رحلة إلى الحجاز

- تشارلز ديدية المزيد...
399 /
255

لقد كانت غالية جان دارك الصحراء، و كانت هي الشيخ الحقيقي للقبيلة، و كان الأتراك بالطبع ينظرون إليها على أنها ساحرة، و أن سحرها يجعل أنصارها لا يهزمون‏ (1). و أذلّت القوات العثمانية بهزيمتين لم تكونا أقل عنفا من الهزيمة الأولى في زهران و القنفذة (2)، و هي إحدى مدن الحجاز الخمس. أمّا محمد علي فكان لا يستطيع الخروج من وراء أسوار مكة المكرمة، و قد كانت الاتصالات مع جدة غالبا مقطوعة. و أصبح جيشه في أسوأ حال: إذ كانت الجمال تنقصهم للنقل، و قد/ 197/ هلك من ذلك الجيش ثلاثون ألفا في تلك الحرب. كانت الأغذية نادرة في كل المواقع، و قد وصلت أسعارها حدا غير معقول. أمّا الجنود الذين كانت رواتبهم غير مجزية، أو أنهم لا يتلقون رواتب أبدا، فإنهم لم يكونوا يحصلون إلّا بصعوبة كبيرة على حاجاتهم الضرورية الأولية، و قد كانوا يرفعون أصواتهم بالاعتراض، و يفرون بأعداد كبيرة، و لم يعد المجندون يصلون إلى الحجاز أبدا. و كان محمد علي وحده هو الذي لم ييأس، لقد كان متأكدا أن خسارة الحجاز تعني بالنسبة إليه خسارة مصر، و قد بذل لكي يحتفظ

____________

(1) انظر: مواد ...، موثق سابقا، ص 141- 142.

(2) انظر: مواد ...، موثق سابقا، ص 145- 146، و قال بوركهارت:" و هي ميناء يبعد عن جدة سبعة أيام جنوبا. و كانت في السابق جزءا من أراضي الشريف غالب، و لكنها أصبحت خلال السنوات الخمس الأخيرة في يد طامي (بن شعيب)، شيخ عرب عسير أقوى القبائل الجبلية جنوب مكة و أشد المتحمسين من الوهابيين". أما هزيمة الأتراك في زهران التي كان على رأس قبائلها بخروش بن علاس فقد تحدث عنها بوركهارت في مواد ...، موثق سابقا، ص 162- 163.

256

بالحجاز جهودا جبارة، و أظهر حزما نادر المثال. و لما أخفق في الحرب لجأ إلى المفاوضات، و بدأها أولا مع القبائل المجاورة لمكة المكرمة، و استمال عددا منها بدفع مبالغ مالية كبيرة [...].

لقد أبدى محمد علي للبدو ودا و محاباة جعلت له بينهم أصدقاء كثرا: كان يستقبلهم بلا تكلف، و يسمح لهم بمخاطبته على طريقتهم فيما اعتادوه من عدم المجاملة، و يغدق عليهم الهدايا، و يدفع بكرم لكل المتطوعين الذين يقدمونهم للخدمة في جيشه، و كان في كل الخصومات يجعل الحق دوما إلى جانبهم ضد جنوده أنفسهم.

و أوغل في هذه السياسة فأصبح يستجدي رضا أهل مكة المكرمة، و مع أنه ماسوني بالمفهوم العربي لهذه الكلمة، أي ملحد و مشرك مجاهر، فإنه كان يتظاهر بالحمية و الإخلاص، و يكرّم العلماء، و يجري لهم الجرايات، و يرمم الأماكن المقدسة، و يتردد/ 198/ بكثرة إلى المساجد، و يؤدي بدقة الشعائر الطويلة حول الكعبة، كان، بعبارة واحدة، يؤدي كل الواجبات التي يؤديها المسلم المثالي.

و عندما ظهر له أن تلك الوسائل و ما شابهها جعلت الأمور تستقيم له بادر بكل قوته، و بمساعدة فرقة من الخيالة الذين جلبهم من الصحراء الليبية، إلى تنظيم حملة جديدة ضد الوهابيين المجتمعين في بسل؛ و هي قرية إلى الشرق من الطائف، و أحرز شخصيا نصرا حاسما في شهر يناير (كانون الثاني) 1815 م. كان سعود قد توفي العام‏

257

الفائت‏ (1) في الدرعية، و انتقلت السلطة العليا الوراثية في أسرته إلى ولده عبد اللّه بن سعود الذي كان يتفوق على أبيه في القدرة العسكرية التي عرف بها، و لكنه كان أقل من والده حنكة في سياسة القبائل، و في صيانة مصالحهم و التوفيق بينها.

لقد حصلت في بداية حكمه اضطرابات داخلية بين صفوف أسرته نفسها، ثم امتدت تدريجيا إلى عدد من القبائل. و بدأ كبار مشائخ تلك القبائل يبدون استقلالا لم يكونوا يجرؤون على مجرد الحلم به إبّان حكم الأمير السابق الذي كان أكثر حزما، و كانت القبائل بالإجماع تخضع لسلطته. و أضعفت تلك المنازعات الداخلية الانضباط الذي تشتد الحاجة إليه إبّان الحرب، و الذي لم يكن فقدانه بعيدا عن أن يكون السبب الرئيسي في هزيمة بسل‏ (2). لقد كانت كلمات سعود الأخيرة قبل موته لولده عبد اللّه أنه/ 199/ نصح له قائلا:" لا تقاتل الأتراك أبدا في أرض مكشوفة"؛ و لأنه لم يتبع هذه النصيحة القيمة، وقعت تلك الطامة الكبرى‏ (3). لم يكن عبد اللّه يقود القوات‏

____________

(1) مايو (أيار) 1814 م، و جاء في عنوان المجد، ج 1، ص 239 أن وفاة سعود كانت ليلة الاثنين الحادي عشر من جمادى الأولى سنة 1229 ه. و كان" موته بعلة وقعت في أسفل بطنه أصابه منها مثل حصر البول". انظر: مواد ...، موثق سابقا، ص 153.

(2) انظر حديث بوركهارت عن معركة بسل في مواد ...، موثق سابقا، ص 168- 175.

(3) يقول بوركهارت في: مواد ...، موثق سابقا، ص 174:" ... و ربما كان سبب هزيمة الوهابيين نزولهم من الجبال إلى السهل؛ إذ لم تكن لديهم أية وسائل لمقاومة الفرسان الأتراك. و كان سعود قد حذّر ابنه في كلماته الأخيرة التي وجهها إليه من القيام بمثل ذلك العمل. لكن احتقارهم للجنود الأتراك، و رغبتهم في إنهاء الحملة، و ربما رغبتهم-

258

بنفسه في معركة بسل، بل كان على رأس جماعة من الاحتياطيين؛ كان عليها حماية منطقة أخرى من حدوده. و كان يقود القوات الموجودة في بسل أخوه فيصل‏ (1).

لقد تمتع الأتراك و أسرفوا في استغلال النصر بوحشيتهم المعهودة؛ فقد كان هناك ثلاث مئة من الأسرى الذين وعدوا بصيانة حياتهم، ثم رفعوا على الخوازيق بأمر من محمد علي: خمسون على أبواب مكة المكرمة، و مثلهم على باب جدة، و الباقون على طول الطريق الواصل بين المدينتين. و ظلت أجساد أبناء الصحراء الشجعان معروضة حتى ملأت الضواري و الوحوش بطونها من لحومهم. و يمكن لهذا التصرف الفظيع أن ينبئ بالفظاعات الأخرى. و من بسل سار الباشا على طريق اليمن، حيث كان عدد

____________

في اعتقال محمد علي شخصيا، من الأمور التي جعلتهم ينسون الأسلوب الحكيم الذي اتبعوه في الحرب من قبل ...". و جاء في: مواد ...، موثق سابقا، ص 53:" ...

و يقال إن كلمات سعود الأخيرة كانت موجهة إلى ابنه عبد اللّه ناصحا إياه بقوله:

" لا تقاتل الأتراك في أرض مكشوفة" و هذا مبدأ لو اتبّع بدقة لمكّن شعبه، بدون شك، من استعادة الحجاز".

(1) فيصل بن سعود أخو عبد اللّه أمير الوهابيين، كان أوسم رجل في الدرعية و ألطفهم، و يحبه العرب كثيرا قتل أثناء حصار الدرعية 1233 ه. عنوان المجد، ج 1، ص 272.

و كان لسعود أبناء آخرون غير عبد اللّه و فيصل، و هم ناصر الذي توفي عام 1225 ه، و تركي بن سعود الذي توفي قرب نهاية حصار الدرعية. و إبراهيم الذي قتل في أثناء حصار الدرعية، أما فهيد (فهد) و عمر فقد كانا ضمن من نقلهم محمد علي إلى مصر سنة 1234 ه، و من أبناء سعود أيضا مشاري و سعد و عبد الرحمن و حسن و خالد، انظر: آل سعود، ص 16- 17، و عنوان المجد، ج 1، ص 272، 203- 205، 276. و انظر: مواد ...، موثق سابقا، ص 33 و الحواشي.

259

الوهابيين كثيرا، و كان يأمل أن يحقق غنائم كثيرة، لأن تلك المنطقة تشتهر في الشرق بغناها الفاحش، و لكن القوات عانت معاناة كبيرة في مسيرتها، و لم تكد تصل إلى منتصف الطريق حتى تمردت، و رفضت الذهاب إلى أبعد من ذلك: فدفع ذلك الوضع الباشا إلى الأمر بإرسال تلك القوات إلى مكة المكرمة، و من هناك إلى مصر ليستبدل بها قوات أخرى جديدة.

و إن هذه الحملة الفاشلة أعطت بفشلها محمد علي/ 200/ فرصة لإظهار حقده و ممارسة قسوته على بعض أحد شيوخ القبائل الذين مكنته الخيانة من القبض عليهم. فأمر حرسه الخاص بقتله أمام عينيه شر قتلة؛ إذ طلب من حراسه الخاصين أن يجرّحوه ببطء بسيوفهم لكي يطول عذابه، فقضى المقدام العربي المسمى بخروش‏ (1) نحبه دون أن تصدر عنه أنة ألم واحدة. أمّا محمد علي الذي كان راضيا عن الانتصار الذي حققه في بسل، و ارتأى أنه حقق ما يكفي لرفعة مجده، و لمصلحته عندما خلّص المدينتين المقدستين، فإنه عرض شروطا للصلح على عبد اللّه بن سعود، و ذهب إلى المدينة المنورة لانتظار النتيجة التي ستسفر عنها عروضه السلمية.

و كان طوسون باشا قد سبق والده إلى المدينة المنورة، و كان حين وصول أبيه في منطقة القصيم؛ و هي إحدى مناطق النفوذ الوهابي، لإبرام سلام باسمه مع أمير الدرعية، و في هذه الأثناء كان محمد علي الذي لم يدعم ابنه لا بالمال و لا بالرجال‏

____________

(1) في الأصل‏Bakroud و الصواب‏Bakrouch انظر: مواد لتاريخ الوهابيين، الترجمة العربية، موثقة سابقا، ص 183- 184.

260

يبحر ثانية و بسرعة إلى مصر التي كان يرى أنها تمر بفترة حرجة، و هي مهددة بأن يهاجمها أسطول الكابتن باشا. و عندما وصلته معاهدة الصلح التي أبرمها ولده، لم يرفض الموافقة عليها، و لكن غموض لغته أثبتت لأقل الناس بصيرة أن له مطامع مستقبلية في الجزيرة العربية. و تحقق ذلك في عام 1816 م عندما قام بإرسال ابنه البكر إبراهيم باشا مع جيش جديد، هدفه الاستيلاء على الدرعية، و تقويض/ 201/ دعائم الحكومة الوهابية تماما. و قد أبدى إبراهيم في هذه المناسبة شجاعة و كفاءة لا يمكن إنكارهما، و أظهر حزما تكلل بالنجاح، و استطاع أخيرا في سبتمبر (أيلول) 1818 م بعد سنتين من الجهد المستمر، و النضال بلا هوادة، الاستيلاء على الدرعية (1) التي هدمها رأسا على عقب، و أجبر السكان على البحث على ملجأ في مكان آخر. و أخضع نجدا كلها، و استطاع بفضل مساعدة باشا البصرة أن يصل بجيشه الظافر إلى ما وراء جبل شمر باتجاه بغداد.

لقد دافع عبد اللّه بن سعود عن عاصمته بتصميم كبير، و شجاعة نادرة، و لكنه لم يلق في دفاعه دعم السكان الذين أنهكهم الحصار الطويل، و ثبط هممهم، و الذين كانوا يفضلون الحظوظ التي سيوفرها لهم الاستسلام، على الويلات التي‏

____________

(1) حطم إبراهيم باشا الدرعية تماما سنة 1818 م/ 8 ذي القعدة 1233 ه، و في سنة 1821 كانت سيطرة المصريين تامة على الحجاز، بينما ظلت نجد أقل أهمية بالنسبة إلى المصريين؛ و هكذا تمكن ابن عم لسعود بن عبد العزيز هو (تركي بن عبد اللّه بن محمد ابن سعود) أن يقود ثورة اختار الرياض لتكون عاصمة له و ظلت كذلك حتى اليوم.

انظر: الحركة الوهابية في عيون ...، موثق سابقا، ص 69، الحاشية (16).

261

سيجرها عليهم هجوم إبراهيم باشا، و لكن تفكيرهم بذلك يعني أنهم يجهلون طبائع الأتراك. لم يعد عبد اللّه يستطيع الاعتماد إلّا على حرسه الخاص المكوّن من أربع مئة عبد أسود كانوا مستعدين للموت حتى آخر رجل منهم دفاعا عنه. و لّما فقد كل الآمال كان باستطاعته الفرار و الالتجاء إلى قلب الصحراء بانتظار أيام أفضل؛ و لكنه كان يفضل الاستسلام لأعدائه، و الاعتماد على أريحية المنتصر، كما لو أن التركي يتمتع بأي قدر من الأريحية! و بعد بضعة أيام من الاستعدادات و التردد سلم نفسه بإرادته لإبراهيم باشا الذي كان لا يزال في ريعان الشباب، و استقبل عبد اللّه بن سعود في خيمته باحترام كبير/ 202/:" و قال له مواسيا: إن الرجال العظام يعانون صروف الدهر، و إن باستطاعته الاعتماد على عفو السلطان".

لقد كانت النهاية التي آل إليها هذا المشهد فظيعة. أرسل عبد اللّه إلى القاهرة، و معه حاشية كبيرة، و من القاهرة إلى إستانبول، و قد عرف عبد اللّه هناك عفو محمود الذي كان حينئذ السلطان. لقد طيف بعبد اللّه إبّان يومين في كل شوارع المدينة، و في اليوم الثالث تم قطع رأسه في ساحة القديسة- صوفيا، و تركت جثته للدهماء لكي تروي غليل تطرفها، و تبلغ ثأرها من جثمانه الذي يبعث على الحزن.

لقد حدث هذا الحدث الفاحش و المقيت في نهاية عام 1818 م. أما أسرة عبد اللّه فقد بقيت في مصر، و نشأ أولاده، كما ذكرت سابقا، في رعاية محمد علي.

و لم ينهض الوهابيون أبدا من كبوتهم التي أدت إلى خراب عاصمتهم، و أسقطت‏

262

حكومتهم. و لكن، و إن لم يعد لهم نفوذ سياسي، و لم يعودوا قوة مستقلة، فإن عددهم ظل كثيرا في الجزيرة العربية، و خصوصا في الجنوب حتى حدود مسقط؛ و يكادون يسيطرون وحدهم على صحراء نعمان الشاسعة الواقعة على مسيرة خمسين يوما من مكة المكرمة/ 203/ و قد كانوا يدفعون، أو ينبغي عليهم أن يدفعوا، ضريبة سنوية قدرها عشرة آلاف تلري‏Talaris . لقد كانوا على الدوام يدينون بالطاعة لزعيم هو أحد أفراد الأسرة السعودية، و آخر من علمت به من زعمائهم هو فيصل‏ (1)، قريب خالد بك، ابن أو حفيد لفيصل‏ (2) الذي كان يقود الوهابيين في يوم بسل المشؤوم.

و هاجرت بعض الأسر الوهابية إلى سواحل بلاد البربر، ما زالوا حتى اليوم، و خصوصا في ناحية طرابلس، يشكلون تجمعات محترمة لصرامة طباعها (3)، التي تذكر بأخلاق المرابطين في أوروبا الشمالية.

و نستطيع بعد ذلك القول: إن الحكومتين الحقيقيتين المستقلتين في الجزيرة العربية، زالتا الواحدة تلو الأخرى، بل الواحدة بيد الأخرى، الوهابيون و الأشراف: فالأولى لم‏

____________

(1) فيصل بن تركي الذي امتدت فترة حكمة الأولى من سنة 1834 م إلى سنة 1838 م/ 1250- 1254 ه، و الثانية من 1843 م- 1865 م/ 1259 ه- 1282 ه.

(2) فيصل هذا الذي يشير إليه المؤلف هو فيصل بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود أخو عبد اللّه بن سعود آخر أئمة الدولة السعودية الأولى، و هو ابن عم لفيصل بن تركي بن عبد اللّه بن محمد بن سعود الذي أشار إليه المؤلف بأنه آخر من عرفه من زعماء آل سعود.

(3) ليس في المصادر أي إشارة إلى هجرة تلك الأسر النجدية إلى نواحي طرابلس الغرب.

263

تعد إلّا دعوة، و الثانية لم تعد إلّا سرابا. و لم يكن صعبا على الباب العالي أن يستغل تنافسهما، و أن يبسط سلطته على أنقاضهما. فلو أن أميري مكة المكرمة و الدرعية تحالفا بصدق و صراحة ضد عدوهما المشترك، و اتفقا على تسوية مصالحهما الخاصة بعد ذلك، و لم يكونا متفرقين، كما فعلا، في بداية الحرب، لما استطاع الأتراك أبدا أن يطؤوا أرض الحجاز، بل لو أنهما بادرا بالقيام ببعض الخطوات، لما خرج أحد من الأتراك من الحجاز حيا. لو حصل ذلك لكانت الجزيرة العربية مستقلة اليوم،/ 204/ و لتخلصت، و إلى الأبد، من الطاعون التركي؛ إن إضاعتهم تلك الفرصة المناسبة يقتضي أن تبدأ من جديد عملية تخليص الجزيرة العربية من الأتراك، بما يتطلبه ذلك من تضحيات جديدة. و إن الخطأ الرئيسي كان ما قام به غالب الذي لم يكن عليه، حرصا على مصلحته الخاصة، أن يتواطأ مع الأجانب، و لا أن يساعدهم في تنفيذ مخططاتهم. لقد أخل في ذلك الظرف بالحنكة التي كانت أعماله حتى ذلك الوقت تدل على تمتعه بها، و يحق لنا أن نعجب من ذلك، لأنه في الحق لم يكن الإنسان بحاجة إلى كثير من الحكمة النافذة ليتوقع النتائج النهائية لتصرفه الغامض، و غير الحكيم. لقد خسر كل شي‏ء في سعيه لإنقاذ كل شي‏ء، لقد أسقط بسقوطه العقبة الوحيدة (1) التي كانت تستطيع بمساعدته وقف عدو وطنه، و الحفاظ على وطنيته.

____________

(1) يقصد الدولة السعودية الأولى.

264

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

265

الفصل التاسع من جدة إلى الطائف‏

في يوم 22 فبراير (شباط) جاء مصطفى أفندي، وكيل الشريف الأكبر ليقول لنا إن الهجن و الرجال الذين أرسلهم الأمير لمرافقتنا إلى الطائف قد وصلوا. لقد تلقى الأمر بمرافقتنا، و بألّا يتركنا إلّا عند عودتنا إلى جدة، رجل ذو اعتبار في البلاد، و شريف، و حاكم مدني أو وال لمكة المكرمة/ 205/ لقد كان ذلك أكثر من مجرد اهتمام، إنه شرف استثنائي بسبب أهمية الشخصية. كان اسم ذلك الرجل هو الشريف حامد الذي زارنا بعد بضع ساعات من وصوله، يرافقه خمسة أو ستة من العرب، يرتدون ثيابا جميلة، و هم مدججون بالسلاح. كان يلبس وشاحا كبيرا أبيض، و جبّة أرجوانية، و يلتمع في حزامه يطقان مزخرف. كان هو و حراسه حفاة، و لم أره أبدا يلبس حذاء. كان عمره سبعة و عشرين عاما، و لون بشرته أسمر داكنا، و كان له عينان واسعتان سوداوان تشعان حيوية ورقة. و كان لأسنانه بياض ساطع، و في صوته رنة الشباب، و نداوة الفتوة، و كان له ابتسامة ظريفة. استقبلناه بما يليق بمقامه، و بمنصب الأمير الذي أرسله؛ و لكنه طوال الزيارة لم ينبس ببنت شفة، و ليس ذلك مستغربا في الشرق حيث لا نتكلم عندما لا يكون لدينا شي‏ء لنقوله.

مع ذلك، استغربت صمته، بل إنه، أكثر من ذلك، أغاظني. هل كان ذلك خجلا أو عجرفة؟ و لست أدري إلى أي من السببين (الخجل أو العجرفة) أرجع ذلك‏

266

الصمت المتمكن. و كان حكمي عليه في إطار الشك قاسيا، و أعترف أن الانطباع الأول كان بعيدا كل البعد عن أن يكون إيجابيا.

زرناه في اليوم التالي في بيت مصطفى أفندي حيث كان يقيم، و وجدنا المنزل يعج بالعرب الذين سارعوا للتسليم على شريفهم. و استقبلنا بأدب جم/ 206/ و دون أن يصل به الأمر إلى الانفتاح، فإنه كان أقل صمتا مما كان عليه في اليوم السابق.

جاءت الشيشة و القهوة و تلاها الشراب الذي تمّ تقديمه في كووس كبيرة مذهبة، و قام بعد ذلك بعض خدم المنزل بصبّ ماء الورد على أيدينا و على ثيابنا، و هم يفعلون ذلك لمن يريدون إكرامهم، و في نهاية الزيارة فقط. و حدد يوم المغادرة بعد صلاة العصر من اليوم نفسه.

لقد سمح القنصل الفرنسي بناء على طلبي للسيد دوكيه، موثق العقود و المترجم في القنصلية بمرافقتي، و قد كنت مسرورا بذلك. وجدت في دوكيه مرافقا يسارع لأداء الخدمات، مرهفا، و مترجما متمكنا من لغة البلد المستخدمة و الرسمية. كان عليّ، لو أنه لم يكن موجودا، الاعتماد على رفيق رحلتي، و كنت أفضل ألا أفعل ذلك.

و لّما كان هذا الأخير يتكلم العربية لأنه كان دائم السفر إلى الشرق منذ عدد من السنوات، و كان يزعم لنفسه خبرة عميقة بالناس و الأشياء. تركت له منذ انطلاقنا من القاهرة الإدارة المادية لقافلتنا الصغيرة، و مع أنه كان سي‏ء الإدارة، و أبدى من التكبر أكثر مما هو منتظر، فإنه في هذا اليوم استنفد صبري و صبر الشريف حامد، ناهيك عن السيد كول، قنصل بلاده الذي عيل صبره.

267

كان علينا أن ننطلق عند العصر/ 207/، و عندما حلّ العصر لم يكن شي‏ء جاهزا؛ مع أنه لم يكن علينا أن نحمل إلّا أمتعتنا الضرورية لاستعمالنا الشخصي، و لو فعلنا غير ذلك لعدّ ذلك إهانة للأمير المضيف الذي كان يعاملنا معاملة في غاية النبل، و يود أن يوفر لنا كل ما نحتاجه. باختصار، لم ننطلق إلّا عند المغرب بعد أن تبدى لي أننا لن ننطلق أبدا. و لو حصل ذلك لكان الأمر خطيرا: لأنه كان من المهم أن ننطلق في يومنا هذا، الذي لم يكن اختياره عشوائيا؛ فقد كان يوم خميس؛ و هو أكثر أيام الأسبوع مناسبة لبدء الأسفار في نظر المسلمين. فالثلاثاء يوم مشؤوم، و العرب لا تحب السبت لأنه يوم اليهود الذين يحتقرونهم كل الاحتقار. أما الأحد و الاثنين فمن الشائع أنهما يومان مباركان، و الأربعاء تستوي الأمور فيه. و أما يوم الجمعة فهو يومهم المقدس، و هم يسافرون راضين بعد صلاة العصر (1).

كانت القافلة تتكون كما يلي: كاتب هذه السطور، إن كان من المناسب أن يبدأ الإنسان بنفسه، ثم رفيق رحلتي، و السيد دوكيه، و ستة من الخدم، بينهم أوروبيان؛ بلجيكي و طباخنا غاسبارو؛ ثم الشريف حامد مع أحد أقربائه، و بعدهما أحمد حمودي رئيس جمّالة الشريف الأكبر، ناهيك عن اثني عشر عبدا أو خادما من خدم الشريف، يلبسون ثيابا جديدة، و هم جميعا مسلحون بالرماح/ 208/ و بالخناجر،

____________

(1) ليس ما ذهب إليه المؤلف في هذا التقسيم بصحيح؛ بل الصحيح الذي لا مراء فيه عند أهل العلم أن السفر مستحب في يومي الاثنين و الخميس، مع جواز السفر عند الضرورة في أي يوم حتى يوم الجمعة نفسه.

268

و لم يكن معهم أسلحة نارية. و رأينا من المناسب ألا نحمل أسلحتنا معنا لكي لا يبدو أن مثقال ذرة من الحذر قد خطر ببالنا: لأن المرافقة التي أرسلها الشريف كانت في نظرنا تكفي لحمايتنا، و لّما كنا ضيوفه، فإنه لم يكن مسموحا لنا أن نتوقع حدوث أي حدث سيي‏ء. لقد أرسل ثلاثة عشر جملا و هجانا كانت كافية لحمل كل من أشرت إليهم، لأن المرافقين يمشون على الأقدام، و يستطيعون عند الحاجة أن يصعدوا خلف جماعتنا.

إن الهجان الذي خصّص لركوبي كان الركوب المفضل لدى الشريف الأكبر، و كان يستحق هذا التفضيل لرقة مظهره، و حسن طبعه؛ كان اسمه: سحابة. أمّا هجان رفيقي فكان اسمه: أم القصب، و كان لا يقل في شي‏ء عن ركوبي، و كان يمتاز منه بأنه ثاقب النظر في الظلام؛ لذلك كان الأمير يمتطيه في الليل عادة. كانت أرحلنا رائعة، مزينة بأنواع من الزينة من كل الألوان، طرزتها بالحرير و الصوف المزين بالفضة يد صناع، و كانت الأرحل تغطي الحيوان تماما على الرغم من ضخامته. و كان قربوسا الرحل من الفضة أيضا، أما الزمام فكان من الجلد المضفور بمهارة. كان لنا، و نحن على ظهور الهجن تحفّ بنا المرافقة، و الشريف يقودنا،/ 209/ هيئة مؤمنين حقيقيين يتجهون إلى الحج. و عندما رآنا أحد الأطفال الذين كانوا على قارعة الطريق الذي كنا نمر به أخطأ و قال لرفاقه:" انظروا، إنهم ذاهبون إلى مكة المكرمة- فأجابه أحد الصبية ممن هم أكثر بصيرة، كيف ذلك؟ إنهم نصارى".

269

و لّما كان خروجنا من باب مكة المكرمة فإننا عبرنا معسكر النوبيين، و أرض المعرض المقام خارج الأسوار، ثم يأتي بعد ذلك صفين من الحوانيت و المقاهي المشبوهة المنتشرة على جانبي الطريق لمسافة كيلومتر. لقد رافقنا عدد من معارفنا منهم: السيد كول على حصان، و مصطفى أفندي على بغلته، و الإخوة ساوة، و آخرون أيضا، ظلوا برفقتنا حتى الرغامة المقهى الأول من اثني عشر مقهى منتشرة على الطريق من جدة إلى مكة المكرمة. شربنا في الرغامة قهوة الوداع، و كان الليل قد هبط عندما تفرقنا. كنا في قلب الصحراء، و كانت الرمال تجعل القافلة تتقدم بخطوات بطيئة، حتى إن شيئا لم يكن يعكر سكون الليل. و قابلنا في الظلمات قافلة طويلة من الجمال كان الصمت يخيم عليها، و لم يكن هناك ما يشير إلى مرورها.

بدأنا بعد بضعة أميال نرتقي أحد الشعاب المحصورة بين جبلين منخفضين، و كانت النجوم تلتمع على قمتيهما كأنها النيران. و كان هناك في أسفل السفح المقابل مقهى البياضة، و هو ثاني مقاهي الطريق. و كنا ننوي الاستمرار في المسير حتى المقهى الثالث، بل أبعد من ذلك،/ 210/ و لكنني أصبت بنوبة من الحمى مفاجئة و عنيفة؛ مما جعل من المستحيل المضي أبعد من ذلك، و اضطرت القافلة إلى التوقف في المقهى الثاني لقضاء الليل، و لكن ليس من دون أن يقوم الشريف بنشر حراس من حولنا لتأمين الحماية. لم نحمل معنا خيامنا، و كان لي بدلا عنها حصيرة نصبت على أربعة أعمدة، و استلقيت فيها على سجادتي ينتابني القلق من الظرف الطارئ، و يتملكني الخوف من أن يكون للوعكة التي أصابتني عواقب غير محمودة. و يظن العرب أن سبب‏

270

مرضي يعود إلى شرب فنجان من القهوة مباشرة بعد تناول قطعة من البطيخ الأحمر، و هذا في رأيهم أمر إن فعلناه فلا نتجاوزه بسلام. و لئن كان ذلك السبب الحقيقي لما أصابني أم لا، لقد شفيت خلال الليل، و في الصباح لم يعد لمظاهر الحمى أي وجود.

و لّما لم تكن الهجن تحمل إلّا راكبيها فإنها سرعان ما أصبحت جاهزة للانطلاق، و لّما أشرقت الشمس وجدتنا منطلقين. كان منظر القافلة في غاية الروعة.

كان أحمد رئيس الجمّالة على رأس القافلة، و هو يركب هجانا رائعا. ثم يأتي بعده الشريف حامد الذي كان يتسلح بالمترك؛ و هو عبارة عن قضيب قصير معقوف يستخدمه العرب لتوجيه الجمل من على الرحل. و كان الأشراف وحدهم الذين يباح لهم في الماضي حمله. كنت إلى جانب الشريف أتجاذب معه أطراف الحديث بوساطة السيد دوكيه الذي كان ينقل إليه تساؤلاتي و يترجم لي أجوبته. و كان أصحابنا يتبعوننا على جمالهم، و كان رجال المرافقة يسيرون على أقدامهم سواء كانوا مستطلعين أم مناوشين،/ 211/ مرة في هذا الجانب و أخرى في ذاك.

تابعنا على تلك الحال طريقنا خلال عدد من الساعات، نسير في سهل رائع تحيط به الجبال من كل الجوانب، و ليس فيه من الزرع إلّا العوسج و بعض أجمات الأشواك. كان يعسكر في هذا السهل خيّالة كرد عثمان أغا. رأينا من بعيد الخيام البيضاء، و الخيول ترعى بحرية تلك الأشواك.

كانت القافلة تتقدم بهدوء، تحت شمس لطيفة، و فجأة، و بناء على إشارة من الشريف حثت الخطا، و استمر الجري المصحوب برنين الأجراس نصف ساعة قطعنا

271

خلالها بلدات كثيرة. و لم يكن المشاة أقل سرعة في الجري من الهجن، و لم يتأخروا عنها خطوة واحدة. و لم يخبرنا الشريف أبدا سبب تلك المناورة السريعة، و لكنني أحاول تخمينه: إنه حالة العداء التي تسود بين العرب و الأتراك، و لما كان الشريف حامد لا يجهل الحقد الذي يكنه السنجق‏ (1) (عثمان أغا) للشريف الأكبر، فقد كان حامد يخشى أن يتعرض هو نفسه أو نحن لبعض الشتائم من الباشي بوزوق. و لكن الحركة التي فرضها الحذر عليه تمّ تنفيذها فجاءة و كادت تكون قاضية بالنسبة إليّ؛ لأنني لو لم تتوافر لي الفرصة لاعتياد ركوب الهجان إبّان رحلة سيناء لكنت انطرحت على الأرض. وصلنا نخبّ إلى مقهى حدّة أكبر المقاهي الأحد عشر كلها، و تقع تقريبا في منتصف الطريق بين جدة و مكة المكرمة. و يتألف مقهى حدّة من/ 212/ سقيفة من أغصان الأشجار يحيط بها عدد من السقائف الصغيرة، و كل ذلك يتشرف بوجود مسجد في الجوار. نجد في هذه المقاهي حليبا و أرزا، بل إننا وجدنا خروفا قدمناه هدية للرجال الذين يرافقوننا فأتوا عليه بسرعة كبيرة. كان الحر شديدا، فجلسنا في ظل السقائف نستريح بضع ساعات، و لم ننطلق إلّا بعد العصر. كنا حتى الآن نسير بخط مستقيم نحو الشرق باتجاه مكة المكرمة التي كنا نسير على طريقها، ثم غادرنا الطريق فجأة، و انحرفنا نحو الجنوب لنتفادى المرور في المدينة المقدسة، لأنه محظور على غير المسلمين ليس دخولها فقط، و إنما رؤيتها و لو من بعيد. إذا، كان‏

____________

(1) عن كلمة سنجق انظر: المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، موثق سابقا، ص 136.

272

ينبغي الالتفاف بمهارة حتى لا نسترق النظر إليها، و نحن نعلم أن الحظر يشمل المدينة المنورة أيضا، بل هو في المدينة المنورة أشد صرامة لأن أهلها أكثر تعصبا و شدة.

و لا زال الناس يتحدثون بسخط عن ذلك الطبيب الإيطالي الذي قضى فيها أيام حرب محمد علي و الوهابيين أربعة أشهر كاملة بحماية خاصة من محمد علي. لقد أقيمت حول مكة المكرمة أعلام بين كل مسافة و أخرى لتحديد حدود الأرض المقدسة و المحرمة على غير المسلمين، و حيث لا يجوز أيضا إراقة دم الإنسان أو الحيوان؛ فالصيد محرم فيها، و لا يمكن أن نذبح ديكا. إن التعاليم بهذا الخصوص صارمة، و لم/ 213/ يتركونا نلمح تلك الأعلام الخطرة خوفا من أن تمتد النظرة العابرة إلى أبعد من ذلك. إلّا أنه لم يكن بالإمكان أن يخفى عنا جبل النور (1)، و هو مخروط ضخم تقبع مكة المكرمة في أسفله، كان أمامنا، و كان جديرا بالاسم الذي يحمله، لأنه كان يلتمع تحت حزم ضوء الغروب. أمّا السهل الواسع و الرائع سهل معبرة (2) (؟)Moebarreh فقد كان يحول بيننا و بين جبل النور؛ و كانت تعبر ذلك السهل نسور أكثر حظا منا،

____________

(1) يقع إلى الشمال الشرقي من مكة المكرمة و فيه غار حراء الذي كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يتعبد فيه، و فيه أوحي إليه، و كان قبل الإسلام يسمى جبل حراء. انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 163- 164. و انظر: صفحات من تاريخ مكة المكرمة، موثق سابقا، ج 2، ص 565.

(2) كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 110Plain of Mubarrah - سهل المبرح. و لعل الصواب في ذلك أنه سهل المعابدة الذي أصبح اليوم حيا من أحياء مكة المكرمة بعد أن امتد إليه العمران.

273

كانت تمرّ من فوق رؤوسنا لتذهب إلى مكة المكرمة حيث كانت هناك بدون شك أوكارها، لم نكن إلا على بعد ساعة على الأكثر من مكة المكرمة، و لكن أحدا لم ينطق باسمها و لو مرة واحدة. و عند الغسق دخلنا في سهل آخر هو سهل العكيشيّة (1) و فيه أدركنا الليل. ثم سرنا ساعتين في ظلام دامس، و بصمت مطبق. لم يكن أحد يغني، و لا أحد يتكلم، و كان يبدو أن لا أحد يتنفس؛ و لم نكن نسمع إلا صوت تكسر الأعشاب اليابسة تحت خفاف الهجن. و فجأة توقفت القافلة. لقد ضللنا الطريق.

يمر الطريق العادي بين جدة و الطائف عبر مكة المكرمة، و لم يكن العرب الذين يرافقونا بدءا من الشريف حتى العبيد، قد سلكوا من قبل طريقا غيرها، لأنه لم يكن عليهم أن يرافقوا قبلنا مسيحيين، و لم يكن عليهم بالتالي أن يتجنبوا المرور بمكة المكرمة///، و لّما كانوا يحرصون على إخفائها عن عيوننا، فإنهم ضلوا الطريق الصحيحة، و إن التفافهم على الطريق بدافع التقوى/ 214/ جعلهم يخطئونه، و بذلوا جهودا لم تنفع‏

____________

(1) جاء في معجم معالم الحجاز، للبلادي، ج 1، ص 153- 154 العكيشيّة: بلاد أسفل مكة المكرمة، كانت لآل السبحي، بات بها جيش الحسين بن علي أمير مكة المكرمة عند حملته على عسير سنة 1329 ه. و هي اليوم مزارع عثرية إلى الجنوب الغربي من مكة المكرمة، يصب سيلها على حد الحرم الجنوبي و تصب فيها شعاب الوتائر- جمع و تير- من الغرب، و هذا هو ما كان يسمى الوتير، أما اسم العكيشية فحادث، و فيها بئر تسمى بئر السبحي ... و أرضها عبارة عن نهي بين الجبال و كتبها ديدييه‏Okech .

274

للاهتداء إليه، و أصبح من المستحيل عليهم أن يسلكوا الوجهة الصحيحة. حينئذ تشاور الشريف و رئيس الجمالة بصوت منخفض، انصرف الأخير مباشرة بعد ذلك مسرعا لاستكشاف الطريق. كنا في تلك اللحظة قريبين كل القرب من مكة المكرمة التي ذهب إليها رئيس الجمالة على الأرجح. و ألقينا عصا الترحال بانتظار عودته.

قلت في بداية هذا الفصل إن انطباعي الأول لم يكن إيجابيا عن الشريف حامد، و إنني فسرت صمته تفسيرا خاطئا؛ و لم أتأخر في العودة عن حكمي المتعجل، و في مؤاخذة نفسي على ظني الذي لم يكن عادلا. إن ما ظننته عجرفة كان خجلا. و لا يمكن تصور الرعاية التي أحاطني بها خلال الرحلة، و العناية المؤثرة التي خصني بها عندما ألمت بي الوعكة القصيرة في الأمسية السابقة، و الاهتمام الذي أولانيه في مساء ذلك اليوم الذي ضللنا فيه الطريق. كان يخشى أن يكون ركوب الهجان خلال اثنتي عشرة ساعة قد أرهقني، و لم ينفع التأكيد المتكرر بأنني لست مرهقا في إقناعه بذلك.

و كان لايني يعبّر لي بأروع الكلمات و أفصحها عن قلقه و أسفه. لقد أخذ زمام هجاني، و جعله يسير إلى جانب هجانه، خوفا من أن/ 215/ ينحرف عن طريقه في الظلام؛ كان يقوم بكل ذلك على أحسن وجه، و أتم آيات الأدب.

كان بين المرافقين عبد ضخم و وسيم، يسمّى: أبو سلاسي‏Abou -Slace ، و كان موضع ثقة الشريف الأكبر، و كان يبدو أن له نوعا من السلطة على الآخرين، لم يعرنا منذ الانطلاق أي اهتمام، و لم يكن لطيفا، و كان يقوم بما يكلفه به سيده من مهمات باستياء ظاهر. و عندما ضللنا الطريق كان يردد شكوى محزنة، و يحتج بسفاهة قائلا:

275

إن سيده يبالغ فيما يقوم به من أجلنا، و إننا لسنا في نهاية الأمر إلّا نصارى، لا نستحق كل هذه التشريفات، و إن في معاملة الكفار مثل تلك المعاملة في مهد الإسلام إغضابا للّه تعالى الذي جزانا بجعلنا نضل الطريق في قلب الظلام.

لقد نبهه الشريف بلطف، و أظهر له أن كلامه غير لائق، و قال له: إننا ضيوف الشريف الأكبر، و هذه الصفة تفرض عليه احترامنا، و إنه يسي‏ء كل الإساءة إلى سيده بتصرفه الذي لا يتناسب أبدا مع نواياه. و أضاف أن حسن الضيافة هو الواجب الأول الذي يقوم به العرب إزاء الأجانب، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أوصى بذلك حتى تجاه الكفار أنفسهم، و أننا نأتي من بعيد جدا لزيارة بلادهم، و عندما نعود إلى أوطاننا، ما ذا سنقول/ 216/ عنهم لمواطنينا إن لم نجد في الجزيرة العربية ما نستحقه من تقدير و احترام؟ و لم يفت السيد دوكيه كلمة واحدة من ذلك الحوار، و أعاده على مسامعي كلمة كلمة في اللحظة نفسها. و لكن" أبو سلاسي" لم يرعو بعدها، إلّا أنه بدا أكثر تحفظا في كلامه، و لم يكن ليجرؤ في المستقبل على القيام بمثل تلك التجاوزات.

ظهر أحمد (رئيس الجمّالة) من جديد أخيرا، و حمل معه كما يبدو معلومات محددة، لأن القافلة عادت إلى مسيرتها دون أي تردد، كان عليها أن تعود القهقرى بعض الوقت، ثم تنحرف فجأة نحو الجنوب، و ترتقي هضبة وعرة لم أتبين في الظلام ملامحها. و عندما وصلنا إلى القمة لمحنا أضواء على البعد، و سمعنا نباح الكلاب، و مررنا بعد لحظات قليلة قرب قطيع من الأغنام؛ أما رعاته الذين لم أتبين إلا أشباحهم السوداء فقد برزوا أمامنا، و حيوا الشريف باحترام، و قادونا إلى ملكّية مسورة،

276

واسعة، مكونة من أفنان متداخلة، و استقبلنا هناك طاهر أفندي، أحد خدم الشريف الأكبر؛ و أستعمل هنا كلمة خادم بالمعنى الذي كانت تحمله في القرن السابع عشر، للإشارة إلى شخص حر يعمل في قصر أحد الأمراء. كان طاهر أفندي قد جاء من مكة المكرمة في اليوم نفسه لاستقبالنا، و قد خلصه وصولنا المتأخر من/ 217/ قلق كبير: كان الوقت قريبا من منتصف الليل، و كان يرتعد خوفا من أن يكون أصابنا أي مكروه. و يالعظم دهشتي عندما رأيت موظف أمير مكة المكرمة هذا يرتدي بزّة أوروبية.

لقد رافقني مصطفى أفندي للقيام بجولة في البستان المسور المسمى الحسينيه، و هو ملكية زراعية أو رعوية للشريف الأكبر، اطلعت خلال الجولة على مشهد حقيقي من مشاهد الحياة العربية: كانت الملكية مسورة بإحكام من كل الجهات، و كانت المساحة الداخلية غير مسقوفة، و كان الموقد يتأجج في الوسط، و قد وضع عليه قدر ضخم من النحاس. و كان هناك عدد من الخدم يذرعون البيت جيئة و ذهابا، يقومون على العناية بالطبخ، أما خدمنا فقد استلقوا حول النار متعبين من يوم شاق.

كان البستان فسيحا يتسع للجميع، و ظلت الهجن وحدها في الخارج، و كانت قطع من الخشب الصمغي قد أشعلت بمثابة مشاعل، و تنشر في المكان رائحة قوية طيبة، و انعكاسات حمراء لها مظهر رائع. و لم يتأخر طعام العشاء: كان عبارة عن خروف ضخم مسلوق كاملا، إنه خروف الضيافة الأصيلة، استخرجوه من قعر ذلك‏

277

القدر، و وضعوه أمامنا في جفنة (1). ثم قام أحد العبيد السود بشقه إلى قسمين بضربة يطقان، و قامت أصابعنا بعد ذلك مقام شوكات الطعام، و نال الجميع أسيادا و تبعا نصيبهم من الوليمة. و عندما انتهينا من الطعام قام الخدم بمد السجاد على الأرض الجرداء/ 218/، و استلقينا عليه دون أن نخلع ثيابنا، و نمنا مختلطين، نلتحف السماء. لم يكن النهوض أقل روعة من النوم، و لكنه لم يكن مبكرا، و مع أن الجميع انتهوا بعد فترة وجيزة من الاغتسال، و كانت الشمس قد بدأت بالسطوع منذ زمن طويل عندما كنا جاهزين للانطلاق. و كان عدد من عبيد المنزل أو بعبارة أدق: البستان، قد حيونا عند الاستيقاظ بالضرب على طبول صغيرة يحملونها معهم على الدوام.

و كان ينتصب أمام الحسينية جبل ثور (2) حيث اختبأ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) مع صاحبه المخلص أبي بكر رضى اللّه عنه في الغار للإفلات من مشركي مكة المكرمة الذين كانوا يلاحقونهما. و تذكر إحدى الحكايات المحلية أن النبي داود (3) (عليه السلام) مدفون في هذا الجبل، و هناك عدد من الروايات المعروفة بهذا الخصوص. و إن لضريحه، أو ما يسمى بذلك، مدخلا

____________

(1)Madrier - جفنة و جمعها جفان و جفنات؛ و هي ما كانت العرب تضع الطعام به؛ و قد وصفها ديدييه بقوله: إنها محفورة على شكل صحن.

(2) يقع إلى الجنوب من مكة المكرمة بحوالي ساعة و نصف الساعة، إلى الشمال من الطريق المؤدية إلى قرية الحسينية، و هو جبل شامخ يقال: إنه أعلى من جبل النور. و قد أشار القرآن الكريم في سورة التوبة، الآية 40 إلى اختباء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أبي بكر في الغار. انظر:

رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 164.

(3) لم أجد هذا في مكان آخر.

278

ضيقا، لا يدخل منه الرجل المتوسط القامة إلّا بصعوبة: و إن أولئك الذين يستطيعون تجاوز المدخل يصبحون واثقين من خلاصهم، أمّا الآخرون فإنهم لن يدخلوا الجنة أبدا. و يحكى في مصر مثل هذه الحكاية بخصوص عمودين في مسجد عمرو بن العاص في القاهرة القديمة؛ إذ يحكي المصريون بخبث أن عباس باشا، عندما حاول تجاوز اختبار المرور بين العمودين علق بين دعامات الاتهام، و كانت محاولة إخراجه من بينها من الصعوبة بمكان؛ و يستنتجون من ذلك بالطبع أنه سيعاقب في الآخرة على الجرائم التي ارتكبها في الحياة الدنيا./ 219/ انضم طاهر أفندي إلى القافلة، و كان يمتطي بغلة كما يليق بأفندي مثله، و رافقنا حتى الطائف. سرنا في البداية في واد عريض جدا، محاط بعدد من الهضاب كثيرة الحجارة، و تغطيه رمال شديدة النعومة، و شديدة البياض، و كانت بضع أجمات من العشب ذات اللون الأخضر الجميل تخفف من التماع الرمال، و كانت بعض الأشجار المنتشرة في المكان تنشر ظلالا لا تقدر بثمن، لأن الحر كان قد بدأ يشتد.

كان هناك عدد من القنوات المائية تشق الأرض، و تذهب لتصبّ في حوض محفور في الرمال لجمع الماء. و كان هناك بعض قطعان المواشي التي ترعى في الجوار، ثم تأتي إلى الحوض لتروي عطشها: كانت قطعان من الماعز الأسود ذي الشعر الطويل، و من الأغنام الجميلة البيضاء ذوات الآذان المسترخية، و من العجول و الأبقار من ذوات الحدبات، و هي أصغر من مثيلتها في أوروبا.

279

و كان هناك أطفال شبه سود، عراة تماما، يجرون على الرمل بين المواشي، و رعاة يقاربونهم في السواد، و هم مثلهم في قلة الثياب التي يرتدونها، يكملون، و الرماح في أيديهم، تلك القصيدة الرعوية العربية. كان لون خيامهم داكنا، و كانت مثل خيام البدو كلهم مبعثرة بأعداد قليلة في سفح الهضاب. قدم لنا أولئك الرعاة المتجولون، القادمون من الشرق، و الذين يمرون من هنا، الحليب، فقبلناه و شكرنا لهم ذلك. إن أكبر إهانة يمكن أن توجهها للبدو هي أن تعاملهم معاملة تجار الحليب: إنهم يعطون حليب حيواناتهم، و لا يبيعونه أبدا./ 220/ تصبح البلاد بعد بضعة أميال أكثر انفتاحا، و تتجلى في الأفق البعيد الواسع سلسلة من الجبال.

كان الوقت ظهرا، عندما وصلنا إلى سفح جبل عرفات الذي يقع على بعد ثمانية أو عشرة فراسخ إلى الشرق من مكة المكرمة، و هو المكان الذي تجري فيه كما ذكرت سابقا المناسك التي تختم الحج. و كان ينتصب في قمة الجبل عمودان يحددان المكان الذي يقف فيه خطيب مكة المكرمة، ممتطيا ناقة بيضاء، مزينة بزينة نفيسة، ليلقي الخطبة التي تعلن نهاية الحج، و التي ينبغي على الحاج سماعها ليحمل هذا اللقب.

إن هذا المكان المقدس في الإسلام، القاحل و الصحراوي، يكون في ذلك اليوم مكانا لمشهد رائع؛ إذ يتزاحم فيه جمع هائل من المؤمنين الذين يجتمعون فيه في زمن واحد، و يوجد هناك معسكر خاص بكل جنسية من المسلمين؛ فالعرب، و الأتراك، و السوريون، و الفرس، و الهنود، و المصريون، و المغاربة، حتى السودانيون، لكل منهم،

280

معسكره الخاص. و إن الأوروبيين الذين استطاعوا تأمل هذا المشهد العظيم أكدوا جميعا أنه ليس هناك ما يمكن أن يعطي فكرة عنه. يوجد هذا الجبل المقدس على أرض قبيلة قريش التي اكتسبت بذلك شرفا كبيرا، و تعد واحدة من أكثر قبائل الجزيرة العربية نبلا، و مع أنها اليوم قد تقلص عدد أفرادها إلى ثلاث مئة (1) شخص. يا للغرابة! إن المسلمين الذين لا يتركون غير المسلم يرى رأس منارة من منارات مكة المكرمة، و لو لمحا فقط، يسمحون له بالصعود بحرية إلى جبل عرفات، و باستكشافه على هواه.

و لما ذكرت/ 221/ ذلك التناقض للشريف حامد اصطنع أنه لا يفهمني، و كان جوابه الوحيد أنه رفع صوته قائلا:" اللّه أكبر، و محمد رسول اللّه!" و لكن ذلك لم يكن يكفي للإجابة عن سؤالي.

لقد كان يجري في تلك الأنحاء نبع ماء بارد و نمير؛ و ذلك كنز لا يقدر بثمن في تلك الصحراء، كان النبع يجري من أسفل الجبل و يذهب إلى مكة المكرمة عبر قناة مغطاة، مبنية، و مطوية. و ينسب الناس شرف هذا العمل إلى السيدة زبيدة إحدى نساء الخليفة هارون الرشيد. و عندما تجاوزنا المدينة المقدسة أدرنا لها ظهورنا.

____________

(1) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 168. و يبدو أن ديدييه استقى هذه المعلومة من رحلة تاميزييه، انظر: اكتشاف ...، موثق سابقا، ص 257 إذ تقول المؤلفة:" ... و أخيرا سار الجيش (جيش محمد علي) نحو الطائف في السابع عشر من شهر أيار (مايو) من سنة 1834 م وراء عدد من الأدلاء القريشيين الذي حيّر جومار فقرهم البادي. و قد قيل له إن هذه العشيرة التي ينتمي إليها النبي محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، لم يبق منهم إلا ثلاثمائة رجل ...".

281

و كان في هذا الجانب من المدينة عدد من المقاهي كما في الجانب الآخر، و بعد استراحة قصيرة في مقهى عرفات الذي يقع في أسفل الجبل الذي يحمل اسمه، و حيث وجدنا، و هذا شي‏ء نادر، لبنا. تابعنا طريقنا عبر وادي نعمان؛ و هو واد رملي، شديد الحرارة، تنتشر فيه جنيبات شوكية، و نباتات جميلة جدا، لها أوراق سميكة، طولها من ست إلى ثماني أقدام، و لها أزهار بيضاء و بنفسجية، بتلاتهاPetales ناعمة نعومة المخمل. و عندما ينكسر ساقها يخرج منه سائل يشيع في البلد أنه يذهب بالبصر. نسيت الاسم الذي يطلقه العرب على هذه النبتة؛ و يسمونها في السودان حيث تنتشر بكثرة عشر (1)Ochar . و كان أحد الضباع الضخمة القابع وراء دغل قد هرب لدى اقترابنا منه، و ظل طوال مدة جريه يبدو و كأنه نقطة سوداء على رمال الصحراء الملتمعة. توقفنا ثانية/ 222/ لاستراحة طويلة في مقهى شداد الواقع في أسفل جبل كرا، الذي كان طوال اليوم في مواجهتنا، و الذي كان علينا الآن تجاوزه.

كان علينا الترجل عن الهجن التي لا تستخدم ركوبا لدى تجاوز الجبال، و هي في الواقع ليست مهيأة لذلك. لقد كان على هجن قافلتنا أن تقوم بالتفاف طويل كي تصل إلى الطائف. و أرسل لنا الشريف الأكبر بدلا منها ما يقارب خمسة عشر بغلا كانت تنتظرنا في المقهى. و بينما كنا نعدها، كان يطاف علينا من جميع الجهات بشراب في‏

____________

(1) ذكره بوركهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 271، و قال إنه ذكره كثيرا في رحلته إلى بلاد النوبة، و قال المترجمان: إنه عريض الورق و منابته في الحجاز و نجد، و اسمه اللاتيني‏Asclepia و قد ورد في معجم الشهابي أنها فصيلة نباتية من ذوات الفلقتين منها الصقلاب و العشر.

282

صحيفة من خشب. و كانت أخبار وصولنا اجتذبت بدو الجوار. كانوا جميعا يرتدون أثوابا زرقاء مشدودة، إلى الخصر بضفيرة من الجلد تلتف اثنتي عشرة أو خمس عشرة مرة حول الجسد، ناهيك عن أنهم يتجندون حمالات سيوف مزينة بصفائح صغيرة من الفضة، موضوع بعضها فوق بعض على شكل حراشف الأسماك.

أما الخنجر المعقوف الذي يسمونه هنا جنبيّة فقد كان موضوعا في أحزمتهم، و كانوا يحملون في أيديهم رمحا جميلا، قناته طويلة جدا، و مستقيمة، و مجلوة. أما العصا فقد كان يلتف حولها سلك من النحاس الأصفر المجدول بطريقة فنية. و كان بعضهم يحمل بنادق بفتيلة، كان أخمص كل منها مربعا، و مرصعا بالعاج. و كانت الكفيات الزرقاء تغطي رؤوسهم، و قد وضع عليها عقال أسود مصنوع من خليط من الشمع و الزبدة و الراتنج المعجونة معا، و تكون حواف ذلك العقال الخارجية مزينة/ 223/ بعروق اللؤلؤ (1).

كان هؤلاء الرجال طوالا، ممشوقي القامة، و قسماتهم متناغمة، و بشرتهم سمراء داكنة، و كان بينهم أطفال صغار لا تتجاوز أعمارهم عشرة أو اثني عشر عاما، يلبسون كالرجال، و يتسلحون بمثل سلاحهم، و كانوا في غاية الكياسة. لقد شد انتباهي السلوك الأبيّ و المؤدب في الوقت نفسه لدى الرجال و الأطفال على حد سواء. كانوا يعنون بنا دون تجاوز حدود الاحترام، و كان يحدثوننا دون ارتباك، كنا نلمس لديهم الاستقلالية، و عزة النفس، و ضربا من النبل الغريزي الذي لم يستطع أي احتكاك بالأجنبي أن يفسده عليهم في عمق صحرائهم.

____________

(1) قارن بما في كتاب: التراث الشعبي ...، موثق سابقا، ص 65.

283

ليس بالإمكان تقديم لوحة أكثر روعة، و لا استعراضا أكثر تأثيرا و مفاجأة.

كانوا أول بدو أشاهدهم في بيئتهم الحقيقية، و حملت لهم منذ تلك اللحظة احتراما و استلطافا لم تزدهما التجربة الطويلة إلّا تمكنا. و كانت إحدى قبائل الجوار (1) باتجاه الجنوب، و التي آسف لنسيان اسمها، تدّعي بحق أنها تتكلم العربية الفصحى في الجزيرة العربية. و بعد أن استبدلت آسفا كل الأسف بالهجان الرائع الذي كنت أركبه بغلا، و بالرحل الحريري المزين بالفضة سرجا من الجلد كانت له كثير من صفات البردعة.

ركبت الطريق متأخرا. و كانت تضاريس الأرض قد تغيرت تماما: إذ حلت محل الرمل أرض صلبة و وعرة، كان يصدر عن حوافر البغال عند وقوعها عليها صوت يشبه صوت احتكاك المعادن. و بعد ميل على/ 224/ الأكثر قطعناه في أرض سهلية، دخلنا في مضيق واسع في بدايته، و لكنه يضيق بعد قليل منكمشا، و يرتفع تدريجيا.

و تمتد على جانبيه دكك كبيرة من النضيد الرخامي بطبقات أفقية. كان جبل كرا الذي كنا حينئذ نتسلق أولى منحدراته ينتصب أمامنا، و كأنه يتحدانا، كانت جوانبه متصدعة متشققة، و قممه الجرداء، المنحوتة على شكل قباب و رؤوس مسننة. إن الجبال التي لا تزال على حالة خلقها الأولى أكثر توحشا و وعورة من جبال العصور التالية. إنها هياكل من بداية العالم، كانت، كما نرى، عرضة للهزات، و جعلتها الاختلاجات العميقة متعرجة، و هدمتها الاندفاعات الهائلة.

تلك هي طبيعة جبل كرا، كتلة جرانيتية انبجست في بداية الخلق، مثل جبل سيناء، من أحشاء الكون. تغشاه الشمس كاملا عند غروبها، و تضفي فجأة على‏

____________

(1) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 69.

284

كل النتوءات درجة إشراق الألوان الذهبية و السوداء مما يمنحها انعكاسا مدهشا.

كانت تلك اللحظة قصيرة، و لكنها مهيبة. كان الغسق قد بدأ يخيم على الأجزاء السفلية من الجبل عندما تلفتت فرأيت بعيدا ورائي جبلا آخر منفردا، ضخما، يغشاه أيضا حتى قواعده لون زهري فاقع. يسمى ذلك الجبل كبكب، و هو واحد من أعلى جبال الحجاز. أرخى الليل سدوله مبكرا على المنظر/ 225/ الرائع، و أدركنا في أكثر مناطق المضيق الذي نسلكه و عورة، و أكثرها توحشا؛ لقد أصبح ضيقا، و لا يتسع إلّا لمرور بغل واحد، و منحدرا لا يمكن التقدم فيه إلا ببطء شديد.

كان فيه عقبات كثيرة، جعلها الظلام أكثر صعوبة أيضا، بيد أننا أدركنا بلا حوادث مقهى الكر (1)؛ و هو مكان واسع مسور بالأحجار بلا طين، و في وسطه موقد مشتعل كما في الحسينية، و لكن هذا الموقد ليس عليه أي قدر، و عليه، فليس هناك عشاء، مع أن الشريف كان قد أمر بأن نجد العشاء هناك جاهزا؛ و لكن يبدو أن الرسالة لم تبّلغ كما هي، أو أنها لم تبلغ أبدا. لم يعدوا لنا أي خروف و لو كان صغيرا. و كنت على الدوام أشك في أن العبد" أبو سلاسي" هو الذي فعل ذلك بنا على طريقته.

و كان على غاسبارو الذي لم يجد منذ جدة ما يفعله أن يمارس مهاراته هنا. و لكن الحقيقة أن ذلك لم يكن ليهمه كثيرا؛ لأنه كان علينا أن نرضى بالحليب و الأرز. ذهبنا، بعد هذا العشاء المتواضع، للنوم كل على سجادته، تحت قبة السماء التي تزينها النجوم. و لما كنا قد وصلنا إلى الكر ليلا فإنني لم أستطع تبين ملامح المكان الذي كنا

____________

(1) نهاية جبل الكرا و أسفله، انظر: ما رأيت و ما سمعت لخير الدين الزركلي، ص 72- 73.

285

فيه. و رأيت في الصباح أننا في قعر حفرة ذات فوهة واسعة، جدرانها شديدة الانحدار، و جوانبها مسننة برؤوس تتفاوت في حدتها./ 226/ و كانت رؤوس تلك المسننات عندما انطلقنا تضاء الواحد تلو الآخر حسب علوها بضوء الشروق، و كانت بعض حزم الضوء قد بدأت تتسرب على طول النتوءات الصخرية العليا؛ إلّا أن عتمة الشفق ما زالت تغشانا، و كنا بحاجة إلى عدد من الساعات للوصول إلى المناطق التي تضيئها الشمس. كان ينبغي ألّا نشكو مما قاسيناه من مصاعب، لأن الصعود الشاق الآتي سيجعل ذلك ذكرى جميلة، و قد كان يمكن أن يكون أكثر الصعود أكثر صعوبة لو أننا لم نبادره في جو بارد. و هذا ما كان الشريف حامد خطط له بدقة. و مع أن جبل كرا أقل ضخامة، و أقل هولا من جبل سيناء فإنه يذكّر به، بوعورة طرقاته، و بقحطه. لعله، شأنه شأن جبل سيناء، قد تعرض لهزة عميقة؛ لأن التصدعات الواسعة و التهدمات التي تنتشر فيه و تكثر، هي آثار لا تدحض لزلازل عنيفة خربته. لم أر في امتداده كله شجرة واحدة، هناك بعض الجنيبات الشوكية، و بعض من أشجار السرو القزمة التي تظهر على مسافات متباعدة عبر الصخور. كان الطريق في كل الاتجاهات منحدرا و وعرا كل الوعورة في بعض المواضع، و إذا رأيته من الأسفل فإن سلوكه يبدو مستعصيا أبدا. لقد وصلنا على أية حال إلى نهايته بفضل خطوات البغال الواثقة، و نفهم لماذا لا تستطيع الجمال سلوك هذه الطريق. إن مدفعية محمد علي، إبّان حرب الوهابيين/ 227/ استطاعت مع ذلك تسلق هذه المنحدرات الوعرة، و ما زالت على الطريق الحالية آثار بعض الأعمال التي نفذت في ذلك الوقت لجعل الطريق سالكة. بل تم في بعض المواقع تعبيده مما جعله اليوم أكثر

286

صعوبة: لأن الزمن و الأمطار أزالت ذلك التعبيد، و لم يتم إصلاحه بعد ذلك أبدا، و قد تحولت مواد التعبيد اليوم إلى أحجار متحركة، و إلى أفخاخ مزروعة عمدا تحت أقدام المطايا. و قد بلغت الصعوبات في بعض الأحيان حدا كان يقتضي الترجل عن البغال، و إنزال كل الأحمال عنها، كانت البغال متشبثة بالأرض، تنزلق إلى الوراء، تكاد تسقط في الهوة، لو لا أن البغّالة كانوا يسندونها، و كانوا غالبا مضطرين لحملها. أما عرب المرافقة فكانوا حفاة الأقدام، يقفزون من صخرة إلى صخرة، و كأنهم من ظباء الجبال، و كان يمكن لهم أن يخلفونا وراءهم بمسافة طويلة، لو لا أنهم كانوا يتوقفون غالبا لانتظارنا. كانوا، و هم جالسون أو واقفون على رؤوس الصخور، يبعثون الحياة في الطبيعة القاسية التي كانوا سمة من سماتها الأساسية.

وجدنا أنفسنا بعد ساعتين أو ثلاث من الصعود المتعب، و كأنما للتعويض عن ذلك التعب، و مكافأة عليه مستحقة، أمام نبع عذب محمي تحت كتلة ضخمة من الجرانيت و محاطة بالنعناع، و الزقوم‏ (1)Absinthe ، و الخزامي، و نباتات أخرى ذات رائحة عطرة./ 228/ كان الشريف حامد على غير عادته قد سبقنا بما يقارب‏

____________

(1) عشبة معمرة تستعمل في الطب للهضم و الإدرار. و ذكر تاميزيه في كتابه: رحلة في بلاد العرب- الحملة المصرية على عسير 1249 ه/ 1834 م، القسم المترجم، ص 116 أن العرب تسمي الأفسنتين‏Absynthe الزقوم، و أضاف تاميزيه" ... وجدنا بالقرب من العقيق نوعا من الزقوم، يشبه الذي نجده في أوروبا، و لونه هنا يميل إلى الأخضر الداكن، و يستخدمه العرب هنا كبهارات عند الطبخ، و يستخرجون منه عصيرا- أيضا-". ترجم هذا القسم من رحلة تاميزيه الدكتور محمد بن عبد اللّه آل زلفة، و نشره في الرياض 1414 ه/ 1993 م.

287

مئة خطوة، و أعدّ لنا هناك قرب النبع وجبة طعام بسيطة، كان ماء النبع البارد و النمير أبازيره المناسبة. و ظهر في إعداد الوجبة ما عرفناه من أناقة الشريف في كل أفعاله. كان النظر من هذا الموضع يقع، إذا نظرنا إلى الخلف، على هوة واسعة من الحجر خرجنا من قعرها الذي تستطيع العين بهلع أن تقدر مدى عمقه: إذ تنتشر في كل مكان شعاف جرداء، و جروف شاسعة، و منحدرات مذهلة. كان يشيع في تلك الطبيعة المخيفة صمت عميق، لا يقطعه إلّا أصداء بعيدة لأصوات بعض الرعاة الذين لا نراهم. و في الأفق البعيد نحو الغرب، و فيما وراء تلك الشعاف، كان يقبع بجلاله و انفراده جبل كبكب الرائع الذي بدا لي في مساء اليوم السابق، و قد غشاه لون وردي جميل. أما الآن فيغشاه لون أزرق لامع، أكثر غمقا من لون السماء، كان ينتصب في الأفق و كأنه جدار من الفولاذ الأسمر.

أمّا جبل كرا فيسكنه نزلاء أكثر حبا للسلم، أعني القرود التي يحمل كل ما يمكن القبض عليه منها إلى مكة المكرمة، و يحملها الحجاج معهم من هذا المكان إمّا إلى دمشق و إمّا إلى القاهرة حيث رأيت عددا منها يصل إبّان الحج الأخير،/ 229/ و لكنني في مقابل ذلك لم أر أيا منها حرا متوحشا في الطبيعة. و يروي الناس بخصوصها حكاية، يضحك العرب لها كثيرا؛ إذ يروى أن المطر أصاب بضاعة أحد تجار الطرابيش فبلّلها، فنشرها في الشمس لتجفيفها؛ و ما إن رأت القرود ذلك حتى هرعت من كل أنحاء الجبل، و كم كانت دهشة التاجر عندما رآها تتواثب حوله، و قد

288

اعتمر كل واحد منها طربوشا. و تشيع دعابة مماثلة في الموانئ البحرية الأوروبية بفارق بسيط هو أن الطرابيش تتحول في الحكاية الأوروبية إلى قبعات من القطن‏ (1).

كان الطريق من النبع إلى ذروة جبل كرا أكثر و عورة و خطرا، و في النهاية، و بعد ثلاث ساعات أو أربع من هذا المسير الشاق، وصلنا قمة الجبل، و أصبحنا تحت أشعة الشمس التي كان الجبل نفسه يحمينا منها. إن أول ما يلفت النظر هو المجرى المائي الصافي الذي كان ينتظرنا على جانبه مفاجأة أخرى، بل إكرام آخر. كان هناك في استقبالنا أحد أشراف المنطقة ممتطيا هجانا أبيض، و كان معه في انتظارنا أيضا شريف آخر اسمه سليم، يمتطي فرسا بيضاء، أرسلهما الشريف الأكبر من الطائف مبالغة في إكرامنا. كان يلتف حولهم ستون/ 230/ من البدو، من قبيلة هذيل المشهورة بالشجاعة، و كانوا يرتدون ثيابا تشابه تماما ما كان يرتديه البدو في مقهى شداد، و هم مسلحون أيضا بالخناجر و الرماح و البنادق ذات الفتيلة. كانوا مشهورين بأنهم أمهر الرماة في الصحراء. لقد اصطفوا على طريقنا بكل الاحترام الذي يليق‏

____________

(1) قال العياشي في رحلته ماء الموائد (الرحلة العياشية)، ج 2، ص 116:" ... و رأينا القرود به (جبل كرا) تصيح و تثب في أعالي تلك الصخور فتعجبنا من ذلك و أخبرنا أنها توجد في هذا الجبل، و ما سمعنا قط أنها بأرض الحجاز، و إنما يقال: إنها تجلب من الشام و الروم إلى مصر و الحجاز". عن كتاب: الطائف، جغرافيته- تاريخه- أنساب قبائله، تأليف محمد سعيد بن حسن آل كمال، 1416 ه/ 1995 م، جمع و تعليق د.

سليمان بن صالح بن سليمان آل كمال، مكتبة المعارف بالطائف، 1417 ه، ص 114.

289

بضيوف أميرهم، و لكن بغير نظام، و لا انضباط، و كأن كل منهم كان يفعل ما يحلو له، و بإرادته الشخصية. حدث كل ذلك في صمت مطبق: لم يصدر عن البدو أي صيحة، و الشريفان لم ينبسا ببنت شفة؛ و اكتفيا بالسلام علينا كما يسلم الشرقيون بوضع اليد اليمنى على الصدر، ثم على الفم، ثم على الجبهة. رددنا السلام بالطريقة نفسها، ثم قادانا بعد ذلك، يرافقنا ستون من البدو، إلى بيت مجاور أعد لنا.

كان اسم المكان الهدى، و كان قد أسس المنزل أو يسكنه على الأقل أحد المارقين من أهل موسكو لم أستطع الحصول على أي معلومة عنه، و علمت بعد ذلك بالمصادفة في القاهرة من أحد اليونانيين، و كان يعرفه، أنه من قدامى ضباط الحرس الذين تورطوا في الفتنة العسكرية عام 1825 م، عندما تسلم العرش الإمبراطور نقولاNicolas . ثم أفلح في الهرب و لجأ إلى إستانبول، و لكن السفير الروسي ألح في طلبه، و خوفا من أن تستجيب الحكومة التركية الضعيفة للمطالب المتكررة/ 231/ لجارها القوي، اعتنق الإسلام لكي يفلت من ثأر القيصر. و لّما أصبح يتمتع بالحصانة بسبب تخليه عن دينه، فإنه ذهب للإقامة في الحجاز حيث قضى فترة طويلة، ثم قضى أيامه الأخيرة في الأناضول. و مع أن أوروبيا كان يسكن ذلك البيت، فليس فيه ما يذكّر بأوروبا: كان مربعا، صغيرا جدا، مبنيا بالحجارة فقط، تمتد أمامه مصطبة، و يحيط به عدد من الأفنية التي تطل غرفاته عليها.

كانت الغرف الرئيسية في الطابق الأرضي، و كانت مغطاة بالبسط، و قد أعدت لنستريح فيها، خلوت بنفسي بضع ساعات للاستظلال، بل قل للاستراحة؛ لأنه لا

290

يمكن للإنسان أن يتحمل الحركة و اختلاط الأمور في منزل صغير، حطّ فيه رحالهم ما يقارب مئة رجل مسلح. لم يستطع الجميع دخول المنزل، بل ظل كثير منهم في الخارج، مستلقين على الأرض، أو يجلسون القرفصاء بمحاذاة الجدران، أما الآخرون فقد كانوا يتزاحمون في فناء المنزل. لقد أكل و شرب هذا الجمع الغفير كله كيفما اتفق. أما نحن فقد قدّم لنا في البداية اللبن، و له لدى العرب استخدامات كثيرة، و المعروف أنه صحي جدا في تلك الأجواء.

ثم حملوا إلينا بعد ساعتين جبلا من الرز يعلوه خروف ضخم مشوي، يحمله عبدان ينوءان بحمله، ثم وضعوه أمامنا. دعونا الشريفين لمشاركتنا الطعام، و ها نحن جميعا جالسون على شكل دائرة، و أقدامنا/ 232/ متصالبة حول هذه الجفنة الضخمة: كنا سبعة، و كانت شهيتنا مفتوحة، و لمّا شبعنا نحن السبعة كان الطعام لا يزال وفيرا، و ذهب ما بقي من المائدة إلى المعنيين. كانت الساعة حوالي الثالثة عندما فكرنا بالانطلاق؛ لأن الوصول إلى الطائف كان يحتاج أربع ساعات على الأقل.

لم يرافقنا شريف الجبل و رجاله من البدو، و تمت مراسم الوداع من الجانبين بالمراسم و الصمت اللذين سادا عند الوصول.

انضم إلينا الشريف سليم وحده كما فعل ذلك في اليوم السابق طاهر أفندي في الحسينية: كان الشريف سليم على رأس القافلة ممتطيا فرسه البيضاء، و قد اكتشفنا خلال الطريق مدى تقاه و ورعه. توقف في المغرب و العشاء، و مد سجادة الصلاة على جانب الطريق، و سجد فوقها متجها باتجاه مكة المكرمة، و أدى الصلاتين في‏

291

موعدهما المحدد. و لمّا لم يكن هناك ماء فقد تيمم بالرمل، كما رخص القرآن بذلك للمسلمين كافة.

إن قمة جبل كرا مستوية، و تنتشر عليها بين كل مسافة و أخرى مخاريط جرانيتية، واضحة، و منتظمة حتى لتظن أن يد الإنسان قد نحتتها. و تبدو من بعيد حقول الشعير و القمح؛ و تكثر في هذه المنطقة الأشجار المثمرة التي تعيش في أجوائنا الأوروبية، و خصوصا أشجار المشمش/ 233/ و الدراق و اللوز، و تعطي غلة وافرة، و ليس هناك أشجار نخيل أو برتقال لأن جبل كرا لعلوه غير مناسب لها. أما دوالي العنب فإنها تنتج عنبا من أفضل الأعناب و أحلاها. لقد اختل مقياس الضغط الجوي لدينا خلال الرحلة، و لم يكن باستطاعتي تحديد درجة ارتفاعنا عن سطح البحر؛ و لكنني لا أبالغ، حسب الصعود الطويل و الشاق، إذا قلت إننا كنا في هذه النقطة على علو 1600 أو 1700 متر؛ مما يجعل درجة الحرارة في هذه النقطة تقارب درجة الحرارة المتوسطة في بلادنا: لذلك يأتي إلى هذا المكان سكان مكة المكرمة خلال الصيف بحثا عن الخضرة و البرودة. لقد وجدت أن للمكان شبها يلفت النظر ببعض أقسام جبال الألب الوسطى في فوسيني‏Faucigny ، و بصخرة إيطاليا الكبيرة-Grand Rocher D`Italie في أبروز (1)Abruzze .

كنا لبعض الوقت نسير في منطقة سهلية، ثم تأخذ بالتعرج و الاضطراب أكثر فأكثر؛ اختفت الأراضي المزروعة ليحل محلها الرمل، عدا بعض طاقات العشب التي‏

____________

(1) منطقة إيطالية مشهورة بجبالها و سهولها، و تنتمي الجبال فيها إلى سلسلة الأبينان‏L Apennin ، و أعلى قمة فيها هي صخرة إيطاليا الكبرى (2291 م).

292

تطل برأسها بصعوبة، لتكون حينئذ مرعى للأغنام الهزيلة، ثم تختفي المزروعات تماما.

و ترهص كتل الجرانيت الضخمة المتراكبة فوق بعضها بنهاية الأرض السهلية.

بدأنا بالانحدار، و لكن، باسثناء بعض المنحدرات الشديدة بعض الشدة، و بعض الممار التي كان في عبورها شي‏ء من الصعوبة، فإن هذا الجانب لا علاقة له البتة/ 234/ بالجانب المقابل، و إذا قورن به فإنه سيكون بمثابة انحدار صغير. و قد كان بإمكان الهجن أن تسير عليه بيسر و سهولة. كان هناك منحدر أول، يتبعه شعب رملي مستو كل الاستواء، محصور بين هضبتين منخفضتين، و ينتصب في آخره حصن مهدم كان فيما مضى مخصصا لحماية القوافل. و لم يعد اليوم يستخدم إلّا لتزيين المشهد، و سكن الجوارح التي تخفي فيه أوكارها. لقد كان الأفق حتى هنا مغلقا، ثم انفتح فجأة، كما لو أن ذلك تمّ بفعل السحر. لقد انبسط أمامنا سهل ضخم دائري، و لكنه كان أكثر انخفاضا من المنطقة التي كنا فيها و تحيط به من كل الجهات سلسلة جبال غزوان‏ (1) الجرداء؛ و هي جبال متساوية العلو تقريبا، و لكنها تتفاوت في أشكالها، و كانت كلها حينئذ يغشاها لون المساء الأرجواني. و كان شي‏ء من البياض يبدو في وسط السهل: إنها الطائف. يؤدي منحدر ثان أقل انحدارا و قصرا من الأول إلى وادي القرن الذي كان مرصعا بالروضات، و تشقها كلها سواقي المياه التي تدل على أن الشعب الذي يسكن المكان شعب حاذق.

____________

(1) ذكر البلادي في معجم معالم الحجاز، ج 5، ص 224 أن الصواب: عروان بالعين المهملة و الراء المهملة، و يبعد عن الطائف سبعين كيلا. و لا يعتدّ بهذا لأنه: غزوان في الكتب الجغرافية العربيّة القديمة؛ انظر: المقدسي و غيره.

293

قابلنا طوال الأمسية كثيرا من العرب المسلحين في الجبل، و قابلنا أكثر منهم أيضا في الوادي، و لكنهم بلا سلاح، و يعملون بسلام على استخراج الما لري روضاتهم، أو لسقاية قطعانهم./ 235/ و كان الجميع يتركون أعمالهم عند اقترابنا منهم، و يقبلون للسلام على الشريفين و علينا بطريقة غير مباشرة. كانت رؤوس هؤلاء البدو المزارعين الذين هم أكثر سوادا من بدو حدّة حاسرة، و كان كل ما يلبسونه ثوبا قصيرا من الكتان الخشن. و كان كل شي‏ء يوضح أنهم يعيشون حياة ريفية شاقة، و أنهم يتمتعون بلطف فائق، و بطبائع و عادات غاية في البساطة. كانت تبدو في عيونهم و هم يروننا نمر أمامهم علائم الدهشة و الفضول في بعض الأحيان، و ليس علائم العدوانية أو الضغينة، و لم يكن ثمة أي ظل من التعصب.

لم يكن علينا بدءا من هذه المنطقة أن ننحدر؛ لأن الطريق كان يتعرج في بعض المواضع، و لكنه كان لينا جدا، و كانت حوافر البغال تنغمس بكاملها في الرمال، و كانت تسير ببطء شديد مما أخر سيرنا. أدركنا بعد قليل ليل دامس، و لكنه مرصع بالنجوم؛ و كانت هناك بعض الأعشاب الشوكية التي تنتشر حولنا، و تقف في طريقنا، و تعلق رؤوسها الحادة ببرانسنا و عباءاتنا.

وصلنا أخيرا إلى أسوار الطائف، كانت الساعة السابعة مساء، و كان الباب مغلقا، و لكنه انفتح لحظة وصولنا، و كأنما بفعل السحر، لأننا لم نر أحدا يقوم بذلك.

دخل الشريف سليم أولا، و كان مقدّمنا. كان مركز الحراسة التركي المؤلف مما يقارب اثني عشر جنديا من المشاة في رتل واحد، و قد تقلدوا السلاح لتأدية تحية الشرف‏

294

عند مرورنا./ 236/ و لمّا دخل الجميع تحركت مفاصل الباب من جديد، و انغلق كما كان قد انفتح. فاتني القول: إن طاهر أفندي سبقنا قبل ميل تقريبا من الوصول إلى الطائف، ليخبر الشريف الأكبر بوصولنا الميمون، و لكي يتأكد بنفسه بلا شك من أن كل شي‏ء يتم كما ينبغي. رأينا كيف تم كل شي‏ء على أحسن حال، و سنرى في الفصل التالي أن كل شي‏ء سيتم لاحقا بأحسن مما سبق.

295

الفصل العاشر الطائف‏ (1)

عبرنا قسما من المدينة الغارقة في الصمت و الظلام، و قادنا الشريف سليم مباشرة إلى المنزل الذي جهزوه لإقامتنا: كانت تشتعل على بابه عدة مشاعل، و اصطف لدى الباب أيضا حرس مكون من عبيد منزل الأمير، و هم يلبسون و يتسلحون كما كان الرجال الذين يرافقوننا يلبسون و يتسلحون، ناهيك عن جندي انكشاري يحمل عصا في رأسها كرة من الفضة، و كأنه من حرس الكنائس أو الفنادق‏

____________

(1) ترجم الدكتور محمد بن عبد اللّه آل زلفة ما كتبه ديدييه عن الطائف و نشره في صحيفة الجزيرة، العدد 10162، الثلاثاء 23 ربيع الآخر 1421 ه/ 25 يوليو (تموز) 2000 م، ص 12، بعنوان: الطائف في كتب الرحالة الأوروبيين شارلز ديديه نموذجا؛ و الصواب: شارل ديدييه كما يقتضي النطق الفرنسي. و الترجمة عن الإنجليزية و قد استفدنا منها، و تعقبه الدكتور سليمان بن صالح آل كمال في مقالة بعنوان: تعقيب على د. محمد آل زلفة: الرحالة وقعوا في أخطاء يجب التصدي لها، الجزيرة، العدد 10188، 20 جمادى الأولى 1421 ه/ 20 أغسطس (آب) 2000 م، ص 13.

و قد تحدث تاميزييه و بوركهارت عن الطائف، و تحدث الأستاذ محمد سعيد بن حسن آل كمال في كتابه: الطائف، جغرافيته- تاريخه- أنساب قبائله، جمع و تعليق د.

سليمان بن صالح بن سليمان آل كمال، مكتبة المعارف بالطائف، 1417 ه، ص 13- 27 عن مؤرخي الطائف و مؤلفاتهم. و انظر في مجلة" المنهل" م 7، ع 10، 1366 ه، ص 445- 446 مقالة للأستاذ الشيخ عبد الوهاب الدهلوي بعنوان:" تعريف بالكتب المؤلفة عن الحرمين و الطائف و جدة"؛ و انظر كتاب: تاريخ الطائف قديما و حديثا، مناحي ضاوي حمود القثامي، مطبوعات نادي الطائف الأدبي، د. ت.

296

السويسريين. و عندما ترجلنا جاء إبراهيم أغا خازن الشريف الأكبر حتى الشارع لاستقبالنا،/ 237/ و أدخلنا إلى مجلس مستو يطلّ على الفناء، الذي كان في واقع الأمر امتدادا له، و لا يتميز منه إلّا بأنه مغطى، و أكثر ارتفاعا ببعض درجات. كان الفناء مرصوفا ببلاط كبير، و في وسطه بركة من الرخام الأبيض فيها نافورة مياه؛ و كان هناك دالية تعرّش على طول الجدران. كان المجلس مفروشا بسجاد أحمر و أسود جميل؛ و تنتشر فيه أرائك من الحرير الأخضر المطرز بخيوط ذهبية.

و كان هناك أربعة قناديل مضاءة تتدلى من السقف، و شمعدانان ضخمان، يبلغ علو كل منهما ثماني أقدام، يتلألآن في ضوء الشموع، و عبدان أسودان يلبسان ثيابا فاخرة، و يرجّان برصانة مبخرتين زاخرتين بالعود، و نشرا حولنا عند دخولنا سحابة من البخور؛ و هو تقليد لا يقومان به إلا عند استقبال شخصيات مهمة. لقد هيؤوا لنا كراسي أوروبية. و ما كدت أجلس حتى أحضر عبدان الإبريق لغسل اليدين، و بينما كان أحدهما يصب الماء الفاتر على يدي من وعاء جميل، كان الآخر جاثيا على ركبتيه أمامي، و هو يحمل إبريقا عريضا ذا قعرين، مثبتا في وسطه كوب صغير لوضع الصابون؛ و كان في القعر الأول ثقوب متعددة يتسرب منها الماء و يختفي في الداخل.

قدّم لي بعد ذلك فوطة طويلة من الكتان، مزينة بالأهداب، و مطرزة/ 238/ بالذهب من الطرفين. تلك الأشياء كلها: الإبريق، و الوعاء، و المبخرتان، و الشمعدانان، و القناديل، مصنوعة من الفضة المصمتة، المرصعة بمهارة، و قد جلبت- شأنها شأن بقية الأشياء- من منزل الشريف. و عندما قدّر القائمون عن‏

297

خدمتنا أننا نلنا قسطا كافيا من الراحة انفتح باب في صدر المجلس، و ظهرت لنا طاولة أعدّت على الطريقة الأوروبية؛ مع الصحون، و غطاء المائدة، و السكاكين، و حولها الكراسي؛ أي كل الأشياء المجهولة في الشرق حيث يأكل الناس جلوسا على الأرض، و تقوم أصابع المدعوين مقام كل الأشياء الأخرى. كانت الشوكات من الحديد و لها قبضات من العاج، و الملاعق كانت من المحار المرصع بزخارف ذهبية.

كان العشاء يزخر بأنواع الأطعمة المحلية. جاء أولا الخروف الذي يعدّ من عادات الضيافة، كان محشوا بالرز، و اللوز و الفستق. ثم تلته أوراق العنب المحشوة، و الكباب؛ و هو قطع من اللحم مربعة و مشوية على السفود، و عصائر الورد المخثّرة المطبوخة مع صدور الفراريج أو الخراف، أتت بعد ذلك كله تشكيلة منوعة من الحلويات تسمى" الفطير". ناهيك عن الأشياء الأخرى العجيبة؛ كان كل ذلك متبلا بالأعشاب العطرية المقطعة في الخل، و له صلصة بالكريما المطيبة بالتوابل؛ و هو خليط كان يثير الرعب لدى بدر الدين حسن؛ الحلواني المشهور في" ألف ليلة و ليلة". ثم أعلن تقديم البيلاف‏ (1) نهاية العشاء الذي جرت مراسمه بسرعة كبيرة.

كان الساقي/ 239/ يحمل دورقا، أو قلّة، مملوءة بالماء البارد يطوف به في كأس من الفضة يشرب الجميع منها. و لست بحاجة للقول: إن النبيذ لم يكن موجودا؛ و لكن القائمين على خدمتنا كانوا يعرفون عادة المسيحيين، فقالوا لنا بلطف: إنه لا ينبغي أن نخجل من ذلك إذا كنا نحمل معنا، و قد كنا في واقع الأمر قد اتخذنا الاحتياطات لذلك؛ إلّا أننا لم نشربه إلّا في غرفنا الخاصة احتراما لمستضيفنا.

____________

(1) البيلاف: طعام شرقي من أرز و لحم و توابل.

298

و لمّا انتهى الطعام، عدنا إلى المجلس لشرب القهوة و التدخين، و في حوالي العاشرة قادونا إلى الحرملك في الطابق الأول حيث أعدت لنا مبالغة بالاهتمام أسرّة أوروبية.

و كانت النساء قد غادرن المنزل في الصباح ليخلين لنا المكان، و مع أنهن غائبات فإن كل شي‏ء في البيت كان يذكّر بهن. كان هذا البيت من أجمل بيوت المدينة، و يمتلكه تاجر غني من أصل هندي اسمه محمد سيد شمس‏ (1)، و كانت أعماله في مكة المكرمة، إلّا أنه كان في تلك الفترة يسكن الطائف، و وضع بيته تحت تصرف الشريف من أجلنا، و ذهب مع أسرته كلها إلى منزل آخر، و كان في الأسرة ثلاثة أجيال ابنه عبد اللّه، و حفيده عبد القادر الذي يذكّرني، سنه، و صورته، و ثيابه، بفتى آخر يحمل الاسم نفسه؛ إنه ابن فراج يوسف في جدة، و قد كان هنديا مثله.

إن اسم عبد القادر الذي اكتسب شهرة واسعة في فرنسا هو اسم ولي من أكبر/ 240/ أولياء المسلمين، و هو شائع جدا في الشرق. كانت الأجيال الثلاثة في استقبالنا عند وصولنا. و لكن ابن محمد شمس وحده هو الذي لبى دعوتنا للعشاء، بينما ذهب الجد بسبب كبر سنه، و الحفيد بسبب صغره إلى النوم في ساعة مبكرة.

____________

(1) قال الدكتور سليمان بن صالح آل كمال في تعقبه الدكتور آل زلفة، موثق سابقا:" إن هذا البيت موقعه في محلة واسط (أي وسط القرية) بزقاق الخميس، مبني من الحجر و يتألف من عدة طوابق. أما بيت شمس الدين فهم من الأسر المكية الثرية في ذلك العهد، برز منهم بعض العلماء، و كانوا يمتلكون مكتبة ضخمة. أورد ذلك عنهم الشيخ أبو الخير عبد اللّه مرداد (رحمه اللّه) في كتابه القيم (المختصر من نشر النور و الزهر) و ينسب إليهم في الطائف مسجد شمس بمحلة السليمانية. و ذكر غير ذلك. و انظر: بوركهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 119- 120.

299

و تناول الشريف حامد طعام العشاء معنا، و لكن الشريف سليما الذي أنجز مهمته استأذن منا للذهاب إلى منزله للاستراحة. و باستثناء واحد أو اثنين من خدم المنزل، كان الجميع قد قدموا من بيت الشريف الأكبر الذي تخلى لنا عن طباخه الخاص، و استغنى عنه طوال مدة إقامتنا في الطائف: لقد كان فنانا حاذقا، أصله من إستانبول، و أخذ عنه غاسبارو عددا من وصفات الطبخ المحلية، و حضرها لنا فيما بقي من الرحلة. و كانت طاولتنا في كل يوم عامرة بأنواع المآكل التي كانت في اليوم الأول.

و جاء في اليوم التالي القائمون على خدمتنا يتلقون رغباتنا فيما نود أن يقدم لنا في الفطور كما لو أننا كنا في بيوتنا، و يقوم على خدمتنا خدمنا الخاص. و كان جوابنا، أننا لا نأكل في الصباح إلّا قليلا، فقدموا لنا في صحون صغيرة الحجم وجبة طعام خفيفة من الزبدة الفاخرة، و الجبن الطازح القليل الملح، و الفواكه، و الزيتون، و العسل اللذيذ، و تشكيلة من المربيات من كل الأنواع تم تحضيرها في منزل الشريف الأكبر بعناية نسائه. إن الرقيق في الشرق، و خصوصا الحبشيات، ماهرات جدا في هذا المجال، و تشرف السيدات/ 241/ عادة على عمليات الإعداد المهمة. و هذه واحدة من أكثر وسائلهن براءة لتمضية الوقت، و هو أمر مهم لهؤلاء السيدات اللواتي لا يقمن بأي عمل. و تنافس الحريم في هذا المجال بعض الأديرة الإيطالية حيث تكشف الراهبات عن مواهب جليلة في هذا النوع من الأعمال، و يتمتعن بشهرة مستحقة.

300

و إن راهبات دير لامارتوراناLa Martorana في بلرم‏ (1)Palerme ، و أخريات غيرهن، يتركن ذكريات لطيفة في ذاكرة كل المسافرين. و إن للرهبان اختصاصاتهم أيضا؛ إذ يصنع كثير منهم، كما هي حال رهبان دير غرونوبل الكبيرLa Grande -Chartreuse de Grenoble ، ماء ورد لا نظير له.

يقيم الشريف الأكبر في قصر يبعد نصف ساعة عن المدينة، بناه في عمق الصحراء، و كان لا يكاد يغادره. و أرسل لنا خيولا لتحملنا إليه. كان اسم حصاني" عسير" باسم المنطقة التي جلب منها، و كان فحلا رائعا أسود اللون، يشتعل حيوية و نشاطا، و كان وديعا، شأنه شأن الخيول العربية كلها، و يستطيع الطفل ركوبه. أمّا السرج الذي كان مكسوا بالصوف الأزرق، و موشى بخيوط ذهبية رفيعة، حسب الطريقة التي يستخدمونها في إستانبول، فقد كان ذا ثمن باهظ وروعة تليق بالأمراء حقا.

كان الجندي الانكشاري يسير في مقدمة الموكب، و هو يحمل عصاه الطويلة ذات المقبض الفضي، و كان يرافقنا عدد كبير من الحراس؛ منهم الفارس و الراجل. و كان سائس خيل الشريف يسير أمامي، و هو يرتدي الثياب الخاصة بالمناسبة. إن لسائسي الخيول عند العرب منزلة عالية، و تنحصر وظيفتهم الأساسية في الجري/ 242/ على أقدامهم أمام حصان السيد أو هجانه، و مهما كانت سرعة الحصان أو الهجان‏

____________

(1) بلرم، بالرمو بالإيطالية: مدينة في جزيرة صقلية، و هناك كنيسة تحمل اسم لامارتورانا تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، و رمّمت في القرن السابع عشر.

301

فإنه لا يرتضي لنفسه أن يسبقاه. و قد اعتاد السائس الذي أتحدث عنه أن يسير أياما طويلة أمام هجان الشريف الأكبر.

إن قوة هؤلاء الرجال عجيبة، و إن لهم قدرة على السير خارقة، و رئتين من فولاذ. و يضرب الناس مثلا في القوة و السرعة بأحد ساسة محمد علي الذي جرى بلا انقطاع أمام هجان الباشا طوال الطريق من القاهرة إلى السويس، ثمّ سقط ميتا عند الوصول. عبرنا السوق (البازار)، حيث كنا بالطبع محل اهتمام فضول العامة. لقد كنا أول الأوروبيين الذين قدموا إلى الطائف علنا باستثناء قنصل فرنسي مريض جاء إلى الطائف للاستشفاء بدعوة من الشريف الأكبر. و كان فيها أيام حرب الوهابيين عدد لا بأس به من الأوروبيين من أطباء أو غيرهم في خدمة باشا مصر (1). و قد جاء إليها بسبب أعمالهم المتنوعة عدد من الأوروبيين في ذلك العصر، و لكنهم كانوا جميعا يرتدون زي العثمانيين، و يختلطون بهم. أما أنا فقد كانت هويتي المسيحية شبه ظاهرة لأنني احتفظت بالزي الأوروبي، باستثناء الطربوش، و ارتديت فوق الزي الأوروبي لكي أبدو أكثر احتشاما، عباءة فضفاضة سوداء كنت قد اشتريتها في جدة.

____________

(1) محمد علي، و لعل ديدييه يشير هنا إلى تاميزييه الذي كان ضمن جيش محمد علي الذي دخل الطائف في سنة 1834 م، و قد وصفها تاميزييه وصفا مفصلا يبدو أن ديدييه قد اطلع عليه و نهل منه، انظر عن تاميزييه و رحلته كتاب جاكلين بيرين، اكتشاف ...، موثق سابقا، ص 253- 262. و مقدمة الدكتور محمد بن عبد اللّه آل زلفة لترجمته الجزء الثاني من رحلة تاميزييه المعنونة: رحلة في بلاد العرب، الحملة المصرية على عسير 1249 ه/ 1834 م، الرياض، 1414 ه/ 1993 م. و وصف الطائف في رحلة تاميزييه (النص الفرنسي)، ج 1، ص 270- 353.

302

خرجنا من المدينة عبر باب الريع، و قدم لنا الحرس التركي/ 243/ التحية العسكرية، كما حصل عند وصولنا. و ما كدنا نتجاوز أسوار المدينة حتى وجدنا أنفسنا نسير بين خرائب ضاحية قديمة تهدمت، و لم يعد بناؤها أبدا (1)، ثم تبدأ الصحراء بعد ذلك، و يقوم غير بعيد على قارعة الطريق مسجد منفرد ترتفع فوقه مئذنة بيضاء.

إن لمظهر قصر الشريف بعض الأناقة، و لا ترى العين فيه أي تناسق. و هو ليس ضخما و لا أنيقا، إنه خليط غير متناسق من الأبنية المتجاورة بدون نظام، و التي أقيمت بلا مخطط، و لكن يحيط بها سور واحد، و من المؤكد أنه واسع من الداخل إذا احتكمنا إلى العدد الكبير من السكان الذين يضمهم بين جنباته.

ليس للشريف الأكبر إلّا امرأة واحدة شرعية، كما هي العادة اليوم بين المسلمين، و لكن حرمه يعج بما يقارب ستين جارية من السود أو البيض، و عدد لا يقل عن ذلك من الخدم الذكور، ناهيك عما يقارب مئة من الخصيان أو غيرهم مكلفين أعمالا مختلفة. أجهل عدد أبنائه، إلا أنني لمحت أحدهم و كان حينئذ يبلغ العاشرة أو الثانية عشرة من العمر، و الذي وافته المنية بعد ذلك الحين، و كان يرتدي ثوبا من الحرير الأصفر. يمتلك الشريف الأكبر ثروة ضخمة؛ لأنه استرد ثروة أبيه غالب كلها، و يزعم الناس أن في خزانته مئة مليون فرنك، ناهيك عن أنه يتلقى منحة سنوية من إستانبول‏

____________

(1) ذكر الدكتور آل كمال في مقاله الموثق سابقا، أن هذه الضاحية هي قرية السلامة التي تقع في قبلة الطائف من قبل باب الريع.

303

تتجاوز 400 ألف فرنك، و يزعمون أيضا أنه، و هو يعيد بناء قصر والده الذي دمره/ 244/ محمد علي، وجد بئرا مليئة بالذهب أخفاه فيها جده الشريف مساعد.

و لمّا وصلنا إلى القصر كان يجتمع هناك أكثر من ثلاث مئة بدوي، يرتدون قمصانا زرقاء، هي لباسهم الوحيد، و كان أغلبهم قد وضع فوق الثوب على الكتف وشاحا أرجوانيا، و كانت أحزمتهم من الجلد، و حمائل سيوفهم مزينة بصفائح الفضة، و عمامائهم مزينة بالأصداف، لقد كانوا يشبهون في كل شي‏ء بدو هذيل الذين رأيناهم في جبل كرا، و كانوا، مثل أولئك، يحملون خناجر معقوفة، و رماحا، و بنادق من ذوات الفتيلة، و كانوا جميعا حفاة، يميلون إلى النحول. و لكنهم كانوا عموما ذوي قامات ممشوقة، يتمتعون بالرشاقة و كأنّما قدّوا للسير و التعب. و كان بينهم كثير من السود، الذين لا نكاد نلحظ سواد العرب أمام سوادهم. اصطف هذا الجيش المتعدد الأعراق على جانبي الطريق لتحيتنا، ليس كما يصطف الجيش النظامي، و لكن بنوع من الفوضى التي تسود بين الرجال غير المنظمين. رددنا لهم التحية حسب تقاليد البلد، دون أن نرفع أيدينا حتى الرأس لأن مثل هذا التقدير لا ينبغي إلّا للأسياد، أو الأقران الذين نود تشريفهم. إن كل شي‏ء في الجزيرة العربية، كما في الشرق كله، له قوانينه المحددة، و كل شي‏ء يحكمه العرف، و إن بين أبسط أمور/ 245/ الحياة فوارق دقيقة ينبغي التقاطها للالتزام بها.

نصعد إلى القصر عبر مدخل له درج مؤلف من سبع أو ثماني درجات، استقبلنا عنده كل من إبراهيم أغا الذي كنا قد عرفناه من قبل، و كبير الخدم، و بقية العاملين في‏

304

بيت الشريف الأكبر. و وجدنا بينهم صديقنا القديم طاهر أفندي الذي كان لباسه الأوروبي يتباين تباينا واضحا مع الأثواب الفضفاضة، و المخصّرة، و البهية التي كان يلبسها الآخرون. كان المدخل يعج بالخدم، و خلعنا أحذيتنا فيه كما تقتضي الكياسة. إن آداب اللياقة في هذه النقطة محكومة بقوانين هي عكس قوانيننا تماما: إن الرجل الذي يأتي المجالس في الشرق منتعلا حذاءه، حاسر الرأس، يترك الانطباع الذي يتركه الأوروبي إذا دخل الصالون حافي القدمين و القبعة على رأسه. و لكنني في هذه العادة أرى أن الحق مع الغربيين الذين يكشفون القسم النبيل من جسدهم (الرأس) و يغطون القسم الأدنى (القدمان).

أدخلونا مجلسا صغيرا، بسيطا كل البساطة؛ كان سقفه مطليا، أمّا الجدران الداخلية فقد كانت عارية تماما، إلّا من حسام تركي رائع، أهداه السلطان للشريف، مرصع بالأحجار الكريمة، و كان معلقا على الجدار و كأنه لوحة. لقد كان الزينة الوحيدة في ذلك المجلس. كان السجاد نفيسا،/ 246/ و الأرائك من الحرير الأخضر الموشى بخيوط الذهب، كتلك التي كانت موجودة في المنزل الذي نقيم فيه، و التي أتت بالطبع من المصدر نفسه.

لم يكن الشريف في المجلس عندما دخلناه، و إليكم السبب؟ إن كونه الشريف الأكبر، و أمير مكة المكرمة يحتم عليه ألّا ينهض لأحد إلّا للسلطان الأكبر الذي ينهض هو بدوره له. و إذا أراد الشريف إكرام أحد زواره فإنه يحرص على ألّا يكون موجودا في المجلس عند دخول الزائر، لكي لا يستقبله جالسا؛ فهو لا يدخل إلّا بعده، محافظا بهذه الطريقة على أصول اللياقة، و محتفظا أيضا بما يتميز به.