رحلة إلى الحجاز

- تشارلز ديدية المزيد...
399 /
55

و لما كانت حميرنا قد سبقت الجمال بقدر/ 18/ ما سبقتها في اليوم السابق فقد كان علينا أن نتوقف عند الظهيرة لانتظار القافلة، و تناولنا غداءنا على الرمل كما فعلنا في اليوم السابق. و بينما كنا نزيل قشور البيض المسلوق و البرتقال أدركنا مسافر يمشي على قدميه، و يسير وراءه مرافق يسوق أمامه حمارا تعتليقه امرأة: كان المسافر هنديا، و كانت المرأة زوجته، و كان عائدا من مكة المكرمة بعد الحج، و قد أراد مع زوجته و مرافقه أن يمروا بالقاهرة قبل العودة إلى بلادهم؛ بأية طريقة؟ اللّه أعلم! و عندما شاهد الهندي السيد بيرتون عرفه من النظرة الأولى لأنه سبق أن رآه في جبل عرفات قبل بضعة أشهر، و هو يؤدي بورع شأنه شأن الهندي مناسك الحج الأخير؛ و قد حيّاه مناديا إياه باسم الشيخ عبد اللّه؛ و هو الاسم الذي يحمله بيرتون في الشرق. لقد عرف كل منهما الآخر، و أخذ الحاجان يتجاذبان أطراف الحديث باللغة الهندية العالية، و هي لغة كان بيرتون يتقنها كل الإتقان شأنه مع اللغة العربية، و ربما كان يتحدثها أفضل من الهندي نفسه باعتبار أنه ألف كتابا في قواعد واحدة من أكثر اللغات الهندية صعوبة و هي الهندوستانية. لقد كانت مرافقة اثنين من غير المسلمين مثلنا محرجة لبيرتون؛ و لكنها على أي حال لم تزعزع الثقة التي كان الهندي العجوز يضعها في عقيدة مواطنه المزعوم الذي استطاع أن يخرج منتصرا من هذا الموقف الحرج./ 19/ كانت تبدو في الأفق غزالة مسرعة، سرعان ما اختفت في عمق الصحراء. و كانت أولى الغزلان التي رأيتها طليقة في الطبيعة، ثم رأيت بعد ذلك مئات منها في السودان و في النوبة.

56

و عندما حل المساء اكتسى جبل المقطم لونا بنفسجيا لا يضاهى في جماله، كان صفاء الجو يسمح برؤية أصغر الأشياء بوضوح من مسافة بعيدة كل البعد.

و لكن فجأة لم نعد نرى شيئا، لأن الشمس غربت، و فترة الغروب قصيرة في هذه المناطق حتى إنه بمجرد غياب الشمس يهبط الليل دفعة واحدة و دون تدرج.

نصبنا خيامنا قرب المحطة رقم (13)، على أرض حجرية تنتشر عليها نباتات الداتورة (1)Daturas . لقد كتب بعض الرحالة أن شجرة الحجاج هي الشجرة الوحيدة التي نراها على طريق القاهرة- السويس؛ و ليس ذلك بصحيح، فقد كان هناك حول خيامنا ما يقرب من عشر أشجار ميموزا (السنط). و توقف قرب مضاربنا لقضاء الليل أحد الألمان، و كان يعبر الصحراء مع جمل واحد و جمّال واحد. و كنا ننوي استقباله استقبالا لائقا بدعوته إلى مشاركتنا طعام العشاء؛ و لكن طبعه الكئيب، و صمته، بدد رغبتنا في استضافته؛ لقد انزوى، و تركناه كذلك، و كأنه دب في غابته التي ولد فيها. أما جمّاله، و كان لين العريكة أكثر من الألماني، فإنه سرعان ما استأنس بجمّالتنا، و على الرغم من أنهم كانوا قد ساروا/ 20/ على أقدامهم عشر ساعات، فإنهم ظلوا يتسامرون جميعا حتى وقت متأخر من الليل.

انطلقنا في اليوم الرابع، في وقت أكثر تأخرا من اليومين السابقين؛ لأننا لم نكن إلا على بعد ستة فراسخ من السويس. سرنا على الطريق ما يقارب مئة خطوة، ثم تركناها متجهين يسارا نحو بئر عجرود، المحاطة بالأسوار، و تقع في قلب قصر مهدم، و استبدل بالحامية التي كانت تقيم فيها عائلة بدوية أوكل إليها أمر حماية البئر، و كانت‏

____________

(1) نبات ذو خصائص تخديرية. انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 130.

57

تأخذ رسوما من كل من يأتي للتزود بالماء. شربت حميرنا هنا لأول مرة، و لعلنا نتخيل بأي شراهة فعلت ذلك، بعد أن ظلت تسعا و ستين ساعة محرومة من الماء؛ قطعت خلالها مسافة ثمانية و عشرين فرسخا. لقد كان للموقع، على الرغم من جفافه، مظهر مدهش؛ فهذه البئر التي تردها الجمال، و ذلك القصر المتداعي، و البدو الذين يسكنونه، كل ذلك يوحي إلى الفنان بفكرة لوحة أصيلة.

كان هناك على بعد عدة فراسخ بئر أخرى، تسمى بئر السويس، بسبب قربها من المدينة التي منحتها اسمها، و لكن ماءها أجاج و لا يصلح إلا للمواشي؛ و هي محاطة بالأسوار أيضا، و كانت في تلك الأثناء قافلة تحمل الرقيق قد توقفت عندها. كان العبيد السود عراة تماما، و يجلسون على الرمل و قد اختلطوا بالجمال، و هم يتناولون طعام الغداء المتواضع المكوّن من قبضة من التمر و قطعة/ 21/ من الخبز العربي المدور و المرقوق كأنه الصحن، و الطري كالإسفنج، عجينته لم تختمر، و لم ينضج كما ينبغي له، و قد وجدت له في كل مكان أكلته فيه طعما غير مستحب هو طعم النحاس. لم يكن يبدو أن أولئك الأحداث الذين أخذوا من أسرهم صغارا يشعرون بما هم فيه من أسى، بل كانوا تحت مراقبة الجلاب و سوطه يترنمون فرحين بصوت خافت و كأنهم جماعة نحل. إن الرق في الشرق أقل صعوبة مما هو عليه في الغرب، و ستسنح لي الفرصة بلا شك كي أعود إلى الحديث عن تطور تجارة الرقيق و وضع العبيد عند المسلمين‏ (1).

____________

(1) سيتحدث ديدييه عن رفيق رحلته هذا ببعض التفصيل في ص 137- 142 من أصل الرحلة الفرنسي الذي وضعنا أرقامه في النص العربي بين// و سنذكر بعض المصادر الأخرى في المكان المشار إليه.

58

لقد تغير مدى الرؤية، و بدأنا نلمح البحر الأحمر الذي تعجز الأوصاف عن نعت لونه الأزرق الصافي. و كانت جبال الجزيرة العربية تنتصب في الجنوب الشرقي، و يعلو كل ذلك القمم الجرانيتية لسلسلة جبال سيناء الممتدة على شكل مدرج حتى أبعد نقطة في الأفق. كان منظرها رائعا، و كانت الذكريات الجليلة التي تستدعيها تلك الجبال تطبعها بطابع هو أكثر مهابة و جلالا. وصلنا في ظهيرة اليوم الرابع من الرحلة إلى أبواب السويس، و قبل أن نتجاوز باب المدينة، و ندلف إلى الأماكن المأهولة وجدتني مدفوعا إلى الاعتراف بأن الرحلة في كل مراحلها، و ساعاتها، لم تحدث في نفسي أيا من تلك المشاعر المثيرة/ 22/ و الاحتفالية التي شعرت بها بعد ذلك في صحراء النوبة الكبرى و في صحراء السودان التي كانت تغريني بجدتها المثيرة على الدوام، و لكنها لم تشعرني بالبرود و عدم الاهتمام.

إن لخيبة الأمل هذه أسبابا عدة: أولها أن جبل المقطم يقطع صحراء السويس طوليا، فيحجب أفق الرؤية من هذا الجانب، و لا يتنوع إلا من الجانب الآخر تنوعا محدودا بسبب الهضاب التي تنتشر فيه.

إن مثل هذه المناظر، ليست مصدر لذة تأملية، و لا مصدر شعور باللامنتهي، الذي يمكن لمنظر الرمال الممتدة بلا حدود، كما هي الحال مع البحر بلا شاطئ أن يبث الروح فيها وحده. و إذا كان المكان ضيقا، فإن الشعور بالوحدة هو الآخر كان غائبا، و قد قلت في البداية: إن بعض المخترعات التي أصبحت قديمة بالنسبة إلينا، و إن بعض وسائل الترفيه الشائعة في الحياة الغربية التي لا نأتي إلى هنا بحثا عنها، كل‏

59

ذلك، غزا هذه الصحراء و أفسدها، و غيّر حياتها البدائية: نشم رائحة الإنسان فيها و نراه كثيرا، ليس إنسان الخيمة و الحرية، و لكن إنسان الوكالات الأجنبية و المصانع.

و ليس في ذلك أي جوانب مغرية، و ليس بالمستغرب أن تفسد عليّ تلك الصورة غير المناسبة أولى خطواتي في هذه الطبيعة الموحشة. أرجع مع ذلك إلى الحديث عن السويس./ 23/

60

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

61

الفصل الثاني السويس‏

إن موقع السويس الهام، في قلب خليج على البحر الأحمر، جعل منها منذ أمد بعيد مركزا تجاريا مهما. و كان بطليموس فيلادلف‏ (1)Ptolme Philadelphe الذي شق بين النيل و البحر الأحمر قناة ما زلنا حتى اليوم نجد بعض آثارها مدفونة تحت الرمال؛ و هو ابن وريث الإسكندر الأكبر، قد أطلق على هذه المدينة اسم أخته أرزينوي‏ (2)Arsino التي كان مشغوفا بها، و تزوجها حسب تقاليد سلالة البطالمة (3)Des Lagides . أما اسمها الحديث" السويس" فإن بعض علماء الاشتقاق الجريئين‏

____________

(1) بطليموس الثاني‏Ptolme II (304- 246 ق. م): ملك مصر الملقب فيلادولفوس، لقب بذلك لأنه تزوج أخته أرزينوي (285- 246 ق. م): بنى منارة الإسكندرية، و جعل منها مركزا للثقافة الهيلينية، و قيل: إنه في عهده ترجم العهد القديم العبري إلى اليونانية. انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 706.

(2)Arsino II أرزينوي الثانية، أميرة مصرية ابنة بطليموس سوتير (المنقذ) المسمى لاغوس‏Lagos ، و أخت بطليموس الثاني فيلادولفوس، ولدت حوالي عام 316 ق. م.، و تزوجت أخاها بطليموس الثاني بعد أن تزوجت مرتين قبل ذلك، و لما تزوجها حسب التقاليد الفرعونية أطلق اسمها على عدد من المدن.

(3) اسم السلالة التي أرسى دعائمها في حكم مصر أحد أفضل مساعدي الإسكندر الأكبر بطليموس سوتير الذي كان يعرف بالأول، و حكم مصر من (323- 285 ق. م.)، و استمر البطالمة في الحكم حتى سنة (30 ق. م.)، و قد استطاع بطليموس الأول أن يقيم حكمه الغريب حسب العادات و التقاليد المصرية القديمة. و آخر من حكم من هذه السلالة هي كليوباترة التي سقطت مصر في عهدها بأيدي الرومان.

62

يرون فيه تحريفا لكلمة:Oasis التي تعني بالعربيّة: الواحة. فإن كان الأمر كذلك، فإن هناك تباعدا بين الاسم و المسمّى: لأن السويس بعيدة عن أن تكون واحة؛ إذ ليس فيها شجرة واحدة، و لا خيط ماء رفيع، و ليس هناك ما هو أكثر قحطا منها، و لا ما هو أكثر كآبة منها. إنها أرض ضيقة محصورة بين البحر و الصحراء؛ و هما محيطان يغزوان الأرض و يحطمانها، و هي تكافح بصعوبة ضد هذين العدوين المخيفين. فالبحر يشق و يقضم بلا كلل و لا ملل، الرأس الترابيّ الذي تقع عليه، أما الرمل فيزحف إليها في كل يوم، و لم تعد تتسع/ 24/ إلا بصعوبة للأربعة أو الخمسة آلاف نسمة الذين لم يغادروها (1). إن من يقرأ عدد السلع التجارية التي تفخر السويس بأنها مركز تجمعها:

كالمعادن، و النسيج من أوروبا، و الحرير و التوابل من الهند، منتجات مصر و الجزيرة العربية، و الرز و الصوف، و العطور و الجواهر و البن اليمني- يتوقع أن يجد مدينة مزدهرة في إمبراطورية الخلفاء التي تحدثنا عن روعتها ألف ليلة و ليلة.

ليس هناك شي‏ء من ذلك. فكل تلك السلع الثمينة تعبرها ليس إلا، دون أن تتوقف إلا في محطات الصحراء، و إن تجارتها البائسة، تسيطر عليها جماعة من الوسطاء اليونانيين الذين لا يعملون لحسابهم. أما السويس نفسها فهي لا تبيع شيئا، لأنها لا تنتج أبسط الحاجات الضرورية الأولية، ماذا أقول؟ لا ينمو فيها أي نوع من‏

____________

(1) انظر حول الوصف الذي قدمه الرحالة لمدينة السويس و غيرها من مدن البحر الأحمر في كتاب: مصر في كتابات ...، موثق سابقا، ص 360- 363. و فصّل بيرتون في الحديث عن السويس في رحلته، موثق سابقا، ج 1، ص 135- 151.

63

الخضار، و ليس هناك قطعة واحدة من العشب الأخضر على أديمها، و لا يهديها البحر إلا بعض الأسماك القليلة و الصغيرة. يأتيها كل شي‏ء من القاهرة، و ليس فيها الماء الذي تشربه الحيوانات، و الذي ينبغي أن يذهب الناس إلى مكان يبعد أكثر من مرحلة للبحث عنه، أما الماء الذي يشربه البشر فهو أكثر بعدا أيضا؛ إذ يذهب الناس بحثا عنه إلى بركة موسى، الواقعة على الشاطئ الآخر لخليج السويس، و إن هذا الماء الذي لا يقل ثمنه عن قرشين للقربة غير صالح للشرب دائما: و إن الأشخاص الحريصين على ما يشربون، لا يشربون إلا ماء النيل الذي يستقدم على ظهور الإبل عبر الصحراء، و ذلك مبالغ فيه للحصول على كأس من الماء./ 25/ أما المدينة نفسها فلا تكاد تستحق الوصف، شوارعها و أزقتها ضيقة و ملتوية، و تعج بالغبار، و هي وسخة غالبا. أما البيوت فسيئة العمارة، لا يهتم أصحابها بترميمها، و أغلبها من الخشب أو من اللّبن، و فيها بعض المساجد البسيطة، و مناراتها أشد بساطة منها أيضا؛ فيها فنادق واسعة، و لكنها وسخة جدا، مخصصة للبضائع و التجار، و فيها سوق واحد يفتقر في ثلاثة أرباع السنة إلى الحاجات الضرورية جدا: تلك هي اليوم حال تلك المدينة، التي كانت في سالف الدهر مزدهرة بلا شك، و يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه من ازدهار بل أكثر، عندما يتم فتح القناة التي ستجعل منها واحدا من أهم الموانئ التجارية، بل السياسية في العالم كله. و إن لمينائها، مع ذلك، و على حالته الراهنة، مكانة متوسطة، تحيط به بيوت صالحة للسكن، و له رصيف على البحر

64

تجده بعض الأحيان يعج بالناس. إن هناك عددا كبيرا من المراكب المصنوعة محليا، و المخصصة لتمخر عباب البحر الأحمر، و لكن عدد المراكب التي تقضي الليل في المرفأ يدل على أن حركة الملاحة ليست بالنشاط المطلوب. و قد كان أحد تلك المراكب المشحونة بالرقيق يفرغ حمولته البشرية لحظة وصولنا. يقيم قليل من الأوروبيين في هذا المكان الكئيب، و مع ذلك عرفت سيدة فرنسية يعمل زوجها بالتجارة في هذه الأنحاء، و كانت/ 26/ تعيش في انتظاره مع ابنتها الجميلة البالغة من العمر ثمانية عشر عاما- في عزلة تكاد تكون مطلقة. و رأيت أيضا القنصل أو نائب القنصل البريطاني الذي تجدر الإشارة إلى أنه يسكن المنزل الذي كان ينزل به الجنرال نابليون في عام 1799 م. و كان ذلك القنصل يجمع بين وظيفة القنصل و وظيفة الوكيل التجاري لشركة الهند الشرقية، و إن هذه الازدواجية السياسية التجارية صفة مشتركة للقناصل البريطانيين جميعهم؛ و لكنني أفضل القانون الفرنسي الذي يحظر التجارة على قناصلها؛ حفاظا على كرامتهم، و إن كانوا يخسرون ماديا.

لقد اكتسب موقع السويس بعض الأهمية لدى القنصل البريطاني منذ أن أصبحت شركة بريد الهندLa malle des Indes تمرّ بهذا الطريق مرتين في الشهر؛ إذ أصبحت سفن بومباي و كلكتا تنزل في السويس الركاب الذين يذهبون إلى الإسكندرية ليركبوا السفينة إلى بريطانيا و بالعكس. و يحدث هذا في كل خمسة عشر يوما نشاطا ينتج عن توفير الخدمات لمئتين أو ثلاث مئة شخص يزيدون أو ينقصون عن‏

65

ذلك بقليل؛ مما يعني أن هناك متوسطا سنويا يبلغ ستة إلى سبعة آلاف راكب. ينزل هذا الجمع الموسمي من مسافري العبور في مصر، و كأنهم يريدون ابتلاعها، شأنهم شأن جراد موسى‏ (1)؛ فأولئك الذين يصلون من بريطانيا يكادون يكونون جميعا من الشباب المشاغبين، و من الفتيات البيض المتوردات اللواتي يأتين إلى المستعمرات الهندية للبحث عن أولئك الذين لهم مكانة إدارية أو تجارية ليتخذن منهم أزواجا/ 27/. أمّا في العودة فالمشهد يتغير، فالشباب أصبحوا رجالا سمرا، و قد شاخوا قبل سن الشيخوخة، و الفتيات أصبحن أمهات أو جدات.

لقد أقيم في السويس على شاطئ البحر، فندق بريطاني واسع مخصص لإسكان القادمين و إطعامهم و سقايتهم، و ليس ذلك بيسير، بسبب نهم القادمين الجدد، و فقر السوق بالبضائع. حينئذ تصبح المدينة ضحية غزو أوروبي حقيقي. أما بقية العام فهي كئيبة ساكنة. أمّا في هذه الأيام، ففيها حركة مفتعلة، تكاد تكون محمومة، و ليس لها من نتائج إلّا أنها تجعل السكون عندما يعود أكثر عمقا، ثم تعود إلى حالة الخمود في اليوم التالي. و لما رفضنا النزول في محطة الطريق، و لم نرض بالنزول في الفندق البريطاني المريح فقد عسكرنا في المدينة، و كأننا في الصحراء، لقد نصبنا خيامنا على الشاطئ، وسط عدد من المدافع المنصوبة في هذا المكان للدفاع عن‏

____________

(1) الجراد الذي أرسله اللّه على آل فرعون، كما في قوله تعالى (الأعراف، 133):

فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ

كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ‏.

66

الساحل- زعموا-، و هي لم تستخدم و لن تستخدم أبدا، لقد كانت متروكة هنا دون أن يكون قربها ظل حارس يسهر عليها، و لا تستخدم إلّا لعبا للأطفال يلهون بها، و يعتلونها دون خوف و كأنها أحصنة خشبية. يمتد هذا الشاطئ الواسع و الجميل كل الجمال بعيدا حتى سفح الجبل الذي يبدو منحدرا انحدارا عموديا في البحر. أما الميناء فيمتد إلى الجنوب و كأنه سماط أزرق، و/ 28/ تسد الأفق قمم سلسلة جبال سيناء الوعرة.

لقد كانت السويس قبل وصولنا بفترة وجيزة، مسرحا لاضطرابات شعبية ضد الأوروبيين الذين يسكنونها، فقد تجمع الناس أمام منازلهم، و بدؤوا يكيلون لهم الشتائم و يهددونهم، و يرمون نوافذ بيوتهم بالحجارة، و كان يمكن لسلطات المدينة أن تعيد الهدوء إليها ببساطة، لأن الشعب المصري لين العريكة، و لا يحب الشراسة، و لكن حاكم المدينة لم يأبه للأمر، أو أنه تهاون في اتخاذ الإجراءات، معتقدا- دون شك- أن مثل هذا التصرف لا يعدم أن يعجب الباشا الحاكم، و يشجع الحقد المتطرف، و لم يكن بالتالي من الحكمة أن يبدي الحاكم حماسة بالغة لضبط الأمور في مثل هذه الأحوال. و لكن العاصفة مرت بسلام، و لم تخلّف أي أضرار، و هدأت وحدها، و لكن ليس دون أن تترك آثارها في الجالية الأوروبية في القاهرة.

وصلنا و المعمعة محتدمة، و تلقيت من يد مجهولة حجرا و أنا أتجول في أحد الأزقة الضيقة. و أقر أنه كان عليّ التزام الحذر الواجب في مثل هذه الظروف، و عدم التخييم‏

67

في العراء دون أن يكون لنا ما يحمي رؤوسنا إلّا سقوف خيامنا، و لكننا مع ذلك لم نكن نستطيع التراجع عن خطوتنا الجريئة؛ و لم يتعرض مخيمنا لأية مضايقة. و لكننا تعرضنا لحادثتين/ 29/ من نوع آخر، و يحسن أن أسجلهما لتكونا عظة للرحالة الذين يسيرون على خطانا في المعاناة من حياة الرحيل و مشكلاتها البسيطة التي لا تخلو منها الحياة الإنسانية عموما، و حياة كل فرد على وجه الخصوص. كان يقوم على خدمتي شاب أسود، كان من قبل في خدمة كلوت بيك‏ (1)Clot -Bey الذي اصطحبه إلى باريس، حيث تعلم الفرنسية هناك، و كان اسمه عبد اللّه، و كان يحب الموسيقى، و يحب أن ينفخ بالمزمار، و هي بلا شك تسلية بريئة، إلّا أنها كانت مع ذلك وبالا عليّ. كان عبد اللّه في إحدى الأمسيات يمتطي أحد المدافع التي تحدثت عنها، و كأنه على ظهر حصان، و كان ينفخ في آلته الموسيقية المفضلة، و قد نسي شمعة مضاءة في خيمتي مما تسبب في إشعال النار فيها، و أكلت النار الخيمة تماما، و حولتها إلى كومة من الرماد، و قد عانينا صعوبات جمة في إنقاذ أمتعتي الخاصة من ألسنة اللهب. و لست بحاجة إلى القول: إن أحدا من السكان الأصليين لم يفكر بمديد العون‏

____________

(1) كلوت بك‏Clot -Bey ضابط و طبيب فرنسي عضو الأكاديمية الملكية الطبية في باريس، زار مصر ثم استقر فيها، و يعد مؤسس الخدمات الطبية فيها. وضع كتابا بعنوان: لمحة عامة عن مصر نشر في عام 1840 م. اتهمه عدد من الرحالة بأنه كان من المدافعين عن سياسة محمد علي. انظر: مصر في كتابات ... موثق سابقا، ص 100.

68

لنا؛ و أشير هنا إلى جزئية تدل على التخلق بأخلاق الشرقيين؛ و هي أن أحد السكان من أصول بريطانية، كان يعمل موظفا في النقل، و كانت خيمتي منصوبة أمام البيت الذي يسكنه، و كان ينظر ببرود من نافذته إلى الخيمة تحترق، و لم يكلف نفسه عب‏ء السؤال عن حاجتنا للمساعدة في هذه اللحظة الحرجة، مع أنني كنت أحمل إليه رسائل توصية.

أمّا الحادثة الثانية فتتمثل في أنه كان لدينا طباخ من القاهرة؛ و إن من ولدوا في هذه/ 30/ المدينة العاصمة يحبونها حبا لا يستطيعون معه الابتعاد عنها إلّا على مضض. و مع ذلك فإن طباخنا العربي وافق على مرافقتنا، و هو يظن أننا لن نذهب إلى أبعد من جبل سيناء. و منذ أن علم أننا سنمضي في رحلتنا حتى جدة، بل أبعد من ذلك، تراجع عن مرافقتنا، و لم يكن هناك ما يمكن أن يغريه بالسير خطوة واحدة، حتى النقود. لقد كنا في حيرة من أمرنا، لأننا كنا بحاجة ماسة إلى أي طباخ بسبب طبيعة الرحلة التي ننوي القيام بها. و كانت الوسيلة الوحيدة أن نحاول إيجاد طباخ في السويس، و يبدو أن أقدار اللّه ساعدتنا فساقت إلينا غاسبارو مازانتي‏Gasparo Mazzanti و هو من سكان فلورنسة الأصليين، و كان يتحدث اللغة التوسكانيةToscan بلهجة واضحة، خاصة بأهل فلورنسة، و لم يكن يعرف أي كلمة عربية، على الرغم من أنه أقام في مصر خمسة عشر عاما، بعد أن ساقته إليها خلافات أسرية.

و كان يمتلك مطعما في الإسكندرية، و كان في هذه الأثناء موجودا بالمصادفة في‏

69

السويس، و عرض علينا خدماته، فقبلنا، و قد كان على استعداد للذهاب معنا إلى آخر الدنيا من أجل عشر تلرات‏ (1)Talari في الشهر. لقد قضى هذا الرجل الشجاع في خدمتي ثمانية أشهر كان خلالها مثالا في التفاني و الاستقامة. و إن مثل هذا الخلق أصبح نادرا كل الندرة لدى الأوروبيين الذين يقيمون في الشرق، حتى إنه ينبغي الوقوف عنده و تسجيله.

ترسل فرنسا إلى السويس قنصلا، و لكنه بالطبع يفضل الإقامة/ 31/ في القاهرة أو الإسكندرية على الإقامة في هذا المنفى. و يدير أعمال القنصلية التي لا تكاد تذكر في غيابه تاجر من السكان الأصليين اسمه كوستاCosta ؛ و هو يوناني الأصل كما أظن. و هو لا يتقن لغة البلد التي يمثلها، و لكنه في مقابل ذلك يتقن الحديث بالعربية، و يحفظ عددا من الحكايات و القصص الممتعة التي يوشّي بها أحاديثه. و قد كان أحد أبنائه يتكلم الفرنسية، فأفدنا منه فوائد جمة، و لا يسعني إلّا الإشادة بما قدمه لي من خدمات جيدة إبّان إقامتي.

____________

(1) ريال ماريا تيريزا- ثالر (النمساوي)، و قد اشتهر في الجزيرة العربية باسم (الريال الفرنسي) و قد طغى هذا على الاسم الحقيقي للريال ... و يعد من أشهر العملات الأجنبية التي استخدمت على نطاق واسع في الجزيرة العربية، و قد سكت من معدن الفضة في عام 1780 م و وزنها يوازي الأوقية الواحدة، و ظل التعامل بها قائما في أقطار الجزيرة العربية حتى وقت قريب بسبب ثبات وزنها و عيارها اللذين لم يتغيرا، و قد أطلق العامة عليه اسم (أبو طاقة) بسبب الرسم الموجود على ظهره. انظر كتاب: تطور النقود في المملكة العربية السعودية، الصادر عن مؤسسة النقد العربي السعودي، 1419 ه، ص 19.

70

كنا بحاجة إلى مركب يحملنا إلى جدة، و لم يكن الحصول على مركب يناسبنا بالسهولة التي نعتقدها، لأن مراكب السويس كلها مرقمة، و مسجلة، ليبحر كل واحد بدوره، دون أن يكون بالإمكان تغيير الدور أبدا. إذا، لا نستطيع اختيار المركب الذي نريد، و نحن مجبرون على ركوب المركب الذي جاء دوره في الإبحار سواء كان مناسبا أم لا. لم يكن هذا الأمر ليناسبنا. و لم يكن بوسعنا تجاوز ذلك إلّا بموافقة الحاكم، و قد كان بلا شك سيوافق على استثنائنا من الدور، و لكن كان ينبغي طلب ذلك، و هو إجراء شكلي ممل.

وجدنا أنفسنا بفضل المصادفة و كوستا في غير حاجة لطلب مساعدة أحد، أو لدفع شي‏ء؛ و هما أمران متطابقان في الشرق. لقد كان يرسو في المرفأ/ 32/ مركب من جدة، و لم يكن ينتظر للعودة إليها إلّا أن يجد أي حمولة كانت، لقد استأجرناه كاملا لنا و لمرافقينا و لأمتعتنا مقابل مبلغ بسيط بلغ ألف قرش‏ (1)؛ و هو بالتأكيد مبلغ تافه إذا علمنا أن المسافة تبلغ ستة آلاف كيلومتر بحرية، ناهيك عن أنه كان على المركب أن ينتظرنا في الطور الزمن اللازم لزيارة جبل سيناء. و قد وقع كوستا نفسه عقدا بالعربية، و ختمه بالخاتم القنصلي زيادة في الاحتراز.

و لم يكن بيرتون ليسافر معنا لأنه كان، كما قلت سابقا، ذاهبا للالتحاق بوحدته العسكرية في بومباي. و إن الباخرة التي ستحمله إلى هناك مع الركاب البريطانيين الآخرين، التي كان وصولها إلى السويس منتظرا بين لحظة و أخرى، رست على بعد

____________

(1) ذكر بيرتون ذلك في كتابه: قصة رحلة شخصية إلى الحج إلى مكة المكرمة و المدينة المنورة، مج 1، ص 178- 179، من النص الإنجليزي، ط 1964 م.

71

خمسة أو ستة أميال عن الشاطئ؛ لأن ضحالة البحر لا تسمح للقطع البحرية الكبيرة بالاقتراب أكثر، دون أن تتعرض للخطر. و كان أحد الزوارق التابعة للباخرة يؤمن الاتصال بينها و بين المدينة، و يقوم بعدد من الرحلات بينهما يوميا؛ و كان على متنه ثمانية أو عشرة من الشجعان الذين يرتدون سترا بيضاء و أحزمة حمراء، و كان يسير على وجه الماء المستوي كأنه طائر النّوء (1)Petrel .

و قدم لي الشيخ عبد اللّه، أعني بيرتون، عند الفراق تذكارا منه نسخة من القرآن الكريم كان يحملها معه إبّان/ 33/ الوقوف على عرفات؛ و هي الشعيرة التي يتوج بها الحج إلى مكة المكرمة، و التي تكفل للمؤمن أن يحمل اللقب الأثير (الحاج)، و كان على المصحف إهداء بالعربية كتبه بيرتون بخطه، يسجل الذكرى، و يحدد تاريخ تلك الأيام التي لا تنسى في حياة المسلم، و لعلها أكثر رسوخا في حياة مسيحي.

إذا، غادرت السويس مع رفيق رحلة واحد، و هو إنجليزي أيضا، يتحدث العربية جيدا، و يكتبها عند الحاجة، و كان يتجول مسافرا في الشرق منذ عدد من السنين، و إن حياة المغامرة التي كان يعيشها تستحق أن أشير إليها، و ربما سأخصها فيما سيأتي بإشارة تكاد تكون غير مشرفة (2).

____________

(1) طائر بحري صغير الجناحين يمعن في الطيران بعيدا عن اليابسة.

(2) علمنا من حاشية خصصها بيرتون للإشارة إلى لقائه بدييه أن هذا اسم المرافق الذي لم يذكره ديدييه أبدا هوAbbe Hamilton - القس هاملتون البريطاني و أشار بيرتون إلى أنهما دفعا 1000 قرش (ما يعادل 10 جنيهات استرلينية) أجرة السنبوك من السويس إلى جدة. انظر نص رحلة بيرتون الموثق أعلاه، ص 178- 179، الحاشية (4). و انظر مقالنا: قراءة في رحلة إلى الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عنوانها:" إقامة في رحاب الشريف الأكبر- شريف مكة المكرمة" تأليف: شارل ديدييه، مجلة الدرعية، العدد 8، 1420 ه/ 2000 م، ص 85- 110.

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

الفصل الثالث الطور (1)

أبحرنا يوم الحادي و العشرين من يناير (كانون الثاني) في الساعة الثانية، و نشرت الأشرعة بعد ذلك بقليل، و لكن إبحارنا لم يدم إلا فترة بسيطة، لأننا ألقينا المراسي في الساعة الرابعة عند سفح جبل أبو دراج‏ (2) لقضاء الليلة هناك، مع أن البحر كان هادئا، و الريح مؤاتية، و لم يكن هناك ما يمنع مواصلة الإبحار. و لكن مراكب البحر الأحمر لا تمخر عباب البحر إلّا في النهار (3)، ناهيك عن أننا كنا على مسافة قريبة من بركة فرعون‏ (4)، و هو اسم يطلقه العرب/ 34/ على مكان هلاكه، و يظنون أنه، منذ ذلك، مسكون بجان أشرار: لذلك لا يخاطر البحارة بقطع تلك اللجة الضحلة ليلا، إنهم يفعلون ذلك بصعوبة في وضح النهار، و لا يفعلونه إلّا بعد أن يصالحوا الأرواح الشريرة بأن يقوموا بممارسات خرافية.

____________

(1) و سميت بالطور نسبة إلى طور سيناء الذي هو أشهر جبالها ...، و كانت تسمى قديما" ريثو" و بقيت معروفة بهذا الاسم إلى القرن الخامس الميلادي. انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 133. و تحدث عنها بيرتون في رحلته، موثق سابقا، ج 1، ص 165- 167.

(2) كتبها ديدييه:Mont Abou d Anadj ، و لعل الصواب ما أثبتناه في الأصل، انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 132. و كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 18،Abu Anaj و لعل ما ذكرناه هو الصواب.

(3) انظر: رحلات في شبه جزيرة العرب، بوركهارت، ترجمة د. عبد العزيز الهلابي و د. عبد الرحمن عبد اللّه الشيخ، مؤسسة الرسالة، بيروت 1413 ه/ 1992 م، ص 390- 391. و سنشير إليها ب" رحلات بور كهارت ...". و انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 160.

(4) انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 163، 165.

74

إننا هنا في قلب الذكريات الموسوية. فهناك غير بعيد على الأرض حمام طبيعي يحمل اسم نبي بني إسرائيل؛ حمام سيدنا موسى‏ (1)، و قد تركنا وراءنا عينا مشهورة تحمل اسمه أيضا. عيون موسى‏ (2)، و تبدو بيضاء اللون على الشاطئ في وسط أشجار النخيل. و من هذه العيون تتزود مدينة السويس بماء الشرب كما ذكرنا سابقا. و هو مكان يقصده المسافرون. لقد زارها نابليون بونابرت نفسه إبّان إقامته في مصر، دون أن يمضي في التقصي أبعد من ذلك. و يروى أنه فوجئ خلال عودته بالمدّ، و تعرّض لخطر حقيقي عندما غمر الماء حصانه حتى بطنه، و لم ينج من هذه العثرة إلّا بمساعدة البدو الذين سارعوا إلى مساعدته. لنفترض أن إمبراطور المستقبل هلك هنا، و لنتصور التغيير الذي كان سيحدث في مصير العالم! يا له من مجال مفتوح لتخمينات‏ (3)! و ينتصب في مقابل عين موسى تقريبا، على الجانب المواجه جبل‏

____________

(1) و يقع في جبل صغير على خليج السويس على أربعة أميال من مدينة الطور فيه سبعة ينابيع كبريتية ... و بقرب هذا الجبل ميناء" أبو صويرة"، انظر: تاريخ سيناء القديم و الحديث و جغرافيتها، نعوم بك شقير، دار الجيل، بيروت 1411 ه/ 1991 م، ص 34. و سنشير إليه ب" تاريخ سيناء ...".

(2) عيون موسى: و هناك ميناء على ثمانية أميال من السويس، فيه محجر صحي قديم، انظر: تاريخ سيناء ... ص 15. و انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 166- 167.

(3) جاء في كتاب: الحملة الفرنسية في مصر، بونابرت و الإسلام، هنري لورنس و آخرون، ترجمة بشير السباعي، سينا للنشر، القاهرة 1995، ص 308:" و في السويس، يتحدث بونابرت مع قباطنة سفن البحر الأحمر، و هو يبشر آنذاك باستئناف-

75

عتاقة (1)، كأنه عملاق من الحجارة شهد منذ أكثر من أربعين قرنا مرور رهط من المصريين على سفوحه، و على رأسهم فرعون/ 35/ يطاردون بني إسرائيل.

كانت الليلة جميلة صافية، و لم يعكر صفو الهدوء إلا أصوات الأمواج التي تتكسر على جانب المركب الراسي. و كان القمر يلقي على جبال الشاطئين ضوءا خافتا. كنت أرى تلك الجبال يكسوها الضباب، و لكنها بادية للعيان، و خلفيتها السماء المزينة بالنجوم، منها ما ينتمي إلى آسيا، و منها ما ينتمي إلى إفريقيا، و قد جال بخاطري بانفعال، و أنا أراها، أنني هنا معلق، إن صح القول، بين عالمين؛ إفريقيا التي أبتعد عنها، لأعود إليها قريبا، و آسيا الشاعرية التي تطؤها قدماي أول مرة.

يفصل بين العالمين خليج ضيق، يبدوان كأن كلا منهما يحدق بالآخر، كعدوين جاهزين، لأن يلقي أحدهما بنفسه على الآخر. و لكن قوة التوسع و روح الغزو التي‏

____________

العلاقات التجارية خاصة مع الحجاز. و الحادث المهم الوحيد هو أن القائد و عددا من رفاقه الذين يضلون طريقهم خلال ليلة 28 ديسمبر، يفلتون بصعوبة من الغرق، حيث يصعد مد البحر بسرعة بالغة في تلك المنطقة. و هو يشير بنفسه إلى أن ذلك كان من شأنه أن يمثل موضوعا جد رائع لموعظة تدور حول فكرة فرعون جديد ...".

(1) قال بيرتون في رحلته (الترجمة العربية)، موثق سابقا، ج 1، ص 161:" ... و عند غروب الشمس رسونا- و لا زالت السويس على مرأى منا- تحت جبل عتاقة متخذين منه ملاذا يحجب الريح عنا، و على الساحل الشرقي كانت توجد قلة من بساتين النخيل متجمعة حول (عيون موسى) أما في الغرب فيقع بين- حيدين برجيين- مصب وادي (مسيل) الطوارق أو وادي موسى أو وادي البادية الذي خرج منه بنو إسرائيل إلى البحر البردي‏Sedge The Sea of وفقا لما يقوله الأب سيكاردSicard .

76

تنتج عنها ينتميان إلى آسيا، و قد دفعاها إلى مد سلطتها خارج حدودها في عصور التاريخ المختلفة، و جعلاها في الماضي تؤدي دورا رائعا.

أما إفريقيا فهي على العكس عنصر المقاومة و الثبات: مع بعض الاستثناءات المعدودة، القرطاجيون على سبيل المثال الذين امتدت سلطتهم بعيدا، و حدثتهم أنفسهم في لحظة بالاستيلاء على ثروة روما، علما بأنهم من أصل فينيقي؛ أي آسيوي، و لم تواجه إفريقيا/ 36/ الغزاة الخارجيين إلا بمقاومة سلبية، تحولت بعد ذلك إلى مقاومة يخشاها الأعداء، و لا يمكن في الغالب قهرها بسبب الظروف الطبيعية للأرض و الطقس. كانت هاتان القارتان الغامضتان تقبعان هنا أمامي، و كأنهما أكبر مشكلتين تعترضان دراسات الباحثين، و تأملات المفكرين. إحدى المشكلتين، أعني آسيا، كاد العلماء من زمن يصلون إلى حل نصف أسرارها، و يمكن أن نتوقع حلّ مشكلتها كليا في المستقبل القريب جدا. في حين أننا لا نكاد نلمح التخوم الأولية للمشكلة الثانية، إفريقيا التي استعصت حتى اليوم على الجهود المتعاضدة للعلم و الحرب و التجارة. و إن أكثر الرحلات الاستكشافية تخطيطا، التي نفذت بشجاعة فائقة لم تشتهر إلّا بالمصائب التي آلت إليها! فكل عام يشهد هلاك واحد من أولئك الباحثين الشجعان، أما أولئك الذين يعودون؛ فإنهم يعودون بخفي حنين، و إن القضية، التي يذهبون من أجلها تظل بعد عودتهم بكرا كما كانت عليه عند انطلاقهم. و ليس علينا إلّا أن نلقي نظرة على أحدث الخرائط و أكملها لهذه‏

77

المنطقة من العالم، ليغلبنا الحزن، و نجد أنفسنا معنيين بالفراغ المريع المنتشر على تلك الخرائط: عدا محيط صغير، ما زال يفتقر هو أيضا إلى الأسماء الصحيحة، أما الباقي فهو بياض واسع نجهد أنفسنا بلا طائل لملئه، و ربما لن نستطيع أبدا ملأه. إن تلك المساحات الواسعة من الأراضي المجهولة تشعر رؤيتها بالخوف/ 37/ و تحبط، بقدر ما ترعب. هل يعقل أن الجنس البشري بعد ستة آلاف سنة من الوجود، لا يمتلك إلّا معلومات قليلة و مضطربة عن الكون الضيق الذي يسكنه؟ كان القمر ما يزال مضيئا عندما نشرنا أشرعتنا عند طلوع الشمس، و عبرنا بركة فرعون المخيفة، و أبحرنا حتى المساء في ظروف مؤاتية، و كنا لا نزال نرى الشاطئ الإفريقي، و خصوصا جبل غريب الضخم، و إن كان الشاطئ الأفريقي قد بدأ يضيق شيئا فشيئا بالنسبة إلى الشاطئ الأسيوي. و إن أقرب الجبال من هذا الشاطئ هما جبلا (1) جقم (؟)Djkem ودعد (؟)Da ` ad ، و كلاهما أجرد. لقد انقضى اليوم دون أي حادث.

ورسا مركبنا عند الغسق في خليج صغير، آمن كل الأمان، يتشكل من انحناء بسيط من جبال عنيزة (2) (؟)Nayazat ، الذي ينتمي شأنه شأن الجبلين السابقين إلى السلسة الجرانيتية لسيناء. و مرت الليلة الثانية كما مرت الأولى. و في اليوم التالي، كنا عند

____________

(1) كتب اسم الجبلين في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 19،Jakam and Da`ad - جقم ودعد.

(2) كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 20 كما هي في الأصل الفرنسي.

78

طلوع الفجر قد أبحرنا، تساعدنا في ذلك ريح منعشة و مؤاتية، و لم نلبث أن تجاوزنا رأس صويرة، و عند الظهيرة كنا في الطور (1)Tor و ليس‏Thor كما تكتب على الخرائط. هأنا ذا في آسيا، و لكن هذه الأم القديمة للجنس البشري، بدت لي للوهلة الأولى بملامح مغرية. اشتهرت الطور في غابر الأزمان بلؤلئها و فيروزها (2)، و لكنها منذ زمن طويل نسيت صيد/ 38/ اللؤلؤ، و فقدت مناجم الفيروز، و أجهل ما ستكون عليه في الأيام القادمة. و لكنني أعلم اليوم أنها بلدة صغيرة كريهة، تسكنها جالية يونانية غير مضياف و جشعة، تجعل المرء يحن إلى العرب، بل إلى الأتراك، و شيخ البلد يوناني من سكان المدينة يسمى كوستاندي‏Costandi ، كنت أحمل له رسالة من كوستا، و لكنه لم يكلف نفسه عناء تقديم القهوة أو الشيشة، و هما علامتان أساسيتان من علامات اللياقة الشرقية في مجال التمدن. تقدم القهوة لكل الناس دون تمييز، و تقدم الشيشة إلى من هم على منزلة باعتبارها علامة من علامات الاحترام، و إلى الأقران باعتبارها من علامات الشهامة. و يقيم في الطور أحد العرفاء البسطاء (إنباشي) (3) مع حامية مؤلفة من عشرة جنود إقامة سيئة، و قد كان أكثر كرما من اليوناني: إذ

____________

(1) انظر حديثا مفصلا عن مدينة الطور و تاريخها في كتاب: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 132- 138.

(2) انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 79.

(3) إنباشي: رتبة عسكرية من رتب الجيش المصري العثماني في مصر، استحدثت في عهد ولاتها من أسرة محمد علي باشا، يقابلها اليوم وفق المصطلحات العسكرية رتبة عريف ... و علامتها شريط واحد مصنوع من القماش معلق على صدر حامله. انظر: معجم المصطلحات ...، موثق سابقا، ص 47.

79

على الرغم من أنه كان فقيرا حتى إنه لا يستطيع تقديم القهوة كما تقتضي عادات الضيافة، إلّا أنه أجبرني على استخدام شيشته الخاصة لأنه لا يملك أخرى، و قد فرش لي على المقعد الحجري الذي كان يتخذه مقعدا، أجمل سجادة يملكها. إن في الطور مسجدا يقع في موقع جذاب على شاطئ البحر، و فيها أيضا كنيسة إغريقية وسخة و مظلمة، بيد أنني وجدت فيها عددا من الكتب و اللوحات الغريبة، و استقبلني فيها راهب عجوز يضع نظارتين. أما من الناحية الروحية فإن المدينة، إن كان هناك مدينة، تابعة لرئيس الأساقفة الإغريقي لجبل سيناء، و سياسيا لباشا مصر الذي تمتد سلطته حتى هذا المكان. و نشاهد فيها أيضا بقايا سور كان يحيط بالمكان، و بقايا حصن صغير/ 39/ أنشأه السلطان سليم الأول‏ (1)، الذي حصّن كل المواقع المتقدمة في إمبراطوريته. لقد بني الحائط و الحصن، و كذلك بيوت المدينة من الحجارة المزينة بالأصداف التي تكثر على شواطئ البحر الأحمر. إن أفضل ما في الطور ماؤها: و إن المراكب التي تمر في هذه المنطقة لا تعدم التزود بالماء و تخزينه؛ مما يمنح ميناء الطور (2)

____________

(1) انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 138، و سليم الأول (1470- 1520 م) سلطان عثماني من (1512- 1520) فتح فارس، و سورية، و مصر، و يعد أول الخلفاء العثمانيين (عام 1517 م).

(2) جاء في كتاب: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 133:" ... و لهذه المدينة ميناء حسن له جرف مرجاني يمتد عشرات من الأمتار تحت الماء حتى أنه يمكن للسفن البخارية الاقتراب من البر بسببه. و هو ضيق جدا لا يسع إلا السفن الصغيرة ...".

80

بعض الحيوية و الحركة. يحيط بالمدينة سهل رملي، لا نجد فيه من النبات إلّا طاقات متفرقة من نبات قصير و معمّر يكثر في كل الصحاري، و له ثمر صغير أحمر له طعم لذيذ. و تغمر مياه المد القسم الأدنى من السهل، و يترك المد بعد انحساره في ذلك القسم ملحا، و يمتد ذلك السهل من جهة الشرق حتى يتصل بسلسلة طويلة من الجبال لها هيئة سوداء قاتمة، و تشكل قمة سربال الجليلة نقطة الذروة فيها، و تبعد بعض الأميال عن المدينة صعودا نحو الشمال غيضة أشجار تكاد تكوّن غابة من النخيل، أشجارها شديدة الكثافة، يلتصق بعضها ببعض فلا نستطيع المرور عبرها إلا بصعوبة بالغة. و تعود ملكية هذا البستان في معظمها إلى دير جبل سيناء، و لكنها ملكية تكاد تكون شكلية لأن المالك لا يستطيع أبدا أن يجني ثمارها؛ لأن بدو الجوار يسارعون إلى جنيها/ 40/ و يستولون في كل سنة على بواكر المحصول، بل على المحصول كله، و قد فكر الرهبان في وضع أحدهم للحراسة، و لكن الناطور المتنسك أغلق على نفسه في حصن ما زلنا نرى بقاياه، و لا يمكن الوصول إليه إلّا بارتقاء السلم، و كان ينتابه ذعر شديد من السارقين حتى إنه لم يكن يغادر مكان سكنه، و لا يسمح لأحد بالدخول إليه باستثناء خادم مكلف بأن يحمل إليه في كل أسبوع الماء و الطعام. و كان البدو في أثناء ذلك يجنون غصبا التمور التي ينبغي أن يحرسوها و يأكلوها. إنهم يعيشون على الأرض التي يملكها الدير، و كأنهم في بلد من بلاد الفتوح.

81

إن هذه الواحة (1) الجميلة محمية من الشمال بجبل حمّام الذي تتباين صخوره الكلسية مع الخضرة الندية التي تكسو طوال العام العينين الغزيرتين اللتين تتفجران من أسفل الجبل: إحداهما شديدة البرودة، صافية كل الصفاء، و لها طعم لذيذ؛ أما الأخرى فهي على العكس حارة، يكثر فيها الحديد، و مشربة تماما بالكبريت. و قد بني على هذه الأخيرة بناء (2) محكم الإغلاق، جيد المواقع لتوفير الراحة لمن يريدون السباحة فيها، و لم يفتني الاستحمام فيها؛ و قد كان حماما رائعا بقيت أياما طوالا بعده أشعر بالنظافة من أثره. يسمّى هذا الحمّام المعدني في البلد: حمّام فرعون. أمّا العين المجاورة/ 41/ فهي عين مشهورة، لها مكانة عالية (3)، تعرف باسم: عين موسى.

و نلاحظ هنا أيضا الذكريات التوراتية. و ينتصب وراء جبل حمّام جبل آخر اسمه جبل الناقوس؛ و هي تسمية غريبة في بلد لا يعرف النواقيس، و هي ممنوعة فيه.

و تزعم الحكاية الخرافية: أنه كان في القديم دير مسيحي في هذه البقعة، و أن الأرض‏

____________

(1) واحة ليست في المعاجم العربية و لم أجد إلا الواحات واحدها واح على غير قياس و قال ياقوت الحموي في معجم البلدان، ط. دار صادر، بيروت، 1399 ه/ 1979 م، ج 5، ص 341 عن الواح: لا أعرف معناها و ما أظنها إلا قبطية. و يتحدث الجغرافيون عن منطقة الواحات في مصر.

(2) ذكر بيرتون في رحلته، موثق سابقا، ج 1، ص 166 أنه مبنى صغير من طابق واحد ... بناه عباس باشا ليستخدمه كاستراحة، و كان مطليا باللون الأبيض الساطع، و مزينا بستائر من الكاليكوCalico ذوات ألوان متدرجة رائعة.

(3) قارن بما يذكره بيرتون في رحلته، موثق سابقا، ج 1، ص 166- 165؛ إذ سمى العين الحارة شتاء و الباردة صيفا و لها طعم مالح و مر: عيون موسى، و سمى العين العذبة الغزيرة: بير موسى.

82

ابتلعته في أعماقها، و أننا منذ ذلك الوقت نسمع أصوات النواقيس كل يوم عند العصر؛ أي في الساعة الثالثة بعد الظهر. و إن كان صحيحا وجود مثل هذه الأصوات المعجزة التي لم أستطع التحقق من وجودها؛ فإن سبب حدوث ذلك قد يكون سيلا في داخل الأرض، أو بركانا يتفجر تحت الأرض: و إن وجود العينين المتفجرتين اللتين تحدثنا عنهما قبل قليل، إحداهما قرب الأخرى، مع أن طبيعة كل منهما، و درجة حرارته مختلفة عن الأخرى اختلافا كليا، يدل بما لا يترك مجالا للشك على الوجود المتزامن، و الفعل المتقطع أو المستمر، للماء و النار في أعماق الأرض الغامضة (1). و لما عدنا من هذه الرحلة، وجدنا ريس مركبنا؛ و الريس اسم يطلقه العرب على قباطنة المراكب، جالسا مع بعض بحارته على باب منزل متداع يقع خارج المدينة، يحميه من الشمس إفريز من سعف النخل، تحمله قضبان من الحديد طويلة مغروزة في الرمل: و تلك هي صورة المقهى في الطور، و نحتسي فيه مقابل عدد قليل من البارات القهوة قبل كل شي‏ء، ثم الشيشة المعمّرة، و الماء البارد حسب الطلب./ 42/ يقدم كل ذلك صاحب المقهى بنفسه، عن طيب خاطر، و لكن إياك أن تطلب منه أي شي‏ء آخر.

كان بحارتنا هناك يجلسون القرفصاء، و الشيشة في أفواههم، و كؤوس القهوة في أيديهم؛

____________

(1) انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 35؛ و فيه تعليل لصوت النواقيس:" ... و قد كثرت الأقوال في تعليل ذلك؛ و أشهرها أن الرمال بانهيالها تمر على صخور مجوّفة في باطن القليب فتحدث ذلك الصوت". و هذه الظاهرة معروفة في كثير من الصحاري في الجزيرة العربية، و قد تكلم عليها عبد اللّه فيلبي في كتابه: الربع الخالي بشي‏ء من التفصيل.

83

و كم أصبحت أثيرا لديهم، عندما ضاعفت لهم كمية القهوة و الدخان أربع مرات، بل عشر مرات على حسابي، و العرب يقدرون ذلك كثيرا. لقد أصبح أولئك البحارة، بعد أن شربوا ذلك القدر الكبير من القهوة، و دخنوا كمية كبيرة من التنباك على حسابي، يعرفون أنني مستعد لأن أقدم لهم دائما مثل ذلك. و يستهلك العربي كمية كبيرة من القهوة و الدخان. ذكرت فيما مضى أن أحد بنود عقد استئجار السفينة الذي وقعناه في السويس بحضور كوستا، يقضي بأن ينتظرنا المركب في الطور إلى حين عودتنا من الرحلة إلى جبل سيناء، و حددت أيام الانتظار بخمسة. و لكي يردّ الريس على كرمي بأحسن منه قال لي راضيا: إنه لا ينبغي عليّ إرهاق نفسي، و إن باستطاعتي القيام بالرحلة على مهل، و إنه سينتظرني الوقت الذي يناسبني. و قد كنت قد تعلمت من التجربة، و على حساب مصالحي في بعض الأحيان، أن العربي لا يعرف الاستعجال أبدا؛ و قد أعجبت بصبر هذا الريس المتطوع؛ و لو كنت في مكانه، محكوما عليّ، شأنه، الإقامة لأسابيع طويلة في هذا المكان النائي، لم أكن بالتأكيد لأنظر للأمر بهذا القدر من التعقل: لأنه ليس أمام المرء في مثل هذا الجحر، إلّا الرحيل/ 43/ و قد غادرته في اليوم التالي. تركنا القسم الأعظم من أمتعتنا في المركب، يحرسه أحد الخدم، و لكي نتخفف في أثناء السفر، لم نحمل معنا إلا ما لا يمكن الاستغناء عنه؛ فتقلصت قافلتنا نتيجة ذلك إلى ستة جمال، منهما اثنان من الهجن، أو يزعم أنهما كذلك. لقد علموني في طفولتي، و ما زالوا على الأرجح يعلمون الأطفال حتى اليوم، أن للهجان سنامين في حين أن الجمل ليس له إلا سنام واحد؛ و قد رأيتها مرسومة كذلك‏

84

في عدد كبير من كتب التاريخ الطبيعي، و هذا خطأ: ليس للنوعين إلّا سنام واحد، و لا وجود في أي مكان، كما أعلم، إن لم يكن في التبت، لحيوان من هذا النوع، له سنامان. إن مقام الهجن بين الجمال كمقام فرس الركوب بين الخيل التي تجر العربات، و لا يتميز منها إلّا بدقة أعضائه، و بكرم نسبه. نمتطي الأول، أما الثاني فيستخدم لحمل الأمتعة. إن الجمل بطي‏ء الحركة ثقيلها، و صعب المراس، و يهتز جسمه في أثناء سيره اهتزازات مزعجة جدا، تسبب في غالب الأحيان دوارا كدوار البحر لأولئك الذين لم يعتادوا ركوبه؛ أما الهجان فإنه، على العكس مما سبق، ذو خطوة واثقة و مريحة، و سيره لطيف، و إذا أحسن تدريبه فإن راكبه يستطيع في أثناء سيره تناول فنجان من القهوة دون أن تسكب منه نقطة واحدة، و هو سريع/ 44/، يستطيع قطع ما يربو على أربع مراحل في اليوم، دون أكل أو شرب. و يمضي الخيال العربي إلى أبعد من ذلك، فيزعم أن الهجان الأصيل يقطع أربعا و عشرين مرحلة في اليوم الواحد. كانت المرة الأولى التي أمتطي فيها هجانا، لذلك بدوت منفعلا بعض الانفعال، خصوصا أن الهجان الذي كان مخصصا لركوبي كان طويل الساقين، و كان رحله يشبه كل الشبه أرحل البدو الذين قابلتهم في صحراء السويس، و كان له جرابان طويلان يتدليان على الجانبين. كان الرحل نفسه عاليا علوا كبيرا، و كان، كالمعتاد، موضوعا في أعلى السنام مما يجعله أكثر علوا أيضا. كنت على بعد عشرة أقدام من الأرض.

ناهيك عن أن الرحل العربي عريض، و لا يمكن الركوب عليه برجلين متدليتين، و لا نستطيع الاستواء عليه إلّا جلوسا، و القدمان ممدودتان إلى الأمام على عنق‏

85

الحيوان، و ليس لتوجيه الحيوان الوجهة التي تريدها، إلا مجرد زمام. و لّما أنهيت رحلة الصعود، و رأيتني معلقا في هذا العلو، ولجة عميقة على يميني، و أخرى على يساري، تساءلت إن كنت لن أصاب بالدوار؟ و شعرت بأنني غير مستقر على قاعدتي، و أنني سأقع منذ الخطوة الأولى. لم تكد تلك الآلة المخيفة تبدأ السير حتى فقدت/ 45/ توازني تماما، و إن كنت لم أقع فلأنني تمسكت بقربوسي الرحل اللذين يؤديان للمبتدئين بركوب الهجن خدمة جلى، و أحدهما مثبت في مقدمة الرحل، و الثاني في مؤخرته، و يبلغ طولهما قدما واحدا. لم تدم فترة تدريبي زمنا طويلا، و سرعان ما اعتدت على ركوبي الجديد، حتى أصبح بإمكاني إناخته عندما أريد النزول، و إنهاضه بعد الصعود دون أن أكون، كما في البداية، بحاجة إلى مساعدة أحد. و انتهى بي الأمر إلى اعتياد ركوب ذلك الرحل، المقلق في البداية، و الذي صرت أجلس عليه براحة كما لو أنني أجلس على كرسي وثير بفضل السجادة التي تغطيه. و أعجبت كل الإعجاب على الخصوص بالخرجين‏ (1) اللذين يتدليان على الجانبين، و اللذين يسمحان بأن تجد بالقرب منك كل الأشياء الضرورية للسفر. باختصار، إنني لم أجد بين وسائل الانتقال المختلفة التي جربتها على الأرض، و في البحر، أفضل و أسهل من الهجن، و ليس بين تلك الوسائل ما هو أكثر ميزات و أقل مساوئ منها؛ جربتها مدة تقارب ستة أشهر متتالية، دون أي حادث، و دون تعب، و دون مزعجات./ 46/

____________

(1) خرج و جمعه خروج: و هو وعاء من شعر أو جلد ذو عدلين يحمل على ظهر الدابة، توضع به الأمتعة. انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 42، و تعليق المترجم.

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

الفصل الرابع جبل سيناء

لئن كنت حزينا لأنني وجدت طريقا عريضة بين القاهرة و السويس، لقد كنت أكثر حزنا عندما وجدت طريقا أخرى بين الطور و جبل سيناء. يمكن أن نسوغ وجود الأولى بأنها ضرورية، و لكن هذه الثانية، ما الحاجة إليها؟ ليس هناك أي ضرورة لها، و ليس هناك ما يسوغ وجودها. و لكي أوضح سبب وجودها ينبغي أن أعود مرة أخرى إلى عباس باشا.

رأينا فيما سبق أن عباس باشا الذي وجد أن العباسية قريبة جدا من القاهرة، أمر ببناء قصر دار البيضاء في قلب الصحراء، و لكنه بعد ذلك وجد أن الدار البيضاء ليست بعيدة عن كل ما يود الهروب منه؛ فزيّن له خاله أن يأمر ببناء قصر جديد على واحدة من أكثر قمم سلسلة جبال سيناء جدبا، و أكثرها كآبة، و أكثرها صعوبة وصول. هنا على الأقل لن يرى قبعات، و لن يطارده القناصل في ذلك المكان العالي.

و منذ أن تمّ اختيار موقع البناء، و قبل أن يبدأ بتأسيسه، أو إرساء مخطط هذا القصر المعلق بين الأرض و السماء، كأنّه وكر طير من الكواسر، أمر عباس مباشرة بشق طريق لكي يذهب/ 47/ إليه بالسيارة؛ لأنه أصيب بسبب فجوره بعاهة منعته من ركوب الخيل و الهجن. و ما إن صدر الأمر حتى بدأ العمل بالمشروع بإشراف مهندسين فرنسيين يديران لإتمامه جيشا من العمال المهرة. كان ثلث الطريق قد تمّ إنجازه، عندما مات عباس، و أظن أن الأعمال قد توقفت بعد موته، و لم يعد

88

إنشاء هذا القصر الخيالي في جبل سيناء واردا. و زعم الناس أن هذا المشروع المتهور كان يخفي وراءه نوايا سياسية خفية؛ فقد كان عباس باشا منذ بعض الوقت قد بدأ يستميل البدو القاطنين على الحدود السورية، و يقرّبهم منه، و يستقبلهم بترحاب، و لما ذهب لزيارتهم بنفسه، وعدهم بإعطائهم أحد أبنائه لينشأ بينهم، و يتخلق بأخلاقهم و عاداتهم، و هذه عادة تمارس في الجزيرة العربية إذ يترك أبناء الأشراف أسرهم بعد عدة أيام من ولادتهم، و ينتقلون من حضن أمهاتهم إلى خيام رجال القبائل، لكي يتدربوا على تقوية أجسادهم، و يعتادوا تحمل التعب، و لكي تلهج الركبان بأسمائهم. تلك كانت، كما يقال: النية الخفية، و الهدف السري لباشا مصر. كان يأمل، و هو يرى الباب العالي متورطا في حرب مدمرة مع روسيا، الاستفادة من الإنهاك الذي أصابه ليستولي من جديد، بمساعدة البدو، على ما كان يسيطر عليه جده محمد علي/ 48/ من مواقع في سورية أجبرته أوروبا على التخلي عنها.

و كان في هذه الأثناء، و بانتظار الفرصة المناسبة، يرسل لقادة جيشه على مضض، قليلا من المال مما يحتاجونه في الحرب. و عندما سمع نبأ كارثة سينوب‏ (1)Sinope البحرية التي تم فيها إغراق الأسطول البحري المصري كله تقريبا، بدأ يكيل الشتائم المقذعة، ليس للقيصر، و إنما للسلطان التركي؛ و أود في هذا المجال أن أسوق حادثة توضح طبيعة الرجل.

____________

(1) سينوب‏Sinope (بالتركيةSinob ) مدينة و ميناء آسيوي في تركية (الأناضول) حطم فيها الروس في عام (1853) الأسطول التركي الذي كان يضم بين قطعاته الأسطول المصري.

89

نتذكر أن أحد قادة السفن المصرية قام في ذلك اليوم المشؤوم بتفجير نفسه و سفينته بدل أن يستسلم للعدو؛ و قد أبدى كل الناس إعجابهم بهذه المأثرة الجريئة، باستثناء عباس: لأنه عاجز عن إدراك معنى الشجاعة، و الإخلاص، لم ير في ذلك إلّا أنه خسر سفينة حربية، و صرخ بغضب: عاهرPesvink ؛ و هي شتيمة مقذعة بالتركية، كان لا يني يرددها، شأنه شأن الغالبية العظمى من الأتراك، و هي بالإيطاليةRuffiano ، لقد كانت تلك الشتيمة هي كل التأبين الذي استحقه منه ذلك البحار الشجاع، و لو استطاع العودة من لجة المحيط لدفنه عباس دون شك في التراب لكي يعاقبه على بطولته.

تبلغ المسافة من الطور إلى دير جبل سيناء خمسة و عشرين فرسخا؛ و هذا يعني أن الجمل يحتاج إلى خمس و عشرين ساعة لقطعها. و إن الطريق التي كنت إن صح القول: أدشنها، باعتباري أحد أول/ 49/ المسافرين عليه، إن لم أكن أولهم، يتجه من الشمال منحدرا نحو الشرق؛ منطلقا من البحر، ثم يبتعد عنه ليقترب من جبل سربال‏ (1)، و لو كان بالإمكان، بدل أن يدور حول ذلك السور الطويل من الجرانيت، أن يخترقه، لأصبح أكثر قصرا. و لكن الأمر غير ممكن. و لا يتميز الطريق عن الأرض التي‏

____________

(1) أشهر جبال سيناء بعد جبل موسى، يقع إلى الشمال من مدينة الطور و الغرب من جبل موسى على نحو ثلاثين ميلا من كل منهما. انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 33. و فيه ص (454) أنه منحدر انحدارا عظيما، و رأسه يبعد عن سفحه بعدا سحيقا، ليس في سفحه سهل كبير أو صغير، و ليس هناك إلّا وادي فيران، و قعره وادي عليات الآتي من جبل سربال، و كلا الواديين ضيق.

90

تحيط به إلّا بصلابته؛ مما يسمح للجمال بالسير عليه بسرعة أكبر من سرعة سيرها على الرمل الذي تغوص فيه أخفافها، على الرغم من أنها عريضة، و ليس على الطريق محطات أو عربات نقل، كما نجد على طريق السويس، و لا يسلكها أحد، و لم نقابل عليها أحدا طوال يوم كامل، أخطأت، لقد قابلنا أحدا، و ها كم من هو.

جماعة من البدو، كانوا متوقفين على قارعة الطريق مع جمالهم، و يبدو أنهم كانوا ينتظرون مرورنا، و قد بدا ذلك واضحا؛ إذ ما كدنا نصل إليهم حتى دار نقاش حاد بينهم و بين جمّالتنا، و لم أستطع معرفة الموضوع الذي دار النقاش حوله بالتحديد، توقعت فقط بسبب كلمتي جمل و تلري‏Talari اللتين تكررتا أكثر من مئة مرة، أن الحديث يدور حول الجمال، و أن القضية لها علاقة بالنقود.

ينقسم بدو الطور (الطّورة) إلى عدد من القبائل، منها: الصوالحة و المزينيين، و العليقات‏ (1)، و تسيطر كل قبيلة على مساحة محددة من الصحراء، و تقتسم بينها حق تأجير الجمال/ 50/ للتجار و المسافرين، و ينتج عن هذه الترتيبات خلافات مستمرة، و غالبا ما تكون معقدة كل التعقيد؛ و قد كنا على الأرجح نشهد خلافا من هذا النوع، دون أن نتدخل فيه بالطبع من قريب أو بعيد.

و مهما يكن من أمر، و بعد كلام كثير، أنزلوا حمولة اثنين من جمالنا، و استبدلوا بهما اثنين آخرين، و يبدو أن هذه العملية أرضت كل الأطراف. أما نحن فإننا استفدنا من هذا التوقف الطويل، فطلبنا من الخادم المكلف تحضير القهوة أن يحضرها؛ لأن لكل‏

____________

(1) قارن بما في رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 124- 125.

91

خادم في الشرق وظائفه المحددة، ثم قدمناها إلى ذلك الجمع، و افترقنا و نحن على وفاق تام.

لقد دار ذلك المشهد السلوكي على تخوم إحدى واحات النخيل التي كانت أقل جمالا و أقل نباتا من واحة حمّام التي تجاورها، و التي تعد بلا شك امتدادا لها. و قد كان هناك في مكان غير بعيد بئر عامة (يستطيع كل الناس ورودها)، و كان يحميها من غزو الرمال مثابة (1) مبنية. أقول: بئر عامة؛ لأن الآبار في الصحراء تمتلكها عادة القبيلة التي توجد تلك الآبار في أرضها، و تطلب تلك القبيلة مكوسا من الأجانب الذين يأتونها، و من مسافات بعيدة كل البعد في بعض الأحيان، لإرواء قطعانهم و أسرهم. و لم نجد بعد أن تجاوزنا هذه الواحة أي نباتات أخرى إلا بعض الأشجار أو الجنيبات‏ (2) الجافة/ 51/ التي لا ظلّ لها، و لا يكاد يكون لها أوراق.

لقد كان الطقس حتى هنا جميلا، ثم أصبح فجأة ينذر بالخطر؛ فقد أصبح لون السماء، داكنا و مصفرا، يوحي بالشؤم، و ملأت السماء في وقت قصير السحب‏

____________

(1)Margelle - مثاب (مثابة) البئر؛ و هو حجر منقور يثبت حول فوهة البئر" عن المنهل".

(2)Arbustes Rabougris - الجنيبات الجافة مفردها جنبة: و هي الأشجار التي لا ظل لها لصغرها، و تظل صغيرة حتى لو شاخت، و قد ترجمها مترجما رحلات بور كهارت:

جنيبات و ذكرا في الحاشية، ص 373- 374 ما نصه:" ورد في معجم الشهابي للعلوم الزراعية ما ننقله باختصار: نبات معمر خشبي يتميز عن الشجر بقلة ارتفاعه و إن شاخ، و يبدأ نمو فروعه من قاعدته، و لا يجوز تسميتها شجيرة لأن الشجيرة تكبر فتصير شجرة، و في لسان العرب أن الجنيبة هي ما فوق البقل، و دون الشجر".

92

السوداء، و حلّ حولنا ظلام مغم، و هاج البحر يزأر من بعيد، و قصف الرعد وراء الجبال قصفا يصم الآذان، و كان صوته يقترب منا عند كل قصفة، و بدأت قطرات المطر الكبيرة تسقط علينا. و كان كل شي‏ء يرهص بحدوث عاصفة هوجاء. و لم يبد على الجمال و الجمّالة أي قلق، و لم يخطئهم حسهم؛ إذ هدأ البحر فجأة، كما كانت الحال عند بدء العاصفة، و ابتعد الرعد، ثم توقف، و تفرقت السحب بسرعة، و عاد إلى السماء صفاؤها المعتاد. لقد كان على يسارنا طوال يوم المسير سهل رملي معزول يمتد حتى البحر الذي لا نكاد نراه إلا لماما، و كانت على يميننا سلسلة جبال سربال الجرداء. لقد وصلنا في المساء إلى آخر الطريق بعد ثماني أو تسع ساعات من المسير. لقد كانت خيام الجيش المكلف إنشاء الطريق منصوبة في مدخل وادي حبران العريض على صف واحد، و متقاربة إحداها من الأخرى، حتى إنها تولد شعورا بالروعة وسط هذا القفر/ 52/ الصحراوي. و تتباين بلونها الأبيض مع خلفية الغروب التي كان الظلام قد بدأ يغشاها.

كنا قد مررنا بالمعسكر و هو خال، لأن وقت مرورنا صادف خلال ساعات العمل. و قد كان الجنود يعودون إليه، و أدوات العمل على أكتافهم، و كأنهم مجرد عمال بسطاء، بعد يوم عمل صعب. إن هذا التجمع الكبير من الرجال في بلد يخلو من كل شي‏ء، استنفد موارده، لما طالت إقامته حتى انتشر الجوع بين سكانها، و لم يعد لدى البدو ما يأكلونه، و لا ما يطعمون به جمالهم، و قد حاولنا عبثا البحث في الطور عن خروف نحتاجه خلال السفر، و لم نجد بغيتنا بأي ثمن كان. ثم شاءت المصادفة أن‏

93

نجد واحدا، كان صاحبه يذهب إلى المعسكر ليبيعه، و قد طلب منا مقابله ثمنا مرتفعا، كان الحيوان المسكين هزيلا مما جعل طباخنا غاسبارومازانتي يرفض بعناد إتمام الشراء.

لقد كانت حاجات الجنود الضرورية كلها تستقدم من القاهرة، و لنتخيّل في ظل هذه الأحوال الثمن الذي تدفعه مصر لإرضاء النزوات الشاذة لفرعونها الجديد.

أمّا المهندسان الفرنسيان المكلفان إنشاء ذلك المشروع المكلف و غير المفيد، و اللذان سبق لي الحديث عنهما، و هما:M M .Mouchelet موشليه، وVivas فيفاس، فقد كانا يقيمان للاستطلاع قرب مسيل مائي يتجاوز طول الوادي باتساعه، و يبعد مسافة ميل أو ميلين عن المعسكر باتجاه الأمام، في القسم المقفر من الوادي/ 53/.

حلّ الليل و لم نهتد إليهما إلّا بصعوبة وسط الظلمات و الصخور. نجحنا أخيرا في لقائهما، و نصبنا خيمتنا إلى جانب خيمتهم، و أقول: خيمتنا؛ لأن خيمتي احترقت، كما ذكرت، في السويس، و لم أستطع الحصول على أخرى، و قد وجدت نفسي مجبرا مؤقتا على مشاركة رفيقي في السفر خيمته. كنت أحمل للمهندسين رسائل من أصدقائهم في القاهرة، و قد استقبلاني استقبالا حارا، و قاما بواجب الضيافة أحسن قيام، ناهيك عن أنهما زوّداني بمعلومات كثيرة ثمينة عن البلد.

تشرق الشمس متأخرة في هذه الأنحاء، و قد فوجئت عندما أشرقت بعظمة المشهد الذي جاء نور الشمس ليظهره أمام عيني، و لم أكن في اليوم السابق عند الوصول ليلا قد لمحت إلا ظلاله وسط الظلام. ليس وادي حبران إلّا ممرا ضيقا محفورا عموديا

94

في جبل سربال من جانب، و من الجانب الآخر في سلسلة جبلية من الطبيعة نفسها، و تنتمي إلى النظام الجيولوجي نفسه، و تمتد في الاتجاه نفسه. و تشكل هاتان السلسلتان كما يبدو سلسلة واحدة، و يبدو أن كتلتهما المتماسكة تتحدى أبدا قوى الطبيعة المدمرة. كيف و متى انفصلتا، و أي قوة عظمى لا يصمد شي‏ء أمامها أحدثت ذلك الانهيار، و حفرت في الجرانيت ذلك الشق العميق؟ هل الماء؟ أم النار؟/ 54/ إن كلتا الفرضيتين متساويتان في الصحة.

و مع أن الطبيعة تحتفظ بسر ثوراتها، و أنه ليس هناك أيّ ذكريات مكتوبة للتثبت منها و تسجيلها؛ لأنه لم يتح لأنظار أيّ من البشر أن تتأملها، على الرغم من كل ذلك، فإن آثارها المادية تظل موجودة و ثابتة في مظاهر لا يمكن محوها من سطح الكون؛ لتشكل للعلم صوى عبر القرون.

يدل وجود كتل الجرانيت التي سقطت من الأعلى إلى الوادي على حدوث اضطراب ضخم، و هي ملقاة هناك في قعر ذلك الخندق العميق؛ بعضها مختلط ببعض، و كأنها جثث توحي بعالم سبق وجود الإنسان على الأرض. و إنه لمن العبث أن يبحث المرء هنا عن الظل و الخضرة: إذ لا نجد، باستثناء نخلة هزيلة منفردة على صخرة ناتئة، أي أشجار أخرى، ليس هناك قطعة عشب صغيرة، و الصخور كلها عارية، و ينتشر في كل مكان الكآبة و الموت.

هذا المضيق المخيف، و الرائع هو البهو المناسب للوصول إلى جبل سيناء.

كانت الطريق الكبرى تنتهي في هذا المكان، و لكن العمل بها كان يسير بنشاط

95

استثنائي، و لكنه كان بطيئا جدا، مقارنة بصبر عباس باشا الذي يكاد ينفد. و لم يكن المهندسون الذين كان يستعجلهم يستطيعون التغلب على عقبات المكان إلا بصعوبة كبيرة، و باستخدام المتفجرات و الآلات.

لقد كان ينبغي في كل خطوة، تفجير قطع ضخمة من الجرانيت التي كانت تقع في مجرى المسيل محدثة ضجة كبيرة، و تسد مجرى الماء الذي كان ينتثر في كل مكان و يغمر المنخفض./ 55/ و لما كان كل ما يفعله العرب مترافقا بالإيقاع، فإن صدى أغاني العمال كانت تردده الجبال، و كان غالبا ما يقطع ذلك الترداد صوت انفجار الألغام، و تهاوي الصخور. و لم يكن بالسهل علينا أن نخرج سالمين من هذا الركام من الماء و الحجارة و الرجال. و لم نستطع الخلاص من ذلك إلّا سيرا على الأقدام، لأن الهجن التي خلقت للرمال، و للأراضي السهلة، كانت أكثر اضطرابا منا في هذا العراك المتلاحم.

و قد لفت المرافقون نظري عرضا إلى فسقية (1) طبيعية، ماؤها هادئ و صاف كأنما هو في مغطس، و لست أدري لماذا يسميها الناس، حمّام النصراني. و لما تجاوزنا هذه المسافة الصعبة، بعد تعب، و تعرض للخطر، و لكن دون حوادث، وصلنا إلى منطقة من الوادي أقل و عورة و أكثر اتساعا، منها ينبع مسيل الماء، لقد كان انتقالا مفاجئا من جهنم من الصخور إلى جنة من الخضرة. ينبجس الماء من الأرض متدفقا

____________

(1)Vasque - فسقية، كلمة من أصل عربي يقصد بها حوض من رخام في وسطه نافورة ماء.

96

وسط العشب الكثيف، تتحلق حوله مجموعة من أشجار النخيل الجميلة التي يتكاثر عددها حتى تشكل في بعض المواقع أجمة لا تنفذ أشعة الشمس من خلالها. إن التباين يجعل هذه الواحة غير المنتظرة ثروة لا تقدر بثمن.

و كلما تقدم بنا المسير أصبحت المنطقة أكثر رحابة من الجانبين، و نعبر دون أن نشعر بذلك من نقب حبران إلى الوادي‏ (1) الذي يحمل الاسم نفسه. تطلق العرب اسم الوادي/ 56/ على المكان الفسيح المزروع عادة بالأشجار، و هو بالألمانيةThal ، و يتوافق مع‏Huerta الإسبانية.

ليس في وادي حبران من مزروعات أخرى، عدا أشجار نخيل التمر التي تنشر ظلالها في مدخل الوادي، ثم تتناقص شيئا فشيئا، و ينتهي بها الأمر إلى أن تختفي تماما. أرض الوادي قاسية، تكثر فيها الحجارة، و تفتقر الجبال الجانبية إلى أي نوع من الحياة، و لكن طرافة تكويناتها تعوض عن قحطها. أما جبل سربال، الذي أدرنا له ظهورنا بعد أن درنا حوله، فإنه أكثر علوا من الجبال الأخرى، و تنتشر كتلة منحدراته الجرداء على فراسخ عديدة من المنطقة. و هناك مسيل ماء ضئيل؛ يلفت النظر إليه ما في هذا الكون من قحط، و يحمل اسما مخيفا هو عين النمر، و إن كان هذا الاسم مخيفا فإنه لا يتفق مع الواقع المحلي باعتبار أنه لم يعد هناك وجود للنمر في هذه‏

____________

(1) وادي حبران: ينشأ من نقب حبران شرقي جبل سربال، و يسير متعرجا جنوبا نحو 15 ميلا في سهل القاع على علو نحو 16 ميلا من مدينة الطور. و هو في طريق هذه المدينة من الدير و العقبة. انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 59.

97

الأنحاء. و ليس هناك إلّا بعض الفهود. و ينغلق الوادي من هذه الناحية بنقب أو منحدر حبران الذي يسمى أيضا العجاني‏ (1)De L adjani ؛ و هي طلعة مخيفة تكون حياة الراكب فيها مرهونة بكبوة من ركوبه، بسبب و عورة الطريق، و كثرة الحجارة فيها، و قربها من الهاوية. لذلك صعدنا هذه الطلعة الطويلة التي لا تنتهي على القدمين: و استمرت حفلة التعذيب ساعة حسبناها قرنا. و يرى الناظر من القمة عددا كبيرا من الأودية يتيه المرء فيها، يتداخل بعضها في بعضها الآخر، و التي لا يمكن إلّا لفطرة البدوي وحدها أن تكون دليلا للتوجه فيها: لأنها جميعا محاطة و محددة/ 57/ بهضاب أو جبال تتشابه جماليا بأنها جميعا مجردة و محرومة من أي زرع.

و على الرغم من قحطها، فإن هذا المنظر يأسر الألباب، و لم أستطع أن أحول نظري عنه، و لا أن أفكر بأمر آخر، و أنا أتخيل موسى و قومه، و قد نصبوا خيامهم في هذه الأماكن الموحشة.

كان ينبغي علينا بعد أن صعدنا، أن ننحدر على الأقدام، ساعة أخرى من التعب؛ لأن المكان في هذه الناحية هو أسوأ من الصعود، إن كان هنالك ما هو أسوأ. و على الرغم من أننا لم نكن نركب الهجن، و هي تتحرك بالتالي بحرية، فإنها كانت تتعثر في كل خطوة، أما الجمال التي تحمل أمتعتنا فقد كان الجمالون مجبرين على أن يسندوا الحمولة من الجانبين لمنعها من الوقوع في المهاوي. و ربما كان الحصان، و البغل على وجه الخصوص أكثر مناسبة من الجمل لمثل هذه الطرقات؛ و لكن قبائل الطورة

____________

(1) كذا في الأصل و لعلها: العجاوة.

98

لا تملك خيلا و لا بغالا. وصلنا أخيرا، بعد تعثر و جري، نهاية ذلك المنحدر الشديد، و دخلنا في واد آخر، إنه وادي صلاف‏ (1). كانت الجمال هنا، و الحمد للّه، على الأرض المناسبة لها؛ أي على طريق رملية مستوية، و لم يكن هناك من تغيير إلا هذا:

فجبال هذا الوادي الجديد لها أوصاف الجبال السابقة نفسها، فهي تشبهها في خلوها من أي نبات، و في الكآبة التي تخيم عليها.

و على العكس مما سبق فإن الرمل هنا تزينه/ 58/ أزهار جميلة بيضاء و صفراء و بنفسجية تخفف من لمعانه، و تمنح النظر راحة و هدوءا. و نجد في هذه الأودية الطرفاء؛ و هي نبات ينتج المنّ؛ ذلك الرحيق السماوي‏ (2) الذي رزقه اللّه لبني إسرائيل عندما تاهوا في سيناء. لقد كانت تنتشر حولنا قطع ضخمة من نبات الرّتم؛ و هو نبات يتميز بأنه يشتعل و هو أخضر، مما يمنحه قيمة كبيرة في هذه الصحراء التي لا غابات فيها: و قد كان في تلك الليلة ذا فائدة عظيمة لنا، لأن الهواء كان شديد البرودة، و مع أن معسكرنا الصغير كان محميا بأكمة من الجرانيت، فقد كنا سنقاسي من البرد لو لا النار المتأججة و المتوقدة التي استخدمنا ذلك النبات في إشعالها و تلقيمها

____________

(1) في تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 51، أنه من أشهر فروع وادي الشيخ و أكبرها ... و في وادي صلاف بالقرب من مصب الدهيسة عند مروره بنقب حبران نواويس للسكان الأصليين.

(2)Ambroisie Cleste - طعام يظن أنه أحلى عشر مرات من العسل. و الطرفاء تعرف بشجرة المنّ إذ تتسلط عليها دودة كدودة القز تثقب جذوعها و أغصانها فيخرج من الثقوب صمغ حلو المذاق يلتقطه بدو سيناء، و يجعلونه في علب صغيرة من الصفيح و يبيعونه لزوار الدير و السياح، أو يأتون به إلى مصر فيبيعونه فيها باسم المن.

99

طوال الليل. كانت الليلة الأولى التي أقضيها حقيقة في الصحراء؛ في اليوم السابق كنت في أوروبا، تحت خيمة المهندسين الفرنسيين، أما صحراء السويس التي سبق لي التخييم فيها، فإنني أصر على ألّا أسميها صحراء؛ بسبب استراحاتها، و عربات السفر التي تجوبها، و محطات البرق فيها، و غير ذلك من الاختراعات الأوروبية التي غشيتها.

لا شي‏ء من ذلك هنا: ليس هنا طرقات، و لا سقف بيت واحد، و لا بشر؛ في كل مكان، هناك العزلة و الهدوء. كان الهواء في الصباح أكثر برودة مما كان عليه في المساء، و مع أن قرص الشمس كان ملتمعا، فإنه لم يمنح الجو بعض السخونة بعد: لقد انطلقنا متأخرين، ذلك أن جملا هائجا هرب بعد أن تمّ تحميله، لقد هرب بكل ما يحمله، و كان يلزم قائده بعض الوقت/ 59/ ليمسك به، و لم تتم إعادته إلّا بعد مقاومة شديدة. مشينا طوال فترة الصباح على أرض رملية مستوية تماما: كنا نرى الطبيعة التي رأيناها في اليوم السابق، الجبال نفسها، و الأفق نفسه. و ينتهي عدد من الأودية إلى الوادي الذي نعبره، و إن أعرضها و أكثرها صلاحية لمسير القوافل فيه هو وادي فيران‏ (1) الذي يمتد إلى اليسار، و ينحدر حتى البحر. و بينما كنا نمر أمامه خرج علينا منه بدوي يسير على قدميه، مرّ بنا و إمارات الفظاظة تبدو عليه، و دون أن يلقي السلام، و اختفى وراء صخرة دون أن يكلف نفسه عناء إدارة رأسه لرؤيتنا.

____________

(1) وادي فيران أو فاران، و هو أشهر أودية الجزيرة كلها قديما و حديثا و أغزرها ماء و نخيلا و يشكل مع وادي الشيخ واديا واحدا، القسم الأعلى منه وادي الشيخ، و الأسفل وادي فيران و له عدة فروع. انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 52.

100

لقد كان أول من رأيناه منذ وادي حبران. لقد كان هناك غير بعيد عنا مقبرة، و لما كان البدو دائمي الترحل فإنهم لم يكن لهم أماكن محددة لدفن موتاهم، بل كانوا يدفنونهم في الفلاة منفردين، و إن العلامة الوحيدة لتلك القبور المندثرة، هي مجرد حجر طبيعي ينفرد بحمايتها من شهية الضباع المقززة.

إن هندي السهول يحمل معه عظام أجداده؛ أما عربي الصحراء، فإنه يوكلهم إلى عناية اللّه و رسوله. وصلنا أخيرا إلى مضيق وادي الدير و سمي بذلك لأنه يقع بجوار دير سيناء. و دير سيناء آخر المعاقل الطبيعية المرتفعة بين البحر الأحمر و جبل سيناء، و التي قدّر لها أن تعيش أحداثا عظيمة، و إن هذا المعقل أكثر ارتفاعا، و أكثر عرضا، و أكثر إثارة للرعب أيضا من نقب/ 60/ حبران، الذي ليس إلا صورة مبسطة عنه. و لم أر أي مكان في أوروبا أكثر فظاعة منه، حتى في أكثر الأماكن توحشا، و أكثرها و عورة في جبال الألب و جبال كارباث‏ (1)Carpathes : إن المكان صورة عن السديم، ليس السديم الذي سبق انفصال العناصر، و لكنه السديم الذي يتلو فناء الكون. إن مثل هذه المشاهد تستعصي على كل وصف؛ و إن فرشاة سلفاتور روزا (2)Salvator Rosa هي وحدها القادرة على رسم منظر الرعب هذا. لنتصور

____________

(1) منطقة بين جزيرة كريت و جزيرة رودوس على البحر المتوسط مشهورة بعواصفها و مناطقها الوعرة.

(2)(Salvator) Rosa رسام و نحات و شاعر و موسيقي، ولد في رونيلاRonella بالقرب من نابولي‏Naples عام (1615 م)، و مات في روما عام (1673 م). تمتاز لوحاته بالأبهة المتوحشة، و بالمشاهد العنيفة و القاسية مثل: المعارك و اللصوص.

101

أن جبلا ضخما من الجرانيت يتداعى بسبب هزة أرضية مخيفة، أو بسبب اصطدام بجرم سماوي، و يغطي بأنقاضه المهاوي السحيقة حوله، و يحمل على جانبيه المهدّمين الآثار التي لا تمحى لذلك الاهتزاز المخيف. و نظن أنه منذ الكارثة لم يتغير شي‏ء؛ و لو أنها حدثت في اليوم السابق لما كان المنظر أكثر جمالا. أما الصخور فإنها متكسرة، و محطمة، و من كل الألوان و الأشكال، و هي عارية كما كانت في أول يوم بعد خلقها، و مرت القرون دون أن تترك عليها مثقال ذرة من التراب الصالح للزراعة، و لم يستطع أبدا أي شي‏ء حي، أن يمدّ جذوره في إمبراطورية الموت و الكآبة و العقم هذه؛ غير أن بعض قطع النبات تطلّ برأسها بصعوبة هنا و هناك بين تشققات الصخور.

و نلمح/ 61/ في الأفق البعيد على مدى النظر شجرتين وحيدتين هما: نخلة تمر هزيلة، و شجرة تين أكثر هزالا. و كان هناك بعض الكهوف المحفورة في قلب الجرانيت، أما الكتل السفلية التي تصدعت، و تكسرت في أثناء سقوطها، فإنها مملوءة بخروق عريضة، لا زالت نتوءاتها حادة كما لو أنها في أيام سقوطها الأولى. و قد حفر بعض منها كوى مربعة الزوايا، تظهر و كأن يدا بشرية حفرتها لهدف غير معلوم؛ و ربما كانت يد العبرانيين الذين كان عليهم بالضرورة أن يعبروا هذا الممر المخيف يقودهم موسى (عليه السلام).

إن الصوت البسيط يتحول في هذا المكان المخيف إلى صدى، و على الرغم من أن ذلك لا يحدث إلّا نادرا، و لكنه حينئذ يصبح شيئا فظيعا، يتكرر آلاف المرات، حتى لتحسب الطلق الناري صوت مدفع، حينئذ يرتجف الجبل من أساسه، ثم يعود

102

كل شي‏ء إلى الصمت أياما و شهورا كاملة. كان الدير (1) على بعد خطوات من هنا، احتاج وصولنا إليه ثلاث ساعات. إن أسواره الجرانيتية العالية، و الأعلام الثلاثة التي ترفرف على ذروته: علم موسى، و القديس جورج، و القديسة كاترين، تجعلنا نظن أنه قلعة أكثر منه ديرا. و هو في الحقيقة قلعة أقيمت في حضن الصحراء، و على أرض إسلامية، و هي تتعرض لخطر عدوين هما: التعصب و الطمع؛ فقد هاجمه/ 62/ البدو الذين تغريهم ثرواته عدة مرات، و كان على سكانه أن يتخذوا عدة إجراءات عسكرية لصدهم؛ يملك الدير، ناهيك عن مدفعين، ترسانة مملوءة بالأسلحة من كل نوع: و ليس هذا بقليل من أجل رجال سلام. إن الباب الكبير و الوحيد لهذا الصرح الضخم مغلق منذ ما يقارب قرنين، و لا يفتح إلّا في المناسبات الكبرى في أثناء زيارة الشخصيات الكبرى في الكنيسة اليونانية؛ و هذا لا يكاد يتم إلّا كل ثلاث أو أربع سنوات. أما في الأوقات الأخرى، فإن الباب مغلق بإحكام، و لا يمكن حينئذ الدخول إلى ساحة الدير، إلّا عبر كوة نقبت في الحائط على علو أربعين مترا من الأرض، يرفع من يريد الدخول إليها بواسطة الحبال، بعد أن يتحدث مع الرهبان، و يعلن اسمه و مركزه.

____________

(1) دير طور سيناء للروم الأرثوذكس، و قد بني على اسم القديسة كاترينا لذلك يدعى أيضا دير القديسة كاترينا (كاترين)، و له راية بيضاء ترفع على قبة كنيسته الكبرى في أيام المواسم و الأعياد، و هو واقع في سفح قمة من قمم طور سيناء على أحد فروع وادي الشيخ و يعلو نحو 5012 قدما عن سطح البحر. انظر وصفا مفصلا للدير في كتاب:

تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 205- 230.

103

و لما وصلنا إلى أسفل السور، و ترجلنا عن الهجن، قرع الناقوس معلنا وصولنا، و أطل راهب البوابة برأسه من الكوة، و ألقى إلينا حبلا لنربط فيه رسالة تعريف زودنا بها كوستا لكبير رهبان الدير. و طال انتظارنا الجواب الذي وصل بعد وقت طويل.

و دخلنا الدير ليس عبر البرج الذي أعفونا من الصعود إليه و إنما عبر باب سري تم فتحه مؤخرا في الجانب الآخر من البناء خلافا للأوامر و الحذر، و لا يستغرق سدّ هذا الباب في حالة التعرض للهجوم إلا بضع دقائق. و لما تجاوزت الباب السري الذي كان منخفضا حتى إنني لم أتمكن من الدخول إلّا بعد انحناء شديد/ 63/ مررت بعدد من الأفنية، غير متساوية، و غير منتظمة، ثم عبر نفق مغلق بسياج من الحديد، ثم فناء آخر أيضا، حتى وصلت أخيرا عبر درج خشبي إلى رواق الدير المخصص للأجانب، و الذي كان قد سبقني إليه سائحان من العالم الجديد.

أما المساكن المخصصة للمسافرين، فقد كانت تطل على ممر يمتد النظر منه ليشمل الصرح كله: و يخيل إلينا أننا نرى قرية كبيرة تحيط بها الجدران. و لا ينبغي أن نبحث عن نظام معماري، أو مخطط لهذه القرية: إنها متاهة من الأبنية المكدسة المتداخل بعضها فوق بعض، حسب طبيعة الأرض و راحة السكان، إنها الفوضى بعينها. و إن أول ما يلفت النظر وجود مسجد تعلو منارته وسط المكان، و إن هذا الأمر الذي يصعب على المسيحي تقبله فرضه السلطان سليم على الرهبان لكي يقبل بوجود الدير، و مقابل بعض الميزات الدنيوية التي خصّ بها جماعة الرهبان التي تعيش في الدير، و إن الفرمان الذي يضمن لهم تلك الميزات، موجود لديهم في أرشيف الدير، لكنهم لم يطلعوني عليه، و سواء كان موجودا أم لا، فإن أحدا لم يره حسب علمي.

104

و يذكر أن النبي محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) أعطى رهبان الدير عهد أمان، و ليس ذلك الأمر تاريخيا بمستحيل. أسس هذا الدير الإمبراطور يوستينيانوس‏Justinien و زوجته تاضورة (1)Thodora في عام 527 ميلادية/ 64/ و هذا يعني أن بناءه كان قبل التاريخ الهجري الإسلامي بقرن من الزمن: و ليس هناك ما يمنع أن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد جاء لزيارة الدير؛ و نؤكد ذلك كتب الأخبار العربية، و تضيف أن عروجه إلى السماء تمّ من على قمة جبل سيناء (2).

____________

(1) كتبنا الاسمين كما هما منقوشان على الحجر فوق باب الدير، حسبما ذكر نعوم شقير في كتاب: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 208، و النقش بتمامه:" أنشأ دير طور سيناء و كنيسة جبل المناجاة الفقير للّه الراجي عفو مولاه الملك المهذب الرومي المذهب يوستينيانوس تذكارا له و لزوجته تاضورة على مرور الزمان حتى يرث اللّه الأرض و من عليها و هو خير الوارثين. و تم بناؤه بعد ثلاثين سنة من ملكه، و نصب له رئيسا اسمه ضولاس. جرى ذلك سنة 6021 لآدم الموافق لتاريخ السيد المسيح 527". و علق نعوم بك شقير بقوله: إن النقش يعود إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر و فيهما غلطتان تاريخيتان: الأولى أن أول رئيس سمي للدير هو الأب لونجينيوس و ليس ضولاس، و الثانية أن الملك يوستينيانوس لا يمكن أن يكون قد أتم بناء الدير سنة 527 لأن هذه السنة هي بدء ملكه، و كان إذ ذاك مشغولا بالحروب كما هو ثابت في التاريخ. و إذا صح أنه أتمه بعد 30 سنة من ملكه كما في هذا الأثر فيكون قد تم سنة 557. و رجح شقير أن يكون قد تم بناء الدير في نحو سنة 545 معقلا لرهبان سيناء. تاريخ سيناء ...، ص 209. و يوستنيانوس الأول؛ جوستنيان الأول (483- 565 م): إمبراطور بيزنطي (527- 565 م) جمع الشرائع الرومانية و دونها.

(2) يذكر نعوم شقير في: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 220:" و العهدة النبوية:

و هي في تقاليد الرهبان كتاب العهد الذي كتبه لهم النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) في السنة الثامنة-