رحلة إلى الحجاز

- تشارلز ديدية المزيد...
399 /
305

و قد جرت الأمور معنا بهذه الطريقة؛ لقد خرج بعد لحظات قليلة من الغرفة المجاورة، يرافقه عدد من الأشراف الذين جلسنا و جلسوا مثلنا، و الشريف أيضا، على كراس أوروبية كانت، و الحق أقول، غير مناسبة بعض الشي‏ء في مثل هذا المكان. إن بداية الزيارة في الشرق تكون على الدوام صامتة، ندخل، و نجلس، و نسلّم، و كل ذلك دون أن ننبس ببنت شفة، و بعد أن نتناول القهوة، و ليس أبدا قبلها، يبدأ الحديث بالمجاملات المتبادلة، و هي على الدوام المجاملات نفسها التي لا يمكن إغفالها، و إلّا نخالف أصول الكياسة. و ما إن انتهى هذا القسم الأول من الزيارة حتى انسحب الأشراف، و بقينا وحدنا مع الشريف الأكبر، و نحن ندخن جميعا غلايين طويلة في نهايتها العنبر، أحضروها لنا بعد القهوة، من غير أن يمنعهم ذلك من توزيع الحلويات التي تلت القهوة، و التي كان يطاف علينا بها طوال وقت الزيارة./ 247/ كان حسين عبد المطلب‏ (1) بن غالب هو الشريف الأكبر، و كان شيخا جليلا يبلغ‏

____________

(1) كذا سماه ديدييه و المشهور أنه عبد المطلب بن غالب من ذوي زيد تولى الشرافة ثلاث مرات، الأولى: في أغسطس (آب) 1827 م/ صفر 1243 ه و تخلى عنها في العام نفسه، و خلفه محمد بن عون 1827- 1851 م/ 1243- 1267 ه. و سافر إلى دمشق في عام 1831 م/ 1246 ه مع قافلة الحج الشامي، و منها إلى إستانبول.

و الثانية: في عام 1851- 1856 م/ 1267- 1273 ه، و قد زاره ديدييه إبّان هذه الفترة، و كان عبد المطلب اتجه إلى الطائف خوفا من تآمر باشا جدة عليه، و نجد فيما يقوله ديدييه أصداء ذلك الخلاف بين الباشا و الشريف. و الثالثة: في عام 1880- 1882 م/ 1297- 1299 ه، و قد تم في نهاية هذه الفترة أسره في الطائف أولا، ثم سمح له فيما بعد أن يعيش تحت الحراسة في أحد بيوته الكبيرة في البياضة بمكة المكرمة-

306

الستين من العمر، طويل القامة، نحيلا، تلمس النبل في تصرفاته، و التميز في كل جوانب شخصيته. كان لون بشرته غامقا جدا، يكاد يكون أسود، و عيناه تتوقدان حيوية، و أنفه مستقيما، و له لحية خفيفة، و محياه لطيفا جدا. كان يتوشح وشاحا كشميريا، و يلبس ثوبا أزرق فاتحا، و يزين خصره خنجر رائع مطلي بالذهب، تلتمع عليه الأحجار الكريمة التي يخطف لمعانها الأبصار.

بدأت حديثي بأن شكرت له كرم الضيافة الذي خصني به، و بالإشادة بما قام به الشريف حامد من أعمال ودية تجاهنا؛ فأجابني الشريف على ذلك بلطف بقوله: إنه اختاره لأنه كان يعرف حق المعرفة أننا سنكون مسرورين منه. كان الشريف قد علم منذ زمن بإزاحة عدوه باشا جدة من منصبه؛ و إلّا فإنه كان على علم بالشائعات التي تسري بهذا الشأن. لم يكن بالإمكان أن أتقرب إليه بطريقة أفضل مما حدث، و قد خدمتني المصادفة كما أتمنى. و على الرغم من أن العرب يحسنون السيطرة على أنفسهم، و لا يتركون مشاعرهم تبدو على وجوههم، فإن وجه الشريف تهلل لهذا

____________

- في الطريق إلى منى، و بقي تحت الإقامة الجبرية إلى أن مات في كانون الثاني (يناير) 1886 م/ ربيع الثاني 1303 ه. و هكذا فقد تميز عهد الشريف عبد المطلب بفتراته الثلاث بالخلاف الدائم بينه و بين الولاة العثمانيين. انظر: دراسات من تاريخ عسير الحديث، د. محمد بن عبد اللّه آل زلفة، ط 1، الرياض، 1412 ه، ص 45- 62؛ و كتاب: عسير من 1249 ه- 1833 م إلى 1289 ه- 1872 م، دراسة تاريخية، علي أحمد عيسى عسيري، مطبوعات نادي أيها الأدبي 1407 ه/ 1987 م، ص 272. و انظر: صفحات من تاريخ مكة المكرمة، موثق سابقا، ج 1، ص 276- 278، 284- 287، 294- 297.

307

الخبر بعلائم الفرح، و سواء كان يريد أن يبدو ذلك عليه أم لا فإن علائم السرور بدت على قسمات وجهه كلها.

ثم بدأ الحديث بعد ذلك عن الشؤون اليومية، و عن مطامع روسيا، و عن التحالف بين فرنسا و بريطانيا/ 248/، و عن موقف أوروبا عموما و النمسا على وجه الخصوص. كان يصغي بانتباه شديد إلى كل المعلومات التي كنت أخبره بها، و كان يطرح عليّ أسئلة تظهر حسن اطلاعه على الأمور، و فهمه العميق للوضع. لقد بدا لي منفتحا بقدر ما هو مستقل، و إن كان لدي ما آخذه عليه فذلك أنه كان مدنيا أكثر مما ينبغي، و متأوربا أكثر من اللزوم. و لعل سبب ذلك أنه قضى أربعة و عشرين عاما من حياته في إستانبول قبل أن يسمح له الباب العالي بالعودة إلى الجزيرة العربية، و أن يعيد إليه لقب أبيه غالب، و على الأقل، قسما من ثروة أبيه و سلطته.

لم أنس أبدا، و أنا أحدثه، و أستمع إليه، أنني أتعامل مع عربي، و ليس مع تركي؛ و أنه لا يستطيع باعتباره عربيا، أن يرجو صادقا انتصار الجيش العثماني، بل إنه على العكس تماما كان يأمل اندحار غزاة وطنه، و أنه باختصار كان في دخيلته أميل إلى الروس منه إلى البريطانيين أو الفرنسيين. و حاولت أن ألمح تلميحات بعيدة و غير مباشرة إلى موقفه الخاص، و موقف بلده: و لكنه لم يكن يود التنبه إليها، و ظل متمسكا في هذا الخصوص بتحفظ لم يتخل عنه و لو لحظة واحدة. و قد أثبتت الوقائع التالية أنني، و على الرغم من حذره، و صمته، استطعت التعرف على ميوله الحقيقية.

308

كان بكل تأكيد قد بلغت أسماعه أخبار انقلاب الثاني‏ (1) من ديسمبر (كانون الأول)، و قد بدا كثير/ 249/ الفضول ليعرف مني حول هذا الحدث تفاصيل شاملة، لقد أشبعت فضوله بالإجابة عن كل أسئلته، و بإخباره خلال ساعتين كاملتين، و باعتباري شاهد عيان، بالقصة الكاملة تقريبا لتلك الواقعة المعاصرة. و لمّا انتهت زيارتنا الأولى عدنا إلى الطائف بطريقة القدوم نفسها، و لقينا الاحترام نفسه من البدو الذين كانوا ما زالوا متجمهرين حول القصر، و من جنود الحرس التركي على باب المدينة. لقد كنت، بخصوص الحرس التركي، مندهشا من أنهم كانوا يقدمون لنا التحية خلال مدة إقامتنا كلها، و هم تابعون للباشا، و ليس للشريف الأكبر الذي كان يتجنب أي احتكاك بهم. إذا، لم يكن الشريف هو الذي يأمرهم بأداء التحية لنا، و أجهل لمن كنت أدين بذلك التميز الذي لم يكن من حقي، و لا أطمح إليه.

أقيم منزل أسرة شمس الذي نزلنا فيه على نمط منازل مكة المكرمة، إلّا أنه أكثر صلابة و أناقة، و يتألف من ثلاثة طوابق. الطابق الأرضي الذي سبق أن تحدثت عن موقعه، و هو يستخدم في الأحوال العادية لاستقبال الزوار، و لا تنزل فيه النساء أبدا. أما الطابقان الآخران فيتألفان من غرف ضيقة، و سيئة الإضاءة، و هي‏

____________

(1) في عام 1851 في فرنسا، و حدث الانقلاب إثر خلاف بين رئيس الجمهورية الفرنسية الثانية المنتخب بالاقتراع المباشر عام 1848 م و هو الأمير لويس بونابرت الذي كان على خلاف مع المجلس الوطني و تمخض الخلاف عن الانقلاب المذكور الذي حمل إلى السلطة دكتاتورا هو نابليون الثالث الذي حول الجمهورية بعد سنة من وصوله إلى الحكم (21 ديسمبر 1852) إلى إمبراطورية وراثية. و يقول ديدييه إنه كان شاهد عيان على هذا الانقلاب.

309

مخصصة حصرا للحريم و لكل ما/ 250/ يتعلق بهن من عبيد و خدم، الخ. و يعلو البيت سقف محاط بجدار على شكل درابزين، نشرف منه على المدينة كلها؛ و هي ليست ضخمة، ينتشر فيها عدة مئات من البيوت، كثير منها نصف مهدمة، و قد أقيمت دون نظام حول ساحة تأخذ شكل مربع طويل؛ و هناك عدد من الدروب الضيقة المغبّرة، يطلق عليها اسم شوارع، و تخترق تلك المتاهات غير المنظمة.

كان هناك منزل واحد؛ هو منزل الشريف السابق ابن عون‏ (1) الذي كان حينها يعيش في إستانبول، أقيم حسب مخطط معماري بسيط، و هو، مقارنة بالمنازل التي تحيط به، يستحق اسم القصر. و في أحد الأطراف القصية للساحة، ينتصب قصر مربع، له أبراج تحصينية في جوانبه الأربعة، و قد أقامه قبل بضع سنوات الشريف غالب لتعزيز أمنه الخاص‏ (2)، أصبح بعد ذلك، و بعد بضع سنوات، سكنا لمحمد علي الذي أزال سطوة غالب‏ (3).

____________

(1) محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد المعين بن عون، تولى الشرافة (1827- 1851 م/ 1243- 1267 ه) خلفا لعبد المطلب في شرافته الأولى، و ينسب إلى جده الأعلى فيقال محمد بن عون، لأن جده هو مؤسس الأسرة الجديدة لذوي عون، و في عهده 1831 م/ 1246 ه أصابت الكوليرا سكان مكة المكرمة لأول مرة، و خرج في عام 1846 م/ 1263 ه لقتال الأمير فيصل بن تركي في الرياض (الدولة السعودية الثانية) الذي توفي عام 1865 م/ 1282 ه. و قد تخلى محمد بن عون عن الشرافة طوعا عام 1851 م ليتولاها عبد المطلب بن غالب الذي أجبر على التخلي عنها في عام 1856 م/ 1273 ه و تولاها محمد بن عون من جديد حتى عام 1858 م/ 1274 ه، و توفي في مارس (آذار) 1858 م/ شعبان 1274 ه. انظر: صفحات من تاريخ مكة المكرمة، موثق سابقا، ج 1، ص 278- 288.

(2) انظر حديث الدكتور آل كمال عن القلعة و بنائها في مقاله الموثق سابقا.

(3) انظر رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 82.

310

إن بساتين الطائف التي تجعلها مشهورة في الحجاز كله منتشرة حول المدينة، و تبدو كأنها واحات في وسط الرمل. إن البساتين صغيرة على العموم، و فيها قليل من النباتات، و لا تدين بشهرتها إلا للقحط الشامل الذي يسود الجزيرة العربية. و تسد الأفق من كل الجهات سلسلة من الجبال، مسننة، كثيرة التشققات، تتخذ أشكالا متنوعة؛ من شكل السهم المدبب للنواقيس المسيحية، إلى شكل القبة المدورة لمساجد المسلمين. و إليكم أسماء أكثرها ظهورا كما أملاها عليّ مستضيفي/ 251/:

في الغرب و في الشمال الغربي من جهة مكة المكرمة و المدينة المنورة، جبل برد، و جبل الهدا، و جبل السكارى؛ و في الجهة المقابلة مجرّ الشاش‏ (1)، و الثمامي، و أخيرا

____________

(1) مجر الشاش: جبل في قبلة محلة شهار، به كانت دكة الملك سعود (رحمه اللّه). و كتب ديدييه الثمامي‏El -Tomane ، و في معجم معالم الحجاز للبلادي، ج 3، ص 129 في حديثه عن خشيرمة يقول: جبل ضخم ذو خشارم و وهاد يشرف على المسيجيد من الشمال، يسمى شقه الشرقي الثمامي؛ أما ريع (روع) الشهداء الذي كتبه ديدييه‏Rou -el -Chohada ، و ترجمه إلى الفرنسيةCol des Martyrs ، فلم أجد إلا أنه مكان في الطائف شرق مسجد ابن عباس سمي بشهداء حصار الطائف عندما غزاها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم امتد الحي إلى الضفة الشرقية من وج حتى أقبل على وادي نخب، معجم معالم الحجاز، ج 5، ص 111. و ذكر الدكتور آل كمال في تعقبه د. آل زلفة أنهما جبلا الشهداء و عرفا أيضا بالبازمين: أحدهما يقع بمحلة الشهداء الشمالية شرق وادي وج، و الآخر غرب الوادي بمحلة الشرقية. و ذكر أن جبل السكارى هو جبل أم السكارى غرب الطائف و يفصل بين قريتي السلامة و الآبار التي تعرف اليوم محلة (قروى) و قد أطلق عليها الأتراك اسم إستانبول الصغيرة.

311

ريع‏ (1) الشهداء. إن الطبيعة قاسية هنا على الرغم من انتشار البساتين، و إن ميزتها العامة هي القحط؛ إذ لا نجد فيها قطرة ماء واحدة. إذا احتكمنا إلى الصعود الصعب الذي واجهنا في جبل كرا، و الذي يتلوه نزول قصير و سهل، فإن الطائف مرتفعة جدا عن سطح البحر (2). و كان عليّ فيها أن أحترس من البرد، بعد أن عانيت من الحر الشديد في جدة قبل ثلاثة أسابيع.

اشتق اسم الطائف في العربية من" الطواف"، و هناك بخصوص هذا الاشتقاق حكاية محلية فيها بعض الاختلاط، و قد رويت لي في الساحة، و أعترف أنني نسيتها (3). و يروى أن النبي محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) لّما لم يلق آذانا صاغية في مكة المكرمة جاء إلى‏

____________

(1) الرّيع: الممر المرتفع بين جبلين، و أسهل منه الثنية، و أسهل من ذلك كله الفج، و لم يذكر جغرافيونا القدماء ريعا و جعلوا كل الريعة ثنايا، رغم أن الريع من الفصحى و قد نص عليه القرآن الكريم الشعراء،" أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ‏ (128)"، معجم معالم الحجاز، ج 4، ص 115.

(2) ترتفع الطائف عن سطح البحر 1550 مترا.

(3) قال العجيمي في كتابه: إهداء اللطائف من أخبار الطائف، ط 2، دار ثقيف للنشر و التأليف، 1400 ه/ 1980 م تحقيق يحيى محمود ساعاتي (بن جنيد)، ص 35- 36:" ... سميت به لأنها طافت على الماء في الطوفان، أو لأن جبريل (عليه السلام)، طاف بها على البيت، أو لأنها كانت بالشام فنقلها اللّه تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم (عليه السلام)، أو لأن رجلا من الصدف أصاب دما بحضرموت ففر إلى وج و خالف مسعود بن متعب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، و كان له مال عظيم فقال: هل لكم في أن أبني طوفا عليكم يكون لك ردءا من العرب؟ فقالوا: نعم. فبناه، و هو الحائط المطاف به". و انظر المحقق رقم (14) في ص 36. و انظر ما قاله الدكتور آل كمال في تعقبه د. آل زلفة.

312

الطائف يدعو أهلها للإيمان به، و لكنه لم يجد فيها من يصغي إليه أيضا؛ بل قام أهلها بطرده و سخروا منه، و هددوه، و وجد نفسه مضطرا للعودة مسرعا إلى مسقط رأسه‏ (1). يسكن الطائف بدو قبيلة ثقيف‏ (2) باستثناء بعض الأسر القليلة الغريبة، هندية أو غيرها (3). لقد أصبح بدو ثقيف حضريين، بل صناعا و تجارا. إنهم يصنعون‏ (4) بأنفسهم غالبية الأشياء الضرورية للحياة العامة، كما يصنعون أسلحتهم،

____________

(1) انظر: إهداء اللطائف من أخبار الطائف، موثق سابقا، ص 49، و انظر سيرة ابن هشام 1/ 420.

(2) ثقيف: قبيلة كبيرة، ذات ماض شريف، اختلف أهل العلم بالأنساب فيهم على أقوال.

انظر: الطائف، جغرافيته- تاريخه- أنساب قبائله، موثق سابقا، ص 52- 84.

و كتاب: تاريخ الطائف قديما و حديثا، مناحي ضاوي حمود القثامي، مطبوعات نادي الطائف الأدبي، ط 2، 1407 ه، ص 44- 45. و انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 83. و سكنت الطائف قبائل أخرى قبل الإسلام و بعده منها: بنو مهلائيل، و ثمود، و إياد، و عدوان و إليهم ينتسب عثمان المضايفي و هم أصهار ثقيف، و بنو عامر بن صعصعة، و قريش سكان الطائف المحالفون لثقيف، و عتيبة و هي من أكبر القبائل في كتاب: الطائف: جغرافيته- تاريخه- أنساب قبائله، مذكور أعلاه.

(3) نقل محمد سعيد بن حسن آل كمال في كتابه الموثق سابقا، ص 38، أنه في القرن الثاني عشر ... كثرت هجرة الأفغان و الأكراد إلى الطائف ثم هجرة الهنود، و في سنة 1098 ه نفى الشريف أحمد بن زيد بعض التكرور إلى قرية الطائف على ما ذكره العصامي في سمط النجوم، ج 4، ص 222. و انظر كتاب القثامي الموثق سابقا، ص.

(4) انظر عن الصناعة في الطائف، كتاب: تاريخ الطائف قديما و حديثا، موثق سابقا، ص 42- 43، و عن التجارة فيها، ص 39- 41.

313

و أحزمتهم و حمالات سيوفهم الجلدية، و سجاد غير متقن الصنع/ 252/ مصنوع من وبر الجمال، و المجوهرات المصمتة التي تتزين بها نساؤهم. و لا يحتاج كل ذلك إلى عبقرية صناعية كبيرة، و لا إلى عمليات فنية معقدة. أما المحال التجارية فهي بائسة، و يديرها الرجال كما هو الحال في الشرق كله. و لا أذكر أنني لمحت امرأة واحدة خلال إقامتي في الطائف، مع أن الفرصة سنحت لي لرؤية عدد كبير من الناس عندما صادف وجودي فيها أحد أيام السوق، و قد كان كل شي‏ء هناك تقريبا يباع بالمزاد، و اشتريت بنفسي، أو طلبت أن يشترى لي، بهذه الطريقة، على سبيل الذكرى، بعض المنتجات البسيطة كل البساطة من الصناعات المحلية.

رافقني إلى السوق أسودان و سيمان من خدم بيت الشريف، مسلحين بالرماح و الخناجر، و لم يكونا يسمحان لأحد بالاقتراب مني. و لم يكن السكان على أية حال مزعجين. و لست أدري كيف كانوا سيعاملون مسيحيا منفردا (لا يتمتع بحماية الشريف الأكبر)؛ و لكنهم كانوا يحترمون كوني ضيف أميرهم، و يظهرون لي احتراما كبيرا، و اعتبارا واضحا.

كان التجار يدعونني إلى الجلوس في حوانيتهم، و يسرعون في الإجابة عن أسئلتي.

كان الجميع يحيونني بأدب جم، و لما خرج أحد الشباب في السوق (البازار) عن حدود اللياقة معي، ردّه إلى الصواب أحد العبدين اللذين كانا يرافقانني بطريقة لن يعود معها في المستقبل إلى مثل ذلك. و لّما امتدت بي النزهة إلى/ 253/ الريف، لاحظت مسجدا جميلا جدا يكاد يلتصق بالأسوار، و فيه ضريح عبد اللّه بن‏

314

عباس؛ ابن عم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم). إن هذا المسجد (1) الذي يسمّى باسمه باب المدينة القريب منه، هو الصرح الديني الوحيد في الطائف الذي يستحق أن يولى بعض الاهتمام، و قد هدمه الوهابيون‏ (2)، كما فعلوا بكل هذا النوع من المعالم المقامة على أضرحة الأولياء إجلالا لهم، و حتى تلك التي أقيمت على ضريح النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) نفسه؛ لأن صرامة عقيدتهم، كما رأينا سابقا، لا تبيح مثل ذلك؛ فهم ينكرون كل البدع، و يحظرون تقديس الأولياء. فاللّه وحده أهل للعبادة، و ينبغي أن تكون عبادته روحية و ليس لها أي جانب مادي. و قد أعيد بناء مسجد عبد اللّه بن عباس مرة أخرى بعد انسحاب الوهابيين من الطائف؛ و لكنه طلي بالكلس الأبيض من أعاليه إلى أسافله، فأصبح له مظهر حديث لا يتناسب تاريخيا مع زمن بنائه المتقدم. و غير بعيد عن المسجد هناك معلم من عصر مختلف تماما، و من طبيعة مختلفة أيضا: إنه حجر طبيعي، و لكنه‏

____________

(1) انظر حول وصف مسجد عبد اللّه بن عباس: إهداء اللطائف ...، موثق سابقا، ص 73- 78؛ الزركلي، ما رأيت و ما سمعت، ص 54- 55؛ تاريخ الطائف قديما و حديثا، موثق سابقا، ص 67؛ و معجم معالم الحجاز، ج 8، ص 148- 149.

و يرجح أن بانيه هو الناصر لدين اللّه أبو العباس أحمد بن المستضيئ بأمر اللّه و كانت خلافة الناصر من 575 ه إلى 622 ه، و ذلك سنة 592 ه. ثم جدد بناؤه عددا من المرات. انظر: إهداء اللطائف ...، موثق سابقا، و تعليقات المحقق.

(2) قال بوركهارت في رحلاته ...، موثق سابقا، ص 82:" ... و كان على قبر ابن عباس قبة حسنة، و كان يزوره كثير من الحجاج، إلا أن السلفيين قد هدموه تماما". و قال العجيمي في إهداء اللطائف ...، موثق سابقا، ص 73:" ... و عليه قبة صغيرة من خشب أيضا، ليس بينها و بين سقف المسجد إلّا نحو شبرين ...". و استولى الوهابيون على الطائف في عام 1802 م/ 1217 ه بقيادة عثمان المضايفي.

315

مدوّر، أبفعل الزمن أم بيد الإنسان؟ إنه صنم من عصور الوثنية، و يسمونه: اللات.

و هناك في منطقة غير بعيدة عن الطائف صنم آخر اسمه: العزى‏ (1). و قد أشار هيرودوت‏ (2)Herodote إلى أن سكان هذه البلاد كانوا يعبدون حجارة الصحراء (3)،

____________

(1) هو سمرة كانت لغطفان يعبدونها، و كانوا بنوا عليها بيتا، و أقاموا لها سدنة، فبعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خالد بن الوليد إليها فهدم البيت و أحرق السمرة. و هو صنم أنثى، و قد عبدته قبائل أخرى مثل: قريش، و باهلة، و خزاعة، و مضر، و كنانة، و المناذرة في العراق. انظر: معجم معالم الحجاز للبلادي، 1401 ه/ 1981 م، ج 6، ص 90- 94؛ و معجم مصطلحات ...، موثق سابقا، ص 321؛ و قال البلادي في: أودية مكة المكرمة، ط.

1، دار مكة، 1405 ه/ 1985 م، ص 5:" ... و يرفد حراضا هذا شعيب يقال له: (سقام) بضم السين، يقع في فرعته مكان (العزى) الصنم المشهور. وقفت عليه برفقة الشريف محمد بن فوزان سنة 1389 ه". و ذكر الدكتور آل كمال في تعقبه الدكتور آل زلفة أن العزى لقريش، و كان موقعه بواد من نخلة الشامية يقال له حراض بإزاء الغمير يمين المصعد إلى نجد من مكة، و يبعد عن الطائف 80 كم تقريبا.

(2) هيرودوت‏Herodote -Herodotus (485؟- 425؟ ق. م): مؤرخ يوناني. يعرف ب" أبي التاريخ".

(3) كان صنم اللات المركز الديني الثاني بعد مكة المكرمة في العصر الجاهلي. و ذكر القثامي في: تاريخ الطائف قديما و حديثا، ص 26، أنه كان قرب حصن الطائف من الناحية الجنوبية الشرقية، و قد هدمه المغيرة بن شعبة عند فتح الطائف على يد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) سنة 9 للهجرة. و ذكر القثامي في ص 27 من كتابه المذكور أعلاه أنه يقال: إن صنم اللات كان في السابق مكانا ليهودي يلت على حجر السويق (أي يصنع السويق للقادمين للحج، و السويق طعام يتخذ من الحنطة أو الشعير بعد قليه بالسمن)، فمسخ حجرا، و كان اللات عبارة عن صخرة مربعة بيضاء بنت عليها قبيلة ثقيف بيتا صاروا يعبدونه، له ستار و فناء للطواف، و سدنة اللات بنو عتاب بن مالك قوم من ثقيف،-

316

و قد كانوا ما يزالون في جهلهم يعمهون/ 254/ عندما بعث النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لينقل إليهم المفاهيم الصحيحة عن المعبود. إذا، يعد القرآن الكريم نقطة تحول جذرية في تاريخ الشعب الذي دوّنه، و كان أول من اتبع تعاليمه.

أرسل لنا الشريف الأكبر في اليوم التالي الخيول و المرافقين لزيارة المناطق المحيطة بالمدينة. لم يكن عدد أفراد حاشيتنا كبيرا إلّا عندما كنا نذهب إلى القصر؛ و لكن سائس الشريف الأكبر و العبدين المكلفين بحمايتي كانوا على الدوام ضمن الحاشية.

____________

و قبلهم آل العاص بن يسار بن مالك، و كان لها حمى مخصص دخله للصنم، و يكسونه كل عام، و- له خدم مع السدنة، و في وسطه حفرة اسمها: غبغب، تحفظ بها الهدايا و النذور، و عندما هدمه المغيرة بن شعبة أخذ أموال الغبغب و سلمها إلى أبي سفيان امتثالا لأمر الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم). و قد ذكر هيرودوت في تاريخه صنم اللات، قال الرحالة الإنجليزي جيمس هاملتون: إنه شاهد صخرة اللات عام 1857 م، فوصفها بأنها صخرة من الجرانيت ذات شكل خماسي، و طولها حوالي اثني عشر قدما. انظر أيضا: كتاب الأصنام، ص 16؛ و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، لجواد علي، ج 6، ص 25؛ و كتاب القثامي المذكور أعلاه، ص 24- 25، و 52- 53، و ص 26- 27 حيث يقول: و قد بني مسجد الطائف الجامع في مكان اللات. و لا أجزم بموقع اللات الجزم المؤكد إنما حسب ما ورد هنا. و يذكر في ص 52 أن هيرودوت" أبو التاريخ" ذكر في تاريخه صنمي اللات و مناة و أهمية كل منهما و انظر: معجم مصطلحات ...، موثق سابقا، ص 377. و قد ورد في القرآن الكريم ذكر للأصنام الثلاثة: اللات و العزى و مناة في قوله تعالى في سورة النجم، الآيتان 19- 20، 23: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى (19) وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى‏ (20) ... إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ ما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى‏ (23).

317

ناهيك عن أننا اصطحبنا معنا عددا من خدمنا الخاص، و لم نر الشريف حامد كثيرا مدة إقامتنا في الطائف؛ إذ لّما وصلناها، و انتهت مهمته، أو علّقت على الأقل، و لم يكن عليه أن يعود للسفر مرة أخرى إلّا عند مغادرتنا إلى جدة، فقد كان لديه أصدقاء يزورهم، و أعمال يصرّفها، و لم يكن معنا إبّان الجولة. و قد حل محله الشريف سليم الذي أرسل لملاقاتنا عند جبل كرا، ثم كلّف أن يرينا مدينة الطائف. ليس لدي ما أقوله بخصوص هذا الشريف إلّا القليل؛ إذ لم أقض معه إلّا فترة بسيطة: لقد بدا متحضرا، و لكنه قليل التواصل، مما جعلني أسف على صداقة الشريف حامد و لطفه و مودته. كان الشريف سليم يركب فرسه البيضاء، و كان وجودها يثير أحصنتنا، و يجعلها صعبة المراس. كنت لحسن الحظ أمتطي حصاني" عسير"، و كان علي الاغتباط لذلك؛ لأن قوة شكيمته أنقذتني من حادث مؤلم؛ كنا على مسافة من المدينة، نسير في منطقة ضيقة/ 255/ تحيط بها من كل جهة هوة عمقها من 6 إلى 7 أقدام، و لاحظت متأخرا أن شجرة ضخمة ذات أشواك تعترض طريقي، كانت على مسافة قريبة جدا مني، و لّما حاولت تلافيها كنت كالمستجير من الرمضاء بالنار: إذ قمت بحركة خاطئة جعلتني أسقط مع الحصان في قعر الهوة؛ و لحسن الطالع، سقط الحصان على قدميه، و لم أسقط عن صهوته، و لكن كيف السبيل إلى الخروج من الهوة؟ لقد تكفل عسير بذلك وحده، و نهض من الكبوة بجهده، دون مساعدة أحد، و دون أن أحثه بالمهماز على ذلك؛ لقد تسلق الهوة عموديا بقائمتيه الأماميتين، ثم حرك عرقوبي الخلفيتين حركة قوية، و بقفزة واحدة كنا معا على الطريق.

318

كان فرح السائس بلا حدود، و متناسبا مع الخوف الذي اعتراه: لقد ظنني ميتا، أو على الأقل مهشما؛ لأنه، بحكم مهامّه، مسؤول عن أمني، و لو أصابني مكروه لكان أول الملومين؛ و لّما كان سيده مهتما بنا فإنه كان سيدفع غاليا ثمن أي حادث يصيبني، و لو كان بسيطا. كنّا حتى الآن نسير على الرمال، وسط سهل مجدب، دون أن نجد ماء و لا خضرة. لقد وجدناهما أخيرا عندما ولجنا وادي المثناة الذي ترتفع على جانبيه تلال، قممها جرداء، و أسافلها مغطاة بالبساتين المسورة التي تنساب منها جداول الماء بعد أن تسقيها و تخصبها/ 256/، و تتجاوز الأشجار التي تظللها حدود الأسوار.

لقد كان هناك مسجد (1) جميل يمنح مدخل هذا الوادي الزاهي تميزا و جلالا.

ثم ينفتح الوادي على ريف تكسوه أشجار النبق و الأكاسيا (2)، و تحيط به عن قرب جبال جرداء، أمّا الأرض فإنها غير مستوية، تتخللها و هاد عميقة، و تنتشر فيها المنحدرات الوعرة. و تقبع في هذه الأرض الجبلية الحجرية قرية بدوية هي الوهط (3)؛

____________

(1) قال الدكتور آل كمال في تعقبه الدكتور آل زلفة: ... لعل هذا المسجد هو مسجد عدّاس الذي لا زال في موقعه ببساتين الأشراف آل غالب، و قد وجدت له ذكرا منذ القرن التاسع.

(2) في الأصل‏De Nebeks ,D acacias و ورد في رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 65 ... شجر السنط و السدر (النبق) و أورد المترجمان في الحاشية (2)Acacias ,Nebek ، و الأكاسيا هي الاسم العلمي لشجر السنط أو السلم و هو أنواع كثيرة منها شجر الصمغ. انظر: معجم مصطلحات العلوم الزراعية للشهابي، مادة:Accacia .

(3) قال الدكتور آل كمال في تعقبه الدكتور آل زلفة: ... الوهط ليست في المثناة بل في قبلتها بجوار سد عكرمة الحالي. و كانت بستانا أو مالا لعمرو بن العاص القرشي رضي اللّه عنه، و لا زالت لأبناء قريش و بعض الأشراف، و بها عين الوهط الشهيرة.

319

و لكنني لم أر فيها ساكنا واحدا. قطعنا نزهتنا هنا، وعدنا على أعقابنا حتى حديقة الباطنة الذي يملكه الشريف الأكبر حيث كان ينتظرنا هناك غداء ريفي.

ليس لهذا المكان ما يميزه إلّا ماؤه الصافي الذي يجري في قناة من الحجارة، و أشجاره المثمرة المعطاء، و خصوصا أشجار التين التي تكتسب هنا أهمية كبيرة، و تنتج ثمارا فاخرة. و ليس أشجار السفرجل و الرمان بأقل جودة من أشجار التين، و لكن الزهور نادرة، باستثناء الورد الجوري‏ (1) المشهور في الحجاز كله. و قد كان في البستان سرادق يتكوّن من عدد من الغرف يقصده المالك في أوقات فراغه بحثا عن الهدوء و البرودة.

و يوجد أمام هذا البستان بستان آخر يشبهه تماما و اسمه: الشريعة. و هو للشريف الأكبر أيضا، و قد كان قبل عدة شهور مسرحا لشجار دام، و إليكم السبب.

لّما جاء باشا جدة لزيارة الطائف رافقته حاشية/ 257/ تتكوّن من مفرزة من الباشي بوزوق الذين يتصرفون بصلفهم المعتاد، و قد وصلت عصبة من أولئك اللصوص، الذين كان أغلبهم من الأرناؤط، إلى بستان الشريف، و كانوا يستولون على كل ما يقع تحت أيديهم، و خصوصا الفاكهة التي يحبها الأتراك بشراهة (2)، و أرادوا

____________

(1) انظر تحقيقا مصورا عن ورد الطائف لميشيل ر. هيوورد، ترجمه بتصرف محمد عبد القادر الفقي في مجلة القافلة، مج 49، ع 3، ص 10، ربيع الأول 1421 ه/ يوليو (تموز) 2000 م؛ و الحياة، العدد 13632، السبت 8 تموز (يوليو)/ 6 ربيع الثاني 1421/ 2000 م، ص 15.

(2) انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 38.

320

الدخول عنوة إلى بستان الشريعة. و كانت نساء الشريف الأكبر موجودات في البستان، يحرسهم عدد من الخدم، و لم يكن الأرناؤط ليأخذوا في الحسبان، لا وجود النساء، و لا منزلة المالك، و اضطر الخدم الذين فاض بهم الكيل إلى مواجهة القوة بالقوة؛ و دارت إثر ذلك معركة سالت فيها دماء الجانبين؛ و لّما علم بدو الجوار بالإهانة التي لحقت بأميرهم سارعوا إلى المكان مسلحين، و لو لا أن الأرناؤط ولوا الأدبار مسرعين قبل وصول البدو لما نجا أحد منهم.

و لّما وصل خبر الحادثة إلى أسماع الباشا الرعديد، كما يبدو، حل به الخوف و الاضطراب، و هرب من الطائف إلى جدة على وجه السرعة، معتقدا أو مدعيا وجود ثورة عامة وسط البدو. و لم يفلح أي شي‏ء في إقناعه بالعودة إلى الطائف، حتى إلحاح الشريف الأكبر نفسه الذي لم يجد نفعا. و لم يكن وقوع هذا الحادث إلّا ليفاقم العداوة المعلنة من قبل بين العدوين‏ (1).

____________

(1) يذكر هوروخرونيه في صفحات من تاريخ مكة المكرمة، موثق سابقا، ج 1، ص 285 أن الصداقة بين باشا مكة المكرمة و الشريف عبد المطلب لم تدم طويلا ... فعندما أطلقت بعض العيارات النارية التي اخترقت طربوش الباشا في أثناء وجوده في المثناة بالطائف- التي كان يقضي الشريف فيها فترة الصيف- لم يستطع الباشا أن يتصور أن حدوث ذلك كان صدفة، بل إنه أمر وقع بتدبير من الشريف نفسه. و مرة أخرى تمّ تغيير الباشا، و السبب هو شك الشريف أن الباشا كان يريد اعتقاله. لقد تم إخطار الشريف بوساطة أصدقائه بأن هناك حملة قد نظمت لإلقاء القبض عليه من قبل الوالي في أثناء تمرين على السلاح، كان من المفروض أن يحضره مع الباشا نفسه. لهذا ابتعد الشريف دون أن يلحظه أحد، و توجه نحو الطائف حيث جهز نفسه لمقاومة الهجمات-

321

عدنا إلى المدينة عبر طريق أخرى، ليتاح لنا رؤية أكبر قدر من البلد./ 258/ إن أول ما أثار فضولي، و نحن في طريق العودة، بستان كبير، و جميل، محاط بسور من الطين. و لكننا للأسف لم نستطع إلّا السير بحذائه؛ و لكن مجرد رؤيته كانت تبعث في النفس شعورا بالبرودة؛ فقد كانت أشجاره شديدة الخضرة، و الظل كثيفا، و الأعشاب وافرة. ثم تأتي بعد ذلك حقول الشعير التي تكتسب أهمية كبيرة، و لكنها لا تثير الإعجاب. تبدأ بعد ذلك بحور الرمال التي تمتد حتى أبواب المدينة. لقد التقينا في جولتنا عددا من البدو و الجمال.

هناك منطقتان أخريان من أراضي الطائف فيها بساتين تماثل بساتين وادي المثناة و هما: وادي شمال، و وادي السلامة؛ و الحق أنه لا هذه البساتين، و لا تلك، تستحق الشهرة التي نالتها؛ و إن التباين وحده (مع البيئة المحيطة) هو الذي يمنح هذه الأمكنة قيمة مبالغا فيها. و إنه لمن الطبيعي أن يبالغ العرب المعتادون قحط الصحراء و وحشتها، في الحديث عن كل ما يمنحهم السكينة: فقليل من الماء يرونه بحرا، و قليل من العشب يرونه مروجا، و دوحة من الأشجار يرونها غابة. إذا، احترسوا من‏

____________

المتوقعة من الدوائر التركية. و بناء على تقرير سريع من الوالي الذي غادر إلى جدة، قدم في أكتوبر من عام 1855 م (1271 ه) مبعوث غير عادي من قبل الباب العالي لإعادة تعيين الشريف محمد بن عون الأمير السابق المطرود. و انظر ص 286- 287 من الجزء نفسه حيث يتحدث هورخرونيه عن رفض عبد المطلب قرار التعيين. و يبدو أن هذه الأحداث جرت بعد رحيل ديدييه عن الطائف، و يوضح نص ديدييه حقيقة ما جرى في وادي المثناة؛ و انظر: خلاصة الكلام ...، موثق سابقا، ص 316.

322

أوصافهم (التي يطلقونها على الأماكن)، و أسقطوا بجرأة النصف الأكبر من مبالغاتهم الإعجابية

نحن بنينا طائفا حصينا* * * يقارع الأبطال عن بنينا

تشتو بمكة نعمة* * * و مصيفها بالطائف‏

(1).

أما بقية اليوم فقد انقضت في استقبال الزوار، فقد جاء لزيارتنا على التوالي خازن الشريف الأكبر، و كبير خدمه، و غيرهما من موظفيه، و لست أدري إن كان سيدهم قد أرسلهم أم أنهم قاموا بذلك متطوعين. ثم جاء بعدهم أصدقاء أسرة شمس و جيرانهم، و أشخاص آخرون من المدينة دفعهم الفضول إلى المجي‏ء./ 259/ نتزاور في الشرق دون سابق معرفة، و هناك تسامح كبير في هذا المجال. فغالبا لا يتبادل الزائر و المزور كلمة واحدة، و لكن المجاملة هي القانون، و لن يخطر ببال أحد، أيا كان، أن يسأل زائرا، و إن كان غير معروف، لا من يكون؟ و لا لماذا يأتي؟

لقد كان شمس العجوز، و خصوصا ابنه عبد اللّه، يقضيان معنا وقتا أكثر مما يقضيانه في منزلهما، و قد أسديا لنا بطيبة خاطر خدمات جليلة، و زوّدانا بمعلومات‏

____________

(1) قال عرام بن الأصبغ السلمي في كتاب: أسماء جبال تهامة و سكانها و ما فيها من القرى و ما ينبت عليها من الأشجار و ما فيها من المياه، موثق سابقا، (نوادر المخطوطات)، ج 2، ص 420:" و الطائف ذات مزارع و نخيل و موز و أعناب و سائر الفواكه، و بها مياه جارية و أودية تنصب منها إلى تبالة. و جلّ أهل الطائف ثقيف و حمير، و قوم من قريش، و غوث من اليمن، و هي من أمهات القرى ... و بالطائف منبر ...". و ذكر ياقوت الحموي تعليلات كثيرة لتسميتها بالطائف. و قال البكري: و إنما سميت بالحائط الذي بنوا حولها و أطافوه بها تحصينا. و كان اسمها: و ج. قال أمية بن أبي الصلت (الثقفي):

نحن بنينا طائفا حصينا* * * يقارع الأبطال عن بنينا

و مصيفها معروف من قديم الزمان، قال النميري في زينب بنت يوسف أخت الحجاج يصف نعمتها:

تشتو بمكة نعمة* * * و مصيفها بالطائف‏

323

عن أشياء تثير فضولنا، لقد كانا باختصار ينتهزان كل الفرص ليكونا مفيدين لنا، و لطيفين معنا. و خطر ببالهما أن يأتيا بشخص من الجوار يقوم بدور المهرج، أملا في أن تستطيع حماقاته تسليتنا.

إن للعرب ميلا واضحا لهذا النوع من الترويح عن النفس، و يبدو أنه ليس من الصعب إرضاؤهم في اختيار الطرف التي تكاد في غالب الأحيان إباحية. أما أنا فقد كان هذا النوع من الترويح يبدو لي في الأعم الأغلب مضجرا، خصوصا أن القسم الأعظم من فكاهات المهرج كانت تتناول أشخاصا أو أشياء غريبة عليّ، و لم تكن في غالب الأحيان إلّا توريات لم أفهمها في أصلها، و حينما تترجم تفقد روح الدعابة كلها.

لقد أتيح لي بذلك مخالطة عدد كبير من السكان الأصليين، و سنحت لي الفرصة في الطائف كي أتأكد من أمر كنت لاحظته في جدة؛ و هي: أن العرب أكثر نباهة، و أكثر ظرفا، من الأتراك، و لا نجد/ 260/ لديهم، كما هو الحال في عدد من مناطق الشرق، تلك التصرفات الاستعراضية و الحمقاء التي تجعلهم يرون أن منزلتهم مرتبطة بلا مبالاتهم.

زرت أسرة شمس في بيتهم الذي انتقلوا إليه ليتركوا لنا منزلهم الذي يسكنونه عادة؛ و بدا لي ضيّقا جدا لاحتواء أسرة كبيرة مثلهم؛ و قد ازداد تقديري للإزعاج الذي عانوا منه بسببنا. ليس للبيوت في الطائف طابق أرضي كما هو الحال في بيوت مكة المكرمة، و يستقبل الزوار في الطابق الأول. و لست بحاجة للحديث عن الاستقبال الذي لقيته في منزل شمس، فقد بالغوا في إكرامي؛ كانت القهوة و الشراب‏

324

و الحلويات تتابع دون انقطاع، و خصوني بأجمل شيشة في المنزل. و بينما كنت هنا أدخن و أطرح الأسئلة، دخلت علينا شخص يعلوه البياض من الرأس إلى القدمين: لحية بيضاء، و ثوب أبيض، و وشاح أبيض، كل شي‏ء باختصار أبيض، عدا الوجه و اليدين التي تكاد تكون سوداء. كان رجلا وقورا، و حكيما، عالما بالشريعة الإسلامية، و معروفا بورعه و تقاه. لقد كان حديثه موشى بسلسلة لا تنقطع من آيات القرآن الكريم، و الحكم الشائعة في الشرق. و إليكم إحدى الحكم التي أتحفني بها، و التي يمكن أن تعطي فكرة عن الحكم الأخرى:" الصبر مرّ كاسمه، و لكن ما يتلوه حلو كالعسل".

إن فهم هذه الحكمة يقتضي/ 261/ فهم التورية (1) التي تقوم عليها: لأن الكلمة العربية: الصبر، تطلق على مسحوق شديد المرارة، شائع في بلادهم، و يمكن أن يكون مأخوذا من النبتة التي تسميها العامة: عنب الذئب‏

Douce- Amere

. ذهبنا عشية مغادرتنا الطائف لزيارة الشريف ليأذن لنا بالانصراف، و سارت الأمور كما كانت عليه في الزيارة الأولى تماما، باختلاف بسيط، هو أن جيش البدو الذي كان متجمهرا حول القصر كان أقل عددا، و استقبلنا بأبهة أقل، و لكن باللياقة نفسها، و الاحترام نفسه. كان الشريف الأكبر في تلك الأمسية يرتدي عباءة خضراء كشميرية رائعة، مزينة بسعفات حمراء. و لمّا كنّا قد تعارفنا فإن الحديث كان أكثر دفئا، تحدثنا عن الكوليرا التي تجتاح مكة المكرمة، و تتجنب الطائف، و عن مصر و محمد علي الذي كان الشريف يتحدث عنه باعتدال شديد، مع أن هذا الباشا الذي‏

____________

(1) في المثل طباق بين مرارة الصبر و حلاوة العسل.

325

كاد أن يصبح ملكا هو الذي قوّض السلطة شبه المطلقة التي كان يتمتع بها والده غالب. كان أكثر قسوة على عباس باشا، و كان يدين أفعاله الخاصة و العامة.

تحدثنا أيضا عن المعرض الصناعي الكبير الذي كان يعدّ له حينئذ في باريس، و لمّا دعوت الشريف الأكبر إلى أن يرسل إلى المعرض نماذج من المصنوعات المحلية مؤكدا له أنها يمكن أن تلقى هناك بعض الرواج:" أجابني ضاحكا، نعم إنه رواج إثارة السخرية"./ 262/ إن نظري الذي أكاد أفقده تماما لحظة إملاء حكاية آخر رحلاتي كان حينئذ في أسوء حال، و قد أظهر لي الأمير بأصدق العبارات، تمنياته بصحة أفضل، و أعرب عن تعاطفه معي، و اهتمامه بي، مؤكدا لي بصدق أن قلبه ينفطر لحالتي. و قال لي على سبيل المواساة: إن واحدة من أصغر نساء حرمه أصيبت بالداء نفسه، و إن لها أن تشتكي من حالها أكثر مني؛ لأنها لا تملك لمداواة ذلك ما نملكه نحن في أوروبا من وسائل، و من أطباء مهرة. و قد قطع عليّ وعدا صريحا أن أرسل إليه أخباري، و أن أكتب إليه بمجرد عودتي إلى فرنسا، و قد وفيت بذلك الوعد بإخلاص.

أضيف لكي أنتهي من حديث الزيارة الأخيرة أن الشريف الأكبر كان إبّان إقامته الطويلة في إستانبول على علاقة مستمرة بالسفير البريطاني هناك اللورد ستراتفورد كانينغ‏Stratford Canning ، و هو اليوم يحمل لقب دوردكليف‏ (1):De Redcliffe و قد

____________

(1)1 st Viscount Stratford Canning de Redcliffe - السير ستراتفورد كانينغ دورد كليف (1786 م- 1880 م) دبلوماسي بريطاني كان يحمل لقب فيكونت أول (نبيل-

326

سأل رفيقي في الرحلة عن أخبار كانينغ، لأن رفيقي كان، كما سبق لي القول، بريطانيا، و قد أكد رفيقي للشريف الأكبر أنه يعرف ذلك الدبلوماسي معرفة وثيقة:

و اعتمادا على ذلك كلفه الشريف بحمل رسالة منه إلى اللورد، و قد قام السيد كول بلا شك بإرسالها إلى عنوانه.

و لا أستطيع هنا التعبير عن مدى/ 263/ استيائي، باعتباري أوروبيا و إنسانا، من التصرف الوضيع الذي قام به رفيق رحلتي في حضرة الشريف: ليست المرة الأولى التي تسنح لي الفرصة فيها لإبداء مثل هذه الملاحظة على الإنجليز، و على رفيق رحلتي نفسه. كان من المتفق عليه في القرن الأخير، أن الإنجليز هم نموذج الغطرسة، و قد صورهم كذلك جان- جاك روسو (1)J .-J .Rousseau نفسه في‏

____________

- دون الكونت و فوق البارون)، عمل سفيرا لبلاده سنوات عديدة في إستانبول، و في وقت من أهم المراحل التي كانت تمرّ بها الدولة العثمانية (النصف الثاني من القرن التاسع عشر) و- له بصمات في كثير من الأحداث التي واجهتها الدولة العثمانية في الجزيرة العربية و خصوصا في عسير و الحجاز، و لا غرابة أن تكون له علاقة و معرفة بالشريف عبد المطلب الذي أقام في إستانبول فترة طويلة، و كان له في الحجاز دور فاق ما كان لغيره و على مدى ما يقرب قرن. انظر: آل زلفة، الطائف في كتب الرحالة الأوروبيين، موثق سابقا، الحلقة 6، الجزيرة، العدد 10179، 11 جمادى الأولى 1421 ه/ 11 أغسطس (آب) 2000 م، ص 8. و كتب ديدييه‏Radcliffe و الصواب ما أثبتناه في الأصل كما في المعاجم التي ترجمت للرجل. و انظر: رحلة بيرتون، موثق سابقا، ج 1، ص 143.

(1) جان- جاك روسو (1712- 1778) كاتب و فيلسوف فرنسي. كان لآرائه السياسية أثر كبير في تطور الديموقراطية الحديثة.

327

شخصية الميلورد (1) إدواردMilord Edouard . و قد ثبتت على الزمن و التجربة، صحة ذلك الحكم المسبق. عرفت أنا كثيرا من الإنجليز، و من كل المستويات، سواء في البلاد الأجنبية، أم في بلادهم، و رأيتهم في كل الأماكن يخضعون خضوعا مطلقا للقوى الحاكمة سواء كانت مغتصبة أم شرعية. و ليس لهم في هذا المجال أي نوع من الاستقلالية أو الرويّة، و يعلّمون كل الطبقات تقديس المراكز الاجتماعية، و التفاخر بأتفه الأشياء، حتى لو كان فيها بعض الدناءة، و قد تحدث عن ذلك بموضوعية، و أنّبهم عليه بكثير من الظرف مواطنهم ثاكري‏ (2)Thackeray في روايته" معرض الخيلاء"Foire aux Vanits . إن التربية هي التي جعلتهم كذلك، و يبقيهم الروتين في هذه الهوة. لقد ولدوا و نشؤوا على أرض الإقطاعيين، و شربوا مع حليب أمهاتهم روح الطبقية التي هي أساس تشريعهم الاجتماعي و مبدؤه. إن لدى الإنجليز خيلاء يعادل خيلاء الفرنسيين الذين ذكر دانتي‏ (3)Dante و مكيافيللي‏ (4)Machiavel أنهم أكثر

____________

(1) الميلورد: رجل إنجليزي كريم المحتد.

(2)William Thackeray - وليم ثاكري (1811- 1863) روائي إنجليزي. أشهر آثاره:

" معرض الخيلاء"Vanity Fair (عام 1848).

(3)Dante Alighieri - دانتي اليغييري (1265- 1321 م) كبير شعراء إيطاليا. صاحب ملحمة" الكوميديا الإلهية"Divina Commedia ,La Commedie Divine (1308- 1320 م).

(4)Niccol Machiavelli نيقولو مكيافيللي (1469- 1527): فيلسوف إيطالي.

قال إن: الوسائل كلها مبررة من أجل تحقيق السلطان السياسي (الغاية تبرّر الوسيلة)، أشهر كتبه:" الأمير".

328

الشعوب زهوا، و هم (الإنجليز) يجهلون أبسط مفاهيم المساواة./ 264/ كم أفضل على ذلك عزة النفس الفطرية لدى بدو الصحراء، الذين يقتربون من أكبر الشخصيات بثقة، و يحدثونهم بحرية، و لا يتنازلون، أمام أي كان، عن الأنفة المشروعة التي تليق بالرجال. و يبدو ذلك واضحا في علاقتهم مع شيوخ القبائل، فهم لا يذهبون إلا إلى خيامهم لطلب الضيافة، و هم يفعلون مثل ذلك مع الشريف الأكبر نفسه؛ إذ يعدّون قصره مثل بيوتهم، و مخازن غلاله مثل مخازن غلالهم. يشيع في الشرق كله كما نعلم تقليد تقديم الهدايا، و لم يستثنا الشريف الأكبر من هذا التقليد؛ فأرسلها لنا مع أمين خزانته؛ فتلقيت أنا عباءة بيضاء رائعة، مصنوعة من الصوف البغدادي، و موشاة بالذهب الخالص، و تلقى السيد دوكيه عباءة سوداء، و تلقى رفيق رحلتي قماش سرج موشى بالفضة. أما نحن فقد أبدينا كرما فياضا إزاء أشخاص منزل الشريف كلهم، ممن أدوا لنا بعض الخدمات، دون أن ننسى بالطبع أفراد أسرة شمس؛ لأننا كنا نظن أنه ينبغي مقابلة الاحترام الذي أبدوه لنا بالبخشيش. و قد طلب السيد دوكيه من الشريف حامد النصيحة في ذلك، فقام الشريف بتحديد حصة كل واحد من خدم البيت؛ و مع أن المبلغ الذي حدده الشريف حامد كان معقولا، لكنني كنت أرى أن نضاعفه، و شاركني رأيي رفيق رحلتي/ 265/ الذي كنت أتقاسم معه نفقات الرحلة. و أيا كانت التضحيات التي فرضها علينا ذلك، فإنه كان يليق بالمكانة التي منحونا إياها، و فيها حفاظ على شرف الأوروبيين، و كان ينبغي، في حدود الممكن، أن يكون كرمنا مساويا للضيافة التي حظينا بها. و أستطيع القول دون أي ادعاء: إن‏

329

ما رأيناه باعتبارنا مجرد أشخاص عاديين، كان عظيما، و يمكن أن يذهب بعض الأوروبيين إلى الطائف بعدنا دون أن يعتريهم الخجل من الذكريات التي تركناها هناك.

و لمّا لم يكن معي أي شي‏ء مادي يمكن أن يهدى لأسرة شمس، وعدت حفيده الصغير عبد القادر بأن أرسل له فيما بعد تذكارا مني، و وفّيت بكلامي، و أرسلت له من الإسكندرية بوساطة السيد اللطيف أو تري‏M .Outrey الذي عيّن بعد فترة من وصولي إلى الإسكندرية قنصلا لفرنسا في جدة، ساعة ثمينة، و تلقيت إثر ذلك من والده رسالة أثبت هنا ترجمتها الحرفية (إلى الفرنسية طبعا) نموذجا للأسلوب التراسلي لدى العرب المعاصرين.

330

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ إلى عين النبلاء، و فخر أقرانه؛ صديقي السيد شارل ديدييه، هداه اللّه العلي إلى طريق السلام الأبدي! بعد التعبير عن الاحترام اللائق/ 266/ بمكانتك، أعلمك أنني لا أني أسأل عن أخبارك. استلمت رسالة من السيد دوكيه، و معها الساعة التي أرسلتها لابني عبد القادر. سلمتها له، و قبلها مع الاعتراف بالجميل؛ و لمّا كانت الأمور قد جرت بيننا على أساس من التسامح، و عدم الاهتمام بالرسميات، فلم يكن من الواجب أن تجشم نفسك هذا العناء. و رأيت من المناسب في النهاية أن أكتب إليك هذه الرسالة لأخبرك بذلك. والدي و ابني عبد القادر ينتهزان هذه الفرصة، و يبعثان إليك تحياتهم و احترامهم.

الطائف في 20 جمادى الأول 1271 ه 15 فبراير (شباط) 1855 م التوقيع: عبد اللّه بن محمد سيد شمس الدين‏

331

الفصل الحادي عشر من الطائف إلى جدة

غادرنا الطائف في 2 مارس (آذار)، في الخامسة مساء، للعودة إلى جدة، و عبر طريق أخرى، صالحة لسير الهجن في كل مراحلها، و هي تنحرف عن مكة المكرمة أكثر من الطريق الأولى. كان يوم السفر يوم خميس أيضا، و هو أكثر أيام الأسبوع مناسبة للسفر كما ذكرت سابقا. كانت قافلتنا/ 267/ كما في القدوم: الهجن نفسها، و الأرحل نفسها، و المرافقة نفسها، و لم يكن ينقصها إلّا العبد أبو سلاسي الذي لم نكن راضين عن تصرفاته. و يبدو أنه شكي للشريف الأكبر فأبعده عن الطائف خلال وجودنا فيها، و استبدل به في العودة عبدين آخرين من خدمه هما: علي و مرزوق، و كانا مختلفين كل الاختلاف عن أبي سلاسي، و كانا طوال الرحلة يتسابقان لأداء الخدمات، و إشاعة البشاشة و الابتهاج. و كان الشريف حامد و رئيس الجمالة أحمد حمودي قد عادا إلى وظيفتهما بمرافقتنا.

و انضم إلينا شريفان آخران لحظة الانطلاق، أحدهما أرسله الشريف الأكبر لمصالحة قبيلتين في حالة حرب، و الآخر اسمه عبد المطلب، و هو عجوز عمره 75 عاما كان عائدا إلى بيته في وادي فاطمة (1) الذي كان ينبغي علينا عبوره. كانا

____________

(1) يقع وادي فاطمة شرقي جدة، و يبعد عنها قرابة 60 كيلومترا، كما يبعد عن مكة المكرمة حوالي 25 مترا. و فيه أملاك كثير من الأشراف. و في معجم أودية الجزيرة لعبد اللّه بن خميس أن اسمه القديم: مرّ الظّهران، و هو واد من السفوح الغربية للسراة غرب الطائف ... و يسمّى عند أبي حصاني وادي (فاطمة) نسبة إلى فاطمة زوجة بركات بن أبي نميّ أو أمه أو نحوه، و يسمى الوادي أيضا وادي (الشريف) نسبة إلى الشريف-

332

يمتطيان هجانين، بينما كانت فرساهما تخبّان بحرّية في وسط القافلة. لم يكن بالإمكان بكل تأكيد أن نسافر برفقة أشخاص أكثر تقديرا من هؤلاء على أرض الإسلام المقدسة.

خرجنا من المدينة عبر الباب المقابل للباب الذي دخلنا (1) منه، و قدّمت لنا هنا أيضا، و للمرة الأخيرة، التحية العسكرية من الحرس العثماني. و لم نكد نتجاوز

____________

- أبي نميّ الذي حكم مكة 60 سنة من 932- 992 ه، و كان ممتلك الوادي فنسب إليه. و ذكر البلادي في معجم الحجاز 8/ 102 أنه كان في مر الظهران (300) عين، و أنه أدرك" 36" منها ... أما القرى ففي وادي مر الظهران اليوم ما يزيد على أربعين قرية، و طوله (208) كيلومتر. و انظر: رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 38. و قد ذكر البلادي في: أودية مكة المكرمة، موثق سابقا، ص 9- 11 جغرافيته و تاريخه؛ و انظر مكة المكرمة في شذرات الذهب للغزاوي، دراسة و تحقيق لبعض المعالم الجغرافية، اختيار و تصنيف و تحقيق د. عبد العزيز صقر الغامدي، و د. محمد محمود السرياني، و معراج نواب مرزا، مطبوعات نادي مكة الثقافي، 1405 ه، ص 216- 219. و يبدو أن أساس ما يذكره ديدييه من أن الوادي كان صدقة فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها ما جاء في كتاب عرام بن الأصبغ السلمي: أسماء جبال تهامة و سكانها، المنشور ضمن نوادر المخطوطات، تحقيق عبد السلام هارون، ط. دار الجيل، بيروت، ج 2، ص 404، 1411 ه/ 1991 م؛ إذ يقول عرام:" ... و منها (أي من القرى في وادي مر الظهران)، أم العيال: قرية صدقة فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ... و عليها قرية يقال لها: المضيق". و يميل محققو ما جاء عن مكة المكرمة في شذرات الغزي، ص 218- 219 (الحاشية) أن الوادي منسوب إلى فاطمة بنت الشريف ثقبة بن رميثة، و قد تزوجت ثلاثة أشراف كانوا يقطنون الوادي، و قضت شطرا كبيرا من حياتها في الوادي ... و ربما تكون هي التي أعطت الوادي اسمه الحالي.

(1) لعله باب الحزم الذي يؤدي إلى قصر شبرا، و للطائف ثلاثة أبواب هي: باب الريع، و باب الحزم، و باب ابن عباس. و ذكر تاميزييه في رحلته (النص الفرنسي)، ج 1، ص 272- 273 أن الدخول إلى الطائف عبر ثلاثة أبواب: أولها في الجهة الشمالية الغربية و يسمى: باب مكة أو السيل أو الشريف. (و الثاني): باب السلامة، و يقع في الجنوب الغربي ... و الثالث هو أبو العباس (الصواب، ابن عباس) و يشرف على جهة-

333

الأسوار، حتى وجدنا على يميننا قصرا ضخما أبيض، تحيط به حديقة خضراء/ 268/ كثيفة الأشجار، اسمه شبرا مثل اسم قصر خالد باشا الذي يقع على بعد ثلاثة أميال من القاهرة. ثم دخلنا بعد ذلك في مراع فسيحة حيث أدركنا الليل هناك. و كانت تبدو من بعيد في الظلام باقات من أشجار النخيل، و كان ضجيج قطعان الماشية يختلط بعواء الكلاب. و استمر بنا السير على تلك الحال حتى وصلنا إلى قرية لقيم‏ (1) التي كانت المحطة الأولى في هذه المرحلة.

و كان أحد تجار الطائف، و اسمه قاري‏Kari ، و هو عدو لأسرة شمس، يمتلك في هذه القرية منزلا هيأه لنزولنا، و جاء بنفسه إلى القرية لاستقبالنا مع بعض أقاربه.

لقد أراد، و بعد أن استضافتنا أسرة عدوه شمس في الطائف على غير ما كان يتمناه، و تعويضا عما حصل، أن يستقبلنا في بيته الريفي. لقد أدى واجبه على الوجه الأكمل، و إن كان لي ما آخذه عليه فهو أنه جعلنا ننتظر خروف الضيافة المعتاد حتى بعد منتصف الليل. كان يشرف على العشاء، و لكنه رفض المشاركة فيه: حسبما تقتضي أصول اللياقة. نمنا كما ينام المسافرون، أي بكامل ثيابنا، في غرفة كبيرة في الطابق الأول، و قد فرش فيها من أجلنا السجاد بعضه فوق بعض. و لّما أطللت في الصباح‏

____________

جنوب- جنوب غرب ... و قد كان فيما مضى باب رابع اسمه: باب تربة، و لكن محمد علي عندما استولى على الطائف من الوهابيين أمر بسده لأن هجمات الوهابيين كانت من هذا الجانب، و لم يعد يعرف مكانه من ذلك الحين.

(1) في الأصل‏Gouem ، و لعل الصواب لقيم. و قد أشار البلادي في كتابه: على طريق الهجرة (رحلات في قلب الحجاز)، د. ت.، ص 37 أن لقيم تنطق مدغومة القيم و لعل ديدييه سمعها كذلك. و قال البلادي إنها من أودية الطائف.

334

برأسي من النافذة، بل من الكوة التي تسمح للضوء بالدخول إلى الغرفة، وقع ناظري على بركة ماء كبيرة تحيط بها حديقة تغطيها أشجار البرتقال/ 269/ و الرمان و الليمون.

قدم لنا الفطور في سرادق مفتوح، غارق في حضن الخضرة، و جعلنا سحر هذا المكان الرطب نبقى فيه أكثر مما ينبغي للمسافرين، ثم غادرناه متأخرين. كان علينا بادئ ذي بدء أن نعبر أحد المراعي أو ما يسمّى بذلك في الجزيرة العربية، و هو سهل رملي فسيح، تنتشر فيه طاقات من الأعشاب التي كانت في ذلك الوقت يابسة من الشمس؛ و نجد في تلك المراعي بعض الأغنام و الماعز التي ترعى وحدها. و تبدو هنا أو هناك قرية للرعاة المستقرين تنتشر بيوتها في ذلك السهل. و يسمّى هذا البلد كله حزم القميع‏ (1). و ينتهي السهل قريبا، و ندخل في منطقة جبلية جرداء فيها أودية مثل:

وادي طلح، و يتلوه وادي النبيعة. و كلما توغلنا في المسير أصبح المكان أكثر وحشة و كآبة؛ فيتعرّج الطريق بين المرتفعات الجرانيتية القاحلة التي أحرقتها الشمس، أمّا الصخر فهو قاس، و يكتسي لونا أمغر، و تلتمع فيه الميكا (2)Mica و كأنها شذور الجوهرة. و مع أن الشعب كثير الحجارة فإن السير فيه كان في البداية سهلا، و لكنه‏

____________

(1) كتبت في الترجمة الإنجليزية لرحلة ديدييه، موثق سابقا، ص 137Hazm al -Qumayyah و في أصلنا الفرنسي‏Hazm -el -Komee و هو الصواب.

(2) الميكا أو الميكة: هو أحد مكونات الجرانيت، و كان العرب يسمونه" بلق"، انظر: معجم المصطلحات العلمية و الفنية و الهندسية (إنجليزي- عربي) إعداد أحمد الخطيب- مادةMica عن حاشية رحلات بوركهارت ...، موثق سابقا، ص 65، الحاشية (1).

335

ينخفض فجأة، و يصبح الطريق منحدرا انحدارا عموديا إلى قعر هوة، كان هذا الممر المسمى ريع المنحوت بفضل اللّه قصيرا، و لكنه كان من الصعوبة بمكان. و لم تكن الهجن لتستطيع السير فيه إلّا بصعوبة كبيرة، و كانت تنزلق في كل خطوة على/ 270/ الصخور الناتئة أو المتحركة. مع ذلك فإنني لم أهن سحابة، و هو اسم الهجان الذي كنت أركبه، بالنزول من على ظهره، بل بقيت بشجاعة على الرحل، و لم أندم على ذلك.

وصلنا كلانا، الهجان و أنا، سالمين إلى أسفل الهوة، و لم تكن بقية القافلة أقل حظا منا، و لما تجاوزنا تلك العقبة، دخلنا في ريع أكثر تناسبا مع قدرة الإنسان هو:

ريع الزلالة. و قد كان هذا المكان في سالف الأيام يثير رعب المسافرين، الذين كان بدو قبيلة عتيبة يهاجمونهم فيه، و يسلبونهم أمتعتهم؛ و عتيبة (1) قبيلة قوية، و محبة للحرب، تنتشر في الجبال الممتدة جنوب الطائف حتى المدينة المنورة. و يمكن لها أن تستنفر ثمانية آلاف فارس غالبيتهم مسلحون ببنادق الفتيلة، و هي لا تني تغزو جيرانها. و على الرغم من أنها ما زالت تتقاضى خوة من القوافل التي تعبر أرضها، فإن سلطتها لم تعد تمتد إلى هذه المنطقة، و لم يخطر ببالي أبدا أن يعرض لنا عارض خطر لأننا كثر أولا، و لأننا ضيوف الشريف الأكبر، و نحن في حمايته، سواء كنا في جنابه أم بعيدين عنه.

____________

(1) انظر عن قبيلة عتيبة كتاب: الطائف، جغرافيته- تاريخه- أنساب قبائله، موثق سابقا، ص 86- 103.

336

ينتهي الريع بواد واسع يسمى السيل؛ و هو قاحل، و رملي، و قد أحرقته الشمس. و كانت تنتظرني فيه مفاجأة: إذ ما كدنا ندخله، و نسير فيه بعض الأميال تحت شمس حارقة، و جو خانق، حتى وجدت نفسي دون سابق إنذار، و كأنما بفعل السحر على حافة/ 271/ نبع غزير، و صاف، ينبجس من الرمل و يتدفق بغزارة، و تنتشر حوله نضارة عذبة. و يوجد بالقرب منه نطاق واسع من الصخور المنحوتة بزوايا مستقيمة، و لا تكاد تظهر على وجه الأرض، و مرتبة بتناسق و كأنها مدرجات.

و إننا لنخال أن يد الإنسان امتدت إليها بالتنظيم، و سيكون من السهل، بقليل من الخيال المبدع أو حسن النية، أن نرى في هذا المدرج الطبيعي عمل شعب بائد من العمالقة الذين كانوا قبل الطوفان. و لم نكن لنعفي أنفسنا من التوقف في هذا المكان المعدّ أحسن إعداد: لقد توقفنا فيه وقتا أطول مما ينبغي، و أخرجنا للمرة الأولى المؤنة التي حمّلونا إياها في الطائف. و لما أذّن العصر هب الأشراف إلى الوضوء و الصلاة وسط القوم، و كانوا على سجاجيد الصلاة يركعون و يسجدون بخشوع كما لو كانوا وحدهم. و لا يخجل المسلمون من ذلك في هذا الخصوص؛ فهم يبادرون إلى ممارسة أركان دينهم في أي مكان كانوا، و مع كائن من كان. و انضم إلى الشريفين اللذين رافقانا من الطائف ثالث، و لم أعد أدري في أي مكان حصل ذلك، كان ما يزال حدثا، لم يكد يتجاوز سن الطفولة، و ليس له من العمر أكثر من أربعة عشر عاما؛ كان اسمه أحمد، و كان يمتطي جوادا أشهب جميلا. و لم تقم بيني و بينه أي علاقة، و لست أدري هل هو الخجل؟ أم كوني نصرانيا، هو الذي أبقاه بعيدا عني. أما العجوز عبد المطلب فقد كان أقل عزلة؛ و وعدنا/ 272/ بالتوقف في منزله عندما نمر به، و اتفقنا على أن‏

337

نمكث لديه يوما كاملا، و عرض أن يدعو على شرفنا عددا من جيرانه الأشراف.

و لكن هذا المشروع لم يكتب له النجاح، كما سنرى بعد قليل.

إن وادي السيل محاط بالجبال في كل الاتجاهات، و يحدّه من الغرب هرم ضخم من الجرانيت المقوض بعضه فوق بعض، و الذي تتراكم صخوره فوق بعضها، راقدة هنا منذ آلاف السنين، و كأنها خرائب الصروح العملاقة. رأيت في هذا المكان راعي الصحراء الحقيقي، و أعني قطيعا من النوق مع صغارها، و كان أحدها، و قد ولد في اليوم نفسه، محمولا كالطفل الصغير بين ذراعي أحد الرعاة. لقد استقبلنا هؤلاء الرجال الشجعان استقبالا حافلا، و قدموا لنا لبنا كثيرا في صحفات من خشب.

و كان وسط السهل بدوي أرخى العنان لجواده و اقترب من هجني، ليس ليضربني بسيفه، و لكن من أجل أن يلمس يدي، و مددتها له بطيبة خاطر، و لّما قبض عليها حياني على الرغم من كوني غير مسلم بقوله: السلام عليك، و هي تحية يتبادلها المسلمون بينهم. و لعل القرّاء الفرنسيين قد تعرفوا في هاتين الكلمتين العربيتين (السلام عليك) الأصل الاشتقاقي للكلمة الفرنسيةSalamalec (بمعنى السلام عليك).

كنا في هذه الأثناء نسير بحذاء أسافل جبل/ 273/ في غاية القحط؛ إنه جبل يسومين‏ (1)، و كان هناك جبل آخر ليس أقل قحطا منه هو أم‏

____________

(1) كتبه ديدييه‏Djebel -Yassoumaine ، جاء في معجم معالم الحجاز، ج 10، ص 22:

يسوم: المعروف اليوم يسومان: جبلان أسودان متقابلان على جانبي وادي نخلة اليمانية، يسمى الشمالي يسوم سمر لشعب يصب منه في نخلة، و يسمى الثاني- و هو الأشهر- يسوم هلال لشعب يصب منه في نخلة أيضا، و هذا الجنوبي هو الأشهر يبعد عن مكة" 63" كيلا شرقا، يدخل الطريق و سيل نخلة بينهما.

338

الخصف‏ (1)Djebel -Em -el -Khassaf الذي كان يسد الأفق أمامنا. و لكننا لّما التففنا حول هذا الجبل الأخير، بدا ممتدا أمامنا واد ضخم، و مع أننا كنا نسير، و الشمس توشك على الغروب، فإنها كانت تشع أمام عيوننا؛ مما كان يضايقني على الرغم من أنني كنت أضع كفية للاحتماء منها، و لم أكن أرجو إلّا رؤيتها تغرب. لقد غربت أخيرا، و عند الغروب كنّا ندخل في وادي الليمون أحد أشهر أودية هذه المنطقة من الحجاز. و لم أكن أستطع الحكم سلفا إن كان يستحق هذه الشهرة، لأن الليل لم يتأخر في إدراكنا، و لم يتركني أرى إلّا المظهر العام المظلم للجبال على خلفية ملتمعة من النجوم.

كنا نسير منذ اثنتي أو ثلاث عشرة ساعة، و بدأ البشر و الحيوانات يشعرون بالحاجة إلى الراحة. توقفنا لقضاء الليل قرب قرية الزيمة التي لم يكن أي شي‏ء، لا و ميض ضوء، و لا أي ضوضاء يدل على أنها في جوارنا، و لّما لم يكن معنا خيام فإننا خيّمنا في العراء فوق الرمال، كما لو أننا جنود في حملة عسكرية، و ذهب العرب الذين برفقتنا ليأتونا بالحليب، و جاؤوا بما يكفي الجميع.

و بدأ غاسبارو في ممارسة مهنته للمرة الثانية منذ أن غادرنا جدة، و لم يتأخر العشاء بفضل المؤنة التي حملناها من الطائف. و بعد وقت قصير كانت القافلة كلها

____________

(1) المعروف هو أبو خصف: جبل كبير أشهب يقع على وادي نبع الشرقية مقابل لجبل أظلم من الشمال، قرب الجعرانة (و هي على طريق مكة- الطائف). انظر: معجم معالم الحجاز للبلادي 1399 ه/ 1979 م، ج 3، ص 130- 131؛ و انظر: معجم أودية الجزيرة العربية، عبد اللّه بن خميس، ط 1، 1415 ه/ 1994، ج 2، ص 324.

339

تغط في نوم عميق، و مع أننا كنا/ 274/ ثلاثين رجلا، و ستة عشر جملا أو هجانا، و ثلاثة أو أربعة أحصنة في مكان ضيق، فقد نام كل واحد حيثما توفر له المكان.

كان الصمت مطبقا، و حسبت نفسي وحيدا. كنت مستلقيا على سجادتي، و ملتفا بعباءتي، كنت آخر من تسلل النوم إلى جفونه، و بانتظار أن يغلق النوم جفنيّ أرخيت العنان لبصري ليجول في قبة السماء الواسعة المتلألئة التي لم تكن قد انطفأت بعد في نظري، كما هي الحال عليه اليوم. و منذ أن انطفأ نور السماء أمام عيني، في الوقت الذي تضي‏ء للآخرين، فإنني أعود بذاكرتي برقة خالصة، مشوبة بالحزن، إلى ليالي الجزيرة العربية التي طالما أسعدتني بروعتها، و أحب أن أرى بنور البصيرة ما لم أعد أستطيع رؤيته بطريقة أخرى.

و لّما كنت قد حرمت للأبد من أكثر المشاهد التي يمكن للإنسان تأملها روعة، مشهد هو أكثر مهابة أيضا في تلك المرتفعات المميزة، فإنني أمتح من ذكريات الماضي ما يعزيني في الحاضر، و يمنحني للمستقبل شجاعة و قوة، كي لا أضعف وسط الظلمات التي تحيط بي، و حتى أستطيع، و أنا أحتضر في ظلمتي، و أنا أعيش مستسلما لها، أن أردد مع أحد الشعراء:

لقد غرقت، و صرت اليوم في لجج‏* * * من الظلام و لا أرجو شواطيها

و عالم النور قد سدّت منافذه‏* * * أمام عيني و لا شي‏ء يداويها

و إن روحي تضاء اليوم آملة* * * أن السلام من الحسرات ينجيها

و إن علمي أن المرء مختبر* * * أعطى الحياة كثيرا من معانيها

340

/ 275/ كنت في الفجر صاحيا. و اكتشفت المشهد الطبيعي شعّت أول حزم الضوء في الصباح؛ ذلك المشهد الذي لم أستطع رؤيته في مساء اليوم السابق. كان قعر الوادي ضيقا جدا في هذا المكان، تغطيه الرمال القاحلة، و لكن الجوانب مزروعة بالأشجار، يكسوها العشب الأخضر الكثيف على مدى امتدادها، و تتفجر الأرض عيونا في عدد من الأماكن مما يحافظ على النضارة و الخصوبة على الجانبين. و تختفي كل أنواع النباتات على علو الأشجار؛ فجوانب الجبال الجانبية و قممها جرداء تماما.

لقد كان هناك عدد من البيوت البائسة المنفردة، المفصول بعضها عن بعض، و التي تنتشر على أطراف المنطقة الخضراء، و منها تتكون قرية الزيمة التي يسكنها بدو متحضرون، ينصرفون إلى زراعة الأرض الصالحة للزراعة، و تربية قطعان الماشية.

و ينتصب على نتوء صخري، في مكان يشرف على القرية، حصن بني في سالف الأيام للدفاع عن المكان و حمايته؛ و هو مهدم منذ زمن طويل، و لا يخطر ببال أحد أن يعيد بناءه.

ما كادت القافلة تصبح على أهبة الاستعداد حتى تدفق علينا الحليب من كل حدب و صوب، لقد جاء من البدو، و بينهم بدويات بقين منقبات بإحكام احتراما للأشراف؛ و لو لا وجودهم لكنّ أكثر تهاونا، و لكنّا رأينا وجوههن بلا صعوبة.

و لكنني أعتقد أننا لم نخسر شيئا إذ لم نر وجوههن؛ لأن هيأتهن لا توحي بأنهن في سن الصبا، و أثواب القطن الأزرق التي تتلفع بها كل/ 276/ نساء المنطقة بعيدة عن إضفاء الأناقة عليهن. طالما لاحظت فيما مضى أن روح المساواة تسود بين العرب،

341

و وجدت هنا دليلين آخرين على ذلك: أولهما يكمن في الطريقة التي تعامل بها العرب مع الأشراف و معنا؛ إنها طريقة عفوية و أبية، و لكنها على الدوام مؤدبة، و ثاني الأدلة يكمن في السمة السلوكية التي أذكرها لكم: كان الشريف حامد يأكل معنا عادة، و لكنه كان يمتنع عن ذلك في بعض الأحيان، و في هذا الصباح على سبيل المثال، تناول فطوره قبل الانطلاق مع أحمد حمودي، رئيس الجمّالة، و آخرين ممن ليسوا من طبقته. لم يكن يتصرف كذلك متصنعا، و لا سعيا إلى أن يكون له شعبية لديهم، لقد كان يقوم بذلك ببساطة فطرية، و لأن ذلك كان يبدو له أمرا عاديا، متأصلا في سلوك البلد.

لقد تأخر انطلاقنا بسبب حادث مؤسف: إذ أصيب الشريف العجوز عبد المطلب بنوبة حمى شديدة جعلته غير قادر على الانطلاق، و لا على مغادرة سجادته. كان التغير الذي اعترى قسماته يدل على اضطراب عميق في أعضاء الجسد و وظائفه. و كان هو نفسه يظن أنه يعيش ساعته الأخيرة؛ و لكنه لّما كان مستسلما لمصيره، فلم يكن يصدر عنه أية شكوى أو أنين، و لم يكن يرجو من اللّه إلّا أن يمنحه القوة كي يستطيع الوصول إلى أهله ليموت بينهم. كان يقول بصوت خافت:

" خمسة و سبعون/ 277/ عاما، و أنا على ظهر البسيطة؛ لقد حان الوقت كي ألحق بأسلافي. و أود أن أموت في بيتي بين أهلي و عشيرتي، و إن كان القضاء غير ذلك فلتتحقق إرادة اللّه! و إنني راض بما قدره من قبل. أينما يمت المسلم فإنه يذهب إلى الجنة؛ إذا كان قد التزم خلال حياته بما شرّعه اللّه في القرآن الكريم، و أنا التزمت‏

342

بذلك طوال حياتي بقدر ما يستطيع الإنسان الضعيف أن يفعل ذلك، و إن حصلت مني مخالفة فذلك بسبب ضعفي، و ليس أبدا بنية عصيان اللّه، و أرجو إذا أن يرحمني، لأنه الرحمن الرحيم".

لم يقل المريض هذا الكلام متتابعا، و بصورة خطاب كما ذكرته، و لكنه كان في الغالب متقطعا بآلام المرض. كنا نحيط به، و الحزن يملأ نفوسنا لحاله، و لكن لم يكن بوسعنا القيام بأي شي‏ء لمساعدته؛ إذ لم يكن معنا طبيب و لا صيدلي، و لعل ذلك بالتحديد ما أنقذه. و لّما تراجعت نوبة الحمى قليلا أصبح بالإمكان وضعه على ظهر هجانه في وضعية مريحة، ليستطيع تحمل وعثاء السفر. كان الشريف الصغير الذي أظنه من أقربائه المقربين، يرافقه مع بعض رجال مرافقتنا. و كنت في غاية الرضا عندما علمت في اليوم التالي أنه وصل إلى منزله في حالة أفضل بكثير من حالته عندما غادرنا، إذ لم يكن قد شفي تماما. و بذلك فشل/ 278/ مشروع زيارته في بيته خلال مرورنا بديرته.

و كان الشريف الثاني الذي جاء معنا من الطائف قد غادرنا لتنفيذ مهمة المصالحة التي كلفه إياها الشريف الأكبر، و لم يبق معنا من الأشراف الأربعة الذين كانوا برفقتنا في مساء اليوم السابق إلّا الشريف حامد الذي ظل حتى ساعة الرحلة الأخيرة، كما كان عليه في ساعتها الأولى، رجلا لطيفا، و ظريفا، و حريصا، و أكثر الرجال كياسة.

انطلقت القافلة أخيرا، و لكننا لم نسر وقتا طويلا لأننا بعد ساعة على الأكثر توقفنا في سولة، و هي قرية أحسن بناء من الزيمة، و بيوتها أكثر تجمعا من بيوت الزيمة.

343

يبدأ هنا وادي فاطمة المشهور في الحجاز، و هو ينتج الخضار التي تستهلكها مكة المكرمة و جدة. إنه متسع كل الاتساع، و يدين باسمه لفاطمة بنت محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رضي اللّه عنها؛ إذ يروى أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قدمه لها صدقة عندما زوّجها عليا رضي اللّه عنه. و لّما كان الأشراف ينحدرون منها عبر ولديها الحسن و الحسين رضى اللّه عنهم فإنهم يكنون لهذا الوادي الغني، و الخصب، و للريف الذي يتبعه، و يستعير منه اسمه، اعتبارا خاصا. و يتخذ منه كثير من الأشراف دار إقامة، و منهم الشريف اللطيف حامد. ترجلنا من على ظهور المطايا عند باب أحد المنازل الذي كان أصحابه ينتظروننا، و لكنني لم أدخله لأن الشريف حامدا قادني مباشرة إلى بستان مجاور، اسمه النص‏El -Noss ، حيث هيأ لي مفاجأة.

لقد كانت مفاجأة سارة، و من ألطف ما يمكن أن يكون، لأن/ 279/ المشهد لم يكن البتة منتظرا، و لم أكن قد رأيت أجمل منه منذ زمن طويل، و فيه بعض أوصاف الجنة كما بينها اللّه تعالى في القرآن الكريم. و لم يكن ينقص هذا المكان إلّا الحوريات لكي يستوفي كل أسباب الكمال. كان يتعرج عبر هذه الجنة الصغيرة جدول ماء غزير و صاف، على أرض مملوءة بالحصى الأبيض، و كانت تعرجات الجدول الأنيقة تختفي في كثير من الأماكن تحت العشب الطويل المتشابك. و تزدهر فيه بروعة، و تتآلف بدقة، أشجار البرتقال، و النخيل، و الموز، و غيرها من أشجار المناطق الاستوائية، إنها تختلط، و يقترب بعضها من بعض، حتى إن أشعة الشمس القائظة لا تستطيع اختراق ظلالها لشدة كثافتها و عدم نفوذيتها، و تسود فيه في قلب الظهيرة برودة لذيذة. لم يكن‏

344

هناك ما يمكن أن ينتزعني من محيط الخضرة الذي أستحم فيه، كنت مستلقيا قرب جدول الماء تحت شجرة موز (1) كانت أوراقها العريضة بمثابة مظلة فوق رأسي، و تتدلى من حولي كما لو أنها عدد من المراوح، كنت أود تناول طعام الغداء تحتها، و البقاء هنا طوال النهار. و نفهم عندما نرى هذه الشجرة التي لا مثيل لها، لماذا يجلّها الهندوس إجلالا عظيما، و لماذا يمارسون في ظلها طقوسهم، و يقدمون تحتها قرابينهم، و لماذا يجعلون منها المكان الذي يضعون فيه أكثر آلهتهم تبجيلا، جانيشا (2)Ganesha ، إلهم الكبير/ 280/ الذي تجتمع فيه كل الصفات، و يجمع بين وظائف أبولون‏ (3)Apollon و ميركور (4)Mercure في التقاليد الهيلنيستية.

____________

(1) قال البلادي في معجم معالم الحجاز، ج 4، ص 150، الزيمة: عين ثرة عذبة الماء بوادي نخلة اليمانية ... و هي مشهورة بجودة الموز، و يغرس إلى جانبه النخل و الفواكه. يمر بها طريق مكة إلى الطائف المار بنخلة اليمانية على (45) كيلا.

(2) واحد من أحب الآلهة و أكثرها شعبية في الديانة الهندوسية بدأت عبادته حوالي عام 400 ميلادية و ما يزال يعبد حتى اليوم و تبدأ جميع الطقوس الدينية لدى الهندوس بالتضرع إلى جانيشا، و يمكن أن يكون له عدد كبير من الرموز، و لا سيما الصدفة أو المحارة و الصولجان و القرص و زنبق الماء، و يضرع إليه الناس قبل القيام بأي رحلة أو في بداية مشروع جديد، و نجد صوره في مدخل المعابد و المنازل. انظر: معجم ديانات ...، موثق سابقا، ج 2، ص 12- 13.

(3) أحد آلهة الأولمب الاثني عشر في أساطير اليونان- و هو إله متعدد الوظائف. انظر:

معجم ديانات ...، موثق سابقا، ج 1، ص 101- 104.

(4) إله التجار و التجارة في الأساطير الرومانية، و كان يقوم بمهمات عديدة. انظر: معجم ديانات ...، موثق سابقا، ج 2، ص 412.

345

كان يقوم على خدمتي ولد صاحب هذا البستان أو حفيده، و عمره بين 14 و 15 عاما، كان يفعل ذلك دون أن يزعجني، فيحمل إلي النارنج؛ و هو نوع البرتقال الوحيد الذي ينتج في هذه البلاد، و يقوم بتبريد الماء في زجاجة معلقة بالأغصان، كان باختصار، يقدم لي ألطف ما يمكن أن يقدم من واجبات العناية بالضيف، و يفعل ذلك بابتهاج هو من خصوصيات سن الشباب.

كنت متوترا بفعل القحط، و حر النهار القاسي في اليوم السابق، استرخت أعصاب جسدي كلها بالتدرج بتأثير ذلك الجو الرطب المنعش. كانت كل طاقات الحياة تستعيد فيّ لدونتها. كنت أتنفس بارتياح شديد، و كان الدم يجري في عروقي بحرية أكبر، و قرّت عيناي عندما وقعتا على الكساء الأخضر الفضفاض الذي كان يرفرف من حولي، بعد أن كانتا متعبتين من التماع الرمل و الصخور، لقد شعرت بالجملة برغد العيش المادي و المعنوي الذي لم أكن عرفته، أو أنني كنت أظن ذلك. لقد انتهى بي الأمر بفضل الراحة المطلقة، و الاستراحة الطويلة، و استمرارية الإحساس الفريد و اطراده، الإحساس نفسه على الدوام، بفضل ذلك كله، انتهى بي الأمر إلى الغوص في حلم يقظة عميق، منسلخا عن العالم الخارجي، و ناسيا له تماما، و انتهى بي أيضا إلى فقدان الإحساس بالزمان و المكان، و كنت لأيا/ 281/ واعيا بذاتي. من أين أتيت، و أين أنا، و أين أمضي؟ و لم أكن أعي ذلك كله إلّا بصورة ضبابية مختلطة.

كانت تتراءى أمامي و تعود إلى الترائي أحداث الرحلة التي قمت بها و مراحلها، و الأماكن، و الصروح، و الأشخاص، كما لو أنها أضغاث أحلام. و لم أكن ألمح العودة

346

إلّا من خلال ضباب كثيف في مكان بعيد سديمي. و إن حدث لي في الفلتات أن أفكر بأوروبا و باريس، و بأصدقائي و أعدائي الذين تركتهم هناك، و بالصراع المرير الذي كان علي في الماضي أن أخوضه هناك، و بسوء الحظ المرير الذي كان يلازمني هناك، و بالخيانات الغادرة، و بالمصائب المتنوعة التي حلت بي، كل هذه الأشياء، كانت تعبر ذاكرتي كما لو أنها ذكريات مبهمة لحياة سابقة لم تنته أبدا: كان الندم و الآلام، حتى أكثر المشاعر شرعية، كل ذلك، قد خبا في غمرة انغماسي فيما يفوق الوصف من سكينة و سلام.

استمرت هذه السعادة البالغة، هذا الكيف، بالعبارة المحلية المناسبة لوصف حالة الجسد و الروح التي كنت فيها حينئذ، سبع ساعات كاملة، و قد مرت هذه الساعات السبع كما لو أنها ثانية واحدة. لقد أعادني إلى الواقع نفير الانطلاق، لأنه كان ينبغي في نهاية الأمر أن ننطلق، و بينما كنت منغمسا في الملذات الهانئة لذلك المنتجع الريفي‏ (1)، كان يجري على بعد خطوات أمام البيت الذي نزلنا فيه مشهد/ 282/ مختلف تماما؛ لقد كان عمل الشريف حامد يقتضي منه أن يكون في مكة المكرمة، إلّا أنه كان يقيم، كما سبق لي القول، في وادي فاطمة، و له فيه بيته و حريمه، و كان يقضي هناك كل الوقت الذي تتركه له أعماله. لقد كان بالتالي معروفا هناك، و محترما، و الناس كلهم يحبونه، و لّما ذاع نبأ وصوله إلى سولة جاء بدو الجوار زرافات، بعضهم للسلام عليه فقط، و الآخرون لمذاكرته في شؤونهم. وجدته هناك في وسط حلقة من‏

____________

(1) في الأصل‏Gapoue - اسم منتجع ريفي في إيطاليا.

347

البدو، يجلسون القرفصاء حوله، و كلهم آذان صاغية. كان يوجه للجميع كلاما لطيفا؛ إنها محكمة في الهواء الطلق، تثير الإعجاب حقا، و كنت على الخصوص مأخوذا باللياقة و بالهدوء اللذين كانا يسودان هذا الجمع الغفير.

نهض كل الحاضرين لدى وصولي، و حيّوني بلطف كبير. و لّما كنت ضيف الشريف، فإن احترامي من احترامه، ناهيك عن أنني ما زلت ضيف الشريف الأكبر الذي كان، على الرغم من بعد المسافة، يسبغ عليّ حمايته بعد أن سارت الركبان بخبر استقباله لنا. كان وجودنا يثير خيال العرب فتعددت الروايات و شاعت حول هدف رحلتنا. علمت فيما علمت، عند عودتي إلى جدة، أن بعض الناس حسبونا اثنين من الباشاوات أرسلهما السلطان للقبض على الشريف الأكبر؛ كان بعض أولئك البدو (من أتباع الشريف) يرافقوننا/ 283/ في الذهاب، و قد كان بإمكانهم إطالة الطريق لو أن الشريف حامدا أراد ذلك.

كنا نسير في واد يشبه الوادي الذي قطعناه في الصباح، كان محاطا مثله من كلا الجانبين ببساتين، و تغطيه في الوسط الرمال الجرداء التي تنتشر فيها بعض الجنيبات الشوكية. و لا يمكن لشي‏ء أن يعطي فكرة عن هذا النوع من الأودية أفضل من تخيل نهر عريض يجري بين شطين تنتشر عليهما الخضرة، و لتخيل ذلك الوادي نستبدل بالماء رملا. سيكون من التكرار الممجوج القول: إن الجبال الجانبية جرداء تماما؛ لأنها تتشابه في هذا الجانب، و كان في آخر الوادي جبل مميز بشكله من الجبال الأخرى كلها:

فبدلا من النتوءات و القبب التي تتوج الجبال الأخرى كانت قمة جبل الحرة، و هو اسمه،

348

مستوية تماما حتى إن قطعها يحتاج إلى أربعة أيام. كنا قد انطلقنا متأخرين، و كان الليل سيدركنا قريبا، ليل هادئ و مضاء كما هو حال كل الليالي في هذا الجو البهيج.

كنا مستريحين بفضل التوقف الطويل في سولة؛ لذلك كانت القافلة تسير بسرعة و خفة، و كان الجميع في أحسن حال، و خصوصا العبد مرزوق الذي كان يسلينا بحيويته و بسروره الدائمين. كان مكلفا بخدمتي حصرا، و كان يمشي إلى جانب هجاني، و كنت من وقت إلى آخر أردفه ورائي، و قد بدا متأثرا كل التأثر بهذا الاهتمام/ 284/ الذي قابله بمضاعفة اهتمامه بي. و لّما اقتربنا من الريان؛ و هي قرية في وادي فاطمة حيث يسكن الشريف حامد، و كان علينا النوم فيها، سمعنا من بعيد صوتا منغما، و أجابه صوت مماثل انبعث من وسط القافلة؛ ثم ساد الصمت، و بعد لحظات قليلة وجدنا أنفسنا وجها لوجهه مع جماعة من الناس؛ منهم من يمشي، و منهم من يمتطي الهجن؛ لقد كانوا من أسرة الشريف حامد و من خدمه؛ الشريف حامد الذي تقدمنا، و لم نتأخر في الوصول جميعا معا إلى منزله.

يقع منزل الشريف في مكان قليل الجاذبية، محروم من أي ظل، و يرتفع على بعد خطوات منه جبل من الجرانيت، ليس فيه أي خضرة، تسكنه نسور من النوع الكبير.

كان المنزل مؤلفا من عدد من البيوت المربعة، المنخفضة، و غير المنفصلة، و يفصل بينها أفنية و جدران: كان يسكن في أحدها الخدم من الرجال، و في آخر، أكبر من الأول تسكن الحريم، و كان بيت ثالث يستخدم ديوانا، و يجلس فيه رب البيت خلال النهار، و يستقبل فيه الأجانب و الزوار، و يصرّف شؤونه؛ و قد أعدوا لنا هذا البيت. نمنا

349

فيه، و مكثنا الصباح كله فيه؛ و كان يتألف من غرفة واحدة في الطابق الأول، و من مصطبة/ 285/ فوقها. و قد أقيم حول الغرفة ديوان للجلوس، و كانت هناك عدة قطع من البورسلين، و الزجاجات البيضاء معروضة في طاقات محفورة في قلب الحائط. كان السجاد النفيس و العديد هو الفرش الوحيد في المنزل: لقد عددت منها ما لا يقل عن خمس عشرة سجادة ممدودا بعضها فوق الآخر. كانت تلك الغرفة الوحيدة تطل على الفناء الرملي، و المسور بجدار من الحجر.

كان جانبا الباب مزينين من الخارج بسلسلة من الدوارق الجميلة جدا، الموضوعة على دعامات صغيرة من الخشب المطلي بألوان زاهية. و جرت العادة أن تعطر تلك الدوارق قبل ملئها بالماء، و ليس ذلك مناسبا، لأنها تجعل للماء طعما غريبا لا يستسيغه الذوق.

و اعتمادا على ما قلته و أعدت القول فيه، عن لطف الشريف حامد فإنه يمكن أن نتخيل الطريقة التي استقبلنا بها في بيته. إن أولى فروض الضيافة لدى العربي، هي أن يجعل ضيوفه يأكلون كثيرا، و ينبغي على الضيوف مجاملته، و الأكل من كل أصناف الطعام التي يقدمها لهم، و لو كان عليهم أن يرتكبوا عشر مرات في اليوم خطيئة الشره.

و قد أفرط الشريف في الالتزام بتلك العادة. كان الخروف المحشو بالرز و اللوز الذي قدموه لنا في العشاء هائلا؛ و لم يكن خروفا الفطور و الغداء بأقل من ذلك، ناهيك عن عدد كبير من الأكلات المحلية، و الحلويات، و المربيات، و مسك ختام كل ذلك كمية

350

ضخمة من الأرز و اللحم و التوابل (البيلاف)./ 286/ كيف السبيل إلى الأكل بشهية في مثل هذه المأدبة؟ قدموا لنا الطعام على الطريقة المعتادة في هذا البلد، أعني على الأرض، و إلّا فعلى طاولة مستديرة ترتفع عن الأرض مقدار ست أصابع، و يغطيها طبق من النحاس يسمّى: صينية، يتحلّق المدعوون حولها، و لم أجد ذلك مريحا، و أقل منه راحة أيضا أن تجد نفسك مجبرا على الأكل باستخدام أصابعك دون صحون و لا فراش. و كان الإبريق يؤدي مهمته بانتظام، لأن كل واحد من الحاضرين يغسل يديه بعناية قبل الطعام و بعده.

أجبرت مستضيفنا على أن يأكل معنا على الرغم من أنه كان يمتنع عن ذلك باعتباره ربّ المنزل، كان لأتباعه و عبيده و خدمه مظهر حسن، كانت تبدو عليهم جميعا علامات النظافة، يلبسون ثيابا جميلة جدا، و كان بعضهم ينتطق، و هو يقوم بعمله، الخناجر. كانوا يقومون بخدمتنا بلطف نادر، مقتدين في ذلك بسيدهم.

كان صباح اليوم التالي قائظا، قضيته في راحة تامة. كنت قريبا جدا من الحريم، و كنت أسمع بوضوح جلبة النساء، و لكن دون أن ألمح أيا منهن. لا ينطق الشريف بكلمة واحدة عن أسرته، و العرب لا يتحدثون أبدا عن حياتهم الأسرية، و إنه لمن غير المناسب أبدا أن تتحدث معهم عن ذلك. إلّا أنني في مقابل ذلك تعرفت على عدد من أشراف المنطقة جاؤوا لزيارتنا. كان بعضهم ما يزال يافعا، و بعضهم الآخر/ 287/ في سن متقدمة. كان لأحد هؤلاء المتقدمين في السن لحية بيضاء موقرة كل الوقار،

351

و إذا حكمنا بما لقيه من الاحترام، فقد كان من ذوي الاعتبار، إلّا أنني لم أستفد منه، و لا من أضرابه أي فائدة. إن العرب متحفّظون كل التحفظ مع الأجانب، بل هم كذلك بينهم أيضا، و نتج عن ذلك أن حديثنا لم يكد يخرج من إطار المجاملات و العموميات. أتعرفون ما الذي يدهشهم عندنا؟ إنها أقلامنا التي تكتب بلا مداد، و كبريتنا الكيمائي الذي يشتعل بلا نار.

لقد ألح مستضيفنا الكريم إلحاحا كبيرا ليجعلنا نبقى في ضيافته إلى اليوم التالي على الأقل؛ و لكن لطفه كان يقتضي الفطنة منا، و ألححت لكي ننطلق في اليوم نفسه.

و انطلقنا بالفعل في الثانية ظهرا، في أكثر أوقات النهار قيظا. لم يستطع الشريف حامد أن ينطلق في الوقت نفسه بسبب بعض الزيارات، و بعض الظروف القاهرة، و استقر الأمر على أن يلحق بنا في المغرب.

و ما كدنا نخرج من المنزل حتى سلكنا مضيقا منحدرا وعرا، يضيق شيئا فشيئا بين جبلين عموديين، و هناك أرصفة صخرية ضخمة على وجه الأرض تجعل الممر شاقا و زلقا. ولجنا في آخر النهار سهلا واسعا، سيّئ السمعة، مما جعل أحمد حمودي الذي كان يقود القافلة في غياب الشريف، و يظل خلفها، يلتحق بنا/ 288/ عندما اقتربنا من قرية: أبو شعيب التي يشاع أن سكانها لصوص مهرة؛ إنها مثل الزيمة تتألف من عدد من البيوت المتفرقة التي يشرف عليها حصن صغير متهدم، و هناك على جانب الطريق بئر مطوية، كانت بعض النساء يمتحن الماء منها؛ لأنهن في‏

352

الصحراء المسؤولات عن هذا العمل، و نرى في الكتاب المقدس (العهد القديم) أن الأمر كان كذلك في عهد آباء الجنس البشري؛ فعلى البئر قابل يعقوب راحيل‏ (1)Rachel ، و موسى صفورة. لم نر أحدا آخر في هذا المكان المشبوه، و لم أر رجلا واحدا، لا في القرية و لا في نواحيها. و تأتي بعد هذه القرية، قرية أخرى اسمها بوجاري‏Bougari ، سيئة السمعة كسابقتها، و هناك أدركنا الشريف حامد يسوق هجانه مسرعا.

و استمر بنا السير إلى وقت متأخر في وسط الظلمة التي كان الهلال يخفف منها بضوئه السحري، و قضينا الليلة في مقهى حدّة. كنا بذلك قد وصلنا إلى النقطة التي يلتقي بها طريقا الطائف بعد التفاف طويل لكي نتجنب الاقتراب من مكة المكرمة أو رؤيتها حسب التعاليم الإسلامية.

أغمضت عيني بعض الوقت لأننا كنا محاصرين بالجرذان و غيرها من زوار الليل التي لم تكن أقل إزعاجا منها، لأنها كانت تختبئ في حصر المقهى، و كنت أسمع طوال الليل أصوات مرور القوافل التي يعلق بعضها أجراسا بأعناق رواحلها، و هي عادة وجدتها بعد ذلك/ 289/ في سمرن‏ (2)Smyrne ، في موسم جني العنب. كانت هذه‏

____________

(1) ابنة لابان‏Laban الصغرى في الكتاب المقدس (العهد القديم)، أحبها يعقوب، و كانت إحدى زوجاته و أنجب منها يوسف و بنيامين ... و ماتت راحيل في طريق إفراتةEprath " بيت لحم" بعد أن وضعت مولودها الثاني بنيامين فنصب يعقوب عمودا على قبرها و هو عمود راحيل إلى اليوم (سفر التكوين الإصحاح 35: 20). انظر: معجم ديانات و أساطير العالم، موثق سابقا، 3/ 171.

(2) مدينة في تركية.

353

الطريق هي طريق جدة إلى مكة المكرمة، و كانت القوافل كلها تتوقف، و لو لحظة في حدة، و قد كان فيها عندما طلع النهار عدد كبير من المسافرين، و كان بينهم مفرزة من جنود المدفعية الأتراك، و قد كان السيد دوكيه يعرف قائدهم: قدّمت له قهوة الصباح، و علمت منه أنه يتوجه إلى مكة المكرمة ليأخذ أحد المدافع الحربية و يتوجه بها إلى الشريف الأكبر، و كان هذا الأخير قد طلبه من الباشا لاستخدامه في تأديب إحدى القبائل المتمردة.

و لمّا كان الشريف الأكبر لا يملك لا مدفعية، و لا فرسانا، و لا جنودا منظمين فإنه كان مجبرا، على غير رغبته كما نظن، أن يطلب ذلك من السلطة العثمانية كلما كان بحاجة إليه لإخضاع القبائل التي يحكمها أو من المفترض أنه يحكمها، و التي تتمرد عليه. و ينتج عن ذلك أنه لا يلجأ إلى القوة إلّا عند الحاجة الشديدة، و بعد أن يستنفد كل وسائل الصلح.

كنت في أرض أعرفها، و لم يحدث في اليوم التالي ما يهمني. لقد رأيت من جديد خلال مرورنا خيام الباشي بوزوق، و قد وجدنا أنفسنا بعد مسافة قصيرة وسط زمرة منهم كانت تعود إلى معسكرها. و كان الشريف حامد لا يود لقاءهم، و لكن تجنبهم كان مستحيلا/ 290/ و لم يكن في اللقاء على أية حال ما أزعجنا: فقد كانت علائم الذل تبدو عليهم، و هم عادة متغطرسون، و بدوا مؤدبين و لو قليلا. و يبدو أن سبب ذلك ما أخبرونا به من أن سنجقهم (قائدهم) كرد عثمان أغا قد عزل؛ إذ كانت عداوته للعرب عموما و للشريف الأكبر خصوصا معروفة، و كان عزله بالنسبة

354

إليهم نصرا حاسما. كان الخبر صحيحا بدليل أننا قابلنا في مقهى البياضة، و هو المكان الذي أصبت فيه بالحمى في بداية الرحلة، بديل عثمان، و كان يذهب لاستلام منصبه على صوت الطبلة التي يستخدمها الجنود غير النظاميين في مسيرتهم، و كانت حاشية ضخمة و باهرة ترافق القائد الجديد. و لمحنا عند الظهيرة البحر في الأفق. كان الجو قائظا مع أن الهواء كان عاصفا؛ و لم يكن ليحمل أية برودة، بل كان يلفح وجوهنا بلظى النار، و يثير حولنا سحابات من الرمال. و مع أننا كنا قريبين كل القرب من المدينة فإننا توقفنا طويلا في الرغامة حيث ودعنا قبل اثني عشر يوما أصدقاءنا في جدة.

و الرغامة مكان كئيب كل الكآبة، و قبيح كل القبح، و لكن المصادفة جعلتنا نجد فيه لبنا لذيذا منعشا. و كان هناك أحد الجنود غير النظاميين، تأخر عن زملائه ليريح حصانه، و قد لقينا منه/ 291/، و هو أمر غريب، عناية فائقة.

إن عزل كرد عثمان أغا قد أذلّ أولئك الأجلاف. أدى الشريف حامد بالقرب مني بخشوع صلاة العصر، ثالثة الصلوات؛ و لمّا انتهى من صلاته حملنا عصا الترحال، و دخلنا جدة قبل الرابعة عبر باب مكة المكرمة. كنت في اليوم التالي حريصا بالطبع على زيارة الشريف حامد في بيت مصطفى أفندي، وكيل الشريف الأكبر، و قد وافقا على دعوتي لهما لتناول العشاء ليودع بعضنا بعضا؛ و ذلك في سكني المؤقت، و دعوت أيضا السيدين كول و دوكيه، و صديقي خالد بيك بن سعود الذي كانت سعادتي حقيقية برؤيته من جديد. تكفل غاسبارو بإعداد الطعام، عدا الخروف المحشو الذي لم يكن يعرف طريقة تحضيره كما ينبغي؛ لذلك عهدنا بتحضيره إلى طباخ محلي مشهور