّه الشرفة. فقدم إليها .. و تذكر بعض كتب السير أنه كان يريد هدم الكعبة ليأخذ الحجر الأسود. و أنه أى أبرهه قد هدم الكعبة و ألقى بكل حجارتها فى البحر عند جده .. و أنه قد تمكن من خلع الحجر الأسود من مكانه، و فى هذه الآثناء أرسل اللّه عليهم طير الآبابيل، فرمتهم بالحجارة التى جاءت بها من سجيل، فأهلكتهم جميعا بفيلهم .. و من بعدهم تم تعمير و إعاده بناء الكعبة الشريفة. و لكن لم يتم الحج فى السنة التى خلع فيها الحجر الأسود من مكانه. نهض آل هاشم، و آعادوا بناء الكعبة و وضع الحجر الأسود فى مكانه .. و لكن القرامطة الملاعين، قد نزعوا الحجر الأسود من مكانه، و آرادوا آخذه من مكة المشرفة، و الكعبة المعظمة، و لكن و هم يحضرونه نفق منهم سبعون جملا .. و لما كان الحجر الأسود قد تكسرت بعض أجزاءه .. فعند إعادته إلى مكانه تم صب الآجزاء التى أصابها التلف بالفضة الخالصة.

و ما زال إلى الآن، فإن الجزء المغطى بالفضة هو المتاح للتقبيل .. و الحجر الأسود أكبر قليلا من رأس الإنسان، و هذا هو المسطور فى كل كتب التاريخ .. و ليست هناك‏

____________

(1) الترجمة:

إن جمالك هو كعبة قبلتى‏* * * و الحجر الأسود شامتها)

«المترجم»

231

حاجة لتأكيد ذلك، و لكن نحن نرجع فقط إلى الآسانيد التى تؤيد أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد قبّل الحجر الأسود. و كان الحبيب المصطفى يؤم الصلاة من الحطيم .. و يعد مكان السجدة، هناك إشارة على يمين هذه الصخرة السجّادة الخضراء لقراءة الفاتحة على روح أم الأنبياء أمنا هاجر. و الكل يقرأ الفاتحة و يدعو عند ما يرى هذه الأمارة. و يستفاد مما يروى عن عائشة الكبرى. و عائشة الصدّيقة رضى اللّه عنهما أنهما سألتا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) بما معناه، هل مكان الدعاء، و مكان السجدة التى يرمز له بالحجر الأخضر .. هل يرمز إلى شيئ ما .. فتفضل (عليه السلام) قائلا إن السيدة هاجر أم الأنبياء مدفونة هنا فى هذا المقام .. و هذا مثبت بما روى عن أم المؤمنين خديجة، و السيدة عائشة رضى اللّه عنهما. و أن جميع أهل مكة من آصحاب الكتب المعتبرة يشهدون بذلك. و من بين الأحجار التى كان يجلها الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) فى مكة كان الحجر الأسود، و الملتزم الذى يقع ما بين الحجر الأسود، و باب البيت الشريف. و قد كان فى زمن الجاهلية، فى الوقت الذى لم يكن فيه قضاء، أو حكم. كانا المدعى، و المدعى عليه يأتيان إلى هذا المقام، و يضعان أيديهما على حجر الملتزم هذا .. فإن كان ظالما، كان يرتعد، و لا يضع يده على الحجر، و إذا تجرأ، و وضع يده، و هو ظالم، كان يهلك فورا. أما المظلوم فكان يجد الخلاص، و البراءة. و فى هذا المقام؛ يقبل دعاء الخير، و دعاء الشر .. و من يلمسه، أو يرفع يده و يحلف كذبا، فيرى العقاب فورا. و مما يجد الإعتبار، و الإحترام من قبل حضرة شفيع المؤمنين هو ذلك المكان المسمى «معجنه» و هو منخفض صغير بالقرب من باب البيت الحرام- الكعبة و بالقرب من الركن العراقي، و يسمونه أيضا مقام جبريل .. ففى هذا المقام الشريف و بينما كان الخليل ابراهيم يبنى بيت اللّه الحرام كانت تطأ قدماه الطاهرة هذا المقام، و كان يخمّر فيه التراب العنبري، و الطين المسكي الذى يبنى منه البيت العتيق .. و لهذا أطلقوا عليه المعجنة. و من السنة المؤكدة صلاة ركعتين فى هذا المقام. و هو منخفض صغير مربع الشكل. و داخل مقام المعجنة هذا، و آعلى من حجر أساس البيت الشريف بذراعين، و على حجر جميل أزرق اللون مكتوب بالخط الجلي، العبارة التالية:

(أمر بتجديده ايام مولانا السّلطان قيتباى مدّ ظله) و هنا؛ تتم أوصاف، و أشكال مكة المكرمة.

***

232

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

233

فى بيان أسماء بيت الله الحرام‏

إن أسماء الكعبة الشريفة مسجلة، و مسطورة فى جميع التواريخ، و الكتب المعتمدة، و كثير من السير .. و مما أصبح معلوما لدينا أن آصحاب البلاغة، و الفصاحة قد سطروا فى كتبهم، و آبانوا فى سجلاتهم الأسماء الشريفة لأشرف بيت قد وضع للناس؛ أولا؛ اسمه القديم، بيت اللّه، و مكة المكرمة، و البيت الشريف، و الكعبة الشريفة .. و البيت الحرام، و مكة الشريفة، و البلد، و القري. وAuruz و معطّشة، و فاران، و مقدّسة، و قاوس، و قرية النمل، و جبابذه، و الخطيم و الوادى، و الحرم، و العرش، و برره، و صلاح، و فطام، و زبحه و طيّبه، و ناسه، و بيت ميعاد.

و قد ذكر ابن عبّاس رضى اللّه عنه فى تفسيره لكلمة «معاد» أنها المراد. فى الآية الكريمة التى نزلت‏ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ (1) فالمقصود و المراد هنا هو مكه.

و غير ذلك؛ فمن المعروف أن الفيروز آبادى (رحمة اللّه عليه)، و قد ألّف رسالة لآسماء مكة المكرمة؛ و قد جمع فيها ثلاثمائة و سبعين اسما لمكة المكرمة. و لكن خير ما يقال أن المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم)، كان يعبر عنه بالمسجد الحرام، حيث تفضل بالقول:

(قال (عليه السلام)؛ صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ..). و هذا حديث صحيح، و غيره قد ذكر مئات الآحاديث الشريفة، و رواها الرواة عن البخارى و مسلم، كما أن هناك المئات من الآيات التى تذكرها صريحة أو تلميحا إليها مثال .. (.. ببكة مباركا و هدى للعالمين ..) و كثير غيرها من الآيات المحكمات.

***

____________

(1) سورة القصص: آية 85.

234

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

235

فى بيان المقامات و الأبنية الموقرة التي داخل الحرم الشريف و على الجوانب الأربعة للبيت العتيق‏

أولا، يطلق المسلمون علي وادي الحرم الذي يطوف فيه الحجاج المسلمون حول البيت المشرف" الوادى الابيض" فهو عبارة عن ساحة مفروشة بالرخام الابيض المجلي.

و هى ضمن الحرم الشريف الكبير، و هو يحيط بالبيت العتيق من الجوانب الاربعة، و يحتوى الكعبة، و الحطيم الشريف، يحيط بالمكان ثلاثة و أربعون عمودا من النحاس الأصفر إلا إثنين فقط فهما من الرخام المصنّع البديع. و هذه الآعمدة النحاسية هى من مآثر السلطان سليمان خان القانوني، كل عمود بطول ثلاثة رجال، و هي من النحاس المصقول. و قد سمعت من قوزى على آغا صاحب الركاب بأن السلطان سليمان خان قد كلّف الطواشي سليمان باشا بتصنيع الإحدى و الأربعين عمودا هذه من نحاس مصر، و كانت مدافعا معدّة لحرب اليمن، و لكن سليمان خان انشغل بحروب أنغروس، و لم يتوجه إلي اليمن، و تمكن سليمان باشا من فتح اليمن و الكثير من مدن الهند مثل دو آباد، و أحمد آباد، و عدد من النبادر و المراكز بمئتي قطعة من السفن التى أبحرت من بحر السويس. و قد ظل يقاتل و يناضل لمدة ستة أشهر كاملة، حتي تمكن من استخلاص هذه المناطق من أيدى البرتغاليين الكفرة، و ضمها إلى ممتلكات آل عثمان و تمكن من أسر تسع آلاف من البرتغاليين، و استولي علي إحدى و أربعين سفينة منهم، و ترك فى قلاع المدن، و البنادر المفتوحة العديد من الأبطال الصناديد من جند آل عثمان؛ و أرسل سليمان باشا بالرسل و المبشرين إلى السلطان سليمان خان يبشره بهذه الفتوحات .. و بعد العرض علي حضرة الشهريار، أرسل إليه خطا شريفا مفاده (يا سليمان باشا أنت قربي، فأقم فى القلاع المتينة التى فتحتها جامعا .. و اقطع- اضرب السكة فى كل القلاع التى فتحتها باسم سليمان، و لتقرأ في بلاد الهند الخطبة باسمى، و ارسل من السكة المضروبة لخزينتي، و خزينة الدولة ..

و سلّم زمام القلاع التى فتحتها في الهند لآخى الخاقان .. و ليحضر بكل الحب، و الإحترام إلي آعتاب دولتنا ..) و ما أن وصلت هذه الآخبار إلى سليمان باشا حتى قال (الأمر و الطاعة، فالامر امركم) و أمر على الفور بسك العملة، و قراءة الخطبة باسم‏

236

آل عثمان؛ و وهب القلاع التى فتحها فى الهند إلى سلطانها .. و عاد من الهند منصورا، و مظفرا، و محملا بأموال فرعون" قارون". و قام ايضا بفتح سبع مرافئ في اليمن .. و ربطها ببندر جده بالإسطول الهمايوني. ثم عاد إلى جده مظفرا، و معه السفن التى غنمها من الكفار، مع آموال فرعون-" قارون" التى لا حصر و لا عد لها .. ثم توجه منها إلى مكة المكرمة، و قام باداء فريضة الحج، و قام بنصب المدافع النحاسية التى استخدمها في هذه الحرب لتكون زينة فى المسجد الحرام .. فرفعها فى جوانبه الأربعة. أو أنه نصبهم من أجل المصلحة .. و هم ليسوا بأعمدة- هذا ما تفضل به و ذكره المرحوم قوزى على آغا. و الحمد للّه أن تيسرلى رؤيتها بعد أربعين سنة. و حقيقة الحال، فجميعها مدافع نحاسية شاهية. لا تعلوها أي أبنية ..

قواعدها مثبتة على منصات من الرخام، و فوهاتها إلى آعلا .. و لكن لما كانت الفوهات مسدودة فلا يستطيع الفرد مهما بلغ من الإدراك أن يدرك أنها مدافع ..

و هذه الآعمدة المنصوبة متصلة ببعضها البعض بأذرع حديدية فى سماكة ذراع الرجل .. و بتناسق فإن ما بين كل عمود و آخر خمس خطوات متساوية و على كل عمود قد نقش علم مذهب .. و قد زينت الآعمدة بالقناديل .. و كل الحجاج المسلمون يطوفون من داخل هذه الآعمدة النحاسية. و هم حدود الطواف. و لا يكون الطواف من خارجها؛ لإن هذه الآعمدة قد اقيمت علي آخر حدود قد سارت فيها قدمي الحبيب المصطفي أثناء الطواف .. و ما بين هذه الآعمدة، و الكعبة المشرفة مفروشة بالرخام الأبيض .. و ما عدا ذلك، فليست الأرضية مفروشة أو مكسوة بالرخام. بل هى مكسوة او مصبوبة بقطع من الصخر الأسود. و الرصيف ليس مكسوا كذلك، بل مفروش بالحصى ... و لا يتمكن الإنسان من السير عليه بهدوء و سكينة. و هذه الآحجار الصغيرة، و الحصى هى كما هى، و ظلت على ما هى عليه منذ أن بنى الخليل ابراهيم البيت الحرام ... و قد تركها القائمون على المسجد تبركا، و يكتفون بتطهيرها .. و لحكمة إلاهية، فلهذا أيضا فائدة فلو فرشت أرضية الحرم فى أماكن الطواف كلها بالرخام الأبيض، فإن الآماكن المفروشة لا يمكن السير عليها، و الطواف منها لشدة الحرارة فالآحجار تخفض الحرارة، و يمكن الطواف فى هدوء و سكينة فى فترات القيظ. و لكن البيت الكبير؛ أولا من الكعبة المشرفة و حتى باب الصفا، و بعرض ثلاثة أذرع مكسوة بالرخام الخام الطبيعي، و مثل هذا حتى باب‏

237

البسيطية، و آخر حتى باب الزيادية، و ثالث حتى باب السلام، و ما عدا ذلك فمفروش أى مصبوب بقطع حجرية. و من بين الأبنية المقامة داخل الحرم الكبير المقام الحنفى .. و ما بين البيت العتيق و المقام الحنفى خمسين خطوة، و هو محفل عال كالقصر، يصعد إليه بسلالم حجرية، مقامة على آعمدة موزونة. و على جوانبه الأربعة حواف، و كأنها شبكة مصنوعة من الرخام الأبيض الخام، و على جوانبه الأربعة أيضا طاقات- و تيجان مقامة على أعمدة بيضاء. و عليها نقوش بديعة خطت بأنامل بهزاد ماني. و الثقف عبارة عن قباب مغطاة بطبقة فضية. و يمكن أن يؤدى الآذان منها عشرون مؤذنا حنفيا .. هى كالقصر العالي عظيم التهوية. و قد قام العبد الحقير بختم القرآن فى هذه المقصورة .. و تلوت دعاءا طويلا من البحر الطويل و قد آصغى آلاف الحجاج لهذا الدعاء فى احترام و سكينة ... و كانت تهتز الأرجاء عند ما تتردد من أفواههم" آمين" و آهدينا آلاف و مئات الآلاف من الأدعية لولي النعم، و ذوى القربي من الوالدين و الآقارب، و الأساتذة الأفاضل .. و إلى روح المغفور له ملك أحمد باشا، و إلى روح الدفتر دار زاده محمد باشا، و سيدي أحمد باشا و جا نبولا طزاده مصطفى باشا، و إلى روح القبطان- قبودان حسن باشا و المولوي محمد باشا، و درويش محمد باشا، و سياوش باشا، و فضلى باشا، و السردار على باشا ..

و الحاصل توجهت بالدعاء إلى كل الوزراء و المعارف، و الذين تشرفت بمعرفتهم عند الغزو، و فى الغزوات التى حضرتها .. و تذكرت أرواح كل الشهداء .. فدعوت لهم، و وهبت حصة من ثواب ختم القرآن الذى أتممته إلى أرواح سادتنا و الذين عملوا لرفعة ديننا .. و كان الحجاج جميعا يؤمنون، مرددين آمين ... آمين .. و ناحية الزاوية التى يطل عليها المنبر الشريف لهذا المحفل الحنفى، نقرأ هذا التأريخ:

داورى جم عظمت خان محمد يعنى‏* * * عدل داديله اديانديردى ملوك سيفى‏

ديدى تاريخك آنك أهل مدينه كورجك‏* * * قاتى آعلا كوزك اولدى بو مقام حنفي‏

" سنة 1063" (1)

____________

(1) الترجمة: «السلطان محمد خان هو ملك ملوك العظمة

238

و علي يمين هذا المقام الحنفي، يقع مقام الإمام مالك، و هو في مواجهة الركن اليماني ... و هو قصر تحتانى، و ليس بمرتفع. له ثقف منقوش، مقام على عمدان.

يقيم به مؤذنوا المذهب المالكي. يقيم أئمتهم الصلوات فيما بين الركن اليماني و الركن الشامي. و الناس يقتدون بهم، و علي يمينه، و في مقابلة- مواجهة الحجر الأسود مقام إمام المسجد الحرام و هو بدوره مقصورة خفيضة الإرتفاع، و يقيم فيها سائر المؤذنين و يقيم الأئمة إمامتهم عند الحجر الأسود .. و جماعاتهم من بني البشر ذوى السحنة السوداء. و هذا المقام أيضا له سقف مقام على اعمدة و السقف منقوش، و القبة مغطاة بالرصاص .. و داخل هذا المحفل يسكن الآغوات الطواشية خدّام البيت الشريف، و هم يتجاوزون المائتين، و هم من الآغوات الطواشية السمر السحنة؛ و معظمهم؛ الواحد منهم خدم ما بين ثلاثين أو أربعين سنة فى الآعتاب العثمانية، و حصلوا على الصيت و السمعة الطيبة .. و كان يطلق سراحهم، و يسعدون بالخدمة في بيت اللّه الحرام. و على الجانب الأيمن من مقام الإمام هذا، و على مسافة ثلاث خطوات، نلحظ القصير العالي لبئر زمزم. و فوقه بناء عال هو مقام الامام الشافعي. و هو يقع فوق ماء زمزم تماما، و أكثر علوا من سائر الأبنية، و هو محفل الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) كان عليه الصلاه و السلام يتعبد دائما فى هذا المكان، و هو متوجه نحو مقام ابراهيم الخليل. و يصعد إليه بسلالم، هو قصر لطيف. و مكان عبادة محبب إلى النفس .. مقام فوق أعمدة متناسقة، و منقوش بزخارف و مذهّبات بديعة الصنع، و الألوان. و جميع مؤذنو الشافعيه يؤذنون و يقيمون صلواتهم فيه. و كان الإمام الشافعى يقيم إمامته فى مكان المعجنة السابق ذكره .. و كان فى البداية أولاد بلال الحبشى قد شرعوا فى الآذان من هذا المقام .. كما كان اتباع المذهب الشافعى يقيمون الصلاة فيه، و أعقبه في ذلك الامام الحنفي، ثم الإمام المالكي ثم من بعدهم الإمام احمد بن حنبل كان يقيم الصلوات هنا فى هذا المقام. و لما كان هذا المقام الشافعي مقام فوق مياه زمزم،

____________

- ايقظ بعدله سيف الملوك‏

قال لأهل المدينة فليرى التاريخ‏

فأعلى أدواره، و أضحى جميلا هذا المقام الحنفي‏

سنة 1063 ه»

239

ففيه ثقب، أو فتحة، يتدلي منها دائما دلو .. و من تاقت نفسه للشرب من ماء زمزم فما عليه إلا أن يدلى بالدلو إلى بئر زمزم، ثم يسحب الدلو مملوءا و يشرب .. و جماعة الصلاة فى هذا المقام مكتظة، و هذا لحكمة من حكم المولى ...

*** أوصاف عين الجنة، بئر مياه زمزم:

تقع عين الجنة هذه داخل بناء مربع الشكل تحت المقام الشافعي المذكور ... على الجوانب الأربعة، أربع نوافذ، اثنان يطلان على بيت اللّه الحرام، و الآخران يطلان علي المنبر الشريف. للبناء باب، يقع داخل الحرم الكبير، مفتوح ناحية الشرق، له ضلفتان ... و لكنه باب صغير. و فوق كنار هذا الباب، مكتوب بالخط الجلي الجميل، و بماء الذهب هذا التاريخ:

(سلطان البرين و خاقان البحرين قلت تاريخه بلفظ قد بنى الزمزم محمد خان سنة 1083).

بينما أن السلطان محمد الرابع، كان قد جدد باب السعادة هذا، و أمر بتسطير هذا التاريخ. و بئر زمزم يقع في وسط هذا البناء العالي. و على فوهه البئر، فم من الرخام الأبيض فى قد الرجل، و يحيط به أو محيط البئر يحيط به إثنا عشر رجلا ..

و حول فوهه البئر سوار من الحديد دائرا ما دار، و لأن الناس تسحب منه يوميا مئات الآلاف من دلاء الماء نهارا و ليلا منذ أن كان. و لو لم يكن من الحديد هكذا لتفتت فوهة البئر. و منذ أن عرف و قد وضعوا على فوهة البئر هذا الحديد ... و يقف أربعة رجال شداد فوق الفوهه، و عن طريق البكرات الموجودة فى جهاتها الأربع يسحبون الدلاء .. و هكذا ليلا، و نهارا يدب العمل و الحركة لإخراج ماء زمزم لسقاية حجاج بيت اللّه الحرام. و الحجاج أيضا يشربون من ماء زمزم حتى يذهب الظمأ .. و يتلون هذا الدعاء و هم يشربونه:

(اللهم أرزقنى علما نافعا، و رزقا واسعا و شفاء من كل شي‏ء .. و من خشيتك ..) و يشربون بنية صفاء القلب و الشفاء من كل داء، و دفع العطش، و بعدها يصبون الماء

240

من أعلي رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم .. و فورا تجف ملابسهم من شدة الحر، و طوال الليل و النهار، و فى الصبح و المساء، و لعدة مرات تملئ مئات الآلاف من القرب، و الجرار، و الزمزميات، و مختلف الآواني المتعددة الأشكال، و الأحجام.

و يقف أربعون نفرا من الاشداء و قد خضبوا أيديهم، و أرجلهم بالحناء، و يتبادلون سحب المياه، فى كل نوبة أربعة منهم؛ فلا يمكن أن يتحمل أربعة أنفار فقط سحب المياه طوال الوقت، و لذلك فهم يتناوبون على العمل ليلا، و نهارا. و لحكمة إلاهيه ..

فآلاف الآلاف من الدلاء تسحب صبحا، و مساءا و لا ينقص الماء قط بقدر قطرة واحدة. إنه حقا ماء ذلال، باعث للحيوية و النشاط. فيه شفاء لكثير من الآلام ..

و لا تساويه مياه الدنيا فى لذته. و من يحتسيه فكأن رأسه. و دماغه قد شحن بالمسك و العنبر .. و لو شرب منه المرء عشرات المرات، أو عشرات الأوقيات فلا يصيبه أي ضرر علي الإطلاق ... و أذا كانت مياه الدنيا كلها تخلو من الرائحة، ففى الصباح الباكر تشم منه رائحة الورد، و ما أن نصل إلى وقت الظهر، و منه إلى وقت العصر؛ حتى تسوده رائحة البنفسج .. و حتى وقت الغروب تتنسم منه رائحة الياسمين و حتى وقت العشاء تتصاعد منه رائحة الهندباء. و حتى أنا العبد الحقير تسللت دون علم الرقباء، فى وقت الشفع .. فرأيت الماء ينساب كالذبد ..

فشربت منه، فكان فى لذه اللبن الحليب .. و فاحت رائحته الزكية فعطرت دماغى.

و هم يملئون القماقم، و الضرب، و يحضرونها هدية، و تبركا إلى كل بلدان العالم الإسلامي. و فى العديد من المرات يحضرونها إلى الآلاف من الولايات. و هذا الماء الطاهر مفيد جدا لمن هم من ذوى الطبيعة البلغمية، و معتدل للإنسان الصفراوي، و لو شرب بمقدار محدد لبعض الطبائع، فتشاهد فوائده، و نفعه. و لكن، كأي فإن الإفراط فى الاستعمال يخلو من الفائدة. و لكن ماء زمزم يشفى بأمر اللّه من الداء الذى شرب بنية الشفاء منه. و خلاصة الكلام ماء زمزم لما شرب له. أي أنه شفاء لكل داء. حتى أن بعض بلغاء الشعراء زار الكعبة، و هو محطم الخاطر، فشرب من ماء زمزم، فوجد فيها الشفاء. فترنم بهذه المقطوعة:

(يقولون ليلى بالعراق مريضة* * * فياليتنى كنت الطبيب المداويا

241

عليّ إذا لاقيت ليلى بخلوة* * * زيارة بيت اللّه برجلاى حافيا)

حقا؛ لو شرب منها الإنسان باعتقاد، و عقيدة صادقة، فلا بد من أن يجد فيه الشفاء؛ لإن مياه زمزم هى معجزة سيدنا اسماعيل. و قد كتب فى ذلك الكثير و الكثير من الأقوال، و لكن القول الفصل هو:

فى وصف طلوع ماء زمزم:

إن سيدنا ابراهيم، بينما كان إبنه اسماعيل ما زال فى المهد، انشغل ببعض الأمور، و ترك أمنا السيدة هاجر مع ولدها اسماعيل، و سافر بتكليف إلهى إلى مكان آخر، إستبد العطش بسيدنا إسماعيل، فأخذ يضرب الأرض بقدماه ..

بينما أمه تهرول بين الصفا و المروة بحثا عن قطرة ماء. و ما أن عادت حتى رأت البلل يبدو تحت قدمي وليدها .. ثم ظهرت عينا ماء تحت قدميه .. و لما رأى «بنى جرهم» و هم من العبرانيين هاتين العينين، قالوا لهما بالعبرية «Jem Jem» و عرّبت إلى زمزم و لكن القول الأرجح هو أن حضرة اسماعيل، و هو ما زال فى المهد صبيا، كان مستريحا فوق الأرض، فاستغرق فى النوم .. و بينما الآحلام تداعب خلده، آخذ يلعب برجليه الكريمتين .. و كلما أصطدمت قدماه بالأرض و هو يداعبها .. ظهرت عينا ماء بأمر اللّه .. و سالت المياه حوله، و كادت أن تغرقه، فبدأ اسماعيل فى الصراخ، و البكاء، و كانت السيدة هاجر فى هذه الآثناء تهرول بين جبلي الصفا و المروة بحثا عن الماء فلما سمعت الصوت، هرولت نحو وليدها ..

و ما أن وصلت .. فماذا رأت؛ اسماعيل يكاد يغرق فى الماء .. فهرعت لنجدة فلذة كبدها .. و أخذته فى آحضانها .. و حمدت اللّه آلاف المرات على ظهور الماء ..

فشربت آمنا هاجر .. و قالت باللسان العبري بدلا من كلمتى الحمد للّه «زمزم».

و ها هو دعاء أمنا هاجر، زوجة ابراهيم، يعنى أم حضرة اسماعيل؛ و هو باللغة العبرانية:

(حابان حوژايژ ژمژم ژولو بنها ژوم بدژ ژوژ اژلهم ژق ژطژا ژيداژ دوسان فلو اژا حوژ ريواژى).

242

و أكملت دعائها قائلة:

(ژباش نداژ طوژ مژا ژلم ژلم ژيدايژ قلم ژبا براژ فر فلار ژيبا).

و خلاصة معنى الدعاء العبري .. «يا إلهى امنح الجمال لطائفة النسوة اللائى يشربن منه، و اجعلهن محبوبات، و اشمل برحمتك كل الخلايق العجزة، و أمنح من يشرب منه من أبنائي تاج النبوة، و اشملنا برحمتك و امنح به الشفاء من كل داء».

حقا .. إن ماء زمزم مفيد جدا لطائفة النسوة، و يجعلهن محبوبات جدا، و جملة من يشربن منه يتصفن بحسن الخلق، و الخلق. و هن مشهورات بذلك فى العالم، و من يشرب منه؛ فكأنه تناول من مختلف الأطعمة، فماء زمزم يدفع الجوع، كما يذهب العطش، يقوى الجسد و لقد آحاطت أمنا هاجر جوانبه الأربعة بالتراب، فصار كالخليج.

و يقول بعض المؤرخين، أنه عند ما أوحى اللّه سبحانه و تعالى إلى سيدنا ابراهيم ببناء البيت العتيق .. فكر الخليل أن التراب يلزمه الماء. و لهذا آجرى اللّه سبحانه و تعالى ماء زمزم بالكيفية السابقة حتى يتمكن الخليل ابراهيم من خلط التراب بالماء، و يتمكن من البناء. و من هنا كانت المعانى المتعددة للآية الكريمة .. وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏ (1). و لتحقيق هذا فى هذه البقعة المقدسة، آجرى اللّه سبحانه ماء زمزم ... و يقولون، و العهدة على الراوي؛ أن الرسول الكريم قال (صلى اللّه عليه و سلّم) .. رحم اللّه أم اسماعيل لو تركت ماء زمزم لكانت جارية .. و على الجانب الأيمن من ماء زمزم، و بجانب الجدار الخارجي، يوجد سلم متصل بالبيت الشريف .. و تصل منه إلى مقدمة البيت الشريف .. و جميع الحجاج، يصعدون منه، و يدخلون البيت الشريف. و على الجانب الأيمن من هذا السلم يوجد باب السلام العتيق.

***

____________

(1) سورة الأنبياء: الاية 30.

243

باب السلام العتيق:

إن باب السلام هو الباب القائم فى الحرم الشريف، و لم تحدث فيه أية توسعات، و تدور حوله فى الحرم الآعمدة النحاسية التى سبق الحديث عنها. و للآن فإن باب السلام هو قوس عال، و كأنه كمر إيوان. و هو كقصر بجوار بئر مياه زمزم. و على جانب آخر منبر رسول اللّه، أما الجانب الأيمن من باب السلام فهو غير متصل بأي مكان. هو عبارة عن كتله من الرخام الأبيض الخام وسط الحرم الشريف، هو منبر متقن الصنع بحيث لا يوجد له مثيل فى الممالك الإسلامية، هو منبر متقن الصنع بحيث لا يوجد له مثيل فى الممالك الإسلامية؛ و يعجز اللسان عن وصفه. و قبة المنبر قطعة فنية من يراها لا يملك نفسه من ترديد عبارة سبحان اللّه. حقا إنه منبر لا مثيل و لا نظير له، و فى كل يوم جمعه يزينون حول مقام الخطيب بالرايات، و البيارق، و الآعلام الخضراء .. و بعد أن ينادى على الصلاة، و تطلق الصلوات على النبى «(صلى اللّه عليه و سلّم)» مرتين من المنارات السبع، فإن خدّام الحرم الشريف جميعا، يلتفون حول الخطيب مصاحبين له منذ أن يخرج من قبة قدم النبى و هم يطلقون التوحيد الإلهى ..

و يسير الخطيب بكامل الوقار، و الأبهة، و قد تدثر بالرداء المحمدى، و فى يده سيف لا مع، يتقدم على مهل، و أمامه العلم النبوى الشريف .. و حملة العلم يسيرون و هم يوحدون، و يصلون على النبى، و يدعون للخلفاء الراشدين، و يفردون سجادة الإمام أمام المنبر، فيتلى الآذان المحمدي و ينطلق جميع المؤذنين فى نفس واحد، من مقصورة ماء زمزم مرددين (اللهم صلى على محمد، و على آل محمد، و سلم). و هم يطلقون تصلية بلال الحبشى، و أولاده رضى اللّه عنهم أجمعين. و بعدها، يصعد الخطيب و فى يده السيف القاطع إلى المنبر. و يقدم خطبته. و بعد أن يتمها؛ أولا؛ يحمد البارى و يشكره على نعمه، و ثانيا؛ يصلى على المصطفى صاحب الرسالة، و ثالثا؛ الدعاء للخلفاء الراشدين الأربعة، و رابعا؛ يدعو لآل عثمان، و خادم الحرمين الشريفين مولانا ملك العرب و العجم السلطان ابن السلطان الغازى محمد خان الرابع، فاتح بلاد الأيوار و فاتح كچ كيوار، و فاتح جزيرة إكريت، و فاتح بلاد الأردل، و فاتح پانووا و فاتح وارات، و يصل حتى سليم الأول فاتح مصر و موقف خيراتها على الحرمين الشريفيين، و بلاد الحجاز .. و هكذا، يتدرج فى ذكر سلاطين آل عثمان فيعرف بكل سلطان و مآثره، بحيث أن المستمع يعرف من هم سلاطين آل عثمان، و يركز على شوكة،

244

و سطوة آل عثمان الذين يسروا الحج، و سيروا المحمل، و مكنوا سبعين ألف حاج من التجمع، و الوقوف فى عرفات و بحيث يحيط المستمع بقوة و نفوذ آل عثمان، و خدماتهم لدين الإسلام. ثم ينزل الخطيب من على المنبر، و يؤدى ركعتى صلاة الجمعة و يتم التوحيد، و التسبيح الأكبر بجوار المنبر. و بعد ذلك يشرع بعض الحجاج فى الطواف. و لا تؤدى صلاة الجمعة فى أي مكان فى مدينة مكة المكرمة إلا في الحرم المكي الشريف، و يتوافد عباد اللّه عليه مبكرين بحيث يمتلئ الحرم بأفواج، و أمواج المصلين. و آمواج آخرى تلتف و بحيث يصير الحرم وسطهم .. و لما كانت لا تجوز الصلاة وجها لوجه، إلا أنهم فى هذا الحرم الشريف، و بعد أن يلتفون حوله فيصبحون فى حلقات تواجه بعضها البعض. و هدفهم، و مرادهم جميعا هو السجود فى الحرم .. إنه منظر رائع، و عجيب، و مكان عبادة يؤثر النفوس المؤمنة. و يبعد هذا المنبر عن البيت الشريف- الكعبة بعشرين خطوة ... و فيما بين المنبر و ماء زمزم و إلي الأمام:

*** مقام حضرة ابراهيم:

يعنى البيت الذى كان يقيم فيه سيدنا ابراهيم قبل أن يبنى الكعبة الشريفة.

و لقد كان الخليل ابراهيم يسكن فيما بين قبيلة بنى جرهم. و قد سكن هذا المكان و من هنا يسمونه مقام ابراهيم. مقصورة أو قصر مربع. تحيطه شبكة نحاسية، و المقام مغطى بالرصاص .. و على الجانب الشرقى يطل باب لطيف يسمح بالسير، و أمام هذا الباب يوجد دلهيز- دهليز، مقام فوق عمود لطيف، و قبته عبارة عن لوحة فنية، نقوش السقف فيها بوكالمون، زخارفها من الذهب. أعمالها الفنية بديعة الصنع، و نموذج رائع للفن الإسلامي بوباتها .. أي ألوانها زرقاء، و حمراء، على مينا مختلفة .. و كأن كبار الفنانين؛ ولى جان. و بهزاد، و آغا رضا قد تركوا أقلامهم، و فرغوا منها فورا. و لقد أمر السلطان ابراهيم خان بتجديد و ترميم مقام الخليل ابراهيم هذا، و جعله منبعا للسحر و الإبداع. و عليه تأريخ و لكن لم أتمكن من تحريره؛ و لم يتيسر الوقت بعد ذلك، لذلك، و داخل مقام ابراهيم هذا صندوق مربع مغلف بالذهب .. و منقوش عليه نقوش بديعة، من يراها يظنها نقوش صينية. و هذا

245

أيضا قد أحضر من قصر يوسف فى مصر، و قد أحضره أمير الحاج و صندوق مقام ابراهيم تغطيه ستائر و هو من خيرات السلطان أحمد خان .. مذهب بسبع أوقيات من الذهب، و كذا بسبع اوقيات من الفضة الخالصة، و قنطارين من الحرير الطبيعي، و قد نسجت جميعها طبقة فوق طبقة .. و طرّزت بنقوش غاية فى الإبداع، و التزيين.

و على جانب منها؛ نقرأ:

(لا إله إلا اللّه ابراهيم خليل اللّه). و داخل كتابة اخرى، نقرأ الآية: (.. مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (1).

هذه الكتابات كلها بالخط المذهب، و كلها مسطورة فوق حرير اسود و قد نقشت بالصيرمة. و داخل صندوق يوجد آثار القدمين الشريفين لسيدنا ابراهيم. و عليهما ماء الورد، أو تفوح منهما رائحة ماء الورد موجة إثر موجة .. و جملة الزوّار يدخلون هذه القبة، و يمرغون وجوههم بماء الورد هذا .. و يتلون دعواتهم فى همس، و خفوت ..

إن كل هذه الأبنية المذكورة تقع داخل الحرم الكبير و على الجوانب الأربعة للبيت الشريف. و أمام باب بئر ماء زمزم، و في الناحية الشرقية، و على بعد ثمان خطوات فقط، يوجد مقام .. قدم النبي ..

*** مقام قدم النبى:

قبة عالية، بيضاء، مقامة فوق جدار مربع الزوايا. ليست مغطاة بالرصاص، بل مدهونة بالجير الأبيض .. داخل هذه القبة محراب مختصر. على يساره، و داخل دولاب مربع الشكل، يوجد صندوق، داخله أثر القدم للنبي المصطفى، و قد وضح فوق حجر أسود و من تجاويف القدمين الشريفين ينبثق ماد الورد بروائحه الزكية.

و جملة الحجيج يمرغون وجوههم، فتشع وجوههم بالنور. و داخل هذه القبة هبات من المئات من آصحاب الخيرات عبارة عن فوانيس، و قناديل مذهبة، و مطلية.

____________

(1) سورة البقرة: الآية 125.

246

و شماعد، و مباخر، و مزاهر لماء الورد .. و بحيث صارت أكواما .. أكواما .. كما توجد شمعدانات مزدانة بالجواهر، و قناديل و ثريات من الفضة الخالصة. و اللّه وحده هو الذى يعرف حسابها. كما يوجد العديد من الفوانيس التى جاء كل منها من بلد ما كهدية، و كلها فوانيس رائعة فخيمة .. يقوم خدّام الحرم كل ليله بإشعالها بالشمع الكافوري، فيزدان الحرم بنورها، و تزدان هى بوجودها داخل الحرم. و قبة قدم النبى هذه لها باب مكشوف أى مطل على الشمال داخل الحرم. و على بعد عشر خطوات، و على شمال هذه القبة توجد قبة آخرى.

هى قبة منخفضة، مبيضة أى مدهونة بالجير، تستخدم كمخزن للزيت، و لهذا فهى دائما مغلقة، و مهما كان عدد القناديل. و الأسرجه داخل الحرم الشريف، و داخل مدينة مكة كلها، فجميعها تسرج، أى تأخذ زينتها من هذه القبة، و تنير المسجد الحرام. و على الجوانب الأربعة لهذه القبة توجد الآلاف من أكواب الماء من أجل ماء زمزم. و العديد من الدوارق، و يسمونها ذورق الصفا. تملئ بماء زمزم، و توضع فى مهب الريح، و ما أن يلمسها، و يداعبها الهواء حتى تتحول إلي قطع من الثلج، و آلاف الدوارق عبارة عن أكواب ذات فوهات، و كل واحدة منها من عطايا آصحاب الخيرات. و قد حررت بالخط الأحمر فوقها أسماء الواهب لها و ما أن تكسر إحداها حتى توضع الاخرى فورا و آصحاب هذه الخيرات يبعثون بها، أو يحضرونها مع الصرة و العطايا التى تقدم للحرمين الشريفين من شتى بقاع العالم الإسلامي ..

و يقوم الواقف، أو الواهب بملئ هذه الأكواب، و الدوارق و تقديمها لحجاج اللّه المسلمين .. إنها ضمن الخيرات، و الصدقات الكثيرة المستترة. و ليكن معلوما لإخوان الصفاء، أنه ليس هناك داخل الحرم، عدا المبانى و المقصورات التى سبق ذكرها، سوى هذه الآكواب و الدوارق. و لكن على جوانب الحرم الشريف الأربعة الكثير من المدارس، فهى بالمئات. و جميع نوافذها تفتح، و تطل على الحرم الشريف، و الكعبة المشرفة. و كل شخص يقتدي بأئمة المذاهب الأربعة، و هم فى دورهم. و الدور، و المنازل، و المدارس طوابق، و أدوار تعلو بعضها بعضا. و لكن من باب داوود حتى الوصول إلي باب السلام و بمحاذاة جدار الحرم طريق عام رئيسي. و من باب الصفا، و ضواحيه، و ما بين الصفا، و المروة يقع السوق السلطانى- الرئيسي. و فى هذا الطرف لا توجد أي مدارس عدا مدارس، و خانات، و دور أمير الحج المصري.

247

أوصاف فتح مكة المكرمة بيدي حضرة سيد الكونين و رسول الثقلين، و شفيع من فى الدارين (صلى اللّه عليه و سلّم)

إن أوصاف البيت الشريف التى حررناها هي مسطورة في كتب التاريخ، و تتناول البيت العتيق منذ هبوط آدم (عليه السلام)، و ما بعده. و تتناول ما دار حول البيت المعمور من حروب، و جدال، و نضال للتمكن منه، و السيطرة عليه. فكل ذلك تسجله كتب التاريخ. و لكن ما أسجله هنا؛ أن حضرة صاحب النبوة فى السنة السابعة عشر من الهجرة إلي المدينة، قاد بذاته الطاهرة من طيبة الطيبة، أربعة و سبعين ألفا من المهاجرين و الأنصار و حاصر مكة المكرمة .. و فتحها عنوة، و بقوة ساعديه من المنكرين و مشركي قريش، و غنم كل أموالهم. و كل كتب المآثر الإسلامية تتحدث بالتفصيل عن هذا الفتح المبين، الذى شرف المسلمين، و رفع راية الإسلام. و ما أن دخل الرسول الكريم مكة المكرمة حتى أسلم بين يديه الكريمتين؛ أبو سفيان بن حرب، و حليم بن جرام، و بديل بن ورنا، و عكرمة بن أبو جهل، و عبد اللّه بن سعد بن الصرح، و أبو قحافة والد الصديق أبي بكر و الذى كان مكفوف البصر. و قد آحضره، إبنه و تشرف بالإسلام بين يدي الرسول الكريم. و فى يوم فتح مكة خلع الرسول على خالد بن الوليد، و عينه قائدا على رأس الجيش المتجه إلى بلاد الروم، و سلّمه علم الرسول «(صلى اللّه عليه و سلّم)». و توجه بن الوليد على رأس أربعين ألفا من الصحابة الميامين إلي قيصر الروم، و فتح الشام الشريف، و هزم الروم شر هزيمة، و غنم منهم الغنائم الوفيرة التى فاقت طاقة الآلاف من البعير، و ذلك بعد أن أعمل فيهم سيفه و سيوف صحابته. ثم عاد إلى المدينة المنورة تحف به آكاليل الظفر و الإنتصار ..

و كانت هذه هي بداية غزوات الروم. و بعد هذه المعركة أطلقوا على خالد بن الوليد «سيف اللّه المسلول».

و يسجل مؤرخو العالم الكيفية التى أصبحت بها الكعبة معمورة؛ فبعد هبوط سيدنا آدم، جعل اللّه سبحانه و تعالى مكة المكرمة مهبط أديم الأرض، و بعث به إلي البيت المعمور. و أنزل رب العزة و الجلال بيتا من الياقوت الأحمر ليكون مكانا لعبادة آدم (عليه السلام)، و بقي آدم يعبد ربه فى هذا البيت المعمور، و يدعوه سبحانه و تعالى‏

248

قائلا: (اللهم أجعل لى عمارا من ذريتى). و أستجاب اللّه لدعاء سيدنا آدم، و عمرت مكة يوما بعد يوم. و خلال طوفان نوح (عليه السلام)، رفع اللّه البيت المعمور إلى جنة المأوى و بعد الطوفان، و فى زمن سيدنا ابراهيم .. و أستجابة لدعوة سيدنا آدم السابقة، قام الخليل ابراهيم بإعادة بناء البيت العتيق ببركة هذا الدعاء. و جاءه النداء من الباري سبحانه و تعالى:

وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) (1).

فسأل سيدنا إبراهيم ربه؛ يا ربي و من يسمع صوتى، فخاطبه الحق سبحانه؛ منك الآذان، و علىّ البلاغ. و على الفور صعد خليل الرحمن إلى ذروة جبل أبى قبيس، و بدأ فى الآذان فى الجهات الأربع، .. يا عباد الرحمن .. لقد بني ربكم بيتا فتعالوا و أعبدوه، تعالوا للحج و الطواف .. و أسمع اللّه تعالى صوت النبي ابراهيم لكل المخلوقات؛ بين السماء و الأرض، و حتى العلقة، و المضغة فى أرحام الأمهات .. فردت جميع المخلوقات مرة، و مرتين- و آلاف المرات «لبيك اللهم لبيك». مرددة و ملبية.

و كلما زادت التلبية، زاد الحج يسرا و تسهيلا .. و من لم يسمع الصدى يحرم من الحج، و لكنه ييسر بالوكالة؛ و يكون كمن أدى الحج .. و قد كتب بعض المفسرين هذا، و أيدوه .. و هكذا عمّرت الكعبة الشريفة ببركة دعاء سيدنا آدم، و بصوت آذان سيدنا إبراهيم .. و ها نحن نشاهد آلاف الحجاج يلبون النداء فى كل عام، و ستظل معمورة إلى أن يتوقف العالم عن الدوران. و ستعمر دائما بحجاج اللّه من المسلمين:

«بيت»

(هر كمه كعبه نصيب اولصه خودا رحمت ايدر سودكي كيشي حق خانه سينه دعوت ايدر) (2).

***

____________

(1) سورة الحج: آية 27.

(2) الترجمة: (كل من كانت الكعبة من نصيبه يرحمه اللّه و عليه أن يدعو من يحب إلى بيت اللّه).

249

آوصاف عمارات الخيرات و الحسنات فى مدينة مكة، و الآسواق التى تزين بلدة بكه‏

زينها اللّه تعالى إلى انقراض الدوران و أيد ملكه ليكن معلوما لإخوان الصفاء، و الأحبة الأوفياء؛ أن مدينة مكة المكرمة تقع فى سبعة أودية فيما بين منتهى سبعة جبال، و هى مدينة طولية؛ تمتد من الشمال إلى الجنوب. و لكن أكثر الآثار المبنية؛ تقع فى الوديان السبعة. و داخل هذا الوادى الممتد ثلاثة طرق رئيسية، و هى طرق عظيمة العلو .. و فى الجهة الشمالية، و إلى أن نصل إلى المعلا، طريق عام كبير، و فى نهايته «حمده». و بجواره نصل إلى الحى الذى يسمونه «شبكه». و فى الناحية الجنوبية؛ و على طريق اليمن، ينتهى عند المكان الذى شهد المولد الشريف لسيدنا حمزه. و لكن هذه المدينة العظيمة تعمر سطح الجبل الذى يسمونه «جبل جزل»، و ما يزيد عن نصف سطح جبل أبى قبيس .. و ما بين هذين الجبلين و أعلاهما مسكون، و معمور. و يطلقون على جبلي أبي قبيس، و جبل جزل «الأخشبان».

و من باب المعلا صعودا، إلى أن نصل إلي باب «ماحنه» بالتمام و الكمال أربع آلاف و مائتين خطوة كاملة، و من هنا حتى نهاية المدينة ثلاث آلاف خطوة. و أيضا من باب المعلا إلى باب الشبكية، و منها، و عن طريق المرعى و حتى السويقية، و منها و إلى باب الشبكية ثانية ألف ذراعا مكيا. و عدا هذه الطرق الرئيسية يوجد إثنى عشر شارعا صغيرا. و كلها محلات و دكاكين، و آسفلها السوق السلطاني- الرئيسي، و الشوارع التى تتخلل السوق تقع كلها على أرض مستوية، و رملية. ليس بها أرصفة، أو تعبيد للطرق أما الآحياء التى فوق الجبال، فالطرق المؤدية إليها كلها مطالع، و منازل و صخرية؛ و هى طرق عامة طاهرة و نظيفة جدا. و جملة المحاريب الكبيرة، و الصغيرة الموجودة داخل مدينة مكة تبلغ سبعمائة و أربعين، محرابا، و البقاع، و بيوت الخلفاء الراشدين، و منازل الصحابة الكرام، فلقد عدّت كلها، و تدخل ضمن هذا العدد. و لكن صلاة جماعة الجمعة تقام فى المسجد الحرام، و لا تقام فى أي بقعة آخرى فى هذه المدينة المقدسة.

***

250

بيان مساجد مدينة مكة:

أولا .. المسجد الذى يقع بالقرب من بئر جبير، و يسمونه مسجد النبي، و هو مزار للناس جميعا .. و فوق جبل النبي يقع مسجد عمر بن الخطاب، و بالقرب من (باب العجلة) يقع المسجد الذى شهد مولد جعفر بن أبى طالب. و فى «زقاق مرمق» مسجد بيت أبى بكر الصديق، و دار سيدنا عباس، و بالقرب من جبل القيصعان يقع معبد الحنيد، و دار ابراهيم بن آدم. و كانا يسكنان فى هذين المسجدين. و فى مواجهة جبل «حجون» داخل مدينة مكة، يوجد مسجد الحق، و مسجد زايت، و الأخير له مئذنة خفيضة. و هناك مسجد ركوب حضرة رسول اللّه، حيث إمتطى راحلته عند الهجرة إلى المدينة المنورة، و هو يقع على طريق المدينة، و هو مسجد عظيم و يطلق عليه «مسجد الركوب». و عند الإتجاه من المكان المسمى «التنعيم» إلى ناحية القبلة. تجد مسجد السيدة عائشة الصّديقة، رضى اللّه عنها، و هو مسجد صغير. و هو مزار للخاص و العام على طريق الاتجاه إلى الحرم الشريف. و بعده عمارة- مطعم الخاصكية، و بالقرب منه مقام السيد أحمد البدوي، و هو مسجد ذو منارة منخفضة و جماعته كثيرة. و هو مسجد مضيئ .. و مشرح الصدر ..

***

251

فى بيان الآماكن المستجابة الدعاء في مكة المكرمة و المقامات العالية، و المساجد المقامة فى البيوت الشريفة

أولا، المطاف الشريف، و الملتزم، و محراب رحمة النبي، و داخل بيت اللّه المعمور، و زمزم المبارك، و الحجر الأسود، و مقام خليل الرحمن، و قدم النبى، و بجوار المنبر النبوي، و الصفا و المروة، و المسعى، و عرفات و مزدلفة، و مسجد ابراهيم الخليل، و منى، و الجمرات، و جبل السبر، و مسجد الكبش، و مسجد الخيف، و مسجد النحر، و مسجد مشاعر الحرم، و محل نزول سورة المرسلات، و بيت أم المؤمنين خديجة الكبرى. و من المعروف أنه بعد ميلاد النبى بخمس و عشرين سنة، أنه و غلامها ميسره قد هاجر إلى الشام للتجارة بأموال السيدة خديجة، و أنه كان يتاجر فى مدينة البوصره بالقرب من الشام. و قد حقق أرباحا وفيرة فى تجارته، و عند عودته إلى مكة كانت السيدة خديجة فى الأربعين من عمرها، فخطبته لنفسها، و أصبحت زوجته عليه الصلاة و السلام. و كانا يسكنان فى هذا البيت الشريف، و مقام دار حزران، و قبة المختفى التى كان يستتر بها الرسول المصطفى حتى لا تراه عيون الكفار، و لهذا السبب سميت قبة المختفى. و هو مقام مبارك. و كذا جبل أبي قبيس، و جبل النور و حبل سبر، و جبل حراء، و مسجد البيعة، و قد سبق مدحه، و هو بالقرب من دكان سيدنا أبى بكر الصديق، و يسمونه «سلام هاجر» أيضا .. و هو حجر جليدى.

و جميع الحجاج يستلمون هذا الحجر، و يحرصون على زيارته، هو حجر منير، و مجلى. و سبب ذلك، كما ذكر فى السند، أن صاحب الرسالة و هو فى جهاده ضد المشركين، و بينما كان يمر من المكان، فإذا بكوكبة من المشركين تأتي فى مواجهته، و عندما اقترب مشركو مكة من النبى قال (صلى اللّه عليه و سلّم) مخاطبا الصخرة (السلام عليك يا صخرة اللّه) و يأمر من اللّه و قدرته سبحانه و تعالى، نطق الحجر ورد السلام قائلا:

(و عليكم سلام اللّه). و لما وصلت إلى أسماع المشركين كلمات الحجر، تحولوا عن الطريق العام. و بالقرب فى هذا المكان، و فى المقابل من هذا الحجر بنى جدار آخر، و فيه حجر جليدي أيضا. و جميع الحجاج أيضا يتسلمونه، و يسمونه (حجر فوت) و هو حجر منخفض. و كان سيدنا رسول اللّه يستند عليه بكوعه .. و ذات مرة تردد

252

الرسول فى أن يعبر من هذا المكان، فسمع صدى صوت يصدر من هذا الحجر بأمر اللّه يقول له (فوت يا رسول اللّه) و لهذا مر عليه الصلاة و السلام من بين المشركين فى أمن و سلامة. و لهذا السبب يسميه الناس (حجر فوت). كما أن بيت سيدنا عباس من المزارات، و على يسار جبل شبر هناك غار يسمونه مغارة الفتح، و قد اعتكفت السيدة عائشة الصديقة فى هذا الغار، و بعض صلحاء الأمة يدخلونه تبركا، و يتعبدون فيه، و للآن يسمونه ساحة عائشة، و يتعبدون فيه. و جبل أبي قبيس و أحيانا يسمى «جبل صدمه». و هو جبل صغير منير، و جميع أهل الثغر، و أهل مكة يعتقدون أن سبعين من الرسل مدفونون فيه، و كنا فى جماعة مكونة من عشرين نفرا حين توجهنا لزيارته، و لكن لم نر فيه أي أثر لبناء؛ و لكن به بضع مغارات عظيمة، أبوابها مسدودة، و قد تلونا هناك سورة يس الشريفة، ثم عدنا إلي مكة، و بالقرب من سوق منى يوجد «مسجد الإجابة»، و هو أيضا من الاماكن التى يستجاب فيها الدعاء.

*** مكان سجدة سيدنا النبي:

بينما كان صاحب الرسالة ما زال صبيا، ضرب مكة بأكملها قحط عظيم، و قد توجه كل آل قريش إلى هذا المكان لدعاء الإستسقاء، و كان حضرة عبد المطلب بين الحضور، فرفع يديه نحو السماء قائلا .. يا رب بحق ماء وجه هذا اليتيم محمد أغثنا .. و أنزل علينا الماء .. و عند ما سمع محمد هذا، سجد للّه، و عند سجوده أثرت يديه الكريمتين فى الحجر و ما زال الأثر باديا حتى الآن. و قد أقاموا حوله جدارا كالمحراب. و هو محط زيارة جميع الآنام؛ و يلزم فيه الصلاة ركعتين. و فى مقام مكان السجدة هذا حفرة بقدر قامة الرجل و بداخلها صخرة. و على الجانب الغربي لصخرة هذه الحفرة علامات تقسيمها إلى إثنى عشر قسما، وفقا للبروج .. و فى غرة كل شهر، فلا بد أن يظهر الهلال، و لا يمكن أن يختلف، و هذه معجزة عجيبة، و حتى لو كان الجو ملبدا بالغيوم فلا يحول ذلك دون ظهور الهلال. و لمكة موقّتوها، يدخلون داخل هذه الصخرة و ينظرون منها، فلا بد أن يكتشفوا ظهور الهلال.

253

و جامع المهد هذا هو مسيرة و منتزه، و مستراح أهل مكة ... و من الثابت أن الأمطار التى تهطل على سفوح جبل أبى قبيس تنزل إلى الصهاريج الموجودة. و فى الجهة الشمالية من جبل أبى قبيس هذا، و على بعد مائة خطوة يوجد مطلع و فى نهايته تقع آعتاب تكية الشيخ اسماعيل، و هى تكية عظيمة. مرتبط بها ثمانين أو سبعين نفرا من الفقراء، و قد أقيمت على شاكلة قبتين متجاورتين، و الشيخ نفسه مدفون تحت واحدة منهما، و هو من صحابة رسول اللّه، و لها باب يطل على الناحية الغربية، و على القرب منها مضيفة. و بعض الحجاج مع أهل مكة يأتون إلى هذه التكية؛ و يتفرجون على المدينة، و يشاهدون معالمها لإنها هى أيضا تقع على مرتفع عال، يطل على كل المدينة .. و من الناحية الشمالية لهذه التكية يتم النزول إلى وادى السيدة آمنه بنت وهب بعد خمسمائة خطوة كاملة.

*** أوصاف دار سعادة السيدة آمنه بنت وهب؛ يعنى أم حضرة رسول الله:

إن حضرة صاحب الرسالة قد اشتاق للخروج من رحم أمه الفاضلة فى سنة 882 من بعد وفاة الإسكندر ذو القرنين. و فى اللحظة التي خرج فيها إلي الحياة كان فى موسم نيسان- الربيع، و فى العشرين من هذا الشهر، أي في الليلة الثانية عشر من شهر ربيع الأول. و كانت ليلة الإثنين، و بميلادة «(صلى اللّه عليه و سلّم)» أصبح العالم كله ضياءا، و تحطمت كل الأصنام التى كانت على وجه الأرض، و انطفئت كل نيران المجوس، و تصدع إيوان كسرى، و قبة الآياصوفيا، و قبة القيزيل ألما. و لم يبق على سطح الأرض معبد، أو دير إلا و أصابه التصدع، و شملت سحابة خضراء ذلك البيت الشريف .. و ظلت هذه السحابة اللطيفة تغيم فوق المصطفى طوال حياته المديدة، و التى إمتدت إلى ثلاث و ستين سنة كريمة. و كان (صلى اللّه عليه و سلّم) أينما اتجه، تحوم حوله، و تظل عليه تلك السحابة ذات اللون الآخضر، بل، و كان ذلك الغيث الأخضر ينهمر حيثما يكون عليه الصلاة و السلام، و لم يكن ينزل إلى الأرض، بل كان مطر رحمة، و كان بأمر اللّه، و بإشارة منه (عليه السلام)، كانت تلك السحابة تظل معلقة على مكان ما، و كان مطرها ينزل بردا و سلاما كلما اشتاق إليه الرسول المصطفى. و حسب‏

254

قول الشيخ محمد ابن اسحاق لقد مرت 6750 سنة منذ زمن سيدنا آدم و حتى ميلاد المصطفى و 4490 سنة من النبي نوح، و حتى ميلاد المصطفى، و من سيدنا ابراهيم الخليل و حتى ميلاد الحبيب 3070 سنة. و من حضرة سيدنا موسى إلى مولده الكريم 3300 سنة، و من زمن سيدنا داوود إلى ميلاد سيدنا المصطفى 1200 سنة. و من الإسكندر حتى ولادته (صلى اللّه عليه و سلّم) 882 سنة. و من زمن سيدنا عيسى حتى مولده «(صلى اللّه عليه و سلّم)» 600 سنة. و هذا قول صحيح. و قد تحرر ذلك فى تواريخ القبابطة، و تاريخ اليونان، و تواريخ الرومان و كلها تواريخ معتبرة و كان هذا البيت الشريف الذى ولد فيه (عليه السلام) ملك موروث للسيدة الوالدة، و هى السيدة آمنه بنت وهب. أما والدته بالرضاعة؛ فهى السيدة حليمة من قبيلة بنى سعد. و كل من سيدنا حمزه، و أبو سلما بن عبد اللّه المخزومي، و عبد اللّه بن جحش السيدي كانوا قد رضعوا من السيدة حليمه السعدية، و لذلك فهم إخوة المصطفى بالرضاعة.

و والد المصطفى هو عبد اللّه بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مورّه بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضير. و كل هؤلاء هم أمراء القبائل القرشية؛ و جده الثامن و العشرين هو سيدنا اسماعيل، و الجد التاسع و العشرين هو الخليل ابراهيم (عليهم السلام)؛ و ينتهى نسب سيدنا ابراهيم إلى عذرا، و عند ما بلغ صاحب الرسالة السادسة من عمره السعيد توفى والده عبد اللّه بن عبد المطلب فى مكان يسمى (دار التابعة) بالقرب من المدينة عند عودته من تجارته فى الشام. و كان عمره 25 سنة. و لما توجهت السيدة آمنه بنت وهب من مكة إلى المدينة بصحبة غلامها لتسلم الأموال التى انتقلت إليها من آهلها، و كان سنه (عليه السلام) آنذاك سبع سنوات و لما تسلما الميراث، و عند عودته مع السيدة والدته إلي مكة توفيت هى أيضا فى المكان المسمى ابن يمام. و كان حضرته قد بلغ السابعة من عمره السعيد. و أصبح بذلك يتيم الأم أيضا. و قام أقرباء السيدة آمنه بنت وهب باحضار جسدها الطاهر إلى مكة .. و تقول إحدى الروايات أنها دفنت حيث توفاها اللّه. و أن حضرة صاحب الرسالة- بعد الهجرة- هو الذى آخرج جسد السيدة الوالدة من المكان المسمى «أبو انام»، و دفنه فى البقيع.

و بعد ذلك أحضره أقارب والدته بأمواله إلى مكة، و كان حضرة عبد المطلب هو