نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
155

و لا يقتل والد بولده، «و لا يقتل مؤمن بكافر» (1) إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة.

و لمّا نزل قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ (2) الآية، قال ابن أمّ مكتوم و كان ضريرا ما قال، فنزل قوله تعالى: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (3) فعقل الضرير و غيره عموم لفظ المؤمنين.

و لمّا نزل‏ وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ‏ (4) قالت الصحابة: فأيّنا لم يظلم نفسه، فبيّن‏ (5) أنّه أراد ظلم النّفاق و الكفر.

الخامس: النكرة، إمّا أن يقال: إنّها للعموم على سبيل الجميع، أو للخصوص، أو مطلقا.

و الأوّل باطل بالإجماع، فإنّ أحدا لم يقل: إنّ «رأيت رجلا» مستغرق لكلّ رجل جمعا.

و أمّا الثاني و الثالث فنقول: إن كان موضوعا لشخص بعينه كان علما لا نكرة، و إن كان موضوعا لواحد غير معيّن فنفيه إنّما يحصل باستغراق‏

____________

(1). سنن ابن ماجة: 2/ 887، كتاب الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر برقم 2660؛ سنن أبي داود: 4/ 181، كتاب الديات، باب أ يقاد المسلم بالكافر برقم 4530؛ و عوالي اللآلي: 1/ 235، و ج 3/ 588.

(2). النساء: 95.

(3). النساء: 95.

(4). الأنعام: 82.

(5). في «ب»: فثبت.

156

النفي و عمومه، لعدم التّعاند بين اثبات حكم لشخص ما، و نفيه عن شخص ما.

و في هذا الموضع بحث لطيف، ذكرناه في كتبنا المنطقيّة.

تذنيب‏

النكرة المثبتة في معرض الخبر ليست عامّة لا على الجمع و لا على البدل، مثل: جاءني رجل.

أمّا الجمع فظاهر، و أمّا البدل، فلأنّ الإخبار وقع عن مجي‏ء شخص بعينه فلا يعمّ، و أمّا في معرض الأمر فللعموم على البدل، لقوله: أعتق رقبة، للإجماع على الخروج عن العهدة بأيّ رقبة كانت، و لو لا العموم لما كان كذلك.

المطلب الخامس: في أنّ الجمع المعرّف بلام الجنس للعموم‏

الجمع إذا دخل عليه لام العهد، انصرف إلى المعهود إجماعا، و إن دخل عليه لام الجنس، أفاد العموم، خلافا للواقفيّة و أبي هاشم.

لنا وجوه:

الأوّل: لما طلب الأنصار «الإمامة» لنفسهم احتجّ عليهم أبو بكر بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الأئمّة من قريش» (1) و سلّم الأنصار تلك الحجة، و لو لا العموم لما

____________

(1). أخرجه البيهقي في سننه: 8/ 143- 144، كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمّة من قريش، و أحمد بن حنبل في مسنده: 3/ 183.

157

تمّت‏ (1) إذ يبقى التقدير بعض الأئمّة من قريش، فلا ينافي كلّهم، بخلاف كلّ الأئمّة من قريش. (2)

الثاني: لمّا قاتل أبو بكر مانعي الزّكاة أنكر عمر بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا اللّه» احتجّ عليه بعموم اللفظ، و لم ينكر عليه أبو بكر و لا غيره من الصحابة ذلك، بل عدل أبو بكر إلى الاستثناء و قال: أ ليس قد قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إلّا بحقّها»، و الزكاة من حقّها. (3)

الثالث: هذا الجمع يؤكّد بما يقتضي العموم، فوجب أن يفيده.

أمّا الأولى، فظاهرة، كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ‏ (4).

و أمّا الثانية، فلأنّه بعد التأكيد للاستغراق بالإجماع، و إذا كان كذلك، وجب أن يكون كذلك قبل التأكيد، لانّ‏ (5) التأكيد يفيد تقوية المعنى الّذي كان ثابتا في الأصل، فلو لم يكن الاستغراق حاصلا، و إنّما حصل بالتأكيد، لكان تأثير هذا اللفظ في إثبات حكم جديد، و ابتداء وضع مستأنف، لا في تقوية الأوّل، فلا يكون مؤكّدا.

____________

(1). في «أ»: لما ثبت.

(2). و المراد أنّ قوله «الأئمّة من قريش» لو كان معناه «بعض الأئمة من قريش» لوجب أن لا ينافي وجود إمام من غير قريش، أمّا كون كلّ الأئمّة من قريش فينافي كون بعض الأئمّة من غيرهم.

(3). أخرجه البخاري: 3/ 262، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، برقم 1399، و مسلم: 1/ 51، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتّى يقولوا لا إله الّا اللّه، و أبو داود في سننه: 3/ 44، كتاب الجهاد، برقم 2640، و الترمذي في سننه: 5/ 3 برقم 2606- 2607.

(4). الحجر: 30.

(5). في «أ»: و لأنّ.

158

لا يقال: ينتقض بتأكيد جمع القلّة بهذه المؤكّدات، بل و تأكيده عند الكوفيّين، فإنّهم نقلوا:

قد صرّت البكرة يوما أجمعا

إنّا إذا خطّافنا تقعقعا* * * قد صرّت البكرة يوما أجمعا

و ذلك كلّه لا يفيد الاستغراق، فلو كان التأكيد يدلّ عليه، لخرجت اللفظة عن مدلولها بالتأكيد، فيكون نقضا لا تأكيدا.

و لأنّ سيبويه‏ (2) نصّ على أنّ جمع السّلامة للقلّة.

لأنّا نقول: يمنع تأكيد جمع القلّة و النّكرة على قول البصريّين، و نصّ سيبويه محمول على الجمع الخالي من اللام الجنسيّة.

الرابع: لو لم يكن للعموم لم يفد اللّام تعريفا، و التالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّه على تقدير الخصوص، لا تحصل المعرفة، فإنّه ليس بعض الجموع أولى من البعض، فكان مجهولا، فيجب صرفه إلى الكلّ، لتحصل المعرفة، لأنّه معلوم المخاطب.

و أمّا بطلان التالي، فلأنّ أهل اللغة قالوا: إنّ الألف و اللام إذا دخلا على الاسم، صار معرفة.

____________

(1). البيت نقله ابن عقيل في شرحه في مبحث التوكيد و استشهد به من دون أن يعيّن قائله. و في هامشه: هذا الشاهد مجهول النّسبة إلى قائله، و يذكر بعض النحاة من البصريّين أنّه مصنوع، و يروي بعض من يستشهد به قبله:

إنّا إذا خطّافنا تقعقعا* * * قد صرّت البكرة يوما أجمعا

و استشهد به السيوطي في همع الهوامع: 2/ 124.

(2). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 169.

159

لا يقال: إذا أفاد المنكّر جمعا من [هذا] الجنس، أفاد اللّام تعريف ذلك الجنس.

لأنّا نقول: هذه الفائدة كانت حاصلة قبل اللّام، فإنّ قولك: رأيت رجالا، أفاد جنس الرّجال، فلم يبق للألف و اللام فائدة سوى الاستغراق.

الخامس: يصحّ استثناء أي عدد شئنا، فهو يفيد العموم على ما تقدّم.

السادس: كثرة المعرّف أكثر من كثرة المنكّر، فيكون للعموم.

أمّا الصّغرى، فلصحّة: جاء رجال من الرّجال، دون العكس، و المنتزع منه أكثر من المنتزع.

و أمّا الثانية، فلأنّ المفهوم من [الجمع‏] المعرّف إمّا الجمع، و هو المطلوب، أو ما دونه، و هو باطل، فإنّه لا عدد أقلّ من الكلّ إلّا و يصحّ انتزاعه من الكلّ، فثبت أنّه للكلّ.

السّابع: اللّام العهديّة تعمّ، فكذا الجنسيّة.

أمّا الأولى، فلانّ من فاخر غيره في ذكر رجال معيّنين، ثمّ قال: أحدّثك عن الرّجال، عقل منه جميعهم، لأنّ الّذي جرى ذكره، هو الجميع، فليس انصرافه إلى البعض أولى من انصرافه إلى الآخر.

و أمّا الثانية، فلأنّ الجنس هو المتعارف إذا لم يكن عهد، و كان للجميع، لعدم أولويّة البعض.

160

احتجّ المانعون بوجوه:

الأوّل: لو كانت [هذه الصيغة] للعموم، لكان استعمالها في العهد مجازا أو اشتراكا، و هما خلاف الأصل.

الثاني: يلزم التكرير في جاء كلّ الناس، و النّقض في بعضهم.

الثالث: يقال: جمع الأمير الكتّاب، مع أنّه ما جمع الكلّ، و الأصل [في الكلام‏] الحقيقة، فهذه الصيغة حقيقة فيما دون الاستغراق، فلا تكون حقيقية فيه، دفعا للاشتراك.

الرابع: إذا قال: جاءني رجال، اقتضى جمعا من الرّجال غير مستغرق، و اللّام أفادت التعريف، فمن أين جاء الاستغراق؟

الخامس: لو أفاد الاستغراق، لكان قولنا: فلان يلبس الثياب بمنزلة: يلبس كل الثياب، و نفيه و هو: فلان لا يلبس الثّياب صادق، و يحسن إطلاقه على كلّ واحد، إذ كلّ أحد لا يلبس كلّ الثياب و معلوم أنّ أهل اللغة لا يستحسنون إطلاق ذلك إلّا على من لا يلبس شيئا من الثّياب، فعلمنا أنّ قولنا: فلان يلبس الثياب، يفيد الجنس، فنفيه يفيد نفي الجنس أصلا، فلذلك عمّ.

و كذلك ينبغي أن يوصف كلّ أحد بأنّه لا يباشر النّساء و لا يأكل الطعام، لعدم مباشرته لجميع النساء.

و الجواب عن الأوّل: أنّ اللّام للتعريف، فينصرف إلى ما السامع به أعرف، فإن كان هناك معهود، حمل عليه، لأنّ السامع به أعرف، و إلّا حمله على الجميع،

161

لأنّه بالكلّ أعرف من البعض، لتعدّد الأبعاض و وحدة الكلّ.

سلّمنا، لكنّه مجاز في العهد، لافتقار الحمل عليه إلى قرينة، و هو من علامات المجاز.

و عن الثاني: أنّه تأكيد و تخصيص، لا تكرير و نقض.

و عن الثالث: أنّه تخصيص بالعرف، مثل: من دخل داري أكرمه، فإنّ العرف أخرج اللّصّ.

و عن الرابع: لا منافاة بين إفادة التعريف و الاستغراق خصوصا، و قد بيّنا أنّه متى حملت على بعض غير معيّن نقض ذلك التعريف بجهالته، و إفادة الجنس حصلت قبل اللّام.

و عن الخامس: أنّ النّفي ورد على اللبس للكلّ‏ (1) و هو سلب جزئيّ يمكن معه صدق السّلب الكليّ، فيحمل عليه فيما عهد فيه‏ (2) السّلب الكليّ.

و ما ذكرتموه من الأمثلة قد عهد فيه السلب الكليّ و كان محمولا عليه.

____________

(1). في «ب»: على الكلّ.

(2). في «أ»: عهد منه.

162

المطلب السادس: في بقايا صيغ العموم‏

فمنها: الجمع المضاف، مثل: عبيدي أحرار، أو عبيد زيد، لما تقدّم من الاستثناء و غيره، و لقوله تعالى: وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏ (1) تمسّكا منه بقوله تعالى: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ‏ (2) و أقرّه تعالى على ذلك، و أجابه بما دلّ على أنّه ليس من أهله، فلو لا أنّ إضافة الأهل إلى نوح للعموم، لما صحّ ذلك.

و لقوله تعالى: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ (3) فهم إبراهيم من أهل القرية العموم، حيث قال: إِنَّ فِيها لُوطاً (4).

و الملائكة أقرّوه على ذلك، و أجابوه بتخصيص لوط و أهله بالاستثناء و استثناء امرأته من الناجين.

و أيضا، احتجّت فاطمة (عليها السلام) على أبي بكر، حيث منعها من فدك و العوالي في توريثها من أبيها فدك و العوالي بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‏ (5) و لم ينكر عليها أحد من الصحابة، بل عدل أبو بكر إلى رواية رواها

____________

(1). هود: 45.

(2). العنكبوت: 33.

(3). العنكبوت: 31.

(4). العنكبوت: 32.

(5). النساء: 11.

163

عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هي: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» (1).

و أيضا، لو قال: عبيدي أحرار عتق جميع عبيده، و كذا: نسائي طوالق، تطلق كلّ امرأة له بالإجماع، و لو لم يكن للعموم لم يجب ذلك.

و منها: الكناية، كقوله: فعلوا، فإنّها تقتضي مكنيّا عنه، و المكنيّ عنه قد يكون للاستغراق، و قد لا يكون، و الكناية تابعة.

و منها: إذا أمر جمعا بصيغة جمع، أفاد الاستغراق فيهم، لأنّ السيّد إذا أمر غلمانه بقوله: قوموا، استحقّ من يتخلّف عن القيام الذّمّ، و لو لا العموم لما كان كذلك، و لا يجوز استفادة ذلك من القرينة، لأنّها إن كانت من لوازم الصيغة، ثبت المطلوب، و إن كانت من عوارضه، فرضنا تجرّدها.

____________

(1). الوارد عن طرقنا هو: «انّ الأنبياء ورثة الأنبياء، انّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و لكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر» الكافي: 1/ 34، باب ثواب العالم و المتعلم.

و أمّا قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» فلم يرد عن طرقنا، و إنّما رواه العامّة، و الحديث غير صحيح، لكونه مخالفا للذكر الحكيم قال سبحانه: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ النمل: 16. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ‏ مريم: 6. و لاحظ بحار الأنوار: 28/ 104 و ج 29/ 208 و 358.

164

الفصل الثاني: فيما لحق بالعام و ليس منه‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في أنّ الواحد المعرّف بلام الجنس ليس للعموم‏

ذهب أبو علي الجبّائي و المبرّد و جماعة من الفقهاء إلى أنّ المعرّف باللّام للعموم، سواء كان مشتقّا أو غير مشتقّ، و ذهب أبو هاشم و جماعة المحقّقين إلى أنّها للجنس لا للعموم.

لنا وجوه:

الأوّل: عدم تبادر العموم إلى الفهم لو قال: أكلت الخبز، و شربت الماء، (نظرا للقرينة) (1).

الثاني: لا يجوز تأكيده بما يؤكّد به الجمع، فلا يقال: جاء الرجل كلّهم، و لا أجمعون، و لو كان للعموم لصحّ، كما جاز: جاءني الرّجال كلّهم أجمعون. (2)

____________

(1). ما بين القوسين يوجد في «ب».

(2). الاستدلال للرّازي في محصوله: 1/ 382.

165

و فيه نظر، لاحتماله اشتراط تتابع الصّيغة.

الثالث: لا ينعت بنعت الجمع، فلا يقال: جاءني الرجل العاقلون، و قولهم أهلك النّاس الدينار الصّفر، و الدّرهم البيض للمجاز، لعدم الاطّراد.

و لأنّه لو كان حقيقة، لكان الدّينار الأصفر مجازا، كما أنّ الدنانير الصفر لما كان حقيقة، كان الدينار الأصفر خطأ أو مجازا. (1)

و فيه ما تقدّم.

الرّابع: البيع من حيث هو جزء من مفهوم هذا البيع، فحلّ هذا البيع يستلزم حلّ جزئه، فلو كان للعموم لزمت إباحة كلّ بيع، و هو معلوم البطلان.

لا يقال: اللّفظ المطلق إنّما يفيد العموم لو تعرّى عن لفظ التّعيين، أو أنّه يقتضي العموم، لكن لفظ التعيين يقتضي خصوصه.

لأنّا نقول: العدم لا مدخل له في التأثير (2).

و فيه نظر، لأنّه شرط لا مؤثّر، و الأجود أنّ عدم الشرط حينئذ ينافي العموم، و الأصل عدم التّعارض، و هو الجواب عن الثاني.

الخامس: المطلق إنّما يدلّ على الماهيّة، كما يوجد مع العموم، كذا يوجد مع الخصوص، فإنّ هذا الإنسان مشتمل على الإنسان مع قيد هذا، فالآتي بهذا

____________

(1). لاحظ المحصول للرازي: 1/ 382.

(2). لاحظ المحصول للرازي: 1/ 383.

166

الفرد آت بالماهيّة، فيخرج عن عهدة التكليف بالعمل بذلك النصّ، فلا دلالة للفظ على العموم.

احتجّوا بوجوه:

الأوّل: يجوز الاستثناء، فيكون للعموم.

أمّا الأولى، فلقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا.

و أمّا الثانية، فلأنّ الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب، كما تقدّم.

الثاني: الألف و اللّام للتعريف، و ليس لتعريف الماهيّة لحصوله بأصل الاسم و لا لواحد بعينه، لعدم دلالة اللّفظ عليه، و لا لبعض مراتب الخصوص، لعدم الأولويّة، فيكون للجميع.

الثالث: ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعليّة، لأنّ قوله [تعالى‏]:

السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ (1) مشعر بأنّ استحقاق القطع لمجرد السّرقة، و كذا أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (2) مشعرا بأنّه إنّما كان حلالا لكونه بيعا، و هو يقتضي العموم في الحكم، لعموم علّة.

الرابع: اختلف النّاس بين قائل بالعموم في الواحد و الجمع، و بين قائل بعدمه فيهما، فالقول بالفصل خارق للإجماع، و قد ثبت أنّ الجمع للعموم، فيكون المفرد كذلك.

____________

(1). المائدة: 38.

(2). البقرة: 275.

167

و الجواب عن الأوّل: أنّه مجاز، لعدم الاطّراد، لقبح «رأيت الإنسان إلّا المؤمن».

و لأنّ الخسران لمّا لزم جميع أفراد النوع إلّا المؤمن، جاز الاستثناء.

و عن الثاني: أنّ لام الجنس تفيد تعيين الماهيّة، و نفس الماهيّة لا تقتضي الكليّة (1).

و فيه نظر، لأنّ تعيين الماهيّة قد استفيد من المنكّر.

و الأجود أن يقال: إنّ المنكّر يفيد واحدا من الجنس غير معيّن، و الألف و اللام دلّتا على عدم إرادة الوحدة و الكثرة.

و عن الثالث: بالمنع من إشعاره بالعليّة.

سلّمنا، لكن ذلك يكون دليلا غير اللّام، و لا نزاع فيه.

و عن الرابع: بالمنع من الإجماع، و إنّما يعلم ما ذكره من قول الشيخين‏ (2)، و من تبعهما فقط.

على أنّا نمنع من الفرق بين المسألتين إذا جمعهما طريق واحد، و لا طريق واحد هنا.

____________

(1). الاستدلال للرّازي في محصوله: 1/ 384.

(2). المراد الجبائيّان: أبو علي و ابنه أبو هاشم.

168

المبحث الثاني: في الجمع المنكّر

و فيه مطلبان:

[المطلب‏] الأوّل: في أنّ أقل الجمع ثلاثة

و هو قول أبي حنيفة، و الشافعي، و إليه ذهب ابن عباس، و مشايخ المعتزلة، و جماعة من أصحاب الشافعي.

و قال الغزّالي‏ (1) و جماعة من أصحاب الشافعي: إنّ أقلّه اثنان، و هو مذهب زيد بن ثابت، و مالك، و داود، و القاضي أبي بكر، (2) و الأستاذ أبي إسحاق. (3)

و قال الجويني: يمكن ردّ لفظ الجمع إلى الواحد. (4)

و التحقيق أن نقول: هنا أمران:

أحدهما: أنّ قولنا: «جمع» ما الّذي يفيد.

و الثاني: أن يقال: الألفاظ الموصوفة بأنّها «جمع» هل تفيد الاثنين حقيقة أو لا؟ نحو قولنا: جماعة، و رجال.

____________

(1). المستصفى: 2/ 149- 150.

(2). التقريب و الإرشاد: 3/ 324.

(3). تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 151.

(4). البرهان في أصول الفقه: 1/ 241.

169

أمّا قولنا: «جمع» فإنّه يفيد من حيث الاشتقاق ضمّ الشّي‏ء إلى الشي‏ء، و في عرف اللّغة ألفاظ مخصوصة، نحو: هذا اللّفظ جمع، و هذا تثنية.

و أمّا قولنا: جماعة، و رجال، فإنّه يفيد ثلاثة فصاعدا، و لا يفيد الاثنين إلّا مجازا.

و الثاني، هو المتنازع فيه.

لنا وجوه:

الأوّل: فرّق أهل اللّغة بين التثنية و الجمع، كما فرّقوا بين الواحد و الجمع، و الواحد و التثنية.

الثاني: فرّقوا بين الضّميرين، فقالوا في التثنية: قاما و يقومان، و في الثلاثة:

فعلوا، و يفعلون، و في الأمر للاثنين‏ (1): افعلا، و في الثلاثة: افعلوا.

الثالث: ينعت الجمع بالثلاثة فما زاد، دون التثنية، و بالعكس فيقال: رجال ثلاثة، و ثلاثة رجال، و لا يقال: رجال اثنان، و لا اثنان رجال و لا رجال عاقلان، و لا رجلان عاقلون. (2)

و فيه نظر، لإرادة التطابق لفظا.

الرابع: يصحّ: ما رأيت رجالا بل رجلين، و لو كان حقيقة فيهما لم يصحّ نفيه.

____________

(1). في «ب»: و في الأمر الاثنين.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 385.

170

و فيه نظر، لدلالة قرينة الإضراب على الجمع.

الخامس: لو قال: له عليّ دراهم، لزمه ثلاثة فما زاد، و كذا لو أوصى، أو نذر. (1)

(و فيه نظر، للمنع). (2)

السّادس: روي عن ابن عبّاس أنّه قال لعثمان لمّا ردّ الأمّ من الثّلث إلى السّدس بأخوين: قال اللّه تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ‏ (3)، و ليس الأخوان إخوة في لسان قومك، فقال عثمان: لا أستطيع أن انقض أمرا كان قبلي، و لو لا أنّ ذلك مقتضى اللّغة لما احتجّ به ابن عباس على عثمان و أنكر عليه، مع أنّه كان من فصحاء العرب.

احتجّوا بوجوه:

الأوّل: قوله تعالى: وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ‏ (4) و المراد: داود و سليمان.

[و قوله تعالى:] إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ‏ (5) و كانا اثنين، لقوله تعالى:

خَصْمانِ‏ (6).

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 348.

(2). ما بين القوسين يوجد في «ب».

(3). النساء: 11.

(4). الأنبياء: 78.

(5). ص: 21.

(6). ص: 22.

171

[و قوله تعالى:] هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏ (1).

[و قوله تعالى:] إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ‏ (2).

[و قوله تعالى:] إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ‏ (3) و أراد به موسى و هارون.

[و قوله تعالى:] عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً (4) و المراد: يوسف و اخوه.

[و قوله تعالى:] وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (5).

[و قوله تعالى:] إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (6).

[و قوله تعالى:] فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ‏ (7) و أراد به الأخوين.

الثاني: ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قوله: الاثنان فما فوقهما جماعة (8).

الثالث: معنى الاجتماع حاصل في الاثنين.

الرابع: لو أخبر اثنان عن فعلهما لقالا: قمنا، و قعدنا كما تقول: الثلاثة، بلفظ الجمع.

____________

(1). الحجّ: 19.

(2). ص: 22.

(3). الشعراء: 15.

(4). يوسف: 83.

(5). الحجرات: 9.

(6). التحريم: 4.

(7). النساء: 11.

(8). سنن ابن ماجة: 1/ 312 برقم 972.

172

الخامس: لو أقبل عليه رجلان في مخافة قال: أقبل الرجال، و الأصل في الإطلاق، الحقيقة.

و الجواب عن الأوّل: أنّ الحكم مصدر، فيضاف تارة إلى الفاعل، و أخرى إلى المفعول، و إذا اعتبرنا المتحاكمين مع الحاكم، كانوا ثلاثة، فالكناية وقعت عن الجميع. (1)

و فيه نظر، فإنّا نمنع صحّة إضافته إلى الفاعل و المفعول دفعة، و إن صحّ إضافته إلى كلّ واحد منها منفردا.

و الجواب الأوّل للسيّد المرتضى، و نقل عمّن تقدّمه جوابين: أحدهما:

أنّه للتعظيم، و الثاني: أنّه أضاف الحكم إلى سائر الأنبياء المتقدّمين.

و اعترضه بأنّ التعظيم باستعمال النون، دون غيره، و لم تجر العادة بأن نقول عن اثنين:

قاموا، و نضيف إليهما ثالثا.

و فيه نظر، فإنّ التعظيم باعتبار إقامة الواحد مقام الجميع، و هو غير مختصّ بالنّون، و قد ورد الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ‏ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ (3) و غيرهما.

____________

(1). الاستدلال للسيّد المرتضى في الذريعة: 1/ 231.

(2). آل عمران: 173.

(3). المائدة: 55.

173

و الخصم، مصدر يقع على الواحد و الكثير، يقولون: هذا خصم، و هذان خصم، و هؤلاء خصمي، بلفظ واحد. (1)

و فيه نظر، فإنّا نسلّم صدق المصدر على الواحد و الكثير، لكنّ القصّة تقتضي أنّهما اثنان للتثنية، و لحكاية حالهما، فصدق ضمير الجمع في‏ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ‏ يعطي صدق الجمع على الاثنين.

و كذا [قوله:] فَفَزِعَ مِنْهُمْ‏ (2).

نعم يصلح ما ذكرتموه جوابا عن قوله‏ هذانِ خَصْمانِ‏ (3).

و [موسى و هارون و] فرعون مراد من قوله‏ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ‏ (4).

[و يوسف و أخوه‏] و الأخ الثالث شمعون الّذي قال: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي‏ (5) مراد من قوله: أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً (6)، و المطابقة تصدق على الجميع.

و القلب يطلق على الجارحة بالحقيقة، و على الميل الموجود فيه بالمجاز، فيقال للمنافق: ذو قلبين، كما يقال: ذو جهتين و [ذو] لسانين، و لمن لا يميل قلبه إلّا إلى واحد: له قلب واحد، و لسان واحد.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 386.

(2). ص: 22.

(3). الحجّ: 19.

(4). الشعراء: 15.

(5). يوسف: 80.

(6). يوسف: 83.

174

و لمّا خالفتا أمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما يأمر وقع في قلبهما دواع مختلفة، و أفكار متباينة، فأطلق عليها اسم القلوب، لأنّ القلب لا يوصف بالصّغو، بل يوصف به الميل.

و الحجب مع الأخوين للإجماع، لا للآية.

و الحديث يراد به إدراك فضل الجماعة أو أنّه نهى عن السفر إلّا في جماعة، ثمّ قال: «الاثنان فما فوقهما جماعة» لجواز السّفر.

و البحث لم يقع فيما تفيده لفظة الجمع بل عمّا يتناوله لفظ الرّجال، و أحدهما غير الآخر.

و أيضا، فإنّ ماهيّة اشتقاق لفظ الجماعة في الثلاثة و إن وجد في الاثنين، إلّا أنّه لا يلزم الإطلاق، لأنّه قياس في اللّغة، و لهذا لم يجب في القارورة.

و لفظ «قمنا» لا يدلّ على الجمع، فإنّ الواحد يصحّ أن يقول ذلك، و ليس بجمع‏ (1).

و فيه نظر، فإنّ الواحد إنّما يصحّ فيه ذلك إن قصد التعظيم لنفسه، بأن يقاوم الجماعة و يساويهم في الكثرة، و إن كان واحدا في الحقيقة، بخلاف المثنّى في هذه الصّيغة.

و الإطلاق الثاني صادق في الواحد، فنقول: جاء الرّجال‏ (2) مجازا، كما في الاثنين.

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 347.

(2). في «ب»: جاءني الرّجال.

175

المطلب الثاني: في أنّ الجمع المنكّر ليس للعموم‏

بل يحمل على أقلّه، الخلاف هنا مع أبي علي، فإنّه قال: إنّه للعموم.

لنا: أنّ لفظ رجال يمكن نعته بأيّ جمع شئنا، فيقال: رجال ثلاثة، و أربعة و هكذا، و يمكن تقسيمه إليها.

و مورد التقسيم مشترك بين الأقسام، مغاير لكلّ واحد منها، و غير مستلزم لها، فاللّفظ الدّال على ذلك المورد لا إشعار له البتّة بشي‏ء منها، أمّا الثلاثة، فإنّها واجبة الدخول قطعا، لأنّه إذا قصد الأكثر دخلت قطعا.

احتجّ بوجوه:

الأوّل: حمله على الاستغراق حمل له على جميع حقائقه، فيكون أولى من حمله على البعض، لعدم الأولويّة.

الثاني: لو أراد المتكلّم البعض لعيّنه، و إلّا كان مراده مبهما، و لمّا بطل التعيين، ثبت أنّه للعموم.

الثالث: يصحّ استثناء كلّ عدد منه سوى الاستغراق، و الاستثناء إخراج جزء من كلّ.

و الجواب عن الأوّل: أنّ حقيقة هذا الجمع الثلاثة من غير بيان عدم الزائد و وجوده، و هو أمر مشترك بين الثلاثة لا غير، و بين الثلاثة مع غيرها، و اللفظ الدّال على القدر المشترك، لا دلالة له البتّة على شي‏ء من جزئيّاته، فضلا عن أن يكون حقيقة فيها.

176

و عن الثاني: المراد في الجمع المنكّر، كالمراد في النكرة، و كما لا يجب التعيين هناك إلّا مع إرادة المعيّن، كذا هنا.

و عن الثالث: المنع من صحّة الاستثناء لكلّ عدد.

سلّمنا لكنّ الفائدة هنا عدم الصلاحيّة.

المبحث الثالث: في نفي الاستواء

ذهب أكثر فقهاء الشافعية إلى أنّه للعموم، كما في قوله تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ (1) فإنّه يقتضي نفي المساواة في جميع الأمور.

و منعه أبو حنيفة فقال: إذا وقع التفاوت و لو من وجه واحد، صدق نفي المساواة.

و يتفرّع على الخلاف القصاص للذّمي من المسلم، فعند الشافعي لا يثبت، و إلّا لزم تساويهما، و أثبته أبو حنيفة.

و القائل الأوّل احتجّ بوجهين:

الأوّل: الجملة نكرة و قد دخل عليها النّفي، فتكون عامّة كغيرها.

الثاني: إذا قلنا: لا مساواة بين زيد و عمرو، فقد دخل النفي على مسمّى‏

____________

(1). الحشر: 20.

177

المساواة، فلو وجدت المساواة من وجه، لما كان مسمّى المساواة منتفيا، و هو خلاف مقتضى اللّفظ.

احتجّ الآخرون بوجوه:

الأوّل: نفي المساواة أعمّ من نفي المساواة من كلّ الوجوه أو بعضها، و الدّال على القدر المشترك، لا إشعار له بأحد الجزئيّات.

الثاني: إطلاق لفظ المساواة إنّما يصحّ على تقدير الاستواء من كلّ الوجوه، و إلّا لوجب صدقها على أيّ شيئين فرضا حتّى المتناقضين، إذ ما من شيئين إلّا و يصدق مساواتهما في بعض الأشياء، كالشيئيّة، و المعلوميّة، و سلب ما عداهما عنهما.

و إذا صدقت المساواة بين كلّ شيئين، لم يصدق نقيضهما بينهما، و حينئذ يكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه، لأنّ النقيض الكلّيّ جزئيّ، فقولنا: لا يستويان، لا يفيد نفي الاستواء من كلّ الوجوه.

الثالث: لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كلّ وجه، لما صدق نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا، لأنّ كلّ شيئين لا بدّ و أن يستويا في شي‏ء ما حتّى النقيضين، لكنّ الأصل في الإطلاق الحقيقة.

الرابع: المساواة في الإثبات للعموم، و إلّا لم يستقم إخبار بمساواة، لعدم الاختصاص، و نقيض الكلّيّ الموجب جزئيّ سالب.

و التحقيق أن نقول: المساواة من الأمور الإضافيّة، لا تعقل إلّا مضافة إلى غيرها، و كما يمكن إضافتها إلى بعض الصّفات، يمكن إضافتها إلى الجميع، فإن‏

178

كان العرف يقتضي بأنّ الإطلاق عائد إلى الجميع، فنفيه لا يوجب العموم و إلّا وجب.

و الوجوه التي قيلت من الطّرفين لا تخلو من دخل.

أمّا الأوّل: فلأنّ‏ (1) الاستواء و إن كان نكرة إلّا أنّ متعلّقه إذا كان جزئيّا لم يعمّ النفي، بل عموم نفي الاستواء من ذلك الوجه، فإنّ قولنا: لم يضرب زيد عمرا، يقتضي عموم نفي ضرب زيد لعمرو لا مطلق ضرب زيد.

و أمّا الثاني: فكذلك، فإنّ نفي مطلق المساواة، يقتضي عمومه، لا عموم المضاف إليه.

و أمّا الثالث: فلأنّ المساواة أعمّ من المساواة من كلّ وجه، و من المساواة من بعضها، و الدالّ على المشترك، لا إشعار له بأحد الجزئيّات، فنفيه للعموم.

و أمّا الرابع: فلأنّه معارض بمثله، فإنّ نفي المساواة إنّما يصحّ على تقدير نفيها من كلّ الوجوه، فإنّه ما من شيئين إلّا و هما غير متساويين من وجه ما، و إذا صدق النفي كليّا، كان نقيضه جزئيّا.

و أمّا الخامس: فإنّ الحقيقة إذا تعذّرت، وجب الحمل على المجاز، و هنا نقول: إن أمكن نفي المساواة من كلّ وجه بطل منعكم، و إلّا وجب الحمل على المجاز، و كون الحقيقيّ ممتنع الوجود، لا يخرج اللّفظ عن وضعه.

____________

(1). في «ب» و «ج»: فإنّ.

179

و أمّا السادس: فالمعارضة كما مرّ، من أنّ نفي المساواة للعموم، و إلّا لم يستقم إخبار نفي المساواة، لعدم الاختصاص.

قيل: (1) إنّه يمكن أن يكون المراد لا يستويان في صفة من الصّفات.

و أجيب: بأنّ نفي المساواة علق بأصحاب الجنّة و أصحاب النار، و لم يعلّق بصفاتهم، و إذا علق بالفريقين، كفى في افتراقهما أن يتنافيا في بعض الصفات.

و قد أجاب قاضي القضاة عن تمسّك الشافعيّة بالآية، بأنّا قد علمنا استواءهم في صفات الذّات، فعلمنا أنّه أراد: لا يستويان في بعض الصفات، فإذا لم يذكر ذلك البعض، صارت الآية مجملة، و قد ذكرنا في الآية الافتراق في الفوز، فيجب حمل الآية عليه.

اعترضه ابو الحسين بأنّا لو سلّمنا لهم أنّ الآية تفيد نفي اشتراكهم في كلّ الصفات أجمع، لم يضرّهم اشتراكهم في كثير من الصّفات، لأنّ العموم إذا خرج بعضه، لم يمنع من التعلّق بباقيه‏ (2).

____________

(1). يلاحظ المعتمد: 1/ 232.

(2). المعتمد: 1/ 233.

180

المبحث الرّابع: في الخطاب المصدّر بالنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

إذا ورد خطاب صدّر بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مثل‏ يا أَيُّهَا النَّبِيُ‏ (1)، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ‏ (2)، يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ‏ (3)، لَئِنْ أَشْرَكْتَ‏ (4) لا يعمّ الأمّة إلّا بدليل منفصل، و هو قول الشافعيّة.

و قال أبو حنيفة و أحمد بن حنبل و أصحابهما: إنّه يكون خطابا للأمّة، إلّا ما دلّ الدّليل فيه على الفرق.

لنا: أنّ الخطاب المخصوص بواحد، لا يدلّ على حكم غيره في عرف اللّغة، فإنّ من خاطب بعض عبيده بخطاب موجّه إليه‏ (5) لا يكون ثابتا في حقّ الباقي، و ليس للسيّد ذمّهم على ترك ما أمر به ذلك البعض.

و أيضا، لو تناول غيره، لكان إخراج ذلك الغير تخصيصا، و ليس كذلك اتّفاقا.

و أيضا، يحتمل أن يكون الأمر للواحد المعيّن مصلحة له، و هو مفسدة في حقّ غيره، كما خصّ النبيّ بأحكام لم يشاركه فيها أحد من أمّته و مع امتناع‏

____________

(1). التحريم: 11.

(2). المائدة: 41 و 67.

(3). المزّمّل: 1.

(4). الزّمر: 65.

(5). في «أ»: يتوجّه إليه.

181

اتّحاد الخطاب و جواز الاختلاف في الحكم و المقصود، يمتنع التشريك إلّا لدليل خارجيّ.

و المخالفون في ذلك، إن زعموا أنّ مساواة حكم غيره له، مستفاد من هذا اللفظ، فهو جهالة، و إن زعموا أنّه مستفاد من دليل آخر، مثل [قوله تعالى:] وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏ (1) و ما شابهه، فخروج عن هذه المسألة، لأنّ الحكم لم يجب على الأمّة بمجرّد خطاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بل بدليل آخر.

و إذا ثبت ذلك، ثبت أيضا أنّ خطاب الأمّة خاصّة لا يتناوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

احتجّ بأنّ العادة قاضية بأنّ من كان مقدّما على قوم‏ (2) فإنّ أمره أمر لأولئك القوم، و لهذا إذا أمر السّلطان الوزير بالرّكوب إلى مبادرة العدوّ، فإنّ أهل اللّغة يعدّون ذلك أمرا لأتباعه، و كذا إذا أخبر عنه بأنّه فتح البلد، و كسر العدوّ، فإنّه يكون إخبارا عن أتباعه.

و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قدوة للأمّة، و متبوع لهم، فأمره و نهيه يكون أمرا لأتباعه.

و يؤيّده وضوحا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ‏ (3) و لم يقل: إذا طلّقت النّساء فطلقهنّ، و هو يدلّ على أنّ خطابه خطاب أمّته.

____________

(1). الحشر: 7.

(2). في «ب»: على قومه.

(3). الطلاق: 1.

182

و أيضا، قال تعالى: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ‏ (1) أخبره بأنّه اباحه ذلك ليكون مباحا [للأمّة] و لو كانت الإباحة مختصّة به، لم ينتف الحرج عن الأمّة.

و أيضا، لو لم يتعدّه الخطاب لم يكن لقوله [تعالى‏]: خالِصَةً لَكَ‏ (2) نافِلَةً لَكَ‏ (3) فائدة.

و الجواب عن الأوّل: يمنع من كون أمر المقدّم أمرا لأتباعه لغة، و لهذا صحّ: أمر المقدّم، و لم يأمر الأتباع، و لو حلف أنّه لم يأمر الأتباع لم يحنث.

و ما ذكرتموه من الأمثلة أمور جزئيّة استفيد منها مشاركة الأتباع لخصوصيّة الوقائع، و لزوم توقّف المقصود على أمر الأتباع، بخلاف أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بشي‏ء من العبادات، أو بتحريم شي‏ء (4) من الأفعال.

و آية الطلاق ذكر النّبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أوّلا للتشريف.

و عن الثاني: أنّ قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها (5) لا حجّة فيه على المقصود و قوله تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ‏ (6) لا يدلّ على أنّ نفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلول‏

____________

(1). الأحزاب: 37.

(2). الأحزاب: 50.

(3). الإسراء: 79.

(4). في «أ»: أو بتحريمه بشي‏ء.

(5). الأحزاب: 37.

(6). الأحزاب: 37.

183

لقوله‏ زَوَّجْناكَها بل غايته: أنّ رفع الحرج عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين، و ذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة رفع الحاجة (1) و حصول المصلحة، و عموم الخطاب غير متعيّن لذلك.

و عن الثالث: أنّ الفائدة نفي الإلحاق.

المبحث الخامس: في الخطاب بالنسبة إلى المذكّر و المؤنّث‏

اللّفظ إن اختصّ وصفا بأحدهما لم يتناول الآخر، فلفظ الرّجال، لا يتناول الإناث، و كذا النّساء، لا يتناول الذّكور، و إلّا حمل عليهما إن لم يقترن به ما يدلّ على أحدهما، كالنّاس، و مثل: من دخل داري من أرقّائي فهو حرّ، و كذا لو أوصى بهذه الصيغة، أو ربط بها توكيلا.

و قيل: إنّه مختص بالذّكور، لقولهم: من، منان، منون، منة، منتان، منات.

و ليس بصحيح، لما بيّنّا من أنّ ذلك ليس جمعا.

و إن اقترن به ما يدلّ على التأنيث مثل: قمن، لم يتناول الذكور إجماعا.

و إن اقترن به ما يدلّ على الذكور مثل: قاموا، و المسلمون، لم يتناول الإناث على المذهب الحقّ.

لنا: أنّ الجمع تضعيف الواحد، و قولنا: قام المسلم، لا يتناول المؤنّث، فكذا تضعيفه و هو قاموا، و المسلمون.

____________

(1). في «ب»: دفع الحاجة.

184

و أيضا، قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ‏ عطف جمع المؤنّث على جمع المذكّر، و لو كان داخلا فيهم لم يحسن العطف، لعدم الفائدة. (1)

و فيه نظر، لجواز عطف الخاصّ على العامّ، كقوله: وَ جِبْرِيلَ‏ (2) لقصد التنصيص.

و أيضا، قالت أمّ سلمة: إنّ النساء قلن: إنّ اللّه لم يذكر إلّا الرّجال، فأنزل اللّه‏ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ‏ و لو دخلن امتنع السؤال و التقرير عليه.

و أيضا، روي أنّه (عليه السلام) قال: «ويل للّذين يمسّون فروجهم، ثمّ يصلّون، و لا يتوضئون» فقالت عائشة: «هذا للرّجال فما للنساء» (3) و لو لا خروجهنّ من الجمع، لما صحّ السؤال و لا التقرير عليه.

احتجّوا بنصّ أهل اللّغة على تغليب التذكير عند الاجتماع.

و الجواب: لا نزاع فيما نصّ أهل اللّغة عليه، و ليس محلّ النزاع، فإنّ أهل اللّغة قالوا: «إذا اجتمعا غلب المذكّر» و ليس في ذلك دلالة على أنّ صيغة المذكّر توجب دخول المؤنّث فيها.

قالوا: أكثر خطاب الشرع بلفظ التذكير، مع وقوع الإجماع على دخول‏

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 375.

(2). البقرة: 98.

(3). أخرجه الدارقطني في سننه: 1/ 147- 148، باب ما روي في لمس القبل و الدبر و الذكر، الحديث 9 و بما أنّ نواقض الوضوء عند الإماميّة معيّنة و ليس مسّ الذكر منها. فتحمل الرواية- على فرض الصحّة- على الندب.

185

النساء في تلك الأوامر، و لو لا دخولهنّ في الخطاب، لما كان كذلك.

قلنا: و كذا أكثر اختصاص المذكّرين بخطاب التذكير، كالجهاد و أحكامه، و أحكام الجمعة، فلو كان خطاب التذكير يتناولهنّ، لكان إخراجهنّ عن هذه الأحكام خلاف الأصل.

المبحث السادس: في أنّ المقتضي لا عموم له‏

اعلم انّ المقتضي هو ما أضمر لضرورة صدق المتكلّم، و ذلك بأن يكون اللّفظ لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلّا بإضمار شي‏ء فيه، إذا عرفت هذا فنقول:

إذا كان ما يمكن إضماره متعدّدا، بحيث أيّ واحد منها فرض إضماره صدق الكلام و تمّ، فهل يجوز إضمار الجميع أم لا؟

الحقّ: أنّه لا يجوز، و هذا معنى قول الفقهاء: «المقتضي لا عموم له» مثاله قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): رفع عن أمّتي الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه» (1) فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أخبر عن رفع الخطأ و النسيان، و يتعذّر حمله على الحقيقة تحقق الخطأ و النسيان من الأمّة، فلا بدّ من إضمار حكم يمكن نفيه من الأحكام الدّنيوية أو الأخرويّة، ضرورة صدقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و ذلك الحكم المضمر، قد يكون في الدّنيا، كإيجاب الضّمان، و قد يكون في الآخرة كرفع التأثيم، و لا يمكن إضمارهما، لأنّ الدّليل ينفي جواز الإضمار،

____________

(1). وسائل الشيعة: 5/ 345، الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 2؛ و سنن ابن ماجة: 1/ 659 برقم 2043 و 2045.

186

خالفناه في الحكم الواحد للضّرورة، و لا ضرورة في غيره، فيبقى على أصل المنع.

لا يقال: اللّفظ يدلّ على رفع الجميع، لأنّ رفعهما مستلزم لرفع جميع أحكامهما و إذا تعذّر العمل به في نفي الحقيقة، تعيّن العمل به في نفي الأحكام.

سلّمنا أنّه لا يدلّ وضعا، فلم لا يدلّ عرفا؟ بيانه: أنّه يقال: ليس للبلد سلطان، و ليس له ناظر و لا مدبّر، و يراد به نفي الصفات.

سلّمنا، لكن يجب إضمار الجمع، لأنّه يجعل وجود الخطأ كعدمه، و لعدم أولويّة البعض، فإمّا أن لا يضمر بشي‏ء البتّة، و هو باطل بالإجماع، أو يضمر الجميع، و هو المراد.

لأنّا نقول: إنّما يستلزم اللّفظ نفي جميع الأحكام بواسطة نفي حقيقة الخطأ، فإذا لم يكن [الخطأ] منفيّا، لم يكن مستلزما لنفي الجميع، و الأصل في الكلام الحقيقة. (1)

و فيه نظر، لتعذّر الحقيقة هنا، فيحمل على أقرب مجازاتها، و هو الجمع.

و التحقيق: رجوع هذا إلى التعارض بين المجاز و الإضمار، و العرف طار، إذ ليس المراد بقولنا: ليس للبلد سلطان، نفي الجميع، و إلّا لم يكن موجودا و لا عالما و لا قادرا.

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 365.

187

و نفي الجميع، و إن كان أقرب إلى الحقيقة، لكنّه يوجب تكثّر مخالفة الدليل المقتضي للأحكام، و هو وجود الخطأ و النسيان.

و عدم الأولويّة، إنّما يلزم لو أضمرنا واحدا معيّنا، و لسنا نقول به، بل نضمر واحدا لا بعينه، و التعيين من الشارع.

لا يقال: يلزم الإجمال، و هو على خلاف الأصل.

لأنّا نقول: و إضمار الكلّ يستلزم زيادة الإضمار و تكثّر مخالفة الدّليل على ما تقدّم، و كلّ منهما على خلاف الأصل.

ثمّ أصولنا إن كانت راجحة على ما ذكروه، لزم العمل بها، و إن كانت مساوية، فهو كاف في هذا المقام في نفي زيادة الإضمار، و هما تقديران.

و ما ذكروه، يمكن التمسّك به لو كان راجحا، و ما يتمّ التمسّك به على تقديرين، أرجح ممّا لا يمكن التمسّك به إلّا على تقدير واحد.

و أيضا، الإجمال إنّما يلزم لو لم يظهر أولويّة إضمار البعض، و نحن نمنع ذلك، فإنّ أكثر ما يجب إضمار شي‏ء فيه، يعرف من حيث العادة ما هو المضمر فلا إجمال.

188

المبحث السّابع: في الفعل المتعدّي [إلى مفعول‏]

مثل: و اللّه لا آكل، أو إن أكلت فأنت حرّ، لا بدّ له من مفعول.

و قد اختلفوا: فذهبت الأشاعرة، و الإماميّة إلى تعلّقه بمفعول عامّ يعمّ جميع المأكولات، و به قال أبو يوسف. (1)

و قال أبو حنيفة: إنّه لا يعمّ الجميع.

و تظهر الفائدة في أنّه لو نوى مأكولا معيّنا قبل عند الأشاعرة، و الإماميّة، حتّى أنّه لا يحنث بأكل غيره، لأنّ اللّفظ عامّ يقبل التخصيص ببعض مدلولاته.

و قال أبو حنيفة: لا يقبل التّخصيص، لأنّ التخصيص من توابع العموم، و لا عموم هنا.

حجّة القائلين بالتعميم، أمّا في النفي، كما في قوله: و اللّه لا أكلت، أنّ الفعل فيه لا بدّ له من مفعول، و يتعدّى إليه بصيغته و وضعه، فإذا قال: «لا أكلت» فقد نفى حقيقة الأكل من حيث هو أكل، و يلزم منه نفيه بالنسبة إلى كلّ مأكول،

____________

(1). هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب أبي حنيفة و تلميذه، أوّل من نشر مذهبه، و استقلّ برئاسة أصحاب أبي حنيفة بعد وفاة أبي حنيفة، و هو أوّل من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، مات سنة 182 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 8/ 193؛ و طبقات الفقهاء:

2/ 640 برقم 729.

189

و إلّا لم يكن نافيا (1) لحقيقة الأكل من حيث هو أكل، و هو خلاف دلالة لفظه، و إذا ثبتت دلالة لفظه على نفي حقيقة الأكل بالنسبة إلى كل مأكول فقد ثبت عموم لفظه بالنّسبة إلى كلّ مأكول، فكان قابلا للتّخصيص.

و أمّا في طرف الإثبات و هو: إن أكلت فأنت حرّ، فلأنّ وقوع الأكل المطلق يستدعي مأكولا مطلقا، لكونه متعدّيا إليه، و المطلق ما كان شائعا في جنس المقيّدات الدّاخلة تحته، فكان صالحا لتفسيره و تقييده بأيّ واحد منها كان، و لهذا لو قال الشّارع: أعتق رقبة، صحّ تقييدها بالمؤمنة، و لو لا دلالة المطلق على المقيّد دلالة، لما صحّ تفسيره به.

و أيضا، أجمعنا على أنّه لو قال: إن أكلت أكلا، صحّت نيّة التخصيص فكذا لو قال: إن أكلت، لأنّ الفعل مشتقّ من المصدر، و المصدر موجود فيه.

لا يقال: على الأوّل أنّ حقيقة الأكل لا يتمّ نفيا، و لا إثباتا، إلّا بالنّسبة إلى المكان و الزمان، و مع ذلك لو نوى بلفظه مكانا معيّنا، و زمانا معيّنا، لم يقبل.

و على الثاني، أنّ المصدر هو الماهيّة، و هي لا تقبل التخصيص.

و أمّا قوله: «أكلا» فليس في الحقيقة مصدرا، لأنّه يفيد أكلا واحدا منكّرا، و المصدر ماهيّة الأكل و قيد التكثير و الوحدة خارجان عن الماهيّة.

و كونه منكّرا، ليس وصفا قائما به، بل معناه: أنّ القائل ما عيّنه، و الّذي‏

____________

(1). في «أ»: نفيا.

190

يكون متعيّنا في نفسه، لكنّ المتكلّم ما عيّنه قابل للتعيين، فقد نوى ما يحتمله الملفوظ.

لأنّا نجيب عن الأوّل، بالمنع من عدم قبول التخصيص في الطرفين، و بالفرق، فإنّ الفعل غير متعدّ إليهما (1) بل هما من ضروراته، فلم يكن اللّفظ دالا عليه بالوضع، فلذلك لم يقبل تخصيص لفظه به، لأنّ التّخصيص هو حمل اللّفظ على بعض مدلولاته لا غير، بخلاف المأكول. (2)

و فيه نظر، لأنّ الدّلالة أعمّ من الالتزاميّة و غيرها، و الجميع قابل للتخصيص.

و عن الثاني، بأنّ المحلوف عليه ليس هو المفهوم من الأكل الكلّي الّذي لا وجود له إلّا في الأذهان، و إلّا لما حنث بالأكل الخاصّ، إذ هو غير المحلوف عليه، فلم يبق المراد إلّا أكلا مقيّدا من جملة الأكلات المقيّدة الّتي يمكن وقوعها في الأعيان أيّ واحد منها كان، و إذا كان لفظه لا إشعار له بغير المقيّد، صحّ تفسيره به.

حجّة القائلين بعدم التّعميم: أنّ نيّة التخصيص لو صحّت لصحّت إمّا في الملفوظ، أو في غيره، و القسمان باطلان، فبطلت تلك النيّة.

أمّا بطلان الملفوظ، فلأنّه هو الأكل، و هو ماهيّة واحدة، لأنّه مشترك بين أكل هذا الطّعام، و أكل ذلك الطّعام، و ما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فماهيّة

____________

(1). أي الزمان و المكان.

(2). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 366.

191

الأكل من حيث هي هي، مغايرة لقيد هذا أو ذاك، و غير مستلزمة لها، و المذكور إنّما هو الماهيّة، و هي لا تقبل العدد، فلا تقبل التخصيص.

نعم الماهيّة، إذا اقترنت بهذا أو ذلك و ما عداهما من العوارض الخارجيّة، تعدّدت، فقبلت التّخصيص، لكنّها قبل تلك العوارض لا تكون متعدّدة فلا تحتمل التخصيص، لكنّ تلك الزوائد غير ملفوظة، فالمجموع الحاصل منها و من تلك الماهيّة غير ملفوظ.

و أمّا الثاني، و هو أن يكون التخصيص في غير الملفوظ، فإنّه و إن كان جائزا عقلا إلّا أنّ الدّليل الشرعيّ منع منه، لأنّ إضافة ماهيّة الأكل إلى مأكول معيّن تارة، و إلى غيره أخرى إضافات عارضة بحسب اختلاف المفعول به.

و إضافتها إلى هذا اليوم و ذاك‏ (1) و إلى هذا المكان و ذاك، إضافات عارضة بحسب اختلاف المفعول فيه.

ثمّ الإجماع على عدم قبول التخصيص في المكان و الزمان، فكذا في المفعول به، يجامع رعاية الاحتفاظ في تعظيم اليمين، و ممّا تقدّم يعرف الجواب على التقديرين.

____________

(1). في «ب»: و ذلك.

192

المبحث الثامن: في ترك الاستفصال‏

اعلم أنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يقوم مقام العموم في المقال، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لابن غيلان‏ (1) و قد أسلم على عشر [نسوة]:

«أمسك أربعا منهنّ، و فارق سائرهنّ» (2)، و لم يسأل عن كيفية العقد عليهنّ هل وقع دفعة أو مترتّبا، و كان إطلاق القول دالّا على عدم الفرق بين الترتيب في العقود، و بين حصولها دفعة.

و الأقرب، التفصيل فنقول: إن علم أو ظنّ أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يعلم خصوص الحال، وجب القول بالعموم، و إلّا لبيّن (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الفرق، و إن لم يعلم ذلك، لم يحكم بالعموم، لاحتمال أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عرف خصوصيّة الواقعة، فترك الاستفصال، بناء على معرفته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

(1). في الأعلام للزركلي: «غيلان بن سلمة الثقفي، حكيم شاعر جاهليّ، أسلم يوم الطائف و عنده عشر نسوة، فأمره النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاختار أربعا، فكانت سنّة، توفي سنة 23 ه. لاحظ الأعلام:

5/ 124. و كذا في المصادر الآتية «غيلان بن سلمة» فعلى هذا فالصّحيح «غيلان» لا ابن غيلان، و قد تبع المصنّف، الكتب الأصوليّة، فقد جاء فيها «ابن غيلان» مكان «غيلان».

(2). أخرجه الترمذي في سننه: 3/ 435، برقم 1128، و أحمد بن حنبل في مسنده: 2/ 13، و ابن ماجة في سننه: 1/ 628، برقم 1953، و الحاكم في مستدركه: 2/ 193.

193

المبحث التاسع: في العطف على العامّ‏

العطف على العامّ لا يقتضي العموم، لأنّ مقتضاه الجمع مطلقا، و ذلك جائز بين الخاصّ و العامّ. قال اللّه تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ‏ (1) و هذا عامّ، ثمّ قال: وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ‏ (2) و هو خاصّ‏ (3).

و فيه نظر، فإنّ الكناية هنا عائدة إلى المطلّقات المذكورة أوّلا، و إنّما يتحقّق حكم المعطوف في الرّجعيّات، فيكون المعطوف عليه هو الرّجعيّات أيضا.

على أنّ لمانع أن يمنع كون ذلك عطفا على المطلّقات، لاحتمال كونه عطف جملة على أخرى، فليطلب غير هذا المثال.

المبحث العاشر: في الخطاب الشفاهي‏

اختلف الناس في ذلك، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هل هو خطاب للموجودين في عصره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو هو عامّ لهم و لمن بعدهم؟

فذهب المعتزلة و أكثر الأشاعرة و الحنفية، إلى أنّه مختصّ بالموجودين‏

____________

(1). البقرة: 228.

(2). البقرة: 228.

(3). الاستدلال للرّازي في محصوله: 1/ 393.

194

في عصره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا يثبت حكمه في حقّ الموجودين بعده إلّا بدليل آخر.

و ذهبت الحنابلة و جماعة من الفقهاء، إلى أنّ ذلك الخطاب يتناول من بعدهم.

حجّة الأوائل وجهان:

الأوّل: الّذين سيوجدون لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت، و من لم يكن موجودا في ذلك الوقت لم يكن إنسانا، و لا مؤمنا، فلا يتناوله خطاب المؤمنين.

الثاني: المجنون و الصبيّ أقرب إلى الخطاب، لوجودهما و اتّصافهما بالإنسانيّة، و أصل الفهم، و قبولهما التأديب بالضّرب و غيره، مع أنّ المخاطب لهما سفيه‏ (1) فكيف المعدوم الّذي هو عمّا ذكرناه أبعد.

حجّة الآخرين وجوه:

الأوّل: قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ‏ (2) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«بعثت إلى الأسود و الأحمر» (3) و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة». (4)

____________

(1). في «ب»: مع أنّ الخطاب لهما سفه.

(2). سبأ: 28.

(3). أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: 1/ 250، و نقله الهيثمي في مجمع الزوائد: 8/ 258، باب عموم بعثته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

(4). بحار الأنوار: 2/ 272، و شرح سنن النسائي للسيوطي: 2/ 188، و عوالي اللآلي: 1/ 456 برقم 197، و ج 2/ 98 برقم 270.

195

الثاني: لو لم يكن خطابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متناولا لنا، لم يكن رسولا إلينا، و التّالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله.

الثالث: إجماع الصحابة، و من بعدهم من التابعين، و غيرهم، قرنا بعد قرن على الاحتجاج في المسائل الشرعية على من وجد بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالآيات و الأخبار المنقولة عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لو لا عموم تلك الدلائل اللّفظيّة لمن وجد بعد ذلك، لم يكن التمسّك بها صحيحا، و الإجماع لا ينعقد على الخطأ.

الرابع: كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا أراد تخصيص أحد بحكم، نصّ عليه و بيّنه كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأبي بردة (1): «يجزئ عنك و لا يجزئ عن أحد بعدك» (2) و خصّص عبد الرّحمن بن عوف‏ (3) بلبس الحرير، و حيث لم يتبيّن التخصيص علم العموم.

و الفريق الأوّل حكموا في حقّنا بحكمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بالآيات الواردة في حقّ من شافهه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالخطاب، للعلم الضروريّ بذلك من دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ أجابوا عن الأوّل: بأنّ [لفظ] الناس، و الجماعة، و الأسود، و الأحمر، إنّما يتناول الموجودين في ذلك الزّمان، فيختص بالحاضرين، و يدخل تحت صورة النزاع، فلا يجوز التمسّك به فيه.

____________

(1). هو هانئ بن نيار بن عمرو، حليف الأنصار، غلبت عليه كنيته، و هو خال البراء بن عازب شهد العقبة و بدرا و سائر المشاهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مات سنة 45 ه. لاحظ اسد الغابة: 5/ 53.

(2). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العيدين برقم 955 و كتاب الأضاحي برقم 5556.

(3). هو احد السّتة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب الخلافة فيهم، مات سنة 31 ه.

لاحظ اسد الغابة: 3/ 313.

196

و أيضا، النّصوص الدّالة على كونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مبعوثا إلى الناس كافّة، إنّما تلزم لو توقّف مفهوم الرّسالة و البعثة إلى كلّ النّاس على المخاطبة للكلّ بالأحكام الشّرعية شفاها، و ليس كذلك، بل ذلك يتحقّق بتعريف البعض بالمشافهة، و تعريف الآخرين بنصب الدّلائل و الأمارات، و اجتهاد المجتهد باستخراج أحكام بعض الوقائع من بعض، لكثرة الأحكام الشرعية، و عدم النصّ على كلّ واحد منها عينا، و كثرة الوقائع.

و لا يلزم من ذلك أن لا يكون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رسولا و لا مبلّغا بالنسبة إلى الأحكام الّتي لم تثبت بالنصوصيّة من خطابه، و كذا في الأحكام الّتي لم تثبت بالخطاب شفاها.

لا يقال: الدلائل الّتي يمكن الاحتجاج بها في الأحكام الشرعيّة على من وجد بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير الخطاب، إنّما يعلم كونها حجّة بالدلائل الخطابيّة، فإذا كان الخطاب الموجود في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لا يتناول من بعده، فقد تعذّر الاحتجاج به عليه.

لأنّا نقول: يمكن معرفة كونها حجّة بالنّقل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أنّه حكم بكونها حجّة على من بعده، أو بالإجماع المنقول عن الصّحابة و غيرهم على ذلك، و هو الجواب عن الثاني.

و عن الثالث: أنّ الإجماع على أنّا مكلّفون بمثل ما كلّفوا به، أمّا على أنّا مخاطبون بذلك الخطاب ممنوع، و ذلك لأنّ اللّه تعالى عرّفنا أنّا مكلّفون حال وجودنا بمثل تكليف من عاصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لأنّ الخطاب للمعدوم ممتنع‏

197

بالضّرورة، فيجب اعتقاد استناد أهل الإجماع بالنّصوص من جهة معقولها، لا من جهة ألفاظها، جمعا بين الأدلّة.

و عن الرابع: أنّ التخصيص لفائدة قطع الإلحاق.

المبحث الحادي عشر: في رواية الرّاوي‏

و يشتمل على مسائل:

[المسألة] الأولى:

قول الصّحابي: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن البيع الغرر» (1) لا يفيد العموم في كلّ غرر، و كذا: «قضى بالشفعة للجار» لا يقتضي تعميم كلّ جار و عليه أكثر الأصوليّين، خلافا لشذوذ.

لنا: أنّه حكاية و الحجة في المحكيّ لا الحكاية، و لعلّ الرّاوي رأى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قد نهى عن فعل خاصّ لا عموم له فيه غرر، و كذا قضى لجار مخصوص بالشفعة، كما تقوله الإماميّة من ثبوتها للجار مع الشركة في الطريق أو النّهر، فنقل صيغة العموم لظنّه عموم الحكم.

و يحتمل أنّه سمع صيغة ظنّها عامّة، و ليست [عامّة]، و بالجملة فالاحتمال قائم، و حينئذ لا قطع بالعموم. بل و لا ظنّ، و الاحتجاج إنّما هو في المحكيّ لا الحكاية.

____________

(1). أخرجه أبو داود في سننه: 3/ 254 برقم 3374، و ابن ماجة في سننه: 2/ 739 برقم 2194 و أحمد بن حنبل في مسنده: 2/ 376، و ابن الأثير في جامع الأصول: 1/ 527 برقم 346- 347، الفصل الرابع في النهي عن بيع الغرر. و نقله الشيخ الطوسي في الخلاف: 3/ 155، المسألة 245 من كتاب البيوع.

198

و يمكن أن يقال: إن كان الرّاوي من أهل المعرفة بمفهومات الألفاظ، فالظاهر العموم، لأنّه لم ينقل صيغة العموم، إلّا و قد سمع صيغة تدلّ عليه، و إلّا كان طعنا في معرفته أو عدالته، إذ هما يقتضيان المنع من إيقاع الناس في ورطة الالتباس، و ذلك يثمر الظنّ‏ (1) بالعموم، فيكون حجّة، لوجوب العمل بظنّيات الأدلّة النقليّة كمعلوماتها.

و أمّا قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «قضيت بالشفعة للجار» و قول الرّاوي: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قضى بالشفعة للجار فإنّ الاحتمال و إن كان قائما، إلّا أنّ جانب العموم أقوى.

[المسألة] الثانية:

قول الرّاوي: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يجمع بين الصلاتين قيل: إنّه يقتضي التكرار في العرف، فإنّه لا يقال: كان فلان يتهجّد باللّيل، إذا تهجّد مرّة واحدة، و كذا لو قيل: كان فلان يكرم الضّيف، فإنّه يفيد التكرار.

و قيل‏ (2): لا يفيده، لأنّ لفظة كان لا تفيد إلّا تقدّم الفعل، فأمّا التكرار فلا.

[المسألة] الثالثة:

قيل‏ (3): قول الرّاوي: «صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد الشّفق» أنّه محمول على أنّه صلّى بعد الشّفقين، أعني الحمرة و البياض، فهذا إنّما يصحّ لو قلنا إنّ المشترك يراد به كلا معنييه، فكأنّ الرّاوي قال: إنّه صلّى بعد الشّفقين.

____________

(1). في «أ» و «ج»: يتميّز الظنّ.

(2). القائل هو الرازي في محصوله: 1/ 394 و 395.

(3). القائل هو الرازي في محصوله: 1/ 395.

199

و قد بيّنا أنّه إنّما يراد المجموع على سبيل المجاز، لكنّ المجاز خلاف الأصل، لا يصار إليه إلّا لدليل، و حينئذ احتمل أن يكون «قد صلّى بعد الحمرة» و أن يكون «قد صلّى بعد البياض» فلا يمكن حمل ذلك على وقوع الصّلاة بعدهما.

[المسألة] الرابعة:

الفعل و إن انقسم إلى أقسام و جهات، فالواقع منه لا يقع إلّا على وجه واحد منها، فلا يكون عامّا لجميعها (1) بحيث يحمل وقوعه على جميع جهاته، و ذلك كما روي، أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «صلّى داخل الكعبة» فإنّ الصّلاة الواقعة احتمل أن تكون فرضا، و أن تكون نفلا، فلا يمكن وقوعها على وجهي الفرض و النفل معا، و حينئذ لا يمكن الاستدلال بذلك على جواز الفرض و النّفل داخل الكعبة، إذ لا عموم للفعل‏ (2) و لا يمكن تعيين أحدهما إلّا بدليل.

و كذا قول الرّاوي: إنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يجمع بين الصّلاتين في السّفر، فإنّه يحتمل وقوع ذلك في وقت الأولى، و يحتمل وقوعه في وقت الثانية، و ليس في نفس وقوع الفعل، ما يدلّ على وقوعه فيهما، بل في أحدهما، و التّعيين يفتقر إلى الدّليل.

و أمّا وقوع ذلك منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) متكرّرا، على وجه يعمّ سفر النّسك و غيره، فالبحث فيه قد تقدّم.

و قد ظهر من هذا أنّ فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سواء كان واجبا أو مباحا، لا عموم له‏

____________

(1). في «ج»: بجميعها.

(2). في «أ»: في الفعل.

200

بالقياس إلى غيره، إلّا أن يدلّ دليل من خارج على التأسّي.

لا يقال: الإجماع على وجوب الغسل من التقاء الختانين، و المستند قول عائشة: «فعلته أنا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاغتسلنا» و لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان إذا سئل عن حكم أجاب بما يخصّه، و أحال معرفة ذلك على فعل نفسه، كما سألته أمّ سلمة عن الاغتسال، فقال: أمّا أنا فأفيض الماء على رأسي، و سئل عن قبلة الصّائم قال: أنا أفعل ذلك، و لو لا عموميّة الفعل، لما كان كذلك.

لأنّا نقول: قد ثبت عموم التأسّي به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا بحث فيه.

و لأنّ قول عائشة: «فعلته أنا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» يشعر بعموميّة الحكم في حقّها، فيكون عامّا في حقّ الكلّ.

و جوابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بفعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)(1) عقيب السؤال يشعر بالعموميّة، و إلّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو محال.

المبحث الثاني عشر: في المفهوم‏

قال الغزالي: «المفهوم على رأي من يقول به، لا عموم له، لأنّ العموم لفظ تتشابه دلالته بالإضافة إلى مسمّياته، و المتمسّك بالمفهوم و الفحوى لا يتمسّك بلفظ، بل بسكوت، فإذا قال «في سائمة الغنم زكاة» فنفي الزكاة عن المعلوفة، ليس بلفظ حتّى يكون عامّا أو خاصّا، و قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما

____________

(1). في «ج»: لفعله.

201

أُفٍ‏ (1) دلّ على تحريم الضّرب لا بلفظه المنطوق [به‏] حتّى يتمسّك بعمومه، و العموم من عوارض الألفاظ لا المعاني و الأفعال». (2)

قيل عليه: إن كنت لا تسمّيه عموما، لأنّك لا تطلق لفظ العامّ إلّا على الألفاظ، فالنّزاع لفظيّ، و إن كنت لا تسمّيه عموما، لأنّه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع ما عداه، فباطل، لأنّ البحث عن المفهوم هل له عموم، فرع كونه حجّة، فإذا ثبت كونه حجّة، لزم الحكم بنفي الحكم عمّا عداه، إذ لو ثبت في غير المذكور، انتفت فائدة التخصيص بالذّكر.

و التّحقيق: أنّ النزاع هنا لفظيّ، لأنّ مفهومي المخالفة و الموافقة عامّ فيما سوى المنطوق بلا خلاف.

و الغزالي أراد أنّ العموم لم يثبت بالمنطوق، و لا خلاف فيه فإذن النّزاع هنا غير متحقّق.

المبحث الثالث عشر: في الجمع المضاف إلى الجمع‏

قال الأكثر: إنّ قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (3) يقتضي أخذ الصّدقة من كلّ نوع من أنواع المال.

و الأقرب، المنع.

____________

(1). الإسراء: 23.

(2). المستصفى: 2/ 140- 141.

(3). التوبة: 103.

202

لنا: أنّه بصدقة واحدة يصدق أنّه أخذ منها صدقة، فيحصل الامتثال.

و لأنّه لو كان كذلك، لوجب أن يأخذ من كلّ دينار، و هو باطل اتّفاقا.

احتجّوا بأنّ المعنى: خذ من كلّ مال» (1) فيجب العموم.

و الجواب، المنع، فإنّ كلّا، للتفصيل، و لهذا فرق بين قولهم: «للرّجال عندي درهم» و بين «لكلّ رجل عندي درهم».

و الأصل في ذلك أنّ هذه الإضافة تقتضي توزيع الجميع على الجميع، فلا يجب التّعميم في كلّ فرد من أفراد المضاف، بالنسبة إلى كلّ فرد من أفراد المضاف إليه.

____________

(1). أي من كلّ نوع من أنواع المال.

203

الباب الثاني: في الخصوص‏

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في تعريفه‏

قيل‏ (1): الخاصّ هو كلّ ما ليس بعامّ و يدخل فيه الألفاظ المهملة.

و لأنّ العامّ و الخاصّ متباينان، فتعريف أحدهما بالآخر دوريّ، و إن جعلا ضدّين، لم يكن تعريف أحدهما بالآخر، أولى من العكس.

و لأنّ الخاصّ من الأمور الإضافيّة، فالإنسان خاصّ بالنسبة إلى الحيوان، و مع ذلك فهو عامّ، إلّا ان يعنى بالخاصّ الجزئيّ الحقيقيّ.

و إن قيل: إنّه ليس بعامّ من جهة ما هو خاصّ دار.

و التحقيق أن نقول: الخاصّ قد يكون مطلقا لا بالقياس إلى غيره، و هو

____________

(1). كذا في الإحكام للآمدي، و لم يعيّن قائله. لاحظ: 2/ 328.

204

الجزئيّ الحقيقيّ، و قد يكون إضافيّا بالقياس إلى ما هو عامّ، و يقال بإزائه، و هو اللّفظ الّذي يقال على مدلوله و على غير مدلوله لفظ آخر من جهة واحدة، كالإنسان، فإنّه خاصّ، و يقال على مدلوله و على غيره كالفرس لفظ الحيوان من جهة واحدة.

و أمّا التخصيص، فقال أبو الحسين: إنّه إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه‏ (1).

قيل‏ (2): انّه لا يمكن حمله على ظاهره على كلّ مذهب:

أمّا [على‏] مذهب أرباب الخصوص، فلأنّ الخطاب عندهم منزّل على أقلّ ما يحتمله اللّفظ، فلا يتصوّر إخراج شي‏ء منه.

و أمّا [على‏] مذهب أرباب الاشتراك، فلأنّ العمل بالمشترك في بعض محامله لا يكون إخراجا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، بل غايته استعمال اللّفظ في بعض محامله دون البعض.

و أمّا [على‏] مذهب الوقف، فلأنّ اللّفظ عندهم موقوف، لا يعلم كونه للخصوص أو للعموم، و هو صالح لاستعماله في كلّ واحد منهما، فإن قام الدّليل على أنّه أريد به العموم، وجب حمله عليه، و امتنع إخراج شي‏ء منه.

و إن قام الدليل على أنّه للخصوص، فلم يكن دالّا على العموم، و لا متناولا له، فلا يتحقّق بالحمل على الخاصّ إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله الصّالح‏ (3) لها.

____________

(1). المعتمد: 1/ 234.

(2). القائل هو الآمدي في الإحكام: 2/ 385.

(3). في «أ»: الصّالحة.