نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
105

المبحث التاسع: في التخيير في النهي‏

فصّل أبو الحسين هنا جيّدا، (1) فقال:

النّهي عن الأشياء إمّا أن يكون نهيا عنها على الجمع، أو عن الجمع بينها، أو نهيا عنها على البدل، أو نهيا عن البدل‏ (2) فالأقسام أربعة:

الأوّل: النهي على الجمع، بأن يقول الناهي للمخاطب: «لا تفعل هذا و لا ذاك» و يوجب عليه الخلوّ عنهما أجمع.

و تلك الأشياء، قسمان:

الأوّل: أن يمكن الخلوّ عنها أجمع، فيصحّ النهي، الثاني: أن يمنع فيصحّ، إلّا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق.

و لا فرق بين أن يكون النّهي إيجابا للخلوّ من الشي‏ء و نقيضه، أو منه و من ضدّه إذا لم يكن هناك ضدّ غير المنهيّ عنها.

الثاني: النهي عن الجمع، مثل: «لا تجمع بين كذا و كذا» فإن كان الجمع ممكنا جاز النّهي إجماعا إلّا أن يكون ملجأ إلى الجمع بينهما، فلا يحسن نهيه.

و إن لم يكن الجمع ممكنا، استحال النّهي عنه، لأنّه عبث، إلّا عند من جوّزه كالأشعريّة.

الثالث: النهي على البدل، مثل: «لا تفعل هذا إن فعلت ذاك» أو «لا تفعل‏

____________

(1). لاحظ المعتمد: 1/ 169.

(2). النسخ هنا مشوّشة، صحّحنا المتن على المصدر.

106

ذلك إن فعلت هذا» بأن يكون كلّ واحد منهما مفسدة عند الآخر، و هو يرجع إلى النهي عن الجمع بينهما.

الرابع: النهي عن البدل، و يفهم منه أمران:

الأوّل: أن ينهى [الإنسان‏] عن أن يفعل شيئا، و يجعله بدلا عن غيره، و ذلك يرجع إلى النّهي عن أن يقصد به البدل، فهو غير ممتنع.

الثاني: أن ينهى عن أن يفعل أحدهما دون الآخر، بل يجمع بينهما، و هو قبيح إن تعذّر الجمع، و حسن مع إمكانه و امكان الإخلال به.

و اعلم أنّ جماعة من المعتزلة، جوّزوا إمكان خلوّ المكلّف من الأفعال أجمع، كالمستند، و المستلقي، و كانت الأكوان باقية، و الباقي مستغن عن المؤثّر، فحينئذ أمكن قبح جميع أفعال جوارحه، فجاز تناول النهي لها أجمع.

أمّا إذا كانت الحال حالا لا يصحّ خلوّه فيها من الأفعال، فلا يمكن قبح جميعها، و إلّا لزم أن لا ينفكّ من القبيح، و أن يكون معذورا فيه.

و قد يصحّ أن يقبح منه كلّ أفعاله على وجه، و يحسن على آخر، فمن دخل زرع غيره على سبيل الغصب، فله الخروج بنيّة التخلّص، و ليس له التصرّف بنيّة الفساد، و يصحّ أن يقبح بعض تصرّفه على كلّ حال.

و النهي عن ضدّين على الجمع يقبح من حيث يستحيل وجودهما معا، فلا يقع من حكيم.

قال السيد المرتضى: و اعلم أنّه غير ممتنع في فعل أن يقبح لكون ما يسدّ مسدّه معدوما، كما لا يمتنع أن يكون صلاحا إذا كان غيره معدوما، فغير ممتنع‏

107

على هذه الجملة أن ينهى الحكيم عن فعلين مختلفين على التخيير و البدل، بأن يقبح كلّ واحد منهما بشرط عدم الآخر، فلا يمكن القول بقبحهما جميعا على الإطلاق، لأنّ الاشتراط الّذي ذكرناه يقتضي أنّهما متى وجدا لم يقبح واحد منهما، و متى وجد أحدهما قبح لا محالة.

فالنّهي عن المختلفين- إذا صحّ ما ذكرناه- على سبيل التخيير صحيح جائز و ليس يجري المختلفان في هذا الحكم، مجرى الضّدّين، لأنّ كلّ واحد من الضّدّين متى وجد، وجب عدم الآخر، و ما يجب (لا محالة) (1) يبعد كونه شرطا في قبحه، و هذا في المختلفين أشبه بالصّواب، و كذا المتماثلان. (2)

و اعلم أنّ بعضهم منع من تحريم أحد الأمرين لا بعينه، و هو خطأ لإمكانه، مثل: «لا تكلّم زيدا أو عمرا فقد حرّمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، و لست أحرّم عليك الجميع، و لا واحدا بعينه».

و هذا أمر معقول لا شكّ فيه.

احتجّ: بأن «أو» في النّهي للجمع دون التخيير، كقوله تعالى: وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (3).

و ليس بشي‏ء، لأنّ التّعميم هنا من خارج، لا من الآية.

____________

(1). ما بين القوسين يوجد في المصدر.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 178- 179.

(3). الإنسان: 24. قال القرّافي في نفائس الأصول: 2/ 419: و نقل عن المعتزلة احتجاجهم بقوله تعالى‏ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً فالواجب ترك الجميع، و أجاب بأنّ ذلك من الإجماع لا من اللّفظ.

108

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

109

المقصد الخامس: في العموم و الخصوص‏

و فيه أبواب‏

[الباب‏] الأوّل: في العموم‏

و فيه فصلان:

الفصل الأوّل في ألفاظه‏

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في تعريفه‏

قال أبو الحسين: العامّ كلام مستغرق لجميع ما يصلح له، لأنّه المعقول من كون الكلام عامّا، فإنّ قولنا: «الرّجال» عامّ من حيث استغرق جميع ما يصلح له، و كذا لفظة «من» في الاستفهام، فإنّها تستغرق كلّ عاقل.

و لا يرد التثنية، مثل «رجلان» و لفظ العدد ك «ثلاثة رجال» فإنّ ذلك لا

110

يستغرق كلّ ما يصلح له، فإنّه يصلح لهذين الرّجلين، و لهذين الآخرين، و كذا «ثلاثة» يصلح لكلّ ثلاثة من الرّجال، و لا يستغرقها أجمع.

و لفظ النكرة، عامّ على البدل، فلا يتناوله الحدّ من حيث الجمع، و يتناوله من حيث البدل، لأنّه يتناول كلّ رجل على البدل.

قال: و قد زاد قاضي القضاة ما احترز به عن التثنية و الجمع، فقال:

[العموم‏] لفظ مستغرق لجميع ما يصلح له في أصل اللّغة من غير زيادة، فإنّ التثنية و الجمع، إنّما يكونان بزيادة تدخل على الواحد.

و اعترضه أبو الحسين: بأنّه ينتقض بالعدد، فإنّ قولنا: «عشرة» تستغرق آحادها بلا زيادة.

و أيضا، يخرج منه اسم الجنس، إذا دخله اللّام، مثل: الرّجل و «الرّجال» فإنّ لام الجنس زيادة دخلت على الاسم‏ (1).

(و فيه نظر، فإنّ العشرة و إن استغرقت أجزاءها إلّا أنها لا تستغرق جزئيّاتها، و لا فرق بين العشرة و كلّ لفظ يدلّ على معنى مركّب، و الغالب استعمال الزيادة في أجزاء الجملة) (2).

و اعترض‏ (3) على أبي الحسين في حدّه بوجوه:

____________

(1). المعتمد: 1/ 189- 190.

(2). ما بين القوسين يوجد في «ج».

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2/ 327، و محمد بن محمود العجلي الأصبهاني في الكاشف عن المحصول: 4/ 215- 216.

111

الأوّل: أنّه عرّف العامّ بالمستغرق، و هو مرادف، و ليس المراد تعريف اللّفظ.

الثاني: أنّه غير مانع، لدخول «ضرب زيد عمرا»، فإنّه لفظ مستغرق لجميع ما هو صالح له، و ليس بعامّ.

الثالث: يدخل فيه «عشرة».

و فيه نظر، للمنع من الترادف في العامّ، و المستغرق.

و قولنا: ضرب زيد عمرا، جملة من المحدود و المفرد.

و عشرة، و إن استغرقت آحادها، لكنّها لا تستغرق كلّ عشرة، فهي بمنزلة رجل و رجال.

و قال السيّد المرتضى: العموم ما تناول لفظه شيئين فصاعدا (1).

و ينتقض بالمثنّى و الجمع المنكّر، و أسماء العدد، إلّا أن يجعلها عامّة بالنّسبة إلى ما يندرج تحتها.

و قال الغزّالي: العامّ اللّفظ الواحد الدالّ من جهة واحدة على شيئين فصاعدا، و احترزنا بقولنا: «من جهة واحدة» عن قولهم: ضرب زيد عمرا، و عن قولهم: ضرب زيد و عمرو (2) فإنّه قد دلّ على شيئين، لكن بلفظين لا بلفظ واحد، و من جهتين لا من جهة واحدة. (3)

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 197.

(2). في المصدر: ضرب زيدا و عمرا.

(3). المستصفى: 2/ 106.

112

و اعترض‏ (1) بخروج «المعدوم»، و «المستحيل»، لأنّ مدلولهما ليس بشي‏ء، و «الموصولات»، لأنّها ليست بلفظ واحد.

و يدخل فيه المثنّى و أسماء العدد، فإنّ عشرة ليست عامّة، و هي مع اتّحادها تدلّ على شيئين فصاعدا.

و قيل‏ (2): العام هو اللفظ الواحد الدالّ على مسمّيين فصاعدا مطلقا معا.

فقولنا: «اللفظ» و إن اشترك بين العامّ و الخاصّ إلّا أنّه يفيد اختصاص العموم بالألفاظ، لكونه من عوارضها.

و قولنا: «الواحد» احتراز عن مثل «ضرب زيد عمرا».

و قولنا: «الدّالّ على مسمّيين» ليندرج تحته الموجود و المعدوم، و يخرج عنه المطلق، كرجل و درهم، و أسماء الأعلام، فإنّ النّكرة و إن صلحت لكلّ واحد، إلّا أنّها لا تتناول الجميع معا، بل‏ (3) على البدل.

و قولنا: «فصاعدا» احتراز عن اثنين.

و قولنا: «مطلقا» احتراز عن «عشرة» و «مائة» و نحوهما، و لا حاجة إلى قولنا: «من جهة» واحدة في الاحتراز به عن المشتركة و المجازيّة.

أمّا من يعتقد العموم فيهما، فلا يكون الحدّ مع هذا القيد جامعا.

____________

(1). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2/ 327.

(2). القائل هو الآمدي في الإحكام: 2/ 328.

(3). في «ب»: يقابل.

113

و أمّا من لا يعتقده، فلأنّ المشترك غير دالّ على مسمّياته معا، بل على طريق البدل، و كذا الحقيقة و المجاز.

و في الحدّ، ما يمنع النقض بهما، و هو قولنا: «الدالّ على مسمّيين معا» (1).

و قيل‏ (2): «ما دلّ على مسمّيات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة».

فقولنا: «اشتركت فيه» ليخرج به نحو «عشرة» و «مطلقا» ليخرج المعهودون، و «ضربة» ليخرج نحو «رجل».

و فيه نظر، فإنّه تعريف بالأخفى، و مع ذلك فهو دوريّ‏ (3) لأنّ قوله: «مسمّيات» إن عنى به أنّها مسمّيات باسم العامّ، فهو خطأ، و إن عنى به مطلق التسمية، دخل فيه نحو عشرة، و لا يخرج بقوله «باعتبار أمر اشتركت فيه» فإنّ العشرة دلّت على مسمّيات باعتبار أمر اشركت فيه، و هو الانضمام.

و قال فخر الدين الرازي: هو اللّفظ المستغرق لجميع ما يصلح بحسب وضع واحد، فإنّ الرّجال مستغرق لجميع ما يصلح له، و لا يدخل عليه النكرات، لعدم الاستغراق، و كذا التثنية و الجمع، لصلوحهما لكلّ‏

____________

(1). الإحكام للآمدي: 2/ 328.

(2). القائل هو ابن الحاجب، لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 61، قسم المتن.

(3). في «أ» و «ب»: فهو رديّ.

114

رجلين و لكلّ ثلاثة، و لا ألفاظ العدد، لعدم استغراق الخمسة كلّ خمسة.

و خرج «بحسب وضع واحد» المشترك و الحقيقة و المجاز، فإنّ عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا. (1)

و فيه نظر، فإنّ المشترك لا يستغرق جميع ما يصلح له، و كذا الحقيقة و المجاز.

و قيل‏ (2): انّه اللّفظة الدالّة على شيئين فصاعدا، من غير حصر، فخرج باللفظة، المعاني العامّة، و الألفاظ المركّبة، و بالدالّة: الجمع المنكّر، فإنّه يتناول جميع الأعداد على وجه الصلاحيّة، لا الدّلالة و على شيئين عن النكرة المنفيّة و من غير حصر أسماء الأعداد.

و فيه نظر، فإنّ الجمع المنكّر يدلّ على شيئين فصاعدا، من غير حصر، و دلالته على جميع الأعداد على وجه الصّلاحية لا يخرجه عن دلالته على شيئين فصاعدا.

و الأقرب: أنّ العامّ هو اللّفظ الواحد المتناول بالفعل لما هو صالح له بالقوّة، مع تعدّد موارده.

فخرج بالواحد، نحو ضرب زيد عمرا، و بالباقي النكرة، و مع تعدّد موارده، الدالّ على معنى واحد.

____________

(1). المحصول في علم الأصول: 1/ 353.

(2). كذا في المحصول للرازي من غير أن يعيّن قائله. لاحظ المحصول: 1/ 353.

115

و لا ينتقض بأسماء العدد، لتناولها لما لا يتناهى من مراتبها (1) قوّة و عدمه فعلا.

المبحث الثاني: في معروضه‏

اختلف الناس في أنّ العموم هل هو من عوارض المعاني، بعد اتّفاقهم على أنّه من عوارض الألفاظ حقيقة؟

فقال قوم- و هم الأكثر-: إنّه ليس حقيقة فيها، و هو اختيار أبي الحسين البصري‏ (2) و الغزالي‏ (3) و السيّد المرتضى‏ (4) و جماعة من المحقّقين.

و قال الأقلّ: إنّه حقيقة فيها.

و الذين منعوا الإطلاق حقيقة اختلفوا في الإطلاق مجازا، فنفاه قوم، و أثبته آخرون.

لنا: أنّه لو كان حقيقة في المعنى لاطّرد، و التالي باطل فالمقدّم مثله.

و الشرطيّة ظاهرة، لكونها من علامات الحقيقة.

و أمّا بطلان التّالي فظاهر إذ لا يوصف شي‏ء من المعاني الخاصّة الواقعة في امتداد الإشارة إليها، كزيد و عمرو، بكونه عامّا لا حقيقة و لا مجازا. (5)

____________

(1). في «ب»: من معانيها.

(2). المعتمد: 1/ 189.

(3). المستصفى: 2/ 106.

(4). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 200.

(5). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 330.

116

و فيه نظر، فإنّا لم نجعل العموم من عوارض كلّ معنى، حتّى ينتقض بمثل زيد و عمرو، بل جعلناه عارضا لكلّ كليّ ذي أفراد متعدّدة، فلا يرد ما ذكرتموه نقضا.

و أيضا، فإنّ أسماء هذه المعاني لا يعرض لها العموم حقيقة و لا مجازا، فإن كان عدم اطّراده في المعاني يبطل عروضه لها حقيقة كان عدم اطّراده في الألفاظ يبطل عروضه لها حقيقة، كان عدم اطّراده في الألفاظ، يبطل عروضه لها حقيقة أيضا.

و احتجّ المثبتون: بأنّ أهل اللّغة أطلقوا إطلاقا شائعا: عمّ العطاء، و الإنعام، و الخصب، و الخير، و المطر و غيرها، و هذه الأمور من المعاني، لا من الألفاظ، و الأصل في الإطلاق الحقيقة.

أجيب: بأنّ من لوازم العامّ أن يكون متّحدا، و مع اتّحاده متناولا لأمور متعدّدة من جهة واحدة. و العطاء الحاصل لزيد، غير الحاصل لعمرو، و كذا المطر و غيره، بخلاف اللفظ الواحد كالإنسان، و حقيقة عموم المطر و الخصب أن يكون بجملته حاصلا لكلّ واحد منهم، و هو مستحيل بل جملة المطر يحصل بجملة النّاس و أجزاؤه لأجزائهم.

أمّا لفظ «المشركين»، فإنّ تناوله لهذا و لهذا على حدّ واحد، و ليس يتناول جزء منه لشخص و جزء منه لآخر، و ليس في الوجود فعل واحد هو عطاء، و تكون نسبته إلى زيد و عمرو واحدة، و إن كانت حقيقته‏ (1) واحدة في العقل‏ (2).

____________

(1). أي حقيقة الوجود.

(2). في «ب» و «ج»: الفعل.

117

و كذا الرّجل، له وجود في الأعيان و في الأذهان و في اللّسان.

فالعينيّ‏ (1) لا عموم فيه، إذ ليس في الوجود رجل مطلق، بل إمّا زيد، و إمّا عمرو، و ليس يشملهما شي‏ء واحد، و هو الرجوليّة.

و أمّا في اللسان، فلفظ الرّجل قد وضع للدلالة، و نسبته إلى زيد و عمرو في الدّلالة واحدة، فيسمّى عامّا باعتبار نسبة دلالته إلى المدلولات.

و أمّا الذهنيّ، فالرّجل يسمّى كليّا من حيث إنّ العقل إذا شاهد صورة زيد استفاد معنى الرّجل، فإذا رأى عمرا لم يستفد منه صورة أخرى، و كان ما أخذه أوّلا نسبته إلى عمرو المتحدّد كنسبته إلى زيد الأوّل، فهذا معنى كليّته، و يجوز أن يسمّى عامّا بهذا الاعتبار، من حيث إنّه متّحد و مطابق لماهيّته لمعاني الجزئيّات المندرجة تحته، من جهة واحدة، كمطابقة اللّفظ العامّ لمدلولاته.

و إذا كان عروض العموم للفظ (العامّ لموازاته) (2) إنّما كان لمطابقته مع اتّحاده للمعاني الدّاخلة تحته من جهة واحدة، فهذا بعينه متحقّق في المعاني الكليّة بالنسبة إلى جزئيّاتها، (3) فصحّ إطلاق العموم عليها، لكن بنوع من المجاز.

____________

(1). أي وجوده في الأعيان.

(2). ما بين القوسين يوجد في «ج».

(3). في «ج»: إلى أجزائها.

118

المبحث الثالث: في الفرق بين المطلق و العامّ‏

اعلم أنّ كلّ شي‏ء متحقّق‏ (1) في الأعيان أو متصوّر في الأذهان، فإنّ له ماهيّة و حقيقة يتميز بها عما عداه، و يكون هو بها ما هو، لا يشاركه فيها غيره.

ثمّ تلك الحقيقة، يعرض لها عوارض، و تتّصف بأمور، و تلك العوارض و الأمور غير داخلة في الحقيقة، بل خارجة عنها، و المفهوم من تلك الحقيقة، يكون مغايرا للمفهوم من تلك الأمور، سواء كانت تلك الأمور من اللوازم، أو من العوارض المفارقة، و سواء كانت إيجابا أو سلبا.

فإذا تقرّر هذا فنقول: المطلق هو اللّفظ الدالّ على تلك الحقيقة من حيث هي هي، لا باعتبار كونها واحدة أو كثيرة، أو عامّة أو خاصّة، بل و لا من حيث هي مجرّدة عن تلك الاعتبارات، فإنّ اعتبار تجرّدها مغاير لاعتبارها من حيث هي هي.

فالإنسان، من حيث هو إنسان، لا واحد، و لا كثير، و لا عامّ، و لا خاصّ، بل صالح لعروض أيّ هذه الأمور فرض.

فالحيوان إذا أخذ من حيث هو، كان مطلقا و إذا أخذ باعتبار عروض العموم، كان عامّا ان لم تكن الكثرة معيّنة، و كانت شاملة، و إن كانت معيّنة، فهو اسم العدد، و إن لم تكن معيّنة و لا شاملة، فهو الجمع المنكّر، فإذن العامّ أخصّ من المطلق.

____________

(1). في «أ»: محقّق.

119

و الفرق بينهما، فرق بين أخذ الماهيّة صالحة للعروض و أخذها مع العروض.

و الفرق بين المطلق و النكرة، ظاهر، فإنّ المطلق هو اللّفظ الدّالّ على الماهيّة، لا باعتبار الوحدة، و لا الكثرة، و إن كانت لا تنفكّ عنهما.

و النكرة لفظ دالّ على الماهيّة بقيد وحدة غير معيّنة، و يسمّى الشخص المنتشر.

و بهذا ظهر فساد قول من ظنّ أنّ المطلق هو الدالّ على واحد لا بعينه، فإنّ كونه واحدا، و كونه غير معيّن قيدان زائدان على الماهيّة.

المبحث الرّابع: في أقسام العامّ‏

المفيد للعموم إمّا أن تكون إفادته لغة، أو عرفا، أو عقلا.

و الأوّل: إمّا أن يفيده على الجمع أو على البدل.

و الّذي يفيده على الجمع، إمّا أن يفيده لكونه اسما موضوعا للعموم، أو لأنّه اقترن به ما أوجب عمومه.

و الموضوع للعموم، إمّا أن يتناول «العالمين» خاصّة ك «من» في المجازاة، و الاستفهام.

أو غير العالمين خاصّة: إمّا الجميع، و هو «ما».

120

و قيل‏ (1): إنّها تتناول «العالمين» [كقوله تعالى:] وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (2) أو البعض، ك «متى» المختصّة بالزّمان، و «أين» و «حيث» المختصّتين بالمكان.

و أمّا المفيد للعموم باعتبار الدّاخل عليه: فإمّا في الثبوت، و هو «لام الجنس الداخلة على الجمع» كالرّجال، و الإضافة كعبيدي.

و إمّا في العدم كالنكرة المنفية.

و أمّا المفيد للعموم على البدل، فالنكرة المثبتة، على اختلاف مراتبها في العموم و الخصوص.

و المفيد للعموم عرفا كقوله [تعالى‏]: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ (3) فإنّه يفيد عرفا تحريم جميع وجوه الاستمتاع.

و المفيد عقلا ثلاثة:

الأوّل: أن يكون اللّفظ مفيدا للحكم و علّته، فيقتضي ثبوت الحكم أينما وجدت العلّة.

الثاني: أن يكون المفيد للعموم ما يرجع إلى سؤال السائل، مثل: أن يسأل [النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)‏] عمّن أفطر؟ فيقول: «عليه الكفّارة» فنعلم العموم لكلّ مفطر.

____________

(1). كذا في المحصول للرازي من غير أن يعيّن قائله، لاحظ المحصول: 1/ 354.

(2). الكافرون: 4.

(3). النساء: 23.

121

الثالث: دليل الخطاب عند من يقول به كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «في سائمة الغنم زكاة» فإنّه يدلّ على النفي في كلّ ما ليس بسائمة.

و اعلم أنّ اللّفظ إمّا خاصّ مطلقا، و هو ما يمنع فيه الشركة، كزيد، و عمرو.

و إمّا عامّ مطلقا، كالمعلوم، و المذكور، إذ لا يخرج منه معدوم، و لا موجود.

و إمّا عامّ و خاصّ بالإضافة، كالمؤمنين، فإنّه عامّ باعتبار شموله لآحاد المؤمنين، و خاصّ بالإضافة إلى جملتهم، فإنّه يتناولهم خاصّة دون المشركين، فهو عامّ باعتبار شموله لما شمله، و خاصّ باعتبار اقتصاره على ما شمله، و قصوره عمّا لم يشمله.

و من هنا قيل‏ (1): ليس في الألفاظ عامّ مطلق، فإنّ المعلوم لا يتناول المجهول، و المذكور لا يتناول المسكوت عنه.

المبحث الخامس: في إثبات صيغته‏

اختلف النّاس في ذلك، فذهبت المرجئة (2) إلى أنّ العموم لا صيغة له تخصّه في لغة العرب، و هو مذهب السيد المرتضى‏ (3).

و ذهب جماعة من المعتزلة و الشافعي و كثير من الفقهاء إلى أنّ للعموم‏

____________

(1). القائل هو الغزّالي في المستصفى: 2/ 106.

(2). تقدّم تفسير المرجئة في الجزء الأوّل: 342.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 201- 202.

122

صيغة تخصّه و هي أقسام يأتي بيانها إن شاء اللّه تعالى.

و ذهب آخرون إلى أنّ كلّ صيغة يدعى فيها العموم، فهي للخصوص حقيقة، و مجاز فيما عداه.

و نقل عن الأشعري مذهبان:

الاشتراك بين العموم و الخصوص، و الوقف.

و وافقه القاضي أبو بكر على الوقف. (1)

و من الواقفيّة (2) من فصّل بين الإخبار، و الوعد، و الوعيد، و الأمر، و النّهي، فقال بالوقف في الإخبار و الوعد و الوعيد، دون الأمر و النّهي.

لنا: المعقول، و المنقول.

أمّا المعقول، فوجهان: القدرة على وضع الألفاظ للعموم ثابتة بالضّرورة، و الدّاعي موجود، إذ الحاجة ماسّة إلى إعلام الغير معنى العموم و إلى التّعبير عنه، ليفهم السّامع، أنّ المتكلّم قصده، و هو معنى ظاهر مشهور بين النّاس تكثر مزاولتهم له، و يحتاجون فى أكثر محاوراتهم إليه، و لا مفسدة فيه، و لا مانع من عقليّ أو نقليّ.

و إذا ثبتت القدرة على الفعل و الدّاعي، و انتفى الصّارف، وجب وجود الفعل.

____________

(1). التقريب و الإرشاد: 3/ 50.

(2). الواقفيّة: فرقة من المعتزلة، و هم القائلون بالوقف في خلق القرآن. لاحظ معجم الفرق الإسلاميّة: 269، تأليف: شريف يحيى الأمين.

123

اعترض الغزالي عليه: (1) بأنّه قياس في اللّغة.

سلّمنا الوجوب، لكن نمنع عصمة الواضع، حتّى لا يخالف الحكمة.

سلّمنا، لكن نمنع عدم الوضع، فإنّ المشترك موضوع و لا يخرج عن الوضع باشتراكه.

و الجواب: أنّا لم نستدلّ بما ذكرناه على أنّه قياس، بل استدللنا بوجود العلّة على وجود المعلول، و لا نفي بالواجب هنا، الّذي يستحقّ تاركه الذّمّ، حتّى يشترط العصمة، و إذا ضممنا إلى دليلنا أنّ الأصل عدم الاشتراك، تمّ المطلوب.

الثاني: معنى العموم ظاهر مشهور، يجري مجرى «السّماء» و «الأرض» و غيرهما في ظهورهما، و شدّة الحاجة إلى العبارة عنهما، و لا مانع هناك من الوضع، و كما لم يجز مع هذه الأوصاف أن تتوالى الأعصار لأهل اللّغة، و لا يضعوا للسّماء و الأرض لفظا يخصّ كلّ واحد منهما، مع أنّهم قد وضعوا الأسماء للمعاني، و لما لا حاجة شديدة إليه، بل قد وضعوا للمعنى الواحد ألفاظا كثيرة، كذا لا يجوز أن يهملوا الاستغراق، و لا يضعوا له أسماء تدلّ‏ (2) عليه، و كيف يجوز من الامم العظيمة في الأعصار المترادفة ان يضعوا الأسماء الكثيرة للمعنى الواحد، و أن يضعوا ألفاظا لاصطلاحات‏ (3)

____________

(1). المستصفى: 2/ 113.

(2). في «ج»: اسما ليدلّ.

(3). في «ب» و «ج»: الألفاظ الاصطلاحات.

124

خاصّة، و يعدلوا عن وضع لفظ يختص معنى ظاهرا.

لا يقال: لا يمتنع من الأمم إهمال ذلك، فإنّ العرب مع كثرتها، لم يضعوا الفعل الحال عبارة تخصّه دون الفعل المستقبل، و لا وضعوا للاعتماد سفلا، و لا للاعتماد علّوا، و لا لرائحة الكافور، و لا للكون يمنة و يسرة ألفاظا تخصّها، مع ظهورها و شدّة الحاجة إلى التعبير عنها.

لأنّا نقول: أجاب قاضي القضاة بمنع ظهورها، فلذلك لم يضعوا لها ألفاظا.

اعترضه ابو الحسين بأنّه لا شي‏ء أظهر من رائحة الكافور و مفارقتها لرائحة المسك، و الاعتماد و المدافعة.

ثمّ أجاب: بأنّا أوجبنا للشي‏ء الظاهر عبارة تدلّ على التعبير عنه إمّا مفردة أو مركّبة، و عند خصومنا ليس في اللّغة كلام مفرد لا مركّب يدلّ على الاستغراق وحده.

و هذه الأشياء لها عبارات تعرف بها، و هي أسماء مضافة، فإذا قلنا: «رائحة المسك» و «الاعتماد سفلا» أو «علوّا» أو «يضرب الآن» تميّزت هذه المعاني من غيرها.

ثمّ اعترض نفسه: بأنّ الاشتراك بين الاستغراق و البعض، معنى معقول تشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه، و تدعو الضّرورة إلى أن يجعل المتكلّم غيره في‏

125

شكّ من استغراق كلامه أو قصره على البعض، فينبغي أن يكون في اللّغة لفظ يفيده.

و أجاب بحصول ذلك بالترديد، فيقول: «جاءني إمّا كلّ الناس أو بعضهم».

فإن قالوا: إنّ في اللّغة ما يفيد الاستغراق، و هو قولنا: «استغراق».

قلنا: مذهبكم خلاف ذلك، و هو: أنّ حسن الاستفهام، و التأكيد، و الاستثناء، يدلّ على عدم الاستغراق، و نحن نعلم حسن «استغرقت أكل الخبز إلّا هذا الرغيف» و يحسن الاستفهام و التأكيد فيقول‏ (1): «استغرقت أكل الخبز كلّه».

لا يقال: الاستغراق يستغنى عنه بأن يعدّد المتكلّم الأشخاص الدّاخلين تحت حكمه.

لأنّا نقول: قد يريد الإنسان أن يعبّر عن جميع الناس، ليدلّ على حكم شامل لهم، و يمتنع أن يعدّهم واحدا واحدا، و لا يكفي التعليل في التعميم مثل:

«كلّ من دخل داري ضربته، لأنّه دخل داري» لخفاء علل أكثر الأحكام، كما إذا أراد أن يخبر بأنّ كلّ إنسان في الدار نائم، أو ضارب، و غيرهما ممّا يكثر تعدّده، لم تعرف علّة ذلك، و قد تختلف العلل بالنسبة إلى الأشخاص، فلا يمكن تعميم العلّة فيهم.

لا يقال: إنّما يلزم ذلك لو كانت اللّغة وضعيّة، حتّى إذا وضعوا أسماء (2)

____________

(1). في «أ»: فنقول.

(2). في «ب» و «ج»: اسما.

126

لغرض هو قائم في الاستغراق، وجب أن يضعوا له كلاما أيضا، و لا يلزم لو كانت توقيفيّة.

لأنّا نقول: على تقدير التوقيف يجب إذا لم يوقفوا على وضع كلام لمعنى تشتدّ حاجتهم إلى التعبير عنه أن يضعوا له، كما أنّ المستحدث للصّناعة يلتجئ إلى وضع اسم لها، و إن كان أصل الوضع ليس له، و كذا من ولد له ولد، و إذا وجب ذلك في الشخص الواحد، فالأمم الكثيرة في الأزمنة المتطاولة المتّصلة، أولى بوجوب ذلك‏ (1).

و أمّا المنقول فمن وجوه:

الأوّل: لو كانت الألفاظ الّتي يدعى عمومها مشتركة بين العموم و الخصوص- كما ذهب إليه القائلون بأنّه لا صيغة للعموم تخصّه- لكان التأكيد يزيد الاشتباه، و التّالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّه إذا قال: «رأيت القوم كلّهم أجمعين» يكون قد أكّد لفظة «كلّ» و هي مشتركة بين الاستغراق، و ما تحته من الجموع، و التأكيد يفيد تقوية المعنى، فيلزم زيادة الالتباس و الإبهام، و هو باطل قطعا، للعلم بأنّ مقاصد اللّغة في ذلك الإيضاح، دون تأكيد الاشتراك.

و لو أرادوا تأكيد الإبهام، لم يعمدوا إلى هذا التأكيد.

و لفظة «أجمعين» عندهم مشتركة أيضا، و كلّ من دلّ على شي‏ء

____________

(1). لاحظ المعتمد: 1/ 195- 197.

127

بدلالة (1)، ثمّ تابع بين الأدلّة عليه، فإنّه يتأكّد ذلك المدلول، و جرى قولنا: «رأيت القوم كلّهم أجمعين» مجرى «رأيت جمعا إمّا كلّ القوم أو بعضهم» ثمّ تكرّر هذا الكلام مرّة أخرى، في أنّه يؤكّد الالتباس.

الثاني: لو كانت لفظة «كلّ» و ما أشبهها من ألفاظ العموم، للاشتراك بين الاستغراق و البعض، لجاز أن تكون لفظة «كلّ» مؤكّدة للاستغراق، و التالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ كلّ واحدة من هذه الألفاظ حقيقة في الكلّ، و حقيقة في البعض، فلو جاز أن يتأكّد باللفظة [الثانية] «الكلّ»، جاز أن يتأكّد بها البعض.

لا يقال: إنّ لفظة «كلّ» و «أجمعين» أكثر استعمالا في الاستغراق من غيره.

لأنّا نقول: إن كانت حقيقتها الاستغراق خاصّة، فهو مذهبنا، و إن كانت مشتركة، لزم ما قلناه و لا يلزم من غايتها زوال الاشتراك، و الّا فهو مطلوبنا.

لا يقال: إذا قال: «رأيت النّاس كلّهم أجمعين» علمنا أنّه رأى أكثر ممّا لو قال: «رأيتهم كلّهم» أو «رأيتهم أجمعين».

لأنّا نقول: إذا كانت كلّ واحدة من لفظتي: «كلّ» و «أجمعين» لا يفيد هذه‏

____________

(1). في «أ» و «ج»: بدلالته.

128

الكثرة، وجب على الاجتماع مثله، لأنّ المركّب من الكلام إنّما يفيد تركيب معان مفردة فقط، دون شي‏ء زائد.

الثالث: قال قاضي القضاة: الّذي يفسد قول الذاهبين إلى أنّ «لفظ العموم مشترك بين الاستغراق و بين ما دونه» أنّ أهل اللّغة فصّلوا بين لفظ العموم و بين النّكرة المثبتة، كرجل، و لن يتمّ ذلك إلّا مع القول بأنّ في العموم ضربا من الاستغراق.

و اعترض‏ (1): بأنّ ذلك يتمّ من دون ما ذكره، لأنّ النكرة في الإثبات تتناول واحدا غير معيّن، و لفظ «العموم» يفيد الجمع المستغرق و غير المستغرق على البدل.

الرابع: فرّق أهل اللغة من تأكيد العموم و تأكيد الخصوص، فقالوا:

«رأيت زيدا نفسه» و لم يقولوا: «أجمعين» و قالوا: «رأيت القوم أجمعين» و لم يقولوا: «نفسه»، فكما اختلف التأكيد لا بالقصد، كذا يجب اختلاف المؤكّد لا بالقصد.

و هذه الدلالة يبطل بها قول من جعل اللّفظ العامّ للخصوص‏ (2) خاصّة، لا للجمع المشترك بين كلّ الجموع، و لا يقع على الواحد إلّا مجازا.

الخامس: كلّ من أراد أن يخبر عن الاستغراق فلا بدّ له من استعمال هذه‏

____________

(1). المعترض هو أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 206.

(2). في «ب»: للمخصوص.

129

الألفاظ الّتي يدّعى أنّها للعموم، فيجب أن تكون موضوعة له، لأنّه لا مندوحة عنها، و جرى مجرى كلّ الحقائق الّتي يفزع [فيها] إلى العبارات الموضوعة لها.

احتجّ منكرو العموم: بأنّ العلم بكون هذه الصّيغ موضوعة للعموم، إمّا أن يكون عقليا، و هو محال، إذ لا مجال للعقل في الوضع، و إمّا أن يكون نقليّا، و هو باطل، إذ لا تواتر، و إلّا لعرفه الكلّ، و الآحاد لا تفيد التّعيين، بل الظنّ، و المسألة علميّة، فلا يجوز الاستدلال فيها بالظّنّ.

و الجواب: المنع من كونه غير معلوم، فإنّ كلّ من استقرأ اللّغات، علم بالضّرورة أنّ لفظة «كلّ» و «جميع» للعموم.

سلّمنا، لكن نعلم بالعقل، و له مجال في اللّغات بواسطة مقدّمات نقليّة.

سلّمنا، لكن جاز التمسّك في هذه بالآحاد.

و نمنع كونها علميّة.

و احتجّ القائلون بالخصوص بوجوه:

الأوّل: الخصوص متيقّن، و العموم محتمل، فحمله على المتيقّن أولى.

الثاني: غالب استعمال هذه الصيغ في الخصوص كما يقال: جمع السلطان، التّجار، و الصّنّاع، و كلّ صاحب حرفة، و أنفقت دراهمي، و غير ذلك، و الأصل، صرف الأغلب إلى الحقيقة.

الثالث: إذا قال السيّد لعبده: «أكرم الرجال، و من دخل داري فاعطه درهما» فإنّه لا يحسن منه الاستفسار عن إرادة البعض من ذلك، و يحسن‏

130

الاستفسار عن إرادة الجميع، و جعل الصيغة حقيقة فيما لا يحسن الاستفسار عنه، أولى ممّا يحسن، لأنّ الاستفهام، طلب الفهم، و طلب الفهم عند حصول المقتضي للفهم عبث، لكنّ من المعلوم حسن أن يقول العبد: كلّ الرجال أكرمهم و كلّ داخل أعطيه‏ (1) أو بعضهم حتّى الفسّاق.

الرابع: لو كان قوله: «رأيت الرّجال» مثلا للعموم، لكان إذا أريد به الخصوص، يلزم كذب المخبر، كما لو قال: «رأيت عشرين» و كان قد رأى عشرة بخلاف ما إذا كانت للخصوص، و أريد بها العموم.

الخامس: لو كانت للعموم، لم يفد تأكيدها شيئا غير ما أفادت، و ذلك عبث.

السادس: لو كانت للعموم، لكان الاستثناء نقضا لإفادة الاستغراق بأوّل الكلام، ثمّ بالاستثناء رجع عن تلك الإفادة، كما لو قال: «ضربت كلّ من في الدّار» ثمّ يقول: «لم أضرب كلّ من في الدّار».

و لأنّ العموم لو استغرق، لكان قوله: «ضربت الكلّ» بمنزلة «ضربت زيدا و عمروا و خالدا» ثمّ يقول: «إلّا زيدا»، و لمّا لم يحسن هنا، فكذا ثمّ، و لمّا حسن ثمّ، دلّ على أنّها ليست للاستغراق.

السابع: لو كانت للعموم، لما صحّ جمعها، فإنّ الجمع يفيد ما لا يفيده المجموع‏ (2) و لا كثرة بعد الاستغراق، فلا يجمع.

____________

(1). في «ب»: أكرمتهم و كل داخل أعطيته.

(2). في «ج»: لا يفيده الواحد.

131

و التّالي باطل، لقولهم: «منان، منون»

أتوا ناري فقلت منون أنتم‏* * * فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما

(1).

الثامن: يصحّ إدخال لفظي «كلّ» و «بعض» على ما ادّعيتم عمومه، مثل:

«كلّ من دخل داري أكرمه، و بعض من دخل» من غير تكرير و لا نقض.

و الجواب عن الأوّل: المنع من تيقّن الخصوص، و إلّا لم يكن العموم محتملا، و أنتم قد اعترفتم به.

سلّمنا، لكنّ ذلك لا يدلّ على أنّه حقيقة في الخصوص، فإنّ الثلاثة متيقّنة الإرادة من العشرة، و لا يلزم كون لفظة «العشرة» حقيقة في الثلاثة و مجازا في الزائد.

لا يقال: الزيادة على الثلاثة في العشرة متيقّنة.

لأنّا نقول: لو كانت متيقّنة، لامتنع الاستثناء.

و الحاصل، أنّ الخصوص إن كان كلّ المراد، لم يكن متيقّنا، و إن كان مرادا في الجملة، لم يدلّ على الوضع له.

سلّمنا، لكن يعارض بكونه حقيقة في العموم، إذ من المحتمل أن يكون مراد المتكلّم العموم، فلو حمل لفظه على الخصوص، لم يحصل مراده، و لو أراد الخصوص، حصل مقصوده لو حمل على العموم، و ليس أحدهما أولى من الآخر.

____________

(1). تثنية «من» و جمعها، قال شمر بن الحارث:

أتوا ناري فقلت منون أنتم‏* * * فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما

لاحظ. لسان العرب: 3/ 167 (حسد) و ج 13/ 199 (منن).

132

و عن الثاني: بالمنع من كونها للخصوص في الأمثلة.

سلّمنا، لكن نمنع عليه الاستعمال.

و ما ذكرتموه من الأمثلة و غيرها نادر بالنّسبة إلى مظانّ العموم‏ (1) في هذه الصّيغ.

سلّمنا، لكنّ الغلبة لا تدلّ على الحقيقة، فإنّ المجازات العرفيّة غالبة، و لم تخرج عن كونها مجازات فيما غلب استعمالها فيه.

و عن الثالث: حسن الاستفهام عن إرادة العموم لا يخرج الصّيغة عن كونها حقيقة في العموم إذ التأكيد أمر مطلوب، كما إذا قال: «رأيت السّلطان» حسن أن يستفهم هل رأيت السلطان نفسه أو أتباعه.

و عدم حسن الاستفهام عن البعض لتيقّنه لا يقتضي كونه حقيقة فيه.

و لو كان حسن الاستفهام لأجل الاشتراك، لوجب أن لا يحسن الجواب إلّا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة.

ثمّ نقول: الاستفهام إمّا أن يقع ممّن يجوز عليه السهو، أو ممّن لا يجوز عليه و الأوّل قد يحسن لغير ما ذكرتم:

الأوّل: ربّما ظنّ السّامع أنّ القائل غير متحفّظ في كلامه، أو هو كالساهي، فيستفهمه حتّى إن كان ساهيا زال سهوه، فأخبر عن تيقّظ، و لهذا يحسن أن يجاب عن الاستفهام بعين ما وقع عنه الإخبار.

____________

(1). في «ج»: مكان العموم.

133

الثاني: قد يظنّ السّامع لأجل أمارة أنّ المتكلّم أخبر بالعامّ عن جماعة على سبيل المجازفة، و تشتدّ عناية السامع الى المعرفة فيستفهم، ليعلم المتكلّم شدّة اهتمامه فلا يجازف‏ (1) بكلامه.

و لهذا إذا قال: رأيت كلّ من في الدار، فيقال: أ رأيت زيدا فيهم؟ فإذا قال:

نعم، زالت التهمة، لقلّة احتمال الخاصّ، و قد لا يتحقّق من قرينة فتدعوه معرفته لشدّة (2) اهتمام السائل إلى أن يقول: لا أتحقّق رؤيته.

الثالث: قد يستفهم طلبا لقوّة الظّنّ.

الرابع: أن توجد قرينة تقتضي التخصيص، مثل ما لو قال: ضربت كلّ من في الدار، و كان فيها الوزير، فإنّ الظنّ يقضي بعدم‏ (3) ضربه، و مع التعارض يحتاج إلى الاستفهام، ليقع الجواب [عنه‏] بخاصّ لا يقبل التخصيص.

و أمّا إن وقع ممّن لا يجوز عليه السّهو فذاك‏ (4) لأنّ دلالة الخاصّ أقوى، فيطلب الخاصّ بعدم العامّ، تحصيلا لتلك القوّة.

و عن الرابع: أنّ الكذب إنّما يلزم لو لم يرد المجاز مع صلوحه، كما لو قال:

«رأيت أسدا» بخلاف العشرة و العشرين، فإنّ لفظة العشرين، لم توضع للعشرة، حقيقة و لا مجازا.

____________

(1). في «أ» و «ج»: فلا يتجازف.

(2). في «أ»: بشدّة.

(3). في «ب» و «ج»: لعدم.

(4). في «أ» و «ب»: فذلك.

134

و عن الخامس: انّ المراد بالتأكيد التقوية و العلم بعدم مجازفة المتكلّم، و عدم إرادة التخصيص.

و أيضا، المتكلّم إمّا أن يجوز عليه السّهو، فيحسن التأكيد، لما تقدّم، أولا يجوز، فيفيد قوّة الظّن، و يعارض بجواز تأكيد المتخصّص، مثل: جاء زيد نفسه، و تأكيد ألفاظ العدد مثل: عشرة كاملة، و لأنّ التأكيد تقوية ما كان حاصلا، فلو كان الحاصل هو الاشتراك لتأكّد ذلك الاشتراك على ما مرّ تقريره.

لا يقال: التأكيد يعيّن اللّفظ لأحد مفهوميه.

لأنّا نقول: إنّه حينئذ يكون بيانا لا تأكيدا.

و عن السادس: النّقض بالفاظ العدد، فإنّها صريحة في ذلك العدد، مع صحّة الاستثناء منه، و الفرق بين الاستثناء و النّقض: أنّ الاستثناء كالجزء من الكلام، لعدم استقلاله، فيجب تعلّقه بما تقدّم، فتصير الجملة شيئا واحدا، يفيد إرادة ما عدا المستثنى، بخلاف «ضربت كلّ من في الدّار، لم أضرب كلّ من في الدّار» لاستقلال كلّ من الكلامين بنفسه، فلا حاجة إلى تعلّقه بما تقدّم عليه، و إذا لم يتعلّق به، أفاد الأوّل ضرب الجميع، و الآخر نفيه و كان نقضا.

و أمّا الثاني: فلا جامع فيه.

ثمّ الفرق: أنّ الاستثناء إخراج بعض من كلّ، بخلاف «ضربت زيدا و عمرا إلّا زيدا» لانصراف إلّا زيدا، إلى زيد، لا إلى عمرو، لأنّ زيدا ليس بجزء منه، و لا إليهما معا، لاستقلال كلّ منهما بنفسه، و لا يشملهما لفظ واحد، و هو كلّ‏

135

(لهما) (1) فيكون الاستثناء قد دلّ على أنّ لفظة «الكلّ» مستعملة فيما عداه، فصار نقضا.

بخلاف «رأيت كلّ الناس إلّا زيدا».

و أيضا، كونه حقيقة في الاستغراق لا ينافي جواز التجوّز بغيره، و الاستثناء دليل على عدم استعمال‏ (2) المجاز فيه.

ثمّ نقول: ظاهر العموم الاستغراق مع التجرّد عن الاستثناء، أو مع عدمه، فإن قالوا بالأوّل و لم يتجرّد في الاستثناء، فلا يكون نقضا، و إن قالوا بالثاني منعنا ذلك، على أنّ العموم إنّما يستغرق ما دخل عليه، فإذا كان معه استثناء، فهو داخل على ما عدا المستثنى، و هو مستغرق له، و لم يكن الاستثناء نقضا، فإنّه لا فرق بين قولنا: «كلّ من في الدار الّا بني تميم» و بين قولنا: «كلّ من في الدار من غير بني تميم» لأنّ كلّ واحد منهما يفيد عموم الحكم فيمن عدا بني تميم، و حينئذ لم يستعمل كلّ في غير ظاهرها، و لا يكون الاستثناء نقضا.

و الحاصل: أنّ العموم فيما عدا المستثنى كالمقيّد بالشرط و الصفة، و كما لا يصحّ العموم المشروط، كذا العموم المستثنى بعضه.

و عن السابع: أنّه ليس بجمع في الحقيقة، على ما اتّفق عليه أهل اللّغة، و إنّما هو إشباع الحركة، و إلحاق زيادة النّون.

____________

(1). ما بين القوسين يوجد في «أ» و «ج» و لعلّه زائد.

(2). كذا في «أ» و لكن في «ب» و «ج»: على استعمال.

136

سلّمنا كونه جمعا، لكن قال سيبويه‏ (1): إنّه إنّما تجمع حالة الوقف، إذا حكي بها الجمع المنكّر، و حينئذ لا تكون للعموم.

و عن الثامن: أنّ لفظ العموم قد استعمل في غيره مجازا من غير نقض، و قد يؤكّد، فلا يكون مكرّرا.

احتجّ القائلون بالاشتراك بوجهين: الأوّل: الألفاظ الّتي يدّعى عمومها، قد استعمل في العموم تارة، و لا نزاع فيه، و في الخصوص أخرى، فإنّ من قال: «من دخل داري وهبته» قلّما يريد به العموم، و الاستعمال دليل الحقيقة في كلا المعنيين، فيكون مشتركا، فإنّ الظاهر من استعمال اللفظ في شي‏ء كونه حقيقة فيه، لأنّه الأصل، و إلّا لتعذّر علينا الحكم بكون اللفظ حقيقة في شي‏ء، إذ لا طريق سواه.

و لأنّه لو لم يكن حقيقة في العموم و الخصوص، لكان مجازا في أحدهما، و اللفظ لا يستعمل في المجاز إلّا مع قرينة، و الأصل بخلافه.

و لأنّ القرينة إن عرفت ضرورة، امتنع وقوع الخلاف فيها، و لا تعرف نظرا، لأنّا لمّا نظرنا في أدلّة المثبتين لهذه القرينة، لم نجد فيها ما يعوّل عليه. (2)

الثاني: حسن الاستفهام عن إرادة الجميع أو البعض، يدلّ على اشتراكه فيهما.

____________

(1). تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 169.

(2). حاصله: أنّ القرينة إمّا أن تعرف ضرورة أو نظرا، و الأوّل باطل، و إلّا لامتنع وقوع الخلاف فيها و الثاني أيضا مثله، لأنّا لمّا نظرنا ...

137

و الجواب عن الأوّل: إن ادّعيت أنّ الاستعمال لا يكون إلّا مع الحقيقة، بطل المجاز، و إن سلّمت جواز اقترانه مع المجاز، لم يبق مطلق الاستعمال دليلا على الحقيقة.

لا يقال: الاستعمال مع كون المجاز على خلاف الأصل، دليل على الحقيقة.

لأنّا نقول: قولك: «المجاز على خلاف الأصل» ظنيّ، و المسألة عندك علميّة.

و أيضا، فالاشتراك على خلاف الأصل أيضا، و المجاز خير منه عند التّعارض.

و فساد طريق آخر على كون اللفظ حقيقة، لا يدلّ على صحّة هذا الطريق، أعني الاستعمال.

لأنّا قد بيّنا فساده، فلا يصير صحيحا لفساد غيره (و نمنع انحصار الطريق). (1)

و الضروريّ قد ينازع فيه الأقلّ، و أكثر أهل اللغة سلّموا العموم.

سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّه لم يوجد ما يدلّ على المجاز في الخصوص، و عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود.

و السيّد المرتضى على هذا عوّل‏ (2) و كلامه يدلّ على المطالبة بالدلالة

____________

(1). ما بين القوسين يوجد في «ب».

(2). في «ب»: يعوّل.

138

على كون هذه الصّيغة مجازا في الخصوص، مع أنّه شرع في الاستدلال على كونها مشتركة بين العموم و الخصوص‏ (1).

و عن الثاني: ما تقدّم، من أنّ حسن الاستفهام لا يدلّ على الاشتراك.

احتجّ القائلون بالتعميم في الأمر و النّهي دون الخبر، بانعقاد الاجماع على التكليف بأوامر عامّة و نواه عامّة، فلو لم يكن الأمر و النّهي للعموم، لما عمّ التكليف، أو كان تكليفا بما لا يطاق.

أمّا الخبر، فليس بتكليف، و لأنّه يجوز وروده بالمجهول من غير بيان، كقوله [تعالى‏]: وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ‏ (2).

و الجواب: لا فرق بين الأمر و الخبر، فإنّه كما وقع التكليف بأوامر عامّة، كذا وقع التكليف بمعرفة، بالأخبار العامّة (3) مثل: هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (4)، و كذلك عمومات الوعد و الوعيد، للانزجار عن المعاصي، و الانقياد إلى فعل الطّاعات.

و إذا تساوى التكليف، فلا فائدة في الفرق بين الأمر و الخبر.

____________

(1). لاحظ الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 201- 203.

(2). مريم: 74.

(3). كذا في «ب» و لكن في «أ» و «ج»: و الجواب: قد أمرنا بالتكليف بالأخبار العامّة.

(4). الحديد: 3.

139

المبحث السادس: في صيغ العموم و فيه مطالب:

[المطلب‏] الأوّل: في أنّ لفظي «كلّ» و «جميع» للعموم‏

و يدلّ عليه وجوه:

الأوّل: قولنا: «جاءني كلّ فقيه» يناقضه عرفا: «ما جاءني كلّ فقيه» و لهذا يستعمل كلّ منهما في تكذيب الآخر، و إنّما يتحقّق التناقض لو أفاد الكلّ الاستغراق، لأنّ النّفي عن الكلّ لا يناقض الثبوت في البعض. (1)

و فيه نظر، لأنّ التناقض لا يتوقّف على أن يكون «كلّ» للعموم، فإنّه على تقدير أن يكون سور إيجاب جزئيّ يكون نفيه سور سلب كليّ كما في قولنا:

«واحد من الناس كاتب ليس و لا واحد من الناس بكاتب».

و أيضا، يكفي في التناقض اتّحاد المورد.

الثاني: لفظ الكلّ و البعض متقابلان، و إنّما يحصل التقابل لو كانت لفظة الكلّ، غير محتملة للبعض. (2)

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 367.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 367.

140

و فيه نظر، فإنّ القائلين بالخصوص، يمنعون التّقابل بينهما.

سلّمنا، لكن يكفي في التقابل احتمال كلّ للعموم، دون البعض.

الثالث: سبق الفهم دليل الحقيقة، و إذا قال «رأيت كلّ من في الدّار» سبق الفهم إلى أنّه رأى الجميع، و لو كان لفظ الكلّ مشتركا بين الجميع و البعض لما حصل السّبق، كما في الألفاظ المشتركة.

الرابع: لو قال السّيّد لعبده: «كلّ من دخل داري فاعطه درهما» فلو أعطى العبد كلّ داخل، لم يتوجّه عليه ذمّ، و لو أعطى طويلا، فقال السّيّد: لم أعطيته مع أنّي أردت القصار؟ كان للعبد أن يقول: إنّك أمرتني بإعطاء الجميع دون القصار، و هذا قد دخل، و كلّ عاقل سمعه لام السّيّد على تعيينه، و عذر العبد على فعله، و لو انعكس الحال، فأعطى الطوال خاصّة، و منع القصار، كان للسيّد أن يذمّه على منع القصار، و لا يقبل عذر العبد بأنّ فلانا قصير و لفظ السيّد عامّ فلعلّه أراد الطوال، و استحقّ العبد المؤاخذة. (1)

و فيه نظر، لأنّ القائل بعدم العموم يمنع من عدم توجّه الذّمّ بإعطاء الجميع قبل الاستفهام.

و ذمّ السيّد (2) على منع القصار لا باعتبار العموم بل باعتبار التخصيص مع احتمال اللفظ على السّويّة.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 368.

(2). في «أ»: و لوم السيّد.

141

الخامس: لو قال: «أعتقت كلّ عبدي، و كلّ نسائي طوالق» حكم بعتق الجميع و طلاق النسوة، بخلاف ما لو قال: غانم حرّ، و له عبدان، اسم كلّ منهما «غانم» فإنّه يجب أن يستفهم منه مراده، و لو كان لفظ الكلّ مشتركا لما افترق البابان، و لوجب الاستفسار فيه كما في غانم.

السادس: الفرق واقع بين: جاءني فقهاء، و جاءني كلّ الفقهاء، و لو لا دلالة الثاني على الاستغراق لما بقي فرق. (1)

و فيه نظر، لأنّ الاشتراك في الثّاني دون الأوّل.

السابع: التجاء أهل اللّغة عند إرادة التعبير عن الاستغراق إلى استعمال لفظي «الكلّ» و «الجميع» دون الجمع المنكّر، يدلّ على العموميّة، و كلّ ما فرض من القرائن، يمكن عدمه، حتّى أنّه لو كتب كتابا، و قال: اعملوا بكلّ ما فيه، عمّ مع عدم القرينة.

و الأعمى يفهم العموم، مع عدم وقوفه على القرائن البصريّة، لفقد آلته، و السّمعيّة، لفرض عدمها.

الثامن: سمع عثمان‏ (2) قول لبيد:

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 368.

(2). هو عثمان بن مظعون بن حبيب، صحابيّ مشهور أسلم قديما و هاجر هجرتين و أوذي في اللّه إيذاء شديدا، توفّي في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، سنة 2 ه، و هو أوّل من مات من المهاجرين بالمدينة، و أوّل من دفن بالبقيع منهم. لاحظ اسد الغابة: 3/ 385 و الأعلام للزركلي:

4/ 214.

142

...* * * و كلّ نعيم لا محالة زائل‏

ألا كلّ شي‏ء ما خلا اللّه باطل‏

أ لا تسألان المرء ما ذا يحاول‏* * * أنحب فيقضى أم ضلال و باطل‏

فقال له: كذبت فإنّ نعيم أهل الجنّة لا يزول، و لو لا أنّه فهم العموم، لما كان كاذبا. (2)

و فيه نظر، لمعارضة قول عثمان بقول الشاعر.

التاسع: لو قال: رأيت كلّ من في البلد، عدّ كاذبا بتقدير عدم رؤية البعض.

و فيه نظر، للمنع من تكذيبه.

العاشر: لو قال: كلّ الناس علماء، كذبه [قول القائل:] كلّ الناس ليسوا علماء، و لو لم يكن كلّ للعموم، لما صحّ التكذيب، لجواز تناول كلّ واحد منهما غير ما تناوله الآخر.

الحادي عشر: لو كان قول القائل «كلّ» لا يفيد العموم، و لكنّه يعبّر تارة عن البعض، و تارة عن العموم حقيقة، لكان قول القائل «كلّهم» بيانا لأحد الأمرين فيما دخل عليه، لا تأكيدا له، كما لو قال رأيت عينا باصرة.

الثاني عشر: لو قال: اعط كلّ من دخل درهما، حسن استثناء كلّ عدد

____________

(1). صدره:

ألا كلّ شي‏ء ما خلا اللّه باطل‏* * * ...

و البيت جزء من قصيدة لبيد بن ربيعة بن مالك المتوفّى سنة 41 ه، أنشدها في رثاء النعمان بن المنذر ملك الحيرة مستهلّها:

أ لا تسألان المرء ما ذا يحاول‏* * * أنحب فيقضى أم ضلال و باطل‏

انظر ترجمة لبيد في الأعلام للزركلي: 5/ 240.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 369.

143

شيئا سوى الجميع، و استثناء أيّ واحد شيئا على الإطلاق، و العلم بحسن الاستثناء معلوم من عادة أهل اللغة، و الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، لوجوه:

الأوّل: المستثنى من الجنس لا بدّ و أن يصحّ دخوله تحت المستثنى منه، فإمّا أن يعبّر الوجوب مع هذه الصحّة أو لا.

و الثاني باطل، و إلّا لما بقي الفرق بين الاستثناء من الجمع المنكّر و المعرّف، لاشتراكهما في الصحّة، و التالي باطل، للعلم من أهل اللغة بالفرق، فالمقدّم مثله، فوجب أن يكون الجمع المستغرق يفيد العموم.

الثاني: الاستثناء إخراج، و إنّما يتحقّق مع الدّخول.

الثالث: أكثر أهل اللغة عليه، و قول الأكثر حجّة.

و لإجماعهم على أنّه‏ (1) إخراج جزء من كلّ، و الجزء يجب كونه جزءا لكلّه.

الرابع: الاستثناء من العدد يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله، فيكون في غيره كذلك.

أمّا الصغرى، فبالإجماع، فإنّه لو قال: له عندي عشرة إلّا درهما، لزمه تسعة، و لو قال: عشرة، و لم يستثن لزمه عشرة.

و أمّا الثانية، فلأنّه لولاه، لزم إمّا الاشتراك أو المجاز، و كلاهما خلاف الأصل.

____________

(1). في «ج»: و لإجماعهم على الاستثناء أنّه.

144

الخامس: لو صحّ الاستثناء لإخراج ما يصحّ [دخوله‏] لا ما يجب [دخوله‏] لصحّ «ضربت رجلا إلّا زيدا» لصلاحيّة دخوله تحت لفظ رجل، و يصحّ «رأيت رجلا إلّا زيدا».

(و فيه نظر، لبطلان الاستثناء المستغرق، و عدم دلالة رجل على التعدّد) (1).

فإن قيل: الاستثناء لا يوجب التعميم، فإنّه يصحّ من جمع القلّة كالأفعل، و الأفعال، و الأفعلة، و الفعلة، و جمع السلامة، أيّ فرد شئنا.

مع أنّ شيئا من هذه لا يقتضي العموم بالإجماع.

و لأنّه يصحّ: «أصحبت جمعا من الفقهاء إلّا فلانا» و معلوم أنّ المستثنى هنا لا يجب دخوله تحت المستثنى منه المنكّر.

و لأنّه يصحّ: «صلّ إلّا في اليوم الفلاني» و لنا أن نستثني ما شئنا من الأيام.

و لو كان الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله، لكان الأمر يقتضي الدّوام و الفور، و قد تقدّم بطلانهما.

سلّمنا، (2) لكن نمنع استثناء كلّ أحد من قوله: «من دخل [داري‏] أكرمه»، فإنّه لا يحسن منه استثناء الملائكة و الجنّ و اللّصوص، و لا ملك الهند، و ملك الصين، و هو كثير النظائر.

____________

(1). ما بين القوسين يوجد في «ج».

(2). أي سلّمنا سلامته عن النّقض.

145

سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ الاستثناء يقتضي وجوب الدخول لولاه، فإنّه يصحّ الاستثناء من غير الجنس إجماعا، مع عدم الدّخول وجوبا و صلاحيّة.

سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّه لو لا الوجوب، لم يبق فرق بين الاستثناء من الجمع المعرّف و المنكّر، فجاز أن يكون الفرق غير ما ذكرتم.

سلّمنا، لكنّ معنا ما يدلّ على الاكتفاء بالصّحّة، و هو أنّ الصحّة أعمّ من الوجوب، فحمل اللّفظ على الصحّة حمل على الأعمّ فائدة، و يحسن:

«أكرم جمعا من العلماء إلّا زيدا»، و اقتل فرقة من الكفّار إلّا فلانا، مع عدم وجوب الدّخول، و إلّا لكان المنكّر للاستغراق.

سلّمنا، لكن ما ذكرتم إنّما يتمّ لو لم تجز المناقضة على الواضع حتّى يتمّ الاستدلال بالمقدّمتين النقليّتين على النتيجة.

نعم لو ثبت أنّ اللّغات توقيفيّة، تمّ ذلك، لكن ذلك غير معلوم.

سلّمنا دلالة الاستثناء على العموم، لكنّه يدلّ على عدمه، لأنّه لو كان للعموم لكان الاستثناء نقضا.

و الجواب: نمنع حسن استثناء أيّ عدد شئنا من جمع القلّة، فإنّه يصحّ «أكلت الأرغفة، إلّا ألف رغيف» و لا يصحّ لو قال: «أكلت كلّ الأرغفة إلّا ألف رغيف». (1)

و فيه نظر، لأنّ الاستثناء هنا لخصوص المادّة.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 364.

146

و كون الاستثناء في «أصحبت جمعا من الفقهاء إلّا زيدا» يخرج ما لولاه لصحّ، فلم قلت إنّه في سائر الصّور كذلك؟

على أنّا نمنع حسن ذلك في اللّغة، و لهذا يتداولونه و يقولون في «أصحبت رجالا إلّا زيدا»: إنّ إلّا بمنزلة ليس، كأنّه قال: ليس زيدا منهم.

و الأمر و إن كان لذاته لا يقتضي التكرار و لا الفور، لكن لا يمنع منهما، فيجوز أن يكون اقتران «إلّا» به يوجب دلالته عليهما.

و لم يحسن استثناء الملائكة، و الجنّ و ملك الهند و [ملك‏] الصّين، للعلم بخروجهم عن الحكم، و المقصود من الاستثناء الإخراج، و لهذا يحسن استثناؤهم في المشتبه دخولهم فيه، و لهذا يحسن من اللّه تعالى استثناء مثل:

«أطعمت من خلقت إلّا الملائكة أو نظرت بعين الرّحمة إلى جميع الخلق إلّا الملوك المتكبّرين».

على أنّه مشترك الإلزام، فإنّ الاستثناء لو كان يخرج من الكلام ما لولاه لصحّ فحسن‏ (1) استثناء الملائكة و الجنّ، لصحة تناول الخطاب لهم.

و أيضا، فنحن قلنا: الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب، و لم نقل: إنّ كلّ ما لولاه لوجب يصحّ استثناؤه، و الاستثناء من غير الجنس ممنوع فانّ جماعة من الفضلاء منعوه سلّمناه لكنّه مجاز لانّ الاستثناء مشتق من الثّني، و [هو] الصّرف، و إنّما يحتاج إلى الصّرف لو كان بحيث لو لا الصّارف لدخل.

____________

(1). في «ب»: لحسن.

147

ثمّ إنّه مشترك الإلزام، فإنّه لو لا الاستثناء لم يصحّ الدّخول، و إنّما قلنا بنفي الفارق بين الجمع المنكّر و المعرّف، لأنّ الجمع المنكّر هو الّذي يدلّ على جمع يصلح أن يتناول كلّ واحد من الأشخاص، فلو كان الجمع المعرّف كذلك، انتفى الفرق.

و حمل الاستثناء على الصحّة و إن كان أولى، من حيث العموم، لكنّه معارض بأنّ الصّحّة جزء من الوجوب، فلو حملناه على الوجوب، لكنّا قد أفدنا به الصّحّة و الوجوب معا.

و لو حملناه على الصّحّة، لم نفد به الوجوب، و الجمع بين الدّليلين أولى.

سلّمنا أنّ الاستثناء من الجمع المنكّر لدفع الصّحّة، فلم يكون في كلّ كذلك.

و الأصل عدم التناقض، خصوصا و قد قرّر اللّه تعالى ذلك الوضع.

و الاستثناء ليس بنقض على ما يأتي.

و اعلم أنّ في الوجوه الخمسة الّتي ذكرناها نظر.

أمّا الأوّل: فلأنّا لو سلّمنا الفرق، فلم قلتم بالعموم و عدمه؟ و لم لا يجوز أن يكون بكثرة الأفراد و قلّتها؟ كما فرّقوا بين جمع الكثرة و جمع القلّة و إن لم يفد العموم إجماعا، و حينئذ جاز أن يكون الجمع المعرّف يفيد ما يفيده جمع الكثرة لا العموم.

148

و أمّا الثاني: أنّ الإخراج متحقّق مع الصّحّة، كما يتحقّق مع الوجوب، فإنّك إذا قلت: رأيت رجالا، صحّ دخول زيد و إذا قلت: إلّا زيدا، خرج من الصّلاحيّة كما (1) يخرج عندكم في العرف من الوجوب.

و أمّا الثالث: إن ادّعيتم أنّ أهل اللّغة قالوا: إنّه إخراج ما لولاه لدخل قطعا، منعنا دعواكم و لا برهان عليها، و إن ادّعيتم ما لولاه لدخل مطلقا، بحيث يدخل فعلا و صلاحيّة، سلّمناه و الشي‏ء قد يكون جزءا على طريق الصّحّة و على طريق الوجوب، فالأوّل نحو: اضرب رجالا، فإنّه يجوز أن يكون زيد جزءا منهم، و الثاني فالأعداد، و حينئذ فليس في نصّ أهل اللّغة أنّ الاستثناء يخرج ما يجب أن يكون جزءا من كلّ.

و أمّا الرّابع: فإنّ الاستثناء من العشرة إنّما حسن لأنّه لولاه لصحّ دخوله في الخطاب، لا لوجوب دخوله، فإنّ وجوب الدّخول لا يمنع صحّته.

لا يقال: كيف يجتمع فيه صحّة دخوله و وجوبه؟

لأنّا نقول: إنّ صحّة دخوله تحت العشرة يعنى به أنّ اسم العشرة يتناوله مع غيره على سبيل الحقيقة، و وجوب دخوله تحته يعنى به أنّه لا يكون الخطاب حقيقة إلّا إذا دخل تحته، و معلوم أنّ الأوّل داخل تحت الثاني.

و أمّا الخامس: فلأنّ قوله: اضرب رجالا إلّا زيدا، فحسنه لازم لكم، لأنّه يتناول كلّ رجل على البدل على سبيل الوجوب، لا على سبيل الصّحّة، فكان‏

____________

(1). في «ب»: ما.

149

ينبغي أن يحسن استثناء زيد منه، ليخرج من وجوب تناول الخطاب له على البدل.

لا يقال: إنّما يحسن ذلك، لأنّ قوله: «اضرب رجالا» لا يتناول كلّ رجل على جهة الشمول، و الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته على الشمول و الجمع.

لأنّا نقول: جاز أن يكون الاستثناء يخرج ما لولاه لصحّ دخوله تحته على جهة الشّمول.

و أمّا رأيت رجلا إلّا زيدا، فإنّه لا يستعمل، لأنّه و إن لم يفد رجلا بعينه، فإنّا نعلم أنّ رؤيته ما يتناول إلّا شخصا معيّنا، و إن لم يكن معينا عندنا.

و الشي‏ء المعيّن الواحد لا يجوز أن يستثنى منه، لأنّه لم يدخل معه غيره على جهة الشمول و لا على جهة البدل.

المطلب الثاني: في أنّ «من» و «ما» و «أين» و «متى» في الاستفهام للعموم‏

هذه الصّيغ، إمّا أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما على سبيل الاشتراك، أو لا لواحد منهما، و الجميع باطل إلّا الأوّل.

أمّا الثاني، فلأنّه لو كان كذلك، لما حسن الجواب بذكر الجميع، لوجوب المطابقة بين السؤال و الجواب.

150

و التالي باطل بالإجماع، و كذا (1) المقدّم.

و أمّا الثالث، فلأنّه لو كان للاشتراك، لما حسن الجواب إلّا بعد الاستفهام عن [جميع‏] الأقسام الممكنة، كما لو سأله من عندك؟ فكان يجب أن يقول:

تسألني عن الرجال أو النساء؟ فإذا أجاب بالرّجال، قال: عن العرب أو العجم؟

فإذا قال: العرب، قال عن ربيعة، أو مضر؟ و هلم جرّا إلى أن يستوفي الممكن، إذ ليس مشتركا بين الاستغراق و بين مرتبة معيّنة من مراتب الخصوص، لعدم القائل به، لكن لا يحسن السؤال عن جميع المراتب، لعدم تناهيها، فيستحيل السؤال عنها مفصّلا.

و لأنّا نعلم استقباح أهل اللّسان مثل هذا السؤال.

و لأنّ الأصل عدم الاشتراك.

و أمّا الرابع، فباطل بالإجماع، و أيضا يحسن في المجازات الاستثناء مثل:

من دخل داري أكرمه إلّا فلانا و فلانا.

و أيضا لو قال: «أكرم من دخل داري» و أخلّ‏ (2) العبد بإكرام بعض، استحقّ اللّوم.

فإن قيل: لا نسلّم أنّها ليست موضوعة للخصوص، و يحسن الجواب بذكر الجميع إذا وجد مع اللّفظ قرينة تجعلها للعموم، و حكم المركّب مخالف لحكم المفرد.

____________

(1). في «ب»: فكذا.

(2). في «ب»: فأخلّ.

151

سلّمنا، لكنّه مشترك، و لا يحسن جميع الاستفهامات لوجود قرينة تعيّن المراد.

سلّمنا عدم القرائن، لكن إنّما يصحّ ذكر الكلّ لو لم يكن مفيدا للمطلوب، و لا شكّ في افادته المطلوب و غيره إن كان السؤال عن البعض، و للمطلوب قطعا إن كان السؤال عن الجميع، بخلاف ذكر البعض، فكان ذكر الجميع أولى.

سلّمنا، لكن نمنع صحّة الاستفهام، و لهذا يحسن الجواب عن قوله: من عندك؟ أ عن الرجال تسألني أم عن النّساء؟ و أ عن الأحرار أو العبيد؟ غاية ما يقال: إنّ الاستفهام عن كلّ الأقسام قبيح، لكن ليس الاستدلال بقبح بعض تلك الاستفهامات على عدم الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن بعضها على الاشتراك، و عليكم التّرجيح.

سلّمنا، لكن يعارض بأنّها لو كانت للعموم فقط، لما حسن الجواب إلّا بقوله: لا أو نعم، فإنّ من عندك؟، في تقدير: أ كلّ الناس عندك؟، و الجواب أنّ على تقدير عدم تلك القرينة لا يحسن الجواب بذكر الجميع، و نحن نعلم حسنه من عادة أهل اللّغة، و إن لم توجد قرينة أصلا.

و لأنّ القرينة يجب علمها للسّامع و المجيب، لاستحالة جعلها طريقا إلى العلم بعموميّة هذه الصّيغة، مع عدم علمنا بتلك القرينة.

و ليست القرينة لفظا، لفرض عدمه، و لا غيره، لعدم تعقّله في غير اللّفظ، و الإشارة المنتفية في حقّ الأعمى مع حسن جوابه بالجميع.

152

و لأنّا لو كتبنا: من عندك؟ حسن الجواب بالجميع، مع عدم جميع القرائن.

و هو الجواب عن قرينة الاشتراك، و لأنّ الإجماع وقع على جواز خلوّ المشترك عن جميع القرائن المعيّنة.

و ذكر ما هو أعمّ من المطلوب، يقتضي حسن الجواب بالنساء و الرّجال عن مثل: من عندك من الرجال لأنّ تخصيص السؤال عن الرّجال يدلّ على عدم الحاجة عن السؤال عن النساء، مع أنّه كما احتمل كون غرضه بالسؤال ذكر الجميع، احتمل أن يكون غرضه السؤال عن البعض، و السّكوت عن الباقي.

و قوله: ليس الاستدلال بقبح البعض على نفي الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن البعض على [ثبوت‏] الاشتراك.

قلنا: الإجماع على أنّ هذه الصّيغة ليست مخصوصة ببعض المراتب دون البعض، فلو كانت حقيقة في الخصوص، لكانت حقيقة في جميع مراتبه، فكان يجب الاستفهام عن جميعها، و لمّا لم يكن كذلك علمنا بطلان الاشتراك.

و حسن بعض الاستفهامات، لا يدلّ على وقوع الاشتراك، لما في الاستفهام من الفوائد غير الاشتراك.

و السّؤال لم يقع عن التصديق حتّى يجب الجواب بلا أو بنعم، بل عن التصوّر و قوله: من عندك؟ معناه: اذكر لي الجميع و لا تخلّ أحدا عندك إلّا و اذكره، و هذا لا يحسن الجواب بلا أو نعم.

153

المطلب الثالث: في أنّ صيغتي «ما» و «من» في المجازاة للعموم‏

و يدلّ عليه وجوه:

الأوّل: لو كان مشتركا، لما حسن الفعل إلّا عند الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة، لكنّه حسن، فدلّ على عدم الاشتراك.

الثاني: يحسن استثناء كلّ واحد من العقلاء عن قوله: من دخل [داري‏] فأكرمه.

الثالث: لمّا نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ‏ (1) قال ابن الزّبعرى‏ (2): لأخصمنّ محمّدا، ثمّ جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال:

«يا محمّد أ ليس قد عبدت الملائكة؟ أ ليس قد عبد عيسى»؟ فتمسّك بالعموم، و لم ينكره النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتّى نزل [قوله تعالى‏]: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى‏ (3).

لا يقال: السؤال خطأ لأنّ ما لما لا يعقل.

لأنّا نمنع ذلك، لقوله [تعالى‏]: وَ السَّماءِ وَ ما بَناها (4).

____________

(1). الأنبياء: 98.

(2). هو عبد اللّه بن الزّبعرى- بكسر الزاء و فتح الباء و سكون العين و فتح الراء- شاعر قريش في الجاهلية، كان من أشدّ الناس على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و المسلمين، ثمّ أسلم عام الفتح، و اعتذر، و مدح النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) توفّي حدود سنة 15 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 4/ 87.

(3). الأنبياء: 101. نقل الطبرسي قصة ابن الزبعرى في مجمع البيان: 7/ 102.

(4). الشمس: 5.

154

المطلب الرابع: في النّكرة المنفيّة (1)

النّكرة في معرض النفي للعموم، لوجوه:

الأوّل: صحّة الاستثناء.

الثاني: العقلاء إذا أرادوا تكذيب ما أكلت شيئا، قالوا: قد أكلت كذا، و إذا كذّبوا أكلت شيئا، قالوا: ما أكلت شيئا، و الإثبات للجزئيّ قطعا، فلو كان السلب له لم يتناقضا، لما عرف من عدم التناقض بين الجزئيّتين، و لهذا لما أراد اللّه تعالى تكذيب الكفّار في السلب الكلّي حيث قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى‏ بَشَرٍ مِنْ شَيْ‏ءٍ (2) بموجبة جزئيّة، فقال: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى‏ (3).

الثالث: لو لم يكن للعموم، لم يكن قولنا: لا إله إلّا اللّه نفيا لجميع الآلهة ما عدا اللّه تعالى.

الرابع: الإجماع من العلماء على التمسك بتحريم نكاح كلّ عمّة و كلّ خالة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا تنكح المرأة على عمّتها و على خالتها» (4) و تحريم قتل كلّ صيد بقوله [تعالى‏]: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ‏ (5) «و لا يرث القاتل» (6)

____________

(1). في «أ»: المنتفية.

(2 و 3). الأنعام: 91.

(4). الوسائل: 14/ 304، الباب 13 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.

(5). المائدة: 95.

(6). وسائل الشيعة: 17/ 388، الباب 7 من أبواب موانع الإرث، أحاديث الباب.