نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
55

من ينكر حجّية الظواهر، فإن رحى الحياة في المجتمع الإنساني تدور عليها، و ليس كلّ كلام، نصا في مدلوله.

إنّ النبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و أصحابهم يعلّمون الناس بظواهر كلماتهم، و المستمعون يتلقّونها حجّة شرعية دون أن يناقشوا في حجّية الظواهر.

فأين الظواهر من القياس الظني الّذي تضاربت فيه الآراء و أنكر حجيته أئمة أهل البيت و لفيف من الصحابة و التابعين. أضف إلى ذلك قيام الدليل على حجّية الظواهر دون القياس، فهذا هو الفارق بينهما.

3. ان الترجيحات- عند تعارض الخبرين- كلّها أو معظمها ترجيحات ظنية تعليلية و تقريبية، فقد جرى ديدنهم على ترجيح ما ظهر أنّه الأقرب إلى واقع الحكم الشرعي الحقيقي، و هذا كما لا يخفى ليس إحرازا للحكم الشرعي بالضرورة و انّما هو ظني و تقريب. (1)

أقول: هذا هو المورد الثالث الّذي أثار إعجاب الأستاذ من التفريق بينه و بين القياس و الاستحسان و أمثالهما حيث أخذوا بالمرجّحات الظنية و رفضوا القياس و الاستحسان.

و لكن الإجابة عنه واضحة، و هي قيام الحجّة على لزوم الترجيح بالمرجّحات، و قد تضافرت الأخبار الّتي ثبتت حجّيتها على لزوم الترجيح بالمرجحات المنصوصة كموافقة الكتاب و موافقة السنّة و موافقة المشهور و غيرها.

____________

(1). المجلة: ص 96.

56

نعم هناك من يستنبط من هذه الروايات لزوم الترجيح بكلّ مرجّح و إن لم يكن منصوصا كالشيخ الأنصاري في فرائده، و منهم من لا يقبل ذلك، و على كلّ تقدير فالفارق بين العمل بالمرجّحات و القياس و الاستحسان وجود الدليل على لزوم الترجيح بها و عدمه في القياس و الاستحسان.

و لو أنّ صاحب المقال أحاط بأصول الفقه عند الإمامية لما أثار عجبه هذا التفريق، بل وجه اهتمامه إلى التركيز على موضوع آخر و هو طرح القياس على صعيد البحث على ضوء دراسة أدلّة المثبتين و النافين دون أن يربط العمل بالقياس بالعمل بخبر الواحد و الظواهر.

4. و ممّا أخذه الأستاذ على الإمامية هو العمل بالأصول العملية، أعني:

البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب، فقد قال: إنّ ما يسمّونه أصولا عملية هي قواعد توصل إلى الظن، و الرجحان، و مع ذلك أجازوا بل أوصوا بالعمل بها عند عدم الدليل الصريح. (1)

أقول: أظن انّ القارئ في غنى عن تكرار الجواب فإنّ الإشكال في الجميع واحد و الجواب مثله، و هو أنّ الفارق وجود الدليل على حجّية الأصول، سواء أ كانت مفيدة للظن أم لا، و من درس الأصول العملية في الكتب الأصولية للشيعة الإمامية يقف على أنّهم يستدلّون عليها بطرق مختلفة من الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل. فكيف يقاس ذلك بالقياس الّذي تواتر النهي عن العمل به عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، و هذا هو قول الإمام الصادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين». (2)

____________

(1). الصفحة 96 من المجلة.

(2). الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.

57

استدلاله على حجية القياس عن طريق العقل‏

إنّ الأستاذ الفاضل يستدلّ على حجّية القياس عن طريق العقل قائلا: إنّ الإمامية و بخاصة متأخّريهم يجعلون من الأدلّة الشرعية «الدليل العقلي»، بينما هم يرفضون القياس و هو من بديهيات العقول و أوّلياتها، يقوم على قاعدة لا ينكرها عقل و لا عاقل، و هي «أنّ ما ثبت لشي‏ء ثبت لمثله»، و هذا هو العدل الّذي قامت به الأرض و السماوات و جاءت به الكتب و الرسالات.

أقول: لا شكّ أنّ العقل أحد الحجج الشرعية، و ذلك في مجالات خاصة، ممّا للعقل إليها سبيل، و نمثل لذلك بنموذجين:

الأوّل: إذا استقل العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه و تجرّد في قضائه عن كلّ شي‏ء إلّا النظر إلى نفس الفعل يكون حكم العقل كاشفا عن حكم الشرع، و هذا نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، و حسنه معه، فيستكشف منه أنّ الشرع كذلك.

الثاني: إذا أمر المولى بشي‏ء و استقلّ العقل بوجود الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته أو وجوب الشي‏ء و حرمة ضده، أو امتناع اجتماع الأمر و النهي على شي‏ء واحد بعنوانين، أو جوازه إلى غير ذلك من أنواع الملازمات، فيكشف حكم العقل عن حكم الشرع.

ففي هذين الموردين و ما يشبههما يكون العقل قاطعا بالحسن و القبح أو الملازمة بين الوجوبين أو الحرمتين، و عند ذلك نستكشف من خلال كونه‏

58

سبحانه حكيما لا يعبث، الحكم الشرعي؛ للحسن و القبح، أو للمقدّمة و ضد الواجب.

و أمّا القياس فهو ليس دليلا عقليا قطعيا، و إنّما هو دليل ظني بشهادة أنّه لو كان دليلا قطعيا لما اختلف فيه اثنان كما لم يختلفوا في حجية خبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم.

فإنّ إطلاق الدليل العقلي على القياس على وجه الإطلاق غير صحيح، بل يجب أن يقال الدليل العقلي الظني، لأنّ الدليل العقلي- عند الإطلاق- ينصرف إلى الدليل العقلي المفيد للعلم.

الخلط بين المماثل و المشابه‏

و الّذي ألفت نظر الأستاذ إليه هو أنّ القياس ليس من باب المماثلة، بل من باب المشابهة، و كم هو الفرق بين التماثل و التشابه، فما ذكره من أنّ «ما ثبت لشي‏ء ثبت لمثله» راجع إلى المتماثلين، و الفرق بينهما واضح، و ذلك لأنّ التماثل عبارة عن دخول شيئين تحت نوع واحد و طبيعة واحدة، فالتجربة في عدة من مصاديق طبيعية واحدة تفيد العلم بأنّ النتيجة لطبيعة الشي‏ء لا لأفراد خاصة، و لذلك يقولون: إنّ التجربة تفيد العلم، و ذلك بالبيان التالي:

إذا أجرينا- مثلا- تجربة على جزئيات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، و الجاذبية، و الارتفاع عن سطح البحر، و غيرها مع اتّحادها جميعا في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقدارا معينا، و لنسمّه (س)، عند درجة خاصة من الحرارة و لنسمّها (ح). ثمّ كررنا هذه التجربة على هذه‏

59

الجزئيات، في مراحل مختلفة، في أمكنة متعددة، و تحت ظروف متغايرة، و وجدنا النتيجة صادقة تماما: يتمدد الحديد بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة من الحرارة فقط، دون غيرها من العوامل. فعندئذ يقال: «ما ثبت لشي‏ء، ثبت لمثله» أو حكم الأمثال- فيما يجوز و ما لا يجوز واحد.

و أمّا التشابه فهو عبارة عن وقوع فردين مختلفي الطبيعة تحت صفة واحدة توجب التشابه بينهما، و هذا كالخمر و الفقاع فإنّهما نوعان و بينهما تشابه في الإسكار. فلو أثبتت التجربة أنّ للخمر اثرا خاصا، لا يمكن القول بثبوته للفقاع و النبيذ بل لا بد من التماس الدليل على المشاركة، وراء المشابهة.

و أوضح من ذلك مسألة الاستقراء، فإنّ ما نشاهده من الحيوانات البرية و البحرية، أنواع مختلفة. فلو رأينا هذا الحيوان البري و ذلك الحيوان البحري كلّ يحرك فكّه الأسفل عند المضغ ربما نحكم- بلا جزم- بذلك على سائر الحيوانات من دون أن تكون بينها وحدة نوعية أو تماثل في الحقيقة، و الدافع إلى ذلك التعدّي في الحكم هو التشابه و الاشتراك الموجود بين أنواع الجنس الواحد رغم اختلافها في الفصول و الأشكال، و لكن لا يمكن الجزم بالحكم و النتيجة على وجهها الكلي لإمكان اختلاف أفراد نوعين مختلفين في الحكم.

و بذلك يعلم أنّ القياس عبارة عن تعميم حكم مشابه إلى مشابه لا حكم مماثل إلى مماثل، و من المعلوم أنّ تعميم الحكم من طبيعة إلى طبيعة أمر مشكل لا يصار إليه إلّا إذا كان هناك مساعدة من جانب العرف لإلغاء الخصوصية، و إلّا يكون التعميم عملا بلا دليل.

60

مثلا دلّ الكتاب العزيز على أنّ السارق و السارقة تقطع أيديهما، و الحكم على عنوان السارق، فهل يلحق به النبّاش الّذي ينبش القبر لأخذ الأكفان؟ فإنّ التسوية بين العنوانين أمر مشكل، يقول السرخسي:

لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النبّاش بالسارق في حكم القطع، لأنّ القطع بالنصّ واجب على السارق. (1)

و الحاصل: أنّ هناك فرقا واضحا بين فردين من طبيعة واحدة، فيصحّ تعميم حكم الفرد إلى الفرد الآخر لغاية اشتراكهما في النوعية، و أنّ حكم الأمثال في ما يجوز و ما لا يجوز واحد، لكن بشرط أن يثبت أنّ الحكم من لوازم الطبيعة لا الخصوصيات الفردية.

و أمّا المتشابهان فهما فردان من طبيعتين- كالإنسان و الفرس- يجمعهما التشابه و التضاهي في شي‏ء من الأشياء، فهل يصحّ تعميم حكم نوع إلى نوع آخر؟ كلّا، إلّا إذا دلّ الدّليل على أنّ الوحدة الجنسية سبب الحكم و مناطه و ملاكه التام‏ (2)، كما دلّ الدليل في أنّ سبب الحرمة في الخمر، هو الإسكار، و إلّا فلا يصحّ إسراء حكم من طبيعة إلى طبيعة أخرى بمجرد التشابه بينهما، أو الاشتراك في عرض من الأعراض.

____________

(1). أصول السرخسي: 2/ 157.

(2). أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه: 108- 110.

61

6 الدليل العقلي و حجيّة المصلحة

قد تعرفت على أنّ العقل أحد مصادر التشريع أو- بالأحرى- أحد المصادر لكشف الحكم الشرعي.

و مجال الحكم العقلي- غالبا- أحد الأمور التالية:

1. التحسين و التقبيح العقليان.

2. أبواب الملازمات من قبيل الملازمة بين وجوب الشي‏ء و مقدمته و حرمة ضدّه، و الملازمة بين النهي عن العبادة أو المعاملة و فسادها، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى باب الملازمة.

3. أبواب التزاحم أي تزاحم المصالح الّتي لا بدّ من أخذها كإنقاذ الغريقين مع العجز عن إنقاذ كليهما، أو تزاحم المصالح و المفاسد كتترس العدو بالمسلمين فإنّ للعقل دورا فيها، و له ضوابط لتقديم إحدى المصلحتين على الأخرى، أو تقديم المصلحة على المفسدة أو بالعكس (و هي مذكورة في مظانّها).

و لا غبار على حجّية العقل في هذه الموارد، إنّما الكلام في حجّية

62

المصلحة و عدّها من مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه. فقد ذهب عدة من فقهاء السنّة إلى حجّية المصلحة و سمّاها المالكية بالمصالح المرسلة و الغزّالي بالاستصلاح، و حاصل دليلهم على حجّية المصلحة و كونها من مصادر التشريع كالتالي:

إنّ مصالح الناس تتجدّد و لا تتناهى، فلو لم تشرع الأحكام لما يتجدّد من صالح الناس، و لما يقتضيه تطورهم و اقتصر التشريع على المصالح الّتي اعتبرها الشارع فقط، لعطّلت كثير من مصالح الناس في مختلف الأزمنة و الأمكنة، و وقف التشريع عن مسايرة تطورات الناس و مصالحهم، و هذا لا يتفق و ما قصد بالتشريع من تحقيق مصالح الناس. (1)

و حاصل هذا الوجه ادّعاء وجود النقص في التشريع الإسلامي لو اقتصر في مقام الاستنباط على الكتاب و السنّة، لأنّ حاجات المجتمع إلى قوانين جديدة لا زالت تتزايد كلّ يوم، فإذا لم تكن هناك تشريعات تتلاءم مع هذه الحاجات لم تتحقّق مقاصد الشريعة.

ثم إنّ السبب لجعلهم المصالح مصادر للتشريع هو الأمور التالية:

1. إهمال العقل و عدم عدّه من مصادر التشريع في مجال التحسين و التقبيح العقليين.

2. إقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع إقفالا سياسيا، فقد صار ذلك سببا لوقف الدراسات الفقهية منذ قرون، و في ظل ذلك توهّم المتأخّرون وجود النقص في التشريع الإسلامي و عدم كفايته لتحقيق‏

____________

(1). علم أصول الفقه، لعبد الوهاب الخلّاف: 94.

63

مقاصد الشريعة فلجئوا إلى عدّ المصالح المرسلة من مصادره. و بذلك وجّهوا قول من يعتقد بحجية المصالح المرسلة من أئمة المذاهب.

3. عدم دراسة عناوين الأحكام الأوّلية و الثانوية، كأدلّة الضرر و الحرج و الاضطرار و النسيان، فإنّ هذه العناوين و ما يشابهها تحل أكثر المشاكل الّتي كان علماء السنّة يواجهونها. من دون حاجة لعدّ الاستصلاح من مصادر التشريع.

4. عدم الاعتراف بصلاحيات الفقيه الجامع للشرائط بوضع أحكام ولائية كافية في جلب المصلحة و دفع المفسدة أحكاما مؤقتة ما دام الملاك موجودا.

و الفرق بين الأحكام الواقعية و الولائية هي أنّ الطائفة الأولى أحكام شرعية جاء بها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لتبقى خالدة إلى يوم القيامة، و أمّا الطائفة الثانية فإنّما هي أحكام مؤقتة. أو مقررات يضعها الحاكم الإسلامي (على ضوء سائر القوانين) لرفع المشاكل المتعلّقة بحياة المجتمع الإسلامي.

هذه هي حقيقة المصالح المرسلة.

ثم إنّهم مثّلوا للمقام بأمثلة، نذكر منها ما يلي:

1. جمع القرآن الكريم في مصحف بعد رحيل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

2. قتال مانعي الزكاة.

3. وقف تنفيذ حكم السرقة في عام المجاعة.

4. إنشاء الدواوين.

5. سك النقود.

6. فرض الإمام العادل على الأغنياء من المال ما لا بدّ منه، لتكثير الجند و إعداد السلاح و حماية البلاد و غير ذلك.

64

7. سجن المتهم كي لا يفر.

8. حجر المفتي الماجن و الطبيب الجاهل و المكاري المفلس.

ثمّ إنّ بعض المغالين ربّما يتجاوز فيمثّل بأمور لا تبرّرها أدلّة التشريع الواقعي كتنفيذ الطلاق ثلاثا، مع أنّ الحكم الشرعي هو كونه طلاقا واحدا في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و برهة بعد رحيله، و هذا من باب تقديم المصلحة على النص.

ثم إنّ للإمامية في العمل بالمصالح مذهبا وسطا أوضحناه في كتابنا. (1) و ليست الإماميّة ممّن ترفضه بتاتا كما تصوّره الأستاذ أو تقبله في عامّة الصور.

هذا إجمال الكلام في المصالح المرسلة- و التفصيل مع ما لها و ما فيها يطلب من محله- إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نقرأ ما ذكره الدكتور الرسيوني حول هذا الموضوع، قال:

«أمّا حجية المصلحة، فإنّهم و إن كانوا ينكرونها بالاسم إلّا أنّهم يأخذون بها بأسماء و أشكال متعدّدة:

- فتارة تدخل تحت اسم «الدليل العقلي» حيث يدرجون ضمنه- مثلا- اعتبار «الأصل في المنافع الإباحة، و في المضار الحرمة» و هذا عين اعتبار المصلحة. كما أنّ من القواعد المعتبرة عندهم ضمن دليل العقل قاعدة «وجوب مقدّمة الواجب» و هي المعبر عنها ب «ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب» ذلك أنّ معظم المصالح المرسلة هي من قبيل «ما لا يتم الواجب إلّا به» فهي مقدّمات أو وسائل لواجبات أخرى، و مثلها قاعدة «كلّ ما هو ضد الواجب فهو غير جائز» فهذا ما يعبر عنه بدرء المفاسد. و أخرى يدخلون العمل بالمصلحة من باب ما

____________

(1). لاحظ أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه للكاتب.

65

يسمّى عندهم السيرة العقلائية. و بناء العقلاء، و هو في الوقت نفسه من المصالح المرسلة». (1)

و حاصل كلامه: انّه تدخل تحت حجّية المصلحة القواعد التالية:

1. وجوب مقدّمة الواجب.

2. حرمة ضد الواجبة.

3. حجّية بناء العقلاء و سيرتهم.

4. الأصل في المنافع الإباحة، و في المضار الحرمة.

فهي نفس العمل بالمصلحة مع أنّهم يدخلونها تحت «الدليل العقلي».

يلاحظ عليه: أنّ اشتمال هذه القواعد على المصالح و درء المفاسد، غير كون المصلحة سببا لتشريعها و مبدأ لتقنينها، فإنّ الدليل على وجوب مقدّمة الواجب أو حرمة ضد الواجب حكم العقل بالملازمة بين الإرادتين، فمن حاول الوقوف على السطح، لا محيص له من إرادة نصب السلّم، أو ركوب المصعد.

فاشتمال المقدّمة على المصلحة أو اشتمال الضد على المفسدة أمر جانبي لا مدخلية له في الحكم بالوجوب و الحرمة.

و أمّا حجّية بناء العقلاء، فإنّ أساسها كونه بمرأى و مسمع من الشارع و هو إمضاؤه، لهذا لو كان غير مرضيّ عنده لما سكت عن النهي عنه، لقبح السكوت عمّا يوجب إغراء الأمّة، و لو لا إمضاؤه لما صحّ الاعتماد عليه في الفقه، كما هو

____________

(1). الصفحة: 97 من المجلة المشار اليها.

66

الحال في السّير الّتي رفضها الشارع كبيع الخمر و الكلب و الخنزير و التملك بالمقارنة.

و به يظهر حكم القاعدة الرابعة، فإنّ الحكم بجلب المنفعة أو درء المفسدة هو العقل الحصيف، لا قاعدة المصالح المرسلة، و إن كان في الجلب و الدرء مصلحة، و بالجملة: الأمور الجانبية، ليست أساسا لحكم العقل في مورد هذه القواعد.

نحن نفترض أن لهذه المسائل طابعا عقليا كما أن لها طابعا استصلاحيا، فلو كان الوصول إليها من دليل العقل أمرا غير صحيح فليكن الوصول إليها عن طريق الاستصلاح مثله، فلما ذا يوجّه اللوم إلى الفريق الأوّل دون الثاني أ و ليس هذا المورد من مصاديق المثل السائر: «رمتني بدائها و انسلت»؟

*** هذه بعض الملاحظات على كلام الأستاذ، حفظه اللّه و نفعنا بعلومه.

و بقيت في كلامه أمور أخرى يظهر النظر فيها من بعض ما ذكرنا.

و في الختام ندعو له و لعامّة الاخوان في المملكة المغربية و الأساتذة و الطلاب في دار الحديث الحسنية بدوام التوفيق و السداد.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته‏

جعفر السبحاني‏

قم المقدسة- إيران‏

غرّة ربيع الأوّل 1426 ه

67

الفصل الثامن في النّهي‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في حقيقته‏

النّهي مقابل للأمر، فحدّه مقتضب‏ (1) عن حدّ الأمر.

و كنّا قلنا: إنّ الأمر هو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء، و لا يحسن المقابل هنا في الطلب، لاشتمال النّهي عليه، و لا في القول لذلك، و لا في جهة الاستعلاء، لتحقّقه كما قلنا في الأمر، فلم يبق إلّا الفعل.

فالنّهي حينئذ طلب الترك بالقول على جهة الاستعلاء.

و الخلاف في أنّ له صيغة تخصّه، كما قلنا في الأمر.

____________

(1). يقال: اقتضب الشي‏ء: قطعه، فيريد أنّ تعريفه مقطوع عن حدّ الأمر و مقابل له و يحتمل أن يكون الصحيح «مقتبس عن حدّ الأمر»، و في بعض النسخ «نقيض» مكان «مقتضب» و عند ذلك تكون «عن» زائدة.

68

و من حدّ الأمر بأنّه اقتضاء فعل، غير كفّ على جهة الاستعلاء، حدّ النّهي بأنّه اقتضاء كفّ عن فعل على جهة الاستعلاء.

و ينتقض بقولنا «كفّ» (1).

و الكلام في أنّها تقتضي التحريم، أو الكراهة، أو القدر المشترك، أو الوقف، كما تقدّم في الأمر.

و يشترك الأمر و النّهي في أمور:

الأوّل: جواز استعمال كلّ منهما في خلاف ما يقتضيه صيغته، فصيغة كلّ منهما يجوز استعمالها في غير ما وضع له.

الثاني: أنّ كلّ واحد منهما إنّما يوصف بما يوصف به بحال فاعله.

الثالث: اعتبار الاستعلاء.

الرابع: كلّ منهما يتقيّد بما قيّد به من شرط أو صفة.

الخامس: اعتبار كثير من الشرائط في جنسهما، نحو: أن يكون غرض المكلّف التعريض للثواب، و يكون عالما بإثابة المطيع، و غير ذلك.

و يفترقان بأمور:

الأوّل: الصيغة، ففي الأمر «افعل» و في النّهي «لا تفعل».

الثاني: ما يتميّز به كلّ منهما عن صاحبه.

الثالث: مطلق الأمر لا يقتضي التأبيد، و مطلق النّهي يقتضيه عند جماعة،

____________

(1). أي ينطبق عليه حدّ النّهي مع أنّه أمر.

69

و لهذا أمكن النظر في أنّ الأمر للفور أم لا بخلاف النّهي عندهم.

الرابع: شرط حسن النّهي قبح المنهيّ عنه، و شرط حسن الأمر، انتفاء قبح المأمور به.

و اعلم أنّ الصّيغة قد ترد لسبعة أمور:

الأوّل: التحريم.

الثاني: الكراهة.

الثالث: التحقير [كقوله تعالى:] لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ. (1)

الرابع: بيان للعاقبة [كقوله تعالى:] وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا (2).

الخامس: الدعاء: لا تكلني إلى نفسي.

السادس: لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ‏ (3).

السابع: الإرشاد [كقوله تعالى:] لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ (4).

لكنّها حقيقة في التحريم في نظر الشّرع، كما قلنا في الأمر و لقوله تعالى:

وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (5) وجب الانتهاء، لما تقدّم من أنّ الأمر للوجوب:

و هو المراد من قولنا: النّهي للتحريم، و من جعل الأمر للقدر المشترك بين الوجوب و الندب، جعل النّهي للقدر المشترك بين التحريم و الكراهة. (6)

____________

(1). الحجر: 88.

(2). إبراهيم: 42.

(3). التحريم: 7.

(4). المائدة: 101.

(5). الحشر: 7.

(6). في «أ»: جعل النّهي مشتركا بين التحريم و الكراهة.

70

المبحث الثاني: في أنّ المطلوب في النهي ما ذا؟

اختلف الناس هنا فقال أبو هاشم و جماعة كثيرة: المطلوب بالنّهي: نفس أن لا يفعل المنهيّ عنه.

و قالت الأشاعرة: المطلوب: فعل ضدّ المنهيّ عنه.

لنا: أنّ من لم يزن مع دعاء الداعي إليه يمدحه العقلاء على أنّه لم يزن، و إن لم يخطر ببالهم فعل ضدّ الزّنا، فوجب أن يكون العدم متعلّق التّكليف.

احتجّت الأشاعرة: بأنّ العدم نفي محض، فلا يكون مقدورا، لأنّ القدرة لا بدّ لها من أثر، و لا أثر للمعدوم.

و لأنّ العدم و إن أمكن إسناده إلى القدرة، لكنّ العدم الأصليّ لا يمكن إسناده إليها، لامتناع تحصيل الحاصل.

و إذا بطل أن يكون العدم متعلّق القدرة، وجب أن يكون ثبوتيّا، و هو الضدّ.

و الجواب: لو لم يكن العدم مقدورا لم يكن الوجود مقدورا، لأنّه يلزم أن تكون صفة القدرة مؤثّرة في الوجود لا غير، و ذلك وجوب لا قدرة، و عدم الفعل أمر عقليّ يمكن تعلّق القدرة به، لتميّزه عن غيره، و إن كان نفيا في الخارج.

و العدم الأزليّ و إن لم يكن مقدورا، لكن المقارن للقدرة أمكن تعلّقها به، فإنّ القادر على الفعل قادر على أن يتركه على العدم الأصليّ، و أن لا يغيّره، فعدم التغيّر مقدور له، فجاز أن يتناوله التّكليف.

71

المبحث الثالث: في أنّ النّهي قد يقتضي التكرار

اختلف الناس هنا، فذهب الأكثر إليه، و قال آخرون بعدمه.

و الأقرب الأوّل، لنا وجوه:

الأوّل: أنّ النّهي يقتضي منع المكلّف من إدخال الماهيّة المصدر في الوجود، و هو إنّما يتحقّق إذا امتنع من إدخال كلّ فرد من أفرادها في الوجود، إذ مع إدخال فرد من أفرادها يكون قد أدخل تلك الماهيّة في الوجود، لاشتمال ذلك الفرد على تلك الماهيّة، و هو ينافي قولنا: إنّه منع من إدخال تلك الماهيّة في الوجود.

قيل عليه‏ (1): الامتناع عن إدخال الماهية في الوجود، قدر مشترك بين التّكرار و عدمه، و لا دلالة للعامّ على ما به يمتاز كلّ واحد من القسمين عن صاحبه.

و فيه نظر، لأنّ الامتناع عن الإدخال إنّما يتحقّق مع الدوام، إذ مع عدمه يتحقّق الإدخال الممنوع منه.

الثاني: المفهوم في عرف اللّغة التناقض بين قولنا: اضرب و لا تضرب، لاشتمال لا تضرب على كلّ مفهوم اضرب و زيادة حرف النّهي، و قولنا: اضرب يفيد المرّة، فلو كان لا تضرب كذلك، لم يتناقضا، فيجب العموم‏ (2).

____________

(1). القائل هو الرازي في محصوله: 1/ 340.

(2). أي يجب أن يتناول النّهي كلّ الأوقات حتّى تتحقّق المنافاة.

72

قيل عليه‏ (1): إن أردت بدلالة الأمر و النّهي على مفهومين متناقضين: دلالة الأمر على الإثبات، و النّهي على النّفي، فمسلّم، لكن ذلك لا يوجب التناقض إلّا مع اتّحاد الوقت، لأنّ صدق الإثبات في وقت يستلزم صدق الإثبات، و صدق النفي في وقت يستلزم صدق النفي، و كما لا تناقض بين الإثبات في وقت و النفي في آخر، كذا لا تناقض بين المطلقين.

و فيه نظر، لأنّا استدللنا بالعرف على التناقض على كون النّهي للدّوام، لما قرّره‏ (2) من امتناع التّناقض بين المطلقين.

الثالث: قولنا: «لا تضرب» يمكن حمله على التكرار، و قد دلّ الدليل عليه، فيجب المصير إليه.

أمّا الأوّل فلإمكان امتناع الإنسان عن الفعل دائما من غير عسر.

و أمّا الثانية فلانتفاء دلالة الصيغة على وقت دون وقت، فإمّا أن يحمل على الكلّ، و هو المراد أو لا يحمل على شي‏ء البتّة، و هو محال، أو يحمل على البعض دون الآخر، و يلزم منه الترجيح من غير مرجّح.

قيل عليه‏ (3): لا دلالة في النّهي إلّا على مسمّى الامتناع، فحيث تحقّق هذا المسمّى، وقع الخروج عن عهدة التكليف.

و فيه نظر، لأنّ مسمّى الامتناع إنّما يتحقّق بدوامه.

____________

(1). القائل هو الرازي في محصوله: 1/ 340.

(2). في «ج»: لما قدّره.

(3). القائل هو الرازي في محصوله: 1/ 340.

73

الرابع: السيّد إذا نهى عبده عن فعل، فمضت مدّة يمكنه ايقاع الفعل فيها، ثمّ فعله صحّ ذمّه، و حسن من السيّد عقابه و التّعليل أنّه فعل المنهيّ عنه.

و ليس للعبد أن يقول: إنّك نهيتني عن الفعل و قد مضت مدّة يمكن إيقاعه فيها و لم أفعله فيها، و لم يتناول نهيك ما بعد الوقت.

و لا يقبل العقلاء عذره بذلك.

الخامس: هاهنا مقدّمتان:

إحداهما: أنّ المنهيّ عنه، منشأ المفسدة، و لا يصحّ النهي عنه. (1)

و الثانية: الحكم ببقاء ما كان، على ما كان إلى أن يظهر دليل الإزالة، و دليله ما يأتي، من كون الاستصحاب حجّة.

و مع تسليمها فنقول: المنهيّ عنه قد ظهر أنّه منشأ مفسدة، و الأصل بقاء تلك المفسدة في جميع الأوقات، فيتعلق النهي بالجميع.

السادس: لم يزل العلماء في جميع الأوقات يستدلّون على الدوام في النّهي.

السابع: لو لا الدّوام لما ثبت دوام تحريم الزّنا و الرّبا، و غير ذلك من المنهيّات.

و التالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله.

الثامن: الاحتياط يقتضي الانتهاء دائما، فيتعيّن العمل به، إذ مع تركه لا يأمن ارتكاب المحظور.

____________

(1). في «ج»: و إلّا لما صحّ النهي عنه.

74

احتجّ المخالف: بأنّ النّهي قد يراد منه التكرار بالإجماع، و قد يراد منه المرّة الواحدة، كقول الطبيب للمريض: لا تشرب الماء، و لا تأكل اللّحم، و المراد في هذه الساعة.

و يقول المنجّم: لا تفصد (1)، و ليس مراده بذلك التعميم.

و الحائض نهيت عن الصلاة و الصوم، و ليس المراد من ذلك في كلّ الأوقات.

و الاشتراك و المجاز على خلاف الأصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك.

و أيضا، يصحّ أن يقيّد بالدّوام و نقيضه، من غير تكرار و لا تناقض في أحدهما، فيكون موضوعا للقدر المشترك.

و أيضا، لو كان للدّوام، لكان عدم الدّوام في بعض الصّور على خلاف الدّليل، و هو ممتنع.

و الجوب عن الأوّل: أنّ عدم الدّوام، إنّما يكون لقرينة حاليّة أو مقاليّة، أمّا مع تجرّده عن القرائن، فلا نسلّم أنّه يراد به المرّة.

و القرينة الحاليّة ثابتة فيما ذكرتم من صورة الطبيب و المنجّم، اذ المتعارف أنّ نهيهما ليس للتكرار.

و المقاليّة ثابتة في الحائض، لدخولها تحت الأوامر العامّة بالصّلاة و الصوم.

و الأصل فيه، أنّ الطهارة لما كانت شرطا، و قد انتفت، انتفى التكليف، و لهذا

____________

(1). أي لا تعزم أمرا مثلا كالسفر و غيره.

75

قلنا بالتكرار هنا أيضا، فيجب ترك العبادة كلّما جاء الحيض، و يدوم بدوامه، و لو صلّت أو صامت وقت الحيض، حسن ذمّها.

و عن الثاني: أنّ القرائن المنضمّة إلى الألفاظ، قد تخرجها عن حقائقها، و التأكيد مستعمل في العرف.

و عن الثالث: أنّه لو لم يكن للدّوام، بل للمرّة، لكان استعماله في الدّوام على خلاف الدّليل، على أنّ الدليل قد يخالف عند قرائن تحتفّ به.

و نحن إنّما قلنا: إنّه لا يفيد التكرار، لو وجدت قرينة صارفة له عن التكرار، و الخلاف إنّما هو في المجرّد.

تذنيب‏

لمّا ثبت أنّ النّهي للتكرار، وجب أن يفيد الفور، لاستلزام التكرار ذلك، و القائلون بعدمه لم يوجبوا الفور فيه.

المبحث الرابع: في امتناع اجتماع الأمر و النهي‏

اعلم أنّ الواحد قد يكون واحدا بالنّوع، و قد يكون واحدا بالشّخص.

أمّا الأوّل، فيمكن توارد الأمر و النهي معا إليه، بأن يكون أحد جزئيّاته مأمورا به، و الآخر منهيّا عنه، لعدم التنافي بينهما.

و ذلك كالسجود، فإنّه نوع ينقسم إلى السجود للّه تعالى، و هو مأمور به، و إلى السجود للصّنم، فهو منهيّ عنه.

76

و قد خالف في ذلك بعض المعتزلة، و توهّم المناقضة، من حيث إنّ السجود نوع واحد و هو مأمور به فيستحيل أن ينهى عنه، بل السّاجد للصّنم عاص بقصد تعظيم الصّنم، لا بنفس السّجود. (1)

و ليس بجيّد، إذ لا تناقض مع تغاير المحلّ، و السجود للّه تعالى مغاير للسجود للصّنم، فإنّ اختلاف الإضافات و الصفات يوجب المغايرة، و الشي‏ء لا يغاير نفسه، و قد قال اللّه تعالى: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لا لِلْقَمَرِ (2) ثمّ أمر بالسّجود للّه تعالى، و ليس المأمور به، هو المنهيّ عنه، و لا خلاف في عصيان الساجد للصّنم و الشمس بنفس السجود و القصد معا.

و قولهم: السجود نوع واحد.

قلنا: نعم، لكنّه منقسم بانقسام المقاصد، فإنّ مقصود هذا السجود تعظيم الصنم، دون اللّه تعالى، و اختلاف وجوه الفعل، كاختلاف نفس الفعل في حصول الغيريّة، المانعة من التّضاد، فإنّ التّضاد إنّما يكون مع الإضافة إلى واحد، و لا وحدة مع المغايرة.

و أمّا الثاني فإمّا أن يكون ذا جهة واحدة، أو ذا جهتين.

فالأوّل، لا خلاف في استحالة توجّه الأمر و النهي معا إليه، إلّا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق.

____________

(1). نقله أحمد بن إدريس المصري القرّافي في نفائس الأصول في شرح المحصول: 2/ 399 عن سيف الدّين عن بعض المعتزلة، دون أنّ يعيّن القائل.

(2). فصّلت: 37.

77

و أمّا الثاني، ففيه النزاع كالصلاة في الدّار المغصوبة، فإنّها قد اشتملت على وجهتين: إحداهما: كونها صلاة، و أخرى: كونها غصبا و فيه النزاع:

فمنع منه جماعة الإماميّة، و الزيديّة، و الظاهريّة، و الجبائيّان، و هو مرويّ عن مالك، و هو اختيار فخر الدين الرّازي، (1) و ذهبوا إلى أنّ الصلاة غير واجبة و لا صحيحة، و لا يسقط بها الفرض، و لا عندها، و وافقهم على ذلك القاضي أبو بكر (2) إلّا في موضع واحد، فإنّه قال: يسقط الفرض معها لا بها.

و هذا الّذي اخترناه، مذهب جمهور المتكلّمين.

و قال الغزّالي‏ (3)، و جماعة الأشاعرة بالجواز.

لنا: أنّ المأمور به مطلوب التحصيل، فلا حرج في فعله، و المنهيّ عنه مطلوب العدم، و يتعلّق بفعله الحرج، و الجمع بينهما ممتنع.

لا يقال: إنّما يمتنع الجمع لو اتّحد الوجه، أمّا مع تعدّده، كالصلاة في الدار المغصوبة، حيث كان لها جهتا صلاة و غصب، و كلّ واحد منهما يصحّ انفكاكه عن الأخرى، فلا استبعاد في الأمر بها من حيث إنّها صلاة، و النّهي من حيث إنّها غصب، كما لو قال السيّد لعبده: «خط [هذا] الثوب و لا تدخل الدّار» فخاط الثوب في الدار فإنّه يكون ممتثلا لأمر الخياطة، عاصيا لنهي الدخول، و استحقّ العقوبة بأحد الاعتبارين، و الإحسان بالآخر، كذا الصّلاة هنا اشتملت على أمرين:

أحدهما مطلوب الوجود، و الآخر مطلوب العدم.

____________

(1). المحصول في علم الأصول: 1/ 340- 341.

(2). لاحظ التقريب و الإرشاد: 2/ 360.

(3). المستصفى: 2/ 101.

78

و يعارض: بأنّ الصّلاة في الدّار المغصوبة صلاة، لأنّها صلاة خاصّة بكيفيّة مخصوصة، و ثبوت المقيّد يقتضي ثبوت المطلق.

و الصّلاة مأمورا بها، لقوله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ. (1)

لأنّا نقول: متعلّق الأمر و النّهي إن اتّحد، لزم تكليف ما لا يطاق، و الخصم يسلّم أنّه ليس من هذا الباب، و إن تغايرا، فإن تلازما، كان كلّ منهما من ضروريّات‏ (2) الآخر، و الأمر بالشي‏ء أمر بما لا يتمّ ذلك الشي‏ء إلّا به، و يعود المحذور، و هو كون متعلّق الأمر و النّهي واحدا.

و إن لم يتلازما، صحّ تعلّقها بهما إجماعا، و هو غير صورة النّزاع.

لا يقال: يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر في الحكم، إلّا أنّهما في الصورة المعيّنة يتلازمان.

لأنّا نقول: فيكون المأمور به في [هذه‏] الصورة الخاصّة منهيّا عنه، و هو محال.

و امّا الصلاة في الدار المغصوبة، فإنّها باطلة، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق، و التالي باطل إجماعا، إلّا عند من جوّز التكليف بالمحال، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ الصلاة مركّبة من أمور:

أحدها: الحركة، و السّكون، و هما مشتركان في حقيقة الكون، أعني الحصول في الحيّز و شغله، و هذا الشغل منهيّ عنه، فأحد أجزاء هذه الصّلاة

____________

(1). البقرة: 43.

(2). في «ب»: من ضرورات.

79

منهيّ عنه، فيستحيل أن تكون هذه الصّلاة مأمورا بها، لاستلزام الأمر بالمركّب، الأمر بأجزائه، فيكون هذا الجزء، مأمورا به، منهيّا عنه.

و الصلاة، و الغصب و إن تغايرا، لكنّ مطلق الشّغل الحيّز، جزء ماهيّة مطلق الصّلاة، و الشغل المعيّن جزء ماهيّة الصّلاة المعيّنة، و هذا الشغل المعيّن، منهيّ عنه، فجزء ماهيّة هذه الصّلاة منهيّ عنه، فهذه الصلاة لا تكون مأمورا بها.

نعم الصّلاة مطلقا مأمورا بها، و لا نزاع فيه، بل في هذه الصّلاة.

قيل عليه‏ (1): «لا نزاع في انّ الفعل المعيّن إذا أمر به بعينه لا ينهى عنه، إنّما النزاع في الفعل المعيّن إذا كان فردا من أفراد الفعل المأمور به هل ينهى عنه، و ما نفيتموه جوازه ظاهر إذ عندكم الأمر بالماهيّة ليس أمرا بشي‏ء من أفرادها، و لأنّه لو امتنع ذلك، لامتنع النهي عن فعل ما، لأنّ نفس الفعل مأمور به، لكونه جزءا من الفعل المأمور به، و كلّ منهيّ عنه فرد من أفراد نفس الفعل».

و بين الصّلاة في الدار المغصوبة، و المثال الّذي ذكروه فرق، فإنّ الخياطة غير الدخول، و لا تلازم بينهما، فلهذا صحّ اجتماع الأمر و النّهي، و الصلاة المأمور بها ليس المطلق، بل الواقعة على الوجه المطلوب شرعا، بأن تستجمع شرائطه، و لهذا لا يصحّ أن نقول: الصلاة بغير طهارة صلاة، و الصلاة مأمور بها.

____________

(1). القائل هو سراج الدّين محمود بن أبي بكر الارموي المتوفّى سنة 682 ه. في التحصيل من المحصول: 1/ 335.

80

احتج المخالف بوجوه:

الأوّل: قد كرهت الصلاة في الأماكن المخصوصة

، و الأوقات المخصوصة، و كما يتضادّ الوجوب و التحريم، كذا يتضادّ الوجوب و الكراهة.

الثاني: لو لم تصحّ الصّلاة في الدار المغصوبة

، لما سقط التكليف، و التالي باطل بالإجماع فإنّ أحدا من العلماء لم يأمر الظلمة بقضاء صلواتهم في الأماكن المغصوبة، فالمقدّم مثله.

و الشرطيّة ظاهرة، فإنّ الباطل غير مسقط للفرض.

الثالث: لو لم تصحّ الصّلاة، لكان البطلان‏

لاتّحاد متعلّق الأمر و النهي، إذ لا مانع سواه إجماعا، و لا اتّحاد، فإنّ الأمر بالصّلاة، و النّهي عن الغصب، و اختيار المكلّف جمعهما لا يخرجهما عن حقيقتهما، و هو التّغاير و عدم التلازم.

و الجواب عن الأوّل: أنّ متعلّق الأحكام إن اتّحد

، منعنا التكليف بمثل هذه الصورة، و إن تغاير لم يفد، لرجوع النهي إلى وصف منفكّ، مثل التعرّض لنفار الإبل في الصّلاة في المعاطن، (1) و لسيل الوادي في الصلاة في الوادي، و للتعرّض للرّشاش في الحمام، و غير ذلك من النظائر.

و عن الثاني: بمنع الإجماع على سقوط القضاء

، فإنّ الإماميّة أجمع، أوجبوا قضاءها، و هو مذهب أحمد بن حنبل، و جماعة من الفقهاء، و لو كان ذلك إجماعا، لما خفي عنهم.

____________

(1). العطن: مبرك الإبل و مربض الغنم عند الماء. المعجم الوسيط.

81

و عن الثالث: ما تقدّم، من أنّ الكون الّذي هو غصب منهيّ عنه‏

، و هو بعينه صلاة، فلا يكون مأمورا به، و الكون المطلق قد ينقسم إلى نوعي الغصب و الصلاة، و هما و إن انفكّ أحدهما عن الآخر، إلّا أنّهما في هذه الصورة متلازمان، إذ فعل العبد هنا: الحركة، و السكون، لا غير، و هما منهيّان.

و أيضا، لو صحّت الصّلاة لصحّ صوم يوم النحر بالجهتين.

و الاعتذار بأنّ نهي التحريم لا يعتبر فيه تعدّد الّا بدليل، ضعيف، و هذه المسألة قطعيّة.

أمّا من يعتقد البطلان، فلاستلزام الصّحّة الجمع بين الضدّين، و هو مستحيل قطعا.

و من يعتقد الصحة، فيعتمد على الإجماع.

تذنيب‏

قال أبو هاشم: من توسّط أرضا مغصوبة عصى باللبث و الخروج، و جعل الخروج متعلّق الأمر و النهي معا.

و هو خطأ، لاستلزامه التكليف بالمحال، فإنّ الخروج متعيّن عليه للأمر، فيعلم أنّ انتفاء المعصية به و بشرطه‏ (1)، فلا يكون متعلّق النهي.

و فيه نظر، فإنّ الخروج تصرّف في ملك الغير، فيكون حراما، و يمتنع‏

____________

(1). في «أ» و «ج»: فيعلم انتفاء المعصية و شرطه.

82

وجوبه، بل الواجب ترك التصرّف في كلّ آن، و كونه في الزّمن الثاني لا يتمّ إلّا بالخروج مستندا إلى فعله الّذي هو التوسّط، فلا يستلزم وجوبه.

المبحث الخامس: في التضادّ بين تحريم الوصف و وجوب الأصل‏

اعلم أنّ الشي‏ء إذا كان حرام الوصف، كان مضادّا لوجوب أصله، و هو مذهب الشافعي، خلافا لأبي حنيفة.

و صورة المسألة: أنّه إذا أوجب الصّوم و حرّم إيقاعه في يوم العيد، أو أوجب الطواف، و نهى عن إيقاعه مع الحدث.

و الأصل في ذلك: أنّ القائلين بصحّة الصلاة في الدّار المغصوبة، قسّموا النّهي إلى ما يرجع إلى ذات المنهيّ عنه، فيضادّ وجوبه، و إلى ما يرجع إلى غيره، فلا يضادّ وجوبه، و إلى ما يرجع إلى وصف المنهيّ عنه، لا إلى أصله، و قد اختلفوا:

فعند أبي حنيفة، الصّوم، من حيث إنّه صوم، مشروع مطلوب، و من حيث إنّه واقع في يوم النحر، غير مشروع.

و الطواف، مشروع و إيقاعه في حال الحدث منهيّ عنه.

و البيع من حيث إنّه بيع مشروع، و من حيث وقوعه مقرونا بشرط فاسد أو زيادة في العوض في الربويّات، منهيّ عنه.

و الطلاق، من حيث إنّه طلاق، مشروع، و من حيث وقوعه في الحيض، منهيّ عنه.

83

و حراثة الولد، من حيث إنّه حراثة، مشروع، و من حيث وقوعه في غير المنكوحة مكروه.

فجعل أبو حنيفة هذا قسما ثالثا، و زعم أنّ ذلك يوجب فساد الوصف، لا انتفاء الأصل، لأنّه راجع إلى الوصف لا [إلى‏] الأصل، فجعل الحرام هو إيقاع الصوم يوم النحر، لا الصّوم الواقع فيه.

و الشافعي ألحق هذا بكراهة الأصل، و لم يجعله قسما آخر، و الشافعي خرج عن قاعدته في طلاق الحائض، و تأوّل ذلك بأن صرف النّهي عن أصله، و وصفه إلى تطويل العدّة، أو لحوق الدّم عند الشكّ في الولد.

و أبو حنيفة خرج عن قاعدته في بطلان صلاة المحدث دون طوافه، لأنّ الدليل دلّ على كون الطهارة شرطا في صحّة الصلاة، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صلاة إلّا بطهور» (1) فهو نفي الصّلاة لا نهي.

لنا: أنّه لا فرق عند أهل اللغة بين قوله: حرّمت عليك الصوم في هذا اليوم، و بين قوله: حرّمت عليك إيقاعه فيه، إذ لا معنى لإيقاع الصّوم في اليوم سوى فعله فيه، فإذا كان فعله فيه محرّما، كان ذلك مضادّا لوجوبه لا محالة.

و لو قال السيّد لعبده: أطلب منك الخياطة، و أنهاك عن إيقاعها في وقت الزوال، فإذا خاط وقت الزّوال، لم يأت بالمطلوب، فإنّ المكروه هي الخياطة وقت الزوال، لا الوقوع في وقت الزوال، مع بقاء الخياطة مطلوبة، إذ ليس الوقوع في الوقت شيئا منفصلا عن الواقع.

____________

(1). الفقيه: 1/ 22 برقم 67؛ و عوالي اللآلي: 2/ 209 برقم 131، و ج 3/ 8 برقم 1.

84

و الصّلاة في الأوقات المكروهة، و الأماكن المكروهة، من الفقهاء من منع من صحّتها، فلا يرد عليه شي‏ء، لتردّده في أنّ النّهي نهي عن إيقاع الصلاة من حيث إنّه إيقاع صلاة، أو من أمر آخر مقرون به.

و منهم من صحّحها، و صرف النّهي عن أصل الصلاة، و وضعها إلى غيره.

و تفاصيل المسائل ليس على الأصولي، بل إلى نظر المجتهد في الفروع، و ليس على الأصولي إلّا حصر الأقسام الثلاثة، و هو ما يرجع النّهي فيه إلى ذات المنهيّ أو وصفه، أو خارج، و بيان حكمها في التضادّ و عدمه.

المبحث السّادس: في أنّ النّهي هل يدلّ على الفساد؟

اختلف النّاس في ذلك و التحقيق أن نقول: المنهيّ عنه ضربان:

أحدهما، لا يصحّ فيه معنى الفساد، و الصحّة، و الإجزاء، كالجهل، و الظّلم، و نحوهما، ممّا لا يتعلّق به أحكام شرعيّة.

و منها، ما يصحّ فيه ذلك، كالطّلاق، و النكاح، و البيع، و الصّلاة، لتعلّق الأحكام بذلك.

فإذا قلنا: النّهي هل يدلّ على الفساد أم لا، فإنّما نشير بذلك إلى الثاني من القسمين، و قد اختلف العلماء:

فمنهم من قال: إنّه يدلّ على الفساد.

و منهم من منع.

و منهم من لم يجعله دالّا من حيث اللّغة، و يدلّ من حيث الشرع.

85

و نحن نقول: النهي إن كان عن الشي‏ء لغيره، لم يدلّ على الفساد، و ذلك كالنّهي عن البيع وقت النّداء، خلافا للشيخ أبي جعفر الطّوسي من علمائنا (1) و لمالك و أحمد.

و إن كان النهي عن الشي‏ء لنفسه، أو لوصفه، فإن كان الفعل من العبادات دلّ على الفساد، و إن كان من المعاملات، لم يدلّ على الفساد، و هو اختيار أبي الحسين البصري‏ (2) و فخر الدين الرّازي. (3)

و قال جمهور فقهاء الشّافعيّة، و مالك، و أبو حنيفة، و الحنابلة، و أهل الظّاهر كافّة، و جماعة من المتكلّمين: إنّ النّهي يدلّ على الفساد مطلقا.

و ذهب جماعة من الأشاعرة كالقفال‏ (4)، و الغزّالي، (5) و غيرهما، و جماعة من الحنفيّة، و جماعة من المعتزلة، كأبي عبد اللّه البصري‏ (6)، و أبي الحسن الكرخي‏ (7)، و القاضي عبد الجبّار إلى أنّه لا يدلّ على الفساد مطلقا.

____________

(1). العدّة: 1/ 261 و 266.

(2). المعتمد: 1/ 171.

(3). المحصول في علم الأصول: 1/ 344.

(4). هو محمد بن علي بن اسماعيل الشاشي القفّال، من أكابر علماء عصره، و أوّل من صنّف الجدل الحسن من الفقهاء، و عنه انتشر مذهب الشافعي، ولد سنة 291 و توفّي 381 ه، و من كتبه أصول الفقه مطبوع. لاحظ الأعلام للزركلي: 6/ 274.

و هو غير محمّد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي القفّال (429- 507 ه) و لأجل اشتراكهما في النّسبة و اللّقب ربما يطرأ الاشتباه في الترجمة، فما ذكرناه في المقام هو الصّحيح دون ما مرّ منّا في الجزء الأوّل ص 470.

(5). المستصفى: 2/ 100.

(6). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(7). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

86

و منهم من قال: يدلّ من حيث الشرع، لا من حيث اللّغة، و إليه مال السيّد المرتضى‏ (1).

فهنا مقامان:

[المقام‏] الأوّل: في أنّ النهي في العبادات يدلّ على الفساد

و بيانه: أنّ المراد بفساد العبادة، عدم الإجزاء، و هو متحقّق مع النهي، لأنّه بعد الإتيان بالمنهيّ عنه، لم يأت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف.

أمّا المقدّمة الأولى، فلأنّ المنهي عنه، ليس المأمور به، فإنّ المنهيّ عنه قبيح، و المأمور به حسن، و هو إنّما أتى بالمنهيّ عنه، فلم يكن آتيا بالمأمور به، كما لو أمر بالصّلاة فتصدّق.

و أمّا المقدّمة الثانية، فظاهرة، فإنّ تارك المأمور به عاص، و العاصي يستحقّ العقاب، لما تقدّم من أنّ الأمر للوجوب.

فإن قيل: يجوز أن يكون فعل المنهيّ عنه سببا للخروج عن العهدة، فإنّه لا استبعاد في أن يقول الشارع: «لا تفعل في الثوب المغصوب فإن فعلت أسقطت عنك الفعل».

و لأنّ اللّفظ لا يدلّ عليه بمنطوقه، إذ لا يفيد إلّا المنع من الفعل، و الفساد:

عدم الإجزاء، و هما متغايران، و لا بمفهومه، لانتفاء التلازم، فإنّه لا يلزم من النهي الفساد، كما لو قال: «لا تصلّ في الثوب المغصوب، و إن صلّيت‏

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 180.

87

صحّت صلاتك» و لو كان الفساد لازما للنّهي، لزم التناقض.

و لأنّ النهي لو دلّ على الفساد، لكانت الصّلاة في الأماكن المكروهة، و الأوقات المكروهة، فاسدة.

و الجواب: قد بيّنا أنّ المنهيّ عنه مغاير للمأمور به، و إذا لم يأت بالمأمور به، لم يخرج عن العهدة، فضلا عن أن يأتي بالمنهيّ عنه، فإنّه أولى بعدم الخروج.

و المثال الّذي ذكروه، لو وقع لدلّ على أنّ المنهيّ عنه ليس عن الصّلاة و لا عن صفتها، بل عن وصف منفكّ، كما في الصّلاة في الأماكن المكروهة.

و الفرق بينه و بين الصلاة في المكان المغصوب: أنّ مماسّة الإنسان للثوب ليست جزءا من ماهيّة الصّلاة، و لا مقدّمة لشي‏ء من أجزائها، فيكون آتيا بعين الصّلاة المأمور بها من غير خلل غير أنّه ضمّ إلى ذلك الفعل فعلا آخر محرّما، و لا يقدح ذلك في الخروج عن العهدة.

و به ظهر الجواب عن النّهي في الأماكن المكروهة، و الأوقات المكروهة، لرجوع النهي هناك إلى وصف خارج عن ماهيّة الصلاة، و مجموع الأمر و النّهي دلّ على الفساد بالالتزام، فإنّ النّهي دلّ على المنع، و قد ثبت أنّ المنهيّ عنه مغاير للمأمور به، فلا يكون بفعله آتيا بالمأمور به، فلا يخرج عن العهدة، فلا يكون محرّما، و هو المراد بالفساد هنا.

88

المقام الثاني: في أنّ النهي في المعاملات لا يدلّ على الفساد

قد عرفت أنّ الفساد في المعاملات يراد به عدم ترتّب أحكامها عليها، فإذا قيل: هذا بيع فاسد، كان معناه: أنّه لم يفد الملك، و إذا قيل: طلاق فاسد، كان معناه: أنّه لم يفد بينونة، و لا تحريما، و إذا قيل: نكاح فاسد، كان معناه: أنّه لم يثمر إباحة البضع.

إذا ثبت هذا فنقول: لو دلّ النّهي على الفساد بهذا المعنى، لدلّ إمّا بالمطابقة، أو بالتضمّن، أو بالالتزام، و الكلّ باطل، فانتفت الدلالة.

أمّا انتفاء الأوّلين، فظاهر، إذ قوله: «لا تبع» (1) مثلا ليس موضوعا للفساد بمعنى عدم ترتّب حكم البيع عليه، و لا هو جزؤه.

امّا انتفاء الثالث، فلأنّ شرط هذه الدّلالة، الملازمة الذّهنية، و هي منتفية، فإنّه لا يلزم من تصوّر تحريم البيع، تصوّر عدم ترتّب حكمه عليه.

و لا استبعاد في أن يقول الشارع: نهيتك عن البيع، و إن فعلت، يحصل لك الملك، كما في البيع وقت النّداء و كذا: «نهيتك عن إزالة النجاسة بالماء المغصوب، أو عن الثوب المغصوب مع حصول الطّهارة، و نهيتك عن الذبح بسكّين الغير، لكن إن فعلت، حلّت الذبيحة، و لا تناقض.

بخلاف [قوله:] حرّمت عليك الطلاق، و أمرتك به، أو أبحتك إيّاه.

و الوطء في الحيض يلحقه أحكام الوطء الصحيح، من لحوق‏

____________

(1). في «ب» و «ج»: إذ لفظ لا تبع.

89

الولد، و وجوب المهر، و التحليل للزّوج الأوّل.

و أيضا، النّهي عن العقد أو الإيقاع إنّما يدلّ إذا صدر عن حكيم‏ (1) على قبحه، و وجوب الإحلال به أو على كراهيته، و قد يكون الفعل قبيحا مكروها، و حكمه ثابت، لأنّ قبح البيع، لا ينافي ثبوت الملك به، فإنّه قد ينهى عن البيع، لأنّ الملك لا يقع به تارة، و لأنّه مفسدة في نفسه، و إن وقع به الملك تارة، و لأنّه يتشاغل به عن واجب، نحو البيع مع تعيّن وجوب التحريم.

و إذا أمكن ذلك، أمكن أن يكون النّهي عن البيع أو غيره، لغرض مغاير لانتفاء أحكامها.

لا يقال: ينتقض ما ذكرتم بالنّهي في العبادات، فإنّه يدلّ على الفساد.

لأنّا نقول: قد بيّنا اختلاف الفساد في العبادات و المعاملات.

احتجّ القائلون بأنّه يدلّ على الفساد، بوجوه:

الأوّل: الفعل المنهيّ عنه معصية، و الملك نعمة، و المعصية تناسب المنع من النعمة، و محلّ الاعتبار بعد ظهور المناسبة، جميع المناهي الواردة.

الثاني: المنهيّ عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الرّاجحة، و إلّا لزم أن يكون الأمر و النهي بخلاف الحكمة، و لا منشأ المصلحة المساوية، و إلّا لكان النّهي عبثا.

و أيضا، الاشتغال بالعبث محذور عند العقلاء، و القول بالفساد يفضي إلى دفع هذا المحذور، فوجب القول به، فوجب أن يكون منشأ المفسدة الخالصة أو

____________

(1). في «ب»: عن حكم.

90

الرّاجحة، و على كلّ التقديرين، يجب الحكم بالبطلان، لاشتماله على إعدام تلك المفسدة.

الثالث: قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ» (1).

و المنهيّ عنه ليس من الدّين، فيكون مردودا، و لو ترتّب عليه حكمة، لم يكن مردودا.

الرابع: الإجماع منعقد على الفساد، فإنّه لم يزل العلماء يستدلّون على فساد الزنا، و الرّبا بمجرّد النهي.

الخامس: النّهي نقيض الأمر، و الأمر قد ثبت أنّه يدلّ على الإجزاء فالنّهي يدلّ على الفساد.

السادس: النّهي يدلّ على مفسدة خالصة، أو راجحة، و القول بالفساد سعي في إعدامها، فيكون‏ (2) مشروعا، قياسا على جميع المناهي الفاسدة.

السابع: لو ثبت أحكام المنهيّ عنه، لكان طريق ذلك، الشرع: إمّا أمر، أو إباحة، أو ايجاب و كلّ ذلك يمنع منه النهي. (3)

الثامن: النهي عن الفعل إذا منع منه، وجب أن يكون مانعا من أحكامه التابعة له.

____________

(1). أخرجه أبو داود في سننه: 4/ 200 برقم 4606، و ابن ماجة في سننه: 1/ 7 برقم 14 و رواه ابن أبي جمهور الإحسائي في عوالي اللآلي: 1/ 240، و نقله الشيخ الطوسي في العدّة: 1/ 265.

(2). الضمير يرجع إلى السعي في إعدام المفسدة. و في بعض النسخ: «فلا يكون» و على هذا، فالضمير يرجع إلى العمل المفهوم من سياق العبارة.

(3). في «أ»: و كلّ ذلك يمنع من النّهي.

91

التاسع: الإجزاء يعاقب الفساد، فإذا كان بالنهي ينتفي كون الشي‏ء شرعيّا، فالإجزاء لا يعلم إلّا شرعا، فليس بعد ذلك إلّا الفساد.

العاشر: لو لم يعقل من النهي الفساد، لم يكن التحريم دليلا عليه، و كان لا يعقل من قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ (1) فساد هذه الأنكحة و بطلانها.

الجواب عن الأوّل: إفادة الملك عن المعصية نعمة أيضا، فتناسب الشرعيّة، و يمنع الفساد في جميع المناهي الواردة، مع أنّه يجوز أن يكون الحكم عليه بالصحّة مناسبا للنهي، فإنّ زوال الملك عن البائع، لارتكابه المنهيّ عنه، أمر مناسب له.

و عن الثاني: ما تقدّم، من جواز كون الفساد لا من نفس المنهيّ عنه، بل لمنعه عن فعل مطلوب للشارع.

و عن الثالث: أنّ البيع وقت النّداء يوصف بأمرين:

أحدهما: أنّه غير مطابق لأمر اللّه تعالى.

و الثاني: أنّه سبب الملك، و القول بالأوّل إدخال في الدّين ما ليس منه، فكان ردّا، و أمّا الثاني فلا نسلّم أنّه ليس من الدين، حتّى يكون القول به ردّا، فإنّه نفس النزاع.

و أيضا، إنّما يكون مدخلا للفعل في الدّين، إذا اعتقد أنّه من الدّين، فإنّ الزّاني، و فاعل المباح لا يكون مدخلا للزنا و الفعل المباح في الدين، فلا يخلو إمّا أن يريدوا أنّ الفاعل لما نهي عنه مدخلا للفعل في الدين، أو لأحكامه، و الأوّل‏

____________

(1). النساء: 23.

92

باطل، فإنّ المزيل للنجاسة بالماء المغصوب، لا يعتقد أنّ ذلك من الدين، بل يعتقد أنّه بدعة.

و إن أرادوا الثاني، منعنا أنّه ليس من الدّين.

لا يقال: فحينئذ لو فعل الإنسان ذلك معتقدا أنّه من الدّين، لزم أن يكون مردودا عليه، فلا يثبت أحكامه.

لأنّا نقول: إنّما يجب أن يكون ردّا من الدّين، لا غير، و إنّما يكون كذلك، إذا جعلناه بخلاف ما اعتقده، كما لو قال انسان: «من رام الدخول إلى داري، فهو مردود» أفاد أنّه مردود من الدّار، (و لا يلزم عدم ثبوت أحكامه) (1).

و أجاب قاضي القضاة بوجوه: الأوّل: لفظ «الرّد» يفيد نفي استحقاق الثواب، لأنّ «الرّدّ» ضدّ «القبول»، و القبول يفيد استحقاق الثواب، فلفظ «الرّدّ» كالنهي، في اقتضاء القبح، و نفي استحقاق الثواب، و نحن نقول: إنّ المنهيّ عنه لا يستحقّ به الثواب.

الثاني: يجب أن نبيّن أنّ الحكم بإجزاء الفعل ليس من الدين، ثمّ نردّه، و هذا إنّما يتوجّه على من قال في استدلاله: «إنّ الإجزاء ليس من الدين»، لا إلى من قال: «إنّ الفعل نفسه ليس من الدّين».

ثمّ استدلّ بذلك على انتفاء أحكامه.

الثالث: النّهي أبلغ من لفظ «الردّ» لأنّ طاعات الكافر مردودة، و ليست منهيّا عنها، فإذا لم تظهر دلالة النّهي على الفساد، فلفظ «الردّ» أولى بذلك.

____________

(1). ما بين القوسين يوجد في «ج».

93

الرابع: هذا خبر واحد لا يصحّ التعلّق به في ذلك. (1)

و عن الرّابع: بالمنع من رجوع الصحابة إلى النهي في الفساد في الجميع، و لهذا حكموا في كثير من المنهيّات بالصحّة، فلا بدّ و أن يكون أحد الحكمين للقرينة، فعليكم الترجيح.

و هو معنا، لأنّا لو حكمنا بالفساد، لكان الحكم بعدمه في بعض الصور تركا للظاهر.

و لو قلنا: إنّه لا يقتضي الفساد، كان إثباته في البعض لدليل منفصل، لا يكون تركا للظاهر.

و عن الخامس: لا يلزم من دلالة الأمر على الإجزاء، دلالة النّهي على الفساد، لإمكان اشتراك الأشياء المتضادّة في الأحكام.

سلّمنا، لكن لما دلّ الأمر على الإجزاء، وجب أن لا يدلّ النّهي عليه، لا أن يدلّ على الفساد.

و عن السادس: ما تقدّم من أنّ النهي قد يكون لوصف عارض لا لفساد في الماهيّة.

و عن السابع: لا نسلّم انحصار طريق دلالة ثبوت الأحكام في الأمر، و الإيجاب، و الإباحة، فإنّه قد يقول: «نهيتكم عن البيع، و إذا بعتم على هذا الوجه، فقد ملكتم» أو بالعقل. (2)

____________

(1). نقل تلك الوجوه عن قاضي القضاة أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 175.

(2). أي قد يكون ثبوت الحكم أو إجزاء الفعل معلوما بالعقل.

94

و عن الثامن: بالمنع من الملازمة، و الأحكام تابعة لوجود الفعل أو لصحّته معا.

و عن التاسع: إن أردتم بأنّ النّهي ينفي كونه شرعيّا أنّه ينفي كونه مرادا، أو طاعة و قربة، فيصح، و إن أردتم نفي الأحكام الشرعيّة، فممنوع.

و إذا كان الإجزاء و الفساد لا يعلمان إلّا شرعا فيجب أن لا يستفيد أحدهما من مطلق الأمر.

لا يقال: إجزاؤه لا يعلم إلّا شرعا، و لا شرع فيه، فيكون فاسدا.

لأنا نقول: و فساده لا يعلم إلّا شرعا، و لا شرع فيه، فيكون صحيحا.

و الصّواب، التوقّف عن حكم بصحّة أو فساد على دليل مفصل.

و عن العاشر: أنّ مطلق التحريم لا يدلّ على الفساد، كما قلنا في النّهي، و إنّما علم فساد أنكحة الأمّهات، بغير وضع النهي في اللّغة، و على الجملة بدليل.

المبحث السابع: في مواضع من هذا الباب وقع فيها الخلاف‏

الأوّل: قال أبو عبد اللّه البصري‏ (1): المنهيّ عنه إذا كان متى فعل على الوجه المنهيّ عنه انتفى عنه شرط من شرائطه الشرعيّة، فإنّه يجب أن يفسد، كبيع «الغرر».

و متى لم ينتف عنه شرط من شرائطه الشرعيّة لم يفسد.

____________

(1). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

95

اعترضه أبو الحسين‏ (1): بأنّ الفساد يجب لو كان ذلك شرطا في صحّته، و لو لم يكن شرطا في صحّته، لم يجب فساده.

و لا فرق بين الشرط الشرعي و غيره، فلا معنى للتقييد بكونه شرعيّا.

و أيضا، إذا فسد لانتفاء شرطه الشرعي، فإن علمتم ذلك بظاهر النّهي، فقد سلّمتم أنّ ظاهر النهي يدلّ على الفساد، و إن علمتم بقرينة، فأخبرونا عن تلك القرينة، لتكونوا قد أشرتم إلى الفرق بين ما لا يدلّ على الفساد.

و إن قالوا: علمنا أنّ ذلك شرط في الصحّة بدليل غير النهي، نحو أن نعلم أنّ الوضوء شرط في الصلاة، ثمّ نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن الصّلاة بغير وضوء، فيعلم أنّها فاسدة بغير وضوء.

و قد أشار قاضي القضاة إلى ذلك.

قلنا: فحينئذ نعلم الفساد بما دلّ على أنّ الوضوء شرط في صحّتها، فإنّا إذا علمنا ذلك، علمنا فساد الصلاة إذا لم يكن الوضوء، سواء نهينا عن الصّلاة بغير وضوء، أو لا.

الثاني: المنهيّ عنه الفاسد هو ما توصّل به إلى تحليل محرّم في الأصل، كأكل الميتة، و استحلال الفروج، و غير الفاسد ما لم يكن وصلة إلى محرّم في الأصل، و هذا باطل، فإنّ مرادهم إن كان أنّ الحرام صار به حلالا على التحقيق، فهو مناقضة، لأنّه إذا صار به حلالا، فهو صحيح غير فاسد، إذ لا معنى لكون الوصلة صحيحة، إلّا أنّها وصلة إلى تحليل هذا المحرّم من الفروج.

____________

(1). المعتمد: 1/ 179.

96

ثمّ هنا أمور نهي عنها، و هي وصلة إلى تحليل ما كان حراما، و هي غير فاسدة كبيع حاضر لباد، هو منهيّ عنه، و قد صار به ملك الغير حلالا للمشتري.

و إن أرادوا بذلك انّه إذا توصّل بالمنهيّ عنه إلى تحليل ما هو حرام في نفسه، فلا يجوز (1) أن يصير حلالا، لزم تعليل الشّي‏ء بنفسه، لأنّ معنى كون هذه الوصلة المنهيّ عنها فاسدة، كونها لا توصل إلى تحليل هذا المحرّم، فكأنّهم قالوا: إنّما لم يوصل إلى إباحة هذا المحرّم، لأنّه لا يوصل إلى إباحته.

الثالث: النهي عن الفعل إذا كان لمعنى يختصّه اقتضى فساده، كبيع الغرر، و إذا لم يكن لمعنى يختصّه، لم يقتض فساده، كالبيع وقت النّداء، و هو باطل، فإنّ المقتضي للفساد، هو فقد شرط من شرائط الصحّة، و لا يمتنع أن يرجع ذلك تارة إلى الشي‏ء المنهيّ عنه، كما لا يمتنع أن يرجع إلى غيره، فإنّ بيع المحجور عليه منهيّ عنه، لمعنى في العاقد لا في العقد، و مع ذلك فهو فاسد.

لا يقال: ما يختص بالعاقد و المعقود عليه، يتعلّق بالعقد، و يرجع إليه.

لأنّا نقول: فيجب أن يفسد بيع حاضر لباد، لأنّ النّهي عن ذلك، إنّما كان لمعنى في المتعاقدين.

الرابع: قال بعضهم: ما نهي عنه لحقّ الغير لا يفسد، و ما نهي عنه لشرط شرعيّ، فإنّه يفسد. و هذا باطل، لأنّ الإنسان قد نهي عن بيع ملك غيره، لحقّ ذلك الغير، فإنّه لو أذن فيه، جاز، و مع ذلك يفسد العقد لو لم يأذن.

و يدخل في هذه الصّلاة في الدّار المغصوبة فقال جلّ الفقهاء، و أبو

____________

(1). في «ج»: لا يجوز.

97

اسحاق النظام‏ (1): إنّ الصّلاة مجزئة، مسقطة للفرض. و منع الجبائيّان، و الإماميّة، و الظاهريّة، و الزيديّة من ذلك، لما تقدّم.

و لأنّ صحّة الصّلاة إمّا أن يراد بها أنّها داخلة تحت التعبّد، أو أنّها تقوم مقام ما يدخل تحت التعبّد، و الأوّل باطل، لاستحالة التعبّد بالنّسخ، و الثاني يكفي في نفيه أن لا يدلّ دليل على أنّها تقوم مقام ما يدخل تحت التكليف و إذا لم يدلّ دليل على ذلك، و لا هي داخلة تحت التّكليف، وجب إعادتها لبقاء التّعبّد.

و على هذا التقرير، لا يجوز صلاة من ستر عورته بثوب مغصوب، و عليه المعتزلة، و اختلفوا في سترها بثوب مملوك إذا لبس فوقه ثوبا مغصوبا، فجوّزها بعضهم، لأنّ فعله في الثوب الأعلى، ليس من الصّلاة.

و منعها آخرون، لأنّ قيامه و قعوده تصرّف في كلا الثوبين.

و هو الحقّ عندي.

و قالت المعتزلة أيضا: إنّ المودع أو الغاصب إذا طولب بردّ الوديعة و الغصب، فتشاغل بالصّلاة مع اتّساع الوقت، لا تصحّ صلاته، و إن ضاق الوقت بحيث يخاف الفوت لو تشاغل بالردّ لم تبطل إن لم يتضرّر المالك بالتأخير ضررا شديدا، و إن تضرّر بطلت.

و كذا قالوا: لو صلّى و هو يرى من يغرق، أو يهلك بنار، و يرجو تخليصه بطلت.

____________

(1). هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو اسحاق النظّام من أئمة المعتزلة، و انفرد بآراء خاصّة تابعته فرقة من المعتزلة سمّيت «النظاميّة» نسبة إليه، و توفّي سنة 231 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 1/ 43.

98

و هو حقّ، لقبح الصلاة في هذه المواطن أجمع.

أمّا إيمان الغاصب في الدار المغصوبة، فإنّه حقّ و طاعة، لأنّ ذلك ليس تصرّفا في الدار، (1) فلا يكون قبيحا، و كذا لو منع من الخروج عن الدّار الّتي غصبها، فإنّ صلاته صحيحة، لأنّه مع المنع ينتفي تحريم القعود، و إذا جاز له القعود، صحّت صلاته.

و كذا لو صلّى في ملكه، و قبض يده على رجل فمنعه من التصرّف، لأنّ ذلك و إن كان قبيحا، فليس من الصّلاة.

قالوا: و الذّبح بسكّين مغصوبة لا يقتضي تحريم الذّبيحة، لأنّ الذبح منهيّ عنه، و قبيح، إلّا أنّه لمّا كان وصلة إلى إباحة اللّحم كان كالبيع الّذي هو وصلة إلى إباحة التصرّف، و النهي لا يدلّ على فساد مثل ذلك، لأنّه نهي عنه لقبحه في نفسه، لا لأنّه وصلة إلى إباحة اللحم.

و لو كان الذّبح ممّا يتعبّد به، فكذلك، (2) لأنّا إذا علمنا انّ الغرض بالذّبح التصدّق باللّحم، و علمنا أنّ اللحم يصير مباحا بالذّبح بسكّين مغصوبة، جاز التصدّق به.

و الماء المغصوب، إذا أزيل به النجاسة، و السّكين المغصوبة إذا وقع بها الختان، كالمملوك في إزالة النجاسة و إزالة ذلك القدر من اللّحم، فلم يبق بعد إزالتها و بعد ما يجب قطعه في الختان، شي‏ء، يتوجّه الأمر إليه فيمتثل.

____________

(1). لأنّ الإيمان و الاعتقاد قائم بالنّفس و لا يعدّ تصرّفا في المغصوب.

(2). أي لو كان الذبح ممّا يقصد به الإنسان أمرا قربيّا كما إذا ذبح لغرض التصدق، فهو أيضا كذلك أي لا تضر مغصوبيّة السكّين بالغرض المنشود.

99

قالوا: و الصّوم في شهر رمضان، مع الخوف على النّفس، يسقط به الفرض، لأنّه لم يوجد عليه في الصوم أفعال، و إنّما أخذ عليه الكفّ عن المفطرات. (1)

و ليس بجيّد عند الإماميّة، لأنّه قد أخذ عليه فعل نيّة الصوم، و من حقّها أن تكون طاعة. و كلّف الكفّ عن هذه الأفعال، و من حقّ الكفّ عنها أن يكون طاعة حتّى يكون صوما.

و الكفّ مع الخوف على النّفس معصية و كلّف أن ينوي الصوم، و في ضمن كونه صوما كونه طاعة، فإذا كان الصّوم معصية، لم يمكن أن ينوي به الطاعة.

لا يقال: نيّة الصوم لا يدخل في ضمنها نيّة الطاعة، و لا من حقّ الصوم أن يكون طاعة.

لأنّا نقول: نمنع ذلك، لأنّه يجب أن يوقعه متقرّبا به إلى اللّه تعالى.

و أيضا، يلزمكم مثله في الصّلاة.

و ادّعاء الإجماع في أحدهما، كادّعائه في الآخر.

و قد سأل المعتزلة أنفسهم فقالوا: كما لم يبق بعد إزالة النجاسة بالماء المغصوب نجاسة تزال، فلم لا يقال مثله في الصّلاة في الدار المغصوبة، و إن كانت قبيحة، فإنّها تقوم مقام الصّلاة الواجبة في المصلحة، فلا يبقى بعدها مصلحة.

____________

(1). لاحظ المعتمد: 1/ 184.

100

و أجاب قاضي القضاة: بأنّ الأمّة أجمعت بأنّ الّذي يسقط فرض الصّلاة، هو ما دخل تحت التكليف، و لهذا لمّا كانت الصّلاة بغير طهارة، غير داخلة تحت التكليف، لم تقم مقام الواجب، و الصّلاة في الدار المغصوبة، لم يدخل تحت التكليف. (1)

قال السيّد المرتضى: تصحّ الصّلاة في الضّيعة المغصوبة، لقضاء العادة بأنّ صاحبها لا يحظر على أحد الصلاة فيها، و التّعارف كالإذن و كذا من ليس بغاصب لو دخل الدّار مجتازا، للعادة بانّ النّاس يسوغون الصلاة لغير الغاصب.

امّا من صلّى و هو يدافع الأخبثين، فإنّ صلاته صحيحة، لأنّ وجه النهي تأثير المدافعة في التثبّت، و الخشوع، و الطمأنينة الكاملة، و نحن نعلم صحّة الصّلاة و إن فقدت هذه، و قد يدافع الأخبثين، و يتصبّر على أداء ما يجب عليه.

ثمّ قال: الإيمان إذا جعلناه اعتقادا بالقلب، أو قولا باللسان، صحّ في الدّار المغصوبة، لأنّه لا تعلّق له بالدّار على كلا التفسيرين، بخلاف الصلاة، حيث كان غاصبا و متصرّفا في ملك غيره‏ (2).

و فيه نظر، فإنّ الإيمان إذا جعلناه إقرارا باللّسان، كان تصرّفا في ملك الغير بإحداث كونه في بعض أعضائه، و هو منهيّ عنه، و لزمه تجويز صلاة المومي بإخفائه لشدّة مرضه.

____________

(1). لاحظ المعتمد: 1/ 185.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 194- 195.

101

المبحث الثّامن: في أنّ النهي هل يدلّ على الصحّة أم لا؟

نقل أبو زيد عن أبي حنيفة و محمد بن الحسن: أنّ النهي يدلّ على الصحّة. (1)

و خالفهما جماهير المعتزلة و الأشاعرة.

احتجّ الجمهور بوجهين:

الأوّل: لو دلّ النهي على الصحّة

، لدلّ إمّا بلفظه أو بمعناه، و التالي بقسميه باطل، فالمقدّم مثله، و الشرطيّة ظاهرة.

و بيان بطلان التالي: أنّ الصحّة عبارة عن ترتّب أحكام الفعل عليه، و النّهي لغة إنّما يدلّ على طلب ترك الفعل، فلا إشعار له بغير ذلك نفيا و لا إثباتا بشي‏ء من الدّلالة (2).

الثاني: أجمعنا على وجود النهي من غير صحّة

، كما في بيع الملاقيح و المضامين، و حبل الحبلة، (3) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «دعي الصّلاة أيّام‏

____________

(1). نقله الآمدي في الإحكام: 2/ 325.

(2). في «ب»: من الدلالتين.

(3). نقله الهيثمي في مجمع الزوائد: 4/ 104.

قال ابن الأثير في جامع الأصول: 1/ 411:

كان أهل الجاهليّة يبتاعون لحوم الجزور إلى «حبل الحبلة» و حبل الحبلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل الّتي نتجت، فنهاهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن ذلك.

102

أقرائك» (1) و قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ‏ (2).

فلو كان النّهي يدلّ على الصحّة، لزم صحّة هذه المنهيّات، و ليس كذلك بالإجماع، أو وجود الدّليل من غير وجود مدلوله، و هو خلاف الأصل.

احتجّا بأنّ المنهيّ عنه إمّا الشرعي أو غيره، و الثاني باطل، أمّا أولا، فلأنّ الألفاظ الموضوعة إذا أطلقت، إنّما يراد بها ما وضعت له ظاهرا، سواء كان الوضع من اللّغة، أو الشرع، أو العرف، و لهذا إذا أطلق الشّارع لفظا، و كان قد وضعه لمعنى، حملناه على متعارفه الشرعيّ‏ (3) و ألقينا غيره من اللّغة و العرف.

و أمّا ثانيا، فلأنّا نعلم أنّه لم ينه في صوم يوم النحر عن الإمساك المطلق، و لا في نكاح الأمّهات عن الالتقاء (4) و كذا باقي الألفاظ، فلم يبق النهي متوجّها إلّا إلى الشرع، فنقول: ذلك المعنى الشرعي، إمّا أن يمكن تحقّقه أو لا، و الثاني باطل، و إلّا لزم تكليف ما لا يطاق فثبت الأوّل.

و إذا أمكن تحقّق الصّوم الشرعيّ في يوم النحر، ثبت المطلوب، فإنّ الشرعيّ هو الصّحيح المعتبر في نظر الشارع، فالنهي عن صوم يوم النحر يدلّ على انعقاده، إذ لو استحال انعقاده لما نهي عنه، فإنّ المحال كما لا يؤمر به، كذا لا

____________

و قال ابن زهرة في الغنية- قسم الفروع- ص 212:

نهى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن بيع «حبل الحبلة» هو نتاج النتاج، و عن بيع «الملاقيح» و هو ما في بطون الأمّهات، و عن بيع «المضامين» و هو ما في أصلاب الفحول.

(1). الوسائل: 2/ 538، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 4.

(2). النساء: 22.

(3). في «ب»: الشرعيّة.

(4). في «ب»: عن الاكتفاء.

103

ينهى عنه، فلا يقال للأعمى: «لا تبصر» كما لا يقال له: «أبصر» و النّهي عن الرّبا يدلّ على انعقاده.

و أجيب عنه بوجوه:

الأوّل: المنع من وجود عرف الشرع في هذه الأسماء. (1)

و ليس بجيّد، لما بيّنا، من ثبوت الحقائق الشرعيّة.

الثاني: سلّمنا أنّ له عرفا، لكن في الأوامر، و النواهي ممنوع، و على هذا، فالنّهي إنّما هو عن التصرّف اللّغوي دون الشرعي. (2)

و ليس بجيّد، فانّا قد بيّنا أنّ النّهي لم يقع في هذه المنهيّات عن اللّغوي، بل عن الشرعي، فإنّ الحائض لم تنه عن الصلاة اللّغويّة، لجواز أن تدعو إجماعا.

الثالث: نمنع أن يكون عرف الشرع البيع المنعقد، بل ما يمكن صحّته، فيحمل عليه جمعا بين الأدلّة، و لا يلزم من كون التصرّف ممكن الصّحّة وقوع الصّحّة (3).

و ليس بجيّد، فإنّ ممكن الصّحّة، إنّما هو الصحيح، إذ ما لا صحّة فيه شرعا، لا يمكن صحّته شرعا.

الرّابع: ما ذكرتموه يقتضي صرف النهي عن ذات المنهيّ عنه إلى غيره، فإنّه لو كان منهيّا عنه في عينه، استحال أن يكون عبادة منعقدة، و مطلق النّهي عن‏

____________

(1). الأجوبة الثلاثة للآمدي في الإحكام: 2/ 326.

(2). المصدر السابق.

(3). المصدر السابق.

104

الشي‏ء، يدلّ على النّهي عن عينه، إلّا أن يدلّ دليل، فلا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة.

و ليس بجيّد، لدلالة ما قلناه على صرف النهي إلى غيره.

الخامس: لو كانت الصّلاة عبارة عن الصحيحة، لدخل الوضوء و غيره في مسمّاها، و التالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله. (1)

و ليس بجيّد، فإنّ الشرط ليس جزءا من المسمّى، و لو قيّدنا الصّلاة بالصّحيحة، لم يدخل الوضوء فيها، و لا غيره من الشرائط، فكذا مع الإطلاق.

السادس: النقض بالمناهي المذكورة كبيع الملاقيح، و المضامين، و صلاة الحائض.

أجيب‏ (2) بأنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «دعي الصّلاة أيّام أقرائك» (3) و قوله تعالى‏ وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ‏ (4) حمل فيه الصّلاة، و النكاح، على المعنى اللّغوي، على خلاف الوضع، لدليل دلّ عليه.

و قوله: «لا صلاة إلّا بطهور» نفي لا نهي.

السابع: يجوز حمل النّهي على النسخ، كما إذا قال للوكيل: «لا تبع» فإنّه و إن كان نهيا في الصّيغة، لكنّه نسخ في الحقيقة.

و بالجملة، فالمسألة لا تخلو من تعسّف.

____________

(1). لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 32، قسم المتن.

(2). في «أ» و «ج»: إحسانا «بدل» أجيب.

(3). الوسائل: 2/ 538، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 4.

(4). النساء: 22.