أدباء القرن العشرين

- إبراهيم عبد القادر المازني المزيد...
241 /
105

أربعة و أربعون عضوا فى المؤتمر احتفال بمقبرة المعرى (6)

كان الاحتفال الذى أقامه المجمع العلمى العربى فى البلاد السورية بالذكرى الألفية لمولد المعرى- بالحساب القمرى- (مهرجانا) و لم يكن مؤتمرا أدبيا و كان الذى خطط له ذلك و اقترحه أمين سر المجمع خليل بك مردم الشاعر المشهور، و كان فخامة الرئيس السيد شكرى القوتلى‏ 21 هو الذى يسر الأمر كله و أقنع الحكومة السورية بأن تمد المجمع بما يحتاج إليه من النفقة حتى لقد أعلن أنه مستعد أن يتحمل هو تكاليف المهرجان إذا لم تستطع الحكومة تدبير المال اللازم و كان من حسن الاتفاق أن أجمعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربى بالإسكندرية فى نفس اليوم الذى بدأ فيه المهرجان، فلهجت الألسنة بذلك، وعد هذا الاتفاق من‏

106

البشائر المؤذنة بالتوفيق و صار مدعاة) لمظاهرة عربية) بل لقد سمعت بعضهم يقول لصاحبه فى الطريق و نحن منصرفون من مقبرة المعرى: إن هذا من) كرامات أبى العلاء).

رحم الله الشيخ كان لا يعدم من يسلكه مع الزنادقة و الملاحدة و الكافرين فأصبح لا يعدم من يسلكه من أولياء الله الصالحين.

و كان قبره مهملا و عظامه ليست فيه- بليت أو نبشت من يدرى؟

فإن ألف عام حقبة مديدة من الزمن- فالآن جدد قبره و سور المكان و زرعت الأرض و غرس فيه الشجر و اجتمع عليه أربعة و أربعون من أدباء العالم العربى، و شعرائه و علمائه يقولون فيه و ليبدءون و يصيرون و جعل له دفتر تدون فيه أسماء زوار الضريح و قد استكتبونى كلمة فى هذا الدفتر.

كما استكتبوا سواى، فكتب ما معناه أن أبا العلاء لو كان داريا لما رضى عن زيارتى لقبره و لكنه لا حيلة لى فيما لعله كان خليقا أن يكره فإن يك هذا يسوءه فإنى أرجو أن يكون شفيعى أنه- كما يقول:-

ما باختيارى ميلادى و لا هرمى‏* * * و لا حياتى، فهل لى بعد تخيير

و لو اتسع المقام لزرت إنى ما* * * زرت قبرا قط مذ رشدت و حدثونى‏

و أنا بالمعمورة- أن مستشرقا سأل بعض أهلها عن قبر أبى العلاء فنادى الرجل صبيا و قال له" انطلق بهذا الكافر إلى قبر الزنديق" و وجدت من عامة أهل المعرة من يسمى الشيخ" أبا على".

107

و قد تبينا من الحفلة الافتتاحية أن إلقاء ما عددنا من بحوث سيكون مشكلا عويصا فإن هذا كما أسلفت مهرجان لا مؤتمر و الوقت المحدد لكل قائل، نصف ساعة ليس إلا و الجمهور يطلب الكلام المؤثر. و كنت قد شاورت إخوانى قبل ذلك فأشار الدكتور طه بأن تلقى خلاصات لما أعددنا و أن ندفع البحوث المطولة إلى المجمع للنشر فى أوانه و قد فعل هو ذلك و فعله أيضا أحمد أمين بك و الأستاذ أحمد الشايب و الدكتور عزام، أما أنا فأقبلت على كلمتى أحذف منها و أختصر فما أجدانى هذا شيئا و خطر لى أن لعله كان الأوفق أن يكتفى بحفلة الافتتاح، و حفلة الختام، فيحضرهما الجمهور و يصفق فيهما لما يسمع على هواه، و تعقد فيما بينهما جلسات فى الصباح و المساء لإلقاء البحوث المطولة على الراغبين فى الاستفادة من طلاب الأدب و العلم غير إنى تبينت أثناء المهرجان أن هذا مستحيل، فإن لكل مدينة كبيرة من مدن الشام شخصيتها الخاصة و هى حريصة عليها، ضنينة بها و التنافس بينها قائم فلا معدى عن إقامة حفلات بها كالتى تقام بدمشق و إلا غضب و قد فكرت فى هذا و علته، فلما قمنا برحلتنا الطويلة إلى حمص و حماة و حلب و اللاذقية رأيت أن المدن متباعدة و أن الجبال و السهول تفصلها و العمران غير متصل بينهما فلا غرابة إذ أحست كل مدينة كبيرة أنها قائمة بذاتها و أن لها شخصيتها الخاصة التى تتميز بها و تنفرد على خلاف الحال فى مصر، فإن اتصال العمران بين المدن ينفى الإحساس بالاستفراد و تميز الشخصية و يجعل حياة كل بلد، متسربا فى حياة البلد الآخر، أما فى الشام فحلب مثلا هى حلب، و دمشق هى دمشق و لكل منهما خصائصها و هذا التميز ملحوظ

108

حتى فى تأليف الوزارات أحيانا مثال ذلك أن رئيس الجمهورية دمشقى، و سعد الله الجارى بك‏ 22 الذى استقال من رياسة الوزارة منذ بضعة أيام حلبى و ليس هذا بمطرد فى كل حال و لكنى أراه يراعى أحيانا كما قلت.

بساطة العلاقات بين الناس:

و قد تعجب بعض الإخوان الذين لا يعرفون الديار الشامية الديمقراطية (القوم) و أدهشهم وراعهم انتفاء التكاليف الرسمية و إيثار البساطة و قلة الاحتفال بمناصب الحكم أو الاعتذار بما يصاحبها من جاه و سلطان و أبهة، فإنك تدخل على الوزير كما تدخل على الموظف الصغير، و لا تحتاج إلى أكثر من الاستئذان الواجب- حتى- بين الأصدقاء، فإذا انتهى العمل رأيت الوزير الكبير و الرجل الصغير- موظفا كان أو غير موظف يجلسان و يتسامران كأنهما ندان.

و لا عجب فى هذا فإنه روح الشرق العربى كله، لا فرق بين العراق و الشام و لبنان و فلسطين و الحجاز و نجد اليمن بل هى روح الإسلام الذى يجعل أكرم الناس عند الله أتقاهم، و قد عجز الحكم التركى الطويل عن مسخ هذه الروح و تشويهها. و روح الشام جمهورية بحت، فهى تسمح بالتحرر من كثير من القيود الرسمية و بإرسال النفس على السجية غير أن هذا لا يغرى بسوء الأدب أو قلة الذوق و ليس أحسن أدبا و لا أرق حاشية و لا أحرص على المروءة من أبناء العربية فى هذه الديار عامة و فى الشام خاصة، و قد يبلغ الخلاف و التنافس بينهم أشد مبلغ، فلا يورث التقاطع و التدبر و لا

109

يمنع حسن المواطنة و جمال المعاشرة و يقسو بعضهم على بعض فى النقد و مع ذلك يأتى بعضهم بعض و يتلاقون و يتفكهون كأنما الذى بينهم هو الود الصريح و الحب المحض و أحسب أن ذلك إنما كان كذلك لأنهم يدركون إدراكا صحيحا ما بين الواجب و الحق من صلة فلا ينكرون الحق على صاحبه و هم يتقاضونه واجبه، و لا يغلون فى نشدان الحقوق و يهملون الواجب و من هنا على ما أظن اعتدل الميزان و استقام الأمر.

مزية لشباب الشام:

و سرعان ما يبين المرء أن أهل الشام أكثر توافرا على درس الأدب العربى و التاريخ العربى من غيرهم من أبناء العربية و ما لقيت شابا هناك إلا وجدته واسع الإطلاع على الأدب و التاريخ و لعل إطلاعهم على الآداب العربية أقل و أضيق نطاقا، و عسى أن يكون المصريون من أجل ذلك أرحب أفقا و أصح إدراكا لحقيقة معنى الأدب، و لكنه لا شك فى أن شبابهم أكثر من شبابنا إحاطة بكنوز العربية و عناية بها و العربية هى لغتنا فلا مهرب من هذه العناية و تلك مزية جلية لأبناء الشام. و قد تجد شبابنا متعجلين يعالجون الشعر بغير آلة فلا يلقون تشجيعا و لا يسعهم إلا أن يقصروا و يفيقوا من حلم الشباب الذى أوهمتهم حيويته الدافقة أنهم يقدرون على كل شى‏ء بآلة أو بغير آلة.

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

أكلة علائية (7)

بدأ" العناء" فى سبيل أبى العلاء على حد قول الأستاذ الجليل إسعاف بك النشاشيبى من أول يوم من أيام المهرجان فقد دعونا فى ظهر ذلك اليوم إلى موائد مثقلة بألوان شتى من الطعام كانت تلوح لنا من بعيد شهية فنتلمظ و نتمطق قبل الأوان فلما قالوا" تفضلوا ذهبنا نعدو، و إذا بواحد يشدنى من ذراعى و يقول:" هل تعرف أن هذه أكلة علائية؟" قلت" ماذا تعنى؟" قال:" كل ما تراه مطبوخ بالزيت- حتى الحلوى- و لا لحم من أى نوع" قلت"" أعوذ بالله".

فسألت و العمل؟ الزيت لا يوافقنى" قلت:" وهبه كان يوافقك فأين المعدة التى تحتمل أن تكتظ بهذه العشرات من الألوان المطبوخة بالزيت؟ لا يا سيدى يفتح الله تعال نؤلف حزب معارضة بل ثورة.

112

و قد كان- و صار حزب المعارضة قوامه الأستاذ إسعاف النشاشيبى و طه الراوى‏ 23 و أحمد الشايب و العبد لله، و احتللنا طرف مائدة و دعونا عمال الفندق و أمرنا بلهجة حازمة أن يجيئونا بطعام آخر سائغ و لغظ القوم بثورتنا" الموافقة" و حسدونا و زعموا أنها فكاهة ظريفة و تظاهروا بأنهم لا يبالون بما يحشون به بطونهم من نار. و بعث إلى الأمير مصطفى الشهابى يقول: إن هناك إشاعة بأنى" سأرقصهم" بخطبة على هذا الطعام فكتبت إليه أقول أنهم سيحتاجون حقا إلى من يرقصهم طويلا بعد هذه الأكلة الشامية الشنيعة، و أكبر ظنى أنهم سيعدون بعدها فى عداد الموتى و يؤسفنى أن الله لم يؤتنى القدرة على إحياء الموتى و اعتزمت إذا دعيت إلى الكلام بكرهى أن أشكر طاهى الفندق الذى جاد علينا ببعض ما عنده و أنقذنا من هذا الهلاك،

و أن أبرئ" المعرى" المسكين مما توهم هذه الوليمة التى كانت ألوانها تعد بالعشرات و لو كان يأكل كما أكلوا لمات بالتخمة غير إنى لم أحتج إلى كلام ما لأنى بعد أن أصبت الكفاية زعقت كالعادة.

- عناء الرحلة بين المحافظات:

و كانت هذه الأكلة بداية المتاعب فقد حملونا فى صباح اليوم الثالث فى سيارات وضعوا كل أربعة منا فى واحدة منها فانطلقنا ننهب الأرض و نقطع (1250 كيلو مترا) فى ثلاثة أيام، و كنا ننام بعد نصف الليل و نستيقظ فى بكرة الصباح مع العصافير و لا نستريح فى النهار لأنا لا نكون فيه إلا على سفر أو على طعام.

113

و كان من حسن حظى أن كان رفقائى فى السيارة الأستاذ" ساطع بك الحصرى" 24 مدير التعليم فى سورية الآن و كان على عهد المرحوم الملك فيصل فى سوريا وزيرا فلما دخل الفرنسيون بعد معركة" ميسلون" خرج هو، و انتهى به المطاف إلى العراق فتولى أمر التعليم هناك و أشرف على الآثار ثم أخرج من العراق مع من أخرجوا من السوريين قبيل هذه الحرب فعاد إلى سوريا و عكف على التأليف فأخرج كتابة الضخم فى" ابن خلدون" و ثنى بمجموعة نفسية من المقالات و هو رجل واسع الإطلاع كبير العقل مستقيم النظر ساحر الحديث.

و الأستاذ العالم الجليل الشيخ" عبد القادر المغزى" 25 عضو المجمع العلمى بدمشق و مجمع فؤاد الأول للغة العربية بمصر و المصريون يعرفونه لأنه أقام بمصر زمنا قبل الحرب الماضية و كان يكتب فصولا اجتماعية فى" المؤيد" ينحو فيها منحى الأستاذ الإمام الشيخ" محمد عبده" 26 و من غريب ما حدثنى به المغربى فى هذه الرحلة أنه زارنى مرة فى" البلاغ" ثم انقطع عن زيارتى لأنه قرأ لى فصلا أشكو فيه من كثرة الزوار

فحسب إنى أعرض به و أشير إليه فأقصر فاستعذت بالله من هذا الخاطر.

و الأستاذ العالم الأديب" عز الدين آل علم الدين التنوخى‏ 27 من أعضاء المجمع العلمى أيضا، و هو فوق ذلك محدث ظريف و شاعر لبق، يستطع أن يرتجل البيت و البيتين فى المعانى القريبة يمازح بها إخوانه و قد قال بيتين مدحنى بهما و نحن نتصعد و نتصوب فى الجبال و الأدوية و أوردهما على سبيل التسلية:

114

فقلت له يا أخى وقاك الله السوء و المسخ و التشويه ماذا فعلت باسمى عفا الله عنك؟ أنا احذف الألف التى بعد الراء لأنى أحس أنها تفقأ عينى حين أراها فتجى‏ء أنت فتثبتها و تحذف الألف الأولى؟ سبحان الله العظيم.

قال:" ضرورات الشعر"

قلت:" أكفنا شر هذا الشعر"

و كان ظن إخوانى إنى غير سعيد بهذه الرفقة و لكنى كنت على خلاف ما توهموا راضيا مغتبطا و لو خيرت لما اخترت غير هؤلاء السادة الأجلاء، فإن فيهم من البساطة و خفة الروح و صدق السريرة و سماحة النفس ما يحببهم إلى كل قلب و سرعان ما صار كل منا لصاحبة مألفة فكنا إذا هممنا باستئناف السفر، يبحث كل واحد منا عن أصحابه و ينتظرهم و لا يركب حتى يركبوا و كان حديثنا ذا شجون كثيرة بعضه جد و معظمه مزح و كان" الأستاذ عز الدين" لا يزال يستطرد من كل موضوع إلى ذكر الدروز- و هو منهم- و دينهم و عاداتهم و صفاتهم و مزاياهم و شعرهم فكنا نركبه بالفكاهة من اجل ذلك فصبر على هزلنا أحسن الصبر و أجمله حتى يخجلنا بسعة صدره و حلمه فنرتد إلى الرفق و المساناة.

و لما صرنا إلى" المعرة" دعانا" الحراكى بك" 28 إلى العشاء و كانت الموائد موقرة مما نطيق حمله و بما لا يطمع أشره أكول مبطان أن يلتهم أقله و لما أديرت علينا الفاكهة رأينا تينا أخضر الواحدة منه فى حجم البرتقالة الكبيرة و طعمه أحلى من العسل فقال الأستاذ إسعاف بك النشاشيبى (آه الآن وقفنا على سر المعرى و عرفنا لماذا

115

قنع بالتين فإن ثلاث تينات من هذه وجبة كاملة و لا حاجة لأحد بعدها إلى طعام آخر.

و خرجنا من" المعرة" فى نحو الساعة العاشرة مساء فبلغنا حلب عند منتصف الليل فأوينا إلى مخادعنا على الفور فأصبحنا فخرجنا للفرجة ثم دعانى إخوانى رجال الصحافة فى حلب إلى الغذاء معهم فزغت من المأدبة الرسمية و ذهبت معهم و قضينا ساعات فى ناد هناك كانت من أطيب ما مر بى فى هذه الرحلة و أحلاه، و خرجنا من هناك إلى ساحة مدرسة التجهيز كما تسمى على ما اذكر، و كان على أن ألقى كلمتى فيها فذعرت حين رأيت سعة المساحة فطمأنونى و قالوا أنهم نصبوا مكبرا للصوت و دعونى أول ما دعوا إلى الكلام فإذا مكبر الصوت لا يكبر شيئا لأن به خللا فلما مللت الصياح و بح صوتى، قلت لا فائدة من الاستمرار فما أظن أحدا يسمعنى و نزلت عن المنصة و بعد دقيقة أو نحوها قالوا: إن الخلل أصلح فعدت إلى الكلام و فى ظنى أنهم ما قالوا إلا الحق فلما فرغت علمت إنى إنما كنت أحدث نفسى.

و من الغريب أن مكبر الصوت صلح حالة و استقام أمره إلى آخر الحفلة فتذكرت مثلنا العامى (اللى مالوش بخت يلاقى العظم فى الكرشة) كان العزم أن أرجئ حكاية منعى من دخول فلسطين إلى أوانها و لكن جريدة" المقطم"- جزاها الله خيرا- تفضلت بكلمة طيبة مشكورة فى الموضوع أعربت فيها عن كريم عطفها على و استنكارها لما وقع لى، فوجب أن ابسط الأمر للقراء فإن فيه لعبرة.

كانت محطة الشرق الأدنى ممثلة فى المهرجان فخاطبنى مندوبها الفاضل فى أن أذهب إلى" يافا" و أذيع حديثا أدبيا أو

116

حديثين فترددت لأنى كنت معتزما أن أعود بالطائرة فى يوم الخميس الخامس من أكتوبر و لكنه أقنعنى و قال: إن فى وسعى أن أسجل الأحاديث فى" يافا" و استقل الطائرة من" اللد" فاتفقنا على أن أسافر إلى فلسطين فى الثانى من أكتوبر و اتفق على مثل ذلك مع زملائى الأساتذة الأجلاء" أحمد أمين بك، و الدكتور عبد الوهاب عزام" و عبد الحميد العبادى، و أحمد الشايب، و الدكتور أسعد طلس" غير أن موعد السفر تأخر إلى يوم الأربعاء لرغبة الأستاذ أحمد أمين بك فى الاستراحة يومين بعد المهرجان.

و خرجنا جميعا من دمشق ضحى الأربعاء فى سيارتين إلى" القنيطرة" و منها إلى الحدود بين الشام و فلسطين عند نقطة تسمى" جسر بنات يعقوب" و قد دفع إلينا الأستاذ: حمدى بابيل" 29 قبل سفرنا كتاب توصية إلى ضباط الحدود يعرفهم بنا، و يذكر أننا ذاهبون إلى يافا ضيوفا على محطة الشرق الأدنى لإذاعة أحاديث أدبية منها:

- إذاعة الشرق الأدنى بيافا:

و خرجنا من سورية و بلغنا نقطة البوليس على حدود فلسطين، فخرج لنا ضابط إنجليزى دفعنا إليه الجوازات. و أبنت له كتاب التوصية، فقرأه و ابتسم و أعاده إلىّ. و قال (خله معك فقد ينفعكم) و ختم الجواز بإذن الدخول بعد أن دعانى إليه و ألقى علىّ بعض أسئله لأنى صحفى و الصحفيون على ما يظهر غير مرغوب فيهم، و لكنه لم يثقل و اكتفى بالأسئلة و أجوبتها ثم و دعنا بلطف. تمنى لنا رحلة سعيدة. فانطلقنا حتى بلغنا ............ الجمارك، و فيها مكتب‏

117

لرجال الأمن العام، فأبرزت كتاب التوصية مرة أخرى للضابط فأخذه مع الجوازات و ارتد إلى غرفته، و بعد دقائق أعيدت جوازات زملائى إليهم، و دعيت أنا إلى مكتب هذا الضابط فضحكنا و قلت هذه آفة الصحافة.

و جلست أمام الضابط فسألنى عن مسقط رأسى و عن أبى و أمى فقلت له مازحا- إننى الآن لا أب و لا أم فقد ماتا رحمهما الله.

و نظر فى كتاب التوصية ثم فى الجواز و قال: إن اسمك فى كتاب التوصية" عبد القادر المازنى" و فى الجواز" إبراهيم ......"

فأدركت أنه يلتمس حجة يردنى بها فقلت له" يا سيدى" إنى غير مسئول عن كتاب التوصية معظم الناس يختصرون الأمر و يهملون اسمى الأول على أنك تستطيع أن ترمى كتاب التوصية فى السلة أو تهمله و حسبك الجواز و فيه اسمى كاملا و صورتى و هذا وجهى أمامك.

فانتقل من ذلك مناقشتى فى هجاء اسم المازنى بالإنجليزية فى الجواز فأدركت أنه ليس بالإنجليزى و إن كان يجيد الإنجليزية و بينت له أنه مكتوب كما ينطقه الناس عادة.

ثم قلت له" اسمع من فضلك" أنه يستوى عندى أن تأذن لى فى الدخول أم تمنعنى منه و لكن رجائى إليك أن لا تطيل و تضيع الوقت فإن إخوانى لا يستطيعون أن يستأنفوا السفر إلا إذا عرفوا مصيرى فلا تجعلنى سببا فى إتعابهم.

فقال: إنها مسألة دقائق ليس إلا فانصرفت و لكن الدقائق صارت ساعتين و زيادة. و كنا نجلس فى السيارة تارة و نتمشى تارة

118

أخرى و لا راحة فى الحالين. و قلت لإخوانى أن أكبر ظنى إنى مردود عن فلسطين فقال الأستاذ أحمد أمين بك" إذا لا إذاعة" و نسافر إلى مصر دون أن نعرج على محطة" يافا" فوافقه بقية الإخوان.

و قال الدكتور طلس" و أعود أنا معك إلى الشام" فحاولت أن أثنيهم عن الإضراب عن الإذاعة، أو أثنى الدكتور طلس عن الأوبة معى فأبوا كل الإباء و اتفقنا على اقتسام السيارتين فيأخذ أخوان واحدة، و نعود أنا مع الدكتور طلس فى الأخرى.

و أخيرا خرج علينا الضابط و قال لى إنه شديد الأسف و أن القدس أبت أن تأذن لى فى دخول فلسطين. و أنه يأسف مرة أخرى لأنه ليس عنده ما يركبنيه فى عودتى إلى الشام.

- العودة بلا دخول:

فطمأنته و قلت له" لا تخف على، و لا تحزن، فإن معى سيارة" فاطمأن و أظهر السرور، و أراد أن يلقى على أسئلة أخرى فقلت له:

و أما بعد رفض الدخول فلا سؤال و لا جواب و ما شأنك بى و قد رددتنى عن البلاد؟.

و هكذا رجعت مع الصديق الكريم الدكتور أسعد طلس. و لما بلغنا الحدود الأولى استغرب الضابط الإنجليزى لأنه كان قد أذن لى فى الدخول، و سألنى مازحا. أتراك ارتكبت جريمة؟ فقلت" ليتنى فعلت. إذن لعرفت السبب".

و صار الأمر مشكلا، لأن تأشيرة الدخول فى سورية انتهت بخروجى منها غير أن موظفى الحدودا لسورية كانوا من أظرف خلق الله و أرقهم فأعربوا عن عطفهم و أسفهم، و ألغوا" تأشيرة"

119

الخروج، و أرادوا أن يحتفوا بنا فاعتذرنا بضيق الوقت و بعد الشقة، و استأنفنا السير فدخلنا" دمشق" فى منتصف الساعة التاسعة ليلا، فإذا أمامى مشكل آخر: هو أن الفنادق كلها غصت بالنواب الذين جاءوا من أرجاء الشام لحضور جلسة البرلمان فى صباح اليوم التالى فأين أبيت؟ و علم الأستاذ الجليل إسعاف بك بهذا المشكل، فهمس فى أذنى أن بغرفته سريرا ثانيا لا ينام عليه أحد، و أن هذا يحل الإشكال إلى الغد، فهممت بالاعتذار لأنى أعلم أن الأستاذ إسعاف لا يطيق أن ينام معه فى غرفته مخلوق فكيف أنغص عليه رقاده؟ و أنا مثله أوثر النوم وحدى و لكنه لم يكن لى مفر من قبول ما تفضل به مشكورا.

و تشهدت، و قلت آكل لقمة فما طعمنا فى نهارنا شيئا يذكر، و إذا بخادم الفندق يسألنى عن حقيبتى أين هى لحملها إلى حجرة إسعاف بك فأخبرته أنها فى السيارة، و لكن السائق كان قد ذهب بالسيارة- لا أدرى إلى أين- و نسى أن يترك لى شيئا، و لا أحتاج أن أقول إنا وجدناه و أنه رد الحقيبة معتذرا عن سهوه.

120

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

121

الأمن العام فى فلسطين ضد المازنى تحت الحكم العسكرى الإنجليزى (8)

و فى صباح اليوم التالى- الخميس- علمت أن المشكل أعقد مما كنت أظن، فقد كنت واثقا إنى أستطيع العودة إلى مصر بالطائرة و كل ما أحتاج إليه هو الانتظار حتى أجد مكانا فى طائرة عائدة و لكن الدكتور طلس زار القنصلية و معه جوازى ليسأل هل به حاجة إلى" تأشيرة" جديدة؟ فكان الجواب المزعج إنى ممنوع من اجتياز فلسطين برا و جوا لأن الأمن العام فى فلسطين هو الذى منع دخولى .. فكيف أعود؟ أأقطع البحر الأبيض سباحة؟ و خطر لى أن الحل الوحيد- إذا أخفقت المساعى الكثيرة التى بذلتها الحكومة السورية- هو أن أذهب إلى العراق و من ثم إلى نجد فالحجاز فمصر فأعود على الأرجح مع الحجاج.

122

و قد كان القنصل الإنجليزى كريما غاية الكرم فأرسل برقية إلى القدس ورد فيها برسالة مستعجلة و لكنه لم يتلق جوابا قط، و كان كل امرئ فى دمشق معنيا بى، و بتهوين الأمر على، و سرنى على الخصوص قول فخامة الرئيس حفظه الله أنه سيكلف الحكومة أن تكتب رسميا إلى حكومة فلسطين تشكر لها أنها ردت المازنى إلى الشام.

و همت صحافة دمشق بحملة على حكومة فلسطين فرجوت منها أن تتريث حتى نتيجة المساعى المبذولة من جانب الحكومة السورية و جانب القنصل البريطانى.

و حاولت الاتصال بمصر مرارا فلم أفلح و بعثت ببرقيات شتى إلى البلاغ و إلى بيتى بتوقيع الدكتور أسعد طلس و غيره من السوريين فلم يصل منها شى‏ء إلى اليوم و لم أبعثها باسمى لأن جوازى كان فى القنصلية البريطانية و البرقيات لا تقبل من الغريب إلا إذا أبرز مرسلها جوازه كما تقضى بذلك الأوامر العسكرية.

و كنت قد مرضت فلزمت غرفتى فتفضل الكولونيل مارساك و زارنى و أنبأنى انه مسافر إلى مصر صباح السبت على طائرة إنجليزية لا تنزل فى فلسطين و تمنى أن تسمح لى صحتى بالسفر و سألنى عما يستطيع أن يفعله لى فى مصر فأكدت له إنى أستطيع السفر الآن على الرغم من المرض و رجوت منه إذا تعذر سفرى أن يتصل بجريدة البلاغ و يخبرها بالخبر.

123

- عودة إلى مصر:

و كان يجس يدى كل بضع دقائق فأحسست أنه يفعل ذلك لأمر يكتمه و لم يكذب ظنى ففى صباح اليوم التالى زالت عنى الحمى فارتديت ثيابى و إذا بى أدعى إلى مكتب شركة الطيران البريطانية و هناك علمت أن مكانا حجز لى بفضل القنصل البريطانى و الكولونيل مارساك على طائرة إنجليزية قادمة من طهران و ذاهبة إلى مصر دون توقف فى فلسطين، و هكذا عدت فجأة و على غير انتظار بعد أن كاد عزمى يستقر على السفر إلى بغداد فنجد فالحجاز.

124

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

125

(9)

نوينا بعد انفضاض المهرجان أن نقضى نهارا فى شتورة و ليلة فى زحلة و كان" الدكتور بشر فارس‏ 30 لا يزال يلح على أن أزوره فى شتورة و أقضى معه بضعة أيام، فما استطعت أن أختلس أكثر من بضع ساعات من نهار قبل أن يبدأ المهرجان فلما انتهى قلنا نلبى دعوته و ننعم بكرمه و أريحيته النهار كله، و المثل يقول" العبد فى التفكير و الرب فى التدبير" و هو مثل أنقله عما أريد به لأقول إننا ركبنا السيارات فى الصباح و انطلقنا على طريق شتورة- و هى من أعمال لبنان- فلما قطعنا نحو ثلاثين كيلو مترا انعطفت السيارات فدخلت بنا فى طريق الجبل فسألت صاحب السيارة عن الداعى إلى هذا الميل فقال إنه مدعو للغذاء عند السيد" عبد الحميد دياب‏ 31 من التجار و أعيان بقين، و ما كنت رأيت فلانا هذا إلا مرة واحدة فألح أن نتغذى معه فاعتذرنا بأننا على موعد و لم يخل سبيلنا إلا بمشقة ثم أبى له كرمه إلا أن يولم لنا فكان أن حملونى إليه و أنا لا أدرى و إنما ذكرت هذا ليقف القراء على مثل من كرم‏

126

القوم و لا بأس من مثل آخر أسوقه فقد خرجت مرة أتعشى وحدى فى مطعم سورى فلما دعوت الخادم لأحاسبه قال" مدفوع يا سيدى" و أعيانى أن أعرف من الذى تفضل فأدى عنى الحساب.

و فى شتورة وجدنا الدكتور بشر قد أعد لنا" الشاى و دعا إليه معنا طائفة متميزة من كرام اللبنانيين و هو ليس" ككل شاى، فلا حاجة إلى كلام فيه غير أن الدكتور بشر يأبى إلا أن يبتكر أو ليس من الجديد فى حفلات الشاى أن يكون فيها" فول مدمس" و قد أنضجه الدكتور بشر بيديه الكريمتين زيادة فى العناية و التحفى.

و خرجنا إلى" زحلة" و هى اشهر بلاد لبنان" بالعرق المشهور" فجلسنا فى مقهى فسيح على نهر" البردون" و كان كضيفنا هناك الشاعر المشهور الأستاذ" عمر أبو ريشة" 32 و كانت قصيدته فى مهرجان المعرى من خير ما سمعت من الشعر و قد أنست من قصيدته نزعة صوفية فسألته عن ذلك و كنا فى حلب على ما أذكر فقال: إن ظنى فى محله.

و كان من خير ما أكلنا فى ليلتنا تلك على النهر" العصافير" و هى سمينة يقلونها أو يصنعون بها ما لا أدرى و يدسونها فى قلب الرغيف حتى لا تبرد ثم تؤكل بعظمها.

- حدود سوريا و لبنان:

و كان معظم من معنا لبنانيين و كنا نستطرد فى الحديث من موضوع إلى موضوع فتناولنا كل شى‏ء جادين و هازلين فأحسست بعد هذه الجلسة و أمثالها مع إخواننا اللبنانيين أنهم قلقون يرغبون فى إيجاد رابطة بين بلادهم و البلاد العربية الأخرى، و لكنهم يحبون‏

127

أن يحتفظوا باستقلالهم و حدودهم الحالية أدق احتفاظ و يخشون أن تؤدى المشاورات العربية إلى ما يمكن أن يتحيف من استقلالهم أو يرد حدودهم عما دخل فيها و من اجل هذا أضارهم و سرهم أن الذين اشتركوا فى مباحثات اللجنة التحضيرية آثروا أن يسمعوا ما اتفقوا عليه" جماعة" من" الدول العربية" لأن كلمة" الدول" تفيد الاستقلال، و كلمة" الجماعة: تقضى على فكرة" الوحدة" التى يخشون أن يكون المقصود بها- آخر الأمر- إدماج بعض البلاد فى بعض و ما أظن بهم إلا أنهم قد سرهم على الخصوص النص الذى انفرد به لبنان تأكيدا لاحترام استقلاله و حدوده.

و قد يحب القارى‏ء أن يقف على السر فى كل هذا الحرص على النص على احترام الحدود الحالية و السر فيما أعلم هو أن لبنان ألحقت به فى عهد الانتداب الفرنسى بلدان كانت فى الأصل داخله فى سوريا مثل بعلبك و طرابلس و صيدا الخ. فلبنان يجب أن يبقى له ما أضيف إليه و ألحق به. و لم تر سورية بأسا من هذا فاعترفت بالحدود القائمة.

أما فيما عدا فالأمر بين سوريا و لبنان يجرى كأنهما بلد واحد فلا جوازات سفر بين القطرين و لا عملة منفصلة و أمر الجمارك مشترك و التعاون قائم على خير وجه و لا فرق بين لبنانى و سورى، فمعظم موظفى البنك السورى اللبنانى و موظفاته فى دمشق و غيرها من بلاد سوريه من اللبنانيين و اللبنانيات و كثير من البنى التى فى بيروت يملكها سوريون، و أهل سورية يصطافون فى جبال لبنان الجميلة و إن كانوا قد بدءوا يعنون بمصايفهم الخاصة و قمح سورية و سمنها تمد بهما لبنان، كما يمد لبنان سوريا بما فيه من‏

128

فاكهة و زيت و عرقى إلى آخر ذلك و قد كنت و أنا فى الشام أتوقع أن تنتهى المشاورات بما يزيل مخاوف إخواننا و كنت أؤكد لهم أن الأمر لا يمكن أن يكون إلا على ما يحبون و أبين لهم أم مصر نفسها حريصة كحرصهم على كيانها الخاص و استقلالها بأمورها و احترام حدودها و كذلك الدولة السعودية و العراق و ليس ثم طمع من دولة فى أخرى. و إنما المراد إيجاد وسيلة أو أداة يتسنى بها التعاون و التكافل و حسبنا جميعا ذلك و قد صدق ظنى و لله الحمد.

129

الصحافة و الأحزاب (10)

ليس أعجب من أن يطالب صحفى بالإدلاء بحديث إلى صحفى آخر غير أن هذا الذى أراه عجيبا كان يبدو غير عجيب لبعض الصحفيين الشبان فى دمشق، و قد ألح فى المسألة و أنا أحاول أن أصرفه بلطف، فلما أعيانى أمره قلت: سل ما بدا لك، فرمانى بطائفة من الأسئلة تتطلب بحثا طويلا نظرا و مراجعة. مثل كيف تركت الحالة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية فى مصر؟ و ما رأيك فى حل قضية فلسطين. إلى نظائر كثيرة لهذه الأسئلة المحرجة و قد هربت من كل جواب بكلام يضحك حمله هو على محمل الجد فذهب به فرحا إلى مدير شركة الأنباء التى عمل فيها، ثم عاد إلى من غده يعاتبنى و يقول إنى جعلته غرض استهزاء. فقلت له يا أخى و ما ذنبى إذا كنت تأبى إلا إحراجى بأسئلة لا أستطيع الجواب عنها هنا، و صرنا بعد ذلك صديقين و غفر لى إساءتى، و زاد فتفضل تعريفى بزعيم الحزب الشيوعى هناك‏

130

و زعيم الشيوعية هذا شاب مديد القامة عريض الألواح واسع العينين براقهما حديد الفؤاد فصيح و قد سألنى عن الشيوعية ما رأيى فيها فقلت له" منك نستفيد" فما أعرف عنها شيئا فشرع يعرفنى بها فقلت له اسمع" إن كنت تطمع فى إلحاقى بحزبك فخير لك أن تقصر فقد جريت فى حياتى على قاعدة لم أتحول عنها قط هى أن لا أتقيد بحزب أو مذهب و إنما آخذ من كل مذهب أطيبه و أنفعه .. فكف.

و صرت بعد ذلك كلما دخلت غرفتى وجدت فيها كوما من النشرات و المطبوعات و الرسائل عن (روسيا و الشيوعية) و قد احتفظت- منها- برسالة واحدة رأيتها نافعة لما فيها من البيان و أهملت ما عداها.

- حديث عن التشاؤم:

و مما يستحق الذكر إنى لما عدت إلى الفندق تلك الليلة المنحوسة من فلسطين قال لى أحدهم بعد أن أظهر السرور برجوعى: و الله إنى ما توقعت خيرا مذ رأيت السيارة التى ركبتها إلى فلسطين فسألته عن السبب فقال رأيت كلمة" يا ساتر" مكتوبة على زجاجها فانقبض صدرى و قلت فى سرى" يا ساتر استر". و من الغريب أن هذه هو الذى شعرت به حين رأيت هذه الكلمة، و قد حدثت بهذا الدكتور أسعد طلس، فضحك، و لكن أنظر ما حدث.

على مسافة عشرين كيلو مترا من دمشق- فى الطريق إلى القنيطرة- انكسرت حوامل السيارة و يسمونها" السوستة" فوقفت‏

131

السيارتان طويلا حتى ربطت بالحبال و اضطررنا بعد ذلك إلى السير على مهل مخافة أن تتعطل السيارة.

سقطت منى ورقة بخمسة جنيهات مصرية فى القنيطرة على الأرجح و كنا وقفنا بها قليلا لنشترى بها طعاما فلم نجد خيرا أو أنظف من" الطعمية" و العنب و يظهر أنى أردت أن أعيدها إلى جيبى- أعيانى صرفها- فوضعتها خارجه و أنا أظن أنى دسستها فيه، و لما رددت عن فلسطين طلب السائق الذى كان مع إخوانى، خمسة جنيهات من زميله يستعين بها حتى يقبض أجرته، فاعتذر له زميله بأن ما معه لا يبلغ هذا القدر، فقلت له أنا أعطيه ما يطلب على الحساب و بحثت عن الورق و أصبت ببرد من طول الوقفة و التعرض عند" جسر بنات يعقوب" و كانت ثيابى أخف ما يلبس و أهملت التوقى.

و لما عادت بنا السيارة ضل السائق الطريق فظل يحملنا- أنا و صديقى الدكتور طلس- هنا و هناك ثم يرتد و هو لا يهتدى نصف ساعة حتى خفنا أن يدركنا الليل قبل أن نصل إلى نقطة الحدود السورية. و لست ممن يتطيرون و لكنى أعترف بأن كلمة" يا ساتر" حين رأيتها مخطوطة بالدهان الأحمر على زجاج السيارة أمام السائق لم تقع من نفسى موقعا حسنا، و كانت عينى تتجه إليها كلما حدث شى‏ء. و شبيه بهذا ما وقع لى مرة منذ ربع قرن تقريبا و كنت يومئذ أسكن بيتا (على تخوم العالمين) و إنى لعائد إليه عصر يوم و إذا بفقيرة عمياء مستندة إلى جدار تتنهد و تقول" استرحنا و الحمد لله" و ليس فى هذه العبارة ما يسوء و لكن صدرى انقبض لها، و سمعت نفسى أقول" أعوذ بالله". و فى منتصف تلك الليلة

132

توفيت زوجتى جاءها المخاض فجاءها الطبيب فنزفت و ماتت، و قد سمع منى غير واحد وصف مصرعها- فقد كنت مشاهدا للأمر كله- فدهشوا. و ما شمت بإنسان قط و لا شماتة بميت على الخصوص فإن الموت يدركنا جميعا، و لكن هذا الطبيب مرض فمات بعد ذلك بعامين و أشهد الله العالم بالسرائر أننى شمت و فرحت و أحسست أن الله الرحيم قد مسح من قلبى القروح.

133

(11)

كان الأمير مصطفى الشهابى محافظ" اللاذقية" قد أنبأنا قبل أن يغادر دمشق بعد أن حضر افتتاح المهرجان و أكل هنيئا من الغذاء العلائى الذى اكتويناه و أبيناه- أنه سيعد لنا الغداء فى حرش جميل قريب من اللاذقية.

و الأمير مصطفى أديب عالم و عضو فى المجمع العلمى بدمشق و كان فى طليعة المرشحين لعضوية مجمعنا اللغوى، و لكن لأمر ما عدل عنه و من تواليفه العلمية (الرسالة النباتية) و قد نشرنا مجمع دمشق و (معجم الألفاظ الزراعية) بالفرنسية و العربية فى مصطلحات العلوم الزراعية الحديثة من عامة و خاصة و زراعة البساتين و علم الخراج و تربية الخيل و الأنعام و النحل و الأسماك و الطيور الأهلية و ما له صلة بالزراعة من نبات و حيوان و حشرات و آلات و صناعات ...... الخ. و قد أخرجته مطبعة الجمهورية السورية.

134

و قد تولى من مناصب الدولة و وزارة المعارف و محافظة حلب ثم محافظة اللاذقية و له فى كل ما تولى آثار باقية فإنه قوى حازم و عالم مصلح.

و كانت منطقة اللاذقية تسمى فى عهد الانتداب" جبل العلويين" و كانت ذات استقلال ادارى و مالى و لكن الأمير" مصطفى" غير الاسم و تبلغ مساحتها ستة آلاف كيلو متر مربع و سكانها قرابة نصف مليون نسمة و منها اثنان و ستون فى المائة من المسلمين العلويين، و عشرون فى المائة من المسلمين السنين و ثمانية عشر فى المائة من المسيحيين و أسرة درزية واحدة و كانت فيها أسرة يهودية واحدة نزحت فأصبحت المحافظة خلوا من اليهود.

و مما يستحق الذكر عن اللاذقية أنه كانت بها مدينة عربية شامية منذ ألفى سنة إلى ألف و خمسمائة سنة قبل المسيح (عليه السلام)، و كانت فى العهد الذى انتهى و جاء الاستقلال الحالى على أثره" فتنة" فقلبها الأمير مصطفى بحكمته و عقله ألفة صافية، و كان العلويين يشجعون على اعتقاد أنهم" نصيريون" فتغير كل هذا بل لقد شجع بعض المشايخ على أن يكون" ربا" أى إلها فى الأرض و لا يزال هذا" الرب على قيد الحياة و لكنه فى حكم المعتقل و ما زال فيما يرى ربا و لكنه بغير عباد فتأمل كيف كان القوم يخلقون حتى الأرباب.

و مما يشهد للأمير مصطفى بالسرعة فى الإصلاح أن فى محافظة اللاذقية الآن أربع مدارس ثانوية و عدد كبير من المدارس الابتدائية و ما يسمى المدارس (الإكمالية" و دار كتب جديدة و ردهة للمحاضرات لم يكمل بناؤها و كان فيها خمسون كشافا فصاروا ألفا

135

و خمسمائة يهتفون بالعروبة و الوحدة، و هذا يريك من أى معدن صيغ الأمير مصطفى، خرجنا من حلب إلى اللاذقية ضحى، فى طريق تلتوى التواء شديدا ثم ذهبنا نصعد فى طرق ممهدة (مزفتة) على قولهم على رؤوس الجبال و الآكام و الربى، أكثرها مراقى غاية الوعورة فلما كدنا نخرج إلى طريق الساحل وجدنا من ينتظرنا ليميل بنا إلى الطريق المفضى إلى الحرش و فيه المأدبة الموعودة و كان الأمير قد حدثنا أنه غير مرصوف و لكنه أمر بتسويته و أنه أقل من خمسة عشر كيلو مترا فإذا به يطول حتى يجاوز الثلاثين و قد سرت فى طرق شتى فى الجبال- فى فلسطين و لبنان و سورية- ولكنى لم أر أوعر و أكثر ترابا من هذا الجبل الشاهق و لا أجمل منظرا لكن لصعوبة المرتقى و ضيق الشعاب وحدة الانعطاف و كثرة التراب كنا نغمض أعيننا فلا نكاد نرى ما حولنا أو تحتنا على الأصح و كان أكبر إشفاقنا أننا سنعود من هذا الطريق بعد الغذاء و قد احترقت فى بعض الطريق السيارة التى جاءت لتقودنا فوقفنا قليلا نتنفس و نسخط على هذه الرحلة و نعرب عن زهدنا فى أكلة تكلفنا هذه المشقة و نلوم الأمير مصطفى و نستعيذ بالله من هول الإياب.

و أخيرا وصلنا إلى البقعة التى تخيرها الأمير فإذا هو على حق و إذا هى صعيد فسيح فيه منبع ماء تحيط به و تظلله أشجار عظيمة التفت أفنانها و التبس بعضها ببعض، و ورف ظلها و كأنما نسقتها و صفتها يد الإنسان و قد مدت الرقعة البديعة و لكن الأمير حدثنا أن إحدى سيارات النقل التى حملت الطعام من اللاذقية انقلبت و تبعثر

136

ما فيها و اختلط بتراب الأرض، قلت (يا أمير و بعد هذا التعب الذى تجشمناه!) قال:" لا تخف فقد بقى ما يكفى" و قد صدق، فقد كان الباقى من الخراف و غير ذلك فوق الكفاية و سألته: (و من أى طريق أقبلتم؟) قال (من طريق البحر) فقلت (و لماذا لم تجيئوا بنا من حيث جئتم؟) قال) لتروا الأحراش الطبيعية) قلت (يا أخى! و الله لقد كدنا لا نرى شيئا و لقد كنا كالأطفال الخائفين نغطى وجوهنا و أعيننا و ننظر أحيانا من بين أصابعنا هات الأكل و السلام).

و جاءونا براقصين من البدو يدق أحدهم طبلته دقا عنيفا و يرقص الآخر رقصة الدبكة المشهورة فى لبنان ثم انضم إليه آخرون فصاروا حلقة كبيرة و أسر إلىّ أحد أعوان الأمير أنه كان ينبغى أن يجيئنا براقصات و لكنهم لا يجدوا و لا واحدة.

و قبل أن يبدأ الرقص كان أحد الرجلين يصيح بكلام لا أتبينه ثم يذكر اسما يهمس بعضهم فى أذنه فذكر أسماء طه حسين و أحمد أمين و عزام الشايب و العبادى (و سماه العبدى) و المازنى (و نطقه المزنى) ثم أبى العلاء المعرى فقال (أبو على أية؟) فأسروا إليه أنه المعرى فلم أسمع كيف نطقه بين أصوات الضحك.

ثم خرجنا على طريق بديع فسيح إلى اللاذقية فبلغناها قرب المغرب و ذهبوا بنا إلى فندق كبير علمنا أن الحكومة هى التى بنته و دعانى الأمير إلى بيته لأستريح حتى يحين موعد الحفلة العلائية، فقلت إنى أريد أن أطمئن أولا و أعرف غرفتى بين هذه الغرف، فإنى أخشى أن لا أكون فى إحداها وحدى، فطمأننى و حملنى معه، فلما عدت وجدت حقيبتى حيث تركتها، و لا غرفة أوى إليها فجعلت أصيح بكل ما أراه و لم أكف عن الصياح و إظهار الغضب حتى دلونى على غرفة رضيت بها.

137

حديث عن النفس (12)

ذاكرتى ضعيفة و مع ذلك أعتمد عليها و أركن إليها، و ليس بعد ذلك فساد رأى، و قلة عقل و أحسب أن الذى يحملنى على هذا التعويل عليها إنى أعرفها تحفظ الصور و إن كانت تنسى ما عداها فكل ما أراه يبقى و كل ما اسمعه أو اقرأه يذهب و ما أكثر من ألقاهم فى الطريق و أكون قد رأيتهم من قبل فأتوهم أن لى بهم معرفة فألقى إليهم السلام على سبيل الاحتياط و أقرأ الكتاب و أرى نسخة منه فى مكتبة فأشتريها و قد صار عندى من بعض الكتب عدة نسخ، و بدا لى أن خير ما أصنع إذا خايلنى كتاب فى إحدى المكتبات أن أدون اسمه حتى أرجع إلى البيت فأنظر لعله عندى فأنسى الرقعة و ما سطرت فيها، و يتفق بعد أيام أو أسابيع أو شهور أن تقع عينى على هذه الرقعة فأتعجب، و أتساءل لماذا كتب اسم هذه الكتاب؟ لأراجعه أو لأشتريه؟ و أفعل ما يغلب على الظن.

138

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

139

ظاهرة النسيان‏

و قد سرنى أن وجدت فى دمشق ندا لى فى هذا الباب و هو الدكتور" الجابرى" 33 مدير الرقابة هناك و كنا عند الدكتور أسعد طلس فذهبنا نتبارى، و هو يقول: إنه أسرع منى نسيانا و أنا أزعم إنى السباق فى هذا المضمار فراح يروى قصصا عجيبة و لكنه كان يذكر تفاصيلها بدقة فلاحظت ذلك و أنكرت أن يكون هذا حال من تخونه الذاكرة فطالبنى بأمثلة لما يقع لى فقلت: و كيف يسمنى هذا و أنا أمسى عاشقا و أصبح ساليا؟ و أرتدى ثيابى لأخرج حتى إذا هبطت بضع درجات من السلم وقفت أتساءل: إلى أين؟ و فيم الخروج؟ و يعجبنى ألّا أهتدى فأعود أدراجى و أقعد و تحدثنى زوجتى فى أمر ثم أنصرف، فإذا عدت لقيتنى بالسؤال عما صنعت فأستغرب و أسألها" صنعت ماذا؟ فتقول محتجة" ألم نتفق على كيت و كات؟ فأقول" و الله نسيت" و كانت فى بداية الأمر تظن إنى أدعى النسيان ثم اقتنعت على الأيام و كفت عن الاعتماد على أو

140

تكليفى شيئا أو عقد أطراف المناديل أو دس رقع فى جيبى فما وجدت لشى‏ء من هذه جدوى و أسلمت أمرها لله و لسوء حظها معى.

و قد اعترف شهود تلك الجلسة- كما اعترف الدكتور الجابرى- بأنى أنا محرز قصب السبق و لا جدال و كان هذا فوزا لى و لكنه فوز مقلوب أو كما يقول ابن الرومى (يرفعه الله إلى أسفل" على أن للنسيان مزايا فإنى أنسى المساءات و الأحقاد و الهجوم و المتاعب و أنام مل‏ء جفونى و كفى بهذا ربحا.

أسلفت كل هذا لأقول: إن الأمير مصطفى الشهابى دعانا فى اللاذقية إلى العشاء فى داره، أو فى حديقتها على الأصح و لما كدنا نفرغ من الطعام أقبلت فرق الكشافة بالمشاعل و ازدحم فى الباب منها جماعة ثم تقدم غلام صغير فغنى و طرب و رجع بصوت لم اسمع أحلى منه و كان واقفا أمام شجرة وراءها من لا أرى هو يشيع فى يراع معه، و تكرر هذا و كان صاحب اليراع يضرب معازف شتى أيضا، و سمعنا غير ذلك أناشيد شتى، أعجبت بالعزف و حذقه فاقترحت على الأستاذ" عزمى النشاشيبى" 34 مدير محطة الإذاعة بالقدس- و كان قريبا منى- أن يدعوه إلى الإذاعة، فقبل فقمت إلى حديث كان هؤلاء الفتيان واقفين و قلت لنفسى إنه يحسن أن أقيد أسماءهم لأذكرهم بما هم أهله بعد أوبتى إلى مصر ففعلت و أوصيت العازف أن يقابل الأستاذ" عزمى النشاشيبى" بذلك و قد كان موافقا معه عزمى على السفر إلى فلسطين للإذاعة و قد علمت أن هذا العازف أستاذ الموسيقى فى مدرسة خيرية هناك و كنت أود أن يتفق عزمى مع الغلام المغنى أيضا و لكنه قال: إن هذا عسير لأنه قاصر فتأسفت.

141

و قد أعيانى أن أجد الرقعة التى دونت فيها أسماء هؤلاء فجعلت أرجى ذكرهم و القول فيهم، لعلى أهتدى إلى مكان الرقعة حتى يئست و كففت و قد كانوا ينتظرون كلمتى فيهم، فقد وعدتهم أن أبعث إليهم بما أكتب فالآن سيخيب ظنهم و يتهموننى بإخلاف ظنهم و يتهموننى بإخلاف الوعد و لست أرى لى حيلة فإن آفتى هذا النسيان و إنى لأخشى أن أنسى أسمى يوما ما، و مما قوى هذا الوهم أو الخوف أنى قرأت قصة منذ سنوات كل ما أذكره منها أن بطلها أصيب بصدمة فلما برى‏ء كان قد نسى نفسه و لم يعد يدرى من هو و مسح اللوح كله فلم يبق فيه سطر واحد من الماضى فلما قابل خطيبته بعد ذلك لم يعرفها و قد عشقها مرة أخرى و خطبها من جديد و لكنها هى كانت ضنينة بحبها القديم فظلت تطاوله و تحاول أن تنشر ما انطوى و تبعث ما مات حتى عادت إليه ذاكرته و لا أدرى كيف ......؟.

و إنما بقيت هذه الخلاصة و لم تغب كما تغيب غيرها مما اقرأ لأنها أعجبتنى و خوفتنى و زادت أعصابى تلفا على تلف فأنا لهذا أحرص على وضع بطاقة باسمى و عنوانى فى جيبى و إنى لأعلم أن هذه سخافة فلن يبلغ النسيان بى هذا المبلغ فيما أرجو على الأقل و إذا كتب على أن يصيبنى ما أصاب بطل تلك القصة فما أظن أن البطاقة تجدينى و الأخلق بى أن أتساءل: اسم من هذا؟ و لماذا احتفظ ببطاقته؟ أترانى أعرفه؟.

و لست أبالى هذا النسيان فإنه يريحنى و إن كان يتعب غيرى و يشق على أهلى خاصة، ثم إنه لا ضير من نسيان ما اقرأ، لأن الفائدة من القراءة تحصل سواء أنسيت ما قرأت أم ذكرته و شبيه‏

142

بذلك أن تأكل ثم تنسى أى طعام أكلته فلا يمنع ذلك أن الفائدة من الطعام قد حصلت و لكن النسيان يتعب إذا وجبت المراجعة، و ليس البلاء إنى أنسى و إنما هو إنى لا أضع علامة على كتاب اقرؤوه و لا أدون شيئا فى مذكرة فإذا أردت الرجوع إلى شى‏ء مما قرأت حرت أين أطلبه و قد حاول بعض إخوانى المشفقين أن يعودنى النظام و تدوين المذكرات فقلت أفعل كما أشاروا و شرعت فى ذلك و لكنى مللت بسرعة و رأيت فى هذا تعطيلا لى و تضييعا للوقت و الحقيقة إنى اعتدت هذه الفوضى طول عمرى فمن العسير بعد هذا الزمن المديد أن يجى‏ء أحد فيحاول تعويدى خلاف ذلك و الجرى على العادة أسهل و أنا سريع الملل و كلما ثقل على أمر قلت لنفسى: و مما هذا العناء؟ كل شى‏ء باطل و قبض الريح فليكن كما يكون.

143

مدينة حلب (13)

" حلب مدينة الموسيقى، و قد قال لى بعضهم: إن فى كل بيت كمانا أو عودا أو غير ذلك من المعازف حتى بيوت النصارى و اليهود و الأرمن فأضحكنى هذا، و قلت له: ما كنت أعرف قبل اليوم أن كون المرء نصرانيا أو يهوديا أو أرمانيا يمنع أن يكون موسيقيا.

و كانت شهرة حلب أنها تحافظ على القديم و تحرص عليه و تأبى أن تخرج بفنها إلى الذى يسمونه تجديدا و لست أهل هذا الفن و لا دراية لى به و إن كنت فى صدر حياتى قد أضعت عاما و نصف عام و أنا أحاول أن أتعلم العزف على الكمان، و كان أستاذى هو" الخواجة تلماك" 35 و كان دكانه على مقربة من سراى البارودى التى كانت فيها (الجريدة) و ليس ذنبى إنى أخفقت أو انقطعت عن الطلب، فقد كنت قليل الصبر و شق على أن لا أبلغ مبلغ" سامى الشوا" فى أسبوع‏

144

و كنت استحى أن يسمع أحد ما كنت أخرجه من الأصوات المنكرة التى تشبه الحشرجة فكنت أضع على (الفرس) ما يكتم أنفاس الأوتار و يحيلها خافتة- أخفقت و السلام و لا داعى لنشر هذه الذكرى المطوية التى لا يعلم من أمرها شيئا سوى القدامى من إخوان ذلك الزمان و كان الذى أغرانى بالموسيقى إنى شكوت إلى طبيب حاذق ما أتوهمه من اصطلاح العلل و الأمراض على فأراد أن يصرفنى قليلا عن القراءة و يشغلنى عن هذه الأوهام فأشار على أن أدرس الموسيقى.

- عودة لحكاية عن فخرى البارودى:

و لم أسمع فى حلب شيئا من الموسيقى على شدة حب أهلها لها و كثرة المعازف فيها، و لكنى التقيت بحلبى عند الصديق فخرى البارودى، بعد ارتدادى عن فلسطين و هو ضخم جدا و عرضه كطوله (تقريبا) و ثيابه أكسية عجيبة من نسج القفاطين، اتخذ منها سراويل و دراعة و فوق هاتيك معطف من صوف يصل إلى القدمين، و على رأسه عمامة أو ما يشبهها و لم اشك حين رأيته فى أنه أهل العلم بالموسيقى و التبحر فيها فما يختلف إلى فخرى إلا الراسخون فى هذا العلم، و تربع فخرى على عرشه و نقر نقرتين ثم أمر بتوشيح قديم لا أعرفه و لم اسمع به، ففض الرجل معطفه و بدا فى ثيابه المخططة الزاهية و أنشأ يغنى بصوت لا حلو و لا مطرب و لكن الإيقاع فيه جيد، و كان يضرب بجمع إحدى يديه فى كف الأخرى ليضبط التوقيت أو (الوحدة) كما يسمونها ثم حمس و أخذته فانتفض واقفا و جعل يرقص رقصا توقيعيا على نغمات الصوت الذى يغنيه فكدنا من فرط الطرب ننهض مثله و نفعل كما يفعل.

145

و هذا" توشيح" أو موشح عتيق جدا على ما قالوا لى. و قل من يحفظه و لكنه هزنى فتمشى مفاصلى مثل نشوة الخمر، و قلما يحدث لى ذلك فإنى رزين و لا فخر و ما أكثر ما اسمع من الغناء الذى يقولون: إن فيه تجديدا فلا أطرب و لا تتحرك- كما يقول العامة- شعرة واحدة فى رأسى و أنا أحب الموسيقى الغربية و أفهم بعضها و أطرب له، و لكن هذا التلفيق يزعمونه تجديدا يسلب موسيقانا لونها و طعمها و صبغتها و يفقدها خير ما كان لها من مزية- أى موافقة طباعنا و فطرتنا.

و أذكر أنّا سهرنا ليلة عند" سليمى باشا" 36 فى بغداد فاستمعنا غناء مصريا حديثا فقلت لها (ياستى، هذا شى‏ء شبعنا، فهاتى غناء عراقيا أصيلا. و الأفضل أن يكون بدويا) فاستمعنا أصواتا قوية لم تستطع معها أن نحتفظ بوقارنا و استحال علينا الجلوس أو السكون.

و لست لى كما أسلفت دراية بالموسيقى و إنما الذى أدريه أن نفسى تستجيب للضرب القديم و لا تستجيب لهذا الضرب الذى يقولون إنه جديد.

- أغانى العمال و جمالها:

و قد يكون غيرى مثلى أو لا يكون و لكنى أنا كنت هكذا طول عمرى و كنت و أنا طالب فى مدرسة المعلمين، أسكن بيتا فى حارة" أزبك" بحى" الصليبية" و كان رهط من العمال يمرون به فى بكرة الصباح المطلولة أو المقرورة و لا سيما فى الشتاء، و معهم غلام يغنى بأحلى صوت سمعته فى حياتى- أو هذا ما يخيل إلى- و الكبار خلفه يرددون كلمة أو كلمتين فى نهاية كل مقطع فكنت أرمى‏

146

اللحاف و أثب من السرير أو عنه و أفتح مصراعى النافذة و لا أبالى أن أتعرض للبرد بعد الدف‏ء و أطل لأسمع حتى يغيب الصوت، و صارت هذه عادة حتى كنت أستيقظ وحدى قبل أن يقبل العمال و لا أكاد أفتح النافذة حتى يبدأ ذلك الصوت الحلو يهفو إلىّ من بعيد.

- قلعة حلب:

و لابد من كلمة عن" قلعة حلب" لا علاقة لها بالموسيقى بل لأنها كانت أشفى لنفسى من كل دواء و أجدى على من ألف طبيب، ذلك أن أعصابى فى منتهى التلف فأنا لا أزال أتوهم أن قلبى ضعيف لا يتحمل أيسر جهد و قد أتعبت الأطباء و أعياهم أن يقنعونى أنى سليم القلب، إن لم يكن قلب مصارع و إنه فوق الكفاية لجسمى الضئيل فلما كنت فى" حلب" دعونى إلى زيارة القلعة. فذهبت معهم، و أردت الاكتفاء بالنظر إليها من الطريق فإنها شى‏ء عظيم شامخ جدا. و قد بنيت فوق تل أو ربوة، و حولها خندق واسع، فألحوا أن أصعد فلم أشأ أن أقول لهم إنى أخشى أن أجهد هذا القلب المظلوم. و زعمت أن ركبتى ستخذلاننى و لا شك. فأبوا إلا مصاحبتهم، و هونوا فخجلت، و مضيت معهم و ذهبنا نصعد و نصعد حتى خلت أننا قد بلغنا السماء و ما ظنك بأكثر من مائتى درجة؟ زد على ذلك ظلمة هذه المنقبة و ضيقها و عدم استواء الدرجات الملساء التى يسهل جدا أن تزل عنها القدم. و لك شى‏ء آخر حتى الصعود فى هذه القلعة فتشهدت، و رحت أتفرج مع القوم ثم انحدرنا و مضينا إلى أثر آخر ثم زرنا السوق المشهورة، و خرجنا منها إلى دار

147

المحافظ، فأقبل علىّ يكلمنى و يحدثنى عن حلب، و أخيرا تذكرت أنى نسيت هذا القلب طول الوقت، و أنى لم أشعر من جانبه بشى‏ء، لا خفقان و لا سرعة، و لا اضطراب و لا شى‏ء على الإطلاق كأنما كنت نائما و لم أكابد كل هذه المئات من الدرجات فكدت أرقص.

و سمعنى بعض إخوانى أقول بلا مناسبة (بارك الله فى قلعة حلب) فسألونى عن السبب فغمزت بعينى و لم أجب و تركتهم يظنون ما شاءوا. و ماذا أبالى و قد اطمأنت نفسى و سكن روعى؟ نعم بارك الله فى قلعة حلب.

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

تواضع الساسة السوريين (14)

كانت مأدبة العشاء التى أقامها فخامة السيد شكرى القوتلى، رئيس الجمهورية فى ختام ليالى المهرجان، مظهرا لروح سورية الحقيق، و هو جمهورى صميم، و إن كانت سورية قد عرفت- و عانت- الملك العضود- فى تاريخها الطويل الحافل و قد حملنا إلى قصر الرياضة فى سيارات لا ندرى من أين جئ بها و لا من هو الذى كان يتولى أمر إعدادها، و لقد فاتنى أن أكون فى السيارة التى أقلتنى إلى القصر و عادت بى منه. زملائى فى الرحلة الطويلة إلى شمال سورية- ساطع الحصرى بك، الشيخ المغربى و الأستاذ عز الدين التنوخى و كنت ضنينا بهم، حريصا على صحبتهم، معتزا برفقتهم- و لكن الرضا كان جزيلا، فرافقت فى الذهاب و الإياب الأستاذ إسعاف النشاشيبى و الأستاذ أحمد الشايب.

150

و القصر الجمهورى دار صغيرة فيها من السلطة أكثر مما فيها من الأبهة و على أبوابها و فى مداخلها حرس و شرط. و لكنك تحس و أنت داخل أن هؤلاء إنما يقفون لتحيتك و الترحيب بك لا لحراسة أحد، فكأنهم بعض ما تزان به المآدب الحفلات مبالغة فى التخفى و من يحرسون؟! و ممن يتحرزون! إن رئيس الجمهورية من الشعب و الشعب منه، و ما كان راغبا فى هذا المنصب و لا طالبا أو ساعيا، و إنما كانت رغبته و سعيه أن يكون الرئيس الأسبق" هاشم بك الأتاسى" 37 على رأس الجمهورية، و لكن هاشم بك أبى كل الإباء على أن هذا الأمر ليس له سوى شكرى بك، و لو بقى الأمر لاختيار شكرى بك لما تولى شيئا لا من الرياسة و لا من الوزارة.

و الواقع أن مناصب الحكم لا تعد شيئا فى سورية، فليس عليها تنافس. و لا فى سبيلها أو من أجلها تثور الخصومة و تضطرم العداوة و تنشق الصفوف و تفترق الكلمة. و قد زرنا" حمص" فى أوبنا من رحلة الشمال، و قصدنا إلى دار السيد" هاشم الأتاسى" الرئيس الأسبق لتحيته، ثم تغذينا فى بستان البلدية فعرفت أتاسيا آخر هو آخو الأول، تقلد منصب الوزارة مرة من قبل، و لو شاء لتقلد رياستها الآن، فإن منزلته و أسرته و ثقافته و همته تؤهله لما يحب، و لكنه يشيح عن ذلك كله إشاحة المستخف و يؤثر أن يكون رئيس بلدية حمص.

و على هذا فقس،

و استقبلنا فخامة الرئيس فى القاعة الكبرى- و إنما توصف بالكبرى للقياس إلى غيرها- كان ينتقل بين هذا الرهط العظيم المحشود و يقف مع كل فريق لحظات يتحدث و يلاطف و يجامل ثم قيل اهبطوا فهبطنا إلى الحديقة- و هى واسعة- حيث صفت‏

151

الموائد فقعدنا حيث طاب لنا أن نقعد، لكن الرئيس أبى إلا أن يحف به المصريون فأدنانا منه و جعلنا على جانبيه و أمامه، فى غير كلفة، و اختص الأستاذ إسعاف بك النشاشيبى بتكريمه فألح عليه أن يكون أمامه، و يجعل يقول إن إسعاف بك أستاذه، و أنه قضى فى" القدس" عام كذا نحو عامين فكان يزور الأستاذ إسعاف كل ليله فى داره فيستفيد منه أدبا و علما.

تواضع العلماء:

و خيل إلى، و أنا أراعى الأستاذ إسعاف، أنه يقول فى سره" يا أرض ابلعينى" من فرط الحياء، فقد اضطرم وجهه فصار كالطماطم الناضج، و راح رأسه يهتز يمنة و يسرة، فضحكت فى سرى- أنا أيضا- إذا تذكرت واحدا من أصدقائنا القدماء، (عليه السلام)، كان لا ينفك كلما تعجب أو أنكر شيئا يهز رأسه على النحو، و كان المرحوم" السباعى" 38 يشبه رأسه فى اهتزازه هذه برأس الأرنب المصنوع من" الجبس".

و أكبرت لفخامة السيد شكرى هذا التواضع، و ذلك الإقرار العلنى بفضل لا يلزمه شكره، و أكبرت من إسعاف بك تطامنه و استحياءه، على فضله و غزارة علمه فما فيمن لا يستحى خير.

و لكن الأستاذ إسعاف ذرب اللسان حاضر البديهة، سريع الخاطر يتكلم فكأنه يقرأ فى كتاب فما لبث أن تغلب على حيائه فانطلق يسح سحا بوصف فضائل الرئيس و مزاياه و الرئيس يستوقفه و يستغفر الله، لكن من ذا يصد السيل المنهمر؟ و انقلب الوضع، و انعكست الآية و صار الرئيس هو المطرق حياء، و هو الذى‏

152

يحاول أن يبدو للناظرين كأنه- غيره هو- المعنى بهذا المديح، فيعبث بالشوكة تارة، و فرك لباب الخبز طورا و يلتفت وراءه حينا، و يتناول سيجارة ليشعلها ثم يردها.

و ما كدنا نفرغ من الطعام و نتهيأ للقيام- فقد كان المقرر أن نعفى من الخطبة حتى رأينا شيخا يغادر مكانه و يقبل فيقف قبل الرئيس كأنه ينتظر الإذن، فينظر إليه الرئيس مليا ثم يأبى له الأدب أن يرده، فيقول" تفضل".

و قد استغربت ما سمعت، فما كان هذا مقامه، و رأيت الرئيس يلتفت إلى الأستاذ أحمد أمين بك و سمعته يقول" ما رأيك" فلم يجب الأستاذ و لكنه نهض بعد فرغ صاحبنا، فيقول كلاما حسنا يعد ردا على ما سمعنا و تعجبنا له، فأنقذ الموقف.

و صار الواجب بعد ذلك أن يقول أحدنا كلمة شكر، فقالها الدكتور طه، جزاه الله خيرا، و أحسن كل الإحسان، و اثنى أطيب الثناء على وزير المعارف نصوح بك البخارى‏ 39 الذى لم يفارقنا لحظة واحدة فى أسبوع المهرجان، و أن لا يفتر فى رعايته لنا، و لا يقتصر فى تعهدنا و برنا.

و قد جاءنى معاليه بعد أن نهضنا عن الموائد و تفرقنا فى الحديقة و شكا إلى أن الدكتور طه بالغ و أسرف، فقلت له يا سيدى:

إن الدكتور طه إنما عبر عما نطوى جميعا لك من الحب و الإجلال و الشكران، و لو لم يشكرك طه، لشكرتك أنا و لكنت أشد منه إسرافا، و ما أراه قصر فى حقك، فقال أنت شر منه، و مضى، و هو أشد عما يكون استحياء.

153

و كان الأستاذ" نجيب الريس" 40- الأديب الشاعر و صاحب جريدة القبس- و قد كتب مقالا عنيفا ينتقد فيه محافظ دمشق و اتفق أن جلس المحافظ فى مأدبة الريس و بجانبه الأستاذ" نصوح هابيل" 41 نقيب الصحفيين و صاحب جريدة" الأيام" فشكا إليه المحافظ ما قال فيه نجيب، فما كان من نصوح إلا أنه قال إنه يوافق زميله على كل حرف خطه، فسرنى هذا التضامن بين الزملاء، تمنيت أن يكون هذا حالنا فى" مصر" و سمعت أعجب حوار و أمتعه و نحن نعود إلى الفندق، و كان السائق ينهب الأرض و الأستاذ إسعاف يكره السرعة فاستمهل السائق، فقال هذا (أولسنا على الأرض؟

فماذا تخاف؟) فقال الأستاذ إسعاف و لكن الله يأمرنا أن لا نلقى بأنفسنا فى التهلكة، فرد عليه السائق بأن" المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" فصاح به الأستاذ (ويحك أقول لك القرآن ينهى عن هذا فتحتج على بعبد الوهاب).

فأصر السائق على الاحتجاج بمواويل" عبد الوهاب‏ 42. و لج الأستاذ فى الاحتجاج عليه بالقرآن و الحديث، ثم رأى السائق يزيد على السرعة أنه يلتفت يمنة و يسرة. فخاف العاقبة، و لكنه أثر المزح فارتجل حكمة تقول- أو يقول هو فيها- إذا ركبتم الخيل فلا تلفتوا ذات اليمن و ذات الشمال. فكان جواب السائق أن العرب لم يعرفوا السيارة، و ظللنا نستمع إلى هذا الحوار اللذيذ حتى بلغنا الفندق بسلام، فكان الختام مسكا.

154

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}