رحلة إلى الحجاز

- تشارلز ديدية المزيد...
399 /
105

و إذا كان وجود المسجد (1) في هذا المكان يدهش و يلفت النظر، فإن الكنيسة لا تظهر من النظرة الأولى، و ليس لها ما يميزها من السقوف و الشرفات التي تغرق الكنيسة في وسطها: و لكنها تعوّض عن بساطة شكلها الخارجي بروعتها الداخلية.

إنها وعاء فائق الجمال نصف بيزنطي، و نصف روماني، يقوم على أعمدة من الجرانيت التي طليت للأسف بالكلس، و قد تمّ في جذوع تلك الأعمدة حفر صلبان يونانية، ممّا يفسد النسق و يتلف بهاءه. إن جمال العمود أن يكون عاريا و مستويا تماما، و مع أن تضليع الأعمدة اختراع قديم، فإنني أرى أنه تشويه للبساطة البدائية للفن، و علامة من علامات انحطاطه؛ إلّا أنه لا ينبغي أن تبحث في الكنائس اليونانية لا عن البساطة و لا عن الفن. و إن هذه الكنيسة ينقصها الشيئان المذكوران. إن البريق الخداع، و فساد الذوق يصدمك في كل خطوة تخطوها فيها.

كان السقف أزرق ذهبيا، يمثل قبة السماء المملوءة بالنجوم، و تتدلى منه ثريات مفرطة في الحداثة، و لا تتناسب، على الرغم من أبهتها، مع بساطة المعبد المسيحي.

و ينطبق الوصف نفسه على المذبح الرئيسي الذي تزدحم عليه الأصداف/ 65/

____________

للهجرة. قالوا و قد كان الأصل محفوظا في الدير إلى فتح السلطان سليم مصر سنة 1517 م فأخذ الأصل و أعطاهم نسخة منه مع ترجمتها التركية. و في المكتبة الآن عدة نسخ منها بعضها على رق غزال، و بعضها على ورق متين، و بعضها في دفتر خاص ..." و انظر حديثا مفصلا عن العهدة النبوية في ص 495.

(1) انظر حديثا مفصلا عن المسجد و بنائه في كتاب: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 214- 217، و ص 510- 512.

106

و الحراشف التزينية و الصلبان المزينة بالأحجار الكريمة، أو المزعومة كذلك، و التي يعرضونها بفخر لتثير الإعجاب أكثر مما تدفع المؤمنين للالتزام الورع. و الواقع أن تلك التحف هي هدايا من أحد النبلاء الأثرياء الروس الذين ينتمون إلى الكنيسة المنشقة (عن الكنيسة الرومانية). و لما ادعى الإمبراطور نقولا (1) أنه حامي أبناء دينه الذين يعيشون في أراضي الإمبراطورية العثمانية، فإنه لم ينس هؤلاء الرهبان، بل إنهم تلقوا منه هدايا سخية، تدل على كرمه و اهتمامه. و إن كل تلك التحف، كثيرة كانت أم قليلة، هي مزية جيدة، و ليس بينها ما هو قديم، كما يبدو عليها ذلك. و استثني الباب الرئيسي للدخول الذي تبدو عليه علامات القدم، و هو مرصع بزخارف على المعدن صنعت بمهارة عجيبة، و إخال أنني قرأت عليه تاريخا يعود إلى القرن السابع الميلادي.

لن أستطيع هنا، و لا أريد أن أذكر كل شي‏ء، و لكنني أشير على سبيل الذكرى إلى عدد من اللوحات البيزنطية التي لا تكتسب إلا أهمية عادية، و إلى لوحات ذات أهمية بسيطة أيضا، تمثل صورة بعض الوجهاء المجهولين، أو صور بعض قديسي التقويم الإغريقي (اليوناني)، و صورة كبيرة لمشهد تجلي السيد المسيح (عليه السلام)، و أخيرا هناك رصيعتان كبيرتان لمؤسسي الدير الإمبراطور يوستينيانوس و زوجته الإمبراطورة تاضورة. و لا يمكنني أن أمضي دون الإشارة إلى الموزاييك الذي يكسو أطراف قبة

____________

(1) نقولاNicolas و يكتب‏Nicholas الأول (1796- 1855) قيصر روسيا من عام (1825- 1855) عرف برجعيته الشديدة، و سحق ثورة الديسمبريين (1825 م).

107

صدر الكنيسة التي نرى فيها موسى راكعا على ركبتيه أمام العليقة المشتعلة، و في الأسفل نراه ممثلا و هو يتلقى ألواح الوصايا العشر (1). و من الملاحظ أن نبي بني إسرائيل (موسى (عليه السلام)) لا يبدو في اللوحات الشرقية/ 66/ بالهيئة القاسية و الرهبانية التي تمثله بها في أوروبا، و التي أرسى دعائمها ميكيل أنجلو (2)Michel Ange في رائعته‏ (3) الموجودة في كنيسة القديس بيير (في روما- الفاتيكان)Saint -Pierre Aux liens ، و لكنهم يمثلونه بصورة شاب بلا لحية، يرتدي جلبابا أزرق و عباءة بيضاء، و هناك مصلى يحمل اسمه يقع على يسار المذبح الرئيسي، في الساحة التي توجد فيها العليقة المشتعلة، على الأقل حسب ما يقوله الرهبان اليونانيون. و لا يسمح لأحد بأن يطأ هذه الأرض المقدسة إلّا بعد أن يخلع نعليه و يضعهما على الباب كما هو الحال على باب المسجد. لنتأمل بإعجاب قوّة المحاكاة و العدوى بالمجاورة (4). إن الممارسات الإسلامية وجدت طريقها هنا لتصل إلى كهنة المسيح (عليه السلام). كان هذا الدير الكبير النائي في الشرق يسمّى في الماضي، و ربما تم تأسيسه بهذا الاسم، دير التجلّي،

____________

(1) انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 210- 211.

(2)Michel -Ange ,Michelangelo - ميكيل آنجلو (1475- 1564 م) نحات و رسام و مهندس معمار إيطالي، يعدّ أحد أعظم الفنانين في جميع العصور.

(3) نحت ميكيل أنجلو تمثالا لموسى (عليه السلام)، موجودا في كنيسة القديس بيير في الفاتيكان، و تبدو على التمثال معالم العنف و القسوة و الشدة.

(4) ليس الأمر كما يقول ديدييه و إنما خلع النعل التزاما بخطاب اللّه تعالى لموسى (عليه السلام) في قوله في سورة طه، الآيات من 9- 12: وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ (9) إِذْ رَأى‏ ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى‏ (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏.

108

و هو اليوم يسمى باسم القديسة كاترين‏Sainte Catherine التي تحميه، و يحتوي على رفاتها؛ كان اسمها في حياتها دوروتي‏Dorothe ، تنصرت في القرن الرابع الميلادي، أما اسم كاترين الذي سميّت به بعد موتها فإنه مشتق من الكلمة السريانيةCethar التي تعني التاج، و قد منحت هذا الاسم لأنها جمعت كما يقول القديس جيروم‏ (1)Saint JerOme تاجا ثلاثيا من العذرية و الشهادة و العلم؛ لأنها كانت عالمة قبل أن تكون قديسة، كانت تحاول هداية الفلاسفة الذين كانوا يحاولون بدورهم أن يثنوها عن معتقدها، و ظلت زمنا طويلا رئيسة المدارس الفلسفية، كما كانت أيضا رئيسة مدارس الفتيات./ 67/ لقد وضع رفاتها في ضريح فخم، تشتعل حوله أضواء الشموع ليل نهار، و يأتي إليه في كل سنة عدد كبير من الحجاج.

و لكي أنتهي من الحديث عن كنيسة القديسة كاترين، و لكي أكون صادقا في نقل الحقيقة، ينبغي القول: إنها موضع عناية كبيرة، و لا يمكن إبداء أي ملحوظة على نظافتها، و لكن نواقيسها صغيرة جدا، و لا تليق بمعبد له شهرة كبيرة، و يتمتع بإجلال عظيم. و هي تمتلك عوضا عن ذلك مجموعة من الأجراس (مصلصلة(Carillon التي ليست كما أعتقد إلا صفيحة من الحديد يضرب عليها بمطرقة، و مصلصلة أخرى من الخشب تشبه الأولى في بدائيتها، و التي يقرعها قارع الأجراس طوال النهار، كما يستخدم في إيطاليا الناقوس الخشبي‏Crecelle في يوم الجمعة العظيمة.

____________

(1) أحد أكبر آباء الكنيسة اللاتينية ولد في عام 331 م و توفي في بيت لحم عام 420 م اشتهر بمؤلفاته التفسيرية، راجع الترجمة الإغريقية للعهد القديم، و وضع ترجمة لاتينية له عن النسخة العبرية.

109

أمّا مكتبة الدير، فهي فقيرة بالكتب المهمة، و تعالج كل الكتب الموجودة فيها موضوعات دينية، و لكنها في مقابل ذلك غنية بالمخطوطات العربية و اليونانية، و السلافية أيضا. و لا شك أنه بالإمكان استخراج معلومات مفيدة منها. و لكن الرهبان حريصون عليها دون أن يقرؤوها. و لم يعودوا ينسخونها، إنهم يكتفون بإظهارها للزوار لإشباع فضولهم؛ و من تلك المخطوطات نسخة من مزامير داود مكتوبة بخط صغير، كتبتها القديسة كاسياني‏Sainte Cassine ، و نسخة من الإنجيل مكتوبة بماء الذهب أهداها إلى مكتبة الدير الإمبراطور ثيودوسيوس‏Thodose تقربا و تعبيرا عن الإخلاص‏ (1).

إن الرهبان اليونانيين لا يضعون أقدامهم في مكتبتهم أبدا، و لكنهم يذهبون راغبين إلى حديقتهم الواقعة خارج أسوار الدير/ 68/ و قد لاحظت في الحديقة عند وصولنا بعض أشجار الزيتون، و سروة رائعة، و شجرات لوز مزهرة، و تنتج الحديقة فضلا عما ذكرناه تينا و عنبا و إجاصا (كمثرى) مشهورة بجودتها في القاهرة. و يمتلك الدير حديقة أخرى، بل عدة حدائق كما أظن في بعض الأودية المجاورة. و إن البئر داخل الدير هي البئر التي قابل عليها موسى (عليه السلام)، قبل أن يبعث، و في أثناء هربه من مصر بسبب قتله رجلا، ابنتي النبي شعيب المبعوث إلى مدين، و كانتا قد أتيتا البئر لسقاية مواشي و الدهن، و لما وصلتا أراد بعض الرعاة إبعادهما عن البئر، و لكن موسى (عليه السلام) ساعدهما، و استخرج الماء لهما من البئر، و عندما علم‏

____________

(1) انظر حديثا مفصلا عن مكتبة الدير و محتوياتها في كتاب: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 218- 220.

110

والدهما بالأمر زوّجه إحداهما صفورة (1)Sphora ، و أصبح موسى راعيا لمواشي والد زوجته‏ (2).

____________

(1)Sphora - صفورة ابنة شعيب (عليه السلام)؛ و هي التي جاءت موسى (عليه السلام) تمشي على استحياء كما وصفها القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 25.

(2) سفر الخروج، الفصل‏II ، 16 و التي تليها (المؤلف).

هذه رواية العهد القديم، أما القول الحق، فهو ما جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة القصص، الآيات من 15 إلى 28: وَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى‏ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى‏ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى‏ أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَ ما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى‏ قالَ يا مُوسى‏ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى‏ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22) وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى‏ لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى‏ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ ما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَ اللَّهُ عَلى‏ ما نَقُولُ وَكِيلٌ (28).

111

إن هذه القلعة الدينية الضخمة محاطة بعدد من القمم، و محصورة بينها، و إن لكل واحدة من تلك القمم اسما خاصا: في الشمال جبل اليهود و جبل حوريب، و في الجنوب جبل القديس ابيستيموس‏Episteme ، و نحو الشرق جبل موسى‏ (1)، الذي تروي الأخبار أن مخلص بني إسرائيل (موسى) رعى أغنام شعيب عند سفوحه، مع أننا لا نجد أي عشب في سفوحه. و يتسع الوادي من الغرب، و تتباعد الجبال تباعدا ملموسا لتخلي المكان لسهل واسع كل الاتساع، و هو المكان الواسع الوحيد في تلك الأنحاء الذي يتسع/ 69/ لعدد كبير من الناس: و ربما أقام العبريون معسكرهم في هذا المكان، و يشار في هذا المكان حقا إلى حجر هارون (مقام النبي هارون) الذي يزعم أنه استخدم قاعدة للعجل الذهبي. إن المشهد الطبيعي في هذه الأنحاء ذو قسوة فظيعة و جلال لا نظير له. و إن قمم الجبال و منحدراتها عارية تماما، شأنها شأن القمم و المنحدرات التي رأيناها حتى الآن، و لكن الشمس تلقي عليها في كل ساعات النهار، و في المساء على وجه الخصوص، و في الصباح بشكل أجمل، أطيافا ضوئية متنوعة كل التنوع، و رائعة كل الروعة، حتى إنها لتعوض تعويضا تاما قحط المكان الذي لا نودّ رؤيته على أي هيئة أخرى. إن في هذه اللوحة السحرية تدرجا في الألوان لا يمكن محاكاته، و لا يمكن وصفه.

أما جبل موسى الذي ظل مظلما و مغلفا بالضباب زمنا طويلا بعد طلوع الشمس التي تشرق من ورائه، فإنه يشكل خلفية اللوحة، فبينما كانت أسافله لا زالت تغوص في الظل، كانت أعاليه مضاءة بالشمس.

____________

(1) في تاريخ سيناء ...، موثق سابقا.، ص 223 أنها أربع قمم و هي: جبال موسى، و الصفصافة، و المناجاة، و كاترينا.

112

أما جبلا حوريب و القديس ايبيستيموس فإنهما يصطبغان في ذلك الوقت باللون الأحمر و المعدني، و تعكس تعرجات الصخور فيها ظلالا سوداء ظاهرة بوضوح كبير حتى إننا نخال أن الألق لا يزال يشع منها: حتى لنظن أن سيلا من الحمم البركانية، يخرج من الفوهة يتهيأ لإحراق الدير و المنطقة كلها.

تبدأ طلعة جبل سيناء أمام باب الدير: فيمر الطريق في شعب ضيق بين جبل حوريب و جبل اليهود، و يستعمل في صعوده/ 70/ من أجل راحة الحجاج الذين ينبغي أن يصعدوه زحفا، نوعا من الدرجات التي تسهّل عملية الصعود لو أنها لقيت عناية أفضل. و إن أول ما يلقانا في الصعود نبع الإسكافي‏ (1) الذي يذكّر اسمه بحكاية أسطورية محلية. ثم نجد بعد ذلك كنيسة صغيرة (2) مهداة إلى العذراء (مريم) التي أتت إلى هذا المكان حسب حكاية أخرى.

____________

(1) انظر، تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 224.

(2) هي كنيسة الأقلوم كما جاء في كتاب تاريخ سيناء، موثق سابقا، ص 224. يقول:

" و في تقاليد الرهبان الروائية: أنه في إحدى السنين اشتد الجوع في الجزيرة و انقطع الزاد عن الرهبان فاتفقوا على ترك الدير و الالتجاء إلى مدينة الطور فرارا من الجوع فصعدوا إلى قمة جبل موسى لأداء الزيارة قبل الرحيل، و تأخر الأقلوم في الدير فأقفل الأبواب و سلّم المفاتيح إلى شيخ أولاد سعيد بحضور مشايخ الجزيرة كلهم و سار في طريق قمة جبل موسى لاحقا بإخوانه. فلما وصل هذا المكان تجلت له مريم العذراء و ابنها الطفل على يدها و قالت له:" اذهب و تمم زيارتك لقمة الجبل وعد بإخوانك إلى الدير فإن الفرج قد جاءكم" قالت ذلك و غابت عن نظره. فعاد بإخوانه إلى الدير فوجدوا إبلا كثيرة محملة حبوبا فسألوا أصحاب الإبل عمن أتى بهذه الحبوب فقالوا أتى بها شيخ جليل علاه الشيب و فتاة في منتهى الجمال و قد رافقانا إلى هذا المكان ثم اختفيا عن الأبصار. قال الرهبان: إن الشيخ و الفتاة هما موسى النبي و القديسة كاترينا و قد شادوا هذه الكنيسة على اسم مريم العذراء تذكارا لتلك الحادثة العجيبة!

113

و نصعد بعض الدرجات أيضا فنصل إلى سهل مغلق من كل الجهات، تحيط به قمم هائلة، منها قمة القديسة كاترين التي ترتفع إلى ما لا يقل عن 8500 قدم عن سطح البحر الأحمر. و لا تقل قمتا حوريب و سيناء عن هذه ارتفاعا؛ و إن هذا الارتفاع هو الحد الذي تظل بعده الثلوج موجودة أبدا، على المرتفعات في المناطق الشمالية. و من أي جهة نظرنا، و إلى أبعد ما يستطيع النظر الوصول، لا نرى إلا كتلا من الجرانيت الأمغر، و الوعر، و الأجرد؛ كما لو أنها احتفظت تماما بشكلها يوم أن خرجت من أمعاء الكون؛ لم تنم أية نبتة في هذه الأنحاء، و لا يمكن لأي منها أن تنمو في المستقبل، مع ذلك فإن هناك شجرة، و لكنها وحيدة تنتصب في وسط المكان القاحل، إنها شجرة سرو ضخمة ضخامة غير معتادة، تشبه قمتها هرما ضريحيا يقاوم منذ قرون كل العواصف. و نجد عند جذور الشجرة بئرا ماؤها عذب وصاف، و لا يشرب منها أحد، لأنه لا أحد يسكن، و لا أحد يعبر هذه الأرض الموحشة وحشة مخيفة عدا بعض المسافرين./ 71/ لقد قضيت استراحة طويلة بجوار تلك البئر المهجورة، في ظل شجرة السرو العملاقة، متوغلا و متحديا، إن صح القول، تلك الطبيعة القاسية، العظيمة، و الموحشة، و المنعزلة كل العزلة، و المفعمة بالأمجاد، و العامرة بكم هائل من الذكريات، و التي تبدو للبصيرة و البصر أنها أرض أمجاد خالدة. إن من يرى تلك الطبيعة المؤثرة يشعر أن أحداثا عظيمة و هائلة جرت بين أحضانها، و أنّها خلقت و تكوّنت لتكون مسرحا لأسرار جليلة، و لمعجزات فائقة، و نشعر أن اللّه اختارها ليوحي فيها إلى أنبيائه. كم هناك من أحداث، و كم من القرون‏

114

التي لم نلق عليها و لو نظرة واحدة! ذلك هو بادئ ذي بدء جبل سيناء الذي يخطف الأبصار، و الذي أوحي إلى موسى على قمته الرسالة السماوية وسط البرق و الرعد، تلك الرسالة التي ما زالت حية بعد أن مرّت عليها قرون عديدة؛ و إلى الأسفل قليلا نجد المغارة التي قضى فيها موسى (عليه السلام) أربعين يوما و ليلة في الصحراء بين يدي اللّه و بحمايته الحانية بعد أن أوحى إليه، و في الأمام هناك حوريب حيث تلقى موسى رسالته السماوية، و هو جاث على ركبتيه أمام العليقة المشتعلة، و كنت أرى على بعد خطوات مغارة أخرى رأى فيها إيلياElie أحد أعظم أنبياء بني إسرائيل، رؤياه التي تعد إحدى أكثر الرؤى التي تتحدث عنها الكتب المقدسة رعبا. لنستمع إلى المؤرخ الجليل الذي يحكي تلك الرؤيا، و لن نعرف كيف نعبر عن الإحساسات/ 72/ المؤثرة التي تسيطر على النفس في أثناء ذلك، دون أن نستشهد بعبارات المؤرخ نفسه؛ لأننا هنا نكتشف و نشعر أن تلك العبارات موحاة، إن لم تكن قد كتبت في هذا المكان، و أن كلا منها يحمل سمة هذا المكان الرائع." مشى إيليا أربعين يوما، و أربعين ليلة، حتى وصل إلى جبل حوريب، الجبل الذي تجلت عليه الذات الإلهية، و هناك دخل مغارة في الجبل، حيث بات الليلة فيها، ثم أوحى إليه الباقي، و قال له:" أخرج وقف على الجبل أمام الرب. و إذا بالرب عابر، و ريح عظيمة و شديدة قد شقّت الجبال، و كسرت الصخور أمام الرب، و لم يكن الربّ في الريح. و بعد الريح زلزلة، و لم يكن الربّ في الزلزلة. و بعد الزلزلة نار، و لم يكن الربّ في النار. و بعد النار صوت منخفض خفيف. فلمّا سمع إيليا لفّ وجهه بردائه، و خرج، و وقف في باب المغارة. و إذا

115

بصوت إليه يقول: ما لك ههنا يا إيليا". (1) ألا نتخيل و نحن نقرأ هذا الكلام الرائع أننا نشهد ثورات جيولوجية هزت بعنف هذه الأرضين المختارة منذ الأزل؟

ذلك الزلزال الرهيب الذي يحرك الجبال، و تلك العاصفة الهوجاء التي تجعل الجبال تميد و تتداعى، تلك النار المتأججة التي تحرقها و تجعلها عقيمة/ 73/ أي شي‏ء هذا إن لم يكن تعبيرا عن عوامل في باطن الأرض أو خارجها، لذلك الاضطراب العظيم للمادة كما يتصوره العلم و يشرحه في أيامنا هذه؟

إذا، ليست رؤيا إيليا إلّا حدسا، بل كأنما هي رؤية ثانية للاضطراب الفيزيائي الذي تحمل كل صخرة هنا آثاره التي لا يمكن إنكارها. و إن تلك النسمة الرقيقة و الناعمة التي تلت اضطراب العناصر، و التي شعر معها النبي بتجلي الذات الإلهية؛ إنها حقا الذات الإلهية؛ أي العلم المطلق الذي ما إن استقر الكون بأمره حتى بسط عليه هيمنته، و خلق ظواهره، و قدّر قواه، و سبر غور أسراره، و تعالى عن الحياة المادية، فقدر العلل و الأسباب، و حاز مع الحكمة القدرة على الخلق الذي اختص وحده بفهم أسراره. إن البحث في مثل هذه الأمور يكتسب هنا أهمية لا يكتسبها في أي مكان آخر؛ لأننا لا نجد في الكون مكانا مثله احتفظ بمعالمه نفسها، ناهيك عن روعة التاريخ و التقاليد، مما يوقظ المشاعر و يأسر الروح.

____________

(1) سفر الملوك الأوّل، الإصحاح 19، عدد 8 و ما بعدها (المؤلف). و جاء في كتاب:

تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 29" ... و الجبل الذي جاءه إيليا النبي بعد سفر شاق من" بئر سبع" دام أربعين نهارا و أربعين ليلة فبات في مغارة و كلمه الرب بعد زلزلة عظيمة" بصوت منخفض خفيف".

116

إن لشبه جزيرة سيناء شكلا مثلثا، يربطها أحد أضلاعه بالقارة، في حين أن الزاوية المقابلة تتوغل في البحر على شكل نتوء صخري، أما الضلعان الآخران فإنهما محاطان بخليجين؛ خليج السويس في الشمال، و خليج العقبة في الجنوب، و باستثناء بعض المصاطب الكلسية في المناطق المنخفضة/ 74/ فإن أرضها ظلت على تكوينها الأول، تعج بالقمم و النتوءات الصخرية التي تتبع كلها تنظيما واحدا، و تنطلق من مركز مشترك. تتلوى في المنخفضات وديان ضيقة، و رملية، ليس فيها زرع إلّا ما في بعض واحات نخيل التمر قرب عيون الماء و الآبار.

أما مرتفعات سيناء فتجثم وسط البرزخ، و تشرف على شبه الجزيرة كلها.

و لنا أن نتخيل المنظر الرائع الذي نتمتع به من أعلى مشهد كهذا المشهد. يقع النظر من كلا الجانبين على خليجين، و يتابع تعرجاتهما كما لو أنه يشاهدها على الخريطة، و تقع جزيرة تيران‏ (1) في قاعدة خليج العقبة (2). و يبدو من الغرب، فضلا عن الأودية و المرتفعات التي تمتد عند أقدامنا، البحر الأحمر الذي يظهر من هنا و كأنه نهر، و ليس بحرا واسعا لا نتمكن لاتساعه من رؤية الساحل الإفريقي الذي يبدو للعيان بجباله‏

____________

(1) هذه الجزيرة هي الآن تابعة للمملكة العربية السعودية، و تكتب في الخرائط: ثيران و الصحيح أنها: تيران.

(2) يحد سيناء الجنوبية من الشرق، و طوله من رأس محمد إلى قلعة العقبة نحو مئة ميل، و عرضه من سبعة أميال إلى أربعة عشر ميلا. و فيه ثلاث جزر إحداها تيران التي تقع عند قاعدته تجاه رأس محمد، و بينهما مضيق حرج لمرور المراكب. تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 16.

117

الضخمة التي توجد وراءها صحراء أخرى ذات أهمية كبرى لدى النساك المسيحيين الأوائل؛ إنها مكان معزول كانوا يذهبون إليه ليبحثوا في العزلة و التأمل و الوحدة، عن شعور أولي بالسلام الأبدي.

أما من ناحية الشرق أخيرا، باتجاه سورية فإن النظر يتيه في أعماق صحراء بلا حدود، إنها الصحراء نفسها التي تاه فيها بنو إسرائيل خلال أربعين سنة قبل أن يدخلوا بلد كنعان./ 75/

و قد لاحظت عرضا أننا نصادف العدد (40) عدة مرات على طريقنا، إنه يتكرر بكثرة في العهد القديم و العهد الجديد: فاليهود تاهوا أربعين سنة في الصحراء، موسى (عليه السلام) اعتزل أربعين يوما قبل أن يبلغ رسالته، إيليا سار أربعين يوما و أربعين ليلة قبل أن يستقر في كهف حوريب، صام المسيح (عليه السلام) في عزلته أربعين يوما، و ظل أربعين ساعة في قبره قبل أن يبعث من جديد.

و يبدو أن لهذا العدد عند اليهود شيئا من القداسة، بل شيئا من السحر، و إن له فضيلة خفية، ضاع معناها؛ مع أنه لا يدخل في تركيبه لا (3) و لا (7) و هما رقمان مقدسان (عند الساميين).

يوجد في قمة جبل سيناء مصلى مسيحي يحمل اسم النبي موسى (عليه السلام)؛ و إن المسلمين الذي يجلون هذا النبي كما يجله المسيحيون أقاموا له في هذه القمة مسجدا يحمل اسمه، ناهيك عن أنهم أطلقوا اسمه على الجبل؛ جبل موسى.

118

و يروى أن النبي محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) زار هذا الجبل، و منه عرج به إلى السماء. و ما زال الناس يشيرون إلى أثر قدم ناقته على إحدى الصخور (1) هناك. تقوم في قلب أحد الأودية المجاورة واحة صغيرة خصبة تعرف باسم بستان الأربعين شهيدا (2)؛ لأن أربعين مسيحيا، الرقم أربعون أيضا، استشهدوا فيها أيام اضطهاد المسيحيين./ 76/ و في مكان ليس ببعيد توجد صخرة موسى‏ (3) التي يذكّر اسمها أتباع الديانات السماوية الثلاث، اليهودية و المسيحية، و الإسلام، بالوثنية التي كانوا عليها (قبل نعمة التوحيد)،

____________

(1) جاء في تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 225:" ... و يوجد هناك (في قمة جبل موسى) كنيسة صغيرة و جامع صغير ... و قبل وصولك إلى قمة الجبل بنحو 5 دقائق تجد على الطريق أثرا في صخره كأثر قدم الجمل يدل البدو عليه أنه الأثر الذي تركه جمل النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما زار الجبل ...".

(2) جاء في تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 227: (" فاللجاة العليا" في رأس الوادي. و هناك بستان عظيم من شجر الزيتون و بعض أشجار الفاكهة. و خمس عيون ماء. منزل قديم للرهبان و كنيسة" الأربعين شهيدا" و هم الشهداء الأربعون الذين قتلوا لأجل إيمانهم بالمسيح في سبسطية بكبدو كية في 9 آذار سنة 320 م.)

(3) سماها نعوم شقير في تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 227" صخرة موسى" بين اللجاة السفلى و اللجاة العليا. و هي صخرة جرانيتية علوها نحو 12 قدما و طولها و عرضها نصف ذلك. يدل عليها الرهبان أنها الصخرة التي أخرج منها موسى (عليه السلام) الماء لبني إسرائيل. قال تعالى: البقرة، الآية 60: وَ إِذِ اسْتَسْقى‏ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60). و قد سماها ديدييه‏Belphegor و هو اسم أحد الآلهة عند اليونان مركب من‏Bel أوBel بعل، السيد و هو شكل يوناني لاسم أحد الآلهة عند المؤابيين، كان يعبد على جبل‏Phegore و كان اليونان يقدمون له طقوسا إباحية، و استمرت عبادته حتى العصر الروماني. و هي عنوان قصة لميكيافيللي.

119

باعتبار أن تلك الديانات نزلت في أمكنة متقاربة، و يمكن القول: إن لها مهدا مشتركا واحدا. إن صعود جبل سيناء صعب و مرهق؛ لأن المكان ما زال كما كان في بدايته منحوتا على شكل درج، و سيظل كذلك حتى النهاية. و لكن ذلك الدرج الذي يفترض أن يسهل عملية الصعود، أصبح نصف مهدم؛ مما يجعل الصعود مرهقا، و النزول محفوفا بالمخاطر. و في طريق العودة إلى سهل إيليا عدنا إلى الدير عبر طريق أخرى، و أدهشني أن الطريق من هذه الناحية جيدة، و هي في بعض الأحيان محفورة في الصخر القاسي، و تكاد تكون صالحة لمسير السيارات. إن هذه الطريق التي هي صورة مصغرة عن ممر سيمبلون‏ (1)Simplon تم إنجازها منذ وقت قريب من أجل عباس باشا ذلك الأمير الأفريقي الذي قام مؤخرا بزيارة سيناء، و بانتظار إنشاء القصر المعلق الذي سبق لي الحديث عنه، و الذي دللت على المكان الذي سيقام فيه على قمة يصعب الوصول إليها (2). لقد رافقني في رحلتي عدد من رهبان الدير، و أراد الأخ بيير أن يرافقني؛ كان شخصا غريبا كل الغرابة، يلبس جلبابا أزرق، و قلنسوة أسطوانية، و يقاسم الرهبان حياة التقشف، مع أنه ليس برجل دين. كان يوناني‏

____________

(1) أحد ممار جبال الألب الرئيسية المستخدمة منذ العهد القديم و ربما منذ ما قبل التاريخ بفضل ارتفاعه البسيط (2000 م)، و هو شرق الحدود بين سويسرا و إيطاليا.

(2) جاء في كتاب: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 545:" ... و بعد وفاة إبراهيم باشا تولى مصر عباس باشا أكبر أولاد الأسرة العلوية. و قد زار سيناء، و اهتم بها اهتماما كبيرا، و ظهر أنه نوى أن يجعلها مصيفا له، فبنى فيها الحمام فوق النبع الكبريتي قرب مدينة الطور. و مهّد طريقا من دير طور سيناء إلى قمة جبل موسى. و شرع في بناء قصر جميل على جبل" طلعة" غربي جبل موسى. و شرع في مد طريق للعربات من مدينة الطور إلى القصر، و لكن عاجلته المنية قبل أن يتمها ...".

120

الولادة، درس في/ 77/ الجامعات الأجنبية، و كان يتحدث بسهولة عجيبة عددا من اللغات إحداها الفرنسية. و يبدو عليه أنه يمتلك ثقافة متنوعة، و كان يعنى على وجه الخصوص بالفلك و الموسيقى، حتى أسند إليه مسؤولو الدير أن يعلم الرهبان المستجدين في الدير الموسيقى على الأقل. و لكنني فوجئت، بعد أن تحدثت معه، بما لاحظته من اضطراب في معارفه، و من تشوش في أفكاره، و قد زالت دهشتي عندما أخبرت أنه مجنون، و أن أسرته التي عرفت بعض أفرادها في القاهرة، تعد وجوده في الدير كما لو أنه في مصحة، لقد كان جنونه خفيفا جدا، و إنني أعرف عددا من الناس الذين يقال: إنهم عاقلون و الذين كانت بالتأكيد صحبتهم أشد علي من صحبته.

و ليس من شك أن هذا المجنون المسالم و المجدّ يمكن أن يصبح في يوم من الأيام بطل حكاية أسطورية، بذورها موجودة في الروايات المتناقضة التي يتداولها الناس بشأنه.

يسمى جبل سيناء في المنطقة جبل الشريعة، و إن اسم القديس ايبستيموس‏Saint Episteme الذي يلامس الجبل المسمى باسمه الدير من الجهة المقابلة، يعني باليونانية: المعرفةSavoir مما جعلني أقول للرهبان: إنه لّما كان ديرهم يقع بين العلم و الشريعة، فإنه من غير المستغرب أن يكونوا قديسين و علماء. لقد كنت أصانعهم بالطبع بما قلت؛ لأنهم لا نصيب لهم من هذا أو ذاك؛ إن لدي عموما القليل من الأشياء الجيدة لأقولها عنهم، و لن أتمكن على الخصوص، و أنا صادق، من إطراء تخليهم عن مكاسب الدنيا المؤقتة:/ 78/ لقد بدا لي أن الجشع هو السمة المميزة في طبعهم؛ و قد تجاوزوا بها معنا حدود المعتقد و الخجل.

121

كان عليّ أن أرسل في الأمسية التي وصلنا فيها رسالة إلى المهندسين الفرنسيين المقيمين في وادي حبران، و قد طلبوا منا لحمل الرسالة مبلغ 40 قرشا؛ و هو مبلغ ضخم في هذا البلد. و كان يمكن لأول أعرابي نراه أن يحمل الرسالة مقابل مبلغ أقل بعشر مرات مما طلبوا؛ لقد ساومنا و اتفقنا على دفع نصف المبلغ، و لسنا بحاجة إلى القول: إن الدير يحتفظ بالمبلغ كله، أما المراسل المسكين فإنه لا يحصل على بارة واحدة مقابل تعبه. إن الرهبان اليونانيين الذين يحسبون حساب كل شي‏ء، بادروا من قبل، و لكي لا نضع في حسابنا الحصول على أية منافع و لو كانت صغيرة، إلى التلميح بخصوص الرسالة التي حملناها إليهم من كوستا إلى أنها كانت كافية لتفتح أبواب الدير لنا، و لكنه كان من الأفضل أن نطلب رسالة من سلطتهم العليا في القاهرة، و إن ما ينبغي معرفته أن هذه الرسالة تشترى بريال فضي واحد، بينما لا يستفيدون شيئا من رسالة كوستا. لقد أوصونا في اليوم التالي و ألحوا في وصاتهم أن نعطيهم حتى مخصصات الخدم الذين رافقونا في رحلتنا إلى جبل سيناء بحجة أن الخدم سيفقدون تلك الأموال بين الصخور؛ لقد كانوا بكل بساطة يودون الاحتفاظ بها لأنفسهم؛ و لم يكن ذلك إلّا بداية واعدة، وفّت فيما بعد بما وعدت./ 79/ لقد أجبرونا بادئ ذي بدء، و أكاد أقول بالقوة، على شراء عجينة من التمر من صنعهم، و سبحات هزيلة صنعوها من سبحاتهم القديمة، و ثمار المنّ معبأة في علب من الصفيح، و خواتم فضية عليها الأحرف الأولى من اسم القديسة كاترين، و غير ذلك من طرائف موجوداتهم، بثمن باهظ. أما بخصوص الطعام فإن الأمور كانت تجري على الشكل‏

122

التالي: يأخذ الدير على عاتقه تقديم الخبز لكل زائر و ذلك موجود في شروط تأسيسه. يوزع ذلك الخبز اليومي في الصباح على البدو و البدويات؛ لأنني رأيت هنا عددا منهن، و كان بينهن واحدة شابة و جميلة، لها عينان ساحرتان، و أسنان لامعة، و لم تكن محجبة؛ و إن نساء البادية كنّ في هذه الناحية أكثر حرية، و أقل تشددا من بقية المسلمات.

إذا يحق للمسافرين الحصول على خبز الدير، شأنهم شأن كل الناس، و لا يحق لهم غير ذلك أبدا: أما كل الباقي فهذا شأن المسافر، إنهم يسمحون باستخدام المطبخ، و لكنه خال و بدون نار. و إذا أراد الزوار استخدامه فعليهم أن يحضروا كل شي‏ء معهم، بدءا من القدور و الفحم و انتهاء بالأطعمة و التوابل المخصصة لأبسط ضرورات الحياة. و نستطيع التفاهم بسهولة مع الراهب الذي يشرف على المطبخ فنحصل منه مقابل مبلغ معقول على الأشياء التي لا غنى عنها في شؤون الحياة المادية؛ و هو يبيعك مقابل أي/ 80/ مبلغ، مهما كان قليلا، عرقا يدعي أنه مصنوع من عنب قبرص.

أما نحن فلم نكن بحاجة إلّا إلى أشياء قليلة جدا، لقد حملنا معنا كل الضروريات، و ما يزيد عن حاجتنا. لقد كان رفيق رحلتي مثال البريطاني في هذه الناحية، كان حريصا على راحته، و يحب ملذات الحياة، و كان يرى أنه يخطئ في حق نفسه إن لم يتناول يوميا في قلب الصحراء وجبة عشاء كاملة، و لو كان عليه أن نتظرها حتى منتصف الليل، كان ذلك عنده مسألة كبرياء و إحساس بالذات: لقد

123

كان في ذلك امتحان لكرامته باعتباره رحالة. و لما كان قد عرف أن عيد ميلاده يصادف و هو في سيناء، و لما كان حريصا على الاحتفال بالمناسبة كما ينبغي أن يفعل ذلك ابن بريطانيا الحقيقي، فإنه حمل معه من القاهرة لهذه المناسبة ديكا روميا محشوا بالكمأة، بل و حمل معه أيضا الشمبانيا التي فاجأني بها، و شرفني أن أشاركه في شربها.

كانت وجبة الطعام سهلة التحضير مع وجود مثل هذا الصحن الأساسي، و كان ما حملناه من الأطعمة للرحلة يكفينا و يزيد. إذا، كنا نأكل على حسابنا الخاص، و كانت موارد الدير غير ذات أهمية بالنسبة إلينا.

ليس هناك حتى هنا ما يستحق النقد، و إنه لمن العدل أن يدفع المسافرون ثمن ما يأكلونه، و لا يمكن أن نطلب من الدير أن يفلس من أجل أن ينفق على مأكلهم: لذلك قمنا بإجراء المطلوب عن طيبة خاطر، و بلا مساومة. و لكن، و في لحظة حرجة، أعني/ 81/ لحظة الرحيل، حدث مشهد ينسجم تماما لو وضعناه في مسرحية البخيل لموليير (1)Moliere ، و لم يكن أرباغون ليفعل أفضل من ذلك. قدموا لنا في البداية قائمة حساب بالمصروفات المتفق عليها؛ أجرة حمل الرسالة للمهندسين الفرنسيين، ثمن الطرائف التي اشتريناها، أجرة الرحلة إلى الجبل، أجرة خدمات متنوعة ... إلخ. لم يكن هناك أي اعتراض على ذلك. ثم قدموا لنا بعد ذلك بلطف قائمة حساب‏

____________

(1) موليير (1622- 1673 م): كاتب مسرحي و ممثل فرنسي. يعدّ أحد أعظم الكوميديين في جميع العصور. و البخيل واحدة من أشهر مسر حياته، و أرباغون الشخصية الرئيسية فيها.

124

إضافية صغيرة لم نكن ننتظرها؛ و تحتوي على تفصيلات هي غاية في الطرافة:

عشرون قرشا للراهب البواب لأنه فتح لنا الأبواب، عشرون قرشا للراهب الخوري الذي أخذنا لزيارة الكنيسة، عشرون قرشا للخدم الذين لم يخدمونا لأن معنا خدمنا الخاصين، عشرون قرشا للخدم الذين رافقونا إلى الجبل، عشرون قرشا للراهب آمر الصرف لأننا أزعجناه، عشرون قرشا للضجة التي أحدثناها، و هذا البند الأخير يذكرني بطريقة البيع الإسبانية، إذ ندفع كل شي‏ء، ثم ندفع بعد ذلك للتعويض عما أحدثناه من ضجة.

باختصار، لقد تحصل لدينا عند جمع العشرينات من القروش مبلغ صحيح تماما. أما الزيادة، و أعني الهبة التي اعتاد الزوار أن يتركوها للدير عند مغادرتهم، فقد كانوا يعتمدون في ذلك على مدى كرمنا. لقد كنا على وعي بالعرف، و كنا ننوي أن نلتزم به حتى إن هبتنا كانت جاهزة من قبل؛ و لكننا لما اعتبرنا أن الرهبان اليونانيين استولوا عليها مسبقا بأنفسهم فقد رأينا من العدل أن تنقص منها/ 82/ بمقدار المبلغ الذي استولوا عليه في قائمة الحساب، و حددناه بمئة و عشرين قرشا. و قد كان ذلك أيضا مبالغة في الكرم: لأن الأمريكيّين اللذين سبقانا لم يدفعوا أكثر من ذلك مع أنهم مكثوا في الدير زمنا أطول من الزمن الذي قضيناه، و لم يتعرضوا إلّا لقليل من الاستغلال الذي تعرضنا له.

هنا انفجرت العاصفة، مئة و عشرون قرشا، يا إله العدل، فيك رجاؤنا، إذا من نظنهم نحن؟ مئة و عشرون قرشا لأناس مثلهم، لأناس مثلنا! مئة و عشرون قرشا! إن في ذلك عارا علينا و إهانة لهم! إننا نتسربل بالعار عندما نقدم مثل هذه الهبة،

125

و إنه لعار أكبر أن يقبلوها. و من الجدير بالملاحظة أن المبلغ كان و هم يحتجون قد أصبح في جيوبهم، و لم يخرجوه منها. لقد كان أكثر أفراد العصابة إثارة راهب يدعى جوزيف، و كان وجهه مميزا لأنه لم يكن له أنف أبدا، و كان يتحدث الإيطالية بإتقان تام؛ كان يقول: أي طريقة في التعامل هذه! و كان يردد ذلك عشر مرات في الدقيقة، و هو يرتجف كأن به مسا، و قد كان يمكن له بطيبة خاطر أن يتفوه بكلام جارح لو كانت لديه الجرأة لفعل ذلك. أما الأخ بيير المسكين فقد كان يقوم عبثا بدور المصلح، و كان كبير الرهبان، و هو رجل محترم له لحية بيضاء، يشرف على هذا النقاش البشع، مظهرا أن في ذلك إهانة شخصية له نفسه. و استمرت العاصفة وقتا طويلا، و لكنها كانت جعجعة بلا طحن: لم نزد على المبلغ و لا بارة واحدة. كان ضميرنا مرتاحا لأننا/ 83/ قمنا بالواجب على أكمل وجه، بل وسّعنا في ذلك عليهم: لقد صرفنا في الدير بعد كل حساب مبلغ خمس مئة قرش، و كان ذلك بالتأكيد ثمنا مرتفعا لضيافة دامت أربعين ساعة، و يا لتلك الضيافة!

كان السقوط ذريعا من قمة جبل سيناء إلى مثل هذه التفاهات، و أعتذر للقارئ عن ذلك. و لكن إذا كانت الحياة رحلة كما نردد دائما، فإن باستطاعتنا أن نعكس الآية فنقول إن الرحلة كالحياة مملوءة بالمشاعر المختلفة، و بالحوادث من كل الأنواع، و فيها من الحوادث البسيطة و العارضة أكثر مما فيها من الأحداث الكبرى.

ناهيك عن أن هذه النزاعات الصغيرة، مهما كانت سوقية، فإن ذلك يجعلها تحمل في جوانبها درسا يتمثل فيما ظهر من جشع الرهبان اليونانيين. لقد وجدتهم في كل مكان‏

126

متشابهين، و خصوصا في القدس حيث كان جشعهم أكثر إزعاجا؛ لأنه جشع لا مسوغ له، و هو بالتالي لا يغتفر.

إذا حاولت الدخول إلى كنيسة القيامة (1)Saint Sepulcre فإنك تجد راهبا يونانيا مرابطا عند الباب يمد لك يده، و إذا حاولت الصعود إلى جبل الجلجلة، و أنت ترتجف متأثرا بتلك المشاعر التي يحركها هذا المكان في نفوس أقل الناس إيمانا فإنك تجد هناك راهبا يونانيا آخر يصب ماء الورد على أصابعك و يطلب منك أيضا أجرة عمله الخير، و إنهم في الحقيقة يقنعون بالقليل؛ فبعض القروش تخلصك منهم. و يبدو أن الرهبان الإغريق لم يكونوا في عهد سوفوكليس‏ (2)Sophocle أقل جشعا، لأن هذا

____________

(1) المكان الذي يزعم النصارى أن المسيح (عليه السلام) صلب فيه، ثم حفر له قبر وضعت جثته فيه و هو في القدس و عليه كنيسة تعرف ب القديس سيبولكرSaint Sepulcre يحج إليها المسيحيون و فيها مكان لعبادات الأرثوذكس، و آخر للكاثوليك، و كان قنصل فرنسا في القدس مكلفا بالسهر على حقوق اللاتينيين أمام تطرف اليونان. و انظر:

معجم البلدان لياقوت الحموي، ج 4، ص 396- 397، رسم (قمامة).

(2) سوفوكليس‏Sophocles (494- 406 ق. م) ثاني الشعراء التراجيديين الإغريق، نشأ في طبقة متوسطة ذات اتجاهات سياسية معتدلة بحيث لم تكن مفرطة في شعبيتها كما لم تكن مغالية في أرستقراطيتها، و كان وسطا في عقيدته الدينية، لا هو من المتزمتين و لا هو من المستهترين- تتسم نزعته الفلسفية بالتشاؤم و الضيق بالحياة و الرثاء للإنسان و ما يلقى من آلام. و كان لهذه النزعة أثرها على مسر حياته فبدت كلها يغلب عليها الطابع المعتم. أفاد من جهود سلفه أيسخيلوس. كتب 23 مسرحية لم يبق منها إلا سبع. كان أرسطو يعد مسرحية" أوديب ملكا" لسوفوكليس مأساة نموذجية ... فليس ثمة بيت شعر فيها دون دلالة و مغزى، و ليس ثمة فرصة لإيقاظ العاطفة إلا حفلت بها.

انظر: نظام العبودية القديم و النموذج المثالي للإنسان، جوزيف فوجت، تقديم و ترجمة و تعليق د. منيرة كروان، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، رقم (122)، 1999 م، ص 32.

127

الشاعر يقول للعرّاف العجوز/ 84/ تيرزياس‏ (1)Tirsias على لسان كريون‏ (2)Cron :

" إن الجنس الكهنوتي كله يحب المال". لقد ألقيت لسكان ذلك النزل غير المضياف و أنا أستعد لمغادرته كلمة وداع كانت هي مقولة مواطنهم المشهور سوفوكليس، و قد قلتها بلغتهم حتى تكون مفهومة لديهم أكثر (3).

لقد فاتني الحديث عن محنة من نوع آخر عانينا منها، و أجد من المفيد أن أرويها. لما كانت سيناء التي تسمى رسميا جبل الطور واقعة في منطقة نفوذ عباس باشا فقد كانت له فيها حامية صغيرة كانت تعسكر حينئذ بالقرب من الدير، و كان قائد الحامية برتبة بنباشي (مقدم) (4)، و قد قمنا بزيارة مجاملة لهذا الضابط عند

____________

(1) عرّاف ضرير في الأساطير اليونانية، ضربته" هيرا" زوجة" زيوس" بالعمى و وهب له" زيوس" القدرة على التنبؤ، كما وهب له طول العمر. يذكره هوميروس و أسخيلوس ... و سوفوكليس في أعمالهم. و يظهر عند ت. س. إليوت في" الأرض اليباب". معجم ديانات ...، موثق سابقا، ج 3، ص 325- 326.

(2)Cron كريون، خال ولدي أوديب الذي أصبح ملكا لطيبةThbes بعد موتهما و هماEteacles - ايتكليس وPolynice - بولينيس، ثم حكم على أنتيجوناAntigone ابنة أوديب بالموت. و هو أحد شخصيات مسرحيات سوفوكليس و خصوصا في" أوديب ملكا" و" أوديب في كولون" و" أنتيجونا".

(3) أثبت ديدييه قول سوفوكليس باليونانية.

(4) يستخدم ديدييه هنا لقب‏Bin -Bachi التركي ليسخر من هذا الضابط المصري الذي لم يحسن استقبالهم. و دليلنا ما تتضمنه السطور التالية التي يتحدث فيها عن الانطباع السي‏ء الذي تتركه لدى المصري خصوصا و العربي عموما عندما تحدثه بالتركية لأنها حسب قول ديدييه لغة الغزاة. و بنباشي أو بيكباشي: لفظ تركي بمعنى رأس الألف، و استعملت بيكباشي في العصر العثماني المتأخر، و تعادل وفق المصطلحات العسكرية المعاصرة رتبة (مقدم)، انظر: معجم المصطلحات و الألقاب التاريخية، تأليف مصطفى عبد الكريم الخطيب، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1416 ه- 1996 م، ص 83- 84. انظر المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، د. سهيل صابان، ط. مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، 1421 ه/ 2000 م، ص 66.

128

وصولنا، فلم يحسن استقبالنا: لقد التقيناه عند مدخل المعسكر، في الهواء الطلق، و نحن وقوف، بلا قهوة و لا شيشة، بل إنه لم يدخلنا إلى خيمته. كنّا ممتعضين لأنّه أساء استقبالنا، و أعلمناه بذلك عن طريق خادم تركي كنا نستخدمه، و طلبنا منه قصدا أن ينقل إليه الرسالة بالتركية؛ و هو أمر يغضب المصريين و العرب لأن التركية لغة الغزاة. لقد انزعج من توبيخنا له/ 85/، و أراد بدوره أن يثأر منا لذلك، فطلب أن نسأل عن جوازات سفرنا؛ نعم أيها القارئ، جوازات سفر في سيناء! إن مصر الغنية بأسباب الحضارة الأوروبية لم تنس من بينها هذا السبب (جوازات السفر). كان ذلك البنباشي يظن أنه سيجد في أوراقنا نقصا، إلّا أنه نال ما يستحق؛ لقد كان رفيقي نظاميا، و كنت أنا أكثر نظامية منه، لأن مبدئي في السفر هو الحصول على عدد كبير من التأشيرات، و عدم الاقتصاد في ذلك، لكي أتجنب الانزعاج و التأخير؛ لذلك كان معي جواز سفر خاص بالذهاب إلى سيناء حصلت عليه من القنصل الفرنسي في القاهرة، و مؤشر من السلطات المصرية، و قد طلبت زيادة في الحيطة أن يسجّل عليه السلاح الذي أحمله. و لما لم يجد وسيلة لإزعاجنا، لم يكن لديه ما يستطيع فعله إلّا أن يعيد لنا أوراقنا: و هذا ما فعله، و لكن ليس دون أن يمتع نفسه بوضع تأشيرته الخاصة عليها، و قد علمت من ذلك أن هذه الشخصية المشهورة تسمّى‏Hassim Ibrahim هاشم إبراهيم. و لما شعر بأنه قد هزم في هذا الجانب أراد أن يثأر بطريقة أخرى، لقد تخيل أن باستطاعته مصادرة الجمال التي حملتنا من مدينة الطور، و التي كان من المفترض أن ترجعنا إليها. و إليكم الدافع أو الحجة للقيام بهذا الإجراء العشوائي؛ إن الأعمال الجارية في الطريق، و حاجة معسكر العاملين فيه،

129

جعلت الحكومة المصرية تحجز كل جمال المنطقة: صحيح أنهم كانوا يدفعون لأصحابها/ 86/ أجرة جيدة؛ و لكن ثقل الأحمال، و المعاملة السيئة التي تلقاها تلك الجمال من الجنود، جعل عددا كبيرا من هذه الحيوانات التي تغذى تغذية سيئة، و تكاد تكون من قبل منهكة بسبب الضائقة العامة، جعلها، تموت من التعب، و جعل طرق الصحراء مليئة ببقايا جثثها. لذلك لا يلتزم البدو، إلّا بعد تردد، بأوامر الباشا، و يراوغون للتخلص منها كلما استطاعوا فعل ذلك، دون أن يعرضوا أنفسهم للخطر؛ لأن بدو سيناء مفسدون تماما و مهجنون تماما: لقد أصبحوا فقراء، لا يملكون إلا ماشية قليلة، و ليس لهم من مورد في الأوقات العادية إلّا أن يذهبوا إلى القاهرة لبيع ملح المناجم و الفحم. و تتحاشى السلطات استخدام العنف الشديد في معاملتهم، و ذلك لسببين، أولهما: أن سياسة عباس باشا حينئذ كانت تقوم على استثناء البدو كلهم من هذه الإجراءات، مخافة أن يؤدي التشديد عليهم إلى إثارتهم. و ثانيهما: أنهم إذا هربوا إلى قلب الصحراء فليس هناك من سيذهب للبحث عنهم، و كلما كثر البدو كثرت الجمال. تلك كانت حالة البلد، و اعتمادا على أوامر المصادرة التي أصدرتها حكومته نظّم البنباشي أمر مصادرة جمالنا زاعما أنها تابعة للمعسكر، و أنه اعتمادا على ذلك لا يحق لبدو الطور أن يؤجرها. و قد أجبناه عن ذلك بالقول: إن كوننا غير مصريين، و غير بدو/ 87/ يجعل أوامر الباشا لا تخصنا أبدا، و إن جمالنا لنا حتى الطور لأننا استأجرناها، و دفعنا أجرتها؛ و إننا نمنعه من أن يمسها، و نلقي على عاتقه مسؤولية تعويض الأضرار التي تلحق بنا، و لن نتوانى عن طلبها من الحكومة المصرية عن طريق قنصلينا عن كل ساعة تأخير يسببها لنا، ناهيك عن‏

130

إزاحته عن منصبه التي ستتلو ذلك دون أدنى شك. و بعد هذا الاعتراض الحاسم، كتبنا في المساء نفسه رسالة إلى صديقينا المهندسين في معسكر وادي حبران ليمدوا لنا يد المساعدة عند الحاجة. و لم تصل الأمور إلى هذا الحد لأن البنباشي خاف، و عدل عن مزاعمه، و أفرج عن جمالنا و جاءنا زائرا، و لكننا رددنا له الصاع صاعين باستقباله كما كان قد استقبلنا. كنا على طاولة الطعام عندما جاءنا، و بدلا من أن ندعوه إلى مشاركتنا طعامنا، كما كنا سنفعل ذلك في ظروف مختلفة تماما، و كما جرت العادة دوما في الشرق، تركناه واقفا، و لم ندعه يدخل علينا بل تركناه على قدميه أمام الباب، و لم نوجه إليه أي كلمة، و لم نعره أي اهتمام كما لو أنه ليس بموجود.

كان هذا الدرس القاسي ضروريا: و ينبغي على الدوام معاملة الأتراك كذلك في مثل هذه الحالة، و إلّا/ 88/ فإنهم سيحتقرونك و يزعجونك. لقد أبدينا في مقابل ذلك احتراما كبيرا لطبيب عسكري شاب كان يرافقه، و لم يكن لدينا ما نأخذه عليه، كان مصريا، و يتحدث الفرنسية و الإنجليزية بطلاقة. و قد لمحنا في أثناء رحيلنا من بعيد أن البنباشي، قد خطرت له فكرة عبقرية؛ إذ نصب في وسط المعسكر منصة عالية من الخشب فوقها كرسي، و كان يجلس عليه، و كأنه مشعوذ على سريره، ظانا بلا شك أن مكانته المعنوية ترتفع بسبب مباشر من ارتفاعه المادي. مررنا على مرمى منه دون أن نلتفت إليه، و لست أشك بعد كل ما حدث، أنه لم يحتفظ بذكرى حسنة عن إقامتنا في سيناء.

إن أخشى ما أخشاه في السفر هو أن أسلك الطريق نفسها مرتين، و قد كلفني تلافي ذلك القيام بانعطافات لا يستهان بها؛ و لكن الضرورة هنا دفعتني إلى ذلك. لقد

131

كان علينا أن نسلك في العودة الطريق نفسها التي سلكناها في المجي‏ء، و أن نضع أقدامنا على آثار خطواتنا التي ما زالت واضحة. تجاوزنا مرة أخرى السهل الكبير الذي نزل فيه العبرانيون بقيادة هارون‏ (1) الأخ الشقيق لموسى، و عبدوا العجل فجأة.

ثم هبطنا بعد ذلك عبر نقب الدير الذي يبدو لي الآن، لو كان ذلك ممكنا، أكثر تهدما و أكثر رعبا أيضا من المرة الأولى. لقد التقينا أحد المسافرين الأوروبيين و هو يصعد القمة/ 89/ و لما كان هو أيضا يقوم بزيارة الدير فقد نصحنا له بأخوة، و بلا إلحاح أن يكون حريصا كل الحرص على أمواله، و لم نقابل أحدا آخر حتى نهاية الرحلة إلى سيناء.

____________

(1). يزعم العهد القديم أن بني إسرائيل عبدوا العجل الذهبي الذي صنعه لهم هارون في غياب موسى في جبل المناجاة (سفر الخروج 32: 1- 2). انظر: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 456؛ و انظر: معجم ديانات ...، موثق سابقا، ج 2، ص 46- 47.

و قد حدثنا القرآن الكريم في غير موضع عن اتخاذ بني إسرائيل العجل إلها معبودا في سورة البقرة، الآيات 51- 61، و الآيتان 92- 93 حيث يقول تعالى: وَ لَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى‏ بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93). و قد صنع العجل من حلي بني إسرائيل و كان صورة مجسدة لعجل لا روح فيها، إنما هي جسد فقط، كانت الريح تدخل فيه، فيسمع له صوت كخوار البقر، انظر سورة الأعراف، الآيات من 148- 150، و سورة طه، الآيات من 77- 98، و فيها دلالة على أن السامري هو الذي أخرج لهم العجل، و أن هارون نهاهم عن عبادته و لكنهم لم يستجيبوا له، و عاتبه موسى (عليه السلام) عتابا شديدا فأجاب، طه 94 قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94).

132

نصبنا خيامنا على حدود وادي صلاف، الذي يقع تماما عند أقدام نقب حبران. كان ذلك التوقف رائعا، و لا زالت ذكراه ماثلة حية تختلج في ذاكرتي. كان الزمان و المكان يزخران بالجمال و السحر: كانت الوديان و الكتل السفلية من الجبال قد بدأ يغشاها الغسق، و لكن القمم العالية كانت ما تزال تقدح بعض شرر الغروب. إنه النزاع الأخير بين الضوء المتلاشي و بين الظلمة التي تولد، و كانت عظمة المكان و جماله، و هدوء الطبيعة، و الهواء العليل، و المساء الحزين، و العزلة، و الصمت، و الحرية، كل ذلك، كان يمس شغاف القلب، و يجعله ثملا بالأحاسيس التي لا يمكن التعبير عنها، و في هذا اليوم أشعر حقا لأول مرة أنني أقمت في الصحراء.

ثم شددنا الرحال عند مطلع الشمس إلى ذلك النقب البغيض، نقب حبران الذي لا يقل عبوره من هذه الجهة صعوبة عنه من الجهة المقابلة، و الذي أجهدنا في المرة السابقة كل الإجهاد، و قد أجهدنا في العودة أكثر أيضا، لأننا هبطنا منه هبوطا يكاد يكون عموديا، عبر طريق أكثر قصرا، و لكنها أكثر سوءا من الأخرى، تكثر فيها الصخور المحدبة، و الحجارة المتدحرجة، لقد كان النقب سريع الانحدار حتى إن الجمال لا تستطيع نزوله، فقامت بالتفاف طويل حوله استغرق وقتا، وجدنا أنفسنا معه مضطرين/ 90/ لانتظار وصولها وقتا طويلا في أسفل المنحدر.

و لما دخلنا وادي حبران تبدى لي من جديد جبل سربال الذي كان عاريا و قاحلا، و لكنه كان جليلا كما تركته في الذهاب. و لقد أدهشني عندما اقتربت منه عارض مزدوج من التناغم بين الضوء و الأرض، كانت قد فاتتني ملاحظته في المرة

133

الأولى، لأن الشمس كان لها حينئذ وضعية مختلفة: إنه منحدر ضخم، ناتئ جدا، و يحدث في الجبل قطعا عرضيا جانبيا، و كانت طريقة الإضاءة في تلك اللحظة تعكس عليه ظلا واضحا كل الوضوح، و أسود فاحما حتى لتظنّه ثوب حداد ضخما، ملتفا بشكل متصالب على أحد العمالقة. لقد انضم إلينا خلال الطريق متطوع جديد: إنه قعود صغير وحر، ضائع بدون شك، و ما زال غير مستأنس أيضا، انضم إلى قافلتنا بدافع حب الجماعة، و أضحكنا طوال فترة الصباح بقفزاته الجميلة، و باستقلاليته؛ فمع أنه كان يتبعنا عن قريب، لم يترك أحدا يمسك به، أو أن يقترب منه. و قد لقي جنود حملة استطاع وجدناهم معسكرين حول نبع نقب حبران صعوبة كبيرة في الإمساك به، و لم ينجحوا في ذلك إلّا باستخدام أنشوطة؛ لقد كان دفاعه عن نفسه بطوليا، و قد استطاع أن يجندل غير واحد من مهاجميه خلال الصراع. لقد كنت شاهدا على المعركة، و أتيحت لي الفرصة خلالها لمراقبة قوة ذلك الحيوان و رشاقته الفطريتين، و كيف يتحول إلى حيوان وديع كل الوداعة، و يصبح في غاية من اللطف، عندما يكون/ 91/ مستأنسا؛ و يصبح حينئذ أكثر بطئا، و أكثر تأنيا.

كان العمل في الطريق قد تقدم خلال الأيام الخمسة التي استغرقتها رحلتنا، و مع ذلك فإن المهندسين لم يكونا بعد قد غادرا مكان إقامتهما في جانب المسيل المائي ليكونا على الدوام كعادتهما مشرفين على الأعمال. كانا ينتظراننا في خيمتهم، و قد هيّآ غداء فاخرا، كان الطبق الرئيسي فيه فخذ جدي بري، و قد كنا نحن أيضا قد

134

أتينا بجدي كامل اصطاده أحد البدو في جبل سيناء، و اشتريناه منه عند مغادرة الدير.

لعلكم تظنون، و قد كنت أظن ذلك، أنه لا وجود لذلك الحيوان البالغ الروعة إلّا في فلك البروج، و في المنحنى الخيالي للمدار الجنوبي، إنه موجود حقا ليس في صحراء سيناء فقط، و إنما في السودان، حيث رأيته بعض المرات، أقل حجما من اليحمور، و أقل منه علوا، يشبه الأيل شبها كبيرا إلا أن قرنه ليس له ضخامة قرن الأيل الكثير العقد و الفروع، و الذي لا يتناسب أبدا مع حجم رأسه و بقية أعضاء جسده.

كان الغداء بهيجا، و قد تعرفت خلاله على سميرين جديدين هما: علي أفندي، و سليمان أغا من ضباط المعسكر، و هما مسلمان ملتزمان، و يتحدثان الفرنسية، و لا يشربان النبيذ، مع أنهما يجلسان على طاولة أوروبية، و هما يخشيان دوما من أن يطعمها أحد في غفلة منهما لحم الخنزير أو دجاجا غير مذبوح على الطريقة الإسلامية./ 92/

على الرغم من أننا كنا في شهر يناير (كانون الثاني) فإن الجو كان خلال الرحلة مشرقا؛ و هو شي‏ء غير معتاد في هذا الفصل، إلّا في مثل هذا المناخ المناسب؛ و لكن اليوم التالي، آخر أيام الرحلة، كان مزعجا: كانت السماء مكفهرة، و كان هواء البحر البارد و العاصف يجعلني أتجمد على ظهر الهجان الذي كان يسير بسرعة دون أن استحثه على المسير، و وصلنا إلى الطور في ساعة مبكرة.

135

لقد وجدت ريس مركبنا جالسا في المقهى نفسه الذي تركته فيه عند المغادرة، فهب واقفا أمامي بلطف، و رحب بي بشهامة عربي من العرب الأوائل. و بينما هو يوجه إلي التهاني و عبارات المجاملة كان جمّالتنا يهربون بسرعة مع جمالهم التي ما كادت الأحمال تنزل عنها، خوفا من أن يتم حجزها في الطور كما حدث في سيناء، و على حين غرة كانوا في أعماق الصحراء.

و لما لم يعد لي ما أفعله في الطور ذهبت للنوم في المركب الذي انتظرنا بصبر في الميناء ثلاثة أيام أكثر مما كان مشترطا في العقد. و في اليوم الثاني، و منذ الفجر نشرنا الأشرعة في الطريق إلى جدة.

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

الفصل الخامس/ 93/ البحر الأحمر (1)

يسمى المركب الذي صعدت ظهره في البحر الأحمر، السنبوك‏ (2). طوله 60 قدما، و عرضه 15 قدما، و لم يكن مجسّرا إلّا في الخلف حيث يرتفع ضرب من الكوثل، أعدوا تحته خلوة أطلقوا عليها اسم مقصورة و لا فخر! و هي واسعة تكفي لاحتواء مرتبتين و لا شي‏ء غيرهما؛ كنا ننام هناك، أمّا في النهار فكنا نعيش في الهواء الطلق على الكوثل. و إن للسنبوك الذي يسير بالتجديف شراعين يكادان يكونان‏

____________

(1) يمثل البحر الأحمر الذي تسميه العرب" بحر القلزم" جزءا من الأخدود الإفريقي العظيم الذي يمتد من جنوب خط الاستواء حتى شمال فلسطين. و هو أكثر أجزاء الأخدود وضوحا، و يمتد بصفة عامة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، بين خطي عرض 35 شمالا، 30، 12 شمالا لمسافة طول 1932 كم و يبلغ اتساع البحر عند شبه جزيرة سيناء 175 كم، في حين يبلغ اتساعه 350 كم فيما بين مصوع و جازان، ثم يضيق إلى ما بين 30- 40 كم عند النهاية الجنوبية لمضيق باب المندب، و يصل عمقه في بعض المواضع 484 م، بينما يصل في القناة الوسطى إلى 3039 مترا، و تحيط بسواحله الشعاب المرجانية. انظر تفصيلات أوسع في كتاب الموانئ السعودية على البحر الأحمر، دراسة في الجغرافيا الاقتصادية، د. محمد أحمد الرويثي، ط 1، مؤسسة الرسالة، 1403 ه/ 1983 م، ص 47- 57. و ذكر البلادي في معجم معالم الحجاز، 1398 ه- 1978 م، ج 1، ص 179 أنه سمي البحر الأحمر لوجود الشعب ذات اللون المرجاني بداخله، و التي كثيرا ما تتحطم السفن بسببها.

(2). السنبوك (و الجمع سنابيك) بفتح السين، و أصلها غير عربي، لكن العرب يعرفون هذا النوع من السفن بهذا الاسم. انظر: تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت و الخليج العربي، تأليف سيف مرزوق الشملان، ج 1، ص 271. و يلاحظ أن بعض المؤلفين يكتبها بالميم و هو خطأ. انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 154.

138

لاتينيين؛ أحدهما في مقدمة السنبوك، و يمتد بكامله خارج السنبوك عندما ينفخه الهواء، و يشكل ما يشبه بالونا نصف مدور. أما جؤجؤ السفينة، فقد كان يشبه ما رأيته مرسوما على لوحات جدارية أو ميداليات قديمة، و أراهن واثقا، أنه و منذ قرون، لم يتغير أي شي‏ء فيه، و أن المراكب و الأشرعة و المجاديف هي بالتأكيد نفسها منذ العصور الموغلة في القدم، و أن البحارة يرسون في المرافئ نفسها، و يمارسون العادات نفسها، ولديهم الأحكام المسبقة نفسها، و نذر الشؤم نفسها التي كانت في عهد سكان الكهوف.

كان السنبوك مصنوعا من خشب هندي قاس جدا يسمّى: الساج. و قد رأيت في ميناء مرسيليا،/ 94/ سفينة قديمة تابعة لشركة الهند، مصنوعة من الخشب نفسه في بومباي في عام 1707 م، و قد أصبح هيكلها قاسيا حتى إنه يثلم المسامير التي نود غرزها فيه و يلويها. يبحر بطريق البحر هذا، منذ مئة و خمسين عاما، و يعدّ فأل خير لأنه لم يغرق أبدا، و أغنى كل من ملكه‏ (1).

و قد كان لسنبوكنا أيضا سمعة حسنة جدا، لقد كان يعدّ عن استحقاق سنبوكا سريعا، و كان الشيخ عبد الغفار، مالكه، و هو تاجر ثري من تجار جدة، مسرورا مما ينجز به من أعمال، و قد كنت مسرورا أنا نفسي لأنني وجدته يقوم بالرحلة.

____________

(1) قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 66.

139

كان على متنه، ناهيك عن الريس، فريق مكون من عشرة بحارة، و عبد أسود صغير، رشيق و نبيه، كان في الوقت نفسه يعمل نوتيا و خادما للجميع. و كانوا يعاملونه معاملة إنسانية لائقة، و لم أره خلال خمسة عشر يوما قضيتها على ظهر السنبوك يعاقب إلّا مرة واحدة، و بلطف شديد. و أجدني مدفوعا إلى الاعتراف، لكي أظل صادقا، أن السنبوك كان يعج بالجراذين، و بتشكيلة كبيرة من الهوام؛ و لكنني أضيف مسرعا أن تلك الهوام كانت كما يبدو قد اعتادت العرب، و ظلت وفية لهم، و لم ينلنا منها إلا إزعاج بسيط.

تلك هي السفن المستخدمة في البحر الأحمر، إنها آلات خفيفة لملاحة صعبة.

يعدّ هذا البحر واحدا من أخطر البحار/ 95/ التي نعرفها: تقطعه و تعبره في كل الاتجاهات تيارات مائية، و تملؤه الصخور البحرية و الشعاب المرجانية، و هو، ناهيك عن ذلك، معرض لعواصف هوائية عاتية، يجعلها تقارب الشاطئين و الجبال كثيرة الحدوث، و التغير؛ لذلك كثيرا ما تغرق السفن فيه، على الرغم من حذر البحارة الشديد و وجلهم. لقد علمتني تجربتي، كما سنرى، أن هذا البحر غير مفترى عليه، و إن كنت لم أهلك فيه، فقد أوشكت على ذلك، و إنني أدين بخروجي سالما لحماية السماء و صلابة السنبوك.

أبحرنا من الطور فجرا، و كان الهواء طوال اليوم مؤاتيا، و ها نحن قريبا نتجاوز رأس محمد، الذي يعد الحد الأقصى لشبه جزيرة سيناء. و في المساء، و على الرغم من أن الهواء كان ما يزال مؤاتيا، فإنه أصبح عنيفا، يثير القلق، وهاج البحر، و أصبحت الأمواج تتقاذفنا بعنف شديد، و نحن في زورقنا السريع العطب.

140

قلت: إن المراكب في البحر الأحمر، لا تسير ليلا أبدا. و قد كان ينبغي هنا بالتأكيد الالتزام بهذا العرف، و البحث عن ملجأ يقينا هذا الجو العاصف، و لكن الأمر هذه المرة كان مستحيلا؛ لقد وصلنا خليج العقبة الذي كان ينبغي تجاوزه كاملا لكي نجد ملجأ أو مرفأ، إذا، كان ينبغي الإبحار طوال الليل على الرغم من عتو الأمواج المتزايد أبدا، و من عنف الهواء./ 96/

كان المركب يسير بلا بوصلة، لأنني لا أستطيع إعطاء هذا الاسم للبوصلة البدائية المصنوعة من الخشب، و التي لا يكاد أحد ينظر إليها في النهار، و ليست مضاءة في الليل أبدا، كنا نسير وسط الظلمات نحو المغامرة بلا أمم، و حسبما تقودنا العاصفة، و لمّا يئس البحارة من السيطرة على المركب، و هم لم يحاولوا ذلك، فإنهم تركوا قيادة السنبوك، و استسلموا للكسل و الرعب، سلموا أمرهم للّه وحده في توجيه المركب و حمايته؛ بعضهم صمت، و بعضهم الآخر كان يستغيث بكل أولياء الإسلام.

و كان أحد خدمنا، التركي الذي تحدثت عنه سابقا، يزيد من حالة الرعب العام، كان في أقصى حالات الخوف، يثير الضحك في بعض حالاته، حتى إنني كنت سأضحك من ذلك مل‏ء شدقي لو كان الضحك مقبولا في مثل هذه اللحظات. كان السنبوك يصرّ عند كل عاصفة عابرة كما لو أنه سيخرق، و كان يميل على جانبيه كل الميل، حتى ليخيل أنه من المستحيل أن يستوي مرة أخرى، و كنت أنتظر أن أراه بين لحظة و أخرى و قد انقلب أعلاه سافله. كان الموج يغطي كل شي‏ء، و يكتسح كل شي‏ء، حتى الكوثل على الرغم من ارتفاعه. و لما لم يكن باستطاعتنا، رفيق سفري و أنا، مواجهة ذلك إلّا في المقصورة، فقد كنا هناك مستلقيين جنبا إلى جنب، كلّ على‏

141

فراشه ننتظر مستسلمين انجلاء المحنة على أي وجه؛ ناهيك عن أنه كان علينا أن نحافظ على توازننا/ 97/ لأن ميل المركب كان شديدا، و يجعل فرشتينا تنقلب إحداهما فوق الأخرى كأنهما ورقتا كتاب، و يسطحنا بينهما كأننا نبتتان في كتاب الأعشاب، ثم يقذفنا بعنف على جانبي المركب متعرضين لخطر أن تهرس رؤوسنا، زد على ذلك أن الماء كان يتسرب من كل مكان، و كأنما كنا نسبح في مياه البحر حقا. و لحسن الحظ أننا لم نصب بدوار البحر مما كان سيزيد الطين بلة.

استمر ذلك الكرب طوال الليل، كانت ليلة طويلة من ليالي الشتاء، و لم يضع النهار حدا لذلك الكرب، بل كان استمرارا لليل و أكثر سوء منه: و استمرت العاصفة حتى المساء؛ حينئذ فقط ارتحنا بعض الارتياح، و سمح لي بمغادرة فراشي و سجني.

و لما كان القول: عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم صحيحا كل الصحة فإن العاصفة دفعتنا في وجهتنا التي نريد، و كان لها على الأقل ميزة، تكمن في أنها جعلتنا نقطع في وقت قليل مسافة كبيرة من الطريق. و ألقينا المراسي عند غياب الشمس، في جزيرة مقفرة و رملية اسمها نعمان، تقع على مقربة من الشاطئ الذي تقع عليه ضبا؛ و هي قرية كبيرة من العربية الصخرية مشهورة بطيب مياه آبارها.

إن خليج العقبة الذي قاسينا ما قاسينا في تجاوزه، و ترك في نفسي ذكريات مؤلمة، هو مثل خليج السويس جون صغير على البحر الأحمر الذي ينفتح/ 98/ في هذا المكان ليوسع مكانا لشبه جزيرة سيناء. لقد اكتسب خليج العقبة اسمه من قلعة (1) قديمة مهدمة اليوم، تكاد تشغل كل مؤخرته، و تحدد أقصى الأراضي المصرية.

____________

(1) انظر وصفا لهذه القلعة في كتاب: تاريخ سيناء ...، موثق سابقا، ص 194- 195.

142

و ادعى مؤخرا أحد البريطانيين، و هو الكابتن ألان‏W .Allan ، أن هذا الخليج كان في أحد الأيام الغابرة متصلا بالبحر الأبيض المتوسط عبر البحر الميت و بحيرة طبريا، و استند في ذلك على التوضعات الأرضية الممتدة من القواعد الشمالية في لبنان حتى البحر الأحمر، و التي ليست إلّا واديا عميقا، و استند أيضا على اختلاف بالغ في المستوى مع البحر الأبيض المتوسط، حتى إنه يتجاوزه في بعض الأماكن 4000 متر.

و هو يرى، و الحالة هذه، أنه إذا تم حفر قناة في محيط جبل الكرمل فإن البحر سيندفع في هذه اللجة ليتصل بالبحر الأحمر كما كان الأمر في غابر الأزمان.

إن أكبر بحيرتين في فلسطين ستلتقيان بسهولة مع البحر الأحمر كما يفترض آلان بوساطة قناة ثانية تحفر من البحر الميت إلى خليج العقبة. و تصبح الصحراء السورية بذلك محيطا، و يصبح البحران بحرا واحدا. و إن كان هذا المشروع العملاق ممكن التنفيذ، فإنه سيغني عن شق القناة الحالية في مضيق السويس، و يجعل الوصول إلى الهند أكثر سهولة.

لقد عوضنا اليوم التالي عن المحن الصعبة التي مررنا بها في اليوم السابق: فالهواء الذي كان على الدوام مؤاتيا جدا، أصبح أكثر تناسبا مع طاقة/ 99/ الإنسان، أما البحر الذي كان ما يزال في الصباح هائجا، فإنه هدأ تدريجيا. و استعاد طاقم البحارة شجاعته؛ و لمّا لم يكن لديهم ما يفعلونه، فقد أخذوا في الغناء، حتى الخادم التركي نفسه، كان بعد أن زال عنه الرعب، يغني كالآخرين، و يزعم أنه لم يعرف الخوف لحظة

143

واحدة. نزلنا إلى البر مساء في الوجه التي تلفظ وش‏ (1)Ousch . استقبلنا عند نزولنا بعض الجنود الأتراك الذين كانوا حامية في هذا المكان البعيد. و كان أحدهم، و يا للمفاجأة السعيدة، يتحدث الفرنسية، و كان يقول: إنه من إستانبول، و ربما كان أحد الجنود الفارين من جيشنا، و سواء أكان فارا أم لا، فإنه أبدى اهتماما كبيرا بنا، و كان لطيفا كل اللطف، و قدم لنا خدمات صغيرة متنوعة. قضيت الأمسية معه جالسين أمام القهوة، و حولنا بالطبع بعض السكان الأصليين الذين يمكن بالتأكيد تفهم فضولهم الذي لم يكن على أية حال مزعجا.

إن رؤية أوروبي في هذه الأنحاء شي‏ء نادر، و لما وصلت أنباء وصولنا إلى بدو الجوار؛ و هم أعراب من قبيلة بلي فإنهم حملوا إلينا أغذية من كل الأنواع، البيض، و الخراف، و الحليب، و السمك، و الخبز أيضا، حتى إنه أصبح من السهل علينا أن ندعم مخزوننا من الطعام اللازم للرحلة و نجدده.

كان الجو لطيفا، و كان البحر الذي استعاد هدوءه يأتي لتتكسر أمواجه على الساحل الرملي، و كانت أسراب من النوارس تحلق فوق سطح البحر. تحتوي قرية الوجه على قصر يحمل الاسم نفسه، يقع على بعد فرسخين أو ثلاثة فراسخ إلى الداخل/ 100/ على طريق قافلة الحج المصرية الكبرى من القاهرة إلى مكة المكرمة، و إذا صدقت الروايات، فإن هناك إلى جهة الشمال البعيد، على بعد خمسة

____________

(1) انظر: رحلات في شبه الجزيرة العربية، بوكهارت، موثق سابقا ص 391. قال: إنها محطة توقف للحجيج اسمها الوجه (و تنطق أيضا الوش‏El ousch ). و تسميتها الوش تأثر باللهجة المصرية.

144

أو ستة أيام من المسير، و على بعد 14 يوما من العقبة، على طريق قافلة أخرى؛ هي قافلة دمشق، آثار في غاية الروعة؛ إنها مدائن صالح‏ (1)؛ حيث مازلنا نرى هناك منازل يبلغ عددها بين 80 إلى 90 منزلا، منحوتة و محفورة في الصخور، و هي كلها تقريبا مؤلفة من صالة كبيرة، و من عدد من المقاصير الصغيرة، و من مكان للصلاة، و يوجد على أبواب أغلبها نقوش تمثل نسورا، و لكن الحجاج حطموا كل ما وصلت إليه أيديهم منها، و ظل عدد قليل منها لم تمتد إليه يد التحطيم. و إن على الصخور المستخدمة في بناء جدران هذه البيوت الغربية نقوشا لم يستطع أحد فك رموزها أبدا، أو الوصول إليها بسبب علوها: إننا نجهل اللغة التي كتبت بها تلك النقوش‏ (2).

و يوجد في هذا المكان آبار كثيرة و لكن ماءها مر، و هواؤها فاسد، و يظن الناس أنه مشحون بالسموم. و يعدّ المسلمون هذا المكان من الجزيرة العربية مكانا مشؤوما منذ الأحداث التي رافقت قصة ناقة النبي صالح (عليه السلام)(3).

____________

(1) تحدث عنها بالتفصيل هاري سنت جون فيلبي في كتابه: أرض الأنبياء، مدائن صالح، تعريب عمر الديراوي، منشورات المكتبة الأهلية، بيروت، 1962 م؛ و انظر: مدائن صالح، محمد عبد الحميد مرداد، المكتبة الصغيرة، 29، د. ن.، ط. 2، 1399 ه/ 1977 م؛ و انظر: شمال الحجاز، أ. موسل، نقله إلى العربية د. عبد المحسن الحسيني، الإسكندرية، 1952 م، ص 69- 96.

(2) بل إنها كتبت بالخط النبطي المعروف. و هناك دراسات كثيرة تمت عليها، و لعل الاطلاع على كتب الدكتور سليمان الذييب المتعلقة بنقوش شمال غرب المملكة تغني في هذا المجال.

(3) في الأصل: منذ هياج الجمل المعروف الذي روضه النبي صالح:

depuis la revolte d`un chameau traditionnel dompte par le prophete Salih.

و أثبتنا في الأصل ما هو ثابت في نص القرآن الكريم عن قصة النبي صالح (عليه السلام). لأن ما أثبته المؤلف اختصار مخل للقصة المعروفة.

145

و إن قافلة الحج الشامية التي تجد نفسها مضطرة لعبور هذا المكان الملعون في الذهاب و الإياب تفقد في كل مرة عددا من حجاجها، و خصوصا أولئك الذين في قلوبهم مرض./ 101/

إذا، أي مدينة هي تلك المدينة المجهولة، المدفونة في حضن الصحراء؟ من أسسها؟ و من سكنها؟ و من هدّمها؟ إن وجودها مشكل، و مصيرها لغز عويص.

يخيم الصمت على ماضيها كما يخيم على آثارها. و إن كل ما قلته هنا هو ترداد لما أخبرت به، لأن شيئا لم يكتب أبدا، حسب علمي، بخصوصها. و إنني إذ أقدم للقارئ ما انتهى إلى معرفتي من معلومات عنها فإنّني أدعوه إلى أن يأخذها مع الاحتفاظ بحق المراجعة، كما فعلت ذلك أنا نفسي‏ (1).

حصلت على هذه المعلومات من باشا المدينتين المقدستين الذي أكد لي أنه رأى الأمور بعينه؛ و أقرّ أن ذلك ليس ضمانة صدق، أو دقة. و ليس هناك في الشرق ما هو أصعب من الحصول من أي كان، و حول أي موضوع كان، على معلومات، و إن كانت إيجابية. و ينبغي أن يسيطر الحس النقدي على أكثر الأقوال تأكيدا لمراقبتها.

و تكمن الصعوبة في أبسط الأشياء؛ فأنا على سبيل المثال أتحدى إن كان بالإمكان أن يعرف على وجه الدقة مقدار المسافة التي تفصل بين المكانين، و كلما طرحت على الريس سؤالا من هذا النوع فإنه يصرخ في الإجابة قائلا:" إن اللّه مع الصابرين". لم ننزل‏

____________

(1) قصّ علينا القرآن الكريم خبر قوم صالح في عدد من السور، و نذكر هنا ما جاء في سورة الشمس حيث قال تعالى: ... كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَ سُقْياها (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) وَ لا يَخافُ عُقْباها (15).

146

إلى اليابسة أبدا في الأيام الثلاثة التالية و هي 3، و 4، و 5 فبراير (شباط)، و كنا على مسافة بعيدة عن الشاطئ حتى إننا لم نكن نراه في بعض/ 102/ الأحيان.

كنا في الليل نتوقف في وسط البحر، و كان الجو في الأيام الثلاثة المذكورة رائعا: لم يكن في السماء أي سحاب، و كان البحر خفيف الموج، و لم يكن هناك هواء إلّا ما يكفي لنشر أشرعتنا. و بعد أن كنّا قد تعرضنا لهزات عنيفة أصبحنا الآن نتحرك بلطف و كأننا في المهد.

كنت مستلقيا في مؤخرة المركب على سجادة غطينا بها الكوثل، و كان هناك سجادة أخرى نصبت فوق رأسي تحميني من الشمس التي كانت شديدة الحرارة في هذا الفصل. كنت أقضي الوقت، و أنا أحلم، و أتأمل، و أستنشق النسيم البحري، و أنتشي بهذه السماء، و بهذا البحر الرائع، و مرت ساعات العبور الطويلة بسرعة و دون ملل. كان الساحل الأفريقي قد غاب عن الأنظار منذ فترة طويلة، و لكن ساحل الجزيرة العربية أصبح ظاهرا للعيان منذ اليوم الأول، كان محاطا بسلسلة من الجبال الحمراء التي كانت نتوءاتها الطويلة و قممها المسنونة تلفت النظر بتنوع أشكالها، و كانت منذ طلوع الشمس حتى غيابها تتلون بكل الألوان، و بكل ظلال الطيف الشمسي. و إن أكثر الجبال ظهورا من تلك السلسلة هي: جبل رعل‏ (1) (رعال)،

____________

(1) جاء في معجم معالم الحجاز، عاتق بن غيث البلادي، دار مكة المكرمة، 1400 ه/ 1980 م، ج 4، ص 75" رعل أو رعال: مكان ذكره فيلبي و قال: يقع جنوب شرقي أم القرايا، و إنه مقر شيخ قبيلة بلي المعروف بابن رفادة، و ترتفع رعال (3000) قدم و تشرف على وادي الحمض"؛ و انظر: أرض الأنبياء، مدائن صالح، لفيلبي، تعريب عمر الديراوي، المكتبة الأهلية، بيروت، 1962، ص 333. و كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 50Ghal و هو خطأ.

147

و سفخة (1) (؟)Safkha ، و جبل كركما (2)، و هي أسماء أخذتها من فم الريس و كتبتها كما كان يلفظها.

و إذا انحدر النظر من الجبال إلى البحر فإننا نؤخذ بتنوع الألوان الذي ينتج، حسب ظني، عن اختلاف الأعماق: فهو هنا لون/ 103/ أخضر مائل إلى السواد، و هناك لون أبيض معكر؛ و في مكان آخر يتلون بفروق اللون الأزرق كلها من الأزرق الصافي إلى الأزرق النيلي الغامق جدا؛ و هو في كثير من الأمكنة يكتسي اللون الأحمر القاني.

و إن هذا اللون يكتسبه البحر دون شك من الرصيف المرجاني الضخم الذي ينتشر فيه و في كل الجهات، و إنه من المحتمل على الأقل أن هذا البحر اكتسب اسمه من هذا الظرف الطبيعي. إن أبسط قواعد الاشتقاق هي أكثرها قبولا، و خصوصا تلك التي تقوم على وقائع مادية و ملموسة. لقد سمعت من ينسب صفة الأحمر إلى قبيلة عربية تعيش على سواحله و تحمل هذه الصفة نفسها. و لكن ذلك قول فيه بعض العشوائية؛ لأن تلك القبيلة لم تعد موجودة، و ربما لم تكن موجودة في يوم من الأيام: و لكن إذا افترضنا أنها وجدت في يوم من الأيام فإن ما ينبغي معرفته إن كانت هي التي أعطت البحر اسمها، و لماذا لا يكون البحر هو الذي أعطاها اسمه.

____________

(1) كذا كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 50 و لم أجدها.

(2) رأس كركما: ميناء صغير جنوب الوجه عند مصب وادي المياه، على رأس مشهور يحمل الاسم نفسه، و أهل هذا الميناء يشتغلون بصيد السمك، و بيع بعض الحاجيات إلى البادية، و هم من بلي. و قد كتبها ديدييه‏Korkoum . و قال فيلبي في: أرض الأنبياء مدائن صالح، موثق سابقا، ص 335:" ... و تفضي هذه الطريق (من الوجه إلى العلا) إلى الدلتا الفعلية لوادي (حمضة) (كذا و الصواب: الحمض) الذي يمتد مسافة بعيدة إلى الغرب حيث يقع المرتفع المعروف باسم (رأس كركمة) و هو مرتفع يتوجه رأس أصفر اللون. و من هذا اللون اكتسب المرتفع اسمه. و (الكركم) باللغة العربية نبات يعطي لونا أصفر". و في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 50Karkamah

148

و ما دام الحديث عن الاشتقاق يجر بعضه بعضا فإنني أقدم اشتقاقا، و لا أدّعي أنه الصحيح، و لكنّه الاشتقاق الذي أراه صوابا. تسمي العرب جهنم الدار الحمراء، و إن لهذه الصفة لديهم على الدوام دلالة شؤم؛ فهل من المستحيل إذا أن يكونوا قد أطلقوا على هذا البحر المهلك بسبب أخطاره المحدقة، و أحداثه الفظيعة اسما يقترن بالرعب الذي يلقيه في نفوسهم؟

توقفنا في الليلة الأولى بين دكتين من/ 104/ الصخر تظهران على وجه الماء، و هما ملجأ ممتاز للاحتماء من المد البحري؛ لأن الموج يأتي ليتحول إلى زبد في كلا الجانبين، في حين أن الوسط يبقى هادئا تماما. يسمّى هذا المكان" أبو حرير" (1): ليس بالأمر السهل أن نكتب بالأحرف الفرنسية الأصوات الحلقية العربية، و خصوصا عندما لا نكون قد رأيناها قط مكتوبة. رسونا في الليلة التالية لنحتمي بجزيرتين تفصلهما قناة ضيقة تسمى الأولى لبانة و الأخرى جبل حسّان‏ (2)، و تسكن الجزيرتين في‏

____________

(1) في الأصل‏Bou Kharid ثم يصحح المؤلف فيقول و الأصح‏Abouharir . و انظر: الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 50.

(2) لبانة جزيرة في البحر الأحمر مقابل مدينة أم لج تقع على مسافة كيلومترين غرب جزيرة الحساني و على الطرف الغربي للشط الصخري، و يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 76 م، تمتلئ المياه حولها بالشعاب المرجانية و الصخور الغاطسة. انظر: جزر البحر الأحمر (الملف العلمي) مجموعة من المؤلفين، موثق سابقا، ص 709. و قد كتبها ديدييه‏Libna . و الصواب‏Libana . أما حسان: بفتح الحاء و السين المشدة المفتوحة فألف و نون. فقال البلادي في معجم معالم الحجاز هو: جبل في البحر غربي أم لجّ تغيب عليه الشمس، فيه أشجار و ليس به سكان إلّا من ينجعه من بعض الناس إذا-

149

أيام الرعي قبيلة جهينة العربية التي تعيش على الساحل، و تحمل قطعان ماشيتها على الفلك. و قد كانت حين لجأنا إليها مقفرة، و لكننا نرى فيها أكواخا بناها الرعاة، ثم تركوها حتى موسم الرعي القادم. إن لهؤلاء البدو، شأنهم شأن بدو الساحل كلهم، سمعة سيئة لدى البحارة، لأنهم يعدونهم لصوصا من ذوي الجرأة، يسطون في أغلب الأوقات على المراكب، أو إنهم يأخذون منها جعالة على الأقل: لذلك يحرص البحارة على تجنب الاقتراب منهم، و يظلون بمراكبهم على مسافة آمنة من المناطق المشبوهة.

و ينبغي أن أشير هنا إلى أن الريس قدّم لبحارته و لنا القهوة إكراما لأحد أولياء اللّه المسلمين المدفون في جزيرة مجاورة، و اسمه الشيخ حسن المرابط (1) (بكسر الميم)

____________

أعشب، و قد قرأت لمن كتبه حسّاني بياء النسبة، و هو خطأ، و هذا الجبل يكوّن جزيرة تتبعها أخريات صغار. انظر: معجم جبال الجزيرة، عبد اللّه بن خميس، الرياض، ط 1، 1410- 1990، ج 2 ص 210؛ و انظر معجم معالم الحجاز، البلادي، 1399 ه/ 1979 م، ج 3، ص 6؛ و انظر جزر البحر الأحمر (الملف العلمي)، مجموعة من المؤلفين، الجمعية العلمية الملكية الأردنية، 1989، ص 709 حيث سميت جزيرة الحساني، و قيل إنها جزيرة ذات سطح جبلي، و يبلغ أعلى منسوب بها 146 م عن سطح البحر ... و يوجد إلى الجنوب منها ممر ملاحي ضيق يؤدي إلى ميناء أم لج. و قال فيلبي في: أرض الأنبياء مدائن صالح، موثق سابقا، ص 340، «... و قد جرى الحديث (في أم لج) في يوم من الأيام حول الاستفادة من مخزون (سماد الطيور) في الجزر القريبة من الشاطئ، تلك الجزر التي تعتبر أكبرها جزيرة (حساني)، و تبعد مسافة ليست كبيرة عن الشاطئ، و لا يسكنها إلا أسراب كبيرة من الطيور البحرية". و انظر:

رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 178، 180.

(1) انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 178.

150

و يلفظه البحارة/ 105/ مرابط (بضم الميم)، و هو اسم تحول في الجزائر إلى مربوط (مارابوMarabout )، و المرابط هو الذي نذر نفسه للدفاع عن الدين. و إن الولي المذكور هو سيّد هذه الأنحاء التي يلقى فيها تبجيلا عظيما. لا تمر سفينة بجوار ضريحه دون أن تطلب عونه، و دون أن ترسل إلى ضريحه الذي تحرسه أسرة عربية، أعطية من الطحين أو القمح‏ (1).

إن البحارة المحليين مفرطون في التطيّر، فناهيك عن تبجيلهم الأولياء و إخلاصهم لهم، فهم يعتقدون أن قاع البحر مسكون بالجن، و أن منهم الأخيار، و منهم الأشرار، و قد سبق لنا أن تأكدنا من ذلك عند بركة فرعون؛ إنهم ينسبون للجن الأخيار الإبحار الموفق، و يتهمون الأشرار بأنهم يهيجون الأمواج، و يعصفون الرياح، و يجذبون السفن إلى وسط المهالك. لذلك لا يفوت البحارة أبدا أن يخطبوا و دهم بأن يرموا لهم في البحر ما تحتويه و جباتهم، بعض حبات من التمر، و قبضة من الطحين، و في بعض الأحيان رغيف خبز كامل لكي يكون للأرواح الشريرة نصيبها أيضا (2).

لم نكن نرى اليابسة في يومي 4 و 5 فبراير (شباط)، و لكنها عادت إلى الظهور، و رأيت عند الظهور الشمس، في الأفق مدرجات جبلية رائعة يتلو بعضها بعضا، و هي‏

____________

(1) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 391، و قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 68.

(2) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 390- 391.

151

مقسمة بمهارة عجيبة، و إن أقرب سلسلة تسمى نبط (1)، و أبعدها/ 106/ أبو غريرAbou Gharir . و تعلو قمة جبل المهر المخروطية على كل القمم الأخرى. و تمتد تلك الجبال نحو الجنوب؛ و خلف هذه الحبال تقبع المدينة المنورة، و وراءها باتجاه الشمال الشرقي صحراء نجد الشاسعة التي يفصلها عن بغداد جبل شمر، و يوجد في تلك الصحراء أكثر جياد الجزيرة العربية قيمة. و بعد أن تجاوزنا من مسافة بعيدة جدا رأس بريدي‏Baridi ، توقفنا للمرة الثالثة في عرض البحر، بعيدا عن التيارات البحرية العميقة المحملة بالصخور، يساعدنا في ذلك استمرار الطقس الرائع. و أجد نفسي عاجزا عن وصف ذلك الجمال، الذي يستعصي على الوصف لتلك الأمسيات التي قضيناها في عرض البحر؛ روعة غروب الشمس التي كانت تتكرر في كل يوم، و لكنها كانت تختلف على الدوام. أما في هذا اليوم، فقد كان المشهد أكثر تألقا أيضا من اليوم السابق، لو كان بالإمكان ذلك، كانت ألوان السماء و البحر أكثر توهجا، و الطبيعة كلها أكثر روعة و أكثر هدوءا. لم يكن في البحر موجة واحدة، و لم يكن في السماء أية سحابة. و كانت قمة جبل رضوى التي كنا نراها من موقعنا الذي رسونا فيه، مضاءة

____________

(1) كتبها ديدييه‏Nabt و هو مكان معروف. أما جبل المهر فقد كتبها ديدييه‏Mahar ، و جاء في: معجم معالم الحجاز، للبلادي، 1402 ه/ 1982 م، ج 8، ص 301- 302:

أن المهر جبل بطرف حرّة عويرض من الشمال، أسود طويل لبني عطية، تدعه سكة حديد الحجاز إلى المدينة يمينها، يصب ماؤه في سهل المعظم. و لم أجد: أبو غرير فتركته كما كتبه المؤلف. و انظر: الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 51.

152

و كأنها منارة ضخمة، و كانت ما تزال تلتمع، مع أن الشمس اختفت خلف البحر.

و مع أن نجم سهيل كان يتبعها عن قرب، و يسبح في فلكها المتوهج فإنه كان يلتمع على حافة الأفق لمعانا فريدا. و كانت النجوم الطالعة شاحبة حوله، و لا تبدأ بالالتماع إلّا عندما تبدو هي نفسها تسبح في المدى الرحيب./ 107/

قريبا سيظهر القمر، و سيتلو السنا الذي انطفأ منذ قليل ظلام غير كثيف، أو بعبارة أدق، ضوء خفيف تراه في ليلة من الليالي الرائعة في آسيا، التي هي أكثر ألقا من أيام طقسنا السديمي (يقصد في أوروبا). كان السنبوك، و هو مستقر في مرساه، يلفه الصمت و الظلام، و كان الجميع على متن السنبوك يغطون في نوم عميق، إلّا أنا؛ إذ لا يستطيع النوم أن يسلبني ميزة التمتع بهذه الأمسية الجميلة.

كان ذلك مظهرا من مظاهر التهاون و اللامبالاة لدى الملاحين العرب، الذين لم يكن أي منهم يقوم بنوبة الحراسة! لقد تركوا المركب طوال الليل في حراسة اللّه.

كانت الأمسية الهادئة و الليلة الجميلة تنبئان أن البحر سيكون هادئا في اليوم التالي، و قد حصل ذلك بالفعل إبّان فترة الصباح كلها.

أمّا البحارة الذين لم يكن لديهم منذ غادرنا السويس ما يفعلونه تقريبا، فقد بدؤوا بالتجديف الذي كان يترافق لشحذ الهمم بغناء رتيب و حزين، لم أحفظ منه إلا الكلمة الأولى، يا سيدي، لأنها كانت تتردد كثيرا، و على الدوام بالتنغيم نفسه. يقوم البحارة، شأنهم شأن العرب كلهم، بكل أعمالهم على وقع الغناء، فهم، سواء كانوا ينشرون الأشرعة أم يطوونها، و سواء كانوا يلقون المرساة أم يرفعونها، يغنون معا لزيادة

153

السرعة و للعمل بتوافق، و إن لكل مناورة نصها الغنائي الخاص، و لكن ذلك لم يكن ليمنع من تنفيذ المناورة بكثير من الاضطراب و البطء (1). لكن الهدوء لم يستمر على كل الأحوال طويلا؛ إذ هبّ بعد عدة ساعات هواء الشمال، الذي يهب لمدة تسعة أشهر في السنة على البحر الأحمر، و الذي يسهم في سرعة الإبحار، مما جعلنا نصل عند الظهيرة إلى ينبع‏ (2).

إن ينبع ميناء المدينة المنورة، تبعد عنها مسيرة خمسة أيام إلى الشرق:

و ميناؤها واسع، و آمن جدا، لأنه محمي بجزيرة العباسي‏ (3)، و يغشاه الناس كثيرا. إن السفن التي تذهب من السويس إلى جدة و من جدة، إلى السويس تلقي مراسيها كلها فيه، و هناك رحلات تكاد تكون يومية مع القصير؛ و هي مدينة بحرية صغيرة تقع في الأراضي المصرية، و تصل البحر الأحمر بالنيل عن طريق قنا (4).

____________

(1) قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 68- 69.

(2) انظر: بلاد ينبع، لمحات تاريخية جغرافية و انطباعات خاصة، حمد الجاسر، دار اليمامة، الرياض، 1966 م. و انظر كتاب التراث الشعبي في أدب الرحلات، د.

أحمد عبد الرحيم نصر، الدوحة، 1995، ص 64- 65.

(3) العباسي كتبها ديدييه‏Al -Abbari و لعله خطأ مطبعي إذ الصواب العباسي، انظر كتاب بلاد ينبع للشيخ حمد الجاسر، موثق سابقا، ص 116. و قد كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 52Al -Abhari و هو خطأ أيضا.

(4) هذا طريق تجارة داخلية يمتد من القصير إلى الغرب عبر قنا و يمثل خط الاتصال بين الصعيد و البحر الأحمر به طرق للقوافل تستغرق أربعة أيام من قنا إلى القصير. انظر كتاب: مصر في كتابات ...، موثق سابقا، ص 215، 364.

154

ينبع مدينة ذات أهمية ضئيلة، سيئة العمارة، تكاد تكون مقفرة، و مشبعة بتلك الرائحة المقززة الخاصة بالمدن العربية، و التي وجدتها نفسها في المغرب و في طرابلس الغرب و في مصر و سورية. و ينبع محاطة بسور مهدم في كثير من المواضع، يوشك أن يسقط في كل أجزائه، و محصن بأبراج هي في حالة تشبه حالة السور سوءا. و يقسم خور الخليج المدينة إلى قسمين غير متساوين، و يشكل أصغر القسمين ما يشبه الربض (الضاحية) تسمى القعد و يسكنها البحارة (1). و إن سوق ينبع كثير السلع، و يباع فيها التمر ذو النوعية الجيدة؛ و إن تمور المدينة مشتهرة بأنها أفضل تمور العالم.

و التمر هو الغذاء المفضل لدى البدو، و هم يطعمونه/ 109/ أحصنتهم أيضا. لقد باركه النبي‏ (2) (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و يتكرر ذكره في آلاف المواضع في كتب الشرق المقدسة أو غيرها.

و يؤدي دورا رئيسيا في الروايات الشفوية في الصحراء.

لقد قمت بجولة طويلة عبر شوارعها، و لكنني لم أستفد من ذلك شيئا ذا بال.

رأيت عددا من البيوت الخربة التي لا يكلف الناس أنفسهم، كما هي العادة في البلاد الإسلامية، عناء إصلاحها أو إزالة أنقاضها التي تضفي على تلك المدن المهدمة هيئة كئيبة.

____________

(1) أما القسم الكبير فيسمّى: ينبع. انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 383.

(2) ما ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذا الشأن هو حديث عائشة رضي اللّه عنها من قولها: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال:" لا يجوع أهل بيت عندهم التمر"، و حديث آخر: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):" يا عائشة! بيت لا تمر فيه، جياع أهله، يا عائشة! بيت لا تمر فيه، جياع أهله- أو جاع أهله-" قالها مرتين أو ثلاثا، انظر: صحيح مسلم، ج 3، كتاب الأشربة، حديث رقم 152، و حديث رقم 153.