أدباء القرن العشرين

- إبراهيم عبد القادر المازني المزيد...
241 /
55

يحدث على المكان من آثار بل ما يحدث للبر و البحر و السماء و الجو و الإنسان من جراء ذلك. و نرى (أبا تمام) و قد لخص هذا الأمر فى حكمته الشهيرة عن (التجدد) بالرحلة كما تجدد الشمس بقوله:

و لم تعطنى الأيام نوما مسكنا* * * ألذ به إلا بنوم مشرد

و طول مقام المرء فى الحى مخلق‏* * * لديباجتيه فاغترب تتجدد

فإنى رأيت الشمس زيدت محبة* * * إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

(ديوان أبى تمام ج 2، ص 23) 13

و كأن الحل و الحلول ضد طبيعة البشر. و كأن الرحلة هى جوهر الحياة البشرية حتى أن الثبات يخلق وجه الإنسان بين قومه يجعله قديما باليا. و هنا تأتى مقولة أبى تمام و التى تحمل تناقضا بين نصفيها (فاغترب تتجدد) حيث يكون التجدد بمعاناة البعد و الاغتراب عن أنس الأهل و الأحباب كالتجدد الناشى‏ء للشمس من غروبها، و كالتجدد الناشى‏ء من احتراق طائر العنقاء و تجدد حياته بعد الموت بل بالموت و التناسخ و هذا معناه أن لذة الرحلة لا تقل بل تزيد عن لذة الحلول و الاستقرار لأن العربى (ثم المسلم) يعتقد- بمنطق التمايز و السيادة و الفصاحة- أن الأرض- له- يطوف آفاقها حتى أن رضى (من الغنيمة بالإياب) كما عبر- (امرؤ القيس) و حتى أن نزل حيث يشاء من البر و البحر بمنطق البشر كما صور (عمرو بن كلثوم) و لكنهم- جميعا- يعتقدون أن كل رحل سيعود إلى داره و أهله لأنهم يعون الزمان فى شكل دائرى و الرحلة فى شكل دائرى كالعجلة لابد- إن دارت- أن يعود أولها من أخرها.

56

و يرتبط مفهوم الرحلة هنا بالمكان و الزمان على السواء. فإذا كان كل شى‏ء يعود لأصله و بدايته فتصور الرحلة زمنيا يرتبط بها مكانيا أى أنها هى الأخرى مستديرة كدورة الأرض و دورة الشمس و دورة الفلك، و كان التجدد من ثم سمة أصيلة فى الرحلة و الراحل و أن الاغتراب نفسه علاج لسكونية الحياة المملة و قد تصور الفكر العربى و الإسلامى أن الزمان و المكان غير منفصلين و أن الزمان رغم أنه لا يعود إن مضى، فإنه يعيد نفسه فى ظواهر يومية و فصلية و سنوية تعيد للذهن الزمان و المكان و كذلك نلاحظ ارتباط الرحلة بتوقيت زمنى يعطيه الإنسان الأمل فى العودة و قد امتد هذا المفهوم لدلالة الرحلة الروحية و النفسية و الذهنية- حتى أن رحلة الموت لا تقف عند- مجرد الموت فإن البعث يعيد الحياة مرة ثانية و هذا ما جعل علوم الرحلة تفيد دراسة الزمان و المكان فى اتصالهما الكونى ابتداء من الجغرافيا و نهاية بالتاريخ.

***

57

هوامش الفصل الأول‏

____________

(1)- يعرف حسين محمد فهيم فى كتابه" أدب الرحلات" هذين المصطلحين بقوله" نبدأ بمصطلح الإثنوجرفيا ذاته لنجد أنه كلمة معربة تعنى الدراسة الوصفية لأسلوب الحياة و مجموعة التقاليد و العادات و القيم و الأدوات و الفنون و المأثورات الشعبية لدى جماعة معينة أو مجتمع معين خلال فترة زمنية محددة و فى مقابل هذا المصطلح نجد مصطلحا آخر و هو الأثنولوجيا الذى يهتم بالدراسة التحليلية و المقارنة للمادة الاجتماعية الإنسانية من حيث أصولها و تنوعها، انظر:

حسين محمد فهيم أدب الرحلات، سلسلة عالم المعرفة رقم (138) الكويت، يونيو 1989. ص 49 و انظر أيضا ص 71، ص 68.

(2)- شوقى عبد القوى عثمان، تجارة المحيط الهندى فى عصر السيادة الإسلامية (904 ه)- (661- 1498 م) سلسلة عالم المعرفة. (151) الكويت يوليو 1990 ص 7.

(3)- المرجع نفسه، ص 9، 10.

(4)- بونداريفسكى الغرب ضد العالم الإسلامى من الحملات الصليبية حتى أيامنا، ترجمة إلياس شاهين دار التقدم الاتحاد السوفيتى موسكو الطبعة الأولى 1985 م ص 11 و انظر تفصيلات هذا الموضوع فى مقاله:

شوموفسكى الإبحار العربى بين صفحات 364- 407 و صفحة 398 بخاصة و هى التى يتناول فيها موضوعات كتاب أحمد بن ماجد و هذه المقالة ضمن كتاب: دراسات فى تاريخ الثقافة العربية، القرون (5- 15 ه) ترجمة أيمن أبو

58

شعر، دار التقدم موسكو 1989 و هو مجموعة دراسات صادرة عن معهد الاستشراق بأكاديمية العلوم فى الاتحاد السوفيتى.

____________

(5)- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبية سلسلة عالم المعرفة الكويت رقم (149) مايو 1990، ص 10، 11 و انظر ص 219 من الكتاب نفسه.

(6)- مقالة خالدوف، الثقافة الكتبية ضمن كتاب دراسات فى تاريخ الثقافة العربية السابق ص 238.

(7)- حسين محمد فهيم، أدب الرحلات ص 192.

(8)- رحلة ابن جبير دار الكتاب اللبنانى مقدمة محمد مصطفى زيادة ص 5.

(9)- رحلة ابن بطوطة دار الكتاب اللبنانى، مقدمه مهذب رحلة ابن بطوطة للمرحومين أحمد العوامرى و محمد أحمد جاد المولى ص 9.

(10)- ياسين إبراهيم على الجعفرى اليعقوبى المؤرخ و الجغرافى فى سلسلة دراسات رقم (213) منشورات وزارة الثقافة و الإعلام بغداد 1980- ص 184.

(11)- المرجع السابق ص 187.

(12)- لسان العرب مادة رحل ج 2، ص 208- 11611

(13)- ديوان أبى تمام ج 2، دار المعارف القاهرة 1983، ص 23.

***

59

الفصل الثانى الخصائص الفنية لأدب الرحلة السرد، التقنية، اللغة

- متعة الحكى.

- متعة المشاهدة.

- متعة التعرف.

- الوظيفة التوثيقية.

- المقارنة.

- الرحلة تمثل صيغة الوعى.

- الرحلة الذاكرة/ الاختيار (التشكيل و الصياغة).

- الرحلة القناع.

- الرحلة الرمز.

- الرحلة.

- الطبيعية و الواقع فى الرحلة.

60

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

61

- متعة الحكى .....

" متعة الحكى" هى الخصيصة الأولى فى أدب الرحلة و هى متعة متشابكة يشتبك فيها ما هو ذاتى و نفسى بما هو موضوعى و اجتماعى بما هو فنى و جمالى و تبدأ متعة الحكى من الرغبة فى الحكى و سرد الذكريات و المواقف و الحوادث التى عايشها الرحالة، حتى يرتاح من عب‏ء هذه المخزونات النفسية التى تعرت فيها نفسه أمام الطبيعة فى قوتها من ناحية و أمام الآخرين عند الإحساس بالاحتياج إليهم، من ناحية أخرى، فالحكى وسيلة التخلص من أى مأزق أو شدة يقع فيها الرحالة.

و تزداد المتعة كما توغل الرحالة فى الحكى و السرد و التذكر و عقد الحكاية و فرعها، لأنه فى كل مرة يكشف عن جانب بطولى أو إنسانى فيها. و لهذا كان المتلقى عاملا مهما جدا فى إذكاء روح الحكاية و شهوة السرد لدى الرحلة أو كاتب الرحلة، إذ كما خاطب‏

62

وجدان المتلقى و أشركه معه و ضمن تعاطفه أو اشتراكه فى المصير، كلما يزيد الراوى من التفصيلات.

- متعة المشاهدة:

" متعة المشاهدة" تعود إليه عند إعادة سرد الحكايات و التفصيلات كما يفترض فيه" المتلقى" تحديد زمان الحكى و النقل الشفاهى و صدق الوصف و حسن الاختيار فهم (المتلقون) لم يشاهدوا و لم يسمعوا، و لم يغامروا، و من ثم لا يقف سرد الرحلة عند مجرد المتعة السمعية بل هناك المتعة الوصفية متعة قلب السمع إلى بصر، أى أن يصف لك الرحالة الشى‏ء بلغته كأنك قد رأيت و قد سمعت. فأنت تسمع لتشاهد فكل الحوادث (بصرية) و السمعى فيها يتحول إلى" بصرى" مرة أخرى لحظة أن يختزن فى الذاكرة ليدخل ضمن منظومة الخيال الواصف أو المصور يسترجعه الراوى فى كل مرة بنظام خاص و لكنه عندما يقيده" كتابة" يثبت عند شكل واضح و متميز الخصائص.

- متعة التعرف:

كل ما يحكيه صاحب الرحلة يحدث له لأول مرة- و هو الرحالة المكتشف- لهذا يسمعه المتلقى لأول مرة و بالتالى يقوى الجانب المعرفى، و التعريفى ليصبح من خصائص أدب الرحلة، و هى متعه معرفية تضيف خبرات و معارف" إثنية" عن جغرافيا الأماكن و أخلاق الناس، و عاداتهم و تقاليدهم و ثقافتهم.

63

- الوظيفة التوثيقية:

من أهم الجوانب الموضوعية فى أدب الرحلة أنه وثيقة تاريخية على مرحلة محددة من الزمان و المكان و الإنسان، فالرحلة حين يسجلها يعرف أنها ستقرأ فى كل زمان آت لهذا يتحرى جانب الصدق و الأمانة فى الوصف و الحكى لأن هذا الجانب يعرضه لنقد الناس أو نقمة الحال أو يتعرض- عند الكذب- إلى هذه الحالات جميعا ثم إن أصحاب البلاد التى زارها سيصفونه بالكذب و الخداع لأنه لم يكن أمينا على ما رأى.

و هنا- أيضا- يتعرض الرحالة لموقف صعب حين يصف وصفا سيئا لعيوب الجماعات الأخرى، المختلفة معه فى الدين أو الثقافة لأنه يصبح ذا منظور قاصر و ذاتى و اليوم و نحن نقرأ بعض رحلات الرحالة المسلمين تحسن جانب التعالى و احتقار من ليس من دينى و لغتى و هو أمر غير محمود، و هذا ما يبتعد عنه الرحالة العرب المتحدثون و يظهر هذا الحرص فى وصف الرحلات التى قام بها الأدباء العرب فى القرن العشرين فى البحر أو فى النيل فى أوروبا أو آسيا أو أفريقيا أو أمريكا فهم يصفون الجوانب المشرقة الجميلة التى تصلح كمتعة و معرفة و توثيق فى آن واحد، و كأن الكتاب المحدثين يشوقونا و يحببوننا فى هذه الرحلات و إن جاءت الصفات السلبية لديهم- بالقياس بما نحن عليه- ألحقت بقولهم أن لكل جماعة حياة و ثقافة و دينا.

أما حكايات الغرائب و العجائب و العفاريت و الجنيات و الشياطين فالمقصود بها جانب التشويق و الإبهار إلى جانب التوثيق، و هنا يختلف مصطلح التوثيق عن مصطلح التسجيل فعلى الرغم من‏

64

ضرورة توفر الصدق و الأمانة فى التسجيل إلا أنه لا يرقى إلى دقة و موضوعية التوثيق الذى بعد أن يسجل و يصف و يحلل و يناقش و يحاور هذه الأشياء المسجلة حتى يصل إلى حقيقتها و هنا تصبح التسجيلية التوثيقية إحدى خصائص أدب الرحلة فى القديم و الحديث على السواء تضاف إلى معارف المتلقين فيزدادون معرفة و خبرة و ثقافة لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس، و بكبد الرحلة و العشرة و تضيع السنين الطوال من العمر فبعض الرحالة قضى خمسة و ثلاثين عاما من الرحلة و هذا ما لم يستطعه أحد فهناك جانب التضحية بالنفس و الإحساس بالشهادة و هذا الإحساس يزيد من نفس المتلقى، إكبارا و اندهاشا من شجاعة هذا المغامر المضحى، فتزيد أهمية المعلومة التى يتلقاها و من ثم يحس (الراوى الرحالة الكاتب) بميزة نفسية و فكرية ثقافية على المتلقى لأنه رأى و سمع ما لم يروه أو يسمعوه و لا يتيسر لأى أحد.

- المقارنة:

و يقارن الرحالة و المتلقون فى الوقت نفسه ما يستمعون إليه بما هو حاضر لديهم فى نفوسهم و بلادهم و هى مقارنة يقصد منها معالجة القصور المعرفى الذاتى- الفردى و الجماعى لهذا تقوم هذه الرحلات بواجب أخلاقى هو تهذيب النفس و التواضع أمام اتساع الكون أمام نظر الرحالة و امتلاء الدنيا بالعجيب فى البر و البحر فى الناس و فى المخلوقات و الطبيعة يحس المتلقى ساعتها ضآلة نفسه و ضآلة موقعه الجغرافى أمام هذه البلاد التى لا تنتهى و يحس أنه قطرة فى محيط الخلق، و كم قامت مشاريع إصلاحية من جراء هذه‏

65

المقارنات فى عقول المتلقين لإضافة ما يفتقده الفرد و ما تفقده الجماعة من الجماعات الأخرى و هذا ما دفع إلى الاكتشاف المتجدد و تبادل المنافع و نشر الأديان.

و لا ننسى فى هذا السياق كم الغزوات و الحروب التى نشأت نتيجة هذه الرحلة أيضا فقد يطمع الحاكم أو القائد العسكرى فى هذه البلاد فيجهز الغزوة ليسيطر على قطعة جديدة ذات ثروة بعيدة و كما تثير الرحلة شهوة الاكتشاف و المغامرة تثير حس الطمع و الطموح فى الوقت نفسه، و كم سمع ملك عن ملك آخر من هؤلاء الرحالة فطمع فى ملكه بسبب ضعفه أو سمع ببلاده الجميلة أو خرج إلى هذه البلاد البعيدة ليأتى بمهر محبوبته أو رأس عدوه أو استرد ما أخذ منه أو أدب ملكا وراء البحار أو وراء المفاوز.

- الرحلة تمثل صيغة الوعى:

الرحلة مرحلة و مستوى من الوعى يتصل بما استطاع أن يصل إليه الإنسان من أدوات تختصر له الزمان و تقرب له المكان و تمكنه من إخضاع ما هو خارج الإنسان لما فى داخله و كلما اكتشف الإنسان أداة يزداد وعيه و كلما أحسن توظيفها ارتقى وعيه أكثر، و هكذا فالفترة التى اعتمد فيها الإنسان على الشمس و النجوم فى تحديد الجهات كان الطريق البرى و البحرى أنسب الطرق فى الرحلة و هنا خلعت صفات مناسبة على الرحالة تتخلص فى: القوة و الشجاعة و المروءة، و لما اكتشف الإنسان البوصلة و استطاع أن يتقدم فى علوم الرياضة و الفلك كان البحر أنسب الطرق لهذه الرحلة و أقصرها.

66

و بعد التقدم العلمى عقب عصر النهضة و ما آلت إليه فى القرون الثامن عشر و التاسع عشر و العشرين أصبحت الرحلة تتم برا و بحرا و جوا داخل إطار الكرة الأرضية لكنه (الإنسان) بعد أن اخترع سفن الفضاء و مكوك الفضاء، أصبحت الرحلة تتم عبر الكون و ليس حول الكرة الأرضية فقط.

و بهذا تنمو صيغة الوعى البشرى و الإنسانى و يصبح الإنسان سيد هذا الكون حقيقة و ليس أملا أو بشارة تبشر بها الكتب أن الوعى الإنسانى يرتقى باكتشاف الأدوات و طرق استعمالها يزيد من رقعة الوعى فى عقل و بصيرة الإنسان و لهذا تنحو الرحلة الآن مناحى كثيرة مختلفة عما كانت عليه من المحدودية بقدرات الإنسان الطبيعية فقد استمد الإنسان قوى إضافية من المخترعات و المكتشفات.

الآن يستطيع الإنسان أن يقوم برحلة فى أى مكان من الكون بواسطة الإنسان الآلى و التلفزة و الميكروتلفويون الخ. و يستطيع أن يشاهد الأرض و النجوم و الكواكب السيارة و هى تقوم برحلتها الزمنية الآلية على شاشات التليفزيون بالتلسكوب الألكترونى و من ثم تحولت الرحلة عبر الوعى إلى رحلة كونية بعد أن كانت تتم بالقدم و الدابة و المركب.

- الرحلة الذاكرة و الاختبار: (التشكيل و الصياغة)

تكتب الرحلة عادة بعد العودة منها أى بعد أن تتم و تكتمل و يعود صاحبها إلى أهله و وطنه. ثم يقعد لإملائها أو كتابتها و يعنى هذا

67

أنها مختزنة فى الذاكرة طوال الرحلة و العودة و يعنى ذلك أن عمل الاسترجاع و التداعى جوهر هذه الرحلة المحكية أو المكتوبة و من ثم فهى عرضة" للاختيار" و النسيان، و التناسى و هو ما يسمى عنصر الترتيب و الاختيار. و نظم الرحلة فى سلك لغوى متزن.

و هناك تصور عام يبقى فى ذهن كاتب الرحلة، فقد حدد أولها و خاتمتها و ألم بمشكلاتها و دون ملاحظاته و استوعبها بروية و تمعن و لهذا يقوم بترصد ما رأى مازجا إياه بما أحسه و ما فهمه و هنا تتداخل أساليب" الوصف" المباشرة التقريرية و الوصفية و التصويرية لأنه يضع المعلومة بجوار وصف تقريرى دقيق للمكان و الزمان و الإنسان و فى الوقت نفسه تتداخل مشاعره كما يتدخل تراثه و ثقافته الخاصة فى عملية الفهم و التحليل و التعليق و كان لابد- إذن- أن تتعدد طرق و أساليب الوصف و التصوير.

و من ثم يكون إهمال مشاهد و مسامع و ملاحظات من عمل العقل فى جانب الاختيار بالسلب بينهما يكون استحضار مشاهد و مسامع و ملاحظات من عمل العقل فى جانب الاختيار بالإيجاب لكن كتابة الرحلة هنا تستبعد التوهمات و الأمانى و إن كانت الرحلة تستوعب من الكاتب أن يدلى برأيه و أن يسقط من نفسه على النص و أن يزيح عن نفسه أيضا بعض الأمور دون أن يجور على موضوعية و توثيقية و حقيقة الرحلة فما التعليق و المناقشة و الاختيار و المقارنة و الموازنة إلا تدخلات الذات فى الموضوع للوصول إلى هدف موضوعى و ليس هدفا ذاتيا آخذين فى الاعتبار علاقة (الأنا) الحاكية (بالآخر) موضوع الحكاية أو بالآخر غرض الحكاية (المتلقى) كعناصر موجهة للكتابة فى الوقت نفسه.

68

- الرحلة قناع:

قد تتخذ الرحلة قناعا لبث فكرة خاصة كما نجدها فى الرحلة العقلية فى" رسالة الغفران" لأبى العلاء المعرى" أو" حى بن يقظان" لابن طفيل، فهى رحلة قناع من أجل الوصول إلى أهداف أخرى غير الرحلة و غير القص، منها التعرف على الذات و نقدها عبر معرفة الآخر من أجل إغناء الذات و تطوير قدراتها و ملكاتها و تحقيق مصالحها و لهذا تمتلئ بالرموز و الموثقات و تتخذ مما هو جزئى و محدود ما هو عام و مطلق و تجريدى و يدخل هذا النوع رحلتا علم الدين لعلى مبارك و تخليص الإبريز لرفاعة الطهطاوى.

- الرحلة الرمز:

كذلك تتخذ الرحلة رمزا على أشياء كثيرة حسية و روحية مثل" رحلة الإسراء"" و رحلة المعراج" و ما دار فيها من معجزات و خوارق و مشاهد و حوادث و أفعال تصب كلها فى أهداف أخلاقية تعليمية دينية.

و هنا لابد أن نشير إلى أن:-

كل الرحلات لها أهداف تعليمية و نقدية و أخلاقية و تثقيفية تتركز كلها حول ذات الكاتب و هنا تمتزج الرحلة بالسيرة الذاتية و بكتابة المذكرات و التأريخ الأدبى فى الوقت نفسه.

و تتداخل بذلك متعة (الكاتب الراوى و المتلقى) كوظيفة نفسية مع بقية الوظائف و الخصائص كاعتمادها على (القص/ الحكى/

69

الرواية/ السرد) و خصيصة وظيفة) التعرف و التوثيق و المقارنة و تمثيل صيغة الوعى الإنسانى و الاختيار و التداعى (التذكر الواعى) ثم يمتزج هذا كله بكون الرحلة قناعا و رمزا و فنا من منظور كاتب الرحلة.

(الطبيعة و الواقع فى الرحلة):

لقد كانت الرحلة المكتوبة عن رحلة قام بها صاحبها مناسبة مهمة لانشداد الفكر العربى تجاه الواقع و الاعتماد على (التجريب الحسى) و (الخبرة الفردية) التى تثبت لاسكونية الأشياء و لا محدودية الطبيعة أو كما يقول" إيان واط" عن ظروف نشأة الرواية الأوروبية و هو كلام يمكن أن نفسر به أهمية كتب الرحلة كبداية لنشوء فن الرواية العربية حين يقول:" لقد دأب الكتاب على تجسيد وجهة النظر هذه حتى القرن التاسع عشر إذ استخدامها خصوم" بلزاك" مثلا للهزء بانهماكه فى الواقع المعاصر- و الواقع يتنافى التبدل حسب رأيهم- و لكن فى الوقت نفسه- كان هنالك اتجاه يتنافى بدءا من عصر النهضة فلا حقا لإحلال الخبرة الفردية محل الموروث الجماعى فى إصدار القول الفصل حيال مسألة الواقع فهذا التحول يشكل كما يبدو قسطا هاما من الخلفية الثقافية العامة التى أدت إلى نشوء الرواية 1 فى أوروبا و عندنا نحن العرب فى الوقت نفسه إلا أن الفكر الأوروبى قد استطاع هذا التحول و وقفنا نحن مطمئنين إلى شعرنا و مقاماتنا التعليمية ثم سيرنا.

و لأنها رحلة تمثل جزءا من حياة صاحبها و من الزمن العام و المكان العام فهى رحلة تقوم على إعادة ما كان بأسلوب خاص يبدأ

70

من طريقة الكتابة إلى الحوار مع الآخرين ابتداء من حاكم المكان إلى سكان هذا المكان مرورا بالعلماء و الفقهاء و المحدثين و المفسرين و التجار و صاحب الرحلة يعيش مع هؤلاء فترات طويلة نفس حياتهم حتى يتأقلم مع حياة الآخرين و هنا تظهر الرحلة على أنها حوار و تقمص وجدانى فى أن واحد و هذه الخصائص كلها كانت كفيلة بكتابة الرحلة على أنها حكاية واقعية بالضبط كما حدث مع طبيعة بلزاك.

و يدعو هذا السياق إلى قول بعض الدارسين فى كون" أدب الرحلات أب الآداب جميعا" مثلها مثل السيرة و المسرح على سبيل المثال" لأنه يمكن أن يحوى كل فنون الأدب" إلى جانب العلوم الإنسانية الأخرى كعلم النفس و علم الاجتماع و التاريخ و الجغرافيا و الأنثروبولوجى. ففى نظرهم أن القارئ يجد فيه المقالة الموضوعية و النقدية و الوصفية كما يظفر بالترجمة الشخصية ... و فيه يجد القارئ متعة عند قراءة الحكايات التاريخية أو الأساطير أو تاريخ البلدان‏ 2 و من ثم كان تطور هذا الفن الكتابى نحو تخليص القص من مباشرة الوصف و الغوص فى تفاصيل لا يربطها إلا المكان.

71

هوامش الفصل الثانى‏

____________

(1)- إيان واط نشرة الرواية، ترجمة عبد الكريم محفوظ، منشورات وزارة الثقافة سوريا، 1991، ص 12.

(2)- سيد حامد النساج، مشوار كتب الرحلة، مكتبة غريب، 1992، ص 100.

و انظر خصائص أخرى فى الكتاب نفسه ص 71، ص 81، ص 84، ص 85.

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

الدراسة التحليلية لرحلة الشام لإبراهيم عبد القادر المازنى نص كتاب رحلة الشام مزود بالعناوين و التراجم‏

- رحلتا الشتاء و الصيف.

- عدم التدخل فى الشئون الداخلية لأى بلد.

- التمسك بالمصرية و المحافظة على سمعة مصر.

- درس فى القومية العربية.

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

مقدمة الرحلة كما وضعها المازنى‏

أتيح لى فى الشهور الستة الأخيرة أن أقوم برحلتين طويلتين واحدة إلى الشام للاشتراك فى مهرجان المعرى أو عيده الألفى، بدعوة المجمع العلمى بدمشق و بالنيابة عن نقابة الصحفيين، و الثانية إلى العراق بدعوة من حكومته الموقرة لإلقاء طائفة من المحاضرات الأدبية. و كانت الرحلة الأولى فى الصيف و قد نشر" البلاغ" البحث الذى كنت أعددته لمهرجان المعرى و وصف ما كان فيه فلا حاجة بى إلى العود إلى ذلك، و كانت الثانية فى الشتاء و هى أطول و أحفل و لست أكتب اليوم لأصف شيئا مما كان فى هذه الرحلة الشتوية فإنى أهيئ لهذا كتابين أرجو أن يوفقنى الله فأخرجهما قريبا بعد أن أتلقى ما تركت فى العراق من أوراقى و إنما أكتب هذا الفصل لأعالج مسألة قومية.

76

و يحسن قبل أن أتناولها بكلام أن أقول إنى حرصت فى كل رحلاتى، و هى كثيرة على مبدأين: لم أحد عنهما قط، و إن كانت صلات المودة و الصداقة بينى و بين كثيرين من أبناء البلاد العربية الشقيقة تغرى بالتبسط و ترك التحرر و التحفظ، فأما المبدأ الأول:

فأنا لا أدخل فى أمر داخلى للبلاد التى أزورها أو أتطفل عليها بالخوض فى شئونها أو التعرض بخير أو شر لأحد من رجالها، و أما المبدأ الثانى: فأن أكون مصريا قحا لا يعرف غير مصر و لا يجعل باله إلا إلى سمعتها و لا يذكرها أو يسمح بذكرها أو ذكر أحد من رجالها بغير الخير و قد كلفنى هذا شططا و حمل أعصابى فى بعض الأحيان فوق طاقتها فما كانت أحوالنا فى كل حال بالمرضية.

و أنا رجل أوثر الصراحة و الحق على المداورة و المكابرة و لكن الواجب هو الواجب و من فضل الله أنى تعلمت و تعودت أن أقدم الواجب على الهوى.

و لعل أكثر المصريين لا يدرون أن مصر كتاب مفتوح تقرأه البلاد العربية صفحة، صفحة، و سطرا سطرا، و حرفا حرفا، و قد لا يدركون أن لبلادهم مقاما ممتازا و منزلة ملحوظة و أن صحفها تدرس- و لا أقول تقرأ- و تغربل و تنخل و لا يهمل منها حتى الإعلانات و أن القوم يعرفون أعلامنا واحدا واحدا و فى وسعهم أن يكتبوا لهم تراجم دقيقة مستفيضة و أنهم واقفون على أحوالنا و سير الرجال عندنا و مجرى الحوادث فى أرضنا وقوفا يدهش و يروع و يربك.

فى سنة (1936) كنت عائدا من العراق مع صديقى الأستاذ أسعد داغر 1 إلى شرقى الأردن من صحراء جرداء لا ماء فيها و لا

77

شجرة و أنا لنتلمس طريقنا فيها على حذر و إذا بسيارة مقبلة فلما لمح راكبها الطرابيش على رؤوسنا استوقفنا و أقبل علينا يسألنا عن المفاوضات المصرية الإنجليزية و ما يحتمل أن تفضى إليه، و هل يرجى لها نجاح؟ و لم نكن نعرف شيئا يجيز لنا أن نعرب عن أكثر من الأمل، فدعى لمصر بخير و مضى فجعلنا نتعجب لهذا الشيخ- فقد كان من شيوخ العشائر- و عنايته بأخبار مصر و دقة تتبعه لها.

مصر كتاب مفتوح‏

و فى هذا الشتاء كانت صحف مصر تتخطف فى بغداد و غيرها من مدائن العراق. و كان فى بعضها أسماء المرشحين فى الانتخاب لمجلس النواب، فكان أغرب ما فى الأمر إنى أنا المصرى لا أعرف شيئا عن معظم المرشحين على حين كان العراقيون لا تخفى عليهم من أمرهم خافية و قد جاء تقديرهم لاحتمال النجاح و التفوق و الإخفاق أقرب إلى الصحة من تقديرى فيما بينى و بين نفس- كنت فى هذا و ما إليه أتوخى أن أصغى إليهم دون أن أقول شيئا.

- و ما من كتاب ينشر فى مصر إلا و هو يلتهم التهاما فى البلاد العربية و هم لا يكفيهم أن يقرءوا و يدرسوا و لا يقنعوا إلا بأن يقفوا على بواعث التأليف أيضا و لماذا طبع فى هذه المطبعة دون تلك ...... الخ.

و فى سنة (1930) برز لى شاب فى صحراء الحجاز- عند وادى فاطمة- و سألنى" ألست المازنى"؟ قلت" نعم" فكيف عرفتنى؟ قال" عرفتك من صورة لك نشرتها مجلة الاثنين".

78

و ليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات يسهل سردها بلا عناء و الذى أريد أن أقوله هو أن على كل مصرى أن يذكر أن البلاد العربية مفتوحة العيون و الآذان و أن يحرص على أن لا يجرى لسانه أو قلمه بما يسى‏ء إلى سمعة مصر أو يغض من مقامها فى الشرق العربى.

و أنا كما يعرف القراء رجل لا أنتمى إلى حزب و قد نأيت بنفسى عن المعترك السياسى الحزبى منذ سنوات عديدة و ليس فى نيتى أن أعود إليه و لو أفضى ذلك إلى ترك الصحافة و إذا كنت قد ظللت متشرفا بالعمل فى" البلاغ" فذلك لأن صاحبه تفضل فترك لى رأيى و استقلالى لثقته أنه لا مآرب لى، و أن المصريين جميعا سواء عندى و إنى لا أغمط أحدا فضله و لا أضن بالتأييد و المناصرة على من يحسن. و قد قال لى: عراقى حكيم" يا أخى إن الله قد خلق لنا عيوننا فى وجوهنا لنرى بهما ما هو أملنا لا لنظل نردها إلى ما هو وراءنا أفليس خيرا للبلاد العربية أن تنظر إلى المستقبل و تنصرف عن الماضى بخيره و شره؟"

و ما أرى إلا أن كلمتى هذه ستغضب الناس جميعا و لكنها كلمة الحق و لست أبالى من رضى ممن غضب فليس هى أن يرضى الناس و لا أنا أخشى غضبهم فما لى عندهم مآرب فأحاسنهم أو أصانعهم، فإذا استجابوا لدعوة الحق فيها و لله لحمد و المنة و إلا فقد بلغت و برئت ذمتى و الله الموفق.

79

تكليف المازنى بالسفر كيف اختار موضوع البحث! (1)

كنت أحلم بأيام أقضيها على ساحل" بحر الروم" فى سكون ودعة و إذا بمجلس النقابة يفاجئنى و نحن مجتمعون فى دار البصير بالإسكندرية بند بى لتمثيله فى مهرجان المعرى. فقلت:" جاءك الموت يا تارك الصلاة فقد كنت أعود إلى المعرى من حين إلى حين، فأتناول من آثاره أقربها إلى يدى و أقرأ أبياتا من اللزوميات أو سقط الزند أو سطورا من الفصول و الغايات أو" رسالة الغفران" ثم أطوى الكتاب و أنتقل إلى سواه أو أروح أفكر فيما يشغلنى من أمور دنياى أو أترك له المكتبة كلها، و أجلس إلى نافذتى أطل منها على خلق الله فالآن صار على أن أحشد آثاره كلها و كل ما كتب فيه الأقدمون و المحدثون و أعكف عليها عكوف الدارس لا المتصفح‏

80

المتلهى، و سيستغرق ذلك وقتى كله فما بقى على السفر إلا شهر أو نحوه و سيصرفنى عن السعى و كسب الرزق بعرق الجبين، فإنى أعمل لأطعم و على قدر العمل يكون الرزق و ليس من العمل أن يجى‏ء المعرى بعد أن شبع موتا و فناء و استراح- و إن كان لم يرح- فيشق الأرض و يخرج لى منها ليقطع رزقى و رزق عيالى.

و استخرت الله و توكلت عليه و قلت لابد مما ليس منه بد فما كان ثم سبيل إلى الاعتذار مخافة أن يحمل على غير محمله أو يؤول بالعجز و القصور و إنى لعاجز و لكنه لم يبلغ من عجزى أن يعيينى أن أكتب كلمة فى هذا المعرى تقبل على التسامح.

و صارت المسألة هى" ماذا أكتب؟ و أى موضوع أتناول؟" و كنت أعلم أن أعلام الأدب فى البلدان العربية مدعوون إلى هذا المهرجان و كنت على يقين حازم أنهم لن يدعوا لى سم خياط أنفذ منه و قد دعيت من مصر وحدها جمهرة من أعيان البيان و أمراء النثر و الشعر، و أساطين البحث العلمى (أوف) و أساتذة الفلسفة و التاريخ (يا حفيظ) مثل العقاد 2 و طه حسين‏ 3 و أحمد أمين‏ 4 و عبد الوهاب عزام‏ 5 و عبد الحميد العبادى‏ 6 و أحمد الشايب‏ 7 و ماذا يصنع صعلوك مثلى بين كل هؤلاء الملوك؟ ألا حيلة لى أردهم بها عن هذا المهرجان فيخلوا لى الميدان؟

و أصبحت يوما على أحب وجه لى و إذا بالتليفون يدق و العقاد يطلبنى و ينبئنى أنه ينوى الاعتذار و أنه مشغول بما يؤلف فلا وقت عنده للسفر فقلت لنفسى" يا فرج الله يا ما أكرمك يا رب" هذا و أحد بألف قد آثر القعود فخلت لى رقعة فسيحة يسعنى فيها- و القليل يكفينى- أن أجول و أصول و أصيح هل من منازل؟ هل من‏

81

مبارز؟ و أن العقاد لقدوة صالحة و أن المعرى لقدوة أخرى فما بارح بيته أربعين سنة و زيادة وردث على أهل العلم أسألهم عن" التعازيم" التى تزهد الناس فيما يراد تزهيدهم فيه، لعلى أستطيع أن أصرف طه و شركاه عن السفر فاستأثر بالحلبة كلها و خطر لى أن أحاول أن أبعث إليهم بموجة نفسية تنميهم على البعد فأوحى إليهم أن يقعدوا عن السفر و علمت أنهم ذاهبون بالقطار فقلت أذهب أنا بالطائرة و عسى الله أن يعطل قطارهم أليس الله يفعل ما يريد؟ ألم تمت أمى و هى عنى راضية و لى داعية؟ بل لقد تمنيت أن تسقط الطائرة فلا تقتلنى و لكن تكسر لى ذراعى فيكون لى هذا عذرا كافيا و مخرجا و سعيا من هذا المأزق و يتسنى لى أن أدعى إنى كنت أعددت بحثا أى بحث و لكن مشيئة ربى قضت أن أتخلف و لما كان قلمى عويصا و خطى رديئا و آلتى الكاتبة قد سطا عليها من سطا و لا بارك الله له فيها فإن من العسير أن أنيب عنى أحدا فى تلاوته.

و كان لابد أن أبلغ المجمع العلمى العربى بدمشق عنوان بحثى و العنوان آخر ما أكتب و أنا لم أكتب شيئا. فقلت: إن الله لم يخلق لى هذا الرأس الذى بين كتفى- عبثا- أبعث إليهم بأى عنوان يخطر لى الآن- و أحتاط فأقول فى كتابى إليهم إنى مندوب نقابة الصحافة المصرية و أنه يجب من أجل هذا أن يكون لى مكان ملحوظ بين ممثلى الهيئات فى هذا المهرجان، ثم أسافر على بركة الله و أعترض على كل مكان أوضع فيه، بين الباحثين أو الآكلين أو القاعدين أو الواقفين و أغضب و أثور و احتج باسم الصحافة المصرية على ما لحقها من هوان و أقاطع المهرجان و أذهب أتنزه على هواى و كفى الله المؤمنين شر القتال و لا بحث و لا يحزنون و لا وجع دماغ.

82

و من العجيب أن هذا الخاطر استولى على نفسى و استبد بها، فما تناولت القلم إلا قبيل السفر بيومين اثنين و كنت قد شبعت من القراءة و المراجعة و أشبعت المعرى و أوسعته ذما و نقمة أليس هو الذى جر على هذا العناء الذى كان بى عنه غنى؟ و لماذا عدت السنون التى انقضت على وفاته بالحساب القمرى؟ ولو عدت بالحساب الشمسى لبقى على تمام الألف ثلاث و ثلاثون سنة، و الله إنها لفكرة أذهب إلى القوم و أقول لهم أن إقامة المهرجان فى هذا الأوان غلط فى غلط و أن الشيخ عفا الله عنه يستقل عقلنا و يسخر منا فى قبره إذا كانت عظامه ما زالت باقية فيه، أو فى الجنة أو فى جهنم فما أدرى ماذا صنع الله به، و إنه لقادر على مثل هذه السخرية فإنه فى كتبه يعابث الملكين اللذين يحاسبان الميت و يسألهما أسئلة نحوية و لغوية.

و كان هذا كله منى عبثا لا خير فيه و لا طائل تحته فتركت الطائرة فلم تسقط و ركب إخوانى القطار فلم يتعطل و كان أول ما أصابنى مما يسميه الأستاذ الجليل إسعاف بك النشاشيبى‏ 8" العناء فى سبيل أبى العلاء" إنى فقدت" قداحتى" قبل أن أركب السيارة إلى المطار و قد يستخف الناس بهذه الخسارة و إنها لخسارة هينة أهون بما ثمنه قروش و لكنى أستحيى أن أتقدم إلى من لا أعرف و أسأله أن يعيرنى عود ثقاب أو أن أبدأ بأى كلام فما العمل؟

كان العمل إنى ظللت إلى أن بلغت الفندق فى" دمشق" أضرب يدى فى جيبى لأخذ (1) سيجارة ثم أخرجها فارغة و إنى حرمت التدخين أربع ساعات و نصف ساعة فتأمل هذه الفاتحة.

83

الطائرة و المطار و الركاب (2)

و كان المطار يعج بالخلق و نظرت فإذا الطائرات المصرية شتى فتقدمت إلى الميزان فتبسم الضابط- و معذرة إذا كنت مخطئا فإنهم هناك جميعا يلوحون ضباطا و لا علم لى بدلالات هذه الأشرطة التى على الأكتاف- و لكن هذا لم يكن دورى، و على كثرة الناس و الطائرات و بعضها يذهب إلى" فلسطين" و البعض إلى" بيروت" أو" تونس" أو" دمشق" لم يكن ثم ضجة أو زحام و كان كل شى‏ء يجرى بنظام و فى سكون يوزن المسافر و توزن حقائبه فيحملها الخادم إلى (الجمرك) و يذهب المرء إلى مكتب الجوازات و منه إلى (الجمرك) ثم يخرج إلى حديقة صغيرة على هامش المطار حتى يدعى إلى طائرته.

84

و كانت طائرتنا (الفسطاط) ضخمة ذات محركات أربعة و لم أر أظرف و لا أرق حاشية، و لا أصبح وجها من الطيارين اللذين يقودانها و قد أسفت لأن الحياء منعنى أن أتحدث إليهما و أعرف اسميهما و كان حذقهما كفاء ظرفهما فكانت الطائرة تهبط فى كل مطار على الطريق فى موعدها لا تتقدم عنه ثانية و لا تتأخر و لم أشعر إلا بالراحة و الطمأنينة فاضطجعت و نمت فلما نزلنا فى (اللد) أو على الأصح فى مهبط قريب من مطار اللد قلت فى سرى" آه ... ماذا سيصنع بى هذا الرجل المنتفخ الأوداج القاعد فى خيمته؟

لقد عودتنى" فلسطين" فى السنوات الأخيرة أن تردنى عنها و أن تتلقانى متهجمة و لا تأذن لى فى الدخول إلا و هى كارهة متوجسة كأنى كتلة من الديناميت لا إنسان من اللحم و الدم.

***

85

محطة القدس بين" اللد" و" الرملة"

و قد حدث مرة أن دعتنى قبيل الحرب محطة" القدس" اللاسلكية- و هى مصلحة حكومية- إلى إذاعة حديث منها عن" النبوية" فقبلت مغتبطا و سافرت بالطائرة فلما وقفت أمام الموظف المختص بالجوازات رأيته يتردد و هو يختم الجواز و يراجع اسمى ثم يتناول كتابا أسود ضخما فينظر فيه ثم يدعونى أن انتظر فى المقصف أو حيث شئت و بعد ساعة أو أكثر يدعونى إليه و يعرب لى عن أسفه لأنه مضطر أن يأبى على الدخول و أن يعيدنى إلى مصر، ثم تفضل، فأنبأنى أن الطائرة القادمة من" بغداد" ستصل بعد ثلث ساعة ففى وسعى أن أستقلها إلى مصر.

فتعجبت لأن حكومته هى التى دعتنى فكيف تصدنى عن بلادها و أريته عقد الإذاعة، فهز رأسه و قال إن هذا ليس من شأنه و إنما تلقى أمرا فهو يمضيه.

86

قلت" أليس هنا تليفون" لأتحدث مع محطة الإذاعة و أبلغها الخبر فلست أحب أن تظن بى إنى أخلفت الوعد.

قال" بلى" فى الرملة تليفون و تستطيع أن تتحدث منه و تخاطبها و" الرملة"- فاعلم- على مسافة عشر كيلو مترات.

و كان إلى جانب غرفته، غرفة أخرى فيها مكتب لشركة مصر للطيران و بها تليفون، و لكنه آثر أن يبعث بى إلى الرملة على مسافة عشرة كيلو مترات. و اتصلت بمحطة القدس بعد لأى اتصلت هذه بإرادة" الأمن العام" فى" فلسطين" فعدلت عن المنع و أذنت لى فى الدخول فأقبل موظف الجوازات مهر و لا طافح البشر و السرور و لسانه يجرى بعبارات التهنئة لى.

قلت يا أخى؟ إنما التهنئة لكم دونى فما يعنينى أن أدخل أو أخرج و أن الأمرين عندى سيان و قد كان الطيران إلى هنا نزهة جميلة و أرى حفاوتك بى الآن عظيمة و كنت قبل ذلك تنسى أن على ذراعين من غرفتك تليفونا غير حكومى و لا تذكر إلا التليفون الذى فى الرملة فإذا كان لابد من الرد أفلا يمكن أن يكون بالتى هى أحسن دون التى هى أخشى؟ و ذكرت هذا الذى اتفق لى منذ ست سنوات أو أكثر فاشتقت أن يتكرر و ضاعف هواجسى و وساوسى أن موظف الجوازات الذى فى الخيمة صرفنى على أن يبعث إلى بالجواز فى الطائرة و لم يكن وجهه و هو يتأملنى يبشر بخير فانصرفت و أنا قلق و لم أستطع أن أذوق عصير الليمون الذى قدمته لنا شركة مصر بالمجان و لكن الله سلمّ. و عادت الطائرة إلى التحليق، و كنت راكبها الوحيد بعد أن غادرها الآخرون فى" بور سعيد" و اللد" فانتفخت و وضعت رجلا على رجل و لكننى شعرت‏

87

بالبرد و كنت أرتدى أخف ما يرتدى فى الصيف فتجمعت و نظر إلى الطيار الثانى و هو يبتسم وهز رأسه كأنما يريد أن يقول إنى مسافر بطائرة خاصة فأشرت إليه إنى مقرور، فخف إلى جزاه الله خيرا و حجب منافذ الهواء و جاءتنى ببطانية فشكرت و نمت.

و هبطنا فى مطار" المزة" على مسيرة دقائق بالسيارة من دمشق فإذا بأربعة حول منضدة يدور عليهم الجواز و يفحصه كل منهم و لكنى كنت مطمئنا فإن هذه دمشق لا اللد و سورية لا فلسطين و الأمر هنا لأهل البلاد لا لدعاة الوطن القومى و لم يخب ظنى فلقيت من رجال الجوازات و موظفى الجمرك التيسير و الحفاوة و لم يكن معى شى‏ء إلا ثيابى و إلا الكلمة التى أعددتها لمهرجان المعرى، و قد أظهرتها لهم و أطلعتهم عليها فتبسموا و تركوها لى فى الحقيبة وليتهم أخذوها. إذا لوسعنى أن أعتذر بأنها معهم و أنى لا أستطيع من أجل ذلك أن ألقيها، فأتقى سواد الوجه و لكن كل شى‏ء كان لمكيدتى فلا مفر من الفضيحة على ما يظهر بين هذا الحشد من أعلام الأدب و البيان و الأمر لله. و ليست هذه أول مرة أزور فيها" دمشق" فقد زرتها قبل عشر سنوات لا أراها قد غيرت منها كثيرا فما زالت كما عهدتها و ما انفك من عرفت من أبنائها كما كانوا كأن السن لم ترتفع بهم أو كأن شبابهم عليهم سرمد حتى من كانوا شيوخا يوم لقيتهم قديما، ظلوا مل‏ء بهاء و إشواق ديباجة فلابد أن تكون دمشق هذه قطعة من الجنة، أليست الأنهار تجرى من تحتها؟ أليس أهلها منها فى جنات و عيون" لهم فيها فاكهة و لهم فيها ما يدعون" يطاف عليهم بكأس من معين" بيضاء لذة للشاربين" و عندهم قاصرات الطرف عين" كأنهن بيض مكنون؟ آمنت بالله.

88

و كان أول من رأيت على باب الفندق صاحب مجلة الأحد- إيليا شاغورى‏ 9- و هو صديق قديم أثير لولا أن يكره أن أصفه بالقدم و له العذر فإنه ناعم رفاف الشباب و الله وحده أعلم لما طوى من سنن و لعل قلبه الكبير المعطوف هو الذى يرقرق فى محياة هذا الرونق العجيب و لكن ألم أقل أن القوم فى دمشق لا يهرمون؟ و لمحت خلفه و على قيد أمتار منه أستاذ العربية الجليل" إسعاف بك النشاشيبى" أعلم من عرفت بلغة القرآن و أدبها و تاريخها و أغير من لقيت على دين محمد و الإسلام الصحيح.

فقال و هو يعانقنى" سل إيليا" ماذا تنوى الآن؟ .. قلت .." استوثق من الفوز بغرفة فى هذا الفندق الفخم ثم آكل فإنى أتضور". قال هنا؟ قلت" و لم لا" قال: أعرفك تحب الأكال الشامية و لن تجدها هنا فتعال معى" و ألححنا معا على الأستاذ إسعاف حتى أسلم أمره إلى الله ففزنا به.

***

89

وصف الحياة فى دمشق و مقارنتها بالحياة الاقتصادية فى مصر

رأيت عصر ذلك اليوم الأول أن أزور المجمع العلمى، فإنه هو الذى يقيم المهرجان و هو الداعى إليه، ثم لأن لى معه قصة فقد بعث إلى رئيسه الجليل الأستاذ" محمد كرد على" 10 قبل عام و نصف بكتاب تلو كتاب ينبئنى بأن المجمع اختارنى عضوا فيه فقصرت فى واجب القبول و الشكر أو هذا ما ظن القوم بى، فقد حمل إلى غير واحد من القادمين من دمشق عتب صديقى الأستاذ كرد على، أما الحقيقة فهى إنى ما قصرت و لا أهملت فقط كتبت الجواب و دسسته فى جيبى لأضعه فى صندوق البريد فنسيته و ما أظن به إلا أنه فى بعض جيوبى إلى الآن فإنى أغير ثيابى فيحرص أهل بيتى على أن يدعوا أوراقى حيث أتركها فإذا كان لابد من نقلها وضعوها لى تحت المخدات، أو فى حيث يسهل أن أراها و اكتفوا بتنبيهى فأقول لهم: طيب، طيب" و أعود إلى ما أنا مشغول به‏

90

و أنسى كل ما عداه كالعادة و تمضى الأيام و يعلو الكوم الذى تحت المخدة حتى يتعذر النوم المريح فاضجر و أتذمر و أروح أنفخ و أسخط و أقول" ألا يمكن أن أجد فى هذا البيت الطويل العريض و سادة لينة. فيقولون لى" إن الذنب للأوراق التى نحشرها تحت الوسادة لا للوسادة" فأصيح أنا الذى يحشرها أم أنتم الحاشرون؟ خذوها فأحرقوها و اصنعوا بها ما شئتم فما يعنينى إلا أن أريح هذا الرأس المكدود. لكأنى و الله عبد رق اشتريتموه أتعب لتنعموا بالخفض و الدعة و نضرة العيش و كل حظى بعد الجهد و المشقة دكه و وسادة كالحجر، فإذا شكوت قلتم هى الأوراق سبحان الله العظيم كأنما كان يمكن أن تعيشوا طاعمين كاسين مكفين لو لا هذه الأوراق.

و هكذا نسيت الجواب فضاع أو أكلته النار أو لا أدرى ماذا صنع الله به، فلابد من زيارة المجمع و الاعتذار إليه. و قال أحد الأخوان" و لكنك" لا تعرف الطريق إلى المجمع قلت" بل" أعرفه فإنه من المسجد الأموى قريب. و قال آخر" يحسن أن نطلب لك مركبة تحملك إليه و تتفق لك مع سائقها على الأجر سلفا" قلت" لا بأس" و جاءت المركبة و قيل للسائق احمله إلى المجمع لعلمى و زاد أحد الواقفين فقال للحوذى إنه عند مسجد دجنس- أو نجس فقد نسيت- فهز الحوذى رأسه و قال": تكرم" و رضى أن يكون أجره" ليرة" سورية أى مائة قرش سورى و هى تساوى أحد عشر قرشا مصريا.

و اضطجعت فى المركبة فسارت بى عشر خطوات و نصف خطوة و وقفت فسألت" ماذا جرى؟" قال" هذا جامع دجنس و هذا هو المعهد" فخطر لى أن لعل المجمع انتقل إلى دار أخرى فترجلت و أنا أتعجب‏

91

لماذا أبى إخوانى إلا أن أحمل فى مركبة لأقطع خطوات أتراهم ظنونى كسيح؟ و نظرت فرأيت مسجدا فيه" معهد شرعى" فقلت يا أخا إن هذا غير ما أبغى هذا معهد شرعى و أنا طلبى المجمع العلمى قال" إنما قالوا لى جامع دجنس و هذا هو الجامع و فيه المعهد" فأنقدته الليرة و أنا أحدث نفسى أن" روكفلر" 11 كان خلقا أن يتناهى به سوء الحال فى القفز إذا كانت كل عشر خطوات تكلفه ليرة و استغنيت عن المركبة و سرت على قدمى إلى" سوق الحميدية" و دخلت فيه حيث أعلم أن المجمع قائم فإذا به ما زال هناك و لكن لا أحد به غير بضعة حجارين ينحتون حجارة و يرصفون بعضها إلى بعض فى أرض الفناء. و خفت أن أستقل سيارة أو مركبة و أنا عائد فيتقاضى السائق أو الحوذى فوق ما حصلت معى من مصر من مال. و الحقيقة إنى لا أدرى كيف يطيق الناس هذا العيش فى الشام و لا من أين يجيئون بالمال حتى للكفية بمجردها؟

مسحت حذائى فطلب الرجل نصف ليرة أو خمسين قرشا- أو ما يعادل خمسة قروش مصرية و نصف قرش، فصحت به" تظننى؟

و لكنه أصر فلم يسعنى إلا التسليم و علمت فيما بعد أنه غلا و إشترطوا أنه كان ينبغى أن يكتفى بنصف هذا القدر أى بنحو ثلاثة قروش و حتى هذا لى بالزهيد. و احتجت إلى مناديل يباع الواحد من أمثالها فى مصر بعشرة قروش، أو نحو ذلك، فإذا الثمن هنا أربعون قرشا مصريا.

و سألت بعضهم:" ما أقل مبلغ تقدمه إلى خادم كلفته عملا؟" قال: قد يرضى بربع ليرة و لكن يحسن أن تجعلها نصف ليرة قلت‏

92

" بل سأعمل بقول القائل: ما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك"- على الأقل كما تيسر ذلك و بخل فى الطرق. و صرت أحس كلما أخرجت محفظة إنى مليونير، فإن كل حساب لا يكون إلا بمئات القروش، و قد حاولت مساء يوم أن أحصى ما أنفقت فى نهارى فدار رأسى فقد أبلغ الرقم الآلاف. و أنا ما ألفت فى مصر إلا الآحاد و كان يخيل إلى كلما أنفقت ليرة و سورة إنى أنفقت جنيها مصريا فأقول فى سرى" يا خبر أسود" سأتسول هنا بعد ساعات فما العمل؟ و متى ينتهى هذا المهرجان فنعود مستورين بل متى يبدأ فيذهلنى عما أنا مسوق إليه لا محالة من العدم و الصعلكة؟.

و قد سألنى بعضهم عن الحالة المعاشية فى مصر فما وسعنى إلا أن أقول له من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته.

غير إنى بعد أيام ألفت ذلك فزايلنى الفزع و الجزع و أصبحت أغتبط بأن أدفع يدى فى جيبى فأخرج حزمة ضخمة من أوراق النقد و ارمى بالعشرات منها غير عابئ بها أو أسف عليها أو مشفق من عواقب الإسراف فتا لله ما أسرع ما يتكيف المرء- كما يقولون- و يألف كل ما كان يستهوله أو يستنكره.

و خرجنا فى المساء، بعد العشاء نتمشى فكانت ليلة لكن هذه حكاية تستحق أن أفرد لها فصلا قائما بذاته.

***

93

حكاية سامى الشوا (4)

أى نعم كانت ليلة و لا كالليالى و خير ما فيها أنها جاءت عفوا على حد قول الشاعر و أحسبه ابن الرومى:-

لم يكن ما كان شيئا يعتمد* * * بل أمورا وافقت يوم الأحد

سوى أن يومنا كان الخميس- أول أيامى فى دمشق- و كنا ثلاثة أو أربعة و كان رفقائى يتغيرون كلما مضى من الليل هزيع فيذهب قوم و يجى‏ء قوم، حتى يخيل إلى إنى كالزمن أو الدنيا يتبدل الناس و تتعاقب الأجيال و هى كما هى.

و ما كدنا نخرج من الفندق- فندق" أوريان بالاس" أو" خوام الجديد" على الأصح- و نسير خطوات حتى وقفت أمام بناء شامخ فسألت الإخوان" البنك السورى"؟ فقالوا" نعم" قلت هنا إذن يكون" سامى الشوا 12 قد وقف و بكى و عزف و جمع عليه الخلق.

94

قالوا: و كيف كان ذلك؟ فرويت له الخبر كما حدثنى به سامى نفسه قال إنه قدم دمشق مرة فاستوقفه هذا البنك الضخم و هو من الحجر الأبيض و لم يكن يعرفه فأنه البنك السورى فظنه سجنا و إن كان قد استغرب أن السجن فى قلب المدينة و أحدث أحيائها و لكنه حدث نفسه أن لعل المقصود العبرة و صوب عينه إلى البدروم- أو السرداب كما يسمونه فى العراق- و إلى نوافذه و عليها قضبان من الحديد فرأى فتيات كثيرات حسبهن السجينات فرق لهم قلب الكبير و اغرورقت عيناه بالدمع و أقبل عليه- أو على النافذة يعرب لهن عن أسفه و عطفه و هو يشهق و الدموع على خديه و كانت الفتيات ذكيات خبيثات فأبدين الحزن و تظاهرن بالبكاء فما كان منه إلا أن ارتد يعود إلى الفندق فحمل" كمانة" و عاد بها إلى النافذة واقعى على أطراف قدميه و راح يعزف لهم ليرفه عنهن فاجتمع عليه خلق كثير و هو ساه لا يرى إلا هؤلاء المسكينات و لا يعنيه إلا ما هو فيه أروع ما يكون عزف" سامى" حين تذهله عاطفة جياشة عمن حوله و تكاثر الناس حتى سدوا الطريق و عطلوا المرور و احتاج الأمر إلى تدخل الشرطة.

و قد ظل لا يعرف إلا أن هذا سجن للنساء حتى اجتمع بعض من رآهن و عزف لهن من الفتيات فى ناد من الأندية فأقبل عليها يسألها متى أفرجوا عنها فاستغرب الذين كانوا معها فضحكت الفتاة و قصت القصة و اعتذرت إليه.

***

95

حكاية نزهة العراقية

و استأنفنا السير- أو السرى على رأى المتحذلقين- فمررنا بمرقص أو دار له فيها غناء و رقص و ما أعرفنى قط عبأت شيئا بمثل ذلك- و لكنى قرأت على لوح كبير يعترض الطريق- فوق الرؤوس- اسم" نزهة العراقية 13. و هى فتاة رأيتها مرة فى بغداد فى أولى زياراتى للعراق فأعجبت بها، و توسمت فيها الخير و آنست من حديثها ذكاء القلب و مروءة النفس و الإخلاص. و لم تخنى فراستى فقد سمعت عنها بعد ذلك ما زادنى إكبارا لها. و قد أخرجت من العراق. و إن كانت تنسب إليه لأسباب سياسية فلما صارت فى الشام لاحقها سوء الحظ و سوء الظن بنزعتها السياسية فاعتقلت عاما و نيفا. و كان من عجيب تصريف الأقدار لأمور دنينا، أن ينجو رجال سياسيون من الاعتقال و تقع فنانة لا ينسيها الفن إخلاصها له و تخيلها لمطالبه و إن لها وطنا، و إن كانت لا تنزل إلى ميدان العمل.

96

و قلت لإخوانى" ما رأيكم؟ إنى اشتهى أن أدخل و أنظر إلى نزهة، فإن لها فى قلبى لنوطة ليست من العشق و العياذ بالله منه بل من الإعجاب ما أظنها تذكرنى أو تعرفنى حيث ترانى و ما يدرينى؟ لعلى أنا أيضا لا أعرفها إذا رأيتها. فدخلنا و كانت مقبلة من وراء المسرح فغمرونى و أشاروا إلى ناحيتها بلحظ العين و إذا بها تقف و تحملق ثم تعدو إلينا و تتناول كفى و تحيينى أجمل تحية و طالت الوقفة فدعوتها إلى الجلوس فقالت:

" نحن هنا فى مكة فلا يؤذن لنا فى الجلوس مع الإخوان" وتجهم محياها فسألتها و لكن؟ لماذا؟

قالت:" لأن الفن على ما يظهر شى‏ء زرى محتقر" فغيرت الموضوع و قلت" إنى مغتبط برؤيتك" و أتمنى لك كل خير و الآن إلى اللقاء أن شاء الله. و انصرفنا و لم نتلبث و سأعود إليها مرات أخرى فقد غمرتنى بكرمها و مرؤتها و طوقتنى بما لا يفى به شكر.

***

97

حكاية فخرى البارودى‏

و قال بعضهم" ما قولك فى زيارة فخرى البارودى‏ 14.

و فخرى البارودى هذا أحد نواب دمشق و صديق قديم لى و أديب واسع الإطلاع و له شعر يتفكه به، و يعبث و هو فوق ذلك و قبله من أظرف خلق الله. و لو لا أن أظلم غيره لقلت إنه أظرف الناس قاطبة.

و كنت قد سمعت قبل سفرى إلى دمشق أنه يكتب بحثا يثبت فيه أن المعرى كان عالما بالموسيقى فاشتقت أن أطلع عليه، و إن كنت أعرف أن أبا العلاء المعرى أحاط بكل ما كان فى زمانه من علوم و فنون و آداب.

و أقلتنا سيارة إلى مكتب اتخذه فى زقاق قديم فدخلنا فإذا بستان صغير و إذا هو متربع فى حجرة كبيرة على مقعد عظيم رفيع كأنه العرش و أمامه منضدة طويلة عليها طوائف شتى من الكتب و الدفاتر و الأوراق المبعثرة و حوله عدد من رجال الموسيقى يضربون على العود و الكمان إلى جانبيه طبلة ورق ينفر على هذا تارة و تلك‏

98

تارة أخرى فسألته ما هذا؟ قال" يا سيدى" هذا لحن صيغ فى أبيات للمعرى. و نحن نضبطه الآن، و العزم أن يعزف فى مهرجانه- لبحث الذى سمعت به؟ قال فرغت منه و لكنى لن ألقيه فى المهرجان لأنه لا يلقى من الأفراد- دون ممثلى الهيئات إلا من كانوا أعضاء فى المجمع العلمى" قلت" خسارة" و أى خسارة و لكن شو بدك منى؟."

و انطلق يسح بما لا يروى. و يقينا فى سماع و سمر ليس أحلى منهما و لا أحلى للصدر أو أطفى للهم إلى ثانية صباحا فانصرفنا و تركناه لألحانه يسهر فيها الليل كله حتى يتنفس الصبح.

و قولت له و هو يودعنا بالعناق و القبلات ألا تزل فى ضلالك القديم؟

قال" شو بدك تقول؟ قلت" تحيى كل من تلقى بالعناق و القبلة عسى أن يكون أحد الوجوه صابحا بضا."

قال يا" مازنا اتق الله" قلت" اتق الله أنت يا أخى ألا تحلق على الأقل تخزنا بهذا الشوك الذى فى وجهك؟

فكر علينا يقول" يا عينى على الخدود الغضة مثل الحصيرة فانهزمنا.

99

مصايف سوريا (5)

كان همى- و قد بت فى دمشق أن أرى كل ما تسنى رؤيته فى أربعة أيام فى دمشق ذاتها، و حولها و على كثب منها قبل أن يبدأ المهرجان فأشغل به عما عداه فزرت من مصايف الشام" الزيدانى" و" بلودان" و يبلغ علوها عن سطح البحر نحو (1650) مترا" و بقين" و فيها عين ماء من أحلى و أطيب و أنفع ما ذقت و" شتورة" من مصايف لبنان على الحدود السورية، و زحلة المشهورة بمائها" و عرقها".

و كنت أخرج فى الصباح فلا أعود إلا ليلا" و من أجل هذا سمانى إخوانى" الزواغ" فإذا سأل عنى سائل قالوا" زاغ" كالعادة حتى لقد أشيع فى اليوم الثانى من أيام المهرجان إنى سافرت إلى" اللاذقية" فى أقصى الشمال من و سورية فلما رأونى أعود إلى الفندق فى‏

100

مساء اليوم ذاته تعجبوا لى كيف استطعت أن أقطع كل هذه المئات- تقرب من الألف- من الكيلو مترات ذهابا و إيابا فى نهار واحد.

فقلت لهم مازحا ألا تعلمون أن عمكم المازنى قد أصبح من أهل الخطوة؟"

على أن للإشاعة أصلا تحور إليه، ذلك إنى بعد العشاء- فى أول أيام المهرجان- آثرت الجلوس مع الصديق الكريم العالم الجليل- الأمير مصطفى الشهابى‏ 15 محافظ اللاذقية- فقال لى فيما قال إنه عائد من غد إلى اللاذقية ليعد لاستقبال أعضاء المهرجان فيها، و اقترح على أن أصاحبه و أبقى معه حتى يلحق بى إخوانى فأعود معهم و كانت التكاليف الرسمية قد ثقلت على بعد نهار واحد و ليس أبغض إلى منها فنازعتنى نفسى أن أقبل.

فقلت له" و ليس أحب من ذلك و لكن سألقى كلمتى فى" حلب" فما العمل" قال" نغير الترتيب فتلقيها فى اللاذقية"

قال" إذن يحسن أن نستشير" خليل بك مردم‏ 16 (أمين سر المجمع العلمى) ففعلنا فلم يوافق خليل بك و قال أن حلب خليقة أن تثور إذا نحن فعلنا ذلك و قد كانت تسأله عنى و تستوثق قبل ذلك بدقائق و استشهد بالدكتور" أسعد طلس" 17 فأمن على قوله.

فعدلت مرغما و كان المقرر أن يزور أعضاء المهرجان فى صباح اليوم التالى آثار دمشق و قد زرتها من قبل فتخلفت عن مشاركة الإخوان فى هذا الطوف و قصدت إلى" بلودان" فكان أن شاع و ذاع إنى سافرت إلى اللاذقية.

101

- حفاوة الشام بوفد مصر:

و يحسن بى أن أقول إن وفد مصر- حكومتها و جامعتيها- كان موضع التكريم و التبجيل و كان أعضاؤه جديرين بكل ما لا قوه من حفاوة و إجلال و لو أن الخيار كان لى لما اخترت غيرهم و قد كنت مزهوا بهم فخورا بأنى منهم و هم منى.

- زيارة المجلس النيابى:

و حدث و نحن نزور فى صباح اليوم الأول دار المجلس النيابى أن جلسنا على مقاعد النواب، و كان المجلس فى أجازة. و كنت قريبا من الدكتور" طه حسين" و ليس بيننا إلا ممر ضيق هو الفاصل بين مقاعد اليسار و مقاعد اليمين فقلت للدكتور طه" هذا حال مقلوب كان ينبغى أن تأخذ مكانى و آخذ مكانك فإنى من أهل اليسار.

- طه حسين يلقى كلمة شكر:

و نظرت إلى الحائط المواجه لنا فرأيت ساعتين على الجانبين فأما اليسرى فمعطلة و أما اليمنى فدائرة تعد الدقائق و تقيد الساعات فحدثت الدكتور طه بذلك و قلت يظهر أن ساعة المعارضة معطلة هنا، و ضحكنا.

و فى هذه اللحظة أقبل بعضهم على الدكتور طه و انحنى عليه و أسر إليه فقال (لا يا حبيبى عليك بالمازنى) و التفت إلى و قال (قم يا مازنى و اشكرهم بكلمتين) قلت (أنا؟ يفتح الله يا سيدى إنى أولا لا أحسن هذا الضرب من الكلام و إن كان فى ذاته سهلا ثم أن صوتى خفيض لا يصلح إلا للمناجاة، و أهم من كل ذلك أنك تمثل هنا

102

حكومة بلادى فحقك التقديم و لا يجوز غير ذلك فأقتنع و نهض و قال خير ما يقال فى مثل هذا الموقف.

- زيارة مجلس الوزراء:

و انتقلنا من مجلس النواب إلى رياسة مجلس الوزراء فحيانا رئيس الوزراء بالنيابة-" لطفى الحفار بك" 18 أرق تحية و رحب بنا أجمل ترحيب فرد عليه الدكتور" مهدى البصير" 19 أحد ممثلى العراق- و إذا بمن عرفت فيما بعد أنه الشيخ" عبد القادر مبارك" 20 من علماء الشام و أعضاء المجمع- يصيح من أحد الأركان مرحبا مؤهلا و يقول فى ختام كلمته: أن من دواعى سروره أنه سمى" عبد القادر المازنى"

فمال على الدكتور طه و قال (عليك به فقد وقعت و كان ما كان) قلت (بل على جدى به فإنه سمى جدى لا سميى)

فعاد الدكتور طه يقول (يظهر أن المفاجآت ستكون كثيرة فما كان هذا كله فى البرنامج فيحسن أن تعد خطيتين أو ثلاث).

قلت (أما قلت لك إنك تمثل حكومة بلادى فأنت المكلف أن ترد على كل خطيب فى كل حفل و كفى الله المؤمنين- مثلى- القتال).

التقيت بالشيخ مبارك و نحن خارجون فقلت له (يا مولانا شكرا و لكنك سمى جدى لا سميى أنا فإن اسمى إبراهيم و أحب أن أبشرك اعلم أن جدى كان من المعمرين فعاش إلى ما فوق المائة).

قال (بشرك الله بالخيرات إذن سأكون أنا أيضا من المعمرين).

و هكذا نجوت من الرد على الخطيب و لم تكن حيلة احتلتها و إنما كان هذا واجبى فما يسعنى- خارج مصر- إلا أن أحرص على أن‏

103

أكون على قدر المستطاع مثالا لما ينبغى أن يكون عليه المصرى و إلا أن أعرف حق كل مصرى فأؤديه له و قد كنت مغتبطا بما يلقاه إخوانى من التكريم و التوقير و كلهم أهل لهذا و زيادة و كنت فى مجالسى الخاصة أزيد القوم تعريفا بهم و بأقدارهم لا لأنهم غير معرفين بل لأنه كان يطيب لى أن أرطب لسانى بذكرهم و لم أستغرب حين علمت إنى إنما كنت أفعل مثل ما يفعلون فكان الدكتور طه يسأل عنى و يتفقدنى فى كل مكان فإذا جئته قال (خفت أن تكون زغت أو ضجرت أو ساءك أمر خلك معى فإنى لا آمن أن تزوغ) فنضحك و روى لى غير واحد من أهل الشام كيف كان يذكرنى بالخير الأستاذ الجليل أحمد أمين بك و توثقت الصلة بينى و بين الأستاذ أحمد الشايب بسرعة و لم أكن قد رأيته من قبل و إن كنت أعرف آثار قلمه و أكبرها و أما الدكتور عبد الوهاب عزام و الأستاذ عبد الحميد العبادى فصديقان جزاهم الله جميعا خيرا الجزاء فقد رفعوا قدر مصر و أعلوا شأنها.

و أنقذنى الدكتور طه بلباقته من ورطة فقد سألنى بعضهم عن" حلب" ماذا رأيت فيها و كيف وجدتها؟ فقلت بلا تكفير (لم يتسع الوقت لشى‏ء و ما رأيت فى حلب إلا القلعة القديمة و مسجد الفردوس الأثرى و السوق المسقوفة المشهورة ثم المحافظ) فظنوها نكتة و تناقلوها فخفت أن تبلغ المحافظ و هو رجل فاضل فيسوئه منى هذا المزح الثقيل الذى لم أقصد إليه فما كان من الدكتور طه حسين حين بلغة ذلك إلا أن صدهم عن اللغط بهذه الكلمة و أولها أحسن تأويل فاقتنعوا و أمسكوا.

و ما أكثر ما أقال إخوانى المصريون من عثراتى و أصلحوا ما فسد بحماقاتى.

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}