الرسالة الثانية لأبي دلف رحالة القرن العاشر

- أبو دلف مسعر بن مهلل المزيد...
105 /
53

الطريخ‏ (1) و بورق يكون فى باجنيس‏ (2) و هو بلد بنى سليم‏ (3) و فى هذا البلد ملاحة جيدة الملح و بها أيضا معدن للملح الاندرانى‏ (4) و بها معدن مغنيسيا و معدن نحاس و هو الذى «بحيزان» (5) و منه يكون التوتيا المحمودى و الضفادعى‏ (6) و فيه شى‏ء من الزاج الأسود لا خير فيه. و ملحها دون ملح «حيزان» و بها نبات الخزامى و الشيخ الذى يخرج الحيات من الجوف إلا أن التركى خير منه و أقوى. و بها ابسنتين‏ (7) جيد «وانيتمون» (8) صالح و بها «أسطوخوذوس» (9) و حشائش كثيرة نافعة و بها السنبل الرومى‏ (10) و بينها

____________

(1) الطريخ هو سمك بحرى يعيش فى الأعماق و البلاذرى (ص 200) يسمى بحيرة «وان» بحيرة الطريخ.

(2) منطقة صغيرة فى أرمينيا.

(3) استطاع مينورسكى: أن يتوصل إلى أن حكام هذه المنطقة من أرمينيا فى منتصف القرن العاشر يرجع فى الواقع أصلهم إلى قبيلة بنى سليمان فى شمال الجزيرة العربية. (مينورسكى. أبو دلف ص 77).

(4) هو ملح بللورى حجرى (القانون ج 2 ص 414 ملاحظة 2).

(5) بلدة صغيرة بالقرب من «بلديس» جنوب غرب بحيرة «وان» و حاليا هى «خيزان».

القزوينى: آثار البلاد ج 2 ص 241. و مينورسكى: أبو دلف ص 77.

(6) التوتيا هى أكسيد الزنك و التوتيا الضفادعى هو مصطلح يبدو أنه مرتبط بالضفدع و هو مرض اللسان الذى يمكن علاجه بها أى بالتوتيا الضفادعى‏

(7) نبات مر

(8) معدن بللورى فضى أبيض.

(9) انظر القانون: ج 2 ص 80

(10) انظر القانون ج 2 ص 468.

54

و بين «أفلوغونيا (1)» بلد كبير لا يخرج منه عالم و لا خرج فيما سلف و ذلك بالطبع‏ (2). و فى هذا البلد قلاع حصينة منها قلعة يقال [لها] «وريمان» (3) و هى [فى‏] وسط البحر على سن جبل لا ترام و هناك نهر يغور فى الأرض يقال إنه نهر «نصيبين‏ (4)». و الجذام يسرع إلى أهلها لكثرة أكلهم الكرنب.

و الغدر فيهم طباع. و قد احتج لهم فى ذلك و أقام عندهم بعض إخوانى و زعم أنه لا غدر فيهم. و قال إن الرجل منهم إذا كان فقيرا لم يجب‏ (5) أن يراه أهل بلده. و هذه الخلة من كرم الطبيعة و صفاء الطينة. و فى أهل هذا البلد خدمة الضيف و قرى واسع و حسن طاعة لرهبانهم حتى أن الواحد

____________

(1) بداية اقتباس ياقوت: ج 1 ص 331/ س 12. و أفلوغونيا منطقة جبلية فى آسيا الصغرى و ياقوت (ج 1 ص 331) يورد فقط ما يذكره أبو دلف، و هذا الأخير يتحدث عن بلاد تقع بين «باجنيس» و افلوغونيا أما ياقوت فينسب ذلك إلى نفس أفلوغونيا. و حسب رأى مينورسكى: فإن المعلومات التالية فيما بعد لأبى دلف لا يمكن أن تنسب إلى كبدكى الواقعة بين أرمينيا و أفلغونيا و لهذا يقترح أن تفهم على أنها كوغونيه (بالارمنية كولونيا). و فى هذه الحالة فإنه يجب فهم «البلاد بين أرمينيا و كوغونية» على أنها وادى أو حوض غرب الفرات حبث توجد مدينة «كماه» و «ديورك» و غيرها (مينورسكى: أبو دلف ص ص 77- 78.

(2) العبارة من أول «بلد كبير» ترد عند ياقوت كما يلى: «مدينة كبيرة من بلاد الأرمن من نواحى أرمينية و لا يعرف أنها خرج منها فاضل قط:

(3) لا يورد هذه المعلومات عن هذه القلعة سوى أبى دلف، و عنه أخذها ياقوت: (ج 1 ص 331).

(4) مدينة فيما بين النهرين إلى الشمال الغربى من الموصل.

(5) عند مينورسكى «لم يحب».

55

منهم إذا حضرته الوفاة أحضر القس و دفع إليه ما لا و اعترف له بذنب مما عمله و القس يستغفر له و قد تضمن له الصفح و العفو عن سائر ذنوبه و يقال إن القس يبسط كسائه فكلما ذكر ذنبا بسط القس يده ثم قبضها و قال قد أخذته‏ (1) ثم يطرحه فى كسائه‏ (2) فإذا لم يبق له ذنب‏ (3) جمع القس كسائه‏ (4) و حمله‏ (5) و خرج و قال قد حملت‏ (6) ذنوبك و أنا القيها فى الصحراء و يقرر فى نفسه الغفران و التجاوز. و ليس هذه السنة فى شى‏ء من الأديان كلها إلا فى هؤلاء. و هم ضرب من الأرمن فقط. و أصواتهم فى درس إنجيلهم و إيقاع نغمهم أطيب و أشجى من أصوات غيرهم من فرق النصارى. و ترنمهم أبكى لقلب المحزون المائل طبعه إلى المراثى و النوح من رنات العرب بالندب. و ألحانهم فى البيع أحلى على سمع الطرب الصابر لأن المرح و الفرح من ترجيع الأغانى. و يقال ان ترتيب غنائهم بالأوتار لطيب صحيح. و فيها جبل يقال له «ماسيس» (7) يخرج من أصله عيون كثيرة غزيرة لا تنقص عن حالها و لا تزيد، باردة فى الصيف مانعة حامية فى الشتاء، ناعمة، لا يفارق الثلج رأسه شتاء و لا صيفا، و يتولد فى ثلجه دود عظام جدا (8) يكون الدودة نحو العشرين ذراعا و أكثر،

____________

(1) من أول «قبضها» ترد عند ياقوت: كما لى يلى» فإذا فرغ من اقراره بالذنب ضم احدى يديه إلى الأخرى كالقابض على الشى‏ء».

(2) عند ياقوت: «التراب»

(3) عند ياقوت: «فإذا فرغ من اقراره بذنوبه».

(4) يضيف ياقوت: «أطراف»

(5) محذوفة عند ياقوت.

(6) عند ياقوت: «أى أننى قد جمعت».

(7) تسمية أرمنية لجبل «أرارات»

(8) يرى كراتشكوفسكى أن فى هذه المعلومات الوهمية إشارة إلى العواصف-

56

فى استدراته عشرة أذرع. و بأرمينية عيون يخرج منها ماء حامض مفتح و أكثرها حول هذا الجبل و بها زرنيخ أصفر كثير فى معدن واحد مما يلى المشرق. و بها زاجات و كباريت قليلة. و لا معدن فضة و لا ذهب بها. و أرمينية رخيصة الأسعار و ربما كان القحط بها عظيما جدا. و هى كثيرة الآفات و بها حجارة كثيرة ذوات خواص مذكورات. و تقوم بها عدة أسواق فى السنة تباع فيها أشياء كثيرة من الفرس‏ (1) و الديباج و البغال‏ (2) و البزبون‏ (3) و غير ذلك. و أرمينية قليلة الآثار و بها معدن مارقشيثا (4) صفراء و الذى بأرض «الشيز» فى القرية المعروفة «بنمراور» (5) خير منه، و لا أظن أبى رأيت مثله.

و بتصل أرمينية (6) بجبال «الحور» (7) ثم بجبال «داس» (8) ثم «بالحرانية» (9)

____________

- الثلجية و يرى مينورسكى أيضا فى هذا الكلام اشارة إلى العواصف أو الزوابع الثلجية.

(1) يمكن أن تكون «الفرش»

(2) يمكن أن تكون النعال‏

(3) يفسر بأنه قماش من الصوف بتصاوير، أو من التيل أو الشعر.

(4) أنظر: (راسكا: ص 112، 160).

(5) لم يمكن الحصول على أية معلومات عن هذه القرية.

(6) أى جنوب أرمينية.

(7) جبال الحور: يحددها مينورسكى، بأنها فى منطقة «تشبل جور» على المجرى الأوسط لنهر مرد- سو إلى الشمال من دجلة (مينورسكى: ابو دلف ص 81)

(8) تقابل جبل غاره الذى يمتد من «امدية» إلى الزاب الأكبر (انظر ياقوت: ج 2 ص 7 و مينورسكى: أبو دلف ص 81- 82.)

(9) ما يعرف عنها قليل. و مينورسكى، يربطها بالجرامك سكان أبرشية «بيت غرمه» مينورسكى: أبو دلف: ص 82.

57

«ونريز» (1). «ونريز» هذه كانت مملكة لحافرة طى‏ء (2). و كانت طرفا مقصودا قد قصده أبو تمام و البحترى و غيرهما و كان على بن مر الطائى صاحبها ممدحا يقصده الشعراء فينصرفون عنه باللهى حتى غلب على البلد صنف من الأكراد يعرفون [بالهذبانية] (3). فملكوا المدينة و عطلوا رسمها و أخربوا رساتيقها و عفوا آثارها و تمادت بهم هذه الحال زمانا فلما ضعف السلطان، و أمنوا طلب الولاه، و قصد الأمراء عمروا ما أخربوا و استعملوا فى تلك الناحية مثل من تقدمهم و وصلوا قراها بالسلق‏ (4) و الدينور و أعمال شهر زور.

و شهر زور مدينات‏ (5) و قرى و فيها مدينة كبيرة و هى قصبتها فى وقتنا هذا يقال «نيم أزراى‏ (6)» و أهلها عصاة على السلطان، قد استطعموا الخلاف‏

____________

(1) نريز: منطقة صغيرة توجد إلى الجنوب من بحيرة أرمية و التى فى مكانها حاليا «سيلدوز» المرجع السابق.

(2) هم من سلالة تلك القبيلة الكبيرة فى جنوب الجزيرة العربية و قد أقاموا فى «نريز» بعد الفتح العربى لها و حكموها عدة مئات من السنين، و أول كبير لهذا الفرع من القبيلة هو مر بن عمر الموصلى الطائى (انظر البلاذرى: ص 331.) و يرد ذكر الأبن «على بن مر الطاعئى» فيما بعد (انظر الطبرى: ج 3 ص 1232).

(3) اسم قبيلة كردية تحقق منها مينورسكى: أبو دلف ص 83.

(4) تسمية قديمة لمنطقة جبلية صغيرة فى شمال شرق العراق: ياقوت:

ج 3 ص 119

(5) عند مينورسكى: «مدينتان»

(6) «نيم أزراى» (نيم راخ)- اسم المدينة الرئيسية لمنطقة شهر زور و تحتل الجزء الغربى من «جبال» (جيرى). و نيم أزراى أو نيم راخ (معناها بالفارسية «نصف الطريق». توجد على ما يقال فى منتصف الطريق من كيتسفوا «اكتسفونا» إلى الشيز و تحديد موقعها لا يعرف بالضبط (انظر مقالة بارتولد: ص 138).

58

و استعذبوا العصيان. و المدينة فى صحراء و لأهلها بطش و شدة يمنعون أنفسهم و يحمون حوزتهم. و سمك سور المدينة ثمانية أذرع؛ و أكثر أمرائهم منهم و بها عقارب قتالة أضر من عقارب «نصيبين» (1). و هم موالى عمر بن عبد العزيز و جرأهم الاكراد بالغلبة على الأمراء و مخالفة الخلفاء و ذلك أن بلدهم مشتى ستين ألف بيت من أصناف الاكراد الجلالية و اليابسان و الحكمية و السولية (2).

و لهم به مزارع كثيرة و من صحاريه يكون أكثر أقواتهم و بقرب من هذه المدينة جبل يعرف بشعران‏ (3) و آخر يعرف بالزلم‏ (4) فيه حب الزلم‏ (5) الذى يصلح لأدوية الجماع و لا أعرفه فى مكان غيره. و منها إلى ديلمستان‏ (6) سبعة فراسخ.

و هذه قرية كان الديلم فى أيام الأكاسرة إذا خرجوا عن بلادهم للغارة عسكروا بها و خلفوا سوادهم لديها و انتشروا فى الأرض عائثين فإذا فرغوا من غارلتهم عادوا إليها و رحلوا منها إلى مستقرهم فهى تعرف إلى اليوم بهم.

____________

(1) يؤكد الرحالة المعاصرون هذه المعلومات عن عقارب شهر زور.

(2) بخصوص تحديد هذه المدن انظر: مينورسكى: أبو دلف: ص 84.

(3) شعران هى تسمية لجبل فى كردستان على الحدود بين ايران و العراق.

(4) هو فى سلسلة الجبال بين ايران و العراق حاليا.

(5) انظر كراتشكوفسكى: شهر زور ص 295 ملاحظة 6 مع اشارة هناك إلى مصادر أخرى.

(6) بلدة فى شهر زور تقع على بعد سبعة فراسخ (حسب أبى دلف) أو تسعة (حسب ياقوت) من نيم أزراى (ياقوت: ج 2 ص ص 711- 712) ويرى مينورسكى: أن ديلمستان كانت تقع إلى الشرق من شعران فى «أورامانى- تحت» الحالية و التقوية أو التحصينات على جبل «زلم» كانت للدفاع عن وادى شهر زور من الديلم. انظر مينورسكى: أبو دلف ص 84.

59

و بشهر زور مدينة أخرى دونها فى العصيان و النجدة تعرف «ببير» (1) و أهلها شيعة صالحية زيدية (2) أسلموا على يد زيد بن على‏ (3). و هذه المدينة مأوى كل ذاعر و مأوى كل صاحب غارة. و قد كان أهل نيم أزراى أوقعوا بأهل هذه المدينة و قتلوهم و سلبوهم و أحرقوهم بالنار عصبية للدين و ظاهر الشريعة (4) و ذلك فى سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة (5).

و بين المدينتين‏ (6) مدينة صغيرة يقال لها «دزدان» (7) بناؤها على بناء «الشيز» و داخلها بحيرة تخرج إلى خارجها (8) تركض الخيل على أعلى سور لسعته و عرضه. و هى ممتنعة على الاكراد و الولاة و الرعية. و كنت كثيرا ما أنظر إلى رئيسها الذى يدعونه الأمير و هو يجلس على برج مبنى على بابها عالى البناء

____________

(1) يقرؤها مينورسكى: «بير» و يربطها مع كوساجى حجيج فى الجنوب الشرقى من شهر زور المرجع السابق ص 85.

(2) أحد فروع مذهب الشيعة.

(3) هو مؤسس هذا الفرع من الشيعة.

(4) عند مينورسكى: «مظاهرة الشيعة» و يترجمها ليظهروا حماسهم‏

(5) 952/ 953.

للدين و الشريعة.

(6) أى مدينة «نيم أزراى» و «بير»

(7) دزدان (بالفارسية لصوص) هى مدينة صغيرة فى شهر زور فى «نفسود» على ما يبدو.

(8) يشير كراتشكوفسكى إلى وجود جزء ساقط فى النص هنا لأن الوصف التالى يتعلق فقط بحائط مدينة شهر زور الكبيرة الذى أشار إليها آنفا و لا يتعلق ببلدة «دزدان» الصغيرة (انظر كراتشكوفسكى: شهر زور ص 295 ملاحظة 13 و أيضا شوارتز ص 699/ 11 و مينورسكى: أبو دلف ص 86.

60

ينظر الجالس عليه إلى عدة فراسخ و بيده سيف مجرد، فمنى نظر إلى خيل من بعض الجهات لمع بسيفه فأنجفلت مواشى أهلها و عواملهم إليها. و فيها مسجد جامع. و هى مدينة منصورة يقال أن داود و سليمان (عليهما السلام) دعوا لها و لأهلها بالنصرة فهى ممتنعة أبدا عمن يرومها و يقال إن «طالوت» كان منها و بها و استنصر بنو اسرائيل و ذلك أن جالوت خرج من المشرق و داود من المغرب فأيده اللّه عليه. و هذه المدينة بناها «دارا بن دارا» (1) و لم يظفر الاسكندر (2) بها و لا أقام أهلها له الدعوة و لا تملكها المسلمون و لا فتحوها و إنما دخل أهلها الاسلام بعد اليأس من طاعتهم. و المتغلبون عليها من أهلها إلى اليوم يقولون إنهم من ولد طالوت و أعمالها متصلة بخانقين و بكرخ «جدان» (3). و كرخ «جدان» مخصوصة بالعنب «السونايا (4) و قلة رمد العين و الجدرى. و منها إلى خانقين يعترض نهر تامرا (5). و بخانقين عين للنفط عظيمة كثيرة الدخل و بها قنطرة على واديها عظيمة الشأن تكون أربعة و عشرين طاقا. كل طاق يكون عشرين ذراعا. عليها جادة خراسان إلى الكوفة و مكة و ينتهى الطريق إلى طريق قصر «شيرين» (6) [و بها] ابنية شاهقة يكل الطرف عن تحديدها

____________

(1) أى دارا الثالث (336- 330 ق. م).

(2) هو الاسكندر المقدونى (356- 323 ق. م).

(3) مكان بين شهر زور و العراق (ياقوت: ج 4 ص ص 255- 256

(4) اسم قرية ظهر مكانها فيما بعد حى أو محلة فى بغداد تعرف بالعتيقة و منه جاءت تسميته نوع من العنب الأسود يتقدم و يبكر على سائر العنب. (انظر ياقوت: ج 3 ص 197.

(5) تسمية عادية لنهر «ديال» انظر كراتشكوفسكى: شهر زور ص 296 ملاحظة 4 مع اشارة لمصادر أخرى.

(6) تسمية تطلق على مجموعة مبانى ساسانية و محطة على طريق خراسان الكبير-

61

و يضيق الفكر عن الاحاطة بها. و هى ايوانات كثيرة متصلة و خلوات و خزائن و قصور و عقود و متنزهات و مستشرفات و أروقة و ميادين و مصايد و حجرات و دساكر (1) يطيل ذوو اللب الوقوف عليها تبنى عن طول و قوة و أعمار طويلة يعتبر بها ذوو البصائر. و الملك الذى بناها أ. ويز (2) و بحلوان‏ (3) من الآثار قريب من قصر شيرين و منها إلى طاق الحجّام‏ (4) و هو عقد من الحجارة على قارعة الطريق فى مضيق بين جبلين عجيب البناء عالى السمك و منه إلى ماذروستان‏ (5) و هو ايوان واحد عظيم و بين يديه دكة عظيمة و بستان خراب بناه بهرام جور (6) يقع الثلج على نصفه مما يلى المشرق و خراسان، و لا يقع على النصف الآخر الذى يلى العراق و منه إلى مرج [إلى‏] مرج القلعة (7)

____________

- بين خانقين و حلوان و توجد على الشط الأيمن لنهر حلوان- رود (الوان) و بين خانقين و قصر شيرين جسر كبير يوجد حتى الآن و بخصوص وصف آثار قصر شيرين انظر:

F. Sarre Und E. Herzfeld, Iranishe Felsreliefs, Berlin. 0191, PP. 632* * * 042

(1) هذا المصطلح يعنى «مزلاج لتقوية المدخل (انظر لين: ج 3 ص 879).

(2) صيغة عربية تطلق على كسرى (خسرو) الثانى بارويز: (590- 628 م).

(3) حلوان: مدينة كبيرة فى العصور الوسطى فى ايران انظر ياقوت ج 2 ص 316- 321

(4) بناء اثرى قريب حلوان العراق يعرف حاليا باسم طاقى- غر. انظر ياقوت: ج 3 ص 489

(5) مكان يبعد اربعة فراسخ من حلوان العراق (ياقوت: ج 4 ص 382 و ابن هردادبه: ص 19)

(6) هو القيصر الساسانى بهرام الخامس (420- 438)

(7) مدينه صغيرة و محطة طريق خراسان على بعد 6 فراسخ من-

62

و هو مرج أفيح و به آثار قلعة عادية (1) عجيبة البناء. و ماء حلوان‏ (2) و بى‏ء ردى‏ء كبريتى ينبت عليه الدفلى. و بها رمان لم أر فى بلد من البلاد مثله.

و بها أيضا تين عجيب الأمر يقال له «الشاهنجير» تفسيره ملك التين.

و بالقرب منها جبل فيها عدة عيون كبريت ينتفع بها من أدواء كثيرة.

و يقربها أيضا جبل عليه صومعة تعرف بدير الغار و سميت بهذا الاسم لأن قوما يزعمون أن أبا نواس خرج من العراق قاصدا إلى خراسان فوصل إلى هذه .. (3) و كان فيها راهب شلف‏ (4) حسن الوجه ظريف الهيئة فأضاف أبا نواس و قراه و لم ينو فى أمره غاية. فلما شربا دعاه أبو نواس إلى البدال فأجابه. فلما قضى حاجته من أبى نواس غدر به و امتنع عليه فقتله أبو نواس و لم يسكن الصومعة إلى يومنا هذا أحد. و هى مركز ظراف حلوان يشربون فيها لهذه العلة و لان موضعها طيب نزه و عليها مكتوب بخط يذكرون أنه خط أبى نواس:

ما أنصف الراهب من نفسه‏* * * إذ ينكح الناس و لا ينكح‏

____________

- حلوان و فى مكانها حاليا على ما يبدو «كريند» انظر ابن هردادبه: ص 19 و ياقوت: ج 4 ص 488.

(1) فى النص عاديه (لين: ج 5 ص 219) صفة مشتقة من قبيلة «عاه» العربية القديمة و تستعمل هنا مجازيا أو استعاريا.

(2) نهر حلوان هو ما يعرف حاليا باسم حلوان- تشاى.

(3) سقطت على ما يبدو كلمة «الصومعة» فى مخطوط مشهد: و عند ياقوت:

«هذا الدير».

(4) فى النص «مشلف». و عند ياقوت: ج 2 ص 682 «مسلف، دون أن يذكر معنى أو تفسيرا مقبولا. و نحن نتفق مع مينورسكى: فى قراءة الكلمة «شلف» و يمكن أن تكون «مسلق» أى مفوه أو بليغ.

63

و بمرج القلعة مدينة حسناء باردة الهواء جدا و فيها مياه باردة. و عندها قلعة تشرف على بساتينها إلا أنها خراب يقال أن ابرويز قتل ابنا له فيها فخربت من ذلك. و قد كان بجكم التركى‏ (1) هم ببنائها فمات قبل ذلك. و منها إلى الطرز (2) و هى مدينة ذات جامع فى صحراء واسعة و فيها إيوان عظيم بناه خسرو كرد بن شاهان‏ (3) و لا أثر بها سواه و يعطف منها يمنة إلى ما سبذان‏ (4) و مهرجان قذق‏ (5) و هى مدن عدة منها أريوجان‏ (6) و هى مدينة حسنة فى‏

____________

(1) بجكم التركى هو «جنرال» تركى النشأة (مات سنة 941 م) بدأ عمله بخدمة حاكم «غيلان» ثم خدم بعدها الخليفة الراضى (EI ,I .pp .617 -71).

(2) الطرز (بالفارسية المنزل الصيفى أو القصر) مدينة فى «جبال».

و كما يذكر «دى غوى»، و من ورائه» لوسترانج و شوارتز: أن الطرز تتفق مع محطة قصر «يزيد» على طريق خراسان على بعد أربعة فراسخ من «مرج القلعة» و ستة فراسخ من «زبيديه». هذا مع أن المقدسى و ياقوت يذكران أنها توجد عند المدخل إلى الجنوب من هذا الطريق (انظر: ابن هردادبه ص 19) و المقدسى: ص 293، 301، و ياقوت: ج 3 ص 537 و شوارتز: ص ص 490- 491 و لوسترانج: ص 192 و انظر أيضا مينورسكى: أبو دلف ص 88

(3) لم يمكن الوصول إلى معلومات عن شخصيته، و مينورسكى: يعتبر انه يمكن تفسير الاسم على أنه تسمية لمكان «خسرو- كرد» أى (من عمل خسرو) و يحدد «الطرز» بأنها «خسرواباد» (مينورسكى: أبو دلف ص 88).

(4) «ما سبذان»: هى إحدى المناطق الجنوبية الغربية المحيطة «بجبل» و كانت المدينة الرئيسية لها «سيروان» (انظر ياقوت: ج 3 ص 393).

(5) مهرجان قذق «هى إحدى المناطق الجنوبية الغربية المحيطة «بجبل» و كانت تتصل «بما سبذان» و كانت المدينة الرئيسية لها «الصيمرة» انظر ياقوت:

ج 4 ص 699.

(6) أو «أزيوجان» مدينة فى منطقة ما سبذان (ياقوت: ج 1 ص 230 قرب الحدود مع إيران.)

64

صحراء، بين جبال كثيرة الشجر كثيرة الحمّات و الكباريت و الزاجات و البوارق و الاملاح. و ماؤها يخرج إلى «البندنيجين» (1) فيسقى النخل بها و لا أثر بها إلا حمات ثلاث و عين إن احتقن انسان بمائها أسهل إسهالا عظيما و أن شربه قذف اخلاطا كثيرة. و هو يضر أعصاب الرأس. و من هذه المدينة إلى «الرد» و «البراو» (2) عدة فراسخ و بها قبر المهدى‏ (3) و لا أثر بها الا بناء قد تعفت رسومه و لم يبق منه آثار ثم يخرج منها إلى «السيروان» (4) و بها آثار حسنة و مواطن عجيبة.

ثم يخرج منها إلى «الصيمرة (5)» و هى مدينة حسنة تجمع النخل و الزيتون و الجوز و الثلج و فواكه الجبل و السهل. و بينها و بين الطرحان‏ (6)

____________

(1) عنها انظر: المقدسى ص 115 و ياقوت: ج 1 ص 745.

(2) الرد و البراو. هو حسب مينورسكى مكان يوجد فى غرب «لورستان» قرب جبل منشت أو «كوخى- قلرنغ» مينورسكى: أبو دلف ص ص 89- 90

(3) المهدى بن المنصور: خليفة عباسى (775- 785) مات فى رحلة صيد و دفن فى «ما سبذان» فى مكان يسمى أحيانا «الرظ» (الطبرى: ج 3 ص 523، 526 و ياقوت: ج 2 ص 775) و أحيانا «ردين» أو «رظبن» (المسعودى:

مروج الذهب ج 4 ص 225) و أحيانا الرظ و الراق (المسعودى: ج 8 ص 313) و هى التى تقابل على ما يبدو «الرد و البراو» عند أبى دلف.

(4) السيروان أو السيروان مدينة فى ما سبذان و كل الجغرافيون العرب تقريبا يصفونها بأنها مدينة عظيمة كثيرة الخيرات. عنها أنظر ياقوت: ج 3 ص ص 214- 215.

(5) مدينة فى منطقة «مهرجان قذق». و آثارها الباقية حاليا تحمل اسم «در- شهر» و توجد فى وادى نهر صيمرة قرب شروان. عنها انظر ياقوت:

ج 3 ص 443.

(6) مدينة فى «جبال» قرب الصيمرة و حاليا توجد مدينة بهذا الاسم على الفرع الشرقى لنهر صيمرة. عنها انظر: ياقوت ج 3 ص 525.

65

قنطرة (1) عظيمة تكون ضعف قنطرة خانقين بديعة عجيبة. و منها إلى قرميسين‏ (2) و هى مدينة حسنة عجيبة و لا أثر فى داخلها إلا أثر دار يقال أنها كانت عجيبة. و قد شاهدنا بها شيئا عجيبا فى سنة أربعين و ثلاثمائة (3).

و ذلك أن رجلا من رؤسائها أراد بناء دار قدرها لنفسه و حرمه و حاشيته و صورها المهندسون له. فلما ابتدأ فى حفر الأساس ظهر له بناء فاستقصاه فأفضى به إلى دار على الصورة التى صورت له لا يغار من حجرها و مجالسها و صحونها و قبابها و بيوتها شيئا. و زعموا أن هذه الدار من عمل الذى صور «شبديز» (4).

(و هذا الخبر أيضا نظنه من وهم أبى دلف) (5).

قال و صورة «شبديز» (6) على فرسخ من مدينة فرميسين و هو رجل‏

____________

(1) هذه القنطرة تسمى حاليا «بولى- آب- برد» و كانت توجد على منحنى نهر صيمرة انظر ستين: ص 206.

(2) قرميسين بفتح القاف أو كسرها مدينة كبيرة فى القرن العاشر و حاليا «كرمنشاه» عنها انظر ياقوت: ج 4 ص ص 69- 70.

(3) 951- 52 م.

(4) شبديز اسم حصان خسرو الثانى بارويز و صانع صورة سبديز يسمى قطز بن سنمار (ياقوت: ج 3 ص 250- 253).

(5) ملاحظة ناسخ أو محرر مخطوط مشهد.

(6) تحت هذه التسمية يصف الجغرافيون العرب عادة الأثر الساسانى العظيم الذى يبعد 4 كيلومترات إلى الشرق من «كرمنشاه» و تسمى أيضا بتسمية أخرى «طكى‏بستان». و أبو دلف لا يذكر وصفا دقيقا لطريقة نحت أو تمثيل خسرو الثانى بارويز. عن ذلك انظر: ياقوت ج 3 ص ص 250- 253.

66

على فرس من حجر عليه درع لا يخزم من الحديد (1) شيئا يتبين زرده، و المسامير المسمرة فى الزرد لا يشك من نظر إليه أنه متحرك. و هذه الصورة صورة «برويز» على فرسه «شبديز» و ليس صورة فى الأرض تشبهها. و فى الطاق الذى هذه الصورة فيه عدة صور من نساء و رجال «رجالة و فرسان».

و بين يديه رجل فى زى فاعل على رأسه قلنسوة و هو مشدود الوسط بيده بال‏ (2) كأنه يحفر به الأرض و الماء يخرج من تحت رجله، و تسير (3) من هذا المكان إلى قنطرة على واد عريض‏ (4) تكون مثل قنطرة خانقين بل أحكم منها صنعة.

و منها إلى جبل يقال له «سميره» (5) عال مشرف و فيه صور بديعة و نقوش حسنة يقال إن كسرى أبرويز كلف عملها لفرهاذ الحكيم‏ (6). و دون هذا الموضع قنطرة عظيمة عجيبة البناء على واد بعيد القعر (7).

____________

(1) قراءة مينورسكى و ياقوت: «لا يجرم» و يترجمها مينورسكى: بأنها لا تتميز عن الحديد.

(2) فى مخطوط مشهد: بالكانة؟ و عند ياقوت: «بيل» و مينورسكى:

يقرؤها «بالكان» و يترجم الجملة كما يلى: بيده (بالكان) يحفر به الأرض.

(3) عند مينورسكى: (يسير) و الضمير يعود على الماء.

(4) يدور الكلام هنا عن وادى نهر كراسى.

(5) تسمية عربية لأحد المرتفعات قرب بستن أو نفس الجبل المسمى بهذا الأسم و الذى يذكر دائما عند وصف طريق خراسان (ابن هردادبه: ص 119) و (ياقوت: ج 3 ص 169).

(6) فرهاذ: بطل ايرانى شعبى على معرفة عظيمة بفن البناء.

(7) الكلام هنا عن وادى نهر آب- دينور من فروع جماسى- آب.

67

ثم تسير من هذه القنطرة إلى قرية كبيرة غناء كثيرة الخير يقال لها «أبا أيوب» (1) منسوبة إلى رجل من «بنى جرهم» (2) يكنى أبا أيوب بناها و فيها دكان عظيم بالصخر و قد نقض بعض صخره رجل من الأكراد (3) و بنى به حصنا عظيما يقال له «سرماخ» (4) فى جبل مظل على هذه القرية.

و بعد هذا المكان قنطرة أعظم ما تقدم ذكره و ألقى صنعه تعرف بقنطرة النعمان و كان السبب فى بنائها أن النعمان بن المنذر فى بعض ما كان يفد على كسرى أجتاز بواد عظيم بعيد القعر شاق النزول و الصعود. فبينما هو يسير فيه إذ لحق امرأة معها صبى تريد العبور. فلما جاءها موكبه و قد كانت كشفت ثيابها و الصبى على عنقها ارتاعت و دهشت فألقت ثيابها و سقط الصبى عن عنقها فغرق، فغم لذلك النعمان ورق لها و نذر أن يبنى هناك قنطرة فاستأذن كسرى فى ذلك‏

____________

(1) قرية بين «قرميسين» و قصر اللصوص. عنها انظر: ياقوت: ج 1 ص ص 436- 437.

(2) جرهم: قبيلة عربية عاشت أو لا فى مكة ثم هاجرت إلى اليمن.

(3) يقصد زعيم القبيلة الكردية «برزيكان» و هو حسنية بن الحسين الكردى البرزيكانى الذى حكم أباؤه مدة 50 عاما مساحة هائلة من مناطق الدينور و همدان و نهاوند و اذربيجان و شهر زور و قد مات فى 369/ 979- 80 فى قلعة (سرماج) و أدى الخلاف بين ابنائه إلى انهيار سلطانه بسرعة انظر عنه:

ابن الأثير ج 7 ص ص 518- 519.

(4) سرماخ (مخطوط مشهد) أو شرماخ (ياقوت: ج 3 ص 280) أو سرماج (ياقوت: ج 3 ص 82 و ابن الاثير، ج 7 ص ص 518- 19.

و هى حصن بناه حسنية (انظر الملاحظة السابقة) و فى مكانها سرماخ القديمة على الشاطى‏ء الأيمن لنهر جماسى- آب فى ناحية طريق خراسان.

68

فلم يأذن له لئلا يكون للعرب فى بلد العجم أثر. فلما وافى «بهرام جوبين» (1) لقتال أبرويز استنجد النعمان فأنجده على شرائط شرطها عليه منها أن يجعل له نصف الخراج ببرس‏ (2) و كوثى‏ (3) و أن يبنى القنطرة التى قدمنا ذكرها فأجابه إلى ذلك فلما انصرف بهرام جوبين بنى النعمان القنطرة التى ذكرنا.

و تسير من هذه القنطرة قرية تعرف «بدستجرد كسروية» (4) فيها أبنية عجيبة من جواسق و أيوانات كلها من الصخر المهندم لا يشك الناظر إليها أنها صخرة واحده منقورة. و منها إلى قرية أخرى يقال لها «و لا شجرد» (5) ذات العيون يقال أن فيها ألف عين يحتمع ماؤها إلى نهو واحد. و منها إلى «ماذران» (6) و هى بحيرة يخرج منها ماء كثير مقدار أن يدير مائة رحى‏

____________

(1) بهرام جوبين أو «تشوبين»: قائد عسكرى فارسى قام سنة 589 بثورة ضد ساساند هورمزد الرابع (579- 590). و هزمه خسرو بارويز و هرب إلى كاغمان الترك.

(2) «برسى» بكسر أو ضم الباء هى مدينة «برسبا» القديمة إلى الجنوب من «بابليون».

(3) «كوثى»: مكان و مدينة قديمة فى العراق إلى الجنوب من بغداد على قناة تربط بين دجلة و الفرات (انظر ياقوت ج 4 ص ص 317- 318).

(4) دستجرد كسرويه يبدو أنها مدينة «صحنة» الحالية (مينورسكى:

أبو دلف ص 94).

(5) أو «ولاستجرد»: قريه إلى الجنوب الغربى من معبر أو ممر همدان.

و مينورسكى يحددها ب «سرابى بيدى سوخ» (مينورسكى: أبو دلف:

ص 95).

(6) اسم مكان إلى الجنوب الغربى من قصر اللصوص (كثكور) و إلى الشرق من «صحنة»، و يحددها مينورسكى: بأنها بيدى سرخ على منحنى ممر. انظر ياقوت: ج 4 ص 480- 481.

69

متفرقة مختلفة. و عندها قصر كسرى شامخ البناء و بين يديه‏ (1) زلافة و بستان كبير. و منها إلى قصر اللصوص‏ (2). و بناء هذا القصر عجيب جدا. و ذلك أنه على دكة من حجر ارتفاعها عن وجه الأرض نحو عشرين ذراعا و فيه ايوانات و جواسق و خزائن تفوق‏ (3) ما تقدم رفعة و علوا يتحير فى بنائه و حسن نقوشه الابصار. و كان هذا القصر معقل أبرويز متنزهة لكثرة صيده و عذوبة مائه و حسن مروجه و صحاريه. و حول هذا القصر مدينة كبيرة لها جامع.

و منها إلى موضع يعرف بمطبخ كسرى‏ (4) أربعة فراسخ. و هذا المطبخ بناء عظيم فى صحراء لا شى‏ء حوله من العمران. و كان أبرويز كما ذكرنا ينزل بقصر اللصوص و ابنه شاه مروان‏ (5) ينزل «بأسداباد» (6) و بين المطبخ‏

____________

(1) يتفق مينورسكى: مع ياقوت: فى قراءتها «زلاقة» و يترجمها «بشط منحدر».

(2) و هكذا سمى العرب حصن كنكور عند ما سرقت به دواب لهم و ذلك من أول زمن فتح العرب لهذه البلاد. و استمرت المنطقة المحيطة به تسمى «كنكور» أما قصر اللصوص فكانت تعنى فقط حصنا فى مدينة «كنكور» و ياقوت نفسه زاره فى الربع الأول من القرن 13 و رأى بقايا آثاره. و الآن يوجد فى مكانه مدينة صغيرة هى «كنكور» بين «كرمنشاه» و همدان» (انظر ياقوت:

ج 4 ص 121).

(3) فى مخطوط مشهد: «يقوت» و لعلها «يفوت»

(4) مطبخ كسرى: لا توجد معلومات عن هذا المبنى الاثرى الساسانى إلا عند أبى دلف فقط و مينورسكى يربط بينه و بين «مندراباد» (مينورسكى:

أبو دلف. ص 96).

(5) شاه مروان بن أبرويز: الابن الأكبر لخسرو الثانى من «شيرين»

(6) «أسد أباد»: مدينة مزدهرة فى القرن العاشر على بعد سبعة فراسخ (45 كيلومترا) إلى الغرب من همدان فى اتجاه بغداد. و الآن هى مدينة صغيرة بنفس الاسم. عنها انظر ياقوت: ج 1 ص 245. و حدود العالم ص 132.

70

و بين قصر اللصوص أربعة فراسخ و بينه و بين أسد أباذ ثلاثة فراسخ فاذا أراد الملك أن يتغذى اصطف الغلمان سماطين من قصر اللصوص الى موضع المطبخ و بينهما أربعة فراسخ فيتناول بعضهم الغضائر من بعض اليه و كذلك من المطبخ إلى أسد أباذ و بينهما ثلاثة فراسخ. و سميت بأسد أباذ بأسد ابن ذى السرو الحميرى‏ (1).

و منها إلى همذان. و همذان مدينة دار ابن دارا و فى وسط همذان المدينة (2) العتيقة و هى مدينة كبيرة مبنية على دكة يكون ارتفاعها ثلاثين ذراعا و لها أربعة أبواب طاقات عالية. و كان «دارا» بناها استحسانا للمكان و كان موضعها أجمة مسبعة فلم تزل حتى غيض الماء عنها و بنى المدينة فيها. و قد قيل انها كانت قديمة و أن «دارا» لما زحف اليه «ذو القرنين» (3) شاور وزراءه فى مدينة حصينة يحرز فيها حرمه و كنوزه فقال له بعضهم أعرف مدينة خرابا بين جبال شامخة و طرق و عرة ان بناها الملك و أحرز فيها ذخائره و وكل بحفظها أربعة ألف من ثقاته امتنعت على كل من رامها. و وصفها له فسار اليها دارا حتى رآها و علم أنها تمتنع على من أرادها فبناها و جعل فيها خزائن غامضة لامواله و كنوزه و جمع فيها حرمه و وكل بها ثقاته فلما كان من أمره مع دارا ما كان أنفذ اليها ذو القرنين جيشا عظيما فأقام عليها مدة لا يقدر على فتحها فهم [صاحب الجيش‏] بالانصراف‏

____________

(1) أسد بن ذى السرو الحميرى: هذا الاسم لا يوجد إلا فى هذه «الرسالة الثانية» لأبى دلف و فى اقتباس مجهول من الرسالة عند ياقوت: ج 1 ص 245.

(2) كلمة «المدينة» توجد عادة فى مؤلفات الجغرافيين العرب فى القرن العاشر فى ثلاثة معان: مدينة داخلية أو مدينة أساسية أو رئيسية، و فى هذا النص يقصد بها «مدينة داخلية».

(3) ذور القرنين هو اسم الاسكندر المقدونى.

71

فقال له نصحاؤه كاتب الملك فى انصرافك و عرفه أمرها. فكتب اليه فى ذلك فكتب ذو القرنين إلى مؤدبه ارسطاطليس يعرفه أمرها فأجابه أن صورها لى بطرقها و جبالها و أنهارها. ففعل ذلك و أنفذ الصورة اليه. فكتب يأمره بسد نهرها على نحو الفرسخ سنة و أن يجعل سده سكرا و يوثقه فإذا كان بعد سنة فتح ماءه و قرن البقر و الجواميس و البغال و البراذين بعضها مع بعض و أرسلها فى الماء فإنها تفتح السكر و إذا فتحته حمل الماء على المدينة فهدم سورها و تهيأ له دخولها. ففعل ذلك. فاقتلع الماء بحدته لما انفتح السكر، سور المدينة و حمل معه صخورا كبارا هى إلى وقتنا هذا فى شوارع مدينة همذان و دخل أصحاب ذى القرنين المدينة لما اقتلع الماء السور (1).

و قرية همذان. ذهبية كلها إلا أن الفحم بها قليل و ينفق على ذلك مقدار ما يحصل منه و لا ربح فيه. و لا حمة فيها و لا معدن بها إلا معدن حجر «سنباذج» (2) قد ظهرهم‏ (3).

و وراء قرية أبى أيوب المعروفة بالدكان‏ (4) قرية على فرسخ فيها بحيرة

____________

(1) يورد ياقوت هذه القصة دون أن يذكر مصدرها و عند وصف هذه الطريقة فى الغزو يذكر أن بعضهم يرجعها إلى «نوخد نصر» و بعضهم الآخر إلى الاسكندر المقدونى (ياقوت: ج 4 ص ص 981- 983).

(2) حجر حكاك أو يستخدم فى الحك.

(3) أى أعان أهلها.

(4) يضطرب هنا تسلسل طريق الرحلة و أبو دلف كما لو يذكر تفصيلات اضافية يعود من جديد إلى الوراء. فالكلام السابق كان يدور عن ارتفاع «دكان» بالحجارة من بلدة أبى أيوب و هنا فى النص «الدكان» ترد كما لو أنها تسمية أخرى لبلدة أبى أيوب. بعض الجغرافيون العرب يفترضون انهما نقطتان مختلفتان على الطريق، لكن فى حالتنا هذه يجب أن تكونا متجاورتين. و هرتزفيلد:-

72

صغيرة القدر فى رأى العين لا يدرك غورها. و يقال أن فيها غرق بعض ملوك الفرس و أن والدته سارت و معها الأموال فبذلت لمن يخرجه أو شيئا من عظامه الرغائب، و أن الغواصين اجتهدوا فى ذلك فلم يلحقوا لها غورا. فلما رأت ذلك أمرت بطمها فحمل اليها من التراب ما لا يوقف على كثرته فكان يطرح فيها فلا تيبس فلما أعياها سدها انصرفت و عندها تل تراب عظيم هائل يقال أنه حمل دفعة واحدة تركته ليعلم الناس كثرة ما حملت و طرحت فيها فلم ينفعها ذلك‏ (1). و ماء هذه البحيرة يختلط بماء «الدينور» (2) و يصبان جميعا إلى واد (3) يمر على حمة مدرجة لها حياض ينبع الماء إلى الحوض الأسفل‏ (4) فإذا زاد ماء الوادى و غمر الحوض الاسفل نبع ماء الحمة فى الحوض الذى فوقه فلا يزال على هذا الترتيب إلى آخر الحياض فإذا نقص الماء من الحوض الأعلى نبع الماء الذى تحته و لا يزال الأمر كذلك من حوض إلى الحوض الأسفل و ماء هذا يجتمع و ماء الصيمرة و يصبان جميعا إلى «السوس» (5) و بلغنى أن الماء الذى تحت «شبديز» بقرميسين إذا ضربت ألف درهم و ألقيت فيه حرارة السبك زادت ستة دراهم و لا أدرى ما العلة فى هذا. و تسير من همذان إلى نهاوند

____________

- يحدد «دكان» بأنها «تخت شيرين» الحالية (مينورسكى: أبو دلف:

ص ص 93- 94)

(1) هذه القصة عن الملك الغريق تستدعى قصة الطبرى عن نهاية بهرام جور الذى غرق فى أثناء خروجه للصيد فى ماء (جبال) (الطبرى: ج 1 ص ص 785)

(2) يعنى نهر أبى دينور.

(3) يعنى نهر صيمرة

(4) يترجمها مينورسكى: بأن ماء النهر يفيض إلى الحوض الأسفل‏

(5) نهر السوس هو نهر «كرخا» حاليا

73

و بها ثور و سمكة من حجر (1) حسناء الصنعة يقال إنهما طلسم لبعض الآفات التى كانت بها. و بها آثار للفرس حسنة و حصن فى وسطها عجيب البناء على السمك. و بها قبور قوم من العرب استشهدوا فى صدر الإسلام و بها قبر عمرو ابن معدى كرب‏ (2). و ماؤها بإجماع العلماء عذى مرى و بها شجر خلّاف‏ (3) تعمل منه الصوالجة (4) ليس فى شى‏ء من البلدان مثله صلابة وجودة. و يقال أن رسولا لملك الروم [أرسل‏] إلى المأمون‏ (5) و هو بمرو فدفع إليه كتابا فلما قرأه ضم إلى الرسول جماعة من الجند و كتب له إلى عامل نهاوند أن يخلى بينه و بين ما يريد فلما صار إليه قال له افعل ما أحببت فصار إلى بابها الشرقى و ذرع ما بين المصراعين ثم حفر فى النصف من الذرع نحو العشرين ذراعا فأفضى إلى صخرة عظيمة فأمر بقلعها فقلعت و إذا تحتها بيت لطيف فيه صندوقا ذهب مقفلان فأخذهما و انصرف إلى المأمون فأنفذ معه المأمون قوما بلغوه إلى صاحبه و لم يدر أحد ما كان فى الصندوقين.

____________

(1) بخصوص طلاسم الثور و السمك التى ترتبط تسميتها «بجماس آب» انظر:

EI, III, p. 489 II S. 719.

(2) عمرو بن معدى كرب هو زعيم إحدى قبائل جنوب العربية و شاعر ولد سنة 590 تقريبا و مات سنة 643 تقريبا.

(3) شجر خلاف: نوع من الشجر ينمو فى الجزيرة العربية.

(4) فى النص صوالجة و مفردها صولج و هو نوع من العصى مثنية من آخرها تستخدم فى لعبة فيها يضرب اللاعب الكرة بالصولج و هو راكب على حصان أى ما يشبه لعبة «البولو» و عن هذه اللعبة انظر: ك. انسترانتسوف: دراسات ساسانية- بطرسبورج 1909 ص ص 72- 82.

(5) المأمون خليفة عباسى (813- 833 و من عام 192/ 808 إلى 201/ 817 عاش فى «مرو» بصفته واليا على الجزء الشرقى للخلافة.

74

و بعدها إلى الكرج‏ (1) و لا آثار كسروية بها بل فيها آثار لآل أبى دلف‏ (2) و أبنية حسنة جليلة تدل على مملكة عظيمة و لها حمات و عيون و منابع و هى الجادة بين الاهواز و الرى و بين اصفهان و همذان. و بعدها «قم» (3) و هى مدينة مستحدثة إسلامية لا أثر للاعاجم فيها و الذى بناها طليحة بن الأحوص الأشعرى‏ (4) و فيها آبار ليس مثلها فى الأرض عذوبة و بردا. و يقال أن الثلج‏

____________

(1) مدينة فى جنوب شرق «جبال» قرب سلطان أباد الحالية. و كانت فى القرن التاسع مقرا لأبى دلف، و تمييزا لها عن كرج أخرى سميت بكرج أبى دلف.

و فى القرن العاشر أندثرت و عفت. عنها انظر ياقوت: ج 4 ص ص 250- 251 و حدود العالم ص 201.

(2) كان القاسم بن عيسى العجلى يسمى عادة بأبى دلف و هو قائد و شاعر إسلامى و كان مع الأمين ضد أخيه المأمون فى صراعهما على الملك و بعد انتصار المأمون عفا عنه و ظل يعيش فى الكرج و قد أصبحت هذه المدينة تعرف بكرج أبى دلف و مات فى بغداد فى سنة 840/ 41 و قد حكم خلفه بعد فى الكرك كعائلة مستقلة (آل أبى دلف أو الدلفيون) عنهم انظر لوسترانج: ص 198 و مينورسكى يذكر بعض المصادر الفارسية الجديدة عن تاريخ الدلفيون و آل أبى دلف (مينورسكى: أبو دلف ص 98).

(3) «قم» ضاحية فى منطقة جنوب شرق «جبال» و المدينة الرئيسية لهذه المنطقة. و حسب ياقوت تسميتها القديمة «كندان» و ياقوت على عكس أبى دلف يذكر أنه من الممكن هناك رؤية بقايا أو آثار قلعة فارسية و كانت فى القرن العاشر مدينة مزدهرة و مركزا قويا للشيعة. ياقوت: ج 4 ص ص 175- 177.

و حدود العالم: ص 133.

(4) طليحة (عند ياقوت طلحة) بن الأحوص الأشعرى: لا نجد ذكر اسمه عند ياقوت إلا فى اقتباس من «الرسالة الثانية» و يذكر الأحوص فى عداد أبناء سعد بن مالك بن عامر الأشعرى الذين قادوا عدة حملات لمحمد بن الأشعث فى حربه ضد الحجاج فى 81 ه/ 700 م. انظر ياقوت: ج 4 ص ص 175- 176.

75

ربما خرج منها فى الصيف. و أبنيتها بالآجر (1) و فيها سراديب فى نهاية الطيب.

و منها إلى «الرى» مفازة سبخة (2) فيها رباطات‏ (3) و مناظر (4) و مسالح‏ (5) و فى وسط هذه المفازة حصن عظيم عادى هائل البناء له أبرجة مفرطة الكبر و العلو و سوره عريض عال مبنى بالأجر الكبار. و داخله أبنية آزاج و عقود (6) و يكون تقدير صحنه «جريبين» مساحة أو أكثر. و على بعض أساصينه‏ (7) مكتوب: تقوم الأجرة (8) من آجر هذا القصر بدرهم و ثلثى درهم، و ثلاثة أرطال خبز، و دانق توابل، و قنينة خمر صاف فمن صدق بذلك و إلا فلينطح رأسه بأى أركانه شاء. و هذا الحصن يعرف «بدير كجين» (9) و حوله صهاريج منقورة فى الحجارة واسعة عظيمة. «و الرى» لا أثر فيها للعجم لأن العرب عفت آثار الفرس بها و نقضت أبنيتهم. و فى وسط الرى مدينة أيضا عجيبة بأبواب حديد و سور عظيم. و فيها المسجد الجامع. و فى وسط المدينة أيضا جبل شامخ عليه قلعة

____________

(1) الطوب الأحمر أو المحروق.

(2) صحراء أرضها مالحة.

(3) أماكن على الطريق لإستراحة المسافرين و القوافل.

(4) أماكن لمراقبة أوقات «الصيام» و الأفطار فى رمضان.

(5) مخافر أو أماكن حراسة.

(6) أبنية على شكل مقوس.

(7) أعمدته‏

(8) أى قالب الطوب (مفرد أجر).

(9) لا توجد تفصيلات عن هذه القلعة. و يسميها ياقوت بدير «كردشير» لكنه لا يذكر إلا معلومات أبى دلف: (ياقوت: ج 2 ص 690 و ج 4 ص 175.

و يحدد مينورسكى: بأنها «دير الجص» مع جغرافيين عرب أخرين، مينورسكى:

أبو دلف ص 99

76

حصينة بناها رافع بن هرثمة (1) و هى اليوم خراب و يشرف على المدينة جبل يعرف «بطبرك» (2) فيه أبنية آثار الفرس و نواويس‏ (3) و فيه معادن للذهب و الفضة.

لا يقوم دخلها بالنفقة عليها (4). و بالرى موضع مما يلى المشرق يقال له «جيلاباذ» (5) و فيه أبنية و أيوانات و عقود شاهقة و برك و متنزهات عجيبة بناها «مرداويز» (6) لا يشك من نظر إليها أنها من الأبنية القديمة الكسروية و بها سجن عظيم‏ (7) مهول يحيط به بحر عميق عليه أجمة قصب و هو من طين‏

____________

(1) قائد عسكرى عربى و شخصية حكومية كان حاكم «الرى» من 275/ 888- 89 إلى 276/ 889- 90 و بعد ذلك قام ضد الخليفة و فى 279/ 892- 93 سيطر من جديد على «الرى» و استمر مسيطرا عليها إلا فترات قصيرة حتى 281/ 894- 95 و فى هذا الوقت أقام قلعة فى «الرى» سويت بالأرض بعد خروجه (عنه انظر: ياقوت: ج 3 ص 895، و الطبرى: ج 3 ص 2135، 2141، 2151.

(2) جبل صغير فى الرى كانت على قمته قلعة بناها رافع بن هرثمة و كانت تقع على الجانب الأيمن للطريق من «الرى» إلى خراسان. و قلعة طبرك هدمها سنة 1192 طغرل الثالث. انظر: ياقوت ج 3 ص 507- 509.

(3) كلمة «ناووس» استعارها العرب من السريان المسيحيين و يعنون بها مبانى الأضرحة و القبور و قد استخدمها العرب و أطلقوها على كل مدافن المسيحيين و الزرادشتين و غيرهم بإستثناء المسلمين. انظر: أ. بوريسيف: عن معنى كلمة «ناووس» من أعمال متحف الاحتياج القسم الشرقى ج 301- 311.

(4) أى لا يتكافأ عائدها مع ما يصرف عليها.

(5) فى مخطوط مشهد/ «جبلاناذ» عن هذا الجزء من مدينة الرى و ضواحيه يتحدث أبو دلف دون غيره و ياقوت يقتبس منه (ياقوت: ج 2 ص 179).

(6) مرداويز بن زيار (قتل سنة 935) مؤسس عائلة «بنى زيار».

و فى مخطوط مشهد: مرداويز بحرف ژ الفارسى لا العربى.

(7) ذكر السجن كما يقول كراتشكوفسكى تفصيلات مهمة لمؤرخى الثقافة.-

77

عليه دكة من تراب لا يعمل فيه نقب و لا يتخلص منه ذاعر بضرب من الحيل و لم أر فى الابنية الحصينة فى معناه مثله. و كان بها رجل من المجوس مات فى سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة (1) و عهدى به و هو يسقى جيش خراسان و تباعهم و متصرفيهم من الحول إلى الحول شرابا فى نهاية الجودة مع ما (معما) يتبعه من حملان و خلعة و طيب و مأكول و فاكهة. و يقال أن تقدير ثمن الظروف التى تخرج من داره إلى الناس فيها الشراب فى كل سنة خمسون ألف درهم. و كان من كرمه أنه متى لقيته جماعة من الخاصة أو العامة من الغرباء فى أى زى كانوا فسألوه شرابا ختم لهم على شمع أو طين إلى خازنه لكل واحد منهم قرابة تسعر عشر رطلا و لكل قرابة خمسة دراهم للفاكهة و النقل و لا يمتنع على أحد بتة و لم نشاهد فى زماننا مثله و خبره متعارف مشهور.

(و هذا الخبر نحن نظن أيضا بعض هنات أبى دلف) (2).

و قد خرج من «الرى» عدة من العلماء و الكتاب و الشعراء و كان فيهم رؤساء و تناء (3) منهم الجريش بن احمد (4) ملك ألف قرية ليس فيها جريب‏

____________

- و مينورسكى يلاحظ أن تسمية «زندان» (السجن) القديمة كانت على الخريطة على بعد 10 كيلومترات تقريبا إلى الشرق من بقايا «الرى» عند أسفل الجبل و يمكن أن يكون هذا المكان موجودا حيث يصف أبو دلف هذا السجن (مينورسكى: أبو دلف ص 100).

(1) 944- 95 م.

(2) ملاحظة ناسخ مخطوط مشهد.

(3) فى النص «تنّاء» (مفردها تانى.) و هو الشخص الذى يملك أرضا كثيرة أو ممتلكات غير منقولة.

(4) النظير المعروف لاسم الجريش بن أحمد يذكره البلاذرى وحده ص (200)

78

واحد عصب و لا قطاع و لا إيغار (1). و كان إذا قدم مدينة «السلم» (2) حملت خزائنه‏ (3) فى الطب- دون غيره على مائة جمل. و كان إذا حضر مجلس الوزير طرح له مصلى و لم يفعل هذا بأحد، غيره من سائر الملوك. و مياه «الرى» عذبة و بئة و بها ماء يقال له «السورين» (4) رأيت أهلها ينكرونه و يتطيرون منه و لا يقربونه. فسألت عن امره فقال لى شيخ منهم سبب ذلك أن السيف الذى قتل به يحيى ابن زيد (5) (عليه السلام) (السلم) غسل به. و لهم الثياب الرازية التى لا تعمل فى سائر الدنيا إلا فى بلدهم. و لقد رأيت ثوبا منها تكسيره نحو مائتى شبر و قد بيع بعشرة آلاف (ألف) درهم. و لاهلها الخبث و الغباوة و الذكاء و لهم النقب‏ (6) الذى لا يلحقهم فيه أحد. يقال أن بعضهم ينقب من الفراسخ الكثيرة و ينقب تحت المياه مثل دجلة و كبار الأنهار .. و النقب‏

____________

- حيث يشيرا إلى أنه فى الرى كانت عائلة تسمى «بنو جريش» استوطنتها بعد تأسيسها.

(1) الايغار يطلق على الأرض التى يدفع مالكها ضرائب بصورة مباشرة إلى مالية الدولة أو الحكومة.

(2) أى «بغداد».

(3) المقصود على ما يبدو كتبه و أدواته و ما شابه ذلك و مينورسكى يتردد فى فهمها و يذكر ترجمتين لها:

»his usual tleasure« »treasures appropriate to his position

مينورسكى: أبو دلف: ص 52.

(4) السورين قناة فى «الرى». عنها انظر ياقوت، ج 3 ص ص 186- 187.

(5) يحيى بن زيد: هو الحفيد الأكبر للحسين بن على، قتل فى «جوزجان» سنة 125/ 742- 43.

(6) من التنقيب و هو الحفر فى باطن الأرض.

79

الرازى يضرب [به‏] المثل. و معهم جسارة على سفك الدماء و القتل. و من «الرى» الرستاق يقال له قصران‏ (1) و هى جبال شامخة عالية إذا امتنع أهلها على السلطان لحمل الخراج لم يقدر عليهم و إنما لهم عند صاحب الرى رهائن.

و أكثر فاكهة «الرى» من هذه الجبال. و يقيم الورد بالرى أربعة أشهر، و يؤكل بها المشمش و الاجاص‏ (2) أكثر من هذا المقدار (3) و بها حمامات صغار تنفع من الجرب و معادن خفية. و أرضها تتصل بجبال «بنى قارن» (4) و «دبناوند» (5)، و جبال الديلم و طبرستان. و شاهدت فى بعض جبالها بحيرة تكون استدارتها نحو جريب يعتصر فيها مياه أوديتها و سيول شعابها فى أيام الشتاء و الربيع فلا يزيد قدر مائها، و لا ينقص فى شتاء و لا صيف و أنه لينصب فى اليوم الواحد من أيام الشتاء و الربيع ما لو ساح على الأرض لكان بحرا عجاجا.

و حول هذه البحيرة ميادين نرجس و بنفسج و ورد. و بالقرب منها أثر قصر قديم لم يبق منه إلا بعض حيطانه و قبة باب داره، و لم أجد أحدا يعطينى خبرا.

____________

(1) منطقة جلبة قرب «الرى» عنها انظر ياقوت: ج 4 ص ص 105- 106.

(2) البرقوق.

(3) المقصود بالمقدار هنا هو مقدار الأربعة أشهر.

(4) كانت طبرستان عند الفتح العربى يحكمها رجال يحملون لقب «اسبخبد» (بالفارسية قائد عسكرى) و بعد فتح العرب أصبح «اسبخبد» طبرستان من سلالة الغازى «مايزديار بن قارن» و هذا الجزء الذى سيطروا عليه من طبرستان أصبح يعرف باسم «جبال بنى قارن».

(5) دبناوند (دماوند بالفارسية) اسم سلسلة جبال من أصل بركانى فى منطقة الرى و أيضا أعلى قمة جبل بها و اليها تمتد منطقة جبلية (ياقوت:

ج 2 ص ص 606- 610.

80

و ديناوند مدينتان تعرف احداهما بويمة (1) و الأخرى «بشلمبة» (2).

و فى كل واحدة منهما مسجد جامع و بينهما قرى كثيرة و جبال عالية و يخرج من بين المدينتين واد يقال له «وادى الهبر» (3) عجيب الشأن كثير الشجر و الحمات و المياه و الغياض (فنفذ ماؤه إلى خوارى الرى) (4). و بويمة هذه ريح عظيمة تهب ليلا و نهارا أياما من السنة معروفة تكون نحو ثلاثة أشهر فلا يحجبها عن الناس حجاب. و ربما قتلت من تلحقه فى طريق أو صحراء فينتقل أهل هذه المدينة عنها إلى جبل بالقرب منها فيستترون به حتى ينقضى أوانها ثم يعودون إلى مغازلهم.

و بدباوند جبل عال مشرف شاهق شامخ لا يفارق أعلاه الثلج شتاء و لا صيفا و لا يقدر أحد من الناس يعلو ذروته، و لا يقاربها يعرف بجبل «بيوراسف» (5)

____________

(1) ويمة مدينة غنية إلى حد ما بالبساتين و الكروم تقع فى جبال دبناوند بين الرى و طبرستان كانت فى القرن العاشر المدينة الرئيسية لمنطقة دبناوند و كان بالقرب منها يستخرج «الحديد». عنها انظر ياقوت: ج 4 ص ص 944- 945 و الاصطخرى: ص 200 و حدود العالم ص 135.

(2) «شلمبه» (شلنبه فى حدود العالم): مدينة صغيرة فى جبال دبناوند كانت تقع على مقربة من مدينة «ويمة» فى العصور الوسطى و نتيجة للتوسع اندمجت مع الأخيرة. عنها انظر ياقوت: ج 3 ص ص 315، 316 و الاصطخرى:

ص 209 و حدود العالم 135.

(3) تقرأ فى المخطوط: «وادى الهير» و قد توصل مينورسكى: إلى تسميتها «وادى الهبر» و فيما بعد توجد بصورة «حبل رود» حاليا نهر «حبل رود» (مينورسكى: أبو دلف ص 101).

(4) خوار: مدينة على بعد 20 فرسخا (115 كيلومترا) إلى الشرق من الرى. و تمييزا لها عن بلدة كبيرة أخرى بنفس الاسم فى «فارس» فان هذه المدينة كانت تسمى عادة «خوار الرى «عنها انظر ياقوت: ج 2 ص 479.

(5) يبدو أن الحديث يدور هنا عن احدى المرتفعات الجبلية فى منطقة-

81

يراه الناس من مرج القلعة و من عقبة همذان و الناظر اليه من «الرى» يظن أنه مشرف عليه و أن المسافة بينهما فرسخ أو فرسخان و بينهما ثلاثون فرسخا.

و يزعم العامة أن سليمان بى داود (عليهما السلام) حبس فيه ماردا من مردة الشياطين يقال له صخر (1) المارد و زعم آخرون «أفريدون» (2) الملك حبس فيه «بيوراسب» (3) و أن دخانا يخرج من كهف فى الجبل يقول العامة أنه‏

____________

- «دبناوند» و الاحتمال الاكثر هو عن أعلى جبل يحمل نفس الاسم (بناوند) حيث سجن بيوراسب الشرير حسب ما يقال.

(1) صخر: اسم أحد اثنين من الشياطين فى التراث الدينى الإسلامى. و اسمه الكامل هو صخر الجنى (ابن الأثير: ج 1 ص 167- 169).

(2) أفريدون: (بالفارسية فريدون) بطل شعبى ايرانى. و فى العصور الوسطى كانت تنتشر بين أهالى ايران (انتقلت عنهم إلى البلاد الإسلامية الأخرى فى الشرق) أساطير شعبية عن انتصاره على «الضحاك» الشيطان (بيوراسب) و يرد ذكره فى كتاب «الأفست» الفارسى المعروف تحت اسم‏» Thraetaona «و فى العصر الإسلامى ظل اسمه يعيش إلى جانب أبطال آخرين فى «الشاهنامة».

(Justi ,S .133).

(3) بيوراسب (بيوراسف): أحد الشياطين فى المعتقدات الزرادشتتية يسمى «آجى دهاق» و قد احتفظت صورته بوجودها فى الأساطير الفارسية فى العصر الإسلامى. و صورته فى الشاهنامة عبارة عن حيوان غريب على كتفه حيتان و يسميه الكتاب العرب «ضحاك بيوراسب» أو ضحاك أو بيوراسب.

و البطل الشعبى الفارسى «افريدون» حسب ما تروى الأسطورة، وضع نهاية أو حدا لسيادة الضحاك (بيوراسب) بحبسه فى جبل «دبناوند». يورد ابن الكلبى إحدى الأساطير التى تحكى انتصار «أفريدون» عليه و عنه يوردها ياقوت عند وصفه جبل «دبناوند» و كانت مصادر معلومات أبى دلف عن بيوراسب كما يتضح من نص الرسالة الثانية تتمثل فى المعتقدات الشائعة بين أهالى «دبناوند».

انظر: ياقوت: ج 2 ص 607.

82

نفسه و لذلك أيضا يرون نارا فى ذلك الكهف يقولون انها عيناه و ان همهمته تسمع من ذلك الكهف فاعتبرت ذلك و ارتصدته و لزمت المكان و صعدت فى الجبل حتى وصلت إلى نصفه بمشقة شديدة و مخاطرة بالنفس و ما أظن أن أحدا تجاوز الموضع الذى بلغت اليه بل ما وصل اليه انسان فيما أظن و تأملت الجبال فرأيت عينا كبيرة نقية و حولها كبريت مستحجر فإذا طلعت عليه الشمس و التهبت فظهرت فيه نار و إلى جانبه مجرى يمر تحت الجبل تخترقه رياح مختلفة فتحدث بينها أصوات متضادة على ايقاعات متناسبة فمرة مثل صهيل الخيل و مرة مثل نهيق الحمير و مرة مثل كلام الناس. و يظهر للمصغى اليها مثل الكلام الجهورى دون المفهوم و فوق المجهول يتخيل السامع أنه كلام بدوى و لغة انسى.

و ذلك الدخان الذى يزعمون أنه نفسه بخار تلك العين الكبريتية. و هذه حال يحتمل على ظاهر هذه الصورة ما تدعيه العامة. و وجدت فى بعض شعاب هذا الجبل آثار بناء قديم و حولها مشاهد تدل على أنها مصايف بعض الاكاسرة.

و إذا نظر أهل هذه الناحية إلى النمل تذخر الحب و تكثر من ذلك علموا أنها سنة قحط و جدب. و إذا دامت عليهم الأمطار و تأذّوا بها و أرادوا قطعها صبوا لبن المعز على النار فانقطعت. و قد امتحنت هذا من دعواهم دفعات فوجدتهم فيه صادقين. و ما رأى أحد رأس هذا الجبل فى وقت من الأوقات منسحرا (1) عنه الثلج إلا وقعت الفتنة و هريقت الدماء من الجهة التى تراها منسحرة.

و هذه العلامة أيضا صحيحة باجماع أهل البلد. و بالقرب من هذا الجبل معدن الكحل و المرتك و الأسرب و الزاج.

و على حد هذا المكان طبرستان و هى مدن كثيرة و أعمال واسعة و بها غياض لا تحصى و أنهار و مياه واسعة و بها عدة معادن، الذهب أجلها و أجودها

____________

(1) فى المخطوط «منحسرا».

83

ما يوجد «بخشم» (1) و هو شعب فى جبل بها و بطبرستان؛ اليوم فى يد العلوية و هم ملوكها منذ خرج عنها سليمان بن عبد اللّه بن طاهر (2). و عدلهم ظاهر و سياستهم منتظمة و أمر الرعية معهم مستقيم و أول من ملكها يلقب بالناصر (3) و بعده الداعى‏ (4) ثم الهادى‏ (5)، و صاحبها فى وقتنا هذا

____________

(1) لا توجد عند ياقوت معلومات عن «خشم» و لوسترانج يصفها بأنها مدينة فى الطرف الغربى لطبرستان على بعد مسيرة يومين من وادى «سفيد رود» و أربعة أيام من «بيلمان» (بيمان) و يذكر لوسترانج نقلا عن المقدسى أن هذه المدينة كان لها سوق كبير و مسجد جامع و أن على النهر الذى يعبرها جسر من النوع العائم. و فى النص هنا يوصف المكان بأنه شعب جبلى و هذا لا يتعارض مع ما سبق ذكره على اعتبار أن الطرف الغربى لطبرستان يمثل فى الواقع البلاد الجبلية و أن تسمية المدينة امتد بالطبع إلى ما جاورها. انظر المقدسى: ص ص 355، 360، 373 و مينورسكى يفترض أن ما يذكره أبو دلف عن «خشم» مبنى على السماع و أن المدينة لم تكن فى طبرستان و إنما فى غيلان. (مينورسكى:

أبو دلف: ص 103).

(2) سليمان بن عبد اللّه بن طاهر كان واليا على طبرستان و قد نصبه عليها أخوه طاهر بن عبد اللّه. و فى سنة 864 نفى من طبرستان تحت ظروف ثورة شعبية بقيادة حسن بن زيد العلوى.

(3) كان الحسن بن زيد أول ممثل للأسرة العلوية فى طبرستان (و هى أسرة مقسمة إلى فرعين آل حسن، و آل الحسين) و كان من فرع آل الحسن. و كان يلقب بالداعى الكبير (864- 884) و المقصود هنا أول حاكم علوى جاء إلى الحكم بعد فترة الحكم الطارئة لحكام «بنى سمند» (900- 913) و هو أبو محمد الحسن الأطرش بن على بن حسن الملقب بالناصر الكبير (913- 916).

(4) هو ثانى حاكم علوى لطبرستان بعد الناصر الكبير و آخر ممثل لفرع آل الحسن. و اسمه الحسن بن القاسم و يلقب بالداعى الصغير (916- 928)

(5) ليس من المعروف هنا ما يقصده المؤلف و يبدو أنه أحد ثلاثة من آل‏

84

الثائر (1). و بطبرستان أترج‏ (2) ليس فى سائر البلدان مثله حسنا و كبرا. و يعمل بها ماء الزعفران يصاعد كالماورد و لا يتم عمله فى غيرها. و المطر فيها دائم مدة الشتاء و أكثر أشهر الصيف و بها حمات كثيرة و لها قصب سكر دون الاهوازى.

و وردها غير ذكى. و بها جماعة يتعاطون الحذق بعلم النجوم. و بها معادن زاجات و شبوب منها الشب الأبيض الذى يصلح لتبييض الفضة السوداء و ليس يكون إلا بها و لا يعمل فى بلد من البلدان مثل المرداسنج المعمول بها. و تعمل بها أكسية عجيبة يبلغ الكساء منها جملة دنانير و كذا مناديلها موصوفة فى جميع البلدان. و هى متصلة بجرجان و من الرى على طريق الجادة يسير الناس إلى جرجان فى المفازة و عن ذات الشمال من الجادة جبال طبرستان و فى بعض جبال طبرستان بين «سمنان» (3) و «دامغان» (4) فلجة (5) تخرج منها ريح فى أوقات من‏

____________

- الحسين الذين حكموا فى الفترة من سنة 929 إلى سنة 939.

(1) يبدو أن المقصود هو أبو الفضل الثائر العلوى حفيد الناصر الكبير الذى تحارب من أجل السلطة فى خمسينات القرن العاشر مع آل بويه فى طبرستان مرة بالاتحاد مع «وشم غيره» و مرة منفردا و فى 350/ 961- 62 قام بغزوة عسكرية من غيلان و ديلم إلى طبرستان (ابن اسفنديار: ص ص 222- 223).

(2) ليمون.

(3) سمنان: مدينة فى محافظة «قومس» بين طهران ( «ريم» فى العصور الوسطى). و الدامغان. عنها انظر: ياقوت: ج 3 ص ص 141- 142، و حدود العالم ص 135.

(4) الدامغان: مدينة بين طهران أو ريم فى العصور الوسطى و نيسابور و فى القرن العاشر كانت المدينة الرئيسية لمحافظة «قومس» عنها انظر ياقوت:

ج 2 ص 539 و حدود العالم ص 135.

(5) أى فتحة أو مسقط عميق.

85

السنة إلى من يسلك طريق الجادة فلا تصيب أحدا إلا أتت عليه و لو أنه مشتمل بالوبر و بين الطريق و هذه الفلجة فرسخ واحد و فتحها نحو أربع مائة ذراع و مقدار ما ينال أذاها فرسخان. و ليس تأتى على شى‏ء إلا جعلته كالرميم. و يقال لهذه الفلجة و ما يقرب منها من الطريق «الماذران» (1). و أنى لأذكر و قد صرت إليها مجتازا و معى نحو المائتى نفس أو أكثر و من الدواب أكثر من ذلك فهبت علينا فما سلم من سائر الناس و الدواب غيرى و رجل آخر لا غير و ذلك أن دوابنا كانت حيادا (2) فوافت بنا أزجا (3) و صهريجا كانا على الطريق فاستكنا بالأزج و سدرنا ثلاثة أيام بلياليها لا نحس بشى‏ء ثم استيقظنا بعد ذلك فوجدنا الدابتين قد نفقتا (4) و يسر اللّه عز و جل لنا قافلة حملتنا و قد أشفينا على التلف.

و سمنان مدينة صغيرة كثيرة الأهل واسعة الفواكه و الخيرات لها مياه عذبة و يعمل بها مناديل منقوشة الأعلام مثمنة يبلغ المنديل خمسين دينارا و يعمل بها أيضا سبنيات‏ (5) عجيبة الصنعة تباع السبنية بمائتى دينار و أكثر و يقال أن المرأة التى تعملها تعمى من دقة الصنعة و كثرة العمل. و الدامغان مدينة حسناء

____________

(1) الماذران: اسم وادى جبلى و بلدة فى طبرستان بين سمنان و الدامغان انظر ياقوت: ج 4 ص ص 380- 381.

(2) أى أصيلة قوية.

(3) مبنى على هيئة «بهو»

(4) استخدام صيغة المثنى هنا لا يتمشى مع الكلام السابق حيث تستخدم صيغة الجمع و فى الترجمة الروسية تستخدم صيغة الجمع دون تفسير لذلك.

(5) نوع من القماش من القطن أو الصوف و تصنع منه أيضا أنواع من المناديل و الفوط.

86

كثرة الفواكه و فاكهتها نهاية. (1). و الرياح بها لا تنقطع ليلا و لا نهارا. و بها مقسم للماء كسروى عجيب الشأن يخرج ماؤه من مغارة فى جبل ثم ينقسم إذا انحدر عنه على مائة و عشرين قسما لمائة و عشرين رستاقا (2) لا يزيد قسم على صاحبه و لا يمكن تأليفه على غير هذه القسمة و هو مستطرف جدا ما رأيت فى سائر البلدان مثله و لا شاهدت أحسن منه. و هناك [قرية] تعرف بقرية «الجمالين» (3) فيها عين تنبع دما لا يشك فيه لأنه جامع لأوصاف الدم كلها.

إذا ألقى فيه زئبق صار لوقته حجرا يابسا صلبا منقشا. و تعرف هذه القرية أيضا «بفنجار» (4). و بالدامغان تفاح يقال له القومسى جيد حسن أحمر الصبغ مشرق الحمرة يحمل إلى العراق. و بها معادن زاجات و أملاح و لا كباريت فيها. و بها معدن للذهب صالح. و منها إلى قرية كبيرة شبيهة بالمدينة الصغيرة يقال لها «بسطام» (5) كان منها أبو زيد البسطامى‏ (6) رحمة اللّه عليه. و بها تفاح‏

____________

(1) هكذا فى النص تنتهى الجملة و يبدو أن الكلمة الأخيرة «نهاية» لا تكفى لتكملتها. و مينورسكى: يترجم الجملة كما يلى:

Damghan is a fine town abounding in fruit of which there is

» «no need

أى دمغان مدينة حسناء كثيرة الفواكه الزائدة عن الحاجة.

(2) يتفق مينورسكى: مع نص مخطوط مشهد: و يترجمها كما يلى:

«of twenty districts» أى عشرين رستاقا و ليست مائة و عشرين.

(3) لا توجد هذه التسمية فى أى مكان آخر. و من فحوى التسمية يستدل على أن هذه القرية كانت محطة للقوافل و كان أهلها يشتغلون بتأجير الجمال و خدمة القوافل.

(4) مينورسكى يرى قراءتها فنجان (أبو دلف: ص 105).

(5) «بسطام»: مدينة فى «قومس» بناها فى القرن السادس «بسطام» و إلى خراسان و قومس و جرجان و أهم معالمها (حتى ذلك اليوم) مقام الشيخ بايزيد الصوفى. عنها انظر ياقوت: ج 1 ص 623. و حدود العالم ص 135.

(6) المقصود هنا هو الشيخ «الصوفى» المشهور أبو يزيد طيفور بن عيسى-

87

حسن يحمل إلى العراق يعرف بالبسطامى. و بها خاصيتان عجيبتان أحدهما أنه لم ير عاشق قط من أهلها و متى دخلها إنسان فى قلبه هوى و شرب من مائها، زال العشق عنه. و الأخرى أنه لم يرمد بها أحد قط. و لا معدن فيها إلا شى‏ء من مغنيسيا. و لها ماء مر ينفع إذا شرب على الريق، من البخر و إذا إحتقن به أبرأ البواسير الباطنة. و تنقطع بها رائحة [العود و لو أنه من أجود الهندى و يزكو بها رائحة] (1) المسك و العنبر و الكافور و سائر أصناف الطيب إلا العود فإنه ينقطع. و بها حجارة سود يبيض الأسرب بها بياضا حسنا. و بها حيات صغار و ثابات و ذباب كثير مؤذ. و شرابها أخضر (2). و على تل بازاء نهر فيها قصر مفرط السعة، عالى السور، كثير الأبنية و المقاصير يقال أنه من بناء شابور ذى الاكتاف‏ (3) و دجاجها لا تأكل العذرة (4).

و سرت منها متياسرا إلى جرجان فى هبوط و صعود و أودية هائلية.

و جرجان مدينة حسنة على واد عظيم فى ثغور بلدان السهل و الجبل و البر و البحر و بها النخل و الزيتون و الجوز و الرمان و قصب السكر و الأترج و بها ابريسم‏ (5) جيد لا يستحيل صبغه و بها أحجار كثيرة لها خواص عجيبة و بها ثعابين تهول‏

____________

- البسطامى الذى يختصر اسمه عادة إلى بايزيد و قد عاش فى بسطام مع أن أهل المدينة طردوه منها عشرين مرة لإتهامه «بالهرطقة» أى الخروج عن المألوف من أمور الدين. مات سنة 260/ 874 م و شيد له فى بسطام مقام.

(1) ما بين القومسين من إضافة ياقوت‏

(2) أى ماء الشرب بها لونه أخضر و مينورسكى يترجمها بأنها «الخمر»

(3) شابور ذو الاكتاف هو شابور الثانى (310 ه- 379 ه)

(4) العذرة: أوساخ الأرض.

(5) حرير

88

الناظر و لا ضرر بها. و سرت منها فى مفازة خوارزم‏ (1) فرأيت بها آثارا كثيرة لجماعة من ملوك العرب و العجم و أشجارها و غياضها كثيرة جدا و يقع فيها ثلج. و مطرها دائم لا يكاد ينقطع و هى متصلة برساتيق نيسابور و أيضا رستاق تعرف باسبينقان‏ (2) خسف منه بعض السنين بنيف و ثلاثين قرية وهبت عليها ريح عاصف فحملت من ذلك الخسف رملا أحمر جاوزت به فى الجو أعمال طوس و نيسابور و مرت به نحو مائة و خمسين ... (3) و هذا مما شاهدته و وقفت عليه و ذلك أنى مررت بهذا الرستاق و هو فى نهاية العمارة و كثرة البساتين و تخرق الأنهار فما استقررت بنيسابور حتى اتصل بى أنه قد خسف به فعدت لأنظر إليه فرأيته و قد ساخ فى الأرض نحو مائة قامة أو أكثر و رأيت المياه تخر فيه من جوانبه.

و طوس أربع مدن‏ (4) منها اثنتان كبيرتان و اثنتان صغيرتان. و بها آثار أبنية اسلامية جليلة و بها دار حميد بن قحطبة (5) و مساحتها ميل فى مثله.

____________

(1) هل وصل أبو دلف حقيقة إلى خوارزم؟ إن الشك فى هذا يتولد عن أنه فى وصفه هذه البلاد يورد معلومات ضحلة ذات طابع عام. (كراتشكوفسكى:

الرسالة الثانية ص 292 ملاحظة 1)

(2) اسبينقان أو اسفينقان: مدينة و رستاق على ما يبدو فى منطقة نسا (نسى) (المقدسى: ص 51، 300 ملاحظة 1) أو فى منطقة نيسابور (ياقوت:

ج 1 ص 251 و السمعانى: 1346) و مكانها بالضبط غير معروف.

(3) فى مخطوط مشهد سقط المعدود و يمكن أن تكون «فرسخا» و هو ما أخذ به مينورسكى.

(4) هذه الأربع مدن هى: الطابران و نوقان و على ما يبدو الرازكان و بزدغور. انظر ياقوت: ج 3 ص 560 و حدود العالم ص 103.

(5) حميد بن قحطبة: قائد عسكرى للأوائل من بنى العباس كان حاكم ما بين النهرين و مصر (مات فى شعبان سنة 159/ مايو 776) و هو و إلى خراسان و إقامته بنيسابور. عنه انظر الطبرى: حمزة الأصفهانى ج 1 ص 221.

89

و فى بعض بساتينها قبر على بن موسى الرضا (1) رضى اللّه عنه و قبر الرشيد.

و بينها و بين نيسابور قصر هائل عظيم محكم البنيان لم أر مثله علو جدران و احكام بناء و فى داخله مقاصير تتحير فى حسنها الأوهام. و ازاج و أروقة و خزائن و حجر للخلوة. و سألت عن أمره فوجدت أهل البلد و هم مجتمعون على أنه من بناء [بعض‏] التبابعة (2) و أنه قصد بلد الصين من اليمن فلما صار إلى هذا المكان رأى أن يخلف حرمه و كنوزه و ذخائره‏ (3) فى مكان يسكن اليه و يسير متخففا. فبنى هذا القصر و أجرى له نهرا عظيما آثاره بينة و أودعه كنوزه و ذخائره و حرمه و مضى إلى الصين فبلغ ما أراد و انصرف و حمل بعض ما كان جعله فى القصر و بقيت له فيه أموال و ذخائر تخفى امكنتها إلا أن صفات موضعها مكتوبة معه فلم يزل‏ (4) على هذا الحال تجتاز به القوافل و تنزله السابلة و لا يعلمون أن فيه شيئا حتى استبان ذلك. و استخرجه أسعد ابن أبى يعفر (5) صاحب «كحلان» (6) فى أيامنا هذه لأن الصفة كانت وقعت اليه فوجه قوما استخرجوها و حملوها اليه.

و ليس بنيسابور أثر ظاهر للعجم و لا للعرب إلا أبنية بناها بعض آل طاهر

____________

(1) على بن موسى الرضا هو ثامن إمام شيعى أعلن خليفة للمأمون فى الحكم و قبره يوجد فى قرية «شاباد» قرب «مشهد» و هناك أيضا يوجد قبر الخليفة هارون الرشيد.

(2) هم ملوك جنوب الجزيرة العربية (قوم سبأ) انظر بطرس البستانى:

دائرة المعارف ج 4 ص 27، بيروت: 1882.

(3) فى الأصل «و ذخائر»

(4) الضمير فى «يزل» يعود على القصر.

(5) هو صاحب منطقة كحلان فى اليمن (فى القرن العاشر) انظر: ياقوت:

ج: 3 ص 560.

(6) هى فى منطقة «مخلاف» باليمن انظر ياقوت: ج 4 ص 240.

90

شبيهة بالأبنيه القديمة. و لمائها خاصية فى اظهار البغاء و الأبنة (1) قل من يسلم من ذلك إلا من أقل شراب الماء بها. و هذا عند أهلها خبر مستفيض و أكثر ما ينال الغرباء (2). و فى نسائها جمال ظاهر و قلة امتناع عمن يريدهن. و بها معدن نحاس تفوق سائر معادن الأرض جودته. و بها ريباس‏ (3) عظيم و يكبر حتى تصير القصبة الواحدة منه تزن خمسين منا و أكثر و سيستعظم هذا من قولى من يسمعه و ما قلت إلا ما شاهدته و رأيت. و بها سفرجل يعظم جدا و لقد وزنت منه واحدة فكان وزنها أربعة مائه درهم و نيفا و عشرين درهما. و فى وسط المدينة مدينة عتيقة لها سور شاهق و خندق عظيم و أبرجه هائلة. و على حدها مدينة هراة يجلب (منها) الزبيب الخراسانى الجيد و القشمش‏ (4) و يقال أن ذا القرنين بنى سورها و سور اصفهان القديم.

و اصبهان صحيحة الهواء نقية الجو خاليه من جميع الهوام لا تبلى فى تربتها الموتى و لا تتغير فيها رائحة اللحم و لو بقيت القدر بعد أن تطبخ شهرا ما تغيرت.

و ربما حفر الإنسان بها حفيرة لحال من الأحوال فيهجم على قبر له ألوف السنين و الميت فيه على حاله لم يتغير. و تربتها أصح ترب الأرض. و يبقى بها التفاح غضا سبع سنين. و لا يتسوس بها الحنطة كما تتسوس فى غيرها. و بها آثار كثيرة حسنة و بينها و بين الاهواز قنطرة «يذج» و هى من العجائب المذكورة لأنها مبنية

____________

(1) الأبنة: الغضب أو شدة الانفعال.

(2) أى أن الغرباءهم أكثر من يقاسى منه.

(3) «الريباس» هو نوع من النبات تطبخ فروعه و تعمل منها حلوى و هو يعرف بالإنجليزية باسم»Rhubarb

(4) خليط من الفواكه المجففة من الزبيب و التين و غيرها.

91

بالصخر على واد يابس بعيد القعر. و ايذج‏ (1) كثيرة الزلازل و بها معادن كثيرة و بها ضرب من القاقلى‏ (2) تنفع عصارته للنقرس‏ (3). و فيها بيت نار قديم‏ (4) كان يوقد إلى زمن الرشيد (5). و دونها بفرسخين مما يلى البصرة صور فى الماء و هو مجمع أنهار يعرف بفم البواب‏ (6) إذا وقع فيه انسان أو دابة لا يزال يدور به ابدا حتى يموت ثم يقذفه إلى الشاطى‏ء من غير أن يغيب فى الماء أو يركبه. و هذا من الأمور الطريفة لأن الذى يقع فيه لا يرسب فيه و لا يعلو ماؤه عليه.

و يفتتح لخراجها قبل النيروز الفارسى‏ (7) بشهر. و هذا الرسم مخالف‏

____________

(1) ايذج: مدينة فى «لورستان الكبيرة» فى منطقة إلى الشرق و الجنوب من المجرى العلوى لنهر «قارون» على بعد 100 كيلومترا إلى الجنوب الشرقى من «تستر» و على نفس المسافة تقريبا من «عسكر مركم» فى العصور الوسطى و من القرن 12 إلى 15 كانت «ايذج» عاصمة بنى «خزرسب» و فى الوقت الحاضر لم يبق من المدينة إلأ بقايا آثارها و بالقرب منها بلدة «مالمير» عنها انظر ياقوت:

ج 1 ص 416.

(2) القاقلى: نوع من النبات. عنه أنظر: ابن البطار: ج 3 ص 55 و القانون لابن سيناء: ج 2 ص 555، ص 556.

(3) داء المفاصل‏

(4) من المحتمل أن المقصود هنا هو الموقد الذى كان فى «شامى» شمال بلدة «مالمير» و الذى اكتشف سنة 1934. عنه انظر مينورسكى: أبو دلف ص 108

(5) أى حتى زمن الخليفة هارون الرشيد (786- 809).

(6) لا توجد معلومات عنه و مينورسكى يعتبر أنه من المحتمل أن يكون مجمع أنهار «دخنى شير» (أى فم الأسد بالفارسية) على نهر «قارون».

(7) النيروز (بالفارسية اليوم الجديد): هو أول السنة الفارسية و يتفق مع-

92

لرسوم الخراج فى سائر الدنيا و لا يجاوزها المد و الجزر. و هى سفلى أرض الأهواز منخفضة عنها بكثير و مائية قصب سكرها تزيد على سائر قصب السكر فى سائر الأهواز أربعة فى كل عشرة و فانيذها (1) يعمل عمل السجزى‏ (2).

و سوق الأهواز (3) تخترقها مياه مختلفة منها الوادى الأعظم‏ (4) و هو ماء «تستر» يمر على جانبها. و منه يأخذ واد عظيم‏ (5) يدخلها. و على هذا

____________

- الحادى و العشرين من شهر مارس عندما تكون الشمس وقت الظهر عمودية على خط الاستواء. و هو عيد الربيع‏

(1) الفانيذ هو السكر النبات.

(2) عند ياقوت: «السنجرى» و فى مخطوط مشهد: يمكن قراءتها «السجزى» و هى تنسب إلى «سجستان» (سيستان) حيث يزرع قصب السكر منذ زمن بعيد. و منها نوع السكر «السجزى».

(3) سوق الأهواز: مدينة على بعد 100 كيلومترا من «تستر» قرب ممر نهر قارون. و فى هذا المكان عند المجرى الرئيسى يتفرغ إلى الشرق مجرى آخر مكونا جزيرة حيث كان يوجد فى القرن العاشر الجزء الغربى من المدينة مع مسجد جامع و سوق «أما الجزء الشرقى من المدينة فقد ربطه بالجزء الغربى جسر هندوان (بارتولد يذكر خطأ أن هذا الجسر كان على قناة مسروقان التى كان حقيقة تخترق المدينة و إن كان مجراها جافا) و فى القرن العاشر كانت سوق الأهواز المدينة الرئيسية لخوزستان و أحد المراكز التجارية الكبرى للخلافة و حاليا مكانها بلدة «تستر» (شستر) عنها انظر ياقوت: ج 1 ص 208 و حدود العالم ص 381.

(4) المقصود هنا وادى «قارون» و مجراه الرئيسى الغربى «آبى‏دز» «دزفل رود) و الشرقى فى آب جرجر (غرغر) (مسروقان) و فى القرن العاشر ارتبط مع نهر دجلة بقناة و أصبح عاملا هاما للاتصال و من أسمائه الأخرى «دجيل»

(5) المقصود هنا فرع نهر قارون الذى يتفرع إلى الشرق و كان عليه الجزء الغربى لسوق الأهواز.

93

الوادى قنطرة عظيمة عليها مسجد واسع حسن و عليه أرجاء عجيبة و نواعير بديعة و ماؤه فى وقت المدود أحمر و يصب إلى الباسيان‏ (1) و البحر (2).

و يخترقها وادى المسرقان‏ (3) و هو من ماء «تستر» أيضا و يخترق عسكر مكرم‏ (4) و لون مائه فى سائر أيام نقصان المياه أبيض و يزداد فى وقت المدود بياضا و سكرها أجود سكر الأهواز و على الوادى الأعظم‏ (5) شاذروان‏ (6)

____________

(1) الباسيان: مدينة فى جنوب خوزستان على بعد 4- 5 كيلومترات من شط خليج فارس فى القرن العاشر كانت كما يذكر الاصطخرى: متوسطة الحجم و ياقوت يقتبس الاصطخرى و يذكر أنها تقع بين «الباسيان» «و دورق انظر ياقوت: ج 1 ص ص 467- 468 و الاصطخرى: ص 95

(2) أى خليج فارس‏

(3) قناة نهر «المسروقان» أو المشروقان أو آب جرجر تبدأ من قارون إلى الطرف الغربى لمدينة تستر و فى القرن العاشر كانت القناة تصل حتى سوق الأهواز إلا أن حسب رواية الاصطخرى «مجراها توقف بدون ماء على بعد فرسخين من المدينة. و حاليا تصب القناة فى قارون على مسافة أبعد إلى الشمال قرب بلدة «بندى كر» و على مقربة منها مدينة عسكر مكرم «انظر الاصطخرى: ص 89 و حدود العالم ص 214 هامش 38.

(4) عسكر مكرم: مدينة فى الجزء الأوسط لخوزستان على قناة مسروقان على بعد 8 فراسخ (45 كيلومترا) إلى الشرق من سوق الأهواز فى مكان المدينة الساسانية «برج شابور» كانت فى القرن العاشر مركزا لأقليم و قد سميت المدينة بهذا الإسم نسبة إلى مكرم بن معزاء أحد قواد الحجاج الوالى الأموى و فى الوقت الحاضر لم يبق من المدينة سوى بقايا آثارها. انظر عنها: ياقوت ج 3 ص ص 476- 477 و حدود العالم ص 381.

(5) أى وادى نهر قارون‏

(6) أى «سد» و كان يوجد جنوب مدينة سوق الأهواز و الآن لم يبق منه-

94

حسن عجيب متقن الصنعة معمول من الصخر المهندم يحبس الماء على أنهار عدة و بإزائه مسجد لعلى بن موسى الرضا خطه فى اجتيازه به و هو مقبل من المدينة يريد خراسان و بها نهر آخر يمر على حافتها من جانب المشرق يأخذ من واد (1) [و] يعرف بشور آب‏ (2) و بها آثار كسروية يسيرة. و منها إلى «رام‏هرمز» (3) و هذه مدينة جليلة و الطريق منها إلى «دورق» (4) على بيوت نار فى مفازة مقفرة و فيها أبنية عادية عجيبة. و المعادن فى أعمالها كثيرة.

و قل ما رأيت ملحا أحكم فى الصنعة من ملحها. و بدورق آثار قديمة لقباذ بن دارا (5) و بها صيد كثير إلا أنه يتجنب الرعى فى أماكن منها و لا يدخلها بوجه و لا سبب. و يقال أن خاصية ذلك من طلسم عملته أمه له [لأنه‏] كان لهجا بالصيد فى تلك الأماكن فربما أخل بالنظر فى أمور المملكة مدة. فيقال إنها عملت له هذا الطلسم ليتجنب الوحش تلك المواضع التى كان يتصيد بها.

____________

- إلا بقايا آثاره و مبنى المسجد الذى أقامه على بن موسى الرضا ما زال حتى يومنا هذا و هو يوجد على مقربة من هذا السد إلى الشمال الشرقى منه.

(1) أى وادى نهر قارون‏

(2) شور آب: إحدى ثلاث قنوات تبدأ عند سد سوق الأهواز و تمز بالمدينة من طرفها الشرقى.

(3) «رام‏هرمز» مدينة فى الجزء الجنوبى الشرقى لخوزستان على بعد 19 كم شرق سوق الأهواز. كانت فى القرن العاشر مدينة كبيرة. انظر عنها ياقوت:

ج 2 ص 738 و حدود العالم ص 381.

(4) «دورق»: مدينة فى الجزء الجنوبى لخوزستان. كانت فى القرن العاشر مدينة كبيرة و مركز محافظة بنفس الاسم. انظر عنها ياقوت: ج 2 ص 618- 620.

و حدود العالم ص 381.

(5) قباذ بن دارا: أحد أكاسرة الفرس (488- 531).

95

و بها هوام قتالة لا يبل سليمها. و بها عيون الكبريت الأصفر البحرى‏ (1) و هو يسرج‏ (2) الليل عليه. و لا يوجد هذا الكبريت فى غيرها. و أن حمل منها إلى سواها لم يسرج. و أن أتى بالنار من غير «دورق» و اشتغلت فى ذلك الكبريت أحرقته أصلا فأما نارها (3) فأنها لا تحرقه. و هذا من ظريف الأشياء و عجيبها و لا يوقف على العلة فى ذلك. و فى أهلها سماحة ليست لغيرهم من أهل الأهواز و أكثر نسائها لا يرددن يد لامس. و أهلها قليلو الغيرة.

و آسك‏ (4) متصلة بها و هى مدينة و قريات و فيها أيوان عال حسن فى صحراء «على عين غزيرة و بيئة و بازاء هذا الأيوان قبة مسجد منيفة [ينيف‏] سمكها على مائة ذراع بناها قباذ (5) و فيها مسجد و خارجها عدة قبور لقوم استشهدوا فى أيام الفتوح. و على هذه القبة آثار الستائر و ما رأيت فى سائر البلدان قبة أحسن بناء منها و لا أحكم صنعة و على بابها الغربى كتابة منقوشة فى الصخر بالفهلوية (6) و بينها و بين أرجان‏ (7) قرية تعرف «بالهنديجان» (8)

____________

(1) يبدو أنه كان يستخرج من قاع خليج فارس و العرب و يعتقد شوارتز أنه كان يحتوى على مادة فوسفورية من مياه البحر.

(2) أى يضى‏ء.

(3) الضمير فى نارها يعود على مدينة «دورق».

(4) آسك: مدينة صغيرة فى الجزء الجنوبى الشرقى لخوزستان بين أرجان و رام هرمز على بعد 32 كم تقريبا إلى الجنوب الشرقى من الأخيرة (أى رام‏هرمز) انظر عنها ياقوت: ج 1 ص ص 61- 62. و حدود العالم ص 381.

(5) هو قباذ الأول (488- 531) و يرد ذكره فى الرسالة الثانية مرارا.

(6) أى اللغة الفارسية القديمة.

(7) أرجان: هى إحدى كبريات مدن فارس تقع على نهر «طاب» على بعد 350 كم تقريبا من «شيراز» و مثلها من سوق الأهواز. عنها انظر ياقوت:

ج 1 ص ص 193- 195.

(8) الهنديجان: بلدة على الطرف الشرقى لخوزستان بين آسك و أرجان على-

96

ذات آثار عجيبة و أبنية عادية (1) و تثار منها الدفائن‏ (2) كما تثار بمصر و بها نواويس بديعة الصنعة و بيوت نار. و يقال أن جيلا (3) [من‏] الهند لما فصدت بعض ملوك الفرس لتزيل مملكته كانت الوقعة فى هذا المكان فغلبت الفرس الهند فهزمتم هزيمة قبيحة فهم يتبركون بهذا الموضع. و نهر المسرقان يشق أعمالا كثيرة و يسقى ضياعا واسعة. و مبدؤه من «تستر» و تستر ذات آثار و أعاجيب و خواص. و بها قبر دانيال (عليه السلام) و قد قيل بالسوس‏ (4) و لها قناطر و شاذروان‏ (5) ما رأيت فى شى‏ء من البلدان مثلها. و بها معادن كثيرة.

و أكثر أبنيتها لقرد جشنس [؟] بن شاه مرد (6) و كان من عظماء الفرس.

____________

- بعد 14 كم من شط خليج فارس و العرب عنها انظر ياقوت: ج 4 ص 993.

(1) أى أثرية قديمة.

(2) أى يستخرج منها الآثار المدفونة.

(3) هكذا عند ياقوت و فى مخطوط مشهد «خيل»

(4) السوس (شوس). مدينة فى الشمال الغربى لخوزستان على شط نهر «آب شور» قرب آثار «سوز» العاصمة القديمة لآل أخمن. و أحد معالم المدينة يعتبر قبر «دانيال» انظر ياقوت ج 2 ص ص 188- 190 و المقدسى:

ص ص 407- 408.

(5) المقصود هو السد الكبير على نهر «قارون» (قرب تستر) بناه شابور الأول (241- 272).

(6) فى مقالتين مستقلتين يتناول مينورسكى (انظر مينورسكى: أسطورتان ايرانيتان، و ايضا أبو دلف: ص ص 114- 118) بدقة تحليل الاسم الذى يربط أبو دلف بينه و بين الابنية المشيدة فى «تستر» و كذلك القنطرة العجيبة» و أيضا الاسطورة عن مقتل بعض ملوك اليمن. و شرحه لكل هذا مقنع و لذا فسنكتفى بما توصل هو اليه: فقصة أبى دلف تعكس حقيقة حادثة تاريخية عرفت بعد أن قتل خسرو الثانى بارويز فى سنة 628 بواسطة ابنه «شيرويه» و كانت مدة-

97

أكثر همته فى البناء و احكامه و تشييده. و هناك قنطرة عجيبة مشهورة بنتها أخته خوراذام أردشير و هى التى احتالت حتى قتلت بعض ملوك اليمن و ذلك أنه قتل اخاها ثم تزوجها بعد قتله اياه. فلما زفت اليه و هى كارهة لذلك و كانت قد أخذت معها عدة غلمان مرد من أبناء ملوك فارس و ألبستهم البسة الجوارى و قالت لهم ان ملك العرب قد قتل ملوككم و أهل الرياسة منكم و هو قاتلكم‏

____________

- حكم الأب المقتول سبعة أشهر و بعد موته أعلن ابنه أردشير الثالث و هو فى السابعة من عمره ملكا. و عين «مه‏آزار جشنس» وصيا. و أقلق الجنرال المشهور «شهر براز» تصريف الأمور بدون استشارته أو معرفته فسار من الحدود الرومية (البيزنطية) إلى العاصمة حيث تمكن من قتل الملك و الوصى (فى أبريل 630) و اعتلى شهر براز نفسه الحكم و تزوج من «بوران» ابنة خسرو بارويز ثم بعد سبعة أسابيع قتل شهر براز بمؤامرة من «بسفروه» الذى كان يعمل فى «الحرس» و أعلنت «بوران» ملكة و عينت بسفروه وزيرا لها. و فى سنة 631 ماتت «بوران» و خلفتها أختها «آزار ميدخت» و طلب «فروه- هرمند» و هو من دم غير ملكى- منها طلبا حقيرا هو مراودتها عن نفسها فحددت له موعدا للقاء و عندها قبض عليه الحرس و قطع رقبته. ثم ان ابنه هجم بجنده على العاصمة و قتل «آزار ميدخت». و بهذا الشكل فان الملكة المقتولة عند أبى دلف تتمثل فى «بوران» و فى اسمها «خوراذام» ينعكس اسم «آزار ميدخت» و اخوها المقتول هو اردشير الثالث «و ملك اليمن هو «شهر براز» و مه آزار جشنس- قرد جشنس بن شاه مرد. و ليس من الضرورى أن اسم بانى القنطرة المعروفة باسم قنطرة «خوراذام» كان «خوراذام». و يجب الاشارة فى عداد اسماء ملوك ساسان بعد خسرو الثانى بارويز يذكر البيرونى (نقلا عن حمزه الاصفهانى) اسماء «جشنس بند» و «خوراذاوخسر» (أبوريحان البيرونى: مؤلفات مختارة: ج 1 ترجمة م. سال. طشقند 1957 ص ص 126، 127، 129 و هناك أيضا يذكر البيرونى فى عداد حكام اليمن من (الفرس فى نهاية القرن السادس و بداية السابع) اسم خرزاد و اسم شخر و خور آخر (هناك فى ص 134).

98

متى علم بكم ثم لم يقنعه الذى فعل حتى اغتصب ملكتكم و ابنة ملككم نفسها.

و قد عزمت على قتله فأى شى‏ء عندكم قالوا نحن طوع يديك. مرينا بما شئت.

قالت إذا دخلت اليه فادخلوا معى كأنكم جوارلى فإذا خلوت به و جئته بخنجر معى و ليكن معكم أنتم خناجر فإذا فعلت ذلك فاجهزوا عليه قالوا نفعل كما تريدين. فلما أدخلت إليه و خلا بها و هو لا يأبه بالغلمان و يظنهم جواريها و جاءته بالخنجر و بادر الغلمان فقتلوه. و خرجت و اياهم إلى مكان بالقرب من غلمانه و حاشيته فأتوا عليهم. و هى أيضا صاحبة القنطرة المعروفة بقنطرة «خوراذ» التى بين ايذج و الرباط. و هذه القنطرة من عجائب الدنيا و ذلك أنها مبنية على واد يابس لا ماء فيه إلا فى أوان المدود من الأمطار فإنه حينئذ يصير بحرا عجاجا و فتحه على وجه الأرض أكثر من ألف ذراع و عمقه مائة و خمسون ذراعا و فتح أسفله فى قراره نحو عشرة أذرع. و قد ابتدى‏ء بعمل هذه القنطرة من أسفلها إلى أن بلغ بها وجه الأرض بالرصاص و الحديد كلما علا البناء ضاق و جعل بين وجهه و جنب الوادى حشو من خبث الحديد و صب عليه الرصاص المذاب حتى صار بينه و بين وجه الأرض نحو أربعين ذراعا و صار فتحه هناك مائة و اثنى‏ (1) عشر ذراعا فقعدت القنطرة عليه فهى على وجه الأرض و حشى ما بينها و بين جنبى الوادى بالرصاص المصلب بنحاته النحاس و هذه القنطرة طاق واحد (2) عجيب الصنعة محكم العمل. و كان المسمعى‏ (3) قطعها فمكث دهرا لا يتسع أحد لبنائها فأضر ذلك بالسابلة و من كان يجتاز عليها لا سيما فى الشتاء و مدود الأودية.

____________

(1) فى الاصل: اثنتى»

(2) أى طاقة واحدة أو فتحة واحدة مقوسة.

(3) المقصود كما يعتقد شوارتز هو عبد اللّه بن ابراهيم المسمعى أحد القواد العسكريين للخليفة المكتفى (902- 908).

99

و كان ربما صار اليها قوم ممن بقرب منها فاحتالوا فى قلع حشوها من الرصاص بالجهد الشديد فلم تزل على ذلك دهرا حتى أعاد ما انهدم منها و عقدها أبو عبد اللّه محمد بن أحمد القمى‏ (1) المعروف بالشيخ وزير الحسن [بن‏] بويه‏ (2) فإنه جمع الصناع و المهندسين و استفرغ الجهد و الوسع فى أمرها فكان الرجال يحطون اليها بالزبل فى البكر و الحبال فإذا استقروا على الأساس اذابوا الرصاص و الحديد و صبوه على الحجارة و لم يمكنه عقد الطاق إلا بعد سنين فيقال انه لزمه على ذلك سوى أجرة الفعلة فإن أكثرهم كانوا مسخرين من رساتيق ايذج و اصفهان ثلاثمائة ألف دينار و خمسون ألف دينار. و فى مشاهدتها و النظر اليها عبرة لأولى الألباب.

____________

(1) هو أبو عبد اللّه القمى وزير «ركن الدولة» حاكم بنى بويه فى (320/ 932)

(2) الحسن بن بويه هو أحد مؤسسى عائلة بنى بويه المشهور بركن الدولة (934- 976).

100

5- قائمة المراجع‏

1- و. بارتولد (مقالة): المسح التاريخى الجغرافى لايران. سانت بطرسبورج سنة 1913 (روسى)

2- ب. بولغاكوف: معلومات الجغرافيين العرب فى القرن التاسع و بداية العاشر عن الطرق و المدن فى وسط آسيا. ليننجراد 1954 (رسالة علمية بالروسية)

3- و. غريغوريف: عن الرحالة العربى للقرن العاشر أبى دلف و رحلته فى وسط آسيا. (مجلة وزارة المعارف العمومية سانت بطرسبورج 1872.

سبتمبر ج 2 ص ص 1- 45)

4- تاريخ شعب ازبكستان: من العصور القديمة حتى بداية القرن/ 16.

طشقند 950

5- ابن فضلان: رحلة ابن فضلان على نهر الفولجا. تحرير كراتشكوفسكى موسكو ليننجراد 1939.

6- ابن فضلان: كتاب احمد بن فضلان و رحلته على نهر الفولجا فى 921- 922 تأليف كواليفسكى.

خاركوف 1956.

7- مجلة أخبار المجتمع العلمى الروسى.

8- ابن سينا: القانون (فى علوم الطب) طشقند 1954- 1956.

9- كراتشكوفسكى: الرسالة الثانية لابى دلف فى معجم ياقوت الجغرافى المؤلفات المختارة ج 1. موسكو.

ليننجراد 1955 .... ص ص 280- 292.

101

10- كراتشكوفسكى: شهر زور فى معجم ياقوت الجغرافى و رسالة أبى دلف ... المؤلفات المختارة ج 1 موسكو.

لينجراد 1955 ص ص 293- 298

11- ستانلى لين بول: العائلة الإسلامية. ترجمة و. بارتولد.

سانت بطرسبورج 1899

12- ميكلو خاما كلوس (ه. ر): المؤلف الجغرافى للقرن/ 13 باللغة الفارسية.

أكاديمية العلوم السوفيتية 1954 ج 9 ص ص 175- 219.

13- ب. ميللر: المعجم الفارسى الروسى. الطبعة الثانية.

موسكو. 1953.

14- مواد علمية عن تاريخ بلاد التركمان و التركمانيين ج 1 من القرن/ 7 إلى/ 15 مصادر عربية و فارسية. تحرير س. ل و إلينا، و أ. روماسكفيتش و أ. ى يعقوبفسكى.

موسكو ليننجراد 1939.

15- عرض تاريخ الاتحاد السوفيتى: ج 1، 2. فترة الاقطاع من القرن/ 9 إلى/ 15 تحت تحرير غريكوف. موسكو 1953

16- ك. ب باتكانوف: جغرافية أرمينيا فى القرن/ 7. طبعة النص و الترجمة سانت بطرسبورج. سنة 1877.

17- ه. ب بيغولفسكايا: ايران و الروم (بيزنطة) فى القرنين السادس و السابع موسكو. ليننجراد 1946.

18- أ. د ياغللو: المعجم الفارسى- العربى- الروسى.

الكامل. طشقند عام 1910

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}