نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
205

و أمّا [على‏] مذهب العموم، فغايته أنّ اللّفظ حقيقة في الاستغراق، و مجاز في الخصوص، فإن لم يقم دليل على مخالفة الحقيقة، وجب إجراء اللّفظ على جميع محامله، من غير إخراج شي‏ء منها، و إن قام [دليل‏] على مخالفتها، و امتناع العمل بالاستغراق، وجب صرفه إلى محمله المجازيّ، و هو الخصوص.

و عند حمل اللفظ على المجاز، لا يكون اللّفظ متناولا للحقيقة، و هي الاستغراق، فلا يتحقّق إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه، لأنّ عند كونه مستعملا في معناه المجازيّ، لا يكون مستعملا في الحقيقة، فإطلاق القول بتخصيص العامّ، أو أنّ هذا عامّ مخصوص، لا يكون حقيقة، و يناسب قول أرباب العموم: إنّ التخصيص [هو] تعريف أنّ المراد باللّفظ الموضوع للعموم حقيقة، هو الخصوص، و قول الاشتراك: تعريف أنّ المراد باللفظ الصالح للعموم و الخصوص، إنّما هو الخصوص، و المعرّف لذلك أيّ شي‏ء كان، يسمّى مخصّصا، و اللّفظ المصروف عن جهة العموم إلى الخصوص، مخصّصا (1).

و فيه نظر، فإنّ الإخراج كما يكون عن الدّخول بالفعل، كذا يكون عن الدخول بالصّلاحيّة.

و القائلون بالخصوص، و إن كان اللّفظ إنّما يفيد قطعا أقلّ مراتبه، إلّا أنّه صالح للعموم، و كذا عند القائلين بالاشتراك و بالوقف، فتحقّق الإخراج حقيقة،

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 386.

206

لصلاحيّة دخول المخرج بالتّخصيص تحت اللّفظ.

و أمّا القائلون بالعموم، فالإخراج عندهم ظاهر، إذ اللّفظ موضوع للعموم، و لو لا المخصّص لدخل المخصوص‏ (1) في التناول قطعا أو ظاهرا، لكن وجوده منع من الدّخول، و لا نعني بالإخراج سوى ذلك.

فقولنا: العامّ مخصوص، معناه: أنّ المتكلّم استعمل العامّ في بعض ما وضع له.

و عند الواقفية، أنّه أراد به بعض ما يصلح له ذلك اللفظ دون البعض.

و أمّا المخصّص للعموم، فيقال على سبيل الحقيقة على شي‏ء واحد، [و] هو إرادة المتكلّم لأنّها هي المؤثّرة في إيقاع ذلك الكلام لإفادة البعض، فإنّ الخطاب إذا صلح للعموم و الخصوص، صرف إلى أحدهما بالإرادة.

و أمّا بالمجاز فيقال [على شيئين: أحدهما] على من أقام الدّلالة على كونه مخصوصا في ذاته، و [ثانيهما] على من اعتقد ذلك، و إن كان ذلك الاعتقاد باطلا، و يقال: إنّ فلانا خصّ العموم بمعنى: أنّه علم من حاله ذلك بالدّليل، و يقال:

خصّه بمعنى: وصفه‏ (2).

____________

(1). في «ب»: لدخل المخصّص.

(2). في «أ»: وضعه.

207

المبحث الثاني: في الفرق بين التخصيص و النسخ‏

قالت المعتزلة: الفرق بينهما باعتبار تراخي الوقت و عدمه، فإنّ النسخ يجب فيه التراخي، دون التخصيص.

و اعلم أنّ النسخ في الحقيقة راجع إلى نوع تخصيص، لأنّه رفع الحكم بعد ثبوته في زمان آخر، فكان تخصيصا للحكم بزمان معيّن بطريق خاصّ، فيكون الفرق بينهما فرق ما بين العامّ و الخاصّ.

و قد ذهب قوم إلى أنّ التخصيص ليس جنسا للنسخ، و اعتبروا في التخصيص أمورا لفظيّة أخرجوه بها عن كونه جنسا، و هي سبعة:

الأوّل: التخصيص إنّما يكون فيما يتناوله اللفظ، و النسخ قد يصحّ فيما علم بالدّليل أنّه مراد و إن لم يتناوله اللّفظ.

الثاني: يصحّ نسخ شريعة بأخرى، و لا يمكن ذلك في التخصيص.

الثالث: النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، و التخصيص ليس كذلك.

الرابع: النسخ يجب فيه التراخي دون التخصيص، فإنّه قد يجب فيه المقارنة.

208

الخامس: التخصيص قد يقع بخبر الواحد، بخلاف النسخ.

السادس: التخصيص إنّما يكون في جملة، و النسخ يدخل على العين الواحدة.

السابع: النسخ قد يكون لفعل بفعل، بخلاف التخصيص.

و أمّا الفرق بين التخصيص و الاستثناء فرق ما بين العامّ و الخاصّ أيضا.

و قيل: إنّ الاستثناء مع المستثنى منه، كاللّفظ الواحد الدالّ على شي‏ء واحد، و التخصيص ليس كذلك.

و لأنّ التخصيص، يثبت بقرائن الحال فقوله: رأيت الناس، يفهم بالقرينة عدم رؤية الجميع، و الاستثناء لا يحصل بالقرينة.

و لأنّ التخصيص، يجوز تأخيره لفظا، و لا يجوز تأخير الاستثناء.

و الوجه ما قلناه، من أنّ التخصيص جنس للنسخ و الاستثناء.

209

المبحث الثالث: فيما يجوز تخصيصه‏

قد عرفت فيما سلف أنّ التخصيص هو: إخراج بعض ما تناوله الخطاب، فلا بدّ و أن يكون ذلك الخطاب فيه عموم، و شموله إمّا مطلق أو بالاضافة، فإنّ ما لا عموم فيه البتّة بوجه ما، لا يصحّ فيه التخصيص، إذ لا يعقل له بعض يخرج عنه، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأبي بردة: «يجزئ عنك، و لا يجزئ أحدا بعدك» لا يعقل التخصيص في الحكم الأوّل، لعدم تعدّده بالنّسبة إلى الشّخص المفعول، لا بالنّسبة إلى متعلّقات الفعل من الطرف و غيره، و يعقل في الثاني.

و إذا عرفت هذا، فالّذي يتناول أكثر من واحد، إمّا أن يكون عمومه من جهة اللّفظ، و يصحّ تطرّق التخصيص إليه، أو من جهة المعنى، و هو ثلاثة:

الأوّل: العلّة الشرعية، و في تخصيصها خلاف يأتي.

الثاني: مفهوم الموافقة، كدلالة تحريم التأفيف، على تحريم الضّرب، و يقبل التخصيص إذا لم يعد بالنقض على الملفوظ، كتقييد الأمّ إذا فجرت، و قتل الوالد إذا ارتدّ، أمّا لو عاد بالنقض إليه، فإنّه لا يجوز.

الثالث: مفهوم المخالفة، و يقبل التخصيص مطلقا، فإنّه يفيد انتفاء الحكم‏

210

في المسكوت عنه، و يجوز قيام دلالته على ثبوته في بعض أفراده.

إذا ثبت هذا، فلا فرق بين الأمر و الخبر إذا اشتملا على شمول و عموم في جواز تخصيصهما، و إطلاق لفظ العامّ فيهما لإرادة الخاصّ.

و قد حكي أنّ قوما منعوا من ذلك في الأمر و الخبر، و المحقّقون على جوازه فيهما.

أمّا الخبر، فلأنّ المقتضي لقبول التخصيص موجود فيه، و المانع لا يصلح للمانعيّة، فوجب القول بجوازه.

أمّا الأوّل، فنقول: التخصيص إنّما هو من حيث العموم و الشمول، و جواز إرادة الخاصّ من العامّ على سبيل المجاز.

و أمّا الثاني، فلأنّ التّجوز غير ممتنع في ذاته، و إلّا لزم من فرضه محال، و لا من حيث الوضع، فإنّه يصحّ أن يقول اللّغوي: «جاءني كلّ الناس» و إن تخلّف بعضهم، و لا بالنظر إلى الداعي، و الأصل عدم كلّ مانع سوى ذلك.

و أيضا، الوقوع دلّ على جوازه، و قد ثبت لقوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (1).

وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (2) و ليس خالقا لذاته، و لا قادرا عليها.

____________

(1). الرعد: 16.

(2). المائدة: 120.

211

و قوله: ما تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ‏ (1) و قد أتت على الأرض و الجبال، و لم تجعلها رميما.

و قوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ (2) وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (3).

إلى غير ذلك من الآيات.

احتجّوا بأنّه يوهم الكذب، فإنّه إذا أراد بالعامّ بعضه في الخبر، لزم ذلك، لما فيه من مخالفة المخبر للخبر، و لو كان جواز حمله على التخصيص مانعا من كونه كذبا، لم يوجد كذب البتّة.

و الجواب: لا كذب مع قيام دليل التّخصيص.

و أمّا الأمر، فلما تقدّم.

و لقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (4) مع خروج أهل الذمّة عنه.

و كذا قوله تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (5) و الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (6) مع عدم قطع كلّ سارق، و عدم جلد كلّ زان، و غيرها من الآيات.

احتج المخالف بأنّه يوهم البداء.

____________

(1). الذاريات: 42.

(2). الأحقاف: 25.

(3). النّمل: 23.

(4). التوبة: 5.

(5). المائدة: 38.

(6). النور: 2.

212

و الجواب لا بدّ له مع قيام المخصّص‏ (1)، و قد بيّنا أنّه تعالى يجوز أن يخاطب بالمجاز كما يخاطب بالحقيقة، و في القرآن ضروب كثيرة من المجاز، و أكثر عمومات القرآن قد أريد بها الخصوص حتّى قيل: إنّه لم يرد عامّ إلّا و هو مخصّص إلّا في قوله تعالى‏ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2).

و لمّا ثبت أنّه تعالى حكيم، وجب أن يكون في الخطاب بالمجاز وجه مصلحة زائدة على وجهها في الخطاب بالحقيقة و يمكن أن يكون الوجه في ذلك التعريض لزيادة الثواب، لاشتمال النظر في ذلك و الفكر، على زيادة مشقّة، يستحقّ به زيادة الثواب، كما نقوله في حسن الخطاب بالمتشابه، و يجوز أن يعلم أنّه يؤمن عند ذلك و يطيع من لولاه لم يطع.

و قد ظنّ بعض الناس جواز التّساوي في الحقيقة و المجاز عند الحكيم في جميع الوجوه، و يكون مخيّرا في الخطاب بأيّهما شاء. (3)

و ليس بصحيح، لأنّ العدول عن الحقيقة، الّتي هي الأصل، إلى المجاز، لا بدّ له من غرض زائد، و لو كونه أفصح و أبلغ و أوجز.

____________

(1). في «أ» و «ج»: لا يدافع قيام المخصص.

(2). الأنعام: 101.

(3). نقله السيد المرتضى عن بعض الأصوليين و لم يعيّن قائله. لاحظ الذريعة إلى أصول الشريعة:

1/ 238.

213

المبحث الرّابع: في غاية التخصيص‏

اتّفق الناس كافّة على جواز انتهاء التخصيص في ألفاظ الاستفهام و المجازاة إلى الواحد، و اختلفوا فيما عداهما، فحكي عن أبي بكر القفّال‏ (1) أنّه لا يجوز تخصيص الجمع المعرّف، بحيث لا يبقى أقلّ من الثلاثة.

و منهم من جوّز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد و قال أبو الحسين البصري: انّ نهاية التخصيص في جميع الفاظ العموم أجمع يقرب من مدلول اللفظ، و إن لم يكن محدودا، إلّا أن يستعمل في حقّ الواحد على سبيل التعظيم. (2)

و هو الأقرب.

لنا: أنّ أهل اللّغة يستقبحون قول الرّجل: أكلت كلّ الرّمان من البيت، و يكون فيه ألف رمانة، و قد أكل واحدة أو ثلاثة، و لا كذا لو حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ.

اعترض: بأنّه إنّما يكون مستهجنا إذا لم يكن مريدا للواحد من جنس‏

____________

(1). تقدّمت ترجمته ص 85.

(2). المعتمد: 1/ 236.

214

ذلك العدد، الّذي هو مدلول اللفظ، و لم يقترن به قرينة.

أمّا إذا أراد الواحد مع قرينة فلا، للنصّ و الإطلاق أمّا النصّ فقوله تعالى:

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ‏ (1) و أراد بالنّاس القائلين، نعيم بن مسعود الأشجعي. (2)

و أمّا الإطلاق، فلصحّة قول القائل: «أكلت اللحم» و المراد به واحد من جنس مدلولات العامّ.

و فيه نظر، فإنّ الأوّل أريد به التعظيم، و اللحم ليس للعموم، فيصحّ إرادة الواحد منه، لكون المراد الجنس.

احتجّ الآخرون بوجوه:

الأوّل: استعمال العامّ في غير الاستغراق على سبيل المجاز، و ليس بعض الأفراد أولى من البعض، فوجب جواز استعماله في جميع الأقسام إلى أن ينتهي إلى الواحد.

الثاني: قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ‏ (3) و المراد به نفسه وحده.

الثالث: قال عمر لسعد بن أبي وقاص، و قد أنفذ إليه القعقاع مع ألف‏

____________

(1). آل عمران: 173.

(2). نعيم بن مسعود صحابيّ، قيل: قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سرّا أيّام الخندق و اجتماع الأحزاب، فأسلم و كتم إسلامه، و عاد إلى الأحزاب المجتمعة لقتال المسلمين، فألقى الفتنة بين قبائل قريضة و غطفان و قريش في حديث طويل فتفرقوا، مات نحو سنة 30 ه و قيل: قتل يوم الجمل قبل قدوم عليّ (عليه السلام) إلى البصرة. لاحظ الأعلام للزركلي: 8/ 41.

(3). الحجر: 9.

215

فارس: «قد انفذت إليك ألفي فارس» أطلق اسم الألف الأخرى، و أراد به القعقاع.

الرابع: لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى الواحد، لكان إمّا لأنّ الخطاب صار مجازا، أو لعدم استعماله في حقيقته، و لو كان أحدهما مانعا، لزم امتناع تخصيص العامّ مطلقا، لأنّه يكون مجازا في الباقي، و غير حقيقة فيه، و هو باطل بالإجماع.

الخامس: قد عرفت الخلاف في أنّ أقلّ الجمع اثنان أو ثلاثة، فيحمل العامّ بعد التخصيص عليه.

السادس: لو قال: أكرم الناس إلّا الجهّال، جاز، و لو لم يبق إلّا الواحد.

و الجواب عن الأوّل: المنع من عدم الأولويّة، فإنّ الأكثر أقرب إلى الجمع من الأقلّ.

و عن الثاني: أنّه غير محلّ النزاع، لأنّ الآية خرجت مخرج التعظيم، و ليس هناك تخصيص.

و عن الثالث: أنّ عمر قصد قيام الواحد مقام الألف، و ليس بتخصيص.

و عن الرابع: بالمنع من الحصر، بل المانع عدم استعماله لغة.

و عن الخامس: أنّ الجمع ليس بعامّ.

و عن السادس: بمنع حسنه، على أنّ بعضهم جوّز الانتهاء إلى الواحد في الاستثناء، و البدل، و إلى اثنين في الصفة، و في المحصور (1) القليل.

____________

(1). في «ب»: و في المخصوص.

216

المبحث الخامس: العامّ المخصوص هل هو مجاز أم لا؟

اختلف الناس في ذلك، فقال قوم من الفقهاء: إنّه لا يصير مجازا، كيف كان المخصّص، و هو مذهب جماعة من الأشاعرة، و إليه مال الغزّالي‏ (1) و كثير من المعتزلة، و جماعة من الحنفيّة كعيسى بن أبان‏ (2) و غيره.

و قال آخرون: إنّه يكون مجازا في حال دون حال، و اختلفوا في تفصيل تلك الحال، فقال بعضهم: إن خصّ بدليل لفظيّ لم يصر مجازا، متّصلا كان الدليل، أو منفصلا، و إن خصّ بدليل عقليّ، كان مجازا.

و قال آخرون: إنّه يكون مجازا، إلّا أن يخصّ بلفظ متّصل.

و قال القاضي أبو بكر: إنّه يكون مجازا، إلّا أن يكون المخصّص شرطا أو استثناء (3).

____________

(1). لاحظ المنخول: 226.

(2). هو عيسى بن ابان بن صدقة بن مران شاه قاض من كبراء فقهاء الحنفيّة، كان من أصحاب الحديث ثمّ غلب عليه الرأي، تولّى القضاء بالبصرة عشر سنين، كان سريع الإنفاذ للحكم، مات سنة 221 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 5/ 100.

(3). التقريب و الإرشاد: 3/ 67.

217

و قال قاضي القضاة: إنّه يكون مجازا، إلّا أن يكون المخصّص شرطا أو صفة.

و قال جماعة من الحنفية: إن كان الباقي جمعا، فهو حقيقة، و إلّا فمجاز، و إليه ذهب أبو بكر الرّازي‏ (1).

و قال الجويني: إنّه حقيقة في تناوله، مجاز في الاقتصار عليه. (2)

و قال أبو الحسين البصري: القرينة المخصّصة، إن استقلّت بنفسها، صار مجازا، سواء كانت عقليّة، كالدلالة على أنّ غير القادر ليس مرادا من الخطاب بالعبادات، أو لفظيّة نحو أن يقول المتكلّم: «أردت بالعام البعض الفلاني» و إن كانت غير مستقلّة، فهو حقيقة، سواء كان صفة أو شرطا. (3)

و الأقرب أنّه يصير مجازا مطلقا.

لنا: أنّ اللّفظ وضع للعموم و لم يرد، فيكون إطلاقه على أزيد منه مجازا.

أمّا المقدّمة الأولى، فالخلاف فيها مع المانعين من العموم، و قد سبق برهانه.

و لأنّا نبحث على تقديره.

و أمّا الثانية، فلأنّ التقدير أنّه مخصوص، و قد بيّنا أنّ التخصيص هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ عن الإرادة.

____________

(1). لاحظ أصول الجصّاص: 2/ 131.

(2). البرهان في أصول الفقه: 1/ 276.

(3). المعتمد: 1/ 262- 264، نقله المصنّف ملخّصا.

218

و أمّا الثالثة، فظاهرة أيضا، لما عرفت من أنّ المجاز، هو استعمال اللفظ فيما لم يوضع له.

و لأنّ اللفظ، إذا كان حقيقة في الاستغراق، فصرفه إلى البعض بالقرينة- كيف ما كانت القرينة- إمّا أن يكون لدلالة اللفظ عليه حقيقة أو مجازا، و يلزم من الأوّل الاشتراك بينه و بين الاستغراق، ضرورة اختلاف معنييهما بالجزئيّة و الكليّة، و عدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولا للفظ، و المشترك لا يكون ظاهرا بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض، و هو خلاف مذهب القائلين بالعموم.

لا يقال: جاز أن يكون حقيقة فيهما باعتبار أمر مشترك، هو الجنسيّة فينتفي الاشتراك و المجاز، و يدلّ على كونه حقيقة في الباقي، أنّ اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، فخروج غيره عن عموم اللفظ لا يؤثّر فيه.

سلّمنا، لكن يجوز كون اللّفظ المجرّد حقيقة في الاستغراق، و مع القرينة حقيقة في البعض.

لأنّا نقول: الكلّ و البعض و ان اتّحدا في الجنسيّة، إلّا أنّ اللّفظ العامّ حقيقة في الكلّ، من حيث هو كلّ، لا في مطلق الجنس، و لهذا تعذّر حمله على البعض إلّا لقرينة بإجماع القائلين بالعموم، و الاستغراق ليس ثابتا في الباقي.

و نمنع كون اللفظ حقيقة في الباقي قبل التخصيص، نعم قد كان حقيقة في الجمع‏ (1) الّذي هو أحد أفراده، فلا يلزم كونه حقيقة فيه لا مع الاجتماع و لا

____________

(1). في «ب»: في الجميع.

219

حالة الانفراد، فإنّ العشرة حقيقة في مجموع آحادها لا في الخمسة، سواء ضمّت إلى مثلها أو انفردت.

ثمّ ينتقض بالواحد، فإنّ اللفظ قد كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، و بعد التخصيص، و هو مجاز فيه إجماعا.

و تجويز كون اللّفظ حقيقة في البعض مع القرينة، يرفع المجاز أجمع، فإنّ كلّ مجاز يمكن أن يقال: إنّه مع القرينة حقيقة في مدلوله.

و لأنّه، لو كان كما ذكروه، لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع اقترانه بالقرينة المخصّصة له بالبعض، استعمالا له في غير الحقيقة و صارفا له عن الحقيقة، و هو خلاف إجماع القائلين بالعموم.

احتجّ أبو الحسين على كونه مجازا لو خصّص بقرينة مستقلّة، بأنّ اللفظ وضع لغة في الاستغراق فاستعماله في البعض استعمال في جزء المسمّى بقرينة مخصّصة، و هو عين المجاز.

و على كونه حقيقة مع المتّصل، بأنّه إذا قال: جاء بنو تميم الطوال، و أكرم بني تميم إن قاموا إلّا فلانا، فلفظ العموم حال انضمام الشرط، و الصفة، و الاستثناء، لا يفيد البعض، و إلّا لم يبق شي‏ء يفيد الشرط أو الصفة أو الاستثناء، و إذا لم يفد البعض، استحال أن يقال: إنّه مجاز في إفادة البعض، بل المجموع الحاصل من لفظ العموم، و لفظ الشرط أو الصفة، أو الاستثناء دليل على ذلك البعض، و إفادة ذلك المجموع لذلك البعض حقيقة. (1)

____________

(1). المعتمد: 1/ 264- 265، نقله المصنّف بتلخيص. و لاحظ المحصول للرازي: 1/ 401.

220

و الجواب: اقتران اللفظ بالمنفصل، لا يخرجه عن حقيقته و صورته، و إلّا لكان كلّ مقترن بشي‏ء خارجا عن حقيقته، و يلزم نفي الاقتران أيضا، و إذا كان باقيا على حقيقته، فمعناه لا يكون مختلفا، بل يصير مصروفا عن معناه باعتبار ذلك المقترن، و هو التجوّز بعينه.

قوله: اللفظ مع الاقتران لا يفيد البعض، و إلّا لم تفد القرينة شيئا.

قلنا: ممنوع، فانّ القرينة هي الّتي صرفت اللفظ عن افادته للمجموع إلى إفادته للبعض، كما في كلّ مجاز، فإنّ ذلك لو كان معتبرا، لكان لقائل أن يقول: إنّ اللّفظ الحقيقيّ لا يراد به معناه المجازيّ حالة انضمامه إلى القرينة، و إلّا لم تفد القرينة شيئا، بل معناه الحقيقي، و انّما تفيد المجازيّ باعتبار القرينة، و ذلك يخرجه عن كونه مجازا.

لا يقال: الشرط، و الصفة، و الاستثناء، غير مستقلّ، فلا يخرج اللّفظ عن حقيقته، كقولنا: «مسلم» فإنّه يدلّ على معنى، فإذا قال: «المسلم» أو «مسلمون» أفاد بانضمام الألف و اللّام و الواو و النون معنى غير الأوّل، و لم يصر باعتبار هذه الزيادة مجازا، و كذا الشرط، و الصفة، و الاستثناء، لجامع‏ (1) عدم الاستقلال.

لأنّا نقول: الألف و اللّام و النون زيادات أفادت زيادات في المعاني من غير تغيّر الوضع الأوّل، فلا يقال: إنّه صار مجازا، بخلاف صورة النّزاع.

احتجّت الحنابلة، بأنّ التناول باق، فكان حقيقة.

____________

(1). في «أ»: يجامع.

221

و أيضا، فإنّه يسبق إلى الفهم، و هو دليل الحقيقة.

و الجواب: ما تقدّم، من أنّه حقيقة فيه مع غيره، و السبق إلى الفهم بقرينة و هو دليل المجاز.

احتجّ الرازي: بأنّه إذا بقى غير منحصر، كان معنى العموم باقيا.

و الجواب: أنّه كان للجميع.

احتجّ الجويني، بأنّ العامّ كتكرار الآحاد، و إنّما اختصر (1)، فإذا خرج بعضها بقى الباقي حقيقة.

و الجواب بالمنع، فإنّ العامّ ظاهر في الجميع، فإذا خصّ‏ (2) خرج قطعا، و التكرّر نصّ.

و احتجّ القاضي أبو بكر (3) و القاضي عبد الجبّار، بمثل ما احتجّ به أبو الحسين، من أنّ ما لا يستقلّ إذا أوجب تجويزا في نحو قولك: الرجال المسلمون، و أكرم بني تميم إن دخلوا، لكان نحو «مسلمين» للجماعة مجازا، و لكان نحو «المسلم» للجنس أو للعهد مجازا، و نحو [فَلَبِثَ فِيهِمْ‏] أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً (4) مجازا، لأنّ الصفة عند أبي بكر كأنّها مستقلّة، و الاستثناء عند عبد الجبّار ليس بتخصيص.

____________

(1). في «أ»: اختص.

(2). في «أ»: اختص.

(3). لاحظ التقريب و الإرشاد: 3/ 70.

(4). العنكبوت: 14.

222

و الجواب: ما تقدّم.

و أيضا، فإنّ «الواو» في «مسلمون» ك «ألف» ضارب و «واو» مضروب، و «اللام» في المسلم و إن كان كلمة، حرفا أو اسما، فالمجموع‏ (1) الدّال و الألف موضوعة للألف، و كذا «الخمسون» للخمسين، و إلّا للرفع، و معرفة الباقي حصلت بالحساب. (2)

تذنيب‏

إذا قال اللّه تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (3) و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في الحال «إلّا زيدا» فهذا تخصيص بدليل متّصل أو منفصل؟ فيه احتمال، ينشأ من تغاير المتكلّمين، و من كونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنما نطق بالوحي، فكان الخطاب منه تعالى في الحقيقة.

____________

(1). أي المجموع هو الدّالّ.

(2). يريد أن كلّا من الألفاظ الثلاثة: «الألف» و «الخمسين» و «إلّا» استعمل في معناه الموضوع له، غير أنّ المخاطب، قام بالمحاسبة و إخراج الخمسين عن الألف، يستنتج بأنّه لبث في قومه تسعمائة و خمسين عاما، و لعلّ المصنّف يريد التفريق بين الإرادة الاستعماليّة و الجدّيّة، فالجملة حسب الإرادة الأولى استعملت في معانيها اللغوية، لكن الإرادة الجدّيّة تعلقت بغيرها و التفصيل يطلب من كتب أصحابنا المتأخّرين.

(3). التوبة: 5.

223

المبحث السّادس: في جواز التمسّك بالعامّ المخصوص‏

اختلف الناس في ذلك، فمنع عيسى بن أبان‏ (1)، و أبو ثور (2) من التمسّك بالعامّ المخصوص، فيما عدا المخصوص على كلّ حال.

و أجاز آخرون التمسّك به على كلّ حال.

و أجاز قوم ذلك في حال دون حال، و اختلفوا في تفصيل تلك الحال:

فقال: الكرخي‏ (3): إن خصّ بشرط أو استثناء، صحّ التعلّق به فيما عدا المخصوص، و إن خصّ بمنفصل، لم يصحّ.

و قال البلخي‏ (4): ان خصّ بمتّصل كالشّرط و الصّفة و الاستثناء، كان حجّة و إلّا فلا.

و قال أبو عبد اللّه‏ (5): إن كان التّخصيص و الشرط قد منعا من تعلّق الحكم‏

____________

(1). تقدّمت ترجمته ص 216.

(2). هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي، الفقيه صاحب الإمام الشافعي، له مصنّفات ذكر في بعض كتبه اختلاف مالك و الشافعي، و ذكر مذهبه، و هو أكثر ميلا إلى الشافعي مات سنة 240 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 1/ 37.

(3). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(4). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 367.

(5). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

224

بالاسم العامّ، و أوجبا تعلّقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر، لم يجز التعلّق به، و إن لم يمنعا من تعلّقه باسم العامّ، صحّ التعلّق به.

فالأوّل كقوله تعالى: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1) لأنّ قيام الدلالة على اعتبار الحرز و مقدار المسروق يمنع من تعلّق القطع بالسرقة، و يقتضي وقوعه على الحرز الّذي لا ينبئ اللفظ عنه، فلم يجز التعلّق به.

و الثاني، كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (2) لأنّ قيام الدّليل على المنع من قتل معطي الجزية، لا يمنع من تعلّق القتل بالشّرط، فلم يمنع التعلّق به من قتل من لم يعط الجزية.

و قال قاضي القضاة: إنّ كان العموم المخصوص و المشروط، لو تركنا و ظاهره من دون الشرط و التخصيص كنّا نمتثل ما أريد منّا، و نضمّ إليه ما لم يرد منّا، احتجنا إلى بيان ما لم يرد منّا، و لم نحتج إلى بيان ما أريد، إذ كنّا نصير إليه من دون البيان، و يصحّ التعلّق بالظاهر فيه، كقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ.

و إن كنّا لو تركنا و الظاهر من دون الشرط، لم يمكننا امتثال ما أريد منّا، احتجنا إلى بيان ما أريد منّا، إذ لسنا نكتفي بالظاهر فيه، و لم يصحّ التمسّك به كقوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ. (3)

____________

(1). المائدة: 38.

(2). التوبة: 5.

(3). لاحظ كلام قاضي القضاة في المعتمد: 1/ 265- 266.

225

و هذا الذي ذكره عقد مذهب و دلالة، و ينبغي أن يزاد في الأوّل أن لا يكون العموم قد خصّص تخصيصا مجملا.

و قيل‏ (1): إنّه حجّة في أقلّ الجمع لا فيما زاد، و اتّفق الكلّ على أنّه إذا خصّ بمجمل، فإنّه لا يبقى حجّة إلّا بعد البيان.

و الحقّ أنّه حجّة،

لنا وجوه:

الأوّل: اللفظ العامّ كان متناولا للكلّ، فكونه حجّة في كلّ واحد من تلك الأقسام، إمّا أن يكون موقوفا على كونه حجّة في الآخر، أو على كونه حجّة في الكلّ، أو لا يتوقّف على شي‏ء منهما.

و الأوّل باطل، لأنّه إن كان كونه حجّة في كلّ واحد من تلك الأقسام مشروطا بكونه حجّة في الآخر، لزم الدّور.

و إن افتقر كونه حجّة في هذا، على كونه حجّة في ذلك، من غير عكس، لزم الترجيح من غير مرجّح، لأنّ نسبة اللفظ إلى كلّ واحد على السويّة، فليس جعل البعض مشروطا بالآخر، أولى من العكس.

و لأنّه يلزم المطلوب، لأنّ كونه حجّة في الكلّ يتوقّف على كونه حجّة في كلّ واحد من تلك الأقسام، لأنّ الكلّ لا يتحقّق إلّا بتحقّق جميع الأفراد، فلو توقّف كونه حجّة في البعض على كونه حجّة في الكلّ، لزم الدّور.

____________

(1). نقله الآمدي عن البعض و لم يعيّن قائله. لاحظ الإحكام: 2/ 353.

226

و حيث بطل القسمان، ثبت كونه حجّة في ذلك البعض لا يتوقّف على كونه حجّة في البعض الآخر، و لا على كونه حجّة في الكلّ، فإذن هو حجّة في البعض، سواء ثبت كونه حجّة في البعض الآخر أو لا.

أعترض‏ (1): بأنّه لا يلزم من عدم توقّف الشي‏ء على غيره جواز وجوده بدونه كما في المتلازمين، و إن عنى بتوقّفه عليه عدم وجوده بدونه، لم يلزم الدّور في المتلازمين.

الثاني: المقتضي لثبوت الحكم في غير محلّ التخصيص قائم، و المعارض الموجود لا يصلح معارضا، فوجب ثبوت الحكم في غير محلّ التخصيص.

إنّما قلنا: إنّ المقتضي قائم، لأنّه هو اللّفظ الدالّ على ثبوت الحكم في كلّ الصور و الدالّ عليه في كلّ الصّور دالّ عليه في محل التخصيص و غيره، فثبت قيام المقتضي في غير محلّ التخصيص.

و أمّا عدم المعارض، فلأنّ المعارض ليس إلّا كون الحكم غير ثابت في صورة التّخصيص، و لا يلزم من عدم الحكم في هذه الصورة عدمه في الأخرى، كما لا يلزم من ثبوته في صورة ثبوته في الأخرى‏ (2).

و فيه نظر، لأنّ المقتضي هو اللّفظ الدّالّ على الجميع، مع‏

____________

(1). المعترض سراج الدّين الأرموي في التحصيل من المحصول: 1/ 370. و الضمير في قوله:

«و إن عنى» يرجع إلى الفخر الرازيّ.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 403.

227

إرادته، و بالتخصيص خرج عن ذلك. (1)

الثالث: الإجماع وقع على الاحتجاج بالعامّ المخصوص فيكون حجّة.

أمّا المقدّمة الأولى، فلأنّ فاطمة (عليها السلام) احتجّت على أبي بكر في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‏ (2) مع أنّه مخصّص بالكافر و القاتل، و لم ينكر أحد من الصحابة احتجاجها، مع ظهوره و اشتهاره، بل عدل أبو بكر في حرمانها من الميراث إلى حديث رواه.

و لأنّ عليّا (عليه السلام) احتجّ على جواز الجمع بين الاختين في الملك بقوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ (3) مع أنّه مخصوص بالأخت و البنت.

و احتجّ ابن عبّاس على تحريم نكاح المرضعة بعموم قوله تعالى:

وَ أُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ‏ (4) و قال: قضاء اللّه أولى من قضاء ابن الزبير (5)، مع أنّه مخصوص بشرائط الرضاع.

و أمّا الثانية، فظاهرة لما يأتي من بعد أنّ الإجماع حجّة.

____________

(1). في «ب»: خرج عنه ذلك.

(2). النساء: 11.

(3). النساء: 3.

(4). النساء: 23.

(5). نقله الهيثمي في مجمع الزوائد: 4/ 261، و علاء الدين الكاشاني في بدائع الصنائع: 3/ 405، و الرازي في تفسيره: 10/ 30 في ذيل الآية 23 من سورة النساء و فيه: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة و لا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء اللّه خير من قضاء ابن الزبير. و نقله الآمدي في الإحكام: 2/ 354، و أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 268.

228

الرابع: العامّ قبل التخصيص حجّة في كلّ أقسامه بالإجماع، فيكون بعد التخصيص كذلك، لأنّ الأصل بقاء ما كان على ما كان، إلّا أن يوجد معارض، و الأصل عدمه.

الخامس: لو قال: أكرم كلّ من دخل داري، ثمّ قال بعد: لا تكرم فلانا، أو قال في الحال: إلّا فلانا، فترك، عدّ عاصيا.

احتج ابن أبان بوجوه:

الأوّل: دلالة العامّ على ما عدا محلّ التخصيص على سبيل المجاز، و إلّا لم يكن للعموم، أو كان مشتركا، و التقدير خلافهما، و إذا كان مجازا، كان متردّدا بين أقلّ الجمع و ما عدا صورة التخصيص.

و لا يمكن الحمل على الجميع، لما فيه من تكثّر جهات التجوّز، و ليس حمله على أحد المجازات أولى، لعدم دلالة اللّفظ عليه و كان مجملا.

الثاني: أنّه بالتخصيص خرج عن كونه ظاهرا و ما لا يكون ظاهرا لا يكون حجّة.

الثالث: العامّ بعد التخصيص ينزّل منزلة قوله تعالى: «اقتلوا المشركين إلّا بعضهم» و المشبّه به ليس بحجّة، فكذا المشبّه.

و الجواب عن الأوّل: المنع من عدم أولويّة البعض، فإنّ كلّ الباقي بعد التخصص أقرب إلى الاستغراق من بعض الباقي، فيكون هو المراد، و ينتفي الإجمال.

229

ثمّ يعارض بأنّه قبل التخصيص كان حجّة في كلّ قسم بالإجماع، فإن كان مجازا عاد ما ذكرتموه من المحذور.

و عن الثاني: إن أراد بقوله: «ليس ظاهرا» أنّه ليس حقيقة، فمسلّم، لكن كونه حجّة، لا يتوقّف على كونه حقيقة.

و إن أراد أنّه لا يكون حجّة، فهو ممنوع، و الأصل في ذلك أنّه ليس بظاهر في العموم، و هو ظاهر في الباقي.

و عن الثالث: بالمنع من التساوي، لحصول الجهالة في المشبّه به، دون المشبّه.

احتجّ من قال: إنّه يحمل على أقل الجمع، بأنّه المتيقّن، و ما زاد مشكوك فيه.

و الجواب: حمله على أقلّ الجمع يقتضي الإجمال لإبهامه، بخلاف ما قلناه، من الحمل على كلّ الباقي.

و لأنّه أقرب إلى الحقيقة، فكان أولى.

و لأنّ حمله على أقلّ الجمع مخلّ بمراد المتكلّم، و حمله على ما قلناه غير مخلّ به.

230

المبحث السابع: في جواز التمسّك بالعام قبل البحث عن المخصّص‏

الخلاف هنا مع ابن سريج‏ (1) فإنّه قال: لا يجوز التمسّك بالعامّ ما لم يستقص في طلب المخصّص، فإذا لم يوجد بعد ذلك مخصّص، جاز التمسّك به.

و قال الصّيرفي‏ (2): يجوز التمسّك به ابتداء، ما لم تظهر دلالة مخصّصة.

و الأقرب الأوّل.

لنا: أنّ المجتهد يجب عليه البحث عن الأدلّة و كيفيّة دلالتها، و التخصيص كيفيّة في الدلالة، فيجب عليه البحث عن ثبوته و عدمه بقدر الإمكان، لأنّ العامّ بتقدير قيام المخصّص، لا يكون حجّة في صورة التخصيص، فقبل البحث عن وجود المخصّص يجوز أن يكون العامّ حجّة و يجوز أن لا يكون، و الأصل عدم كونه حجّة.

____________

(1). تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 159.

(2). هو محمد بن عبد اللّه الصيرفي، أبو بكر أحد المتكلمين الفقهاء من الشافعيّة، و من كتبه «البيان في دلائل الإعلام على أصول الأحكام» في أصول الفقه، مات سنة 330 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 6/ 224.

231

لا يقال: ظنّ كونه حجّة أقوى من ظنّ كونه غير حجّة، لأنّ إجراءه على العموم أولى من حمله على التخصيص، و لمّا ظهر هذا القدر من التفاوت، كفى ذلك في ثبوت الظنّ.

لأنّا نقول: نمنع من قوّة ظنّ كونه حجّة، و إنّما يحصل بعد البحث عنه.

احتج الصّيرفي بوجهين:

الأوّل: لو لم يجز التمسّك بالعامّ إلّا بعد طلب المخصّص، لما جاز التمسّك بالحقيقة إلّا بعد طلب أنّه هل وجد ما يقتضي الصّرف إلى المجاز، و التّالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ المانع من التمسّك في العامّ قبل البحث عن المخصّص، ليس إلّا احتمال الخطأ، و هذا المعنى موجود في الحقيقة و المجاز، فيشتركان في الحكم.

و بيان بطلان التالي: أنّ العرف خاصّ يحمل الألفاظ على ظواهرها من غير بحث [عن‏] أنّه هل وجد ما يصرف اللفظ عن حقيقته أو لا.

و إذا كان في العرف كذلك، وجب في الشرع لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند اللّه حسن. (1)

الثاني: الأصل عدم التخصيص، و هذا يوجب ظنّ عدم المخصّص، فيكفي في إثبات ظنّ الحكم.

و الجواب عن الأول: بالفرق بين العامّ و الحقيقة، فإنّ كلّ العمومات‏

____________

(1). عوالي اللآلي: 1/ 381 و أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده: 1/ 379.

232

مخصوصة إلّا قوله تعالى: وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (1) فكان حمل اللّفظ على عمومه مرجوحا في الظنّ قبل البحث عن المخصّص، و أمّا الحقيقة، فإنّ أكثر الألفاظ محمولة على الحقائق.

و عن الثاني: أنّه معارض بأنّ الأصل عدم كونه حجّة.

تذنيب‏

لمّا أوجبنا البحث عن المخصّص، لم نوجب العلم بنفيه في دلالة العامّ، لعدم إمكانه، بل نوجب اجتهاد المجتهد في ذلك، بأن يتصفّح الأدلّة العقليّة و النقليّة، فإذا لم يجد مخصّصا، و غلب على الظنّ النفي، و ليس ذلك بقطعيّ، فإنّ عدم الوجدان لا يوجب عدم الوجود قطعا بل ظنّا.

____________

(1). الأنعام: 101.

233

الباب الثالث: في المقتضي للتخصيص‏

و فيه فصول:

الفصل الأوّل: في الأدلّة المتّصلة

و فيه مطالب:

المطلب الأوّل: في الاستثناء

و فيه مباحث:

المبحث الأوّل: في حقيقة الاستثناء

و هو استفعال من الثني، و هو الرّجوع، و هو هنا كذلك، فإنّ الحاكم على جملة بشي‏ء إذا استثنى بعضها عن ذلك الحكم، فكأنّه قد رجع عمّا حكم به أوّلا في ذلك المستثنى.

234

و هو إمّا متّصل، و هو الّذي يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.

و إمّا منفصل، و هو الّذي يكون من غير جنسه.

و هو حقيقة في المتّصل إجماعا، و اختلف في المنفصل، فقيل: إنّه حقيقة فيه أيضا.

و قيل: مجاز.

و قيل: إنّه للقدر المشترك بين المتّصل و المنفصل على ما يأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى.

إذا عرفت هذا فنقول: من جعله متواطئا حدّه بأنّه «ما دلّ على مخالفة ب «إلّا» غير الصفة، و أخواتها». (1)

و من جعله مشتركا بينهما، أو حقيقة في المتّصل دون المنفصل لم يكن له جمعهما في حدّ واحد، و حينئذ يقال في المنقطع: إنّه ما دلّ على مخالفة ب «إلّا» غير الصفة و أخواتها، من غير إخراج.

و أمّا المتّصل، فقد اختلف في تعريفه، فقال الغزالي، إنّه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة، دالّ على أنّ المذكور [فيه‏] لم يردّ بالقول الأوّل. (2)

و أورد على طرده‏ (3) التخصيص بالشّرط، و الوصف ب «الّذي» و الغاية،

____________

(1). لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 238، قسم المتن.

(2). المستصفى: 2/ 179.

(3). المورد هو الآمدي في الإحكام: 2/ 389، و لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:

3/ 241، قسم المتن.

235

و مثل: «قام القوم و لم يقم زيد» و لا يرد الأوّلان.

و أورد على عكسه: «قام القوم إلّا زيدا» فإنّه ليس بذي صيغ.

و قال الآخرون: الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ «إلّا» أو ما يقوم مقامه.

و نقض بمثل «قام القوم و لم يقم زيد» فإنّه قائم مقام قوله «إلّا زيدا» في إخراج بعض الجملة.

و قيل: إنّه عبارة عمّا لا يدخل في الكلام إلّا لإخراج بعضه بلفظ «إلّا»، و لا يستقلّ بنفسه، لأنّ المخرج إن كان معنويّا، كالعقل و القياس، خرج عن الحدّ.

و إن كان لفظيّا منفصلا، كان مستقلّا بالدّلالة، و إلّا لكان لغوا، و هو خارج عن الحدّ.

و إن كان متّصلا، فإن كان صفة مثل: «أكرم بني تميم الطّوال» خرج منهم القصار، و لفظ «الطّوال» لم يتناول القصار، بخلاف «أكرم بني تميم إلّا زيدا» و كذا إن كان شرطا.

و إن كان غاية، فقد يدخل «كالمرافق» (1) بخلاف الاستثناء.

و اعترض: بأنّ الاستثناء لإخراج بعض ما دلّ عليه الكلام، لا لإخراج بعض الكلام و ما يناقضه بقولنا: «جاء القوم غير زيد» فإنّه استثناء مع أنّ «غيرا» قد يدخل صفة مثل: «عندي درهم غير جيّد» فقد دخلت لا لإخراج بعضه.

____________

(1). إشارة إلى قوله تعالى: إِلَى الْمَرافِقِ‏ المائدة: 6.

236

و قيل‏ (1): إنّ الاستثناء عبارة عن لفظ متّصل بجملة لا يستقلّ بنفسه دالّ على أنّ مدلوله غير مراد ممّا اتّصل به، بحرف «إلّا» أو أحد أخواتها.

فقولنا: «لفظ» احتراز عن الدلائل العقليّة و الحسيّة الموجبة للتخصيص.

و قولنا: «بجملة» احتراز عن الدلائل المنفصلة.

و قولنا: «و لا يستقلّ بنفسه» احتراز عن مثل [قولنا]: «قام القوم، و لم يقم زيد».

و قولنا: «دالّ» احتراز عن الأسماء المؤكّدة و الصّفة، مثل: «قام القوم العلماء كلّهم».

و قولنا: «بحرف إلّا أو أخواتها» احتراز عن مثل: «قام القوم دون زيد» (2).

و فيه نظر، لأنّه حدّ الاستثناء بأنّه لفظ، و الاستثناء معنى، و اللفظ دالّ عليه.

و لأنّ قوله: «متّصل بجملة» ينتقض بالاستثناء المفرّغ مثل: «ما قام إلّا زيد».

و لأنّ مدلول كلّ استثناء متّصل مراد بالأوّل.

و قيل: الاستثناء لفظ متّصل بجملة لا يستقلّ بنفسه، دالّ على أنّ مدلوله غير مراد بما اتّصل به، ليس بشرط، و لا صفة، و لا غاية.

و يرد مع ما تقدّم: «قام القوم إلّا زيدا».

و قيل: إخراج ب «إلّا» و «أخواتها».

و قيل‏ (3): إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظة «إلّا» و ما يقوم مقامه.

____________

(1). القائل هو الآمدي في الإحكام: 2/ 390.

(2). الإحكام للآمدي: 2/ 390.

(3). القائل هو سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي في التحصيل من المحصول: 1/ 373 و محمد بن الحسين الأرموي في الحاصل من المحصول: 1/ 536.

237

و الأقرب: أنّه إخراج بعض ما تناوله اللّفظ عن الإرادة بإحدى الصّيغ الموضوعة له في اللّغة.

المبحث الثاني: في شروطه‏

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في أنّ شرط الاستثناء الاتّصال‏

ذهب المحقّقون من الفقهاء و المتكلّمين إلى أنّ شرط الاستثناء اتّصاله بالمستثنى منه، بحيث لا يتخلّل بينهما شي‏ء يفصل بينهما عرفا، و احترزنا بذلك عن النّفس و السعال و طول الكلام، فإنّه لا يعدّ في العرف فاصلا.

و نقل عن ابن عباس صحّة الاستثناء المنفصل و إن طال الزمان شهرا. (1)

و قال بعض المالكيّة: يجوز تأخير الاستثناء، لفظا، لكن مع إضماره متّصلا بالمستثنى منه، و يكون المتكلّم به مدينا فيما بينه و بين اللّه تعالى.

و قال بعض الفقهاء: يجوز المنفصل في كتاب اللّه تعالى دون غيره.

لنا وجوه:

الأوّل: لو جاز تأخير الاستثناء لما استقرّ شي‏ء من العقود، في الطلاق و العتاق و البيوع و الإقرار، و لا يتحقّق الحنث أصلا، لجواز أن يرد عليه الاستثناء فيغيّر حكمه.

____________

(1). لاحظ الإحكام للآمدي: 2/ 391؛ و الحاصل من المحصول: 1/ 537.

238

الثاني: العرف قاض بإلغاء المنفصل، فإنّ من قال لوكيله: بع ثوبي من أيّ شخص كان، ثمّ قال في غد: إلّا من زيد، فإنّه لا يجعل الاستثناء عائدا إلى ما تقدّم.

و كذا لو قال: «لفلان عليّ عشرة» ثمّ قال بعد شهر: إلّا درهما، عدّ لاغيا.

و كذا لو قال: «رأيت زيدا» ثمّ قال بعد شهر: قائما، فإنّهم لا يعدّون ذلك مخبرا عن زيد بشي‏ء.

و كذا لو قال: «أكرم زيدا» ثمّ قال بعد شهر: إن دخل داري، فإنّه لا يعدّ شرطا.

الثالث: روى المخالف أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «من حلف على شي‏ء فرأى غيره خيرا منه، فليأت الّذي هو خير، و ليكفّر عن يمينه» و لو كان الاستثناء المنفصل صحيحا، لأرشد اللّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إليه، لكونه طريقا مخلصا للحالف عن الحنث، و هو أسهل من التكفير، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إنّما يقصد الأسهل و الأيسر، فحيث لم يرشد إليه دلّ على عدم صحّته. (1)

و فيه نظر، لأنّا نمنع الحديث أوّلا، و ثانيا بأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أرشد إلى ما هو أكثر ثوابا.

احتجّ المخالف بوجوه:

الأوّل: يجوز تأخير النّسخ و التخصيص، فكذا الاستثناء.

الثاني: روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «و اللّه لأغزونّ قريشا» ثمّ سكت، ثم قال بعده:

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 391.

239

«إن شاء اللّه تعالى» (1) و لو لا صحّة الاستثناء بعد السكوت، لما فعله.

الثالث: ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه سألته اليهود عن عدّة أهل الكهف، و عن مدّة لبثهم فيه، فقال: «غدا أجيبكم» و لم يقل: «إن شاء اللّه تعالى»، فتأخّر عنه الوحي بضعة عشر يوما، ثمّ نزل عليه‏ وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ‏ (2) فقال: إن شاء اللّه، بطريق الإلحاق بخبره الأوّل، و لو لم يكن صحيحا، لما فعله.

الرابع: ابن عبّاس كان من فصحاء العرب، و يلقّب بترجمان القرآن، و قد قال بصحّة [الاستثناء] المنفصل، و لو كان باطلا لم يخف عنه ذلك.

الخامس: الاستثناء بيان و تخصيص للكلام الأوّل، فجاز تأخيره، كالأدلّة المنفصلة.

السادس: الاستثناء رافع لحكم اليمين، فجاز تأخيره، كالكفّارة.

و الجواب عن الأوّل: المطالبة بالجامع، و النقض بالشرط و خبر المبتدأ.

و عن الثاني: أنّ السكوت كان لعارض كنفس أو سعال.

و عن الثالث: أنّ قوله: «إن شاء اللّه» ليس عائدا إلى الخبر الأوّل إلى «أفعل ذكر الرّب» كما إذا قال لغيره: افعل كذا، فقال إن شاء اللّه، أي أفعله إن شاء اللّه.

____________

(1). عوالي اللآلي: 3/ 443؛ سنن البيهقي: 10/ 47- 48.

(2). الكهف: 23- 24، و القصة نقلها الطبرسي في المجمع في ذيل الآية 9 و 24 من سورة الكهف.

240

و عن الرابع: أنّ قول ابن عبّاس، إن ثبت، فمحمول على إضمار الاستثناء، و يدين المكلّف في ذلك، فيما بينه و بين اللّه تعالى، و إن تأخّر الاستثناء لفظا، أو على الاستثناء المأمور به، و هو الاستثناء بالمشيئة إن قلنا بجواز تأخيرها.

و عن الخامس: أنّه قياس في اللّغة، فلا يصحّ، ثمّ ينقض‏ (1) بالخبر و الشرط، كما سبق.

و عن السادس: بالفرق، فإنّ الكفّارة رافعة، لإثم الحنث، لا لنفس الحنث، و الاستثناء مانع من الحنث و إثمه، فما التقيا في الحكم حتّى يصحّ قياس أحدهما على الآخر، كيف و إنّ الخلاف إنّما وقع في صحّة الاستثناء المنفصل من جهة اللّغة، لا من جهة الشّرع، و لا قياس في اللّغة.

المسألة الثانية: في الاستثناء المنفصل‏

قد عرفت أنّ الاستثناء قسمان: متّصل و منفصل، و كلاهما مستعمل إجماعا.

أمّا الأوّل، فهو المتداول بين العقلاء في أكثر محاورات الاستثناء.

و أمّا الثاني، فيدلّ عليه قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ‏ (2) و غير ذلك ممّا يأتي.

____________

(1). في «أ»: ينتقض.

(2). الحجر: 30- 31.

241

و الخلاف هنا في شي‏ء واحد، و هو أنّ استعمال المنفصل على سبيل الحقيقة أو على سبيل المجاز؟ مع وقوع الاتّفاق على أنّه حقيقة في المتّصل.

و الحقّ هو الثاني، خلافا للقاضي.

لنا وجوه:

الأوّل: الاستثناء مأخوذ من الثني، و هو إخراج بعض ما تناوله اللّفظ، و لا يتحقّق ذلك في غير الجنس، فإنّ من قال: رأيت الناس [إلّا الحمر]، لا يدخل فيه غيرهم من الأجناس، فلا يتحقّق الاخراج حينئذ، لعدم تحقّق الدّخول الّذي هو شرط الإخراج، بل الجملة الأولى باقية بحالها لم يخرج عنها شي‏ء. (1)

و فيه نظر، لإمكان ثبوت المسبوقيّة (2) هنا، فإنّ الحاكم على جملة، يحتمل حكم على أخرى به، و بالمنفصل يخرج الاحتمال، و يتحقّق الثني، خصوصا و المنفصل إنّما يحسن مع احتمال المشاركة.

الثاني: الاستثناء من غير الجنس إمّا أن يكون من اللفظ، أو من المعنى، و القسمان باطلان، فيبطل من غير الجنس حقيقة.

أمّا الأوّل، فلأنّ اللّفظ الدّالّ على الشي‏ء فقط، لا يدلّ على ما يخالف مسمّاه، و إذا لم يدلّ اللّفظ على ذلك المخالف، لم يحتج إلى صارف يصرفه عنه.

و أمّا الثاني، فلأنّه لو جاز حمل اللّفظ على المشترك بين مسمّاه‏

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 393.

(2). في «أ» و «ب»: المشتقّ منه.

242

و بين المستثنى، حتّى يصحّ استثناء كلّ شي‏ء من كلّ شي‏ء، لأنّ كلّ شيئين لا بدّ و أن يشتركا من بعض وجوه، فإذا حمل المستثنى على ذلك المشترك، صحّ الاستثناء.

و لمّا لم يصحّ في العرف استثناء كلّ شي‏ء من كلّ شي‏ء، علمنا بطلان هذا القسم. (1)

و فيه نظر، لأنّ أهل اللّغة إن منعوا من ذلك، لم يلزم خروج اللّفظ عن كونه حقيقة في المطلق، و إن لم يمنعوا منعنا من عدم الصّحّة.

الثالث: استعماله في المنفصل إمّا لكون اللّفظ حقيقة فيه بخصوصيّة، أو لمعنى مشترك بينه و بين المتّصل، و القسمان باطلان، فاستعماله منه على سبيل الحقيقة باطل امّا الأوّل فلانّه ان كان حقيقة في المتصل لزم الاشتراك، و هو خلاف الأصل، و إن لم يكن حقيقة فيه، كان مجازا فيه، و حقيقة في المنفصل، و ذلك خلاف الإجماع.

و أمّا الثاني، فلأنّه لو كان كذلك، لكان متواطئا، و التالي باطل، و إلّا لم يسبق الفهم إلى أحد جزئيّاته، إذ هو شأن المتواطئ، لكن السّبق موجود، و لهذا حكم فقهاء الأمصار عليه، دون المنقطع، إلّا عند تعذّره و تأوّلوا: «له عندي مائة درهم إلّا ثوبا» و شبهه بقوله: إلّا قيمة ثوب. (2)

و فيه نظر، لجواز التشكيك، و إضمار القيمة ليس باعتبار المجاز، بل لضرورة الإخراج.

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 408.

(2). الاستدلال للآمدي في إحكامه: 2/ 394.

243

احتجّ المخالف بوجوه:

الأوّل: قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً (1).

الثاني: قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ‏ (2) و لم يكن من الملائكة، بل من الجنّ لقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ‏ (3) و كان له ذريّة و لا ذريّة للملائكة.

و لأنّه مخلوق من نار، و الملائكة من نور.

الثالث: قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ‏ (4) استثنى التجارة من الباطل، و ذلك من غير الجنس.

الرابع: قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ‏ (5) و الظّنّ ليس من جنس العلم.

الخامس: قوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً* إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (6) و السّلام ليس من جنس اللغو.

____________

(1). النساء: 92.

(2). الحجر: 30- 31.

(3). الكهف: 50.

(4). النساء: 29.

(5). النساء: 157.

(6). الواقعة: 25- 26.

244

السادس: قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ‏ (1) استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام و غيرها.

السابع: قوله تعالى: فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ* إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا (2) استثنى الرّحمة من نفي الصريخ و الإنقاذ، و هو من غير الجنس.

الثامن: قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ‏ (3) و من رحم ليس بعاصم، بل معصوم، و ليس المعصوم من جنس العاصم. (4)

و فيه نظر، فإنّ العاصم هنا اسم فاعل، و المراد به المعصوم مجازا، و يكون الاستثناء حينئذ من الجنس.

التاسع: قال الشاعر (5):

و بلدة ليس لها أنيس‏* * * إلا اليعافير و إلا العيس‏

و قال النابغة (6):

...* * * ... ما بالرّبع من أحد

____________

(1). الشعراء: 77.

(2). يس: 43- 44.

(3). هود: 43.

(4). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 395.

(5). الشاعر هو عامر بن الحارث النميري المعروف ب «جران العود» أدرك الإسلام، و سمع القرآن و اقتبس منه كلمات وردت في شعره. لاحظ الأعلام للزركلي: 3/ 250.

(6). النابغة هو زياد بن معاوية، كنيته أبو أمامة و لقبه النابغة، لقّب به لنبوغه في الشعر، هو أحد شعراء الطبقة الأولى. مات نحو سنة 18 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 3/ 54.

245

إلّا أواريّ‏

وقفت فيها أصيلانا أسائلها* * * عيّت جوابا و ما بالربع من أحد

إلّا الأواريّ لأيا ما أبيّنها* * * و النؤى كالحوض بالمظلومة الجلد

العاشر: قالوا: «ما زاد إلّا ما نقص» و «ما نفع إلّا ما ضرّ».

الحادي عشر: الاستثناء يقع تارة عمّا يدلّ عليه اللفظ دلالة المطابقة أو التضمّن، و تارة عمّا يدلّ عليه بالالتزام، فإذا قال: لفلان عليّ دينار، إلّا ثوبا، فمعناه: إلّا ثمن ثوب.

الثاني عشر: الاستثناء لا برفع جميع المستثنى منه، فصحّ، كاستثناء الدّراهم من الدّنانير، و بالعكس.

الثالث عشر: إذا قال: قام القوم إلّا زيدا، فإمّا أن يكون زيد داخلا في القوم، و هو محال، و إلّا لزم التناقض، و إمّا أن يكون خارجا عنهم، فيكون استثناء من غير الجنس، فلو كان الاستثناء من غير الجنس باطلا، بطل الاستثناء منه، و التالي باطل بالإجماع.

و الجواب عن الأوّل: أنّ إلّا بمعنى لكن و ليس استثناء، و يكون التقدير:

«و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلّا إذا أخطأ، فظنّ أنّه ليس مؤمنا إمّا باختلاطه بالكفّار، فيظنّه منهم، أو برؤيته من بعد فظنّه صيدا، أو حجرا.

و ذكر أبو هاشم على مذهبه وجها استحسنه المرتضى، و هو: أنّ المراد

____________

(1). هو جزء من عجز بيت و صدر آخر، و البيتان هما:

وقفت فيها أصيلانا أسائلها* * * عيّت جوابا و ما بالربع من أحد

إلّا الأواريّ لأيا ما أبيّنها* * * و النؤى كالحوض بالمظلومة الجلد

لاحظ ديوانه: 30.

246

انّ مع كونه مؤمنا يقع منه الخطأ و لا يقع منه العمد» (1).

و عن الثاني: بالمنع من كونه ليس من جنس الملائكة، و لا تنافي بين كونه من الملائكة و من الجنّ، فإنّه قد نقل عن ابن عبّاس و غيره من المفسّرين:

أنّ إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم الجنّ، لأنّهم كانوا إخوان الجانّ‏ (2) و كان إبليس رئيسهم، و يسمّى جنيّا لاختفائه و اجتنانه.

و يؤيّده، أنّه استثني من الملائكة، و الأصل في الاستثناء الاتّصال، للإجماع على صحّته، و الخلاف في المنفصل.

و لأنّ الأمر بالسجود لآدم، إنّما هو للملائكة في قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ‏ (3) و لو لم يكن إبليس منهم، لم يكن عاصيا بتركه، إذ الأصل عدم أمر وراء هذا الأمر.

و لا تنافي بين كونه من الملائكة و ثبوت الذريّة.

و كون التّوالد إنّما يكون بين الذّكر و الأنثى و لا إناث في الملائكة لإنكاره تعالى.

و قولهم: وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً (4) لا ينافي ما قلناه، لاحتمال كون الأنثى من غير الملائكة، لإمكان التوالد من جنسين.

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 247.

(2). هكذا في النسخ: و في الإحكام للآمدي: 2/ 396: «خزّان الجنان».

(3). البقرة: 34.

(4). الزخرف: 19.

247

و يمكن تولّده من نار، و تولّد الملائكة من نور، و يشتركان في حقيقة الملائكة.

سلّمنا أنّه ليس من الملائكة، لكن حسن الاستثناء، لأنّه مشارك لهم في الأمر بالسجود، فيصير التقدير: «فسجد الملائكة المأمورون بالسجود إلّا إبليس».

و عن الثالث و الرابع: أنّ «إلّا» بمعنى «لكن» عند البصريّين و بمعنى «سوى» عند الكوفيّين و هو الجواب عن باقي الآيات.

على أنّ الظنّ قد يسمّى علما، فقوله: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ‏ (1) أشار إلى كلّ ما يسمّى علما، و الظنّ يسمّى علما، لقوله‏ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ‏ (2) و أراد ظننتموهنّ، و ذلك إن كان من الأسماء المواطئة، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس، و إن كان من الأسماء المشتركة أو المجازيّة، فهو من جملة الأسماء العامّة. (3)

و فيه نظر، فإنّ المنفيّ إن كان الأعمّ، لزم نفي الأخصّ، فلا يجوز استثناؤه، و إن كان الأخصّ، لزم الاستثناء من غير الجنس.

و عن التاسع: أنّ «الأنيس» سواء فسّرناه بالمؤنس، أو المبصر، أمكن استثناء اليعافير و العيس منه، و الأحد يصدق على كلّ واحد، و إن لم يكن حيوانا، كما يقال أحد الحجرين، و أحد العمودين‏ (4) فيكون الاستثناء من الجنس.

____________

(1). النساء: 157.

(2). الممتحنة: 10.

(3). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 396.

(4). في «ب»: أحد العودين.

248

و عن العاشر: أنّ التقدير «ما زاد شي‏ء إلّا الّذي نقص» فيكون استثناء من الجنس.

و عن الحادي عشر: أنّه لو صحّ الاستثناء من المعنى، صحّ استثناء كلّ شي‏ء من كلّ شي‏ء، و قد بيّنا بطلانه.

و عن الثاني عشر: أنّه لا يلزم من عدم رفع الجميع صحّة الاستثناء من غير الجنس.

و استثناء الدينار من الدّراهم و بالعكس نفس النزاع.

و عن الثالث عشر: ما يأتي في تقدير الاستثناء إن شاء اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: في استثناء المستوعب و الأكثر

اتّفق النّاس على فساد الاستثناء المستغرق، فلو قال: له عندي عشرة إلّا عشرة، لزمته العشرة، لأنّه رفع للإقرار و الإقرار لا يجوز رفعه، و كذا كلّ منطوق به لا يرفع، نعم يجوز أن يتمّم بما يجري مجرى الجزء من الكلام، و كما أنّ الشرط جزء من الكلام، فكذا الاستثناء، و إنّما لا يكون رفعا بشرط أن يبقى للكلام معنى.

و هل يلغو الاستثناء و يمنع من استثناء البعض؟ فيه احتمال، من حيث إنّ استثناء الأكثر يستلزم استثناء الأقل، فجاز استثناء الأقلّ، و من حيث، إنّه باطل.

و قد فصّل به بين المستثنى و المستثنى منه، فكان الثاني باطلا أيضا.

و قد اختلف الناس في استثناء الأكثر و غيره على مذاهب ثلاثة:

249

الأوّل: منع قوم من استثناء الأكثر و جوّز استثناء النّصف و أقلّ، و هو اختيار ابن درستويه النّحوي‏ (1).

الثاني: منع القاضي أبو بكر و الحنابلة من استثناء الأكثر و المساوي، و أوجبوا استثناء الأقلّ.

الثالث: جوّز قوم الجميع، و هو اختيار علمائنا و أكثر الأشاعرة و أكثر الفقهاء و المتكلّمين، فلو قال: له عليّ عشرة إلّا تسعة، لزمه درهم واحد.

و نقل عن بعض أهل اللّغة استقباح استثناء عقد صحيح، فلا نقول: له عليّ مائة إلّا عشرة، بل نقول: إلّا خمسة.

لنا وجوه:

الأوّل: قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ‏ (2) ثمّ قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏ (3).

وجه الاستدلال: أنّه تعالى استثنى في الأولى «الغاوين» من عباده و في الثانية استثنى «المخلصين من الغاوين» فإن تساويا لزم جواز استثناء المساوي، و إن كان أحدهما أكثر، لزم جواز استثناء الأكثر.

____________

(1). هو عبد اللّه بن جعفر بن محمد بن درستويه، من علماء اللغة، فارسي الأصل، من أهل «فسا» له تصانيف كثيرة، مات سنة 347 ه، لاحظ الأعلام للزركلي: 4/ 76.

(2). الحجر: 42.

(3). ص: 82- 83.

250

و بالجملة فهذه الآيات تدلّ على إبطال قول من منع من المساوي و الأكثر، إذ لو كان المستثنى أقلّ من المستثنى منه، لزم أن يكون اتّباع إبليس و المخلصين كلّ واحد منهما أقلّ من الآخر (1).

و فيه نظر، لأنّ الغاوين لو كانوا أقلّ من مطلق عباده، لم يلزم أن يكونوا أقلّ من مخلصي عباده.

و اعترض‏ (2) أيضا: بأنّ «الّا» بمعنى «لكن» أو بأنّ المنع من استثناء الأكثر إنّما هو إذا كان عدد المستثنى و المستثنى منه مصرّحا، مثل: «خذ مائة إلا تسعين» و لا يمنع: «خذ ما في الكيس إلّا الزيوف» فإنّه يصحّ، و إن كانت الزيوف أكثر.

و فيه نظر، لأنّه غير المتنازع.

و قيل‏ (3) في الاستدلال: إنّه تعالى استثنى الغاوين، و هم أكثر، لقوله: وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ‏ (4).

الثاني: لو قال: «له عليّ عشرة إلّا تسعة» لزمه واحد بإجماع الفقهاء، و لو لا صحّة هذا الاستثناء لما كان كذلك.

الثالث: قال الشاعر:

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 410.

(2). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2/ 398.

(3). القائل هو الآمدي في الإحكام: 2/ 398.

(4). الأعراف: 17.

251

و فيه نظر، إذ ليس هنا استثناء.

الرابع: الاستثناء لفظ يخرج من الجملة ما لولاه لدخل [فيها]، فجاز إخراج الأكثر به، كالتخصيص بالمنفصل و كاستثناء الأقلّ.

الخامس: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ‏ (2) استثنى النصف من الليل، و هو يخصّ من منع من المساوي و الأكثر.

و اعترض‏ (3) بأنّ النّصف غير مستثنى، بل هو ظرف للقيام [فيه‏]، و تقديره: «قم اللّيل نصفه إلّا قليلا».

السادس: المنع إمّا أن يكون لعدم فهم المراد منه، و هو باطل، لأنّ من قال:

«لزيد عندي عشرة إلّا تسعة» فهم السّامع منه أنّه أقرّ بدرهم.

أو لعدم استعماله في اللّغة، و هو باطل لأنّ عدم الاستعمال دعوى، نعم أنّه غير كثير في كلامهم، لأنّ الحاجة لا تدعو إليه إلّا نادرا، فلهذا لم ينقل في كلامهم، أو نقل نادرا.

____________

(1). هذا صدر البيت، و عجزه:

...* * * ثمّ ابعثوا حكما بالحقّ قوّالا

و لم نعثر على قائله، و قد استدلّ به جمع من الأصوليين على جواز استثناء الأكثر منهم الباقلاني في التقريب: 3/ 144؛ و الغزالي في المستصفى: 2/ 184؛ أبو يعلي في العدّة: 1/ 411؛ و الآمدي في الإحكام: 2/ 398.

(2). المزمل: 1- 3.

(3). المعترض هو الآمدي في الإحكام: 2/ 399.

252

أو لأنّ الحكمة تمنع من ذلك، و هو باطل، إذ قد يتّفق أن يكون على زيد ألف درهم، و قد قضى منها تسعمائة و تسعين، و ينسى ذلك، فيقرّ بالألف فيتذكّر في الحال القضاء، فيستدرك بالاستثناء.

و قد يحتمل أن يكون لزيد على عمرو درهم، و لخالد على عمرو ألف درهم فيروم عمرو أن يقرّ لخالد بالألف، فسبق لسانه بالإقرار لزيد، فلا يجد إلى دفع ذلك عنه سبيلا إلّا بالاستدراك.

و إذا كان كذلك، لم تمنع الحكمة منه، و لهذا لو صرّح المستثنى بأحد العددين، لم يكن عليه لوم و لا مانع سوى هذه بالاستقراء، و إذا انتفت صحّ حسن الاستثناء.

احتجّ المخالف بوجوه:

الأوّل: المقتضي لفساد الاستثناء قائم، و ما لأجله ترك العمل به في الأقلّ غير موجود في المساوي و الأكثر، فوجب أن يفسد فيهما.

و بيان المقتضي للفساد: أنّه إنكار بعد إقرار، فلا يكون مقبولا.

و أمّا القارن، فلأنّ القليل في معرض النّسيان، لقلّة المبالاة به، و عدم التفات النّفس إليه، بخلاف الأكثر، فإنّه يكون متذكّرا محفوظا، لكثرة التفات النفس إليه، فإنّ من يقرّ بعشرة، ربّما كانت ناقصة شيئا يسيرا، أو يكون قد أدّى منها شيئا قليلا، ثمّ نسيه لقلّته، فلا جرم أقرّ بعشرة كاملة، ثمّ تذكّر بعد الإقرار، فوجب تمكّنه من استدراكه، دفعا للضّرر، فلذلك سوّغنا استثناء الأقلّ من الأكثر، و لم يوجد هذا المعنى في استثناء المثل و الأكثر، لأنّهما في مظنّة التذكّر، و مع الفرق يبقى المقتضي سليما عن المعارض.

253

الثاني: حكمة الاستثناء موجودة في الأقلّ دون المساوي و الأكثر، بيانه:

أنّ الاستثناء إنّما يفعل للاستدراك أو الاختصار، فالأوّل أن يظنّ الإنسان أنّ لزيد عليه عشرة، فيقرّ و تذكّر في الحال أنّ له عليه تسعة، فيستثني درهما.

و الاختصار نحو: أن يستطيل الإنسان أن يقرّ بتسعة دراهم و خمسة دوانيق، فيقرّ بعشرة إلّا دانقا، و ليس من الاختصار أن يقول: لزيد عليّ ألف درهم إلّا تسعمائة و تسعة و تسعين.

و ليس من العادة أن يكون على الإنسان درهم فيظنّ أنّ عليه ألف درهم، ثمّ تذكّر في الحال أنّ عليه درهما فيستدرك ذلك بالاستثناء.

الثالث: يقبح أن يقال: له عليّ ألف إلّا تسعمائة و تسعة و تسعين، و لا يصحّ: له ألف إلّا درهما، و الاستقباح يدلّ على أنّه ليس من اللّغة.

الجواب عن الأوّل: المنع من كونه إنكارا بعد إقرار، لأنّ الاستثناء مع المستثنى كاللفظ الواحد الدالّ على ذلك القدر.

و عن الثاني: ما بيّناه، من وجود الحكم.

و عن الثالث: أنّ الاستقباح لا يمنع الصحّة، كما لو قال: له عليّ عشرة إلّا درهما، لم يكن قبيحا، و لو قال: له عليّ عشرة إلّا دانقا و دانقا إلى عشرين، كان قبيحا.

254

المبحث الثالث: في أحكامه و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تقدير دلالته‏

و قد اختلف في تقدير الدّلالة في الاستثناء فقال الأكثر في قوله: عشرة إلّا ثلاثة، أنّ المراد بعشرة هنا سبعة و الأقربيّة دالّة عليه كالتخصيص بغيره.

و قال القاضي: عشرة إلّا ثلاثة بإزاء سبعة فللسبعة اسمان: مفرد و هو سبعة، و مركّب هو عشرة إلّا ثلاثة.

و الحقّ: أنّ المراد بعشرة عشرة باعتبار الأفراد، ثمّ أخرجت ثلاثة، و الاسناد (1) بعد الاخراج، فلم يسند إلّا الى سبعة.

لنا على بطلان الأوّل وجوه:

الأوّل: نعلم أنّ من قال: اشتريت الجارية إلّا نصفها، لم يرد استثناء النّصف من النصف.

الثاني: يلزم التسلسل.

الثالث: نعلم أنّ الضّمير للجارية، لا للنّصف.

____________

(1). في «أ»: و الاستناد.