نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
455

و إمّا لغيره، و لا فارق بين وجود البيان و عدمه سوى علم المكلّف بالمراد من الكلام، حالة وجود البيان، و جهله به حالة عدمه، فلو امتنع تأخير البيان، لكان لما قارنه من جهل المكلّف بالمراد المستند إلى عدم البيان، و لو كان كذلك، لامتنع تأخير بيان النسخ، لما فيه من الجهل بمراد المتكلّم الدالّ بوضعه على تكرّر الفعل على الدّوام، و اللازم ممتنع، فالملزوم كذلك.

و هذا لازم على من منع من تأخير بيان المجمل و العامّ، و كلّ ما أريد به غير ما هو ظاهر فيه، و جوّزه في النسخ كالجبائيّين و القاضي عبد الجبار.

قال القاضي عبد الجبار: الفرق بين تأخير بيان النسخ و تأخير بيان المجمل [هو:] أنّ تأخير بيان النسخ ممّا لا يخلّ من التمكّن في الفعل في وقته، بخلاف تأخير بيان صفة العبادة، فإنّه لا يتأتّى معه فعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها، و الفرق بين تأخير بيان تخصيص العموم و تأخير بيان النسخ من وجهين:

الأوّل: الخطاب المطلق الّذي أريد نسخه معلوم الارتفاع، بانقطاع التكليف، بخلاف المخصوص.

الثاني: تأخير بيان تخصيص العموم، مع تجويز إخراج بعض الأشخاص منه من غير تعيين، يوجب الشكّ في كلّ واحد من أشخاص المكلّفين، بل هو مراد بالخطاب أم لا، و لا كذلك في تأخير بيان النسخ. (1)

____________

(1). نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 30.

456

اعترض‏ (1): بأنّ وقت العبادة إنّما هو وقت دعوّ الحاجة إليها، لا قبله، و وقت الحاجة إليها لا يتأخّر البيان عنه، فلا يلزم من تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها، و وجوده في وقتها، تعذّر الإتيان بها في وقتها.

و الخطاب و إن علم ارتفاعه بانقطاع التكليف بالموت في الحالتين، إلّا أنّ الخلاف فيما قبل حالة الموت، مع وجود الدليل الظاهر المتناول لكلّ الأشخاص، و اللّفظ الظاهر المتناول لجميع أوقات الحياة، و عند ذلك، إذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر المتناول لجميع الأوقات، مع فرض الحياة و التمكّن منه من غير دليل مبين في الحال، جاز تخصيص بعض ما تناوله اللفظ بظهوره مع التمكّن من غير دليل مبين في الحال أيضا، لتعذّر الفرق بين الحالتين.

و أمّا تأخير بيان التخصيص، فإنّه و إن أوجب التردّد في كلّ واحد من أشخاص المكلّفين أنّه داخل تحت الخطاب أم لا، فتأخير بيان النّسخ ممّا يقتضي التردّد في أنّ العبادة في كلّ يوم عدا الأوّل هل هي داخلة تحت الخطاب العامّ لجميع الأيّام أم لا.

و إذا جاز ذلك في أحد الطرفين، جاز في الطرف الآخر ضرورة تعذّر الفرق. (2)

و فيه نظر، لأنّ الفرق واقع لحصول الفهم و إمكان إيقاع التكليف في النسخ في الوقت الأوّل، بخلاف التخصيص.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 30.

(2). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 31.

457

و أيضا، فإنّه إذا أمر بعبادة في وقت مستقبل أمرا عامّا، فإنّ كلّ شخص يمكن اخترامه قبل الوقت، و يخرج بذلك عن دخوله تحت الخطاب العامّ، و هو يوجب التردّد في كلّ واحد واحد من الأشخاص هل هو داخل تحت ذلك الخطاب إذا لم يرد البيان به، و مع ذلك فإنّه غير ممتنع اجماعا.

الرابع عشر: البيان إنّما يجب ليتمكّن المكلّف من أداء ما كلّف به، و التمكّن من ذلك غير محتاج إليه عند الخطاب، و انّما يحتاج إليه قبل الفعل بلا فصل، فلا يجب تقديمه عند الخطاب، كما لا يجب تقديم القدرة عند الخطاب.

الخامس عشر: سأل عمر عن «الكلالة» فقال له النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «يكفيك آية الصّيف» (1) فكان يقول عمر: اللّهم مهما شئت، فإنّ عمر لم يتبيّن.

السادس عشر: وردت أخبار مستفيضة في بيان آيات من القرآن، و إنّما تستفيض بعد مدّة، و في ذلك تأخير بيانها عنها إلى أن يستفيض الخبر.

السابع عشر: الصحابة نقلت أخبارا عند نزول الحاجة إليها، و هي مخصّصة للعموم، كالخبر في أخذ الجزية من المجوس، و غير ذلك، فلو لم يجز تأخير البيان ما نقلت ذلك.

الثامن عشر: يحسن من الملك أن يأمر بعض عمّاله بأمر، و لا يبيّنه له، بل يقول له: ولّيتك البلد الفلاني، فاخرج إليه غدا، و أنا أكتب لك تذكرة بتفصيل ما تعمله، و كذا يحسن من السيّد أن يقول لغلامه: أنا آمرك بالخروج إلى السوق في‏

____________

(1). و هي قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ... النساء: 176، و سمّيت كذلك لأنّها نزلت في زمن الصيف. لاحظ صحيح مسلم، كتاب الفرائض باب ميراث الكلالة برقم 4041.

458

غد و آمرك بشراء ما أبيّنه لك غدا، و يكون القصد التأهّب لقضاء الحاجة، و العزم عليها، و قطع العوائق و الشواغل.

و الجواب عن الأوّل: نمنع أنّ كلمة «ثمّ» للتراخي مطلقا، فقد يرد بمعنى الواو كقوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏ (1)، ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا (2)، ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ (3) لاستحالة صيرورته تعالى شهيدا بعد أن لم يكن.

سلّمنا، لكن ليس المراد من البيان بيان العموم و المجمل، بل إظهاره بالتنزيل.

لا يقال: إنّ فيه مخالفة الظاهر.

لأنّا نقول: يلزم من حفظ هذا الظاهر مخالفة ظاهر آخر، و هو أنّ الضّمير في قوله: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ‏ (4) راجع إلى القرآن كلّه، لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر باتّباعه، و هو عامّ في جميع القرآن.

و لأنّه لو حمل على البعض من غير بيان، كان مجملا و هو خلاف الأصل و معلوم أنّ جميعه لا يحتاج إلى بيان، فليس حفظ أحد الظاهرين أولى من الآخر.

سلّمنا، لكن يجوز أن يكون المراد تأخير البيان التفصيلي.

____________

(1). الانعام: 154.

(2). البلد: 17.

(3). يونس: 46.

(4). القيامة: 19.

459

لا يقال: البيان مطلق فحمله على التفصيل تقييد من غير دليل.

لأنّا نقول: المطلق لا يحمل على جميع صوره، و إلّا كان عامّا، بل إذا عمل به في صورة، كفاه و تنزيل البيان في الآية على الإجمالي دون التفصيليّ أو بالعكس تقييد للمطلق من غير دليل، و هو ممتنع، و إن لم يقل بتنزيله عليه، فلا حجّة فيه.

سلّمنا أنّ المراد مطلق البيان، لكن يجوز أن يريد بقوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ‏ جمعه في اللوح المحفوظ، ثمّ ينزّل إلى الرسول، ثمّ يبيّنه، و ذلك متراخ عن الجمع.

سلّمنا، لكنّ الآية تدلّ على وجوب تأخير البيان، و لم يقل به أحد، فما تدلّ الآية عليه و هو الوجوب، لا يقولون به، و ما يقولون به، و هو الجواز لا تدلّ الآية عليه فبطل الاستدلال. (1)

و فيه نظر، لأنّه إن دلّ فعلى تأخير الوجوب، لا وجوب التأخير.

سلّمنا، لكن في الاستدلال به نظر، لأنّه يدل على تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو باطل بالإجماع، ثمّ كيف يأمر بالاتّباع ثمّ يبيّنه بعد ذلك.

اعترض‏ (2): بأنّ كلمة «ثمّ» للتراخي، بالتواتر، و الآيات المذكورة (3)، المراد هناك التأخير في الحكم.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 479. و تنظّر فيه المصنّف (رحمه اللّه).

(2). المعترض هو الرازي في محصوله: 1/ 479.

(3). في «ب»: و المراد.

460

و لا يجوز أن يكون المراد من البيان إظهاره بالتنزيل، لأنّ قوله‏ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ‏ (1) أمر له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) باتّباع قرآنه، و إنّما يكون مأمورا بذلك بعد نزوله، فإنّه قبله لا يكون عالما به، فكيف يمكنه اتّباع قرآنه؟

فاذن المراد من قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ‏ الإنزال، ثمّ إنّه تعالى حكى بتأخير البيان عن ذلك، و هو يقتضي تأخير البيان عن وقت الإنزال، و إذا كان كذلك، وجب أن لا يكون المراد من البيان الإنزال، لاستحالة كون الشي‏ء سابقا على نفسه.

سلّمنا، لكنّه خلاف الظاهر، و نمنع أنّ لفظ القرآن للجميع، فإنّه كما يتناوله يتناول بعضه، فإنّه لو حلف أن لا يقرأ القرآن، و لا يمسّه، فقرأ أو لمس البعض، فإنّه يحنث في يمينه.

سلّمنا أنّ لفظ القرآن ليس حقيقة في البعض، لكنّ إطلاق اسم الكلّ على البعض، أسهل من إطلاق لفظ البيان على التنزيل، لأنّ الكلّ مستلزم للجزء، و البيان غير مستلزم للتنزيل.

و لا يجوز حمل البيان على التفصيليّ، لأنّ اللّفظ مطلق، فتقييده خلاف الظاهر.

و لا يجوز حمل الجمع على جمعه في اللوح المحفوظ، لما تقدّم، من أنّه تعالى أخّر البيان عن القراءة الّتي يجب على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متابعتها، و هو يستدعي تأخير البيان عن الإنزال.

____________

(1). القيامة: 18.

461

و اقتضاؤه لوجوب تأخير البيان نقوله به. (1)

و فيه نظر، فإنّا ما منعنا من كونها للتراخي، بل قلنا إنّها قد ترد بمعنى الواو لما بين الجمع المطلق، و موصوفا بالتراخي من التلازم، فجاز أن يكون الجمع هو المراد، و الدليل إنّما يتمّ لو سلم عن جميع الاحتمالات.

و لا يجوز أن يكون المراد في قوله: ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ (2) ثُمَّ آتَيْنا (3) التراخي في الحكم، لأنّه بيّنه تعالى، فلا يتأخّر عمّا تقدّم خصوصا عندهم، حيث قالوا بقدم الكلام.

و كما أنّ حمل البيان على الإظهار بالتنزيل، يستلزم الأمر بالاتّباع قبل نزوله‏ (4) و هو محال، كذا حمله على بيان المجمل و غيره يستلزم الأمر بالاتّباع قبل معرفته، و هو محال، فلا بدّ من التأويل عندنا و عندكم.

و يمنع صدق اسم القرآن على البعض حقيقة عرفيّة، و لهذا يقال: كلّ القرآن و بعضه.

و الحنث بمسّ البعض، لأنّه المتعارف في المسّ، حيث يقال: مسّ الثوب، و إن لم يمسّ جملته.

و كون إطلاقه على البعض أولى من إطلاق البيان على الإظهار بالتنزيل، للاستلزام في الأوّل دون الثاني.

____________

(1). الكلام للرازي في محصوله: 1/ 481.

(2). يونس: 46.

(3). الأنعام: 154.

(4). في «ج»: قبل معرفته.

462

و عن الثاني بوجوه:

الأوّل: لا يجوز التمسّك بهذه الآية، لأنّ الوقت الّذي أمروا فيه بذبح بقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو أخّر البيان، لزم تأخيره عن وقت الحاجة، و هو باطل إجماعا.

الثاني: المأمور به ليس ذبح بقرة معيّنة، بل ذبح أيّ بقرة كانت، لدلالة ظاهر الأمر على التنكير، و هو يقتضي الخروج عن العهدة بذبح أيّ بقرة اتّفقت، فلا يكون من صور النزاع.

لا يقال: انّهم سألوا عن تعيينها، و لو كانت منكّرة لما سألوا عن تعيينها.

لأنّا نقول: ظاهر الأمر يدلّ على التنكير، لقوله: «بقرة» و التعيين مخالف له، و ليس الحمل على التعيين ضرورة تصحيح سؤالهم، و مخالفة ظاهر النصّ أولى من العكس، بل موافقة ظاهر النصّ أولى.

و إذا كان المأمور به ذبح بقرة مطلقة بطل الاستدلال، و التعيين باعتبار السؤال، فإنّهم لمّا سألوا تغيّرت المصلحة، و وجبت عليهم بقرة موصوفة باعتبار سؤالهم، و لا يحصل الاكتفاء بالصفات الأخيرة، لإمكان وجوب الصفات الأولى عقيب السؤال الأوّل، و الثانية عقيب الثاني، و هكذا.

و لا نسلّم عود الكنايات إلى البقرة المذكورة، لجواز أن تكون كنايات عن القصّة و الشأن.

الثالث: سلّمنا أنّ هذه الكنايات تقتضي كون البقرة المأمور بها، موصوفة، و لكن هنا ما يدلّ على التنكير، و هو: أنّ الأمر إنّما هو بذبح بقرة مطلقة، و هو

463

يقتضي أن يكون اعتبار الصّفة بعد ذلك تكليفا جديدا.

و لأنّه لو كان المأمور به ذبح بقرة معيّنة لما استحقّوا الذّمّ و التعنيف على السؤال و طلب البيان، بل كانوا يستحقّون المدح عليه، فلمّا عنّفهم [اللّه‏] بقوله‏ وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ‏ (1) علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أوّلا، و ذلك إنّما يكون لو كان المأمور به ذبح بقرة منكّرة.

و لما روي عن ابن عباس أنّه قال: «لو ذبحوا أيّة بقرة أرادوا لأجزأت، عنهم لكنّهم شدّدوا على أنفسهم، فشدّد اللّه عليهم». (2)

الرابع: يجوز أن يكون المأمور به ذبح بقرة موصوفة تبيّنت لهم بيانا تامّا، لكنّهم لم يتبيّنوا لبلادتهم، فاستكشفوا طلبا لزيادة، فحكى اللّه تعالى ذلك.

الخامس: سلّمنا أنّ البيان التامّ لم يتقدّم، فجاز أن يقال: إنّ موسى (عليه السلام) كان قد أشعرهم أنّ البقرة ليست مطلقة بل معيّنة، فطلبوا البيان التفصيليّ، فالبيان الإجماليّ كان مقارنا، و التفصيليّ كان متأخّرا، و ليس تقييد سؤالهم بطلب البيان مع إطلاقه، بالإجماليّ، أولى من التفصيليّ.

اعترض‏ (3): بأنّ تأخير البيان يلزم لو كان الأمر للفور، و نحن لا نقول به.

و لا يجوز عود الكنايات إلى ضمير الشأن، و إلّا لم يبق ما بعده مفيدا، لعدم الفائدة في قوله: بَقَرَةٌ صَفْراءُ (4) بل لا بدّ من إضمار شي‏ء، و هو خلاف‏

____________

(1). البقرة: 71.

(2). الدر المنثور: 1/ 190؛ و تفسير ابن كثير: 1/ 192.

(3). المعترض هو الرازي في محصوله: 1/ 483.

(4). البقرة: 69.

464

الأصل، و إذا جعلت الكنايات عائدة إلى المأمور به أوّلا، لم يلزم هذا المحذور.

و لأنّ عود الضمير إلى الشأن خلاف الأصل، لأنّ الكنايات يجب عودها إلى شي‏ء جرى ذكره، و الشّأن لم يجر ذكره، خولف في بعض المواضع للضرورة، فيبقى ما عداه على الأصل.

و لأنّ من المعلوم أنّ قوله: ما لَوْنُها (1) [و] ما هِيَ‏ (2) عائد إلى البقرة المأمور بها، فوجب في قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ (3) عوده إليها، و إلّا لما يطابق الجواب و السؤال.

و ظاهر الأمر و إن اقتضى الإطلاق، لكنّ المراد غير ظاهره.

مع أنّه تعالى ما بيّنه.

و التّعنيف لا لأنّهم فرّطوا في أوّل القصّة، بل لأنّهم كادوا يفرّطون بعد البيان التامّ، و اللّفظ محتمل لكلّ منهما، فيحمل على الأخير، و هو أنّهم لمّا وقفوا على تمام البيان توقّفوا عند ذلك.

و قول ابن عباس خبر واحد لا يعارض نصّ الكتاب.

و حصول البيان، يستلزم أنّهم تنبّهوا، لأنّهم كانوا يلتمسون البيان، و لو كان البيان حاصلا لما التمسوا، بل كانوا يطلبون التفهيم.

و لأنّ فقد التبيّن عند حضور هذا البيان متعذّر هاهنا، لأنّ ذلك البيان ليس‏

____________

(1). البقرة: 69.

(2). البقرة: 70.

(3). البقرة: 69.

465

إلّا وصف تلك البقرة، و العارف باللّغة إذا سمع تلك الأوصاف استحال أن لا يعرفها.

و لو كانوا يطلبون البيان التفصيلي، لذكره اللّه تعالى إزالة للتهمة. (1)

و فيه نظر، فإنّ الفور و إن لم يكن الأمر موضوعا له، لكنّه كما يصدق مع التراخي يصدق معه، و يجوز للمكلّف الإتيان به على الفور، بل هو أولى، و هذا هو وقت الحاجة إلى البيان، كما في التراخي.

و مخالفة الأصل يجوز مراعاة لحفظ أصل آخر، و هو الإطلاق في النكرة، و أنّ المأمور به مبيّن لا مجمل.

و قول ابن عباس تفسير لما دلّ اللّفظ عليه، لا (2) أنّه معارض له.

و يمنع أنّهم طلبوا البيان بل التّفهم، و لا شكّ في أنّهم طلبوا البيان التفصيليّ، لأنّ الإجماليّ حصل بالجواب عن السؤال الأوّل.

و عن الثالث: بأنّ لفظة «ما» لمن لا يعقل، فلا يدخل المسيح و لا الملائكة.

و لأنّ قوله‏ إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ‏ (3) خطاب مع العرب، و هم ما كانوا يعبدون المسيح و الملائكة بل الأوثان.

و لأنّ العقل هنا مخصّص للعموم، فإنّه دلّ على خروج الملائكة

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 484- 485.

(2). في «أ»: إلّا.

(3). الأنبياء: 98.

466

و المسيح، إذ لا يجوز تعذيبهم بذنب الغير، و هذا الدليل كان حاضرا في عقولهم، فلا يكون من هذا الباب.

و لأنّ المسألة علميّة، و هذا خبر واحد، فلا يجوز إثباته به.

و لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّما سكت انتظارا للوحي ليتأكّد البيان العقليّ بالنقليّ.

لا يقال: لفظة «ما» يتناول أولي العلم، لقوله تعالى: وَ ما خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى‏ (1).

وَ السَّماءِ وَ ما بَناها (2).

وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (3).

و لأنّ «ما» بمعنى الّذي، و يصحّ إطلاقها على من يعقل إجماعا، لقولنا (4):

الّذي جاء زيد، فكذا ما هو بمعناه.

و لصحّة قوله: «ما في داري من العبيد أحرار».

و لأنّ ابن الزّبعرى‏ (5) كان من الفصحاء، و قد فهم تناول «ما» لمن يعقل، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم ينكر عليه.

و لأنّها لو اختصّت بغير من يعلم، لما احتيج إلى قوله‏ مِنْ دُونِ‏

____________

(1). الليل: 3.

(2). الشمس: 5.

(3). الكافرون: 3.

(4). في بعض النسخ: كقولنا.

(5). تقدّمت ترجمته ص 153.

467

اللَّهِ‏ و حيث كانت بعمومها متناولة للّه تعالى احتاج إلى التقييد بقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ.

لأنّا نقول: الإطلاقات تعطي جواز إطلاق «ما» على من يعقل، و لا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل، و يدلّ عليه قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لابن الزّبعرى ردّا عليه: «ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أنّ «ما» لما لا يعقل، و «من» لمن يعقل» (1) و الجمع بين الأمرين و التوفيق بين الأدلّة أولى من تعطيل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و العمل بما ذكروه.

و إذ كانت «ما» ظاهرة فيمن لا يعقل دون من يعقل، وجب تنزيلها على ما هي ظاهرة فيه.

و قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أولى بالاتّباع مما توهّمه ابن الزبعرى.

و فائدة قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ التأكيد، و حمل الكلام على التأسيس و إن كان أولى، لأنّه الأصل، غير أنّه يلزم من حمله على فائدة التأسيس مخالفة ظاهر قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و الجمع أولى.

و نزول‏ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ (2) للتأكيد بضمّ [الدليل‏] الشرعيّ إلى العقليّ.

و اعترض‏ (3): بأنّه قد كان في العرب من يعبد الملائكة و المسيح.

____________

(1). لم نعثر عليه في تفسير الآية في كتب التفاسير، و انّما نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 26.

(2). الأنبياء: 101.

(3). المعترض هو الرّازي في محصوله: 1/ 486- 487.

468

و لأنّه لو كان خطابا مع عبدة الأوثان لا غير، لما جاز توقّفه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن تخطئة السائل.

و تعذيب كلّ أحد بجرم الغير و إن كان قبيحا، لكن يصحّ دخول الشبهة في أنّ أولئك المعبودين هل كانوا راضين بذلك أم لا؟ فصحّ السؤال.

و لا نسلّم أنّ هذه الرّواية من باب الآحاد، فإنّ المفسّرين اتّفقوا على ذكرها في سبب نزولها، فكان إجماعا.

و لأنّ التمسّك بالأدلّة اللّفظيّة لا يفيد إلّا الظنّ.

و فيه نظر، فإنّا بعد التسليم بوجود من يعبد الملائكة و المسيح نمنع تناول الآية لهم للدّليل العقلي المخرج لهم عن الدخول، و نمنع توقّفه عن التخطئة، و قد تقدّم، و لا يدخل الشبهة في رضا المعبودين من الملائكة و المسيح، خصوصا في السائل، و نمنع الإجماع، و الدّليل اللّفظيّ قد يفيد اليقين.

و عن الرابع: نمنع أنّ المراد من التفصيل بيان المراد من المجمل و الظاهر المستعمل في غير ما هو ظاهر فيه، بل المراد: أحكمت في اللوح المحفوظ، و فصّلت في الإنزال.

و عن الخامس: أنّ ظاهره المنع من تعجيل نفس القرآن، لا بيان ما هو المراد منه، لما فيه من الإضمار المخالف للأصل، و إنّما منعه من تعجيل القرآن، أي من تعجيل أدائه عقيب سماعه، حتّى لا يختلط عليه السّماع بالأداء، فإنّه لو أراد به البيان، لما منعه بالنّهي، للاتّفاق على أنّ تعجيل البيان بعد الأداء غير منهيّ عنه. (1)

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 24.

469

أقول: و يحتمل أن يكون المراد: «و لا تعجيل بطلب القرآن في تعريف الأحكام من قبل أن يقضى إليك وحيه» لدلالة قوله: وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (1) عليه.

و عن السادس: بالمنع من تأخير البيان في هذه الآية، بل هو مقرن بها، لأنّ الملائكة علّلوا الهلاك بأنّ أهلها كانوا ظالمين، و ذلك لا يدخل فيه إلّا من كان ظالما، و لم يتخلّل بين قول الملائكة غير سؤال إبراهيم، و هو قوله: إِنَّ فِيها لُوطاً (2) و ذلك لا يعدّ تأخيرا للبيان بجريان مثل ذلك بسبب انقطاع نفس أو سعال.

و مبادرة إبراهيم (عليه السلام) إلى السؤال، و منعهم من اقتران البيان بالمبيّن نازل منزلة انقطاع النفس و السّعال، حتّى أنّه لو لم يبادر بالسّؤال، لبادروا بالبيان.

و عن السابع: أنّه لا يلزم من عدم علم معاذ و عدم سماعه و معرفته بالوقص، عدم اقتران البيان بالمبيّن خصوصا، و الأصل عدم وجوب الزكاة في الأوقاص، و غيرها، فإذا أوجب الشارع الزكاة في غيرها، بقيت هي على حكم الأصل، و هذا صالح للبيان و التخصيص.

و عن الثامن: و هو دليل القاضي أبي بكر (3)، أنّه معارض بمثله، و هو أنّه لو كان جائزا، فإمّا أن يعرف بالضرورة أو النّظر، و كلّ منهما منتف، فلا جواز، و ليس أحدهما أولى من الآخر. (4)

____________

(1). طه: 114.

(2). العنكبوت: 32.

(3). نقله الغزّالي في المستصفى: 2/ 41.

(4). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 27.

470

و فيه نظر، لقضاء العقل بالجواز، لأنّه الأصل، بخلاف الامتناع، فكان الحكم بالجواز أولى.

و اعترضه الغزّالي: بأنّه لا يورث العلم ببطلان الإحالة، و لا بثبوت الجواز، إذ يمكن أن يكون وراء ما ذكره و فصّله دليل على الإحالة لم يخطر لهؤلاء (1)، و يمكن أن لا يكون دليل لا على الإحالة، و لا على الجواز، فعدم العلم بدليل الجواز لا يثبت الإحالة، فكذا عدم العلم بدليل الإحالة لا يثبت الجواز، بل عدم العلم بدليل الإحالة لا يكون علما بعدم الإحالة، فلعلّ عليه دليلا لم يعلمه أحد. (2)

و عن التاسع: بالفرق بين فقد التّبيّن مع وجود البيان، و تأخير البيان، في أنّ الثاني قبيح دون الأوّل، لأنّ القبح في تأخير البيان منسوب إلى المخاطب، و في فقد التبيين منسوب إلى تقصير المكلّف، و سقوط التكليف عن الميّت إنّما هو لعدم تمكّنه المشروط في التكليف، و ذلك لا يفترق بأن يكون قد مات بفعله أو بفعل غيره.

على أنّ ذلك ينتقض بدنوّ حال الفعل، لأنّه لا يجوز أن لا يبيّن له، و إن كان لو بيّن له، فلم يتبيّن، لم يوجب ذلك قبح التكليف و لا قبح البيان.

و عن العاشر: بأنّ المتأخّر هو البيان التفصيليّ لا الإجماليّ، فيمكن أن يكون الاجماليّ متقدّما بل و التفصيليّ أيضا.

____________

(1). في المصدر: «لم يخطر له».

(2). المستصفى: 2/ 41.

471

اعترض‏ (1): بأنّه لو كان لنقل، مع أنّ الأصل عدمه.

و فيه نظر، للاستغناء بنقل التفصيليّ عنه.

و عن الحادي عشر: بأنّه خبر واحد، فلا يصحّ التعليق به هنا.

و لأنّ الأمر مطلق فإن اقتضى الفور لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و إن كان للتراخي، فلا شكّ في إفادته جواز الفعل في الزمن الثاني من [وقت‏] الأمر، فتأخير البيان عنه تأخير عن وقت الحاجة أيضا، و هو ممتنع بالإجماع، فإنّه لا فرق في وجوب البيان بين ما وجب فعله على الفور أو التراخي، فلا بدّ لنا و لهم من ترك الظاهر. (2)

اعترض‏ (3): بأنّ الأمر ليس للفور، و جواز الفعل في الزّمان الثاني من وقت الأمر، إنّما يكون إذا كان المأمور به مبيّنا، أمّا إذا لم يكن فلا، و نمنع كون الحاجة داعية إلى معرفته مع قطع النّظر عن وجوبه و عدم المؤاخذة بتركه، بدليل ما قبل الأمر.

و فيه نظر، لأنّ جواز الفعل في الزمن الثاني معلوم من الأمر، و إلّا لم يكن الزّمن الثاني وقتا له، و هو خلاف الإجماع، فإنّ القائل بالفور أوجب فعله في الزّمن الثاني، و من جعله للتراخي جوّزه، فلو أخّر البيان لزم تأخيره عن وقت الحاجة، و الحاجة ظاهرة، لأنّ المسارعة مستحبّة، و فرق بين ما بعد الأمر و ما قبله.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 28.

(2). الاستدلال لأبي الحسين البصري في المعتمد: 1/ 327.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 29.

472

و عن الثاني عشر: بجواز تقدّم الإجماليّ على التفصيليّ، و ظاهر وجوب مقارنة الإجماليّ للخطاب لأنّه إمّا للفور أو التراخي، و تمام البحث ما تقدّم.

على أنّا نقول: لو لم يعرّفنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عند النقل للصلاة عن المعنى اللّغوي إلى غيره، لكان السامع يحمله على المعنى اللّغويّ، لكنّه قد نقل أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سئل عن الصلاة لمّا أمر بها. (1)

أو نقول: إنّه قد كان بيّنها بالقول، و أخّر البيان بالفعل إلى وقتها، ليتأكّد البيان.

و الحجّ بيّنه بالقول قبل الفعل، و لهذا فإنّ النّاس حجّوا قبل حجّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و عن الثالث عشر: بأنّا نوجب اقتران البيان الإجماليّ بالمنسوخ و المخصوص معا.

و على رأي الفارقين [نجيب ب] ما ذكره القاضي عبد الجبار، و هو أنّ التردّد في الإيجاب بعد الزمن الثاني في المنسوخ، لا يقتضي عدم التكليف في الأوّل، فيستفاد منه الوجوب في الزّمن الأوّل، بخلاف المخصوص، فافترقا.

و عن الرابع عشر: بالمنع من حصر وجوب البيان في تمكّن المكلّف من الفعل، نعم كما أنّه علّة فيه، كذا خروج الخطاب من كونه عبثا أو إغراء بالجهل‏

____________

(1). و سؤال السائل مشعر بالنقل.

473

علّة أيضا، (1) و لهذا فإنّه لو لم يفتقر إلى البيان إلّا للتمكّن من الأداء، لجاز أن يخاطبنا اللّه تعالى بما لا نفهم به شيئا البتّة، كخطاب الزّنج، و الخصم يمنع منه، و يقول: لا بدّ من أن يعرف السامع بالخطاب شيئا ما.

لا يقال: لا يلزم من تأخير البيان كون الخطاب عبثا و إن لم يفهم به المراد في الحال، فإنّه يفيد العزم و الاعتقاد.

لأنّا نقول: إنّما يجب العزم و الاعتقاد لو علم أنّ الخطاب أمر، و من جوّز تأخير بيان العموم و كلّ ما له ظاهر، لا يأمن أن تكون صيغة الأمر لم تستعمل في الأمر، و أنّه يبيّن له ذلك فيما بعد.

و عن الخامس عشر: بجواز عدم تأخير البيان لكن عمر لم يتبيّن، و يدلّ عليه كلامه، و لا بدّ للمستدلّ من أن يقول به: لأنّ الحاجة قد حضرت.

و عن السادس عشر: أنّ بيان القرآن منه ما لا يجوز نقله إلّا متواترا، و هو ما تعبّدنا فيه بالعلم دون الظنّ، و ليس يمتنع أن يتواتر ذلك في حال تواتر نقل القرآن، و إن كان نقل القرآن أشدّ استفاضة.

و منه ما يجوز نقل بيانه بالآحاد و هو المظنون من الأحكام، و لا يجب أن يستفيض ذلك، فيقال: إنّه إنّما يستفيض في مدّة فيتأخّر عنها البيان.

و عن السابع عشر: انّ بعض مانعي تأخير البيان جوّز أن لا يسمع المكلّف الخبر الخاصّ، و يقول: يلزمه البحث و الطلب إذا خوّفه الخاطر، فيجوز أن يكون‏

____________

(1). توضيحه: أنّ لوجوب البيان عند الخطاب علّتين: إحداهما تمكّن المكلّف من الفعل و الأداء، و ثانيهما: خروج الخطاب عن كونه عبثا، فلا يجوز أن يقتصر بالأولى.

474

في الأدلّة ما يخصّص العموم، فلا يرد السؤال عليه.

و عن الثامن عشر: أنّ قول الملك لوزيره و السيّد لعبده: «غدا آمرك بشي‏ء» ليس فيه أمر في الحال، بل إعلام بورود أمر مجمل، و تأخيره جائز عندنا.

و احتجّ المانعون من تأخير بيان المجمل بعدم الفرق بين الخطاب بالمجمل الّذي لا يعرف مدلوله من غير بيان، و بين الخطاب بلغة يضعها المخاطب مع نفسه من غير بيان، و كما يصحّ الثاني، فكذا الأوّل.

و لأنّ المقصود من الخطاب إنّما هو التفاهم، و المجمل الّذي لا يعرف مدلوله من غير بيان له في الحال لا يحصل منه التفاهم، فلا يكون مفيدا، فلا تحسن المخاطبة به، لكونه لغوا، و هو قبيح من الشارع، كما لو خاطب بكلمات مهملة لم توضع في لغة من اللّغات لمعنى على ان يبيّن المراد منها بعد ذلك.

و الجواب: المجمل يعرف منه التكليف بأحد مدلولاته، فيحصل بالخطاب به فائدة الثواب و العقاب بالعزم على الفعل و الترك، بخلاف الخطاب بما لا يفهم منه شي‏ء البتة.

و الخطاب بالمجمل خطاب بما لا يحتاج إلى بيان من وجه، و هو إرادة أحدهما لا بعينه، فإن أراد المتكلّم بالقرء شيئا سوى الطّهر و الحيض، فقد أراد به غير ظاهره، فحينئذ يجب بيانه إمّا مجملا أو مفصّلا على ما تقدّم. (1)

و فيه نظر، فإنّ النزاع فيما لو كانت صيغة الأمر مشتركة، كما في صيغة المأمور.

____________

(1). لاحظ الإحكام للآمدي: 3/ 32؛ و المعتمد: 1/ 320.

475

احتجّوا أيضا، بأنّه تعالى إن أراد التخيير في الأمر بالاعتداد بالقرءين أيّهما شاءت أو واحدا بعينه، فقد أراد ما لا سبيل للمجتهد إلى فهمه، فإنّ اللّفظ لا ينبئ عن التخيير عندكم، و لا عن واحد بعينه، فوجبت مقارنة البيان.

و لأنّه لو حسن الخطاب بالمجمل، تحسن مخاطبة الزّنجيّ بالعربيّة، و الجامع جهل السّامع بمراد المتكلّم.

و الجواب عن الأوّل: أنّه أراد واحدا بعينه، و لم يرد من المجتهد فهمه في الحال، لعدم نصب دليل عليه، بل دلّهم على الجملة، و أراد منهم فهمها، كما لو قال: «اعتدّي بواحد من أحد شيئين بعينه، و سأبيّنه لك» و «اضرب رجلا معيّنا سأبيّنه لك» و بالجملة كما يتعلّق الغرض بالبيان التفصيليّ كذا يتعلّق بالإجماليّ.

و عن الثاني: بالفرق، فإنّ السامع للمشترك يفهم أنّ المراد أحد معنييه لا بعينه، و هو التردّد الّذي اقتضاه اللفظ و الحصر في معانيه، بخلاف مخاطبة الزنجيّ بالعربيّة، لأنّه لا يفهم شيئا إجمالا و لا تفصيلا، فقبح خطابه من غير بيان، بخلاف المشترك.

لا يقال: لو كان في كلام الزّنج ما هو مشترك بين الأمر و النهي و جميع أقسام الكلام، يحسن أن يخاطب العربيّ، لأنّه يعتقد أنّه أراد واحدا من ذلك.

لأنّا نقول: كما يجوز أن يكون في كلام الزّنج ما هو مشترك بين ذلك، فإنّه يجوز خلافه، فلا يعتقد السامع في ذلك الكلام ما يفيده من التردّد بين هذه الأقسام، و لو اعتقد ذلك لاعتقده بغير الكلام، إمّا لاعتقاده حكمة المتكلّم، أو لظنّه حكمته، و أنّ الحكيم لا بدّ أن يريد بخطابه شيئا ما.

476

المبحث السابع: في جواز تأخير التبليغ‏

اختلف المانعون من جواز تأخير بيان المراد من الخطاب عن وقت الخطاب، فقال أكثرهم: يجوز تأخير تبليغ ما يوحى إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من الأحكام و العبادات إلى وقت الحاجة و منع منه آخرون.

لنا: أنّ التبليغ تابع للمصلحة، و جاز أن يكون في تقديمه مفسدة، فيجب تأخيره إلى وقت الحاجة.

و لأنّه لو امتنع تأخيره فإمّا لذاته، و هو محال، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال و إمّا لغيره، و الأصل عدمه.

و لأنّه في الشاهد قد يقبح تقديم الإعلام على حضور وقت العمل، و قد يقبح ترك التقديم، و قد يكون بحيث يجوز الأمران، و إذا كان كذلك، لم يمتنع أن يعلم اللّه تعالى اختلاف مصلحة المكلّفين في تقديم الإعلام و في تركه، فلا يكون التقديم واجبا على الإطلاق.

و لأنّه لو وجب التقديم لكان إمّا عقليّا أو نقليّا و القسمان باطلان.

أمّا الأوّل: فلأنّه لو كان كذلك، لكان له وجه وجوب يرجع إلى التّكليف، إمّا لأنّه تمكين، أو لأنّه لطف، فإن كان تمكينا، فإمّا من الفعل، أو من فهم المراد من الخطاب، و معلوم أنّه لم يتقدّم خطاب مجمل يكون هذا بيانه، و لا يقف إمكان فعل العبادة على تقديم أدائها على الوقت الّذي إذا بلغت العبادة فيه، أمكن المكلّف أن يستدلّ بالخطاب على وجوبها، فيفعلها في وقتها.

477

فأمّا اللّطف، فليس في العقل طريق إليه، كما أنّه ليس في العقل طريق إلى كون تقديم تعريف اللّه تعالى بالعبادة الّتي يريد أن يعبّدنا بها بعد سنة لطفا، و لهذا لم يعرّف اللّه سبحانه على لسان نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جميع ما يريد أن يتعبّدنا به في حالة واحدة.

و أمّا الثاني: فلعدم دليل سمعيّ يدلّ عليه.

احتجّ الآخرون بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ‏ (1) و الأمر للفور.

و الجواب: المنع من كونه للفور.

سلّمنا، لكن ليس المراد تبليغ الأحكام الّتي وقع النزاع فيها، و إنّما المراد القرآن، لأنّه المفهوم من المنزل. قاله قاضي القضاة، و أجاب قاضي القضاة أيضا:

بأنّ هذا الأمر إنّما يفيد وجوب تبليغه على الحدّ الّذي أمر أن يبلّغ عليه، من تقديم أو تأخير.

اعترضه أبو الحسين: بأنّ الوجه الّذي أمر أن يبلّغ عليه، هو التعجيل، بدلالة هذا الأمر (2).

و فيه نظر، لأنّ الوجه إنّما يكون هو التعجيل لو كان هذا الأمر للفور.

____________

(1). المائدة: 67.

(2). المعتمد: 1/ 315.

478

المبحث الثامن: في ذكر من يجب له البيان‏

اعلم أنّه لا يجب في أحكام اللّه تعالى عمومها، بل فيها ما هو عامّ، و فيها ما هو خاصّ، و الخطاب المحتاج إلى البيان إذا لم يتناول حكما عامّا بل اختصّ ببعض المكلّفين لم يجب على غيرهم فهمه، و قد يجب بكلّ من أراد اللّه تعالى إفهامه، وجب أن يبيّن له، و من لا، فلا.

أمّا الأوّل: فلقبح تكليف ما لا يطاق.

و أمّا الثاني: فلأنّه لا تعلّق له بالخطاب، فلا وجه لوجوب بيانه.

و الّذين أراد اللّه فهم خطابه منهم ضربان: منهم من أراد منه فعل ما تضمّنه الخطاب، إن كان ما تضمّنه الخطاب فعلا.

و منهم من لم يرد.

و الأوّل: هم العلماء، و قد أراد اللّه تعالى منهم فهم مراده من آية الصلاة و أن يفعلوها.

و الثاني: هم العلماء في أحكام الحيض، فإنّه قد أريد منهم فهم الخطاب، و لم يرد منهم فعل ما تضمّنه الخطاب.

و الّذين لم يرد اللّه تعالى منهم فهم مراده و لم يوجب ذلك عليهم ضربان:

منهم من لم يرد منهم فعل ما تضمّنه الخطاب، و هم أمّتنا مع الكتب السالفة، فإنّه تعالى لم يرد منا فهمها و لا فعل ما تضمّنه الخطاب فيها.

و منهم من أراد منهم الفعل، و هم النّساء في أحكام الحيض، لأنّه تعالى‏

479

أراد منهنّ التزام أحكام الحيض بشرط الاستفتاء، و لم يوجب عليهنّ فهم مراده بالخطاب، فإنّه لم يوجب عليهنّ سماع أخبار الحيض، و لا البحث عن رواتها، و لا عن بيان مجملها، و تخصيص عامّها، و الترجيح بين متعارضاتها.

المبحث التاسع: في جواز تأخير إسماع المخصّص‏

اعلم أنّ العامّ قد يخصّص بدليل سمعيّ، كما قد يخصّص بدليل عقليّ على ما سلف بيانه.

و العقليّ قد يكون ضروريّا، و قد يكون نظريّا فيحتاج في حصوله إلى طلب و استدلال، إذا ثبت هذا فنقول: اختلف النّاس في أنّه هل يجوز من الحكيم أن يسمع المكلّف العامّ من غير أن يسمعه المخصّص السمعيّ أم لا؟ فمنع منه أبو الهذيل العلّاف‏ (1) و أبو علي الجبائيّ، و أجازا أن يسمعه العامّ المخصوص بأدلّة العقل، و إن لم يعلم السّامع أنّ في العقل ما يدلّ على تخصيصه.

و جوّزه النّظّام‏ (2) و أبو هاشم، و أبو الحسين البصري‏ (3) و هو الحقّ.

لنا وجوه:

الأوّل: الوقوع، فإنّ كثيرا من الصحابة سمعوا قوله تعالى: فَاقْتُلُوا*

____________

(1). هو محمّد بن الهذيل بن عبد اللّه بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، المعروف بالعلّاف، من شيوخ المعتزلة، كفّ بصره في آخر عمره توفّي سنة 235 ه. لاحظ الاعلام للزركلي: 7/ 131.

(2). تقدمت ترجمته ص 97.

(3). المعتمد: 1/ 331.

480

الْمُشْرِكِينَ* (1) و لم يسمعوا [قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):] «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب» (2) إلّا بعد حين.

الثاني: يجوز الخطاب بالعامّ المخصوص بالعقل، من غير أن يخطر بباله ذلك المخصوص إجماعا، فجاز الخطاب بالعامّ المخصوص بالسمع من غير أن يسمعه ذلك المخصّص بجامع يمكّنه في الصّورتين من معرفة المراد.

الثالث: إنّا نجد من أنفسنا سماع كثير من العمومات المخصوصة قبل سماع مخصّصاتها، و انكاره مكابرة.

الرابع: قد بيّنّا جواز تأخير المخصّص عن الخطاب إذا كان سمعيّا، مع أنّ عدم سماعه لعدمه في نفسه، أتمّ من عدم سماعه مع وجوده في نفسه، فإذا جاز تأخير المخصّص، فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى.

الخامس: العامّ المخصوص يمكّن المكلّف من اعتقاد تخصيصه إذا سمع بالدليل المخصّص، كما يمكّنه ذلك، (3) إذا لم يسمع به، فجاز إسماعه العامّ، و إن تكلّف اعتقاد تخصيصه في الحالين، لأنّه فيهما متمكّن ممّا كلّف به.

لا يقال: نمنع تمكّنه من اعتقاد المخصّص إذا لم يسمع المخصّص.

لأنّا نقول: التمكّن ظاهر، فإنّه تعالى قادر على أن يخطر بباله جواز كون المخصّص في الشرع، و يشعره بذلك، فيجوّزه، و إذا جوّزه، وجب عليه طلبه كما

____________

(1). التوبة: 5.

(2). تقدم تخريج الحديث في الجزء الأوّل: 417.

(3). أي كما يمكّن المكلّف ذلك العامّ المخصوص.

481

يجب عليه المعرفة عند خوفه بالخاطر، و إذا طلب المخصّص وجده، و إذا نظر فيه، اعتقد التخصيص، و بمثل هذا يعلم التخصيص إذا كان المخصّص عقليّا.

لا يقال: دلالة العقل حاضرة عند السامع للعموم، فأمكنه العلم بالتخصيص، و ليس كذلك التّخصيص بالسّمعيّ إذا لم يسمعه.

لأنّا نقول: لا فرق بينهما، لأنّ كثيرا من المذاهب لا يعلم الإنسان أنّ عليها دليل عقليّ، بل ربما استبعد أن يكون عليها دليلا عقليّا، كما لا يعلم أنّ على كثير من المذاهب دلالة شرعيّة، فكما جاز أن يكلّف طلب أحدهما بالخاطر، جاز مثله في الآخر.

احتجّ المخالف بوجوه:

الأوّل: إسماع العامّ دون إسماع المخصّص، إغراء بالجهل، فيمتنع صدوره من الحكيم، لقبحه.

الثاني: ذلك العامّ لا يدلّ على ذلك المخاطب، فإسماعه وحده كخطاب العربيّ بالزنجيّة.

الثالث: دلالة العامّ مشروطة بعدم المخصّص، فلو جاز سماع العامّ دون سماع المخصّص، لما جاز الاستدلال بشي‏ء من العمومات إلّا بعد البحث التامّ، و سؤال كلّ عالم في الدنيا: هل وجد [له‏] مخصّص أو لا؟ و هو يفضي إلى سقوط العمومات.

الرابع: لو جاز أن يسمعه العامّ دون الخاصّ، لجاز أن يسمعه المنسوخ دون الناسخ و المجمل دون البيان.

482

الخامس: لو أسمعه العام دون الخاص لوجب على المكلّف التوقّف حتى تفحّص عن المخصّص، و ذلك قول أصحاب الوقف.

السادس: يجب على الإنسان العمل على ما يعلمه من الأدلّة الشرعيّة، و لا يلزمه طلبها، أ لا ترى أنّه يلزمه أن يعمل على ما في عقله، و لا يجب عليه أن يتوقّف و يطوف البلاد ليعلم هل بعث نبيّ ينقله عمّا في عقله أو لا؟ فكذا ينبغي إذا سمع العامّ أن يعتقد استغراقه، و لا يلزمه طلب ما يخصّصه، فلو جاز أن يسمع العامّ دون الخاصّ، لكان مباحا له أن يعتقد استغراقه، و في ذلك إباحة الجهل.

و الجواب‏

عن الأوّل: المنع من كونه إغراء بالجهل إذا أشعره بالمخصّص، و أخطره بباله، و خوّفه من ترك طلبه.

و أيضا، يلزم ما ذكرتم في المخصّص العقليّ.

و عن الثاني: بالفرق، فإنّ الزنجيّ لا يفهم من العربيّة شيئا، و ليس كذلك من خوطب بالعامّ، و هو يجوّز كون المخصّص في الشرع، و ينتقض بالعقليّ.

و عن الثالث: أنّ كون اللّفظ للاستغراق حقيقة، و هو مجاز في غيره، يفيد ظنّ الاستغراق، و الظنّ حجة في العمومات. (1)

و فيه نظر للمنع من الظنّ مع تجويز المخصّص الغالب في عمومات الشرع.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 500، و في المطبوع منه «حجّة في العمليّات» أي في الأحكام العملية، و على فرض صحّة نسختنا فالمراد، الظنّ حجة في استفادة العموم من الألفاظ.

483

و أيضا يلزم عدم البحث عن المخصّص.

و عن الرابع: بجواز ذلك إذا أشعره بالناسخ و البيان، و كان أبو علي تارة يسوّي بين إسماع العموم من دون المخصّص، و بين إسماع المنسوخ من دون الناسخ، و تارة لا يجيز ذلك في العموم، و يجيزه في الناسخ، و الوجه التسوية في المنع و الجواز.

و عن الخامس: بالنقض بالمخصص العقليّ.

و أيضا ليس في ذلك دخول في قول أصحاب الوقف، فإنّهم يقفون في العموم، مع علمهم بتجرّده عن القرائن، و نحن لا نقف فيه حينئذ.

و عن السادس: أنّه يلزمهم مثله في العموم إذا كان المخصّص عقليا.

و أيضا، فإنّه يدلّ على جواز أن يسمع اللّه تعالى [المكلّف‏] العامّ، و لا يسمعه الخاصّ، و يجوز [له‏] أن يعمل بالعامّ، من غير أن يطلب الخاصّ، كما يجوز أن لا يعرّفه اللّه سبحانه أنّه قد بعث نبيّا، و لا يلزمه طلبه، بل يعمل على ما في عقله، فدليلهم يدلّ على شي‏ء فاسد عندنا و عندهم، و هو جواز أن لا يسمع الخاصّ و لا يلزمه الطلب.

و أيضا، فإنّ الذي ذكروه هو أنّه لا يجب على الإنسان أن يطوف البلاد و يسأل هل بعث نبيّ أم لا؟ بل يفعل بحسب ما في عقله، و نظيره إذا سمع المكلّف العامّ، أن لا يلزمه ان يطوف البلاد بطلب المخصّص، و كذلك نقول، فإنّ الواجب عليه العمل بالعامّ، و إن كان مخصوصا، فإنّما يلزمه تخصيصه بشرط أن يبلغه المخصّص، فأمّا إذا سمع بنبيّ في بلد، فإنّه يجب عليه أن يسأل عنه، كما يلزمه أن يسأل عمّا يخصّص العموم في بلده.

484

فإن قيل: إذا كان العموم ناقلا عمّا في العقل، و كان العمل به قد حضر وقته، و ضاق الوقت عن طلب المخصّص ما الّذي يلزمه؟

قلنا: الأقرب أنّه يلزمه العمل على العموم، لأنّه لو لم يجز ذلك لم يسمعه اللّه تعالى إيّاه قبل تمكينه من المعرفة بالمخصّص، فيجب [عليه‏] العمل بالعامّ، ثمّ يطلب المخصّص فيما بعد.

و يحتمل أن يقال: يعمل على ما في عقله، لأن من شرط العمل على العموم أن يعلم فقد المخصّص، و هو غير حاصل، و يجوز أن يكون له مصلحة في سماع العموم في ذلك الوقت.

المبحث العاشر: في البيان التدريجي‏

اختلف القائلون بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب في جواز التدريج في البيان، فذهب بعضهم إلى المنع، و آخرون إلى الجواز.

احتجّ الأولون بأنّ التنصيص على إخراج البعض دون غيره، يوهم وجوب استعمال اللّفظ في الباقي، و انتفاء التخصيص بشي‏ء آخر، و هو تجهيل للمكلّف، و إنّما ينتفي هذا التجهيل بالتنصيص على كلّ ما هو خارج عن العموم و احتجّ الآخرون: بالوقوع فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بيّن قوله تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1) على التدريج من ذكر نصاب السرقة أوّلا، و عدم الشبهة ثانيا، مع عموم اللّفظ لكلّ سارق.

____________

(1). المائدة: 38.

485

و كذا بيّن قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1) بتفسير الاستطاعة بذكر الزّاد و الراحلة أوّلا، ثمّ ذكر الأمن في الطريق، و السّلامة من طلب الخفارة ثانيا، و غير ذلك، و الوقوع دليل الجواز.

ثمّ أجابوا عن حجّة المانعين: بأنّ الاقتصار على الخطاب العامّ دون ذكر المخصّص، مع كونه ظاهرا في التعميم بلفظه، إذا لم يوهم المنع من التخصيص، جائز، فإخراج بعض ما تناوله اللفظ، مع أنّه لا دلالة على إثبات غير ذلك البعض بلفظه، أولى أن لا يكون موهما لمنع التخصيص، و هذا البحث ساقط عنّا.

المبحث الحادي عشر: في حكم العامّ قبل دخول وقته‏

إذا ورد لفظ عامّ بعبادة أو بغيرها، قبل دخول وقت العمل به، قال أبو بكر الصّيرفي‏ (2): يجب اعتقاد عمومه جزما قبل ظهور المخصّص، و إذا ظهر المخصّص، تغيّر ذلك الاعتقاد.

و غلطه الباقون، لأنّ احتمال إرادة الخصوص به قائم، و لهذا لو ظهر المخصّص لم يكن ممتنعا، و وجب اعتقاد الخصوص، و ما هذا شأنه يمتنع اعتقاد عمومه جزما، قبل الاستقصاء في البحث عن مخصّصه، و عدم الظفر به، على وجه يسكن النّفس إلى عدمه، فلا بدّ في الجزم باعتقاد عمومه من اعتقاد انتفاء مخصّصه بطريقه.

____________

(1). آل عمران: 97.

(2). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 140.

486

و قد أجمع الأصوليّون على امتناع العمل بالعامّ قبل البحث عن المخصّص، لكن اختلفوا: فقال القاضي أبو بكر (1) و جماعة من الأصوليّين:

يمتنع العمل به و اعتقاد عمومه إلّا بعد القطع بانتفاء المخصّص، و إلّا فالجزم بعمومه، و بالعمل به مع احتمال وجود المعارض ممتنع، و معرفة انتفاء المخصّص بطريق القطع ممكن: بأن تكون المسألة الّتي تمسّك فيها بالعموم ممّا يكثر الخلاف فيها بين العلماء، و يطول النزاع بينهم، و لم يطلع أحد منهم على موجب التخصيص، مع كثرة البحث، فلو كان هناك مخصّص لامتنع خفاؤه عنهم.

و لأنّه لو كان المراد بالعموم الخصوص، لوجب أن ينصب اللّه تعالى عليه دليلا و يبلّغه للمكلّفين.

و ذهب ابن سريج، (2) و الجويني‏ (3) و الغزّالي‏ (4) و أكثر الأصوليّين إلى امتناع اشتراط القطع في ذلك، إذ لا طريق إلى معرفته إلّا بالسبر، و هو غير يقينيّ، و وجوب اطّلاع العلماء عليه لو كان ظنّيّ، و لو اطّلع بعضهم لم يقطع بوجوب نقله، و ليس كلّ عامّ كثر خوض العلماء فيه، بل الواجب الظّنّ المستند إلى البحث بحيث لو كان مخصّص لظهر.

أمّا القطع بالنّفي، فإنّه يقتضي تعطيل أكثر العمومات، و كذا البحث في كلّ دليل مع معارضه.

____________

(1). التقريب و الإرشاد: 3/ 425- 426.

(2). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 159.

(3). لاحظ البرهان في أصول الفقه: 1/ 273- 274.

(4). المستصفى: 2/ 178.

487

الباب الثاني: في الظاهر و المؤوّل‏

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في الماهيّة

«الظاهر» في اللّغة هو الواضح المنكشف، من: ظهر الأمر الفلاني أي وضح و انكشف.

و أمّا في الاصطلاح و قد اختلفوا في حدّه: فقال أبو الحسين البصري‏ (1) و تبعه الإمام فخر الدين‏ (2): «الظاهر هو: ما لا يفتقر في افادته لمعناه إلى غيره سواء أفاده وحده أو مع غيره».

____________

(1). المعتمد: 1/ 295.

(2). المحصول: 1/ 462.

488

و بهذا القيد الأخير يمتاز عن النصّ امتياز العامّ عن الخاصّ. (1)

و فيه نظر، فإنّ النصّ و الظاهر نوعان مندرجان تحت الحكم، فلا يجوز تعريفه بما يندرج النوع الآخر فيه.

و قيل: الظاهر هو ما ظهر المراد به و غير المراد، لكنّ المراد أظهر، و هو تعريف دوريّ، و لأنّ الكلام متى وضح المراد به فقد ظهر، سواء كان محتملا لغيره أو لا.

و قال الغزّالي: الظاهر اللّفظ الّذي يغلب على الظنّ فهم معنى منه، من غير قطع. (2)

اعترض‏ (3): بأنّه غير جامع، لأنّه يخرج منه ما فيه أصل الظّنّ دون غلبة الظنّ مع كونه ظاهرا، و لهذا يفرق بين قولنا: ظنّ، و غلبة ظنّ.

و لأنّ غلبة الظنّ ما فيه أصل الظّنّ و زيادة.

و لأنّه اشتمل على زيادة مستغن عنها، و هي قوله: «من غير قطع» فإنّ من ضرورة كونه مفيدا للظنّ أن لا يكون قطعيّا.

و فيه نظر، لأنّ المراد هنا بغلبة الظنّ: هو الظنّ الغالب‏ (4) على الشك.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 462، و تنظّر فيه المصنّف.

(2). المستصفى: 2/ 48.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 36.

(4). في «ب»: لغلبته.

489

و لأنّ مراتب الظنّ غير منحصرة و إن كانت محدودة بطرفي العلم و الشكّ، لكن كلّما يفرض ظنّا يفرض ما هو دونه و فوقه، فيكون ظنّا غالبا، و ما يفيد غلبة الظنّ، قد يفيد العلم فلا بدّ من التعرض لنفيه.

و قيل‏ (1): «اللفظ الظاهر ما دلّ على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي، و يحتمل غيره احتمالا مرجوحا».

فقولنا: بالوضع الأصلي أو العرفي، احتراز عن دلالته على المعنى الثاني، إذا لم يصر عرفيّا، كلفظ الأسد في الإنسان و غيره.

و قولنا: «يحتمل غيره، احتراز عن القاطع الّذي لا يحتمل التأويل.

و قولنا: احتمالا مرجوحا، احتراز عن الألفاظ المشتركة». (2)

و فيه نظر، لعدم اختصاص الظاهر بما دلّ بالأصل أو العرف، بل كلّ لفظ يترجح معنى فيه فهو ظاهر بالنسبة إليه.

و التحقيق: أنّه من الأمور الإضافيّة يختلف باختلاف ما ينسب إليه، و هو قد يضاف تارة إلى الأشخاص، و تارة إلى المعاني، و الأخير هو المراد هنا، و هو ما تترجّح دلالته على ما أضيف إليه، فإن جعلناه جنسا للنصّ، اقتصرنا عليه، و إلّا أضيف إليه ترجيحا غير مانع من النقيض.

____________

(1). القائل هو الآمدي في الإحكام.

(2). الإحكام: 3/ 36.

490

و أمّا المؤوّل: فاعلم أنّ التأويل في اللّغة مأخوذ من آل يئول أي رجع، و منه قولهم: تأوّل فلان الآية بكذا، أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها.

و في الاصطلاح قال الغزالي: إنّه احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظنّ من المعنى الّذي دلّ‏ (1) عليه الظاهر (2).

و اعترض‏ (3) عليه بوجوه:

الأوّل: التأويل ليس هو نفس الاحتمال الّذي حمل اللّفظ عليه، بل [هو] حمل اللّفظ عليه، و بينهما فرق.

الثاني: يخرج منه ما صرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره بدليل قاطع.

الثالث: أنّه حدّ التأويل، من حيث هو تأويل و هو شامل للتأويل بدليل و غيره، و لهذا يقال: تأويل بدليل، و تأويل بغير دليل، فلا يجوز حدّه بأحد أخصّيه، إلّا أن يقال: إنّه حدّ التأويل الصحيح.

و قيل‏ (4): التأويل المطلق‏ (5): حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع‏

____________

(1). في المصدر: «يدلّ».

(2). المستصفى: 2/ 49.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 3/ 37.

(4). القائل هو الآمدي.

(5). أي مع قطع النظر عن الصحّة و البطلان.

491

احتماله له، و التأويل الصحيح: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده.

فالحمل على غير مدلوله، احتراز عن الحمل على نفس مدلوله.

و قولنا: الظاهر منه، احتراز عن صرف اللفظ المشترك من أحد مدلوليه إلى الآخر، فإنّه لا يسمّى تأويلا. (1)

و فيه نظر، فإنّا نمنع كون المشترك دالّا على أحد معانيه و إن كان موضوعا له.

و قولنا: مع احتماله له، احتراز عن صرف اللفظ عن ظاهره إلى ما لا يحتمله أصلا، فإنّه لا يكون تأويلا صحيحا.

و قولنا: بدليل يعضده، ليخرج التأويل من غير دليل، و هو يعمّ القاطع و الظنيّ.

إذا ثبت هذا، فالتأويل لا يتطرّق إلى النصّ، و لا إلى المجمل، بل إلى ما كان ظاهرا لا غير.

____________

(1). الإحكام: 3/ 37.

492

المبحث الثاني: في جواز التأويل‏

الدليل إمّا عقليّ أو نقليّ، و العقليّ لا يمكن الرجوع عنه، و العدول إلى غيره، إذ شرط كونه دليلا سلامته عن جميع الاحتمالات، سواء القريب و البعيد في ذلك، فإنّ البعيد كالقريب في العقليّات، و دليل العقل لا يمكن مخالفته بوجه ما، و البعيد يمكن أن يكون مرادا من اللّفظ بوجه ما، فلا يجوز التمسّك في العقليات إلّا بالنصّ القاطع الّذي لا يتطرّق إليه احتمال لا قريب و لا بعيد.

أمّا النقلي، فانّه قابل للتأويل، و يجوز مخالفته لدليل أقوى منه.

و لا خلاف في أنّ التأويل مقول، معمول به مع حصول شرائطه، و قد أجمع علماء الأمصار عليه في كلّ الأعصار.

و يشترط فيه كون اللفظ قابلا للتأويل، بأن يكون ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه.

و أن يكون الدليل الصّارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور

493

اللفظ في مدلوله، ليتحقّق صرفه عنه إلى غيره، إذ لو كان مساويا له، حصل التردّد، و لم يجز العدول، لأنّه ترجيح من غير مرجّح.

و لو كان مرجوحا، لم يجز العدول باعتباره اتّفاقا، فلا بدّ و أن يكون الدليل الصارف للفظ عن مدلوله راجحا على ظهور اللفظ، و يختلف الترجيح باعتبار قوّة الظهور و ضعفه.

قيل‏ (1): و يشترط أيضا كون الناظر المتأوّل أهلا لذلك.

و فيه نظر، إذ الاعتبار بالدليل لا بالناظر.

و يشبه أن يكون كلّ تأويل صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، و يدخل فيه تخصيص العامّ، فإنّ وضعه و إن كان للاستغراق، إلّا أنّ الاقتصار على البعض مجاز.

و اعلم أنّ الاحتمال قد يكون قريبا على ما بيّناه، فيكفي فيه دليل قريب و إن لم يكن بالغا في القوّة.

و قد يكون بعيدا، فيفتقر إلى دليل قويّ، بحيث يكون ذلك الاحتمال البعيد أغلب على الظنّ من مخالفة ذلك الدليل.

و قد يكون ذلك الدّليل ظاهرا آخر أقوى منه.

و قد يكون دليلا عقليّا، أو قياسا منصوص العلّة.

و قد يكون قرينة قرب تأويل لا ينقدح إلّا بتقدير قرينة، و ان لم تنقل‏

____________

(1). القائل هو الآمدي في الإحكام: 3/ 38.

494

القرينة كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّما الربا في النسيئة» (1)، فإنّه لا يجوز حمله على ظاهره لثبوت رباء الفضل بالإجماع، فيحمل على مختلفي الجنس، و لا ينقدح هذا التخصيص إلّا بتقدير واقعة و سؤال عن مختلفي الجنس، و لكن يجوز بتقدير مثل هذه القرينة إذا اعتضد بنصّ.

و قوله (عليه السلام): لا تبيعوا البرّ بالبرّ إلّا سواء بسواء، (2) نصّ في إثبات ربا الفضل، و قوله (عليه السلام) «إنّما الرّبا في النسيئة»، حصر للرّبا في النسيئة، و نفي لربا الفضل.

فالجمع بالتأويل الّذي ذكرناه أولى من مخالفة النصّ، و إذا كان الاحتمال قريبا، و الدليل قربيا، وجب على المجتهد الترجيح و المصير إلى ما غلب على ظنّه، فليس كلّ تأويل مقبولا، بل هو مختلف، و لا ضابط له، إلّا أنّا نذكر أمثلة لتأويلات مقبولة و أخرى مردودة، ليتميّز الناظر فيها، و يستعدّ لتأويل ما يرد عليه من الألفاظ المفتقرة إليه.

____________

(1). سنن ابن ماجة: 2/ 760 برقم 2257؛ و عوالي اللآلي: 3/ 220.

(2). سنن النسائي: 7/ 274- 275؛ و سنن البيهقي: 5/ 276.

495

المبحث الثالث: في ذكر أمثلة التأويلات‏

و يشتمل على مسائل:

المسألة الأولى‏

قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لفيروز الدّيلمي و قد أسلم عن عشر نسوة (1): «أمسك أربعا و فارق سائرهن» محمول على ظاهره، لا يفتقر إلى التأويل عندنا، و به قال الشافعي.

و قال أبو حنيفة: إنّه متأوّل، و الأصل في ذلك أنّ الكافر إذا تزوّج أكثر من أربع نسوة، ثمّ أسلم تخيّر في إمساك أربع منهنّ، و يفارق البواقي، سواء ترتب عقدهنّ، أو اصطحب عندنا و عند الشافعي.

و قال أبو حنيفة: يصحّ نكاح الأوائل دون الزائد على الأربع.

____________

(1). هكذا في النسخ الّتي بأيدينا و لكن سيأتي من المصنّف من أنّه أسلم على أختين و هذا هو الصحيح و قد ذكر في أسد الغابة في ترجمة فيروز الديلمي أنّه أسلم عن أختين، و الّذي أسلم عن عشرة هو غيلان بن سلمة، لاحظ أسد الغابة: 3/ 464 برقم 4247، و أيضا ص 447 برقم 4191.

496

و استدلّ أصحابنا بهذا الحديث، و تأوّله أبو حنيفة بتأويلات ثلاثة:

الأوّل: يحتمل أنّه أراد بالإمساك ابتداء النكاح، و يكون معنى قوله «أمسك أربعا» أنكح منهنّ أربعا، و معنى «فارق سائرهنّ»: لا تنكحهنّ.

الثاني: يحتمل أنّ النكاح كان واقعا في ابتداء الإسلام قبل حصر عدد النساء في أربع، فكان ذلك النكاح واقعا على وجه الصحّة، و الباطل من أنكحة الكفّار ليس إلّا ما كان مخالفا لما ورد به الشرع حال وقوعها.

الثالث: يحتمل أنّه أمر الزوج باختيار أوائل النساء، و هذه التأويلات و إن كانت منقدحة عقلا إلّا أنّ القرائن يدفعها، فإنّ التأويل و ان احتمل لكن قد تجمع قرائن تدلّ على فساده و آحاد تلك القرائن لا تدفعه، لكن يخرج بمجموعها عن أن يكون منقدحا غالبا، و الظاهر هنا قد اعتضد بقرائن جعلته أقوى في النّفس من التأويل المحتمل، و ان استند إلى قياس.

أمّا التأويل الأوّل، فبعيد بوجوه.

الأوّل: المتبادر إلى الفهم من لفظ الإمساك إنّما هو الاستدامة دون الابتداء و التجديد.

الثاني: أنّه قارن لفظ الإمساك بلفظ المفارقة، و إنّما يفهم من المفارقة المجانبة بعد الاتّصال.

الثالث: أنّه فوّض الإمساك و المفارقة إلى اختياره، و عندهم إنّهما غير واقعين باختياره، لوقوع الفراق بنفس الإسلام، و توقّف النكاح على رضا المرأة.

الرابع: انّه لو أراد ابتداء النكاح لذكر شرائطه، لأنّه وقت الحاجة إليه، فلا

497

يجوز تأخير البيان عنه مع دعاء الحاجة إليه، لقرب عهده بالإسلام.

الخامس: أمر الزوج بإمساك أربع من العشر، و بمفارقة البواقي و الأمر إمّا للوجوب أو الندب، و حصر التزويج في العشر ليس واجبا و لا مندوبا إليه، و المفارقة ليست من فعل الزوج حتّى يكون الأمر متعلّقا بها.

السادس: الظاهر من الزوج المأمور إنّما هو امتثال أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و المخالفة بعيدة و لم ينقل أحد تجديد النكاح في هذه الصورة، فدلّ على أنّ المراد بالإمساك مفهومه الظاهر.

السابع: أنّه لا يتوقّع في طرد العادة اتّفاقهنّ على الرّضا على حسب مراده، بل ربما كان يمتنع جميعهنّ فكيف أطلق الأمر مع هذا الإمكان؟

الثامن: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «أمسك» أمر، و ظاهره الإيجاب، فكيف أوجب عليه ما لم يجب، فلعلّه أراد أن لا ينكح أصلا.

التاسع: أنّه ربما أراد أن لا ينكحهنّ بعد أن قضى وطره بهنّ، فكيف حصره فيهنّ؟ بل كان ينبغي أن يقول: انكح أربعا ممّن شئت من نساء العالمين من الأجنبيّات، فإنّهن عنده كسائر نساء العالم.

العاشر: الزّوج إنّما سأل عن الإمساك بمعنى الاستدامة، لا التجديد، و عن الفراق بمعنى انقطاع النكاح، و الأصل في جوابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المطابقة.

و أمّا تأويل الثاني، فبعيد أيضا، لأنّه لو لم يكن الحصر ثابتا في ابتداء الإسلام، لما خلا ابتداء الإسلام عن الزيادة عن الأربع عادة، و لم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك في ابتداء الإسلام، و لو وقع، لنقل.

498

و أمّا التأويل الثالث، فبعيد أيضا، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لواحد كان قد أسلم على خمس نسوة: اختر منهنّ أربعا و فارق واحدة، قال المأمور: فعمدت إلى أقدمهنّ عندي، ففارقتها.

تذنيب‏

و قد تأوّلوا قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لفيروز الديلمي‏ (1) و قد أسلم على أختين: «أمسك أيّتهما شئت و فارق الأخرى» بما تقدّم من التأويلات الثلاثة.

و التأويل الأوّل بعيد لما تقدّم من الوجوه، و كذا الثاني.

و قوله تعالى: وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ‏ (2) قال المفسّرون: المراد به ما سلف في الجاهلية قبل بعثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و الثالث هنا أبعد، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أمسك أيّتهما شئت، فإنّه نصّ على التّخيير بالتصريح و هو ينافي مذهبهم.

المسألة الثانية

قال علماؤنا و أبو حنيفة في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «في أربعين شاة شاة» (3) المراد به‏

____________

(1). يكنّى أبا عبد اللّه، و هو قاتل الأسود العنسي الّذي ادّعى النبوّة، توفّي في خلافة عثمان، ترجمه في أسد الغابة: 3/ 463 برقم 4247، و نقل حديثه مع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذ أسلم و تحته أختان.

(2). النساء: 23.

(3). وسائل الشيعة: 6/ 78، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1؛ و سنن ابن ماجة: 1/ 577 برقم 1805؛ و سنن ابن داود: 2/ 98، برقم 1568.

499

مقدار قيمة شاة، و إنّما احتاجوا إلى هذا التأويل، لما علم من أنّ المقصود من إيجاب الزكاة إنّما هو دفع حاجة الفقراء و سدّ خلاتهم، و ذلك يحصل بالقيمة، كما يحصل بالعين، بل ربما كانت القيمة أبلغ في حصول المقصد، لإمكان صرفها إلى أيّ نوع شاء الفقير من شراء الشاة و غيرها.

و استبعده الشافعي لوجوه ثلاثة: الأوّل: أنّه يرفع النصّ، لأنّ قوله تعالى:

وَ آتُوا الزَّكاةَ (1) نصّ، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في أربعين شاة شاة، بيان للنصّ، و هو نصّ في وجوب الشاة، و إيجاب القيمة رفع وجوب الشاة و إسقاطها، فيكون رفعا للنصّ.

الثاني: سدّ الخلة و إن كان مقصودا، إلّا أنّه ليس كلّ المقصود، بل ربّما قصد مع ذلك التعبّد باشتراك الفقير في جنس مال الغنيّ، فالجمع بين الظّاهر و بين التعبّد و مقصود سدّ الخلّة أغلب على الظنّ في العبادات الّتي مبناها على الاحتياط من تجريد النظر إلى مجرّد سدّ الخلّة.

الثالث: التعليل بسدّ الخلّة مستنبط من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في أربعين شاة شاة، يرجع إلى الأصل بالإبطال، أو على الظاهر بالرفع، و ظاهره وجوب الشاة على التعيين و هذا التأويل يرفع هذا الوجوب بما استنبط منه من العلّة الّتي هي دفع الحاجة، و إذا استنبطت العلّة من الحكم و أوجبت رفعه، كانت باطلة.

و الجواب عن الأوّل: بالمنع من كون إيجاب القيمة إسقاطا للشاة و رفعها لها، بل هو توسيع للوجوب لا إسقاطه، و إنّما إسقاطه ترك الشاة لا إلى بدل أمّا إذا

____________

(1). البقرة: 43.

500

لم يجز تركها إلّا ببدل يقوم مقامها، فلا يخرجها عن كونها واجبة، كما في خصال الكفّارة إذا فعل واحدة فقد أدّى واجبا، و إن كان الواجب يتأدّى بالخصلة الأخرى.

نعم أنّه يرفع تعيين الوجوب لا أصله، و اللّفظ نصّ في أصل الوجوب لا في تعيينه و تضييقه، و إن كان ظاهره التّعيين، لكنّه يحتمل التخيير، كما في قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «استنج بثلاثة أحجار» فإنّ إقامة المدر مقامه لا يبطل وجوب الاستنجاء، لأنّ الحجر آلة يجوز أن يتعيّن، و يجوز أن يتخيّر بينها و بين ما في معناها.

و عن الثاني: أنّ التعبّد بإيجاب العين و إن كان محتملا إلّا أنّ ذكر عين الشاة معيار لمقدار الواجب، فلا بدّ من ذكرها، فإنّ القيمة تعرف بها، و هي تعرف بها (1) و لو فسّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كلامه بذلك لم يكن فيه تناقض.

و عن الثالث: بالمنع من رجوع الاستنباط على الأصل بالإبطال، و قد بيّنّا أنّه توسيع للواجب.

المسألة الثالثة

قال علماؤنا قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ‏ (2) الآية، محمول على بيان المصرف و شروط الاستحقاق، لا على التمليك لكلّ صنف‏

____________

(1). أي بنفس الشاة.

(2). التوبة: 59.

501

صنف، فجوّزوا الاقتصار على البعض نظرا إلى أن مقصود الآية إنّما هو رفع الحاجة في جهة من الجهات المذكورة، لا رفع الحاجة عن الكلّ.

و استبعده الشافعي، لأنّه تعالى أضاف الصدقة إليهم بلام التمليك و عطف بواو التشريك البعض على البعض، و ما استنبط من هذا الحكم من العلّة يكون رافعا لحكم المستنبط منه، فيكون باطلا، و كون الآية لبيان المصرف و شروط الاستحقاق لا ينافي ما قلناه، لجواز كونه مقصودا، و كون الاستحقاق بصفة التشريك مقصودا، و هو الأولى، موافقة لظاهر الإضافة و العطف، و الصرف إلى واحد إبطال. (1)

و الجواب: أنّ سياق الآية يدلّ على ما قلناه، لأنّ اللّه تعالى ذكر حال قوم يلمزون في الصّدقات بقوله: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ‏ (2) الآية، و يقولون: إنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يعطي الصدقات من أحبّ، فإن أعطاهم كثيرا رضوا و إن منعهم سخطوا، فإنّ اللّه تعالى ردّ عليهم بقوله: وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا (3) و ذكر أنّ فعل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حقّ، لأنّه يعطيها المستحقّين و من حصلت فيه الشرائط في قوله‏ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ‏ (4) ثم عدّ شروط الاستحقاق ليبيّن مصرف الزكاة، و من يجوز صرفها إليه، ليقطع طمعهم في الزكاة، مع خلّوهم عن شرائط الاستحقاق.

ثمّ في قوله: «لا منافاة بين كون الآية لبيان المصرف و شرائط الاستحقاق‏

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 40.

(2). التوبة: 58.

(3). التوبة: 59.

(4). التوبة: 60.

502

و بين ما قلناه» نظر، للتنافي بينهما، فإنّ الأوّل لا يقتضي التشريك بخلاف ما قالوه.

المسألة الرابعة

قوله تعالى: فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (1) جاز على ظاهره، من وجوب إطعام هذا العدد، غير متأوّل عند علمائنا، و هو مذهب الشافعي، للأصل الدالّ على جريان الألفاظ الظاهرة على معانيها الّتي هي ظاهرة بالنسبة إليها.

و قالت الحنفيّة: إنّه متأوّل، و تقديره فإطعام طعام ستّين مسكينا، فلم يوجبوا العدد، إذ المقصود هو دفع الحاجة، و لا فرق بين دفع حاجة ستّين مسكينا يوما واحدا، و بين دفع حاجة مسكين واحد ستّين يوما. (2)

و هو غلط لوجهين:

أمّا أوّلا: فلأنّ قوله: فَإِطْعامُ‏ يستدعي مفعولا، و قوله‏ مِسْكِيناً صالح له، و يمكن الاستغناء به مع ظهوره.

و الطّعام و إن كان صالحا للمفعوليّة (3) إلّا انّه مسكوت عنه غير ظاهر، فتقدير حذف المظهر، و إظهار المفعول المسكوت عنه بعيد في اللّغة، بل الواجب عكسه.

____________

(1). المجادلة: 4.

(2). نقله الآمدي في الإحكام: 3/ 40؛ و الغزّالي في المستصفى: 2/ 55- 56.

(3). أي مفعول الإطعام.

503

و إذا كان هذا ظاهرا في وجوب رعاية العدد، فما (1) استنبط منه، يكون موجبا لرفعه، فكان ممتنعا.

و أمّا ثانيا: فلأنّا نمنع كون دفع الحاجة هي كلّ المقصود، إذ لا استبعاد في أن يقصد الشارع رعاية العدد واجبا ستّين مهجة، تبرّكا بدعائهم، فإنّه قلّ أن يخلو مثل هذا الجمع من وليّ اللّه تعالى يغتنم دعاؤه، و يعود نفعه إلى المكفّر، و قلّ ما يحتمل‏ (2) مثل ذلك في الواحد.

المسألة الخامسة

قوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ‏ (3) جار على ظاهره، غير متأوّل عند علمائنا، و مقتضاه عطف الأرجل على الرءوس، فيشتركان في الحكم من المسح.

و تأوّله الجمهور بالغسل، و هو في غاية البعد، لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرءوس و الأرجل في المسح من غير ضرورة.

احتجّوا: بأنّ العطف إنّما هو على «الوجوه» و «اليدين» لأنّ قوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ قدر المأمور به إلى الكعبين كما قدر غسل اليدين إلى المرفقين، و لو

____________

(1). في «ب» و «ج»: ممّا.

(2). في بعض النسخ: قلّ ما يحصل.

(3). المائدة: 6.

504

كان الواجب هو المسح لما كان مقدّرا كالرأس.

و للقراءة بالنصب و قراءة الجرّ متأوّلة بالمجاورة.

سلّمنا العطف على الرءوس، لكن لا يجب الاشتراك بين المعطوف و المعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه، بل في أصله، و لمّا كان الغسل و المسح قد اشتركا في أنّ كلّا منهما قد اشتمل على إمساس العضو بالماء، كفى في صحّة العطف كما في قوله:

و لقد رأيتك في الوغا* * * متقلّدا سيفا و رمحا (1)

و الرمح لا يتقلّد به، بل لما شارك السّيف في أصل الحمل صحّ العطف و كذا قوله:

علّفتها تبنا و ماء باردا* * * [حتّى شتت همّالة عيناها] (2)

مع أنّ الماء لا يعلف لكنّه شارك في التناول. (3)

و الجواب: العطف على البعيد إنّما يستعمل مع الضرورة، و لا ضرورة هنا، و الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة لا تعلّق لهما بها من أقبح الأشياء، فإنّ قولنا: «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق و أرجلكم إلى الكعبين و امسحوا برءوسكم» جار على قانون اللّغة و استعمال الفصحاء، بخلاف ما لو قدّم المسح على قوله «و أرجلكم» مع إرادة الغسل.

____________

(1). لم نعثر على قائله.

(2). لم يسمّ قائله.

(3). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 3/ 43- 44.