رحلة إلى الحجاز

- تشارلز ديدية المزيد...
399 /
155

كان فوق بعض الأبواب نقوش محفورة في الحائط، و مخصصة لدفع شر العين الشريرة (1)، و هذا معتقد عالمي نجده في الشرق و الغرب معا. و بينما كنت مشغولا بالنظر إلى أحد تلك النقوش الخرافية محاولا تفسيره، أطلت إحدى العجائز برأسها، و بدا أنها تظن أنني لم آت إلى هنا إلّا بقصد إصابة منزلها بالعين؛ لذلك نظرت إليّ نظرة ملؤها الحقد و الخوف و الرعب، حتى إنني كنت سأصعق لو كانت النية تكفي لذلك.

في الشرق لا نحدق في الأشياء أيا كان نوعها، بيتا أم حيوانا، أم شخصا، أو حتى شجرة، دون أن يصبح من يحدق مشكوكا فيه، و يتّهم بأنه عائن.

كان حمالة القاهرة ينزعجون عندما كنت أتوقف أمام البيوت التي كانت أبوابها أو شرفاتها تلفت نظري، و قد جرّ علي فضولي الكثير من لعناتهم./ 110/ أما في ينبع فقد رأيت مشهدا معاكسا لذلك المشهد الصامت مع العجوز، كان هناك فريق من الأولاد، و كانوا عراة، و أكبرهم لا يتجاوز الرابعة من عمره، و كانوا يقيمون حفلة صاخبة لم يقطعها وجودي بينهم. كان أحد الأولاد يقرع بضربات مزدوجة على دربوكة أكبر منه، و كان الآخرون يرقصون و قد تحلقوا وسط الغبار. و لو أنني كنت بارعا في الرسم براعة ديكام‏ (2)Decamp ، لكان باستطاعتي أن أرسم هنا لوحة تكون نظيرة لوحته المسماة: لحظة الانصراف من المدرسة العربيةLa Sortie d`ecole arabe .

____________

(1) قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 65.

(2) الكسندر- غابرييل ديكام‏Alexandre -Gabriel Decamp رسام فرنسي ولد في باريس عام 1803 م، و مات في فونتين بلو (قرب باريس) عام 1860 م، قام برحلة إلى الشرق تركت آثارها في إنتاجه الفني، و جعلته يتأثر بأضواء الشرق و ألوانه و قسماته المميزة حتى أصبح يعد بين الرومانسيين، و تناول موضوعات شرقية مثل المدرسة و السوق و الجبال، و يدين للشرق بأجمل لوحاته و منها: لحظة الخروج من المدرسة.

156

إن الدربوكة المستخدمة في مثل هذه الحفلات هي عبارة عن صحيفة مجوفة، بيضوية الشكل أكثر منها دائرية، مصنوعة من الطين الخشن الذي مدوا فوقه رقعة من الجلد. و إن هذه الآلة البدائية هي المرافق الذي لا يمكن الاستغناء عنه، و وجودها أساسي في كل الحفلات العربية: نسمع صوتها في كل مكان، لقد سبق لي أن سمعتها في أثناء اليوم على متن مركب محلي عائد من القصير، و قد خرج أقارب القادمين الجدد و أصدقاؤهم للاحتفال بعودتهم احتفالا عامرا يستمر طوال النهار (1).

لقد ابتليت ينبع بأعداد هائلة من الذباب، يغزو كل شي‏ء، أماكن البيع، و البيوت و المساجد، و يصل إلى المراكب التي ترسو في الميناء، و يكثر في السوق على وجه الخصوص، حتى إن السوق يكتسي باللون الأسود، يهجم على الطعام و الشراب و الأشخاص. إنه كارثة يمكن مقارنتها بكوارث مصر السبع‏ (2). و يكثر الذباب في‏

____________

(1) قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 69.

(2) جاء في الكتاب المقدس (العهد القديم، سفر الخروج، الإصحاح 7، 12) أن فرعون رفض السماح لبني إسرائيل بمغادرة" أرض العبودية" للذهاب نحو الأرض الموعودة.

و أخذ موسى (عليه السلام) على عاتقه بأمر ربه أن يخالف رغبة فرعون، و أن يحاول ثنيه عن ذلك و دعا ربه فسلط على فرعون و شعبه كوارث هي حسب العهد القديم عشر:

تغير ماء النيل إلى دماء و أصبح غير قابل للشرب خلال عدة أيام، الثانية و الثالثة و الرابعة تعرض مصر لغزو الضفادع و البعوض و الذباب ثلاث مرات. و خامسا حل بالمواشي مرض جعلها تموت بأعداد كبيرة، و حل بالناس سادسا مرض غامض جعلهم يصابون بالقرحة، و هبت سابعا عاصفة شديدة أتلفت قسما كبيرا من المواسم. و أتلفت سحابات الجراد ما بقي منها ثامنا، و خيم ظلام دامس على مصر تاسعا، و أصبح المواليد الجدد يموتون جميعا عاشرا، و يظن الباحثون أن ذلك حدث في عهد منفتاح الأول‏Mnephtah ler خليفة رعمسيس الثاني حوالي سنة 1230 ق. م. و قد تحدث القرآن الكريم بالقول الحق في ذلك، إذ قال تعالى: سورة الأعراف، الآيات من 130- 134-

157

البلاد التي تنتج التمر؛ لأن كل ما هو حلو المذاق يجذبه، و لكن/ 111/ أشجار النخيل بعيدة عن المدينة، و لا يمكن القول: إنها سبب مثل هذا الغزو؛ و ينبغي البحث عن سبب آخر: و إن سألت السكان الأصليين فإنهم يجيبونك جادين، و هم يعتقدون ذلك، أن ملك الذباب و ملكته يسكنان في ينبع، و أن الذباب يأتي من كل أنحاء العالم ليؤدي لهما فروض الطاعة (1). ليس في المدينة إلّا بئر واحدة، ماؤها أجاج، و الناس مجبرون للحصول على مياه الشرب على حفظ ماء المطر وسيول الشتاء في خزانات تم بناؤها لهذه الغاية، و عندما ينقصهم الماء، فإن عليهم الذهاب بعيدا جدا للبحث عنه في آبار عسيليّة مما يجعل ثمنه مرتفعا جدا. و ليس في داخل المدينة إلّا شجرة أو شجرتان من النخيل منفردتان أمام المسجد، و ليس هناك أكثر من ذلك خارجها.

____________

وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ وَ مَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) وَ قالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ

كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134).

(1) يقول بوكهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 388:" و تعد ينبع أرخص مدن الحجاز من حيث أسعار المؤمن. و لأن ينبع فيها ماء طيب و تتبوأ موقعا يبدو أكثر ملاءمة من الناحية الصحية، من موقع جدة، لذا فقد كان المقام بها محتملا لو لا أسراب الذباب الهائلة التي تتخذ لها من هذا الساحل مأوى، فلا أحد يخرج من بيته دون أن يحمل مروحة من الخوص في يده ليذب عن نفسه هذه الحشرات. و من المحال أن يتناول إنسان طعامه دون أن يبتلع بعضا من هذه الحشرات التي تندفع إلى فمه لحظة فتحه.

و تشاهد سحب منها تحوم فوق المدينة، و هي تتخذ من السفن التي ترسو خارج الميناء مأوى لها، و تظل على السفينة طوال الرحلة".

158

و قد خرجت من باب المدينة المنورة للقيام بجولة في الريف فلم أر شجرة واحدة، و لم أكتشف إلّا الصحراء العقيمة التي تمتد قاحلة و عارية من البحر إلى الجبال. و لا نجد بعض المزروعات و المساحات الخضراء إلّا على بعد ست أو سبع ساعات من المسير، و ذلك في ينبع النخل؛ و هي تقع في واد كبير مزروع بنخيل التمر و القمح، و يملك فيها السكان الأغنياء حدائق و منازل ريفية، يذهبون إليها على الحمير لأنه ليس فيها إلا عدد قليل من الخيول، و يقضون فيها شهرا في السنة إبان موسم التمر. إن في ذلك الوادي الواقع في أسفل الجبال عددا/ 112/ من القرى يقارب اثنتي عشرة قرية، بيوتها مبنية من الحجارة، و هي، إن صح التعبير، أحسن بناء من بيوت المدينة نفسها، و لكن ليس بدرجة كبيرة، و يسكن في إحدى تلك القرى كبير مشايخ قبيلة جهينة الكبيرة، التي ينتمي إليها سكان ينبع‏ (1). لقد ظلت قبيلة جهينة متمسكة بالبداوة، مع‏

____________

(1) قال بوكهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 384- 385:" ... و أهل ينبع أقل تحضرا من أهل مكة المكرمة و جدة، و في طباعهم خشونة، و يسلكون بعض الأحيان سلوكا فظا، إلا أنهم من ناحية أخرى أكثر انضباطا و أقل ممارسة للرذائل. و هم يحظون بشكل عام في الحجاز، بسمعة طيبة. و رغم أن ينبع لا تضم أفرادا ذوي ثروات كبيرة، إلا أن كل فرد فيها يبدو مطمئن البال وثريا أكثر من أهل مكة المكرمة. و معظم الأسر المحترمة في ينبع تمتلك منازل ريفية في واد مثمر يقال له ينبع النخل، أو قرى ينبع (قرايا ينبع) أو ينبع البر، و هي تبتعد عن ينبع بحوالي ست ساعات أو سبع، عند سفوح الجبال صوب الشمال الشرقي. إن ينبع النخل مشابهة لأودية الجديدة و الصفراء، حيث ينمو النخيل و تزرع الحقول، و تمتد ينبع النخل مسيرة سبع ساعات طولا، و تشتمل على اثنتي عشرة قرية صغيرة متناثرة على جانب الجبل، و أكبر هذه القرى سويقة؛ و هي مكان عقد السوق، حيث يقيم كبير مشايخ جهينة، و يعترف بسلطته بدو جهينة و أهل ينبع على حد سواء."

159

أنها كانت تسكن المدينة، لقد حافظت على زي جيرانها في الصحراء، مع أنها أصبحت مستقرة، و يتكوّن زي الصحراء: من ثوب من الكتان، أو الحرير، حسب الحالة المادية لصاحبه، مشدود إلى الخصر بحزام من الجلد، و فوق الثوب عباءة بيضاء فضفاضة على الجسد قصيرة الأكمام. و أما الرأس فهو مغطى بكفّيّة؛ و هي منديل من القطن المصبوغ باللون الأحمر، أطرافه موشاة بالحرير الأصفر، و تسقط أطرافها المزدانة بالأهداب على الكتفين، و يمسكها على الرأس حبل من صوف الإبل يسمى: عقال، و هو ملفوف عدة لفات حول الرأس.

و يحمل الرجال أسلحة مخفية، و في أيديهم عوضا عن الخيزرانة هراوة تكفي ضربة واحدة منها لأن تصرع ثورا (1). و ما دمنا في صدد الحديث عن اللباس، فإنني أقول: إنني في هذا اليوم، و للمرة الأولى استبدلت بالقبعة الأوروبية التي يمقتها المسلمون طربوشا تجويفه أحمر اللون، و طرفه أزرق، و لم أخلعه إلّا عندما عدت إلى القاهرة، و قد وضعت مع الطربوش كفية كانت/ 113/ ذات فائدة جلّى إبّان رحلتي إلى السودان، و حصلت بعد ذلك على عباءة لم تكن فائدتها بأقل من فائدة الكفية.

إن سكان ينبع بدو في ملابسهم، و هم بدو في عاداتهم الخاصة أيضا، باستثناء أنهم يعملون مختارين بالتجارة و الملاحة، و هم يذهبون يوميا لهذا الغرض إلى القصير و السويس. إنهم مهربون بارعون، و بطريقة علنية غالبا، و هم في نزاع دائم مع رجال الجمارك الأتراك. لقد انتشر صيتهم في الحجاز كله بحسن الأخلاق، مما يميزهم من‏

____________

(1) قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 64.

160

سكان المدن المقدسة، التي انحدرت فيها القيم الأخلاقية و خصوصا في مكة المكرمة. إنهم يحتقرون أي عمل يدوي، و أي وظيفة خدمية، و لا يرضى أحد منهم أن يكون خادما، و لكنهم في مقابل ذلك اشتهروا بخشونة طباعهم، و أنهم يسلكون في بعض الأحيان سلوكا فظا. إن كل ما أستطيع قوله عبر تجربتي: إنني وجدت حظهم من المدنية قليل، و لكنني لم أتعرض لأي إهانة منهم. و إذا حكمنا عليهم من خلال عاداتهم فيمكن القول: إنهم كثيرو التطير: فقد كانوا عندما بلغ انتشار الطاعون ذروته في ينبع، يطوفون أحياء المدينة، و هم يقودون جملا، لكي يحمّلوه الوباء كله و يركزونه عليه، ثم يذبحونه في مكان مخصص، و هم يتخيلون أنهم بقتله إنما يقتلون في الوقت نفسه انتشار الوباء (1)./ 114/ و بعد أن جبت المدينة في كل الاتجاهات، و لما كنت لا أود الإبحار ثانية إلّا عند غروب الشمس فإنني بانتظار حلول موعد الإبحار استقر بي المطاف على باب أحد المقاهي الواقعة في أكثر شوارع المدينة سكانا، و بالقرب من‏

____________

(1) جاء في: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 382- 383:" ... و سوف أذكر هنا عادة خاصة بالعرب فعندما بلغ انتشار الطاعون ذروته في ينبع، قاد السكان العرب ناقة في موكب عبر البلدة و قد غطّوها بكل أنواع الزينة و الريش و الأجراس و ما إلى ذلك، و عندما وصلوا إلى المقابر؛ قاموا بذبحها و نثروا لحمها للنسور و الكلاب، آملين بذلك أن ينقشع الطاعون المنتشر في البلدة (ينبع) متخذا من بدن الناقة ملجأ، و أنهم بذبح الناقة سوف يتخلصون من المرض في الحال، إلّا أن كثيرين من العرب الأكثر تعقلا سخروا من ذلك، لكن هذه العادة حتى الآن- لها بعض الفائدة إذ إنها ترفع الروح المعنوية لدى الطبقات الدنيا"، قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 68.

161

المسجد، و قد سنحت لي بذلك الفرصة لأرى أمام عيني، خلال عدة ساعات، مرور كل السكان الذكور؛ و لم أر أية امرأة.

في البدء هاهم المؤمنون يذهبون إلى صلاة العصر في المسجد المجاور، ثم يأتي بعد ذلك الغواصون الذين طالما ألحوا عليّ، و بأدب جم، لأزور أماكن غوصهم. و كان يمر أمامي أيضا جيئة و ذهابا، و بأنفة، عدد من الباشي بوزوق‏ (1) الأرناؤط و الأكراد الذين يشكلون حامية تحتفظ بها الدولة العثمانية هنا، و الذين كانوا يصطنعون هيئة الشجاعة للتأثير فيّ، و هم مسلحون بغدّاراتهم الطويلة، متلفعون ببرانسهم البيضاء.

ثم جاء دور الحاكم ليمرّ بعدهم، و هو لم يأت إلّا بدافع الفضول، و لكي يلتمس زيارتي، و لكنه لّما كان مجرّد أفندي، فإنه لم يكن له ما يؤهله لكي أمنّ عليه بهذا

____________

(1) جاء في معجم المصطلحات ...، موثق سابقا، ص 65:" باشي بوزوق: لفظ تركي أطلق في العصر العثماني على القوات غير النظامية" الجيش الشعبي أو المليشيات" كانت معروفة في مصر أيام محمد علي باشا و من جاء بعده، بلغ عدد أفرادها في عصر إسماعيل 5000 مقاتل، و هم من الأتراك و العرب، مهمتهم المحافظة على الأمن في الداخل، و الواحات و مرافقة محمل الحج، ناهيك عن جباية الضرائب. كانت أرادي" معسكرات" الباشي بوزوق ترتبط بديوان مستقل عن ديوان الجهادية يعرف بديوان" السرجشمة" و كان هذا الديوان يتولى إدارة جنود الباشي بوزوق من حيث التجهيز و التسليح و تطبيق النظم العسكرية، غير أن هذا الديوان ألغي فيما بعد، و ألحق الباشي بوزوق بديوان الجهادية، كان لباس الجندي من هؤلاء مصنوعا من الزرد، و سلاحه سيف مستقيم كأسياف الصليبيين و يتدرع بطراز معروف من الدروع، و على رأس الواحد منهم خوذة لها حامية للأنف على نمط خوذ المماليك". و انظر المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، موثق سابقا، ص 56.

162

التمييز: و لما كانت أوروبيا و فرنسيا و مسافرا مميزا، و طبقا للعرف، و كما ينبغي أن يكون أي شخص يسافر لمتعته و لتثقيف نفسه، فإنه لم يكن عليّ أن أخصه بأي مجاملة.

و ربما أدهش بعض الناس رؤيتي أتحدث غير مرة عن موضوع آداب العشرة، و أتخذ منه موقفا متصلبا؛/ 115/ و لكن ذلك ضروري في الشرق، حيث لكل شي‏ء قواعده، و حيث تطبق الرسميات بصرامة شديدة: و إن احترام الأوروبيين مرتبط بمدى التزامهم بهذه الأمور البسيطة، إن أي مخالفة للعادات المتمكنة، تنقلب حتما ضد المخالف؛ و إن أي تساهل أو أي مبادرة مهما كانت بسيطة تعد خضوعا و ليس تسامحا، و تعد اعترافا شخصيا بالدونية، و بتفوق الآخر. و لما وجد الشرقيون، و الأتراك خصوصا، أنهم مضطرون للتنازل للأوروبيين عن كل الأشياء المهمة، فإنهم استعادوا تميزهم بذكاء ملفت في مسائل حق التصدر، و في العلاقات اليومية، ينبغي في معاملتهم الانطلاق على الدوام من مبدأ أن كل ما يخصهم مهم، و أنه لا شي‏ء مما يخص الآخرين مهم في نظرهم.

إن ديوان الحاكم الذي لم أذهب إليه، يقع في منزل ذي مظهر جميل، إنه أجمل بيت في المدينة، أقيم قرب البحر في مكان متميز، و بينما كنت أمر أمامه لأعود إلى الميناء، عرتني الدهشة، عندما رأيت على مقربة منه تحت سقيفة، ستة مدافع متروكة هناك منذ ما يقارب ثلاثين سنة، تركها محمد علي أو ابنه إبراهيم باشا بعد

163

حرب الوهابيين، و هي في حالة جيدة، و لم يكن وجودها نشازا في أي رحبة مدفعية أوروبية./ 116/ و في اليوم التالي نشر السنبوك قلوعه عندما نادى المؤذن الذي كان من أعلى المنارة يدعو المؤمنين لأداء أولى الصلوات الخمس في اليوم، و تقابل صلاة السحر عند الكاثوليك، و تسمّى أذان الفجر. و عندما طلعت الشمس كنا قد قطعنا عددا من الأميال. لقد كانت أيام 7 و 8 و 9 فبراير (شباط) تشبه أيام 3 و 4 و:

هواء مؤات، بحر هادئ، إبحار سريع، الحالة التأملية نفسها، غروب متألق، و توقفات ليلية في عرض البحر. و لما لم يعد على فريق البحارة أن يجدفوا، فإنهم عادوا إلى سيرتهم الأولى في التكاسل، يقضون النهار بالتدخين و النوم، إنها حياة الكسالى المثلى، و لا يعني ذلك أن هذه الأنحاء غير خطرة، حتى في أكثر الأجواء مناسبة، و ذلك بسبب الأرصفة الصخرية، و العثرات الموجودة تحت سطح الماء التي لا تزال المنطقة تعج بها.

و لكن الممارسة الطويلة للقباطنة، جعلتهم يتغلبون على هذه الصعوبات بسهولة، و قد كنت معجبا بمهارة قبطاننا، و هو يتجاوز كل تلك العقبات، غير عابئ بوجودها.

إن هؤلاء الرجال الذين يفرطون في الفزع خلال المد، تجدهم هنا و قد ملئوا حزما يكاد يصل حد التهور؛ إنها أمكنتهم المفضلة، و إن العادة (الروتين) توجههم توجيها أدق من أي خارطة.

لقد أصيب الريس عشية وصولنا إلى ينبع بحمى مقلعة لم يستطع التخلص منها، و ظلت تقض مضجعه حتى جدة./ 117/ كان عندما تحل به نوبة الحمى يظل‏

164

مستلقيا على سجادته مرتعشا، مرسلا تأوهات محزنة، و عندما كانت تمضي النوبة، كان يتناول من جديد شيشته و أعماله. و كان هذا التوالي يحدث عدة مرات في اليوم.

لقد حاول رفيق رحلتي، الذي كان يحمل معه صيدلية تجانسية (1)Homopatique أن يجرب عليه موهبته الطبية البسيطة، و لكنه لم ينجح في التخفيف عنه، و ظلت الحمى تفعل فعلها.

كان اسم الريس خليل سلام، و كان رجلا محببا جدا، مفضالا، و مؤدبا، كما ثبت لنا خلال الفترة الماضية، و كان على الدوام يسعى لإرضائنا، كان كوستا المتبصر قد وضع في العقد شرطا ينص على أن الرحلة ينبغي، مهما كانت الظروف، أن تكون ممتعة لنا، و أن على القبطان أن يجعلها كذلك لنا. و لم أر أبدا أن أحدا استطاع الوفاء بالتزامه كما حصل هنا، لقد تم تنفيذ العهد بدقة من جميع جوانبه، و هذا شي‏ء نادر الحدوث في أوروبا. لم يكن لدي أدنى ملاحظة يمكن توجيهها، و أقل من ذلك أيضا المآخذ التي يمكن أن آخذها على خليل سلام إبان كل الفترة التي قضيتها على متن السفينة. و أشك أن يكون هناك في أي ميناء غربي كثير من القباطنة يتمتعون بمثل هذه الدقة و لين الجانب. لم يكن يرتدي في البحر، شأنه شأن بقية البحارة، إلا قميصا من القطن، و لكنه عند النزول إلى اليابسة، كان يلبس ثيابا جميلة من الحرير، و كان له حينئذ حقيقة هيئة الوجهاء./ 118/ كان الساحل لا يزال محاطا بجبال عالية،

____________

(1) نسبة إلى الطب التجانسي الذي يقوم على مداواة الداء بالداء. (عن المنهل).

165

و كان أكثرها ظهورا لنا (1) صبح، و النّباع‏ (2)، و جبل بني أيوب، و كلما تقدمنا نحو الجنوب تكاد الجبال جميعا تأخذ شكلا هرميا، و أكثر تلك المخروطيات العالية ظهورا هو مخروط كلّية، و إذا تقدمنا أكثر نحو الجنوب، فإن الجبال تنخفض انخفاضا قليلا، و كلما اقتربنا من جدة يصبح الساحل سهليا. تنتشر بين تلك الجبال الواقعة بين مكة المكرمة و المدينة المنورة أشجار البلسم المكي الذي يتمتع بسمعة طيبة في الشرق، بل في الغرب أيضا، و يجنى من تلك الجبال عسل ذو مذاق لذيذ، لونه أبيض برّاق. و هنا أيضا تتكاثر أشجار الأراك‏ (3) التي يتخذ منها العرب مساويك لأسنانهم. و تسكن في المناطق العالية نسور جريئة، حتى إنها تهوي على القوافل، و تختطف ما في صحون طعام الحجاج. و قد أكد ذلك بوركهارت، و كان هو نفسه أحد ضحايا هذا الاختطاف الفظ (4). أما المناطق المنخفضة فيسكنها أعراب زبيديون من قبيلة حرب‏

____________

(1) كذا في الأصل‏Loubeh و لعل صوابهاSoubeh - صبح (جبل) و هو منطقة قبيلة صبح القوية المتفرعة من قبيلة حرب. قال بوركهارت: ... و توجد هنا بشكل رئيسي أشجار البلسم المكي، و سنا مكة المكرمة أو السّنا العربي الذي تصدره قافلة الحجيج السوري و لا يجمع إلّا من هذه المنطقة. انظر: رحلات بوكهارت ...، موثق سابقا، ص 282.

و انظر: ص 285 أيضا ففيها حديث مفصل عن البلسم المكي.

(2) في الأصل:Napa .

(3) في الأصل:

Un arbuste dont les Arabes font leurs brosses dents

و الترجمة الحرفية هي:

و شجرة الأراك جنبة (و هي كل شجرة علوها متران إلى سبعة أمتار تظل صغيرة و إن شاخت) يتخذ منها العرب مساويك لأسنانهم.

(4) قال بوركهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 372:" ... و يوجد في الجبال المجاورة أعداد هائلة من النسور (الرخم) إذ كانت المئات منها تحوم حولنا، و بعضها كان ينقضّ- بالفعل- و يخطف اللحم من صحوننا." انظر تعليق المترجمين رقم (3) في الصفحة نفسها.

166

الكبيرة، و ينظر إليهم الأعراب الآخرون نظرة ازدراء لأنهم حضريون و يعملون في الصيد. لقد قابلنا في عرض البحر واحدا من أولئك الصيادين المهرة، كان رجلا رائعا، ممشوق القوام، عاريا تماما حتى لتحسبه إله الموج مصنوعا من البرونز/ 119/ الفلورنسي. كان منتصبا بإباء على مركبه، و جاء يعرض علينا السمك الذي اصطاده، و لكننا لم نستطع الشراء منه، لأنه كان يرفض نقودنا، و يطلب ثمنا لبضاعته قمحا أو تبغا: و لم يكن لدينا على ظهر السفينة لا هذا و لا ذاك.

هناك عدد من المدن و القرى على ذلك الساحل، من بينها الجار التي لم نستطع تبين ملامحها عند مرورنا، إلا بمساعدة المنظار. و في منطقة أعلى، و إلى الداخل قليلا هناك مستورة؛ و هي إحدى محطات قافلة الحج المصرية، و إلى أقصى الجنوب هناك رابغ التي يلفظها بحارتناRabr و التي قضينا ليلة 8 في موازاتها، و لكن في عرض البحر بعيدا عنها، أما الليلة السابقة فقد قضيناها على خط الاستواء و قد واجهنا في يوم 9 كثيرا من الصخور المفتتة و الشعاب المرجانية، و لكل واحد منها اسم خاص:

و أخطرها يسمّى، إن لم يخني سمعي، أم الحبلين‏ (1). و كانت جزيرة غواط (2)Ghaouat غير بعيدة عنا. ثم يأتي بعد ذلك رأس حطيبة. و بعد وقت قليل من تجاوزنا ذلك الرأس، قابلنا سنبوكا على متنه جماعة من الدراويش العائدين من مكة المكرمة، و كانوا يرفعون علما أخضر، و هذا هو اللون المحبب لدى المسلمين، و الذي كان لون‏

____________

(1) كتبها ديدييه‏Om -el Hableijn و ترجمها إلى الفرنسيةmer des deux Cordes - أم الحبلين.

(2) كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 58Ghawat - غواط.

167

شعار محاكم التفتيش في إسبانيا. و على الرغم من خصوصيته الدينية، و على الرغم من كوننا من غير المسلمين، فإنهم حيّونا بصوت عال عندما مروا بقربنا، و كانت صيحاتهم تختلط بالموسيقى و الأغاني التي كان يتردد صداها على سطح الماء/ 120/ و استمر يتردد طوال الوقت الذي كنا فيه نسمعهم.

لم نلتق بكثير من المسافرين خلال الرحلة، و مع أننا أبحرنا في بعض الأحيان مع سفن أخرى تمضي في الوجهة نفسها، فإن سنبوكنا كان سريعا كل السرعة مما جعلنا نسبقهم دائما. كان هذا اليوم الأخير رائعا: أبحرنا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، و قطعنا ما يقارب 70 ميلا حتى الساعة الثامنة مساء؛ و هي الساعة التي دخلنا فيها ميناء جدة. لم يحدث من قبل أن تم العبور بهذه السرعة؛ لأننا إذا استثنينا فترات التوقف الإرادية، و رحلة سيناء، فإن الرحلة من السويس إلى جدة لم تستغرق إلّا أحد عشر يوما، ممّا يعني أننا كنا نبحر بسرعة ممتازة، خصوصا إذا أخذنا في الحسبان أننا كنا نتوقف الليل كله. لا أود مغادرة البحر الأحمر، دون الإشارة إلى أنه غني جدا بالأصداف التي تحتوي على أحجار كريمة، و أننا نجد فيه، و خصوصا في مياه جدة، كثيرا من السمك الطيار الذي يسميه العرب: جراد البحر.

خالف الريس أنظمة الشرطة المحلية، عندما دخل ميناء جدة في الليل، و هو لم يلجأ إلى هذه المخالفة إلّا لكي ننزل إلى اليابسة مبكرين. و قد عوقب على ذلك بالسجن، و ربما كان سيظل هناك عددا من الأيام، لو لا أنني تدخلت لدى السلطات لإطلاق سراحه بعد توقيفه ببضع ساعات، و قد كنت أشعر/ 121/ بالسعادة،

168

لأنني استطعت بهذه الخدمة البسيطة أن أرد إليه بعض سالف خدماته خلال الرحلة. و قد وزعنا بخشيشا مجزيا على أفراد الطاقم كلهم، و على الريس أيضا، مسددين بذلك ما لهم من دين في ذمتنا. قضينا تلك الليلة على متن السفينة أيضا، و كان علينا في اليوم التالي أن نتتظر ساعة المد و الجزر المناسبة لكي نغادر السنبوك.

إن ميناء جدة مملوء بالأرصفة الرملية، و مياهه ضحلة حتى إنه ينبغي على السفن أن ترسو على بعد 2 إلى 3 أميال عن الشاطئ، و قد كانت هناك في قنوات الملاحة سفينة ذات ثلاث صوار جانحة، تقبع هناك شاهدا يثير القلق، و يدل على الأخطار التي يتعرض لها من يخاطرون بدخول الميناء. جاء مركب مسطح ليحملنا من السنبوك إلى اليابسة، و كان هذا المركب نفسه مجبرا على القيام بالتفافات كبيرة حتى لا يغوص في الرمال، و مع ذلك فإنه اصطدم غير مرة بقاع البحر. و لكننا، على الرغم من ذلك، وصلنا أصحاء سالمين، و لكن في الساعة التاسعة، إلى رصيف الجمارك الواقع غير بعيد عن حصن، هو في حالة سيئة، و لكنه يثير الإعجاب، و يحتل موقعا متقدما في البحر.

169

الفصل السادس جدّة (1)

أخبروني في القاهرة أن جدة ليست إلّا حيا صغيرا، و قد تكرر ذلك على مسامعي حتى إنني/ 122/ لم أكن أنتظر رؤيتها على ما هي عليه. كم كانت دهشتي كبيرة عندما وجدتها على العكس مدينة جميلة، مكينة البناء، جيدة التأسيس، تعج بالسكان، نابضة بالحياة، و مزدحمة، و جديرة على كل المستويات أن تحمل الاسم الذي تعرف به، ميناء مكة المكرمة، و ليست بأقل جدارة لحمل اسمها الذي يعني بالعربية الغنية (2). ناهيك عن مياه مينائها الضحلة و أرصفتها الرملية فهي محمية من ناحية البحر بحصن و بسرية مدفعية بينها مدفع ضخم من عيار خمس مئة مليمتر يزرع الرعب في قلوب البدو. و المدينة محاطة من الجهة الأخرى بسور سميك، مرتفع بما يكفي، مصان صيانة جيدة، مسبوق بحفرة عميقة، و عليه أبراج في حالة جيدة. إن هذا المعقل لا يصمد ساعة أمام قصف المدفعية الأوروبية، و لكنه على‏

____________

(1) انظر ما أورده بوركهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 20- 57 و يبدو أن ديدييه ينقل عنه بتصرف في كثير من المواضع. و انظر في الحديث عن جدة قديما و حديثا و عن الخلاف في ضبط اسمها و معناه كتاب: موسوعة جدة، تأليف عبد القدوس الأنصاري، القاهرة، 1982 م. و انظر: ما ترجمه د. أحمد عبد الرحيم نصر في كتابه:

التراث الشعبي في أدب الرحلات، موثق سابقا، ص 64- 69، من رحلة ديدييه عن زي رجال جدة و نسائها و عن وصف بيوتها و رواشينها.

(2) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 27، و فيه:" اسمها العربي يعني (غنية) ينطبق عليها تماما." و جاء في لسان العرب" جدد" أن الجد بفتح الجيم- الحظ و السعادة و الغنى.

170

الدوام كان كافيا إبّان الحروب التي تدور في البلد، و خصوصا إبّان حرب الوهابيين، لحماية المدينة و لفرض هيبتها لذلك اشتهرت بأنها مدينة مستعصية على الاحتلال، و بأنها أكثر الأمكنة تحصينا في الحجاز. يوجد في هذا السور ثلاثة أبواب، باب اليمن من الجنوب، و باب المدينة المنورة في الشمال، و أخيرا باب مكة المكرمة في الشرق، و هو أجملها، و يقوم على حراسته برجان منخفضان منحوتان بمهارة فائقة في الذروة.

تبتعد جدة عن مكة المكرمة مدة 15 أو 16 ساعة، و يبلغ عدد سكانها من 15 إلى 20 ألف نسمة. و تنقسم إلى قسمين كبيرين، حي اليمن، و حي الشام، و هما مسميان بذلك بسبب وضعهما الجغرافي: فحي الشام يقع في الشمال على الطريق إلى سورية؛ و حي اليمن في الجنوب/ 123/ على الطريق إلى اليمن أحد أقاليم الجزيرة العربية الذي يعطي اسمه الحي المذكور. هناك أقسام أخرى صغيرة تسكنها جماعات من السكان متمايزة، يقع بينها غالبا من حي إلى آخر شجارات عنيفة، شوارعها عريضة، نظيفة نظافة مقبولة، تبدأ عادة بساحات واسعة جيدة التهوية تشكل رئتي المدينة. أما بيوتها فهي متينة البنيان، و تتألف من عدة طوابق، و أبوابها على شكل أقواس، و هي مبنية من الحجر، و لها مظهر جميل، و نوافذ واسعة تطل على الخارج، و هذا شي‏ء نادر في البلاد الإسلامية لأن الحياة المنزلية تتم على الدوام داخل البيت الذي يبنى بطريقة لا تدع شيئا يتسلل إلى الداخل؛ لا ضوء النهار، و لا الهواء، و لا الضوضاء، و لا الأنظار الفضولية. ليس لتلك النوافذ زجاج، بل إن كل فتحاتها مغطاة بشبك من الخشب المفرّض بمهارة عجيبة، ليسمح بالرؤية من الداخل دون أن يتمكن من في‏

171

الخارج من رؤية من في الداخل. إن تلك النوافذ المتقنة الصنع، البارزة و المقوسة، كأنها مشربيات القاهرة أو شرفاتها، مطلية بألوان زاهية تتباين مع اللون الأبيض للجدران.

و إن كثيرا من السطوح محاطة بحواجز مفرغة محفور فيها بأناقة زخارف تمثل نفليات‏ (1). و بعضها بما في ذلك المنزل الذي كان يسكنه في حياته آخر أشراف مكة المستقلين، أقيم عليها مظلات خشبية منجورة كالنوافذ، تصعد إليها النساء لاستنشاق الهواء الطلق فيها دون أن يراهن أحد. و يقضي أهل جدة وقتا طويلا على السطوح لأن/ 124/ نسيم البحر يخفف من وطأة الحر الذي لا يكاد يحتمل في الصيف. يمتد السوق على طول المدينة، و يسير موازيا للبحر، و يتصل به بوساطة شارعين جانبيين. يضم سوق جدة كل أنواع البضائع، أكثرها أجنبي، و كذلك مواد غذائية محلية أو مستوردة: و نجد أن دمشق و بغداد و فارس و مصر و الهند خصوصا موجودة في هذا السوق عبر منتجاتها الطبيعية أو المصنعة. و تسود فيه في كل الأوقات حركة غير عادية، و ليس بالسهل أن يشق المرء طريقه بين أكداس البضائع، و الجمال و الحمّالين، ناهيك عن الكلاب الضالة، و المسالمة التي تبحث عن رزقها في هذه الضوضاء. أما العمال الذين يقومون بالأعمال الشاقة في السوق و الميناء فهم يكادون جميعا يكونون من النوبيين أو من سكان الجبال، و يسمون الحضارمة إنهم عموما رجال في غاية الوسامة، مفتولو العضلات، ذوو بأس، و يكادون يكونون عراة، و لون بشرتهم الناعمة و اللامعة أسمر شديد الدكنة. و نرى أيضا بعض‏

____________

(1) النفلية في فن العمارة هي: زخرف على شكل و ريقات النفل الثلاث. (عن المنهل).

172

السود الأقحاح القادمين من البلاد القريبة من خط الاستواء، و لكنهم عبيد، في حين أن الآخرين أحرار، و يحصلون على أجور غالية لقاء خدماتهم. و إن هذا السوق الذي يقع في الوسط بين إفريقيا و آسيا، مهم لتنوع نماذج البشر الذين نلقاهم فيه؛ فأنت تلقى فيه السود الذين لم يؤتوا من الجمال شيئا، و تلقى فيه النماذج الجميلة/ 125/ من الأجناس القوقازية المتميزة، و ليس تنوع اللغات و العادات بأقل إثارة: عرب المدن و الصحراء، تجار مسقط و البصرة، أتراك، سوريون، يونانيون، مصريون، بربر، و هنود بأعداد كبيرة، و ماليزيون و بانيانيون‏ (1)، و كل من أولئك يلبس زيه الوطني، و كلّ يتكلم بلهجته الخاصة، يتسابقون، يتقابلون، يتدافعون بأكتافهم، أو إنهم يستقرون في المقاهي لمعالجة قضاياهم. إن بعض سكان جدة يقطعون أحجارا يزعمون أنها ثمينة، مع أنها ذات قيمة ضئيلة، منها من بين أخريات تلك التي يسمونها: حجر مكة، و تسمى في الحجاز" العقيق" و التي ليست، كما أعتقد، إلّا ما يسمى العقيق الأحمر؛ و يصنعون منها خواتم مطلية بطبقة من الفضة، ليست متقنة الصنع، و يصنعون منها أيضا سبحات تلقى رواجا كبيرا لدى الحجاج. و يصنعون أيضا سبحات من" اليسر" المتوافر بكثرة في البحر الأحمر، و الذي تستخرج أجود أنواعه قساوة و لمعانا من جنوب جدة.

____________

(1)Banians ، جاء في رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 26:" ... و في فترة الرياح الموسمية يقوم بعض البانيانيين‏Banians بزيارة جدة على متن السفن الهندية، لكنهم دائما يعودون عليها و لا يستقر أحد منهم هنا." جاء في الحاشية:" البانيان: تعني في غرب الهند التجار أو الوكلاء الذين يشتغلون بالتجارة في البحر الأحمر أو الخليج العربي، انظر:

A glossary Judicial and Revemue Terms P. 49: Wilson

173

تشتهر جدة بأنها مدينة مقدسة شأنها شأن مكة المكرمة و المدينة المنورة (1)، و كل الذكور المولودين في أحضان جدة، يحملون على وجوههم و شما يسمى" المشالي" (2)؛ و هي عبارة عن جروح عميقة تحدث في وجوه الأطفال عندما يبلغون أربعين يوما، و هي ثلاثة على كل وجنة، و اثنان على كل صدغ، لتظل هذه المشالي مدى الحياة موجودة على وجوههم، و لتكون لهم علامة توقير/ 126/ لدى المؤمنين.

إن هذه الندب المقدسة في العادات الإسلامية تجعل أولئك الذين يحملونها يحوزون بحملها قمة الشرف‏

قلت لما شرطوه و جرى‏* * * دمه القاني على الخد النقي‏

ليس بدعا ما أتوا في فعلهم‏* * * هو بدر مشرق بالشفق‏

(3).

____________

(1) هذا غير صحيح فجدة ليست مدينة مقدسة.

(2) رسمها ديدييه‏M eschal ، و رسمها بوركهارت،Meshale ، و كتبها مترجما رحلة بوركهارت" المشعلة"، و كتبها د. نصر" عادة المشالي". انظر رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 170 و كتاب الدكتور أحمد عبد الرحيم نصر، موثق سابقا، ص 67.

(3) انظر هذه الفقرة مترجمة في كتاب التراث الشعبي في أدب الرحلات، موثق سابقا، ص 67 و قد ترجم من رحلات ديدييه فقرات لها علاقة بالتراث الشعبي في الحجاز، و لكنه ترجم عن النص الإنجليزي الذي هو ترجمة لرحلة ديدييه، و سنشير إلى الفقرات المترجمة في أماكنها من الرحلة، قارن ترجمته بالأصل هنا. و انظر: النص الإنجليزي لرحلات بوركهارت، ط. مصورة عن طبعة لندن 1892 م، السلسلة التي يصدرها فؤاد سزكين، 1995 م، ص 183. و جاء في رحلة بيرتون ما نصه نقلا عن كتاب: التراث الشعبي في أدب الرحلات، موثق سابقا، ص 48" تأخذ معظم الأسر في مكة الأطفال الذكور عندما يبلغون الأربعين يوما إلى الكعبة للدعاء لهم. ثم يحملونهم إلى البيت حيث يقوم المزين بعمل ثلاثة فصود رأسيه على الجزء الملحم لكل خد بدءا من الزاوية الخارجية للعينين إلى ركني الفم تقريبا. هذه" المشالي"، كما تسمى، قد لا تكون عادة قديمة. فالمكيون يقولون إنها لم تكن معروفة لدى أسلافهم. و عندي أنها ترجع إلى زمن قديم جدا و أنها وثنية الأصل، و هي ما تزال سائدة رغم نهي علماء الدين عنها. و تسمى هذه العملية" التشريط" و يفصد أيضا جسم الطفل كله بجروح صغيرة حتى يغطي الدم الجسم كله. و قد أخبر بعض المكيين علي بيك أن الغرض من التشريط طبي. و قال آخرون إنها دلالة على أن من يحملها خادم لبيت اللّه. و أرجعها علي بيك إلى الرغبة في التجميل تماما كرغبة المرأة التي تشم نفسها. و قد أخبرني المكييون أن هذه العادة نشأت عن ضرورة حماية الأطفال من وقوعهم أسرى في يد الفرس-

174

أتى زمن لم يكن فيه وجود غير المسلمين في جدة مسموحا، كما هو الحال عليه اليوم في المدينتين المقدستين، لم يكونوا يجرؤون على الظهور بملابسهم الأوروبية، و إن ماتوا فيها فإن رفاتهم كان يحمل إلى جزيرة صغيرة في مرسى جدة لكي لا يدنس الأراضي المقدسة (1).

____________

فهي دلالة على أن الأطفال من المدينة المقدسة. غير أن انتشارها الواسع يدل على قدم أصلها ... و قد نهى محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتباعه صراحة عن وسم الجسم بالفصد. و علامات التجميل هذه شائعة وسط شعوب مناطق غرب البحر الأحمر. و يزين النوبة في مصر العليا وجوههم بفصود مثل المكيين تماما. و قد رأيت خدودا مفصدة كما في المدينة المقدسة وسط القالا بالحبشة." و علق د. أحمد نصر في ص 59 من الكتاب المذكور أعلاه قائلا:" أدرك الأديب السعودي أحمد إبراهيم الغزاوي في مكة المكرمة عادة تشريط الخدود (المشالي) و شاهدها و قال إنها كانت مما يعد للرجل و المرأة زينة و جمالا و إنها كانت عامة بين البيض و السود على السواء و قد أرجعها إلى ما قبل القرنين السادس و السابع الهجري. و استدل على ذلك ببيتين من الشعر لبهاء الدين محمد بن إبراهيم النحاس النحوي المولود في 617 ه و المتوفى في 898 ه يمدح مليحا شرطوه قائلا:

قلت لما شرطوه و جرى‏* * * دمه القاني على الخد النقي‏

ليس بدعا ما أتوا في فعلهم‏* * * هو بدر مشرق بالشفق‏

انظر: أحمد بن إبراهيم الغزاوي، شذرات الذهب، جدة، دار المنهل، 1987 م، ص 237- 238؛ و انظر: صفحات من تاريخ مكة المكرمة، سنوك هورخرونيه، موثق سابقا، ج 2، ص 419.

(1) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 191- 192. و نقل المترجمان في الحاشية (2) ص (191) ما جاء في كتاب محمد علي المغربي: ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز، ص 171" و كانت في مدينة جدة مقبرة للنصارى و ما تزال موجودة حتى الآن ... و يبدو أن هذه المقبرة أقيمت في العهد العثماني لدفن الأجانب الذين يموتون في جدة ... و هي قائمة حتى الآن كما ذكرنا في جنوب جدة قرب السوق الجنوبية، و لكنها غير مستعملة إطلاقا". و يقول المترجمان: و لا نعرف إذا كانت المقبرة التي ذكرها المؤلف هي نفس المقبرة التي يصفها المغربي. و قد تحدث بوركهارت في غير موضع من رحلاته عن أوضاع المسيحيين في جدة انظر: ص 26، 190، 191، 192.

175

لقد تغيرت الأمور اليوم: فالمسيحيون يتمتعون اليوم في جدة بكامل حريتهم، و بأمن يوازي ما يجدونه في مصر و إستانبول. لقد تجولت في أنحاء المدينة كلها، في كل أوقات النهار و الليل، وحدي في غالب الأحيان، و لم يتعرض لي أحد بشتم قط، و وجدت من الناس كلهم لطفا و فضلا (1). و لم يزعجني إلّا المتسولون الذين ينتشرون في كل أحياء المدينة، و يكادون جميعا يكونون من الهنود، قدموا من أوطانهم للحج، و تقطعت بهم سبل العودة لنقص في المال، و لما لم يكن لهم أي موارد، فإنهم ظلوا هنا عالة على الناس. هناك كثير من الحجاج المصريين و النوبيين، و خصوصا من سود السودان، و هم كالهنود في الفقر، و لكنهم يعملون بشجاعة لكسب المبالغ البسيطة الضرورية لعودتهم إلى مسقط رأسهم، أما الهنود الذين هم أكثر بلادة و كسلا فهم يحبون/ 127/ العيش على الهبات، و يفضلون المنفى الأبدي على العمل، مهما كان بسيطا. إلا أن بعضهم، و هم قلة قليلة، يمتهنون مهنا حضرية مختلفة: فقد استخدمت خلال إقامتي خياطا كشميريا ذا مهارة و صبر نادرين. لقد أحست الحكومة البريطانية بالتأثر لهذه الهجرات السنوية، و لكن سياستها لم تكن تسمح لها بمضايقة مواطنيها المسلمين في ممارسة عبادتهم، و اكتفت باعتبار القباطنة التجار مسؤولين عن إعادة الحجاج الذين يحملونهم إلى جدة. و نتج عن ذلك أن هؤلاء لم يعودوا يقبلون على أي سفينة إن لم يبرهنوا على أنهم قادرون على تأمين نفقات ذهابهم و عودتهم.

____________

(1) انظر تحليلات بوركهارت بهذا الخصوص في رحلاته، ص 190.

176

إن العمل الوحيد الذي يقوم به سكان جدة، على الرغم من أنهم قوم مكرمون، هو التجارة، التي توفر المال نقدا، و التي يغتنون منها على العموم. إن أغلب سكان جدة من أصول أجنبية، و هم نشيطون، و خبراء، و إن حيوتيهم البدنية، و توقد أذهانهم يتعارض مع الخمول الواضح و الغبي لدى كثرة من الشرقيين، و خصوصا الأتراك. إن لون بشرتهم أسمر شديد الدكنة، يفرطون في اقتناء أدوات الزينة، شأنهم شأن أهل مكة، و يمكن قول الكثير عن ذلك. إن ملابس أهل المدينتين متشابهة تماما، سواء ملابس النساء أم الرجال: فملابس هؤلاء الرجال الداخلية مصنوعة من الحرير المضلع، ذي الألوان الجذابة، و هي مشدودة على الخصر/ 128/ بحزام كشميري؛ و يلبسون فوقها عند الخروج ثوبا طويلا مفتوحا من الصوف الناعم، يسمى البنش أو الجبة حسب الفصل، و هي مصنوعة عادة في بغداد. أما رؤوسهم فيغطونها بطاقية بيضاء مزركشة، يلتف حولها عمامة من الموسلين. و العامة لا يلبسون إلّا ثوبا طويلا من الكتان الخشن.

أما النساء فإنني لا أستطيع أن أقول عنهن شيئا، لأنني لم أر أيا منهن: و كل ما أعرفه أن بشرتهن أقل سمرة من بشرات الرجال، و أنهن يقصصن شعورهن كالرجال باختلاف بسيط هو أنهن يزيّن شعورهن بسلسال من الذهب‏ (1). و إن أولئك اللواتي‏

____________

(1) استخدم المؤلف هنا كلمةSequins و جاء في معجم روبير الصغير أن للكلمة أصلا عربيا هو السكةSikki ، و هي في لغة فينيسياZecchino ، و تعني قطعة نقدية. و هو عملة ذهبية قديمة في فينيسيا، شاعت في إيطاليا و المشرق. و قد وردت في رحلات بوركهارت، الترجمة العربية، ص 15 و عربها المترجمان ب" السّكوينات" و قالا في الحاشية (2) إن السكوين نقد ذهبي إيطالي و تركي قديم. و انظر ص 320 من رحلات بوركهارت إذ سمّي السكوين البندقي‏Venetian Zecchin .

177

نقابلهن من عامة الشعب في الشارع منقبات، و يختفين تماما في ثوب قبيح من القطن الأزرق. أما الأخريات فيرتدين سراويل زرقاء فضفاضة، مزركشة بالفضة، و يلبسن أثوابا مزركشة، مصنوعة من حرير الهند. عندما يخرجن، و هذا نادر الحدوث، فإنهن يغطين وجوههن بخمار أبيض أو أزرق فاتح يسمى: البرقع. و يلتحفن ثوبا فضفاضا مصنوعا من نسيج حريري صقيل (تفتةTaffetas ) أسود، و هو يشبه الحبرةhabra عند المصريين، و هن مولعات بالمجوهرات، شأنهن شأن كل النساء في الشرق و الغرب، و هن يلبسن خواتم كثيرة، و عقودا و أساور، كلها من الذهب، و يضعن في أقدامهن خلاخل من فضة. تلك هي الثياب التي يلبسنها في الحفلات. أمّا في بيوتهن فقد أخبرت أنهن يتخفّفن من الثياب/ 129/ حتى يمكننا القول دون أن نتجنى عليهن:

إنهن شبه عاريات، و خصوصا الجواري. و ليس بالنادر أن نلمح في الأحياء التي تقل فيها الحركة عبر نوافذ لم يحكم إغلاقها، سهوا أو عمدا، النصف الأعلى للمرأة مكشوفا تماما.

لم أتحدث حتى هنا إلّا عن فضائل جدة، و إليكم الآن مساوئها: فالماء العذب نادر فيها، و هواؤها سيئ في فصل الصيف؛ حار و رطب في الوقت نفسه، ترتخي له الأعصاب، و يوهن الجسد، و خصوصا هواء الجنوب؛ و إن كثيرا من الأجانب، و السكان الأصليين لا يستطيعون اعتياده. فالزحار، و الحمى المقلعة، و العفنية تكاد تكون مستوطنة على هذا الشاطئ الذي تنتشر فيه الأوبئة أكثر من أي شاطئ آخر في الجزيرة العربية.

178

لقد عانيت أنا نفسي خلال بعض الأيام من هذا الجو المؤذي، و استطعت من خلال ما عانيته خلال هذه الفترة البسيطة أن أحكم على ما يكون عليه الحال في أيام القيظ. و على الرغم من أننا ما نزال في منتصف شهر فبراير (شباط)، فإن ميزان الحرارة كان يصل إلى 23 درجة على ميزان رومير (1)؛ لقد كان هواء الجنوب العنيف يلفظ النار بدل أن يأتي بالنسيم، كان الجو خانقا، و كنت أشعر أنه يسحقني تحت وطأته، و كنت أجد صعوبة في السير، و كان جسدي كله مشبعا برطوبة غير محتملة.

و أزيد على ذلك بالقول إن الذباب و البعوض كان مزعجا كل الإزعاج.

و يسكن جدة أيضا سكان آخرون ذوو أجنحة؛ و هم نوع من البواشق (الباز)، نجده في كل المدن العربية، و أنا، منذ رحلتي، ما إن أسمع أصواتها الحادة،/ 130/ حتى ترتسم في اللحظة نفسها في مخيلتي منارات، و نخيل و عمائم.

و إذا خرجنا من جدة عبر باب مكة المكرمة فإننا نجد أنفسنا مباشرة في معسكر إفريقي حقيقي: إن أكواخ القش أو النخيل المنتشرة على حدود الصحراء، و التي تبدأ كما هو الحال في ينبع و الطور و السويس على أبواب المدينة، تلك الأكواخ، هي مساكن النوبيين الذين يعملون في الميناء و السوق، و تسكنها أيضا بعض الأسر الفقيرة من جدة، و التي لا تستطيع لفقرها السكن في مكان آخر.

إن النساء الحرائر من الطبقات الفقيرة يسكنّ أيضا هذا المصبّ القذر؛ ناهيك عما يقوم بهذا الحي من صناعات بسيطة، فإنه ينعقد فيه سوق للخشب و الخضار،

____________

(1) ميزان روميرRaumur : ميزان حرارة يشير فيه الصفر إلى درجة التجمد، و 80 إلى درجة الغليان.

179

وسوق للمواشي. و إن للعجول في هذا البلد حدبة، و هي صغيرة الحجم و غالية جدا:

إذ يباع الواحد بستة تلرات؛ و هو لا يساوي في مصوع إلا تلرا واحدا. و ليس ببعيد، و بالقرب من باب المدينة المنورة، هناك ثكنة عسكرية أقامها محمد علي أيام حربه مع الوهابيين، و قائد هذه الثكنة إسماعيل بيك، و هو بنباشي‏ (1) تركي، و هو أكثر أدبا من نظيره في سيناء، و قد كان يبدي لي آيات الاحترام، دون أن ينسى تقديم القهوة و الشيشة. و غير بعيد عن الثكنة، هناك عدد من الطواحين الهوائية التي بناها محمد علي لاستخدام قواته، ثم أهملت مباشرة بعد رحيله باعتبار أنها بدعة أوروبية، و هي تستخدم اليوم مقرا للجنود غير النظاميين. و يوجد على مرمى حجر من الثكنة/ 131/ مقبرة محاطة بالأسوار، و لها باب محكم الإغلاق، و هي فريدة من نوعها لم أر في الشرق مثلها، حيث تترك المقابر بلا سياج و لا حارس.

إذا، توقعوا من المدفون في هذه المقبرة؟ إنها حواء، أم الجنس البشري.

و ينتشر بخصوصها لدى علماء البلد أسطورة لا تليق بأبوينا الأولين. فهم يحكون أن آدم الذي ملّ من زوجته، مع أنهما كانا سعيدين إبّان ما يقارب مئة سنة، اتجه حبا في التغيير إلى بناته؛ لأنه لم يكن لديه خيار آخر، لأنه لم يكن هناك على الأرض نساء أخريات، و عندما علمت الزوجة المتروكة بهذه الخيانة، أقسمت أن تنتقم؛ فاتجهت بدورها إلى أبنائها، لأنه لم يكن هناك على وجه الأرض رجال غيرهم، و لكن هؤلاء أجابوها ببعض القسوة أنها عجوز، و أنهم لا يرغبون فيها.

____________

(1) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 387.

180

إن أمنا جميعا التي حكم عليها أن تظل محتشمة، على الرغم منها، لقيت نتائج ما قامت به عندما امتهنت نفسها، فكظمت غيظها. و لكن آدم عاد، بعد خطئه، إلى زوجته الشرعية، و بعد المصالحة قاما معا برحلة عبر الجزيرة العربية، فماتت حواء في هذا المكان عينه، و دفنها زوجها، و أجرى لها كل التشريفات التي تفرضها فضائلها الكثيرة. أما آدم الذي أصبح أرملا فقد تابع رحلته، و ذهب ليموت بدوره في جزيرة سيلان/ 132/ و دفن هناك، و لا تذكر القصة من دفنه، و لا كيف عبر البحر. إن انتهاك المحارم المزدوج، الذي قام به أحد الطرفين حقا، و الآخر كان ينويه، فتح بطريقة لا أخلاقية سجل الحياة الأسرية للإنسانية (1). إن المسلمين، و هم ممن يدافع بحزم عن الأسرة، لا يرون في القصة شاهدا على حظر تعدد الزوجات، و إنما يرونها دليلا قاطعا على أنه ليس من قوانين الكون أن يكون للمرء امرأة واحدة.

لقد حافظت النساء على مستوى والدتهن، و ظللن جديرات بتراثها على كل المستويات، و لكن قامتهن أصبحت أكثر قصرا: لأن طول قبرها ليس أقل من 60 مترا (2)؛ و يرتفع فوقه مسجد صغير تعلوه قبة بيضاء (3). و تبدو بالطبع كل المدافن‏

____________

(1) لا أدري من أين تلقط ديدييه هذه الترهات حول نبي اللّه و عبده أبي البشر آدم (عليه السلام)، و لعلها تكون من موبقات العهد القديم عن الرسل و الأنبياء.

(2) كذا في الأصل و لعل الصواب: 6 أمتار.

(3) تحدث بيرتون في رحلته عن قبر خارج مدينة جدة يعرف باسم" قبر أمنا حواء" و قدم له رسما تصويريا و قال إن المسافة بين الرأس و القدمين هي نحو ست خطوات. انظر:

التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 51- 52. و يورد عبد القدوس الأنصاري غير رأي عن قبر حواء عندما يتحدث عن اسم (جدة)، و هو يذهب إلى القول إنها بضم-

181

الأخرى كئيبة إزاء هذه: بيد أن مدفن عثمان باشا و أسرته يثير الإعجاب. و ليس للقبور أي زينة خارجية إلّا شاهدتان مستقيمتان منتصبتان، إحداهما عند الرأس و الأخرى عند القدمين؛ و لكن كثيرا منها تظلله أشجار النخيل، أو أشجار الصبار (1)،

____________

الجيم لا كسرها، و هو يدفع قول ابن المجاور الدمشقي الذي يقول إن الاسم هو (جدة) بكسر الجيم، لأن أمنا حواء جدة البشر مدفونة فيها، و يقول إن هذه الرواية أسطورية و لا يعقل أن يكون قبرها معروفا حتى اليوم. و يورد الأنصاري ما قاله ابن جبير من أن القبة التي على القبر كانت منزلا لحواء عندما توجهت إلى مكة، و ما قاله البتنوني من أن موضع القبر كان هيكلا عبدته قضاعة في الجاهلية. و يذكر أن عون الرفيق شريف مكة- كما ذكر البتنوني- حاول هدم القبة، لكن قناصل الدول في جدة تفاهموا معه وديا على عدم هدمها لأن حواء ليست أم المسلمين وحدهم و إنما هي أم الناس جميعا. ثم ذكر الأنصاري أن القبة هدمت عندما دخلت الحكومة العربية السعودية جدة. انظر: موسوعة مدينة جدة، عبد القدوس الأنصاري، مج 1، ط 4، القاهرة، 1982 م، ص 47- 49. و كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 59- 60. و يذكر سنوك هورخرونيه أن الحجاج يزورون قبر أمنا حواء، الذي يبلغ طوله بضع ياردات، صفحات من تاريخ مكة المكرمة، موثق سابقا، ج 2، ص 336.

و ذكر بوركهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 25:" ... و على بعد ميلين شمالي جدة يمكن مشاهدة قبر حواء" أم البشر" و قد أخبرت أنه مبني من الحجارة بناء بدائيا، و طوله حوالي أربعة أقدام، و ارتفاعه قدمان أو ثلاثة أقدام، و عرضه مثل ذلك، و بهذا فهو يشبه قبر نوح في وادي البقاع في الشام".

(1) لاحظ بيرتون نمو شجيرات الصبار بين الطوب و الحجارة، و ذكر أن شجر الصبار يزرع في المقبرة كتعويذة ضد الأرواح الشريرة كما تعلق جلود التماسيح المحشوة بالتبن فوق المنازل في مصر. و قد عزا بوركهارت زراعة هذه الشجيرات إلى اسمها الذي يشير إلى" الصبر" الذي ينتظر به المؤمن يوم القيامة. التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 48.

182

و جنبيات خضراء تسبغ على مكان الموت هذا، هيئة زاهية. و كان هناك غير بعيد عدد من الشباب الهنود يلعبون بالراحية (ضرب من لعبة التنس) بمهارة فائقة و فرح غير عابئين بمن في جوارهم.

إن الموت لا يخيف المسلمين؛ و هم في هذا مسيحيون، أكثر من المسيحيين أنفسهم، إن الطابع المأساوي الذي نسبغه، نحن المسيحيين، على الموت مخالفين/ 133/ بذلك عقيدتنا الأصلية، التي ترى في الموت خلاصا، هو باب للعبور إلى الخلود الأبدي.

يذهب أقرباء الميتين و أصدقاؤهم في بعض أيام الأسبوع، و خصوصا الجمعة، الذي هو عند المسلمين بمثابة يوم الأحد لدى المسيحيين، إلى المقابر، ليس للبكاء أو الصلاة عليهم، و إنما للتحدث مع الغائبين و كأنهم موجودون، و لكي يتناولوا حول قبورهم وجبات خفيفة شهية بعيدا عن جو المقابر الكئيب‏ (1). و إن النساء على الخصوص هن الحريصات على القيام بذلك، لأنه يسمح لهن كل أسبوع باقتناص بعض ساعات الحرية التي يستغللنها أحسن استغلال. إن مقابر إستانبول هي مكان التقاء و مواعيد، و تحرص النساء التركيات من ذوات الغنى و النسب على زيارتها كل يوم جمعة؛ و مع أنهن محجبات، فإنهن يظهرن من أنوثتهن ما يسلب ألباب المارة. و إذا كان مظهر المقبرة في جدة زاهيا فإن الموضع الذي تقع فيه موحش و قليل الجاذبية: فمن‏

____________

(1) تحدث سنوك هورخرونيه عن زيارة القبور في صفحات من تاريخ مكة المكرمة، موثق سابقا، ج 2، ص 372- 374. و انظر كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 67- 69، و 216- 217.

183

جهة هناك البحر الذي ينتهي في هذا المكان ببحيرة شاطئيه تنتهي هي نفسها بسبخة ملحية، ثم تأتي بعد ذلك الرمال، التي تمتد حتى تخوم الأفق. و تلوح على البعد سلسلة من الجبال التي يلفها الضباب، و تختفي ملامحها في عتمة المساء. لقد توافرت لي في هذا اليوم أيضا فرصة مراقبة قصر فترة الغسق في/ 134/ هذه المنطقة الاستوائية. كانت الشمس قد غابت منذ قليل، و لم يكن قرصها المتوهج قد غاص بعد في عرض البحر، بينما كان الظلام قد بدأ يلف الجهة المقابلة من السماء: و كان الليل قد نزل تماما عندما دخلت جدة عبر باب المدينة المنورة. كان سكننا قريبا من هذا الباب، في المنطقة المرتفعة من الحي الشامي. هناك في جدة عدد من الخانات أو الوكالات لسكن المسافرين، يجدون فيها في الوقت نفسه مستودعا لأمتعتهم أو بضائعهم، و لأنفسهم غرفة خالية من كل شي‏ء، و لكن هذه الأمكنة مخصصة للتجار، و لما لم نكن تجارا، و لا نريد أن نظهر كذلك، فإننا حصلنا على منزل كان فيما مضى يقيم فيه قنصل فرنسا، و هو اليوم متروك لسكن العصافير. كان مالك المنزل يقيم في مكة المكرمة، و كان وكيله المفوض في جدة لا يريد، أو لا يجرؤ على تأجيرنا المنزل في غياب صاحبه، و كان يقول إنه سيرسل إليه رسالة للحصول على موافقته، و لكننا كنا على عجلة من أمرنا، و بينما كان يتردد، و يطلب وقتا للتفكير، استقر بنا المقام في المنزل مؤقتا، و دام هذا المقام المؤقت حتى مغادرتنا جدة؛ أي شهرا كاملا: و لمّا كنا لم نحدد أي مبلغ فإننا دفعنا عند مغادرتنا 5 تلرات، و هو مبلغ مناسب للأجرة إن لم يكن كبيرا، بسبب الحالة التي كان المكان عليها. إذ لم يكن في الحقيقة/ 135/ من السهل إزالة الأنقاض التي كانت تملأ المكان. و قد استطعنا في نهاية الأمر أن نجعل‏

184

غرفتين من المنزل مناسبتين للسكن، و كانت أمتعة الرحلة من سجاد و وسائد و فرش كافية تماما لفرشها. و استولى طباخنا غاسبارو على المطبخ الذي كان يقع على السطح؛ أما بقية الخدم فإنهم أقاموا حيث استطاعوا، و كما استطاعوا، و ها نحن في مسكننا نعيش كبر جوازيين حضريين.

كانت غرفتي في الطابق الثاني، نقبت لها نافذة ضخمة، مغلقة، أو من المفترض أنها كذلك، بنظام بالغ التعقيد هو عبارة عن مصاريع للضوء تسمح بدخول الهواء و الغبار و الشمس و العصافير؛ لأن الغرفة كانت مليئة بأعشاشها. هاكم ما كنت أراه و أسمعه عبر تلك النافذة في الأيام و الليالي كلها. بادئ ذي بدء، كنت أرى البحر يمتد امتدادا شاسعا ليلامس السماء في آخر حدود الأفق؛ و كان هناك قليل من الأشرعة التي ترصع هذا الحقل الأزرق، و لكنّ عري ذلك البحر كان يزيد من جلاله، و يجعل الفكر مستغرقا في هواجس المطلق التي لا يمكن الحديث عن كنهها.

و إذا عدت إلى الأرض فإنني كنت أرى من عل القسم الشمالي من المدينة كله؛ السوق الذي كانت تتناهى إليّ منه أصوات الناس و الجمال، و كنت أرى أيضا السطوح التي كنت ألمح عليها في الليل خيال النساء، و كنت أرى أخيرا عددا من المساجد التي ترتفع مناراتها. و كان على بعد خطوات مني مسجد صغير، و أنيق، و له/ 136/ رواقان خارجيان، و كان له مؤذن عجوز، يصدح بالأذان خمس مرات في اليوم: الفجر و الظهر و العصر و المغرب و العشاء؛ و ينبغي على المسلم أن يتوضأ لكل صلاة، بغسل وجهه، و ما وراء أذنيه، و يديه حتى المرفقين و رجليه و أماكن أخرى. و مما يؤسف له‏

185

أن صوت جاري المؤذن كان حادا و مرتعشا، و فهمت عند سماعه، لماذا جاء أحد سكان القاهرة القديمة بمؤذن ذي صوت جميل، و كان يخصص له راتبا لكي يظل يؤذن من المنارة نفسها.

و كان بالقرب من المسجد منزل يتصل به، و يسكنه العلماء، و كان يقام فيه كل ليلة، في وقت متأخر، طقوس دينية صاخبة يتخللها أغان و صلوات و مواعظ، و كان ذلك مترافقا بالموسيقى؛ و أيّ موسيقى! و كان يرافقها الناي و الطبلة. و كانت تقام بالقرب منه، حفلات أخرى، من طبيعة أخرى، مختلفة كل الاختلاف: إنهم أفارقة سودانيون، عائدون من الحج الأخير إلى مكة المكرمة، يقضون المساء كله يغنون و يرقصون، أغاني و رقصا متوحشين، يذهبان بالفكر بعيدا إلى أعماق القارة الأفريقية.

و في كل صباح، و في الساعة نفسها، كانت تمرّ أمام نافذتي بدوية جميلة شابة من أسيوط في مصر، تمثل نمطا أصيلا بين بنات جلدتها، كانت تمر، و هي تغني/ 137/ بصوت ندي و ناعم، أغنية مأساوية حزينة، كانت تكرّر على الدوام الأغنية نفسها، و كانت رتابة الأغنية تجعلها أكثر حزنا و عويلا. كان قلبي ينفطر لسماعها في أول يوم و في آخر يوم من إقامتي. أمّا في المساء فقد كان يحين دور أحد الهنود؛ و هو متسول ينام على حصيرة في زاوية من زوايا الشارع، و يغني هو أيضا على أرض أجنبية أنغام وطنه. كان يستمر في الغناء إلى ساعة متأخرة من الليل، حتى إنه كان في غالب الأحيان يمنعني من النوم، و لكنني كنت أغفر له ذلك لما كان يمنحني إياه من لذة و أنا

186

أستمع إليه. و بعد هذا كله، كنت على الدوام أسمع الصدى البعيد لصوت الدربوكة في أحياء المدينة المختلفة، و أصوات الجوقات العسكرية، و عيارات البنادق باستمرار، و غالبا طلقة مدفع احتفالا بنصر، تحقق أم لم يتحقق، للأتراك على الروس، آلاف الأصوات، و بكلمة واحدة، ضجة ضخمة مختلطة، تشبه جلبة البحر البعيدة التي كانت في بعض الأحيان يعلو ضجيجها على كل ذلك. و رأيت في أحد الأيام من نافذتي مركبا يدخل ميناء جدة قادما من الجنوب، و أعتقد أنني رأيت بمساعدة المنظار أن المركب كان محملا بحمولة بشرية، و أخبرت أنه حقا يحمل من مصوّع دفعة عبيد من الجنسين، و أنه كان بين النساء جارية تكاد تكون بيضاء، مع أنها حبشية.

و دفعني فضولي إلى رؤيتها، و لكنها كانت قد بيعت فورا، و بثمن غال لأحد الأتراك الذي أغراه لونها الفاتح/ 138/ و هو من العاملين في الديوان، أخو الباشا أو أحد أقربائه على الأقل.

إن العبيد البيض نادرون جدا هذه الأيام في أسواق الشرق، و لا يكاد أحد يستطيع الحصول على ذلك إلا في إستانبول التي يوجد فيها وحدها الثروة الكافية للحصول على رقيق أبيض، إنها نزوة تكلف ما بين 20 إلى 30 ألف فرنك؛ إن مثل هذه الجواهر ليست، كما نرى، في قدرة أيّ كان. إن خيلاء هؤلاء النسوة لا يمكن احتماله: و لما كنّ يعرفن أن مصيرهن سيؤول إلى حمى أسياد من علية القوم و أقويائهم فإنهن يحتقرن بقية الرجال؛ ويا لسوء حظ الشخص البسيط الذي يتجرأ على شراء

187

إحداهن، فهو لن يتأخر عن إعلان توبته؛ و يكون عليه عندئذ أن يحمل مسرعا إلى السوق سلعته العنيدة المختالة.

عندما كنت في مصر، تلقى عباس باشا عددا من خيول السباق هدية من إمام مسقط، وردّ له عباس باشا الهدية، فأرسل له جاريتين بيضاوين؛ جورجيتين أو شركسيتين، و هي هبة غريبة، بسبب سن المهدى إليه، ناهيك عن المصير المزعج الذي ينتظرهما. و حدث أن وقعت السفينة التي تنقلهما خلال مرورها بمضيق باب المندب بأيدي سفينة حرب أوروبية فرنسية أو بريطانية، لست أدري أيهما، كانت تقوم بملاحقة تجار العبيد في المحيط الهندي. و لمّا كان المركب المصري يحمل عبيدا فقد عدوّه غنيمة قانونية، و تمّ في الوقت نفسه/ 139/ تحرير الجاريتين. و أجهل ما حلّ بهما، و لكنني، بحكم المعرفة التي اكتسبتها بطبائع الشرقيين، متأكد من أن الجاريتين قامتا بلعن محرريهما، بدلا من مباركة عملهم الإنساني الذي قاموا به؛ لأنهن يفضلن الحياة الهانئة، و المصير الطيب الذي وعدتا به عندما تدخلان في حريم الأمير الحاكم، على الحرية التي لن تدريا ما ستفعلان بها. أما بقية العبيد الذين حملوا من مصوع، ذكورا كانوا أم إناثا، فإنهم كانوا أطفالا لا تزيد أعمارهم عن أربع إلى سبع سنوات أو ثمان، باستثناء حبشية يبلغ عمرها 13 إلى 14 عاما، و لكنها ذات هيئة تكون عليها الأوروبية في الخامسة و العشرين من عمرها، و قد كانت تلك الحبشية، بعد مواطنتها التي يمكن القول: إنها بيضاء، أثمن تلك الجواهر البشرية، لأنه على الرغم من لونها

188

الضارب إلى السمرة، فإنّ الجلّاب علقوا عليها أملا كبير للحصول على ربح وفير.

كانت الفتاة المسكينة معروضة في متجر مهجور في أكثر شوارع جدة سكانا، كانت جالسة على مقعد يرتفع عن الأرض ثلاثة أقدام، و كانت متسمرة عليه كأنها تمثال، تنتظر من يشترونها في صمت عميق، لقد ألقي عليها لسترها قطعة من قماش الكاليكو (1) الأبيض يلفها من رأسها إلى قدميها؛ و لم تكن ترتدي أي شي‏ء تحته، كان ذلك كل ما ترتديه، و لم يكن الراغبون فيها، جادين كانوا أم لا، يتورعون عن رفع ذلك الغطاء الرقيق من كل الاتجاهات ليتفحصوا، كما يرغبون، السلعة المعروضة كما يحدث عند شراء حصان أو رأس من الماشية. سبق لي أن رأيت في القاهرة، و في عدد من المرات/ 140/ عروضا مشابهة، و تساءلت غالبا عمّا تشعر به هذه المخلوقات، و عن التناوب الذي يعتريهم بين الخوف و الأمل كلما جاء قادم جديد يرغب في شرائهن.

كان الجلّاب (تاجر الرقيق) يرغب كل الرغبة في بيعي تلك الجارية؛ مع أنه يعلم أنه لا يمكن للفرنسيين شراء العبيد إلّا لتحريرهم، و أن كل عبد يشترونه يصبح حرا بمجرد أن تتم عملية الشراء. كان يطلب من أبناء جلدته 1500 فرنك ثمنا لها (12

____________

(1)Calicot ، ورد ذكره في رحلات بوركهارت، انظر: الترجمة العربية، موثق سابقا، ص 171 و كتبه المترجمان‏Calico ، و عرباه الكاليكو. و في المنهل: عرباه كاليكوت (قماش قطني خشن يصنع أصلا في مدينة كاليكوت على شاطئ مالابار). و في معجم روبير الصغير أن تاءها لا تلفظ؛ و قد كتبناها حسب ذلك.

189

صرة)، و قد خفض السعر إلى (ثماني صرر) لكي يغريني بشرائها. و قد جال بخاطري للحظة أن أقوم بعمل صالح، و لكنني للأسف اتبعت وصية الدبلوماسي الذي كان ينصح بالاحتراس من المبادرات الأولية لأنها مبادرات خيرّة، و قلت في نفسي، و أنا محق في ذلك، إنني إن شرعت بشراء العبيد فإن الأموال المخصصة لرحلتي ستنفد عما قريب. لقد كان رفيق رحلتي من ناحيته يفكر بما كنت أفكر به، و لكن هدفه كان أقل نبلا مما كنت أفكر فيه: إنه الإحسان النفعي‏Carita Pelosa ! كما يقول الإيطاليون. و سواء كان خيرا أم شرا فإن مشروعه و مشروعي ظلا في حيز التفكير، و بيعت الشابة الإفريقية، لست أدري لمن. أين هي الآن، و في يد من وقعت؟

إن الرق بالتأكيد تعسف يبعث على الثورة؛ إنه يحط من الطبيعة البشرية، و ينتج عنه آلاف التجاوزات. و لكنّه ينبغي الاعتراف أن مصير أولئك الحبشيات ليس محزنا كما يبدو/ 141/ من النظرة الأولى. و لما كنّ صائرات إلى خدمة حريم المشتري فإنهن يصبحن من أفراد الأسرة، و ترتبط شروط عيشهن بمستوى عيش سيداتهن اللواتي يلزمن، هن أنفسهن، البيوت، و يكدن هن أنفسهن يكن جواري شأن جواريهن.

و أعترف أن سيدهن قد يقضي منهن وطره، و هذا ما يحدث غالبا، و لكنه بذلك يحظر على نفسه أن يبيعهن مرة أخرى: لأنه من العار على مسلم أن يبيع جارية عاش معها، بل إن الأسياد يتزوجون عادة من الجواري اللواتي أنجبن منهم أولادا، و يتم ذلك‏

190

خصوصا في مدن الجزيرة العربية (1). و إن هذا النوع من الزيجات لا يؤدي، و لو قليلا، إلى جعل لون سحنة العرب غامقة، و لكن التعصب ضد اختلاط الدماء غير موجود في هذه البلاد.

إن الأم مهما كان وضعها، جارية سوداء من الطراز الأخير في السلم الاجتماعي في إفريقيا، لا تؤثر في أصالة الولد؛ إن الأب وحده هو أصل النسب، و ليس للأم أي حساب. و نحن نعرف أن السلطان نفسه الذي لا يعترف لأحد بالأصالة، و ليس له نظراء، لم يتزوج، و ربما ما زال، لا يتزوج إلا الجواري.

لقد شاهدت في مصر، و بين الأوروبيين، زيجات كثيرة من هذا النوع؛ و عددا من الفرنسيين الذين أعرفهم لم يكن لهم زواج آخر إلا هذا، و هم ليسوا في حال سيئة، عدا أن المشهور عن الحبشيات أنهن مبذرات، مما يدعو إلى القول: إنهن يخربن البيت.

لقد عرفت منهن جميلات إذا غضضنا البصر عن لون بشراتهن، فإنهن صالحات في أي مكان، و حتى فيما يخص اللون/ 142/ فإننا نعتاده بسرعة، و لم أعد خلال وقت قصير أعير ذلك التفاتا.

و تعوّض الحبشيات هذا العيب البسيط، إن كان عيبا، بأن لهن بشرة ناعمة، و شعرا طويلا ناعم الملمس، و بأن لهن قدودا ممشوقة، و أشكالا أنيقة، و قسمات‏

____________

(1) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 173- 174 و المستقر في الإسلام أن الأمة بمجرد أن تلد تصبح" أم ولد" و يكون لها من الحقوق و الواجبات الشرعية ما للزوجة، و ليس هناك داع لأن يكون ذلك بعقد زواج. انظر الحاشية (1) ص (174) من رحلات بوركهارت.

191

متناسقة، تليق بأكثر التماثيل الإغريقية جمالا، و لهن أيضا عيون ساحرة، و أسنان رائعة، ويدان صغيرتان، و قدمان دقيقتان. إنهن بكلمة واحدة حزن كل أسباب الجمال التي تكون في المرأة، و لست مندهشا من رؤيتهن يثرن رغبات تستمر متأججة حتى بعد الزواج‏ (1).

كانت نافذتي مطلّا أشرف من خلالها على الميناء كله: لا يدخله أو يخرج منه شي‏ء دون أن أراه. لقد وصل عدد من القلعيات أو ثلاثيات الصواري المحملات بالسكر و الأرز، ناهيك عن مراكب البلد التي كانت تذهب و تجي‏ء في كل يوم.

لقد كانت مفاجأة سعيدة لي، عندما رأيت في صباح أحد الأيام العلم الفرنسي يرفرف على سفينة حربية وصلت في الليل؛ كانت الحرّاقة البخارية التي تحمل اسم لو كيمان‏Le Caiman ، الكابتن كورمييه‏Cormier من قاعدة الهند، وصل إلى جدة في رحلة استطلاع. و تحمل السفينة على متنها، ناهيك عن طاقمها المعتاد، حوالي مئة من المدغشقريين المجندين مؤقتا من جزيرتهم للخدمة على متن السفينة، مما يكاد يضفي عليها هيئة متوحشة. إننا أبناء بلد واحد جمعتهم المصادفة في جدة، و تمّ التعارف‏

____________

(1). تحدث سنوك هور خرونيه باستفاضة عن الرقيق في كتابه: صفحات من تاريخ مكة المكرمة، موثق سابقا، ج 2، ص 319- 329. و انظر اكتشاف جزيرة العرب، خمسة قرون من المغامرة و العلم، جاكلين بيرين، نقله إلى العربية: قدري قلعجي، قدم له الشيخ حمد الجاسر، دار الكاتب العربي، بيروت، د. ت، ص 332، و سنشير إليه من الآن فصاعدا ب" اكتشاف ...". و انظر:

Courtellemont, Gervais, Mon voyage a la Mecque, Paris, Librairie Hachette et Cie, 6981, PP. 221.

192

بيننا بعد وقت قليل، و أصبحنا أصدقاء من الساعة الأولى./ 143/ تناولت طعام الغداء على متن السفينة غير مرة؛ و فعل مثل ذلك قائد السفينة و طبيبها في منزلي، و أقيمت في القنصلية الفرنسية حفلة عشاء رسمية كان الواجب يفرض حضورها بسبب مرض القنصل.

هذه المآدب المتفرقة، التي ليست بذات دلالة في أوروبا، تكتسب بعض الأهمية على بعد 1200 فرسخ عن باريس: لأن المسافات تجمّل أكثر الأشياء ابتذالا.

Elonginquo reverentia

. لقد ترسخت الصداقة بيننا عندما قدم لي ضباط السفينة هدية لا تقدر بثمن في هذا المكان، لقد تركوا لي عند مغادرتهم 12 زجاجة من نبيذ بوردوBordeaux . كانت الحراقة لوكيمان‏Le Caiman قد ألقت مراسيها بعيدا جدا عن المدينة، و تمّ ذلك بناء على اقتراح السلطات المحلية، و أظن في الحقيقة أن الباشا كان يخشى أن يكون الهدف من مجي‏ء الحرّاقة هو الإغارة على المدينة، و أن ضحالة الماء في الميناء ليست إلّا حجة. و لكن ذلك لم يمنعه من زيارة الحرّاقة في موكب ضخم؛ و هي زيارة لم تكن في الواقع إلّا ردا على المجاملة بمثلها؛ لأن قائد السفينة بادر، كما ينبغي عليه، إلى زيارة الباشا أولا. و أطلق الجانبان مدافع التحية بانتظام كما هي العادة في مثل هذه المناسبات، و قد غالى الجانبان في ذلك، و لم يختصرا. و ظلت الحرّاقة أسبوعا، و في يوم مغادرتها رافقتها مسافة ستة أميال.

و خلال عودتي إلى اليابسة مع البحار المحلي الذي رافق الحرّاقة حتى خرجت من قنوات الملاحة، عانيت كثيرا من الحر الذي كان خانقا، و من انعكاس الشمس على‏

193

البحر الذي كان في ذلك اليوم هادئا و شاحبا كأنه بقعة زيت. كان قائد السفينة المحبب يود بإلحاح/ 144/ أن يأخذني إلى جزيرة بوربون‏ (1)Bourbon . و كان الأمر مغريا جدا بالنسبة إلى رحالة، و لو أنني استجبت لذلك الإغراء لما كنت مضيت بعيدا، لأن سوء حظ الحراقة لوكيمان جعلها تغرق على سواحل زيلع‏ (2)Zyla .

إن لقوتين أوروبيتين هما فرنسا و بريطانيا وحدهما قنصلين في جدة. القنصل الفرنسي هو روشيه ديريكور (3)Rochet D`Hricourt ، كان حينئذ على حافة الموت، و قد مات منذ ذلك الحين، و ستتاح لي في الصفحات القادمة فرصة الحديث عنه. أما القنصل أو نائب القنصل البريطاني فهو كول‏M .Cole ، و هو في الوقت نفسه، شأنه‏

____________

(1) جزيرة بوربون أو جزيرة الرينيون، جزيرة فرنسية في المحيط الهندي، تقع شرق مدغشقر بحوالي 700 كم.

(2) قبالة ساحل إفريقيا الشرقي على البحر الأحمر.

(3)Rouchet D`Hricourt - روشيه ديريكور جاء في: اكتشاف ...، موثق سابقا، ص 338:" ... و قام فرنسي آخر يدعى روشيه دي هيريكور (ديريكور) برحلة على نفقته الخاصة لارتياد مملكة خوا في القسم الجنوبي من بلاد الحبشة. و لدى عودته، قدرت الجمعية العلمية الفرنسية أنه بإمكانه القيام بعمل مثمر، فيما إذا امتلك أدوات علمية، فقدمت إليه أجهزة دقيقة، و علمته استعمالها، و أرسلته في رحلة ثانية سنة 1842 م فعاد منها بعدد وافر من المعلومات في مختلف نواحي المعرفة تتعلق ببلاد الحبشة بنوع خاص. و مع هذا، لا تخلو رحلته، و مروره بالقصير، و جدة، و الحديدة، و المخا من المعلومات الشائقة، إذ كان قد طرأ تبدل عظيم في شؤون البحر الأحمر ما بين سنتي 1839- 1842 م و ذلك بتأثير الظروف السياسية الدولية". و انظر ص 340- 341 من كتاب: اكتشاف ...، موثق سابقا. و سيتحدث ديدييه بالتفصيل عن روشيه ديريكور في الفصل الثالث عشر المعنون ب" مغادرة جدة" ص 306- 309 من الأصل الفرنسي، و ذكر أنه توفي في 9 مارس (آذار) 1854 م.

194

شأن زميله في السويس، وكيل تجاري لشركة الهند الشرقية. و إن وظيفته ليست وظيفة بلا عمل بسبب العدد الكبير من الهنود الذين هم مواطنون بريطانيون و يقيمون في جدة. و لا نستطيع أن نقول: الشي‏ء نفسه عن زميله الفرنسي الذي ليس له في الحجاز كله مواطن واحد. و لعله من المفيد أن نعلم أن الباب العالي العثماني يمتنع عن قبول اعتماد القناصل بحجة أن جدة مدينة مقدسة. كان سكننا ملاصقا لسكن السيد كول، و كنت أقضي في منزله وقتا يساوي الوقت الذي كنت أقضيه في سكني.

لقد حملت إليه رسالة من صديق مشترك هو السيد بيرتون، و قد أسدى لي طوال مدة إقامتي في جدة خدمات جليلة.

لم نأت إلى جدة لأجل رؤية جدة نفسها، و لكن بنيّة الذهاب إلى الطائف؛ و هي مدينة صغيرة تبعد مسيرة خمسة أيام إلى الداخل؛ و هي مشهورة في الجزيرة العربية بغزارة/ 145/ مياهها، و جودة ثمارها، و خضرة بساتينها. و هي دار إقامة الشريف الأكبر؛ أمير مكة المكرمة الذي بنى فيها قصرا، و لمّا كنا مسيحيين فإننا لا نستطيع القيام بهذه الرحلة بدون أن يأذن هو بذلك. و قد طلب السيد كول الإذن عبر مصطفى أفندي وكيل الأمير الشريف في جدة. و لم يتأخر الجواب، و فيه أن الشريف سيستقبلنا بكل سعادة، و أنه سيهتم برحلتي الذهاب و الإياب: و سيرسل لنا هجنه و رجاله ليحملونا إلى الطائف، و يعودوا بنا إلى جدة. وصل هذا الجواب اللطيف في 17 فبراير (شباط). و مهما كانت السرعة و المبادرة التي تعهد بها الشريف أن ينفذ بهما وعده، فقد كان أمامي أسبوع انتظار كامل؛ و كان ينبغي عليّ أن أشغله، و لكن‏

195

كيف؟ لم يبق لي ما أراه في جدة." لقد قال لي أحد السكان الأصليين: كيف- و أجبته بنعم، و لكن هل الممكن أن يدوم الكيف ثمانية أيام؟" و قد يسألني أحد ما الكيف؟ و هأنذا أقول لكم:

عندما ينهي العربي أعماله، مهما كان نوعها، و يكون يومه قد انتهى، يعتزل الناس بين حريمه، و يتخفف من ثيابه، و يأخذ شيشته، و يجلس متربعا على ديوانه، و يستغرق عليه دون شعور،/ 146/ و هو يدخن في استرخاء بدني و روحي؛ هو نوع من النوم و الصحو، دون أن يكون لا هذا و لا ذاك. و لا يجرؤ أحد في العالم أن يعكر عليه صفو هذه اللحظة الطقوسية حتى لو كان زوجته نفسها، أو حتى أقرب الجواري إلى نفسه.

إن حالة البين- بين هذه، التي هي وسط بين الوجود و اللاوجود، و التي لا يمكن أن تعرّفها لأوروبي، و لا يمكن له أن يفهمها- ليست إلا تطبيقا عمليا للمثل الشرقي القائل: خير لك أن تكون جالسا من أن تكون واقفا، و مستلقيا من أن تكون جالسا، و نائما من أن تكون مستلقيا، و ميتا من أن تكون حيا. ليس الموت الحقيقي هو المقصود هنا: لأننا في هذه الحالة لا نفكر، و لا نشعر، و لا نحلم، و لا نعيش، و لكننا نتنفس، نعيش كما تعيش النباتات، و هذا يمثل لدى العربي النعيم الأعظم، و الشعور المسبق بالنعيم الخالد. ذلك ما يسمونه الكيف.

و قد جعل الأتراك، و خصوصا الطبقات الميسورة، من هذه العادة الروحية ممارسة مادية، و أفسدوا المتعة التي لا توصف للجسد و الروح، عندما جعلوها مترافقة بشرب الكحول: إنهم يشربونه بشراهة حتى الثمالة، و ينتح عن ذلك التصرف‏

196

الحيواني، عن ذلك الكيف‏ (1) الذي لا يليق به هذا الاسم، أن الإنسان يغط في نوم عميق. و نرى من خلال ما ذكرته أن الإنسان لا يستطيع، مهما كانت قوة الإرادة لديه، أن يستمر في ممارسة هذا النوع من الكيف أسبوعا كاملا. و لما كنت قد رأيت كل شي‏ء في جدة، فإنه لم يعد فيها ما يثير فضولي، فتركت الاهتمام بالأشياء، و اتجهت نحو الناس، و إليكم بعضا ممن/ 147/ خالطتهم لقتل الوقت حتى يحين موعد مغادرتي إلى الطائف.

____________

(1) أورد روبن بدول في كتابه: الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية، الترجمة العربية، موثقة سابقا، ص 57، في الحديث عن رحلة بيرتون" ... و قد استمتع بيرتون بجو الإسكندرية، حيث وجد فيها ما يسميه العرب بالكيف، فالرجل الشرقي يحب الخلود إلى الراحة و الاستمتاع بالملذات الحيوانية، و بناء القصور في الهواء، و قد تجده جالسا تحت شجرة تفوح بالعطر مستمتعا باحتساء القهوة أو تدخين النارجيلة أو شرب الشربيت غير مكترث بما يدور حوله في الأمور التي تعكر صفو الحياة، بينما الحياة الباردة في أوروبا تملي على الرجل الغربي أن يكون مفعما بالنشاط و الحيوية."

197

الفصل السابع لوحة نابضة بالحياة

المكان للمكين، لذلك أبدأ بالحاكم. كان الباب العالي العثماني يرسل فيما مضى إلى المدينتين المقدستين، و جدة باشا يحمل ثلاثة ذيول‏ (1) احتراما لقدسية المدن الثلاث. و مع أن هذا الامتياز الذي أسف عليه هواة الأصالة قد ألغي، فإن ولاية مهد الإسلام، ظلت أولى ولايات الإمبراطورية العثمانية، و الموظف الكبير الذي يولّى‏

____________

(1) يستخدم الذيل أو الطوخ للدلالة على الرتبة عند العثمانيين، و الطوخ علامة على الخانية، و كان عبارة عن عمود يعلق به ذيل ثور، و قد استبدل الترك ذيل الحصان بذيل الثور.

و الطوخ أو الذيل عند العثمانيين مزراق رأسه كرة مذهبة، و قد علق تحت الكرة خصلة من ذيل حصان مصبوغة باللون الأحمر. و كان لرجالات الدولة العثمانية أطواخ أو ذيول بحسب منازلهم، فللسلطان سبعة أطواخ أو ستة، و للوزير الأعظم خمسة أطواخ (ذيول) أو ثلاثة، و للوزير ثلاثة أطواخ (ذيول)، و للوالي طوخان (ذيلان). و لم يكن يترتب على العزل من المناصب سحب الذيول (الأطواخ) إلا إذا كان العزل بجرم، و كانت الأطواخ السلطانية و أطواخ رجالات الدولة تسبق الجيش عند الغزو. انظر:

أحمد السعيد سليمان: تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل. القاهرة، دار المعارف، د. ت. ص 146- 148. (عن حاشية ترجمة رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 51، الحاشية (2)). و يشير ديدييه بعد بوركهارت إلى أن والي جدة كان يحمل ثلاثة ذيول تعني أنه كان لا يقل عن رتبة وزير، مما يدل على أهمية جدة بالنسبة إلى الدولة العثمانية، انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 51.

و ذكر في معجم المصطلحات ...، موثق سابقا، ص 310، أن كلمة" طوخ" كلمة صينية دخلت التركية بمعنى راية من نوع خاص ... و وردت في بعض المراجع بلفظ: توخ، أو طوغ. و ذكر د. صابان، في المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، موثق سابقا، ص 149: أنها طوغ‏Tug : و هي ذؤابة من وبر الخيول، تعلق على العمامة التي يلبسها أركان الدولة، و هي علامة مميزة لهم حسب مكانتهم.

198

عليها لا يتقدمه إلا رئيس الوزراء، و يتقاضى سنويا مليونا و مئتي قرش، يضاعفها مرتين أو ثلاثا عادة، إن لم يزدها عشرة أضعاف بالطرق المألوفة في تركية و غيرها. و يبدو من الطبيعي أن يقيم في مكة، و لكنه لا يقوم إلا بزيارات نادرة إلى عاصمة النبي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و زياراته للمدينة المنورة أكثر ندرة، و يقيم في جدة طول الوقت؛ بسبب أن هذه المدينة هي مقر الجمارك التركية؛ و هي المورد الرئيسي، و يكاد يكون الوحيد، لموارد الحجاز العامة؛ و إننا لا نستطيع، حسب مبدأ الخوري تيري‏ (1)Terray ، أن نأخذ إلا حيثما نجد ما يؤخذ، و من جمارك جدة غرف الباشا/ 148/ ما شاء اللّه له أن يغرف‏ (2). هنا يوجد الكنز في نظر التركي، و هنا يوجد قلبه و شخصه أيضا.

زرت الباشا منذ اليوم التالي لوصولي، و لكن ليس قبل أن أرسل من يخبره بذلك، بضع ساعات قبل موعد الزيارة، كما هي العادة بين ذوي الاعتبار. كان الاستقبال في‏

____________

(1)Terray (L`abbe Joseph -Marie) - الخوري تيري: مراقب مالي عام، ولد في بوين‏Boen في منطقة (اللوارLoire ) في فرنسا عام 1715 م، و توفي في باريس 1778 م. قام بعدد من الأعمال التي قيدت الأعمال التجارية و فرضت عليها ضرائب و قيودا ضخمة بعد أن استطاع على الرغم من أعماله السيئة أن يصبح مفتشا ماليا عاما في عام 1769 م.

(2) يقول بوركهارت في رحلاته، موثق سابقا، ص 51- 52:" و يحكم جدة باشا يحمل ثلاثة ذيول (أو أطواخ) و له الأقدمية على معظم الآخرين بحكم ارتباط جدة بالمدينتين المقدستين، إلّا أن منصب ولاية جدة يعد تشريفا قلّ أن يأبه به نبلاء الأتراك، إذ إنهم دائما يعتبرون جدة مكانا للنفي أكثر منها مكان ترقية إلى منصب رفيع، و كثيرا ما يعيّن في ولاية جدة رجل دولة مغضوب عليه. و والي جدة يلقّب نفسه والي جدة و سواكن و الحبش و ليس والي جدة فحسب، و تأييدا لهذا اللقب فإنه يقيم مكاتب للجمرك في كل من سواكن و مصوع اللتين كانتا قبل حكم محمد علي تابعتين كلية لشريف مكة". انظر تعليق المترجمين في الحاشية (1) من ص 52 على المقصود بالحبش.

199

غاية اللياقة: إذ كان على الباب لجنة عسكرية لاستقبالنا، و كان العبيد و الخدم ينتشرون على الدرج و في المدخل، و كان هناك الشيشة و القهوة و الشراب و الشاي و الحلويات، و كان كل ذلك يطلب بصوت عال، و تلك هي غاية اللياقة في الشرق، حتى يستطيع الجميع أن يسمعوا التشريفات التي تقدّم للزائر، و لم يكن ينقص الحفلة شي‏ء.

لقد خرج الباشا نفسه للقائي لدى باب المجلس، و قادني إلى غرفة مستقلة تطلّ على البحر، مليئة بالسجاد و الدواوين، و الوسائد، و بكلمة واحدة مليئة بكل وسائل الراحة المتوفرة في البلد.

أما قنصل فرنسا الذي كان طريح الفراش، و أقعده المرض الشديد عن مرافقتي، فقد طلب رسميا من السيد دوكيه‏M .Dequie المترجم، و موثق العقود في القنصلية أن يمثله، و قد تفضل السيد دوكيه بالقيام بدور المترجم، و قد قام بذلك بذكاء و تفان.

كان اسم الحاكم أحمد عزت باشا (1)، و هو رجل حيوي، جيد الثقافة، و هذا نادر لدى الأتراك، بل إنه شاعر، يستعرض معارفه بكل طيبة خاطر. بدأ الحديث بالطبع‏

____________

(1) ذكر دحلان في كتابه: خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام، ط. 1، المطبعة الخيرية، القاهرة، 1305 ه، ص 316، أنه كان أميرا للحج الشامي في عام 1268 ه، و صديقا للشريف عبد المطلب، و أعانه ضد والي جدة آقه باشا، و أن الشريف عبد المطلب أرسل للصدر الأعظم رشيد باشا يطلب عزل آقة باشا، و توجيه ولاية جدة لأحمد عزت باشا الأرزنجاني فأجيب إلى ذلك في سنة 1269 ه، و هو الذي بنى البيت الذي بالزاهر بالقرب من شهداء فخ في مدة ولايته هذه، ثم حصلت منافرة بينه و بين الشريف عبد المطلب بعد وصوله إلى جدة بأيام قلائل. و عزل أحمد عزت باشا سنة 1270 ه في شهر رجب. و تولى مكانه كامل باشا. ولد عام 1213 ه في أرزنجان، و توفي في 14 شوال 1310 ه. كان كاتبا و شاعرا و أديبا، اهتم في كتاباته بالموضوعات العسكرية. انظر: محمد تويا، سجل عثماني، ج 3، ص 465، 1311 ه.

200

عن الحرب‏ (1) التي كانت حينئذ قد بدأت، و قد أمر بإحضار/ 149/ خرائط جغرافية تركية ليتتبع عليها التوضيحات التي كان يطلبها مني.

و جعلته أنا بدوري يتحدث عن الموضوعات التي تهمني أكثر من غيرها، عن البلد الذي يحكمه، و قد استقيت منه المعلومات التي ذكرتها سابقا عن مدينة النبي صالح المهدمة. لقد زودني بمعلومات أخرى هي في نظري موضع شك: فهو، على سبيل المثال، رفع عدد سكان مكة المكرمة إلى 100 ألف نسمة، مع أن عدد سكانها لا يبلغ نصف هذا العدد، و قال: إن عدد سكان مكة المكرمة الذين تساعدهم إستانبول يبلغ 20 ألفا. و علمت منه أن إحدى أرامل ملك لاهور رونجيت- سينغ‏ (2)Runjet -Singh جاورت بعد موت زوجها في مكة المكرمة، و هي تعيش من‏

____________

(1) بين روسيا و الإمبراطورية العثمانية، و قد جرت هذه الحرب بين (1853- 1856 م) في فترة حكم الإمبراطور نقولاNicolas (1825- 1855)، و التي انتصر فيها، و كاد ينجح في إسقاط الإمبراطورية العثمانية لو لا تدخل فرنسا و بريطانيا للحفاظ عليها (حرب القرم‏Crime 1854- 1855 م)، فانهزم نقولا في معركة سيباستوبول‏Sbastopol ، و اضطر حسب معاهدة باريس (1856 م) أن يتخلى عن بعض الأراضي التي احتلها، و عن الوجود الروسي البحري في البحر الأسود. و اشتركت مصر في هذه الحرب إلى جوار الدولة العثمانية، و قد أشار بيرتون في رحلته إلى حماسة المصريين و رغبتهم بالجهاد ضد الروس. انظر: رحلة بيرتون إلى مصر و الحجاز، موثق سابقا، ج 2، ص 17.

(2) ولد عام 1780 و توفي عام 1839 م، حاكم هندي (مهراجا) كان يعرف ب" أسد البنجاب"، حصل على ولاية لاهور منحة من زمان شاه ملك أفغانستان بعد أن استولى عليها و عمره 20 سنة بقوة السلاح.

201

المساعدة التي تقدمها لها شركة الهند الشرقية، و هي تمارس في عزلتها كل الفضائل التي أمر بها الإسلام.

و أود هنا أن أروي طرفة حدثت في جدة الصيف الماضي، و هي تكشف بوضوح فساد الطبائع لدى السيدات في الشرق؛ و لكن رواية تلك الطرفة تحتاج إلى اتخاذ الحيطة و الحذر في الحديث، و ليس بالسهل روايتها. و سأحاول أن أفعل ذلك بطريقة لائقة، إلّا أنها مفهومة، و إن اللبيب من الإشارة يفهم!

لقد فقد الحج كثيرا من ألقه؛ فالفقراء و المساكين يؤدون هذا الواجب الديني بأعداد كبيرة؛ و هم إمّا ممن فترت عواطفهم، و إما من الشباب، و إما من المقترين، أما الأغنياء فإنهم عزفوا عن أداء الحج؛ فلم نعد نرى سلاطين الماضي العظماء يأتون من كل بقاع العالم الإسلامي/ 150/ ليظهروا بهذه المناسبة الاحتفالية كرمهم، و ليكون حجهم مادة لذكريات رائعة يمكن إدراجها في عداد الحكايات الخيالية في ألف ليلة و ليلة. مع ذلك فإن الحج الأخير شهد قدوم سيدة جليلة من أعماق بلاد فارس، كانت على ما أظن أرملة، و هي، و إن كانت لم تظهر من آيات البذخ ما يظهره القادمون من بلاد فارس أو من إستانبول أو من بقية بلدان الشرق الإسلامي، كانت تسافر، و برفقتها حاشية لا يستهان بها. لقد كان معها خصي أسود مقصور على خدمتها، و كان يقوم لديها بوظيفة أمين الصندوق و القيّم. لقد قدمت الحاجة الشهيرة من مصر، و زودها القنصل البريطاني العام برسالة توصية إلى السيد كول، لست أدري بأي قصد، و قد أكد لي السيد كول كل تفاصيل المغامرة الغريبة. عندما وصلت إلى جدة انقض رجال الجمارك على أمتعتها كما لو أنهم ينقضون على فريسة، و بضراوة شرسة

202

تتميز بها مصلحة الضرائب في كل البلاد، اطلع رجال الجمارك على كل شي‏ء عدا صندوق امتنع الخصي بإصرار عن فتحه بأمر صريح من سيدته، و دارت بشأنه محادثات طويلة، و كلما كان الإصرار على عدم فتحه عنيدا، ازداد إلحاح الجمارك على ضرورة ذلك، و زادت شكوكهم بسبب ما يرونه من مقاومة. و لما اغتاظت السيدة صرحت في آخر الأمر للجمارك؛ أنهم إذا أصروا على فتح هذا الصندوق الذي دار حوله نقاش كثير فإنها/ 151/ لن تسحبه أبدا، و ستنكر ملكيتها له. و لم يكن لاعتراضاتها أية فاعلية، و فتح الصندوق على الرغم من كل معارضتها الشرسة.

ما الذي كان في ذلك الصندوق العجيب؟ إن كان فضولكم يدفعكم إلى معرفة ذلك فيمكنكم أن تسألوا مؤلف رواية الساتيريكون‏ (1)Satyricon ، و باستطاعتكم أن تسألوا أيضا جمارك بيربينيان‏ (2)Perpignan الذين شهدوا منذ عهد قريب حصول مغامرة مشابهة لسيدة جليلة من نساء عصرنا.

____________

(1)Satiricon ,Sstyricon - الساتيريكون- الساخر- السخرية، و هي ضرب من الرواية الساخرة تنسب إلى بيترون‏Ptrone ، لم يبق منها إلّا قطع يختلط فيها النثر و الشعر، و هي أكثر الأعمال الرومانية (روما) إباحية. و تجري أحداثها في مرسيليا و في جنوب إيطاليا، و موضوعها مغامرات أحد الشباب الإباحيين الذي لا يملك شيئا اسمه أنكولب‏Encolope . و المؤلف هو بيترونيوس الحكم‏(Petronius Arbiter) كاتب و شاعر لاتيني من القرن الميلادي الأول (20؟- 66 م). و يقال: إنه كان من أتباع مبدأ اللذة المرهفين في بلاط نيرون‏Nron . انظر:

Laffont- Bompiani, Dictionnaire Des vres, Paris 2691, PP. 163- 263.

و يبدو أن ما في الصندوق كان له علاقة بأمور إباحية.

(2) منطقة فرنسية في جبال البرينيه الشرقية، تبعد 690 كم عن باريس و 11 كم عن البحر المتوسط.

203

إن أول الشخصيات الرسمية التي عرفتها بعد الباشا، و لكن على سبيل الفضول، كان كرد عثمان أغا (1)، كذا يسمونه في بلاده و في عمله، ولد في كردستان، و كان سنجقا (2) أو قائدا للخيالة غير النظاميين الذين يبلغ عددهم بين ألف أو ألف و مئتي رجل، و يعسكرون على بعد عدة فراسخ على طريق مكة المكرمة، و هم مستعدون على الدوام للتمرد، إن لم يتقاضوا مستحقاتهم المالية. لقد حصل من قبل في معسكرهم اضطرابات خطيرة، و يتوقع أن يحدث تمرد عام إن لم تصل النقود بسرعة من استنانبول.

إن خيالة الشرق هؤلاء الذين يسمّون باشي بوزوق، و هذا يعني بالتركية:

ميليشيا، هم داهية تحل في البلد الذي يرسلهم الباب العالي في حملة إليه: إنهم يأخذون كل شي‏ء من الأسواق دون أن يدفعوا ثمنه، و يعاملون التجار الذين يطالبون بحقوقهم معاملة سيئة، إن حياة/ 152/ الإنسان لا تساوي في نظرهم حياة كلب، و هي أقل بكثير من حياة خيولهم. و إذا قابل أحد هؤلاء اللصوص امرأة غير منقبة، فإنه يشهر مسدسه و يصوبه نحوها، ثم يطلق ببرودة أعصاب النار على رأسها على‏

____________

(1) ذكر دحلان في خلاصة الكلام ...، موثق سابقا، ص 313، أنه كبير العساكر الخيالة في أيام الشريف محمد بن عون خلال فترة شرافته الأولى؛ و انظر: رحلة بيرتون إلى مصر و الحجاز، موثق سابقا، ج 2، ص 210.

(2) سنجق يعني باللغة التركية العلم، و يطلق اتساعا على القائد نفسه (المؤلف). انظر أيضا: معجم المصطلحات ...، موثق سابقا، ص 259. و فيه أنه في بعض المصادر:

صنجق، لفظ تركي- فارسي معناه: علم أو راية.

204

مرأى من كل الناس؛ ثم يقوم بعد فعلته، و بهدوء، بإرجاع سلاحه إلى حزامه، و يتابع طريقه، و هو يبرم شواربه، دون أن يفكر أحد بالوقوف في طريقه، أو بالنظر إليه نظرة احتقار. و لنتخيل مصير الشعب الذي تجعله الحرب تحت رحمة جنود غير منظمين، ليس لهم دين و لا خلق كهؤلاء الجنود الذين هم سرّ قائدهم. كان كرد عثمان أغا هو الرئيس اللائق لهذه المليشيا التي أطلق لها العنان، كان طوله ستة أقدام، مفتول العضلات مثل هرقل، و تظن حين تراه أنه عملاق يقسم الجبال إلى شطرين، و لكن هذا العملاق كان يعد من الجبناء؛ فهو إبّان الأحداث القريبة العهد التي كان معسكره مسرحا لها لم يفعل شيئا لإعادة فرض النظام، و تلوح الآن في الأفق اضطرابات أكثر خطرا أيضا، و هو لا يستعد للوقوف في وجه العاصفة، و إنما يستعد للهرب إلى مصر، و قد أرسل إليها منذ زمن عائلته و أمواله. لقد سطا خلال نهب إحدى المدن التي لا أذكر اسمها، و لم يكن حينئذ إلا مجرد جندي، على مجوهرات باعها ب 20 ألف قرش؛ و اشترى بهذا المبلغ جيادا، و كان ذلك بداية ثروته. و كانت مستحقاته حينئذ لا تزيد عن 7500 قرش في الشهر، و لكنه كان يملك/ 153/ الموهبة الكافية لرفعها إلى 20 ألف، و بفضل كفاءته المالية التي تعوض عجزه العسكري، كوّن لنفسه، بوسائل مشروعة تقريبا، و مع أنه ما زال شابا، رأسمال يقدر بمئتي ألف تلري، أي مليون فرنك. إنه متحدث بارع، و يزعم أنه يعرف تمام المعرفة بلده الأصلي. و يقدر أن عدد الفرسان الأتراك المنتشرين في كردستان يبلغ 170 ألف فارس، و كان يذكر بفخر أنه يعرف مواضع سبعة مناجم ذهب في جبالها، و لم تكن حماسته بأقل في الحديث عن‏