نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
255

الرابع: إجماع أهل العربيّة على أنّ الاستثناء إخراج بعض من كلّ.

الخامس: دلالة العشرة على معناها نصّ، فيلزم إبطاله.

السادس: نعلم أنّا نسقط الخارج بالاستثناء، فنعلم أنّ المسند إليه ما بقي.

و على بطلان الثاني وجوه:

الأوّل: يلزم الخروج عن قانون اللّغة، إذ لم يعهد فيها تركيب من ثلاثة، و لا يعرف الأوّل و هو غير مضاف.

الثاني: يمتنع إعادة الضمير على جزء الاسم في قوله: إلّا نصفها.

الثالث: إجماع أهل العربيّة على أنّ الاستثناء إخراج بعض من كلّ.

احتجّ الأوّلون بأنّه لا يستقيم أن يراد عشرة بكمالها، لأنّا نعلم قطعا أنّه إنّما أقرّ بسبعة، فتتعيّن إرادتها من لفظ العشرة.

و لأنّه لو كان المراد عشرة، امتنع من الصّادق مثل: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً (1).

و احتجّ القاضي: بأنّه لمّا بطل أن يكون المراد بعشرة عشرة، و بطل أن يكون سبعة، تعيّن أن يكون الجميع السّبعة.

و الجواب عن الأوّل: أنّ الحكم بالإقرار باعتبار الإسناد، و لم يسند إلّا بعد الإخراج.

و هو الجواب عن البواقي.

____________

(1). العنكبوت: 14.

256

إذا عرفت هذا، فالاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص إن لم يرد بعشرة عشرة، و على المذهب المشهور هو تخصيص و على ما قلناه محتمل.

المسألة الثانية: في المخالفة (1) بين المستثنى و المستثنى منه‏

اعلم أنّ حكم الذهن بشي‏ء على آخر، إمّا أن يكون بالإيجاب أو بالسّلب، و كذا الطّلب إمّا أن يكون للوجود فيكون أمرا، أو للعدم فيكون نهيا، إذا عرفت هذا، و قد عرفت أنّ الاستثناء إخراج بعض ما تناوله الخطاب عن الإرادة، فيجب قطعا المخالفة بين المستثنى و المستثنى منه، فإن كان الاستثناء من الإثبات افاد النفي إجماعا، و إن كان من النّفي، فالأكثر على أنّه يفيد الإثبات.

و خالف أبو حنيفة في ذلك.

لنا وجوه:

الأوّل: النقل عن أئمّة اللّغة.

الثاني: لو لم يكن الاستثناء من النفي إثباتا، لم يكن قولنا: «لا إله إلّا اللّه» توحيدا، إذ يقتضي نفي الإلهيّة عن غيره، دون ثبوت الإلهيّة له تعالى، و لو لم يكن كذلك لم يتمّ به الإسلام، و هو بالإجماع باطل، فإنّ الإسلام يتمّ بمجرّد ذلك.

الثالث: إذا قال: «لا عالم في البلد إلّا زيد» يبادر إلى الذهن ثبوت العلم له،

____________

(1). في «ج»: في التخالف.

257

بل هو أدلّ الألفاظ على علم زيد، و التبادر دليل الحقيقة، و كذا في كلّ ما ساواه.

احتجّ المخالف بوجوه:

الأوّل: لو كان الاستثناء من النفي يفيد الإثبات، لوجب ثبوت النّكاح بمجرّد الوليّ، و الصّلاة بمجرّد الطّهارة، لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا نكاح إلّا بوليّ» (1) و «لا صلاة إلّا بطهور» (2) و لا شكّ في أنّه لا يجب تحقّق النكاح عند حضور الوليّ، و لا تحقق الصلاة عند حصول الوضوء، بل إنّما يدلّ على عدم صحّتهما عند عدم هذين الشرطين.

الثاني: بين الحكم بالنفي، و الحكم بالإثبات، واسطة، و هي عدم الحكم، فمقتضى الاستثناء، بقاء المستثنى غير محكوم عليه، لا بالنّفي و لا بالإثبات.

الثالث: الألفاظ تدلّ على الصّور المرتسمة في الأذهان، و الأكثر أنّ الصّور الذهنيّة مطابقة للأمور الخارجيّة، فالاستثناء المذكور في اللّفظ، إن صرفناه إلى الحكم، أفاد زوال الحكم، و إن صرفناه إلى ذلك العدم، أفاد زوال ذلك العدم، و حينئذ يجب الثبوت، إلّا أنّ الأوّل أولى، لأنّ تعلّق اللّفظ بالحكم الذّهني، تعلّق بغير واسطة، و تعلقه بالأحوال الخارجيّة إنّما هو بواسطة الأحكام الذهنيّة، فكان الأوّل أولى.

____________

(1). أخرجه الترمذي في سننه: 3/ 407 برقم 1101، و أبو داود في سننه: 2/ 229 برقم 2085، و ابن ماجة في سننه: 1/ 605 برقم 1880 و 1881، و أحمد بن حنبل في مسنده: 4/ 394 و 413، و لاحظ عوالي اللآلي: 3/ 313 برقم 148.

(2). وسائل الشيعة: 1/ 222، الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة، الحديث 1؛ و عوالي اللآلي: 2/ 184 و 209، و ج 3/ 8.

258

و الجواب عن الأوّل: أنّ الطهور و الوليّ لا يصدق عليه اسم ما استثني منه، فكان استثناء من غير جنس و إنّما سبق هذا الكلام لبيان اشتراط الطهور في الصّلاة، و الوليّ في النكاح، و الشرط و إن لزم من فواته فوات المشروط، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط، و إذا لم يكن مخرجا من الصلاة و النكاح، لم يكن استثناء متّصلا.

فإن قال: انّ تقديره: «لا صلاة إلّا صلاة بطهور»، اطّرد و أفاد الإثبات.

و إن قال: إنّ تقديره: «لا صلاة تثبت بوجه إلّا بذلك» فلا يلزم من الشرط المشروط، على ما تقدّم.

و الإشكال في المنفيّ‏ (1) الأعمّ في مثله و مثل قولنا: ما زيد إلّا قائم، إذ لا يستقيم نفي جميع الصّفات المعتبرة.

و أجيب: بأنّ الغرض المبالغة بذلك.

و لأنّه آكدها، و القول بأنّه منقطع بعيد، لأنّه مفرّغ، و كلّ مفرّغ متّصل، لأنّه من تمامه. (2)

و عن الثاني و الثالث: أنّهما واردان في طرف الإثبات أيضا.

و فيه نظر، فإنّ نفي الحكم بالإثبات، يستلزم البقاء على الأصل، و هو العدم.

____________

(1). في «أ»: النفيّ.

(2). لاحظ رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 3/ 291، قسم المتن.

259

المسألة الثالثة: في الاستثناء المتعدّد

الاستثناء إذا تعدّد، فإمّا أن يقترن بحرف العطف، أو يتجرّد عنه.

فالأوّل، يرجع الكلّ فيه إلى المستثنى منه، مثل: «له عندي عشرة، إلّا أربعة و إلّا ثلاثة» لامتناع عوده إلى الأوّل فإنّ المستثنى لا يعطف على المستثنى منه، و لا إلى المجموع، و إلّا لزم التناقض.

و أمّا الثاني، فالاستثناء الثاني فيه إمّا أن يزيد على الأوّل، أو يساويه، أو ينقص عنه.

فإن كان الأوّل، رجعا معا إلى المستثنى منه أيضا، مثل: «له عشرة إلّا أربعة إلّا خمسة» لامتناع عوده إلى الأوّل، لزيادته عليه، و قد بيّنا امتناع المستوعب، فكيف الأزيد، و لا إليهما للتناقض.

و إن ساواه فكذلك، مع احتمال التأكيد هنا.

و إن قصر عنه، رجع إلى الأوّل، لامتناع عوده إلى المستثنى منه لبعده، و القريب إذا لم يكن أولى من البعيد، فلا أقلّ من المساواة.

و لا إليهما، فإنّ المستثنى منه مع الاستثناء الأوّل، لا بدّ و أن يكون أحدهما نفيا، و الآخر إثباتا، فالاستثناء الثاني لو عاد إليهما معا، و قد عرفت أنّ الاستثناء من الإثبات نفي، و من النّفي إثبات، فيكون الاستثناء الثاني قد نفى عن أحد الأمرين السابقين عليه [عين‏] ما أثبته الآخر، فينجبر النقصان بالزّيادة، فيبقى ما كان حاصلا قبل الاستثناء، فيصير الاستثناء الثاني لغوا.

260

و لأنّه يلزم التناقض، لأنّ الاستثناء الثاني لو رجع إلى استثناء الأوّل و المستثنى منه معا، كان نفيا باعتبار المستثنى منه، و إثباتا باعتبار الاستثناء.

لا يقال: إنّما بيّنا في النفي و الإثبات لو اتّحد المتعلق و الوجه، أمّا مع التعدّد فلا.

لأنّا نقول: المتعلّق هنا واحد، لأنّه إذا قال: له عليّ عشرة إلّا ثلاثة إلّا واحدا، فالثاني لمّا رجع إلى المستثنى منه، أخرج رابعا و لمّا رجع إلى الاستثناء الأوّل، أثبت ذلك الدّرهم، فيكون ذلك الاستثناء نفيا و إثباتا من المستثنى منه.

و إذا امتنع عود الاستثناء الثاني إليهما، و قد بيّنا عدم عوده إلى المستثنى منه، وجب عوده إلى الأوّل، لامتناع عدم عوده إلى شي‏ء.

المسألة الرابعة: في الاستثناء عقيب الجمل المتعدّدة

اعلم أنّ الاستثناء إذا تعقّب جملا متعدّدة، و صحّ عوده إلى كلّ واحدة منها، هل يرجع إلى الجميع أو الى ما يليه؟

قال الشافعي و أصحابه بالأوّل. (1)

و قال أبو حنيفة و أصحابه بالثاني. (2)

و جوّز السيّد المرتضى كلّ واحد من القولين للاشتراك. (3)

____________

(1). نقله عنه أبو الحسين المعتزلي في المعتمد: 1/ 245.

(2). نقله عنه الآمدي في الإحكام: 2/ 400، و الرازي في محصوله: 1/ 413.

(3). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 249- 250.

261

و قال قاضي القضاة: إذا لم يكن الثاني منهما إضرابا عن الأوّل، و خروجا إلى قصّة أخرى، و صحّ رجوع الاستثناء إليهما، وجب رجوعه إليهما، و إن كان إضرابا عن الأوّل و خروجا إلى قصّة أخرى، فإنّه يرجع إلى ما يليه. (1)

و توقّف القاضي أبو بكر في الجميع. (2)

و فصّل أبو الحسين هنا جيّدا، فقال: إمّا أن تكون الجملتان من نوع واحد، أو من نوعين، فإن كان الأوّل فإمّا أن تكون إحدى الجملتين متعلّقة بالأخرى، أو لا تكون.

فإن كان الثاني، فإمّا أن يكونا مختلفي الاسم و الحكم، أو متّفقي الاسم، مختلفي الحكم، أو مختلفي الاسم، متّفقي الحكم.

فالأوّل، مثل: «أطعم ربيعة، و اخلع على مضر إلّا الطّوال».

و الأقرب، رجوع الاستثناء هنا إلى الجملة الأخيرة، فإنّ الظاهر أنّه لم ينتقل عن الجملة المستقلّة بنفسها إلى الجملة الأخرى المستقلّة بنفسها، إلّا بعد تمام غرضه من الأولى.

و القول بعود الاستثناء إلى الأولى، ينافي ذلك.

و الثاني، مثل: «أطعم ربيعة و اخلع على ربيعة إلّا الطّوال».

و الثالث، مثل: «أطعم ربيعة، و أطعم مضر إلّا الطوال».

و الحكم في هذين كما تقدّم.

____________

(1). نقله عنه أبو الحسين المعتزلي في المعتمد: 1/ 246، و الآمدي في الإحكام: 2/ 400.

(2). التقريب و الإرشاد: 3/ 147.

262

و أمّا إن تعلّقت إحداهما بالأخرى، فإمّا أن يكون حكم الأولى مضمرا في الثانية، مثل: «أكرم ربيعة، و مضر إلّا الطّوال».

أو اسم الأولى مضمرا في الثانية، مثل: «أطعم ربيعة، و اخلع عليهم إلّا الطّوال» فالاستثناء في هذين، يرجع إلى الجملتين، لأنّ الثانية لم تستقلّ، و إنّما تتمّ مع الأولى، فوجب رجوع حكم الاستثناء إليهما.

و إن كانت الجملتان نوعين من الكلام، فإن اختلفت القضيّة (1) مثل: «أكرم ربيعة، و العلماء هم المتكلّمون، إلّا أهل البلد الفلاني» فالاستثناء يرجع إلى ما يليه، لاستقلال كلّ منهما بنفسها.

و إن اتّحدت، كقوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ‏ (2) فالقضيّة (3) واحدة، و الجملة الأولى أمر، و الثانية نهي، و الثالثة خبر، فالاستثناء و إن كان مقتضاه أن يرجع إلى الأخيرة، لاستقلال كلّ منهما بنفسها، إلّا أنّ في الآية ما يدلّ على رجوعه إلى الجميع، و هو نوعان الاتّحاد في الغاية، فإنّ ردّ الشهادة مع الجلد، و الحكم بالفسق، يجمعهما أمر واحد، و هو الانتقام و الذّم، و إضمار الأولى، في الثانية و الثّالثة. (4)

احتجّ الشافعي بوجوه:

____________

(1). في «أ»: القصّة.

(2). النور: 4.

(3). في «أ»: القصّة.

(4). المعتمد: 1/ 246، نقله المصنّف بتلخيص.

263

الأوّل: الشرط المتعقّب للجمل، يعود إلى الجميع، فكذا الاستثناء، لجامع عدم استقلال كلّ منهما بنفسه، و اتّحاد معنييهما، فإنّ قوله: وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (1) جار مجرى قوله: « [و أولئك هم الفاسقون‏] إن لم يتوبوا».

الثاني: الاستثناء بالمشيئة يعود إلى الجميع، فكذا في غيرها.

الثالث: حرف العطف يصيّر الجمل المتعدّدة واحدة، إذ لا فرق بين [أن تقول:] رأيت بكر بن زيد، و رأيت بكر بن خالد، و [بين أن تقول:] رأيت البكرين، و إذا كان الاستثناء عقيب الواحدة يرجع إليها، فكذا ما هو بحكمها.

الرّابع: على تقدير إرادة عود الاستثناء إلى الجميع لو ذكره لفظا على سبيل التكرار، كان ركيكا، بل إنّما يذكره عقيب الأخيرة، و يكون راجعا إلى الجميع في هذه الصّورة، و الأصل في الكلام الحقيقة و إذا كان حقيقة في هذه الصورة، كان حقيقة في الجميع، دفعا للاشتراك و المجاز.

الخامس: لو قال: عليّ خمسة، و خمسة، إلّا سبعة، رجع إلى الجملتين، فكذا في غيره، دفعا للاشتراك و المجاز.

السادس: الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل، و ليس البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع، كالعامّ.

السابع: لو قال: «بنو تميم و بنو ربيعة اكرموهم إلّا الطّوال» عاد الاستثناء إلى‏

____________

(1). النور: 4- 5.

264

الجميع، فكذا إذا تقدّم الأمر بالإكرام، ضرورة اتّحاد المعنى.

الثامن: لو قال: «اضربوا بني تميم و بني ربيعة إلّا من دخل الدّار» كان معناه من دخل الدار من الفريقين.

التاسع: لواحق الكلام و توابعه من شرط أو استثناء يجب أن يلحق الكلام ما دام الفراغ لم يقع منه، و ما دام الكلام متّصلا لم ينقطع، فاللواحق‏ (1) لا حقة و مؤثّرة فيه، فالاستثناء إذا تعقّب جملا متّصلة معطوفا بعضها على بعض، فالواجب ان يؤثّر في جميعها.

و الاعتراض: على الأوّل: المنع من ثبوت الحكم في الأصل، بل يعود إلى الأخيرة أيضا.

سلّمنا، لكن لا يلزم من اشتراكهما في عدم الاستقلال و اقتضاء التخصيص اشتراكهما في كلّ الأحكام، و إلّا لما تعدّدا، و اتّحاد معنى الشرط و الاستثناء إن كان بمعنى عدم الفرق بينهما باعتبار ما كان قياس أحدهما على الآخر، قياس الشي‏ء على نفسه، و إن كان بينهما فرق، لم يجب اشتراكهما في الحكم، لجواز استناده إلى الفارق.

و اعلم أنّ الحنفيّة، سلّموا الحكم بعود الشرط إلى الجميع، و فرّقوا بينه و بين الاستثناء، لأنّ الشرط له صدر الكلام، فإذا تعقّب الجمل، وقع في غير موقعه، و كأنّه مذكور في أوّل الكلام، فلهذا تعلّق بالجميع.

____________

(1). في «أ»: فالتوابع.

265

و الاستثناء إذا تعقّب الجمل، فهو واقع في مكانه.

و ليس بجيّد، لأنّا نسلّم أنّ له صدر الكلام، لكن إنّما يثبت له ذلك في الكلام الّذي تعلّق به الشرط، لا كلّ كلام مع أنه لو تقدّم على الجميع لم يجب تعلّقه بالجميع.

و [الاعتراض‏] على الثاني: بما تقدّم، من أنّه‏ (1) ليس باستثناء، لعدم حرف الاستثناء فيه، و لا شرط و إن وجد فيه حرفه، لأنّه قد يدخل على الماضي، فيقول:

لقيت زيد إن شاء اللّه، و إنّما دخلت المشيئة في كلّ هذه المواضع، ليقف الكلام عن النّفوذ، و المضيّ لا لغير ذلك.

لا يقال: فتقف الجملة الأخيرة.

لأنّا نقول: لو لا الإجماع لقلنا به، لكنّ الإجماع دلّ على العود إلى الجميع.

و [الاعتراض‏] على الثالث: إن ادّعيتم عدم الفرق، بطل القياس، و إن سلّمتموه جاز استناد الحكم إلى الفارق، فيبطل القياس أيضا.

مع أنّه قياس في اللغة.

و نمنع صيرورة الجملتين كالجملة الواحدة بواسطة العطف، و معلوم أنّ الجملتين إذا تعقّبهما استثناء، صحّ من المستثنى أن يصرّح بأنّه إنّما استثنى من إحداهما دون الأخرى، و لا يجوز أن يصرّح في الجملة الواحدة بأنّ الاستثناء غير عائد إليها.

____________

(1). في «أ»: مع أنّه.

266

و [الاعتراض‏] على الرابع: يمكن رعاية الاختصار بذكر ذلك الاستثناء الواحد عقيب الجمل مع الإشارة إلى ما يقتضي عوده إلى الكلّ، و لا يقدح ذلك في الفصاحة.

أو لأنّا نمنع الاستقباح، لما فيه من الدلالة على شمول الاستثناء للجميع بيقين.

سلّمنا الاستقباح، لكنّ وضع اللّغة غير مشروط بالمستحسن، فإنّه لو وقع الاستثناء كذلك، لصحّ لغة و ثبت حكمه، و لو لا أنّه من وضع اللّغة لم يكن كذلك.

و [الاعتراض‏] على الخامس: لمّا امتنع رجوع الاستثناء إلى إحدى الجملتين و نسبة كلام العاقل إلى الهدر، وجب صرفه إليهما معا، فالحاصل أنّ الاستثناء هنا رجع إلى الجملتين لمعنى غير الاستثناء، و هو رفع محذور الهدريّة.

و نحن نسلّم جواز رجوعه اليهما لقيام دليل، و النزاع إنّما وقع فيما إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الأخيرة من غير دليل يوجب عوده إلى ما تقدّم.

على أنّ بعض الشافعية منع من مثل هذا الاستثناء.

و [الاعتراض‏] على السادس: أنّ عوده إلى البعض أولى من عوده إلى الجميع، لما في الاستثناء من مخالفة الأصل، و كلّما قلّ كان اولى.

ثمّ صلاحيّة اللّفظ لشي‏ء لا يقتضي صرفه إليه، كما في المجاز.

و نمنع عدم الأوليّة للبعض، فإنّ الأخير لكونه أقرب، أولى من الأبعد.

و [الاعتراض‏] على السابع: أنّه قياس في اللّغة، و قد ظهر بطلانه، مع قيام الفرق، فإنّه إذا تأخّر الأمر، اقترن الاستثناء باسم جميع و هو قوله: «أكرموهم»

267

بخلاف الأمر المتقدّم، فإنّه لم يتّصل باسم الفريقين.

و [الاعتراض‏] على الثامن: بالمنع من أنّ معناه من الفريقين، بل من ربيعة.

و [الاعتراض‏] على التاسع: أنّ الكلام إذا لم يقع الفراغ منه، و كان المتكلّم متشاغلا به، صحّ أن تعود إليه اللّواحق المؤثّرة، من شرط و استثناء، و مشيئة، فأمّا وجوب تعلّقها بالجميع و إن كان منفصلا و بعيدا عن محل المؤثّر فغير مسلّم، و إنّما راعوا اتّصال الكلام و انقطاعه لينفصل حكم ما يصحّ أن يلحق بالكلام ممّا لا يصحّ لحوقه به للفراغ و الانفصال.

و لو كان بهذا الّذي اقتصر عليه اعتبار، لوجب إذا قال: أكرمت جيراني و ضربت غلماني الطوال، أن تردّ لفظة الطّوال، إلى الجملتين، لأنّ الفراغ ما حصل من الكلام، كما يفعل في الاستثناء.

لا يقال: لو رددناه إلى ما تقدّم، لكنّا قد فصلنا بين الصّفة و الموصوف.

لأنّا نقول: قد فعل ذلك في مواضع، و كذا لو رددنا الاستثناء إلى الجميع، لكنّا قد فصلنا بين الاستثناء و المستثنى منه، و هو مكروه عندهم.

و احتجّ أبو حنيفة بوجوه:

الأوّل: الاستثناء خلاف الأصل، لاشتماله على مخالفة الحكم الأوّل، فالدليل يقتضي عدمه، تركنا العمل به في الجملة الواحدة، لدفع محذور الهدريّة، فيبقى الدليل في باقي الجمل سالما عن المعارض، فلا يجوز تعلّقه بالجمل المتعدّدة.

268

و إنّما خصّصناه بالأخيرة، لأنّها أقرب، و الاتّفاق واقع على عوده إلى الأقرب، و كما اعتبر القرب في الأقرب من العاملين عند البصريّين.

إن عاملان اقتضيا في اسم عمل‏* * * قبل فللواحد منهما العمل‏

و الثاني عند أهل البصرة* * * و اختار عكسا غيرهم ذا اسرة

(1)

و في قولنا: ضرب زيد عمرا، و ضربته، فجعلوا «الهاء» عائدة إلى عمرو، دون زيد، للقرب، و كذا جعلوا الأقرب فاعلا في قولنا: «ضرب موسى عيسى» لمّا انتفى الأعراب، و القرينة اعتبار القرب، و كذا في قولنا: «أعطى زيد عمرا بكرا» أنّ بكرا هو المفعول [الثاني‏] فكذا وجب اعتبار القرب في الاستثناء.

و لأنّه لا قائل بعوده إلى غير الأخيرة خاصّة، فإنّ من النّاس من جعله عائدا إلى الجميع، و منهم من اعاده إلى الأخيرة خاصّة.

الثاني: لو رجع الاستثناء إلى الجميع، فإن أضمر مع كلّ جملة استثناء، لزم مخالفة الأصل في الإضمار، مع عدم الحاجة إليه، و في الاستثناء يتضاعف مخالفة الأصل.

و إن لم يضمر، كان العامل في ما بعد الاستثناء اكثر من واحد، لكن لا يجوز تعدّد العامل في إعراب واحد، لنصّ سيبويه‏ (2) عليه، و قوله حجّة.

و لئلّا يجتمع المؤثّران المستقلّان على الأثر الواحد.

الثالث: الاستثناء من الاستثناء مختصّ بما يليه، فكذا في غيره، دفعا للاشتراك.

____________

(1). إشارة إلى قول البصريّين في باب التنازع يقول ابن مالك:

إن عاملان اقتضيا في اسم عمل‏* * * قبل فللواحد منهما العمل‏

و الثاني عند أهل البصرة* * * و اختار عكسا غيرهم ذا اسرة

(2). تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 169.

269

الرابع: الظاهر أنّه لم ينتقل المتكلّم من الجملة الأولى إلى الثانية إلّا بعد استيفاء غرضه منها، فإنّه لمّا كان السكوت يدلّ على استكمال الغرض من الكلام (الأوّل) (1)، فكذا الشروع في كلام آخر لا تعلّق له بالأوّل، يدلّ على استكمال الغرض من الأوّل، فلو جعلنا الاستثناء عائدا إلى الجميع، لزم إبطال ما أصلناه، من أنّ الانتقال يدلّ على تماميّة الغرض.

الخامس: المقتضي لرجوع الاستثناء إلى ما تقدّمه، عدم استقلاله بنفسه، فإنّه لو كان مستقلّا بنفسه عن غيره لم يجز تعليقه بذلك الغير، و إذا علّق بما يليه استقلّ و أفاد، فلا معنى لتعليقه بما بعد عنه، إذ لو جاز مع إفادته و استقلاله أن تعلّق بغيره لوجب فيه لو كان مستقلّا بنفسه أن تعلّق بغيره.

السادس: من حق العموم المطلق أن يحمل على عمومه و ظاهره، إلّا لضرورة تقتضي خلافه، و لمّا خصّصنا الجملة الّتي يليها الاستثناء بالضّرورة، لم يجز تخصيص غيرها، و لا ضرورة.

السابع: قال اللّه تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (2) فإنّه لا يرجع إلى الجلد إجماعا.

و قال تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا (3) و هو راجع إلى الدّية دون الإعتاق بالإجماع.

الثامن: أنّه استثناء تعقّب جملتين، فلا يكون بظاهره عائدا إليهما كما لو

____________

(1). ما بين القوسين يوجد في «ب».

(2). النور: 5.

(3). النساء: 92.

270

قال: «أنت طالق ثلاثا و ثلاثا، إلّا أربعة» فإنّه لا يعود إلى الجميع، و إلّا لوقع طلقتان لا ثلاث [طلقات‏].

التاسع: دخول الجملة الأولى تحت لفظه معلوم، و دخولها تحت الاستثناء مشكوك فيه، و الشكّ لا يرفع اليقين.

و الاعتراض على الأوّل: المنع من مخالفة الاستثناء الأصل، لأنّا قد بيّنا أنّ المستثنى و المستثنى منه كاللّفظ الواحد الدّالّ على الباقي، مع انتقاضه بالاستثناء بمشيئة اللّه تعالى و بالشرط، فإنّهما عائدان إلى الجميع مع عدم الاستقلال.

لا يقال: الشرط و إن تأخّر، لكنّه متقدّم، فصار جميع ما بعده مشروطا به، فالاستثناء بالمشيئة يقتضي صيرورة الكلام بأسره موقوفا، فلا يختصّ بالبعض.

لأنّا نقول: نمنع تقدّم الشّرط على جميع الجمل، بل على الأخيرة.

سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ التقدّم يقتضي العود إلى الجميع، بل إلى ما يليه.

و أمّا الاستثناء بالمشيئة، فلم لا يختصّ بالأخيرة؟ و إنّما يتمّ كلام الحنفيّة لو منعوا هذين الإلزامين.

و على الثاني: بالمنع من عدم اجتماع العاملين على معمول واحد.

و نصّ سيبويه، معارض بنصّ الكسائي‏ (1) على الجواز و ليست العلل الإعرابيّة مؤثّرة، بل معرّفة.

و على الثالث: أنّه لمّا امتنع عوده إلى الجميع، وجب عوده إلى البعض،

____________

(1). عليّ بن حمزة بن عبد اللّه الأسدي بالولاء، إمام في اللغة و النحو و القراءة، من أهل الكوفة، له تصانيف كثيرة، مات بالرّيّ سنة 189 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 4/ 283.

271

و نحن نقول كذلك في الجمل: إنّه لو امتنع العود إلى بعضها اختصّ بما يمكن عوده إليه.

على أنّ قياس الجمل على الاستثناء من الاستثناء خال عن الجامع، إذ لا جمل هناك.

و على الرابع: بالمنع من أنّه لم ينتقل عن الأوّل إلّا بعد استيفاء غرضه منها، فإنّه نفس النزاع.

و على الخامس: انّه لا يمتنع من تعلّقه بما تقدّم أجمع، كما لا يوجبه، فلا حجّة لكم فيه و الاستقلال و إن اقتضى أن لا يجب تعليقه بغيره، لكنّه لا يمنع الجواز.

و قوله: لو جاز ذلك، لجاز في الاستثناء إذا كان مستقلّا بنفسه ان تعلقه بغيره باطل، لأنّ ما يستقلّ بنفسه و لا تعلّق له بغيره جائزا أو لا واجبا لا يجوز أن تعلقه بغيره.

و الاستثناء المتعقب بجملتين غير مستقلّ بنفسه، فبالضرورة تعلّقه بما يليه المستقلّ، غير أنّه و إن استقلّ بذلك، فمن الجائز أن يتعلّق بما تقدّمه و إن لم يكن واجبا.

ثمّ ينتقض بالشرط، فإنّه متى تقدّم أو تأخّر إذا علّق ببعض الجمل، أفاد و استقلّ إجماعا، مع أنّه يجب أن يتعلق بالجميع، مع حصول الاستقلال بالبعض.

و على السادس: بالنقص بالشرط أوّلا، و بالمنع من كون اللفظ على ظاهر

272

العموم مع تعقيب الاستثناء، و إنّما يكون ظاهرا في العموم، لو خلا عن الاستثناء.

و على السّابع: أنّ الجلد إنّما لم يرجع الاستثناء لكنّه محافظة لحقّ الآدميّ و يرجع عندنا إلى جميع ما تقدّم عداه، و نحن لا نمنع من عدم الرجوع إلى البعض لمانع.

و إنّما امتنع عود الاستثناء إلى الإعتاق، لأنّه حقّ اللّه تعالى، و تصدّق الوليّ لا يسقط حقّه تعالى.

و على الثامن: بالمنع من تعدّد الطلاق على مذهبنا.

و أمّا من جوّزه، فقد ذهب بعض الشافعيّة إلى عوده إلى الجميع، و أنّ الواقع طلقتان.

سلّمنا، لكنّ المعتبر من قوله: «ثلاثا ثلاثا» إنّما هو الجملة الأولى دون الثانية، فلو عاد الاستثناء إليها لكان مستغرقا، و هو باطل.

و على التاسع: بالمنع من الدخول على تقدير الاستثناء، ثمّ لو منع ذلك من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدّمة، يمنع من اختصاصه بالأخيرة، لجواز عوده بدليل آخر إلى الجملة المتقدّمة دون المتأخرة، فيبقى الشكّ حاصلا في الأخيرة، كما حصل في المتقدمة.

ثمّ ينقض بالشرط و الوصف على باقي الجمل.

و احتجّ السيد المرتضى على الاشتراك بوجوه:

الأوّل: يحسن الاستفهام عن إرادة المتكلّم للعود إلى الجميع أو الأخيرة، و الاستفهام دليل الاشتراك.

273

الثاني: الاستعمال في القرآن العزيز و لسان العرب، يدلّ على عود الاستثناء تارة إلى الجميع، و أخرى إلى الأخيرة، و الاستعمال دليل الحقيقة، فوجب الاشتراك.

الثالث: الحال و الظرفان‏ (1) يصح تعلّقها بالجميع، و بالأخيرة، فكذا الاستثناء، بجامع الاشتراك في الفضلة (2).

و الاعتراض على الأوّل و الثاني: بما تقدّم في باب العموم.

مع أنّه يجوز أن يكون الاستفهام لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقيّ و المجازيّ أصلا، كما تقوله الواقفيّة. (3)

أو لأنّه حقيقة في البعض، مجاز في البعض، و الاستفهام للحصول على اليقين و دفع الاحتمال البعيد.

و على الثالث: بالمنع من ثبوت الحكم في الأصل، بل الحال و الظرفان تعود إلى الجميع كما ذهب إليه الفريق الأوّل في الاستثناء، أو إلى الأخيرة كما ذهب إليه الفريق الثاني.

مع أنّه قياس في اللغة، و هو باطل.

مع أنّ الاشتراك في بعض الوجوه، لا يقتضي التساوي من كلّ الوجوه.

____________

(1). أي ظرف الزمان و المكان.

(2). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 250- 252، نقله المصنّف بتلخيص.

(3). المراد من الواقفيّة هنا هم الذين توقّفوا في المسألة و لم يبدوا رأيا فيها كالقاضي أبو بكر و الغزّالي و جماعة من الأشاعرة. لاحظ الإحكام للآمدي: 2/ 401.

274

المطلب الثاني: في الشرط و الغاية و الصفة و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في حدّ الشرط

قال الغزّاليّ: الشرط هو ما لا يوجد المشروط دونه، و لا يلزم أن يوجد عند وجوده. (1)

و هو خطأ، إذ المشروط لا يعرف إلّا بالشرط، فيدور.

و ينتقض أيضا، بجزء السّبب و بالشرط المساوي، فإنّه يلزم أن يوجد عند وجوده، و إن كان اللّزوم من حيث المساواة.

و قال بعض الأشاعرة (2): ما يقف عليه تأثير المؤثّر في تأثيره، لا في ذاته.

و ينتقض على مذهبهم، بالحياة القديمة، فإنّها شرط في وجود علمه تعالى، و لا تأثير هناك.

و قيل‏ (3): الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا يكون سببا لوجوده، و لا داخلا في السّبب.

____________

(1). المستصفى: 2/ 188.

(2). هو الفخر الرازي في محصوله: 1/ 422.

(3). القائل هو الآمدي في الإحكام: 2/ 407- 408.

275

و هو إمّا عقليّ، كالحياة للعلم، أو شرعيّ كالطهارة، أو لغويّ.

و له أدوات ك «إن» و «إذا» و «من» و «ما» و «مهما» و «حيثما» و «أينما» و «إذ ما».

و أمّ الباب «إن» لأنّها حرف، و الأصل في إفادة المعاني للأسماء، إنّما هو الحروف.

قيل‏ (1): و لدخولها في جميع صور الشرط، بخلاف البواقي، لاختصاص «من» بالعقلاء و «ما» بغيرهم، و «إذا» لما لا بدّ من وقوعه، مثل: أتيتك إذا احمرّ البسر.

و فيه نظر، فإنّ «إن» إنّما تدخل على المحتمل خاصّة، و «إذا» تدخل عليهما (2) تقول «أتيتك إذا احمرّ البسر، و إذا دخلت الدار» و لا تقول: «أتيتك إن طلعت الشّمس».

المبحث الثاني: في أحكامه و هي أربعة:

الأوّل: الشرط و المشروط قد يتحد كلّ منهما، و قد يتعدّد، و قد يتّحد الأوّل، و يتعدّد الثاني و بالعكس.

فالأوّل: إن جئتني أكرمتك.

____________

(1). المصدر السابق.

(2). ضمير التثنية يرجع على المحتمل و المتحقّق.

276

و الثاني: إن جئتني و دخلت الدار، أكرمتك و أعطيتك.

و الثالث: إن جئتني أكرمتك و أعطيتك.

و الرابع: إن جئتني و دخلت الدار أكرمتك.

و اعلم أنّ التعدّد قد يكون على الجميع، و قد يكون على البدل، و تتكثّر الأقسام حينئذ.

أمّا التعدّد على الجميع، فقد سبق.

و أمّا على البدل فمثال تعدّدهما: «إن جئتني أو دخلت الدار أكرمتك أو أعطيتك».

و مثال تعدّد المشروط: «إن جئتني أكرمتك أو أعطيتك».

و مثال تعدّد الشرط: «إن جئتني أو دخلت الدار أكرمتك».

و اعلم أنّ الشّرطين إذا دخلا على جزاء واحد، فإن كانا على الجمع، لم يحصل المشروط إلّا عند حصولهما معا، و إن كانا على البدل، توقّف المشروط على حصول أحدهما، و هنا بالحقيقة الشرط أحد الأمرين، و هو واحد، و يعدم بعدمهما معا.

و إن تعدّد الجزاء، فإن كانا على الجمع، توقّف كلّ واحد من المشروطين على مجموع الشرطين، لا على التوزيع، بل على سبيل الجمع.

و إن كانا على البدل كان وجود أحد المشروطين متوقّفا على وجود أحد الشرطين.

277

و إن كان الشرط على الجمع، و المشروط على البدل، كان وجود أحد المشروطين موقوفا على مجموع الشرطين.

و لو كان بالعكس، توقّف مجموع المشروطين على وجود أحد الشرطين.

الثاني: الشرط إمّا أن يستحيل دخوله في الوجود إلّا دفعة واحدة، سواء كان لانتفاء التركيب، أو لاستحالة تقدّم أحد أجزائه على الآخر.

و إمّا أن يستحيل دخوله بجميع أجزائه في الوجود، كالحركة و الكلام، فإنّ المتكلّم إذا أوجد حرفا يكون الثاني معدوما (1)، و عند وجود الثّاني يعدم الأوّل.

و إمّا أن يصحّ دخوله في الوجود دفعة، أو تتعاقب أجزاؤه.

و على التقديرات الثلاثة، فالشرط إمّا عدمها، أو وجودها.

فإن كان الشرط عدمها، حصل الحكم في الأقسام الثلاثة في أوّل زمان عدمها.

و إن كان الشرط وجودها، ففي الأوّل يحصل الحكم مقارنا لأوّل زمان وجود الشرط.

و في الثاني عند حصول آخر جزء من أجزاء الشرط، إذ لا وجود لذلك المجموع في التحقيق، و إنّما أهل العرف يحكمون [عليه‏] بالوجود، عند وجود آخر جزء من أجزائه، و قد علّق الحكم على وجوده، فيكون في ذلك الوقت.

____________

(1). أي غير موجود.

278

و في الثالث إنّما يتحقّق وجوده حقيقة عند دخول أجزائه دفعة في الوجود.

و إنّما اعتبرنا آخر جزء من المجموع في الثاني، لضرورة عدم اجتماع أجزائه، فيبقى ما يمكن اجتماع أجزائه على الحقيقة، بحيث إن اجتمعت الأجزاء دفعة واحدة، حصل الجزاء، و إلّا فلا.

الثالث: ذهب الشافعي و أبو حنيفة معا إلى أنّ الشرط الداخل على الجمل يقتضي تخصيص الجميع به.

و قيل‏ (1): يختصّ بما يليه، فإن كان متأخّرا اختصّ بالأخير، و إن كان متقدّما، اختصّ بالأوّل.

الرابع: لا خلاف في وجوب اتّصال الشّرط بالكلام، لعدم استقلاله بنفسه، و أجمعوا على جواز التقييد بالشرط المخرج للأكثر، حتّى لو بقي الواحد لم يكن قبيحا، و لم يختلفوا كما اختلفوا في الاستثناء.

و يجوز تقديم الشرط لفظا، و تأخيره، و الأولى تقديمه، لأنّ الشرط متقدّم طبعا، لأنّه شرط لتأثير المؤثّر فيه، فاستحقّ التقدّم وضعا.

____________

(1). نقله الرازي عن بعض الأدباء. لاحظ المحصول: 1/ 424.

279

المبحث الثالث: في التقييد بالغاية

غاية الشي‏ء طرفه، و نهايته.

و ألفاظها «حتّى» و «إلى» كقوله تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ (1) وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ (2) و لا بدّ و أن يكون الحكم فيما بعدها مخالفا لما قبلها، إذ لو بقي الحكم ثابتا فيما وراء الغاية لم تكن الغاية غاية و طرفا، بل كانت وسطا.

و قيل: الغاية إن انفصلت عن ذي الغاية بمفصّل معلوم ك أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ (3) وجب أن يكون حكم ما بعدها بخلاف ما قبلها للعلم حسّا بانفصال أحدهما عن الآخر.

و إن لم يكن كذلك، مثل‏ إِلَى الْمَرافِقِ‏ و المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس، لم يجب فيه المخالفة، فإنّه لمّا كان المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس، لم يكن تعيين بعض المواضع في اليد أولى، فهاهنا يجوز أن يكون ما بعدها داخلا فيما قبلها.

و اعلم أنّ الحكم الواحد قد يكون له غايتان، كما لو قيل: «لا تقربوهنّ حتّى يطهرن و [حتّى‏] يغسلن»، و في الحقيقة، الغاية هنا الأخيرة، و عبّر عن الأوّل بالغاية، لقربه منها (4).

____________

(1). البقرة: 222.

(2). المائدة: 6.

(3). البقرة: 178.

(4). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 426.

280

و فيه نظر، لأنّ الغايات قد لا تترتّب، فيكون المجموع هو الغاية، و كلّ واحد جزء الغاية، لا ما ذكر أخيرا.

و قد تتعدّد على البدل، فتكون الغاية في الحقيقة أحدهما، مثل: «أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السّوق».

و قد تتعقّب جملا متعددة ففي رجوعها إلى الجميع أو الأخيرة، خلاف، كما في الاستثناء.

المبحث الرّابع: في التقييد بالوصف‏

الحكم قد يتخصّص بالوصف، كقولنا: «أكرم بني تميم الطّوال»، فقيد الطّوال منع من دخول القصار تحت الأمر، و قد كان ثابتا قبل الوصف.

و الوصف المخصّص قد يكون ثبوتيّا، و قد يكون عدميّا، و هو قد يتعقّب جملة واحدة، كما تقدّم، و قد يتعقّب جملا، مثل: «أكرم بني تميم، و اخلع على ربيعة الطّوال».

و البحث في عود الوصف إلى الجميع أو الأخيرة، كما تقدّم في الاستثناء.

281

الفصل الثاني في الأدلّة المنفصلة

تخصيص العامّ، إمّا أن يكون بالعقل، أو بالحسّ، أو بالسّمع فهاهنا مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في تخصيص العامّ بالعقل‏

اختلف النّاس في ذلك، فذهب الجمهور إلى جوازه، و منعه طائفة شاذّة من المتكلّمين.

و التحقيق: أنّ النزاع لفظيّ، فإنّه لا خلاف في المعنى، لأنّ اللفظ لمّا دلّ على ثبوت الحكم في جميع الصور، و العقل منع من ثبوته في حقّ العاجز، فإمّا أن يحكم بمقتضى العقل، و النقل معا، و يلزم اجتماع النقيضين.

أو يرجّح النقل على العقل، و هو محال، لأنّ العقل أصل النّقل، فلو قدحنا فيه لتصحيح فرعه لزم إبطالهما معا.

أو يرجّح العقل على النقل، و هو المقصود من تخصيص العموم، مثال ذلك قوله تعالى: وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و قوله تعالى: اللَّهُ خالِقُ كُلِ‏

282

شَيْ‏ءٍ (1) فإنّ ذاته تعالى مندرجة تحت الشّي‏ء، مع أنّه يستحيل إرادة ذاته من هذا الخطاب.

و كذا قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ (2)، و الصبيّ و المجنون غير مرادين.

و إخراج ذاته تعالى عن عموم الخطاب الأوّل، معلوم بضرورة العقل، و إخراج الصّبيّ و المجنون عن الخطاب الثاني معلوم بنظره، لعدم الفهم في حقّهما، فمعنى التخصيص موجود.

و أمّا اطلاق لفظ المخصّص، فإن أريد به الأمر الّذي يؤثّر في اختصاص اللّفظ العامّ ببعض مسمّياته، فالعقل غير مخصّص، لأنّ المقتضي لذلك الاختصاص هو الإرادة القائمة بالمتكلّم، و العقل دليل على تحقّقها، فهو دليل المخصّص لا نفسه، لكن هذا كما منع العقل من تسميته بالمخصّص، فكذا يمنع الكتاب و السنّة، لأنّ المؤثّر هو الإرادة لا الألفاظ.

احتجّوا بوجوه:

الأوّل: التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللّفظ عنه، و هو غير متصوّر هنا، لأنّ دلالة الألفاظ وضعيّة تابعة لقصد المتكلّم، و نحن نعلم قطعا أنّ المتكلّم لا يريد بلفظه الدلالة على ما يخالف صريح العقل، فلا يكون لفظه دالّا عليه لغة، و مع انتفاء الدّلالة اللغويّة على الصّورة المخرجة بالعقل، لا يكون تخصيصا.

____________

(1). الزمر: 62.

(2). آل عمران: 97.

283

الثاني: التخصيص بيان و المخصص مبين، و البيان تابع للإشكال فيكون متأخرا عن المبين. و العقل سابق فلا يكون مبيّنا و لا مخصصا.

الثالث: لو جاز التخصيص بالعقل، لجاز النّسخ به، لاشتراكهما في كونهما بيانا و تخصيصا.

الرابع: يحتمل أن تكون صحّة الاحتجاج بالعقل مشروطة بعدم معارضة عموم الكتاب.

الخامس: نمنع تخصيص الصّبيّ و المجنون، فإنّ خطابهما ممكن، كما في أرش الجنايات و قيم المتلفات و إجماع الفقهاء على صحّة صلاة الصّبيّ، و اختلافهم في صحّة إسلامه، و لو لا دخوله تحت الخطاب لما كان كذلك.

و الجواب عن الأوّل: امتناع قصد المتكلّم لا يقتضي امتناع الدخول لغة، و نحن نسلّم امتناع القصد، لا امتناع الدخول لغة، و التخصيص إنّما حصل باعتبار الدخول لغة إلى القصد، و إلّا لزم التناقض.

و فيه نظر، لبقاء التناول له بعد التخصيص.

فالتحقيق: أنّه تخصيص باعتبار قصور جزئيّات المراد عن جزئيّات التناول.

و عن الثاني: أنّ المخصّص يجب تأخّره باعتبار كونه مخصّصا و مبيّنا لا باعتبار ذاته.

و عن الثالث: أنّ امتناع النسخ بالعقل، من حيث، إنّ الناسخ معرّف لبيان مدّة الحكم المقصودة في نظر الشرع، و ذلك ممّا لا سبيل للاطّلاع عليه عقلا،

284

بخلاف معرفة استحالة كون ذاته تعالى مخلوقة أو مقدورة.

على أنّا نمنع كون العقل ليس بناسخ، فإنّ تجدّد عجزه، قد نسخ عنه الفعل‏ (1) بالعقل‏ (2).

و عن الرابع: ما تقدّم، من أنّه مع التعارض بين النّقل و العقل، يجب تقديم العقل و تأويل النّقل.

و عن الخامس: أنّ تعلّق الحقّ بمالهما من باب خطاب الوضع، و هو غير متعلّق بالصّبيّ، و وجوب الأداء ثابت بخطاب التكليف متعلّق بالوليّ، لا بهما.

و صحّة صلاته و إسلامه لا تدلّ على دخوله تحت خطاب التكليف، فإنّ صحّة الصلاة معناها، انعقادها سببا لثوابه، و سقوط الخطاب عنه بهما إذا صلّى في أول الوقت، و بلغ في آخره، لا بمعنى أنّه امتثل أمر الشرع حتّى يكون داخلا تحت خطاب التكليف، بل إن كان و لا بدّ، فهو داخل تحت خطاب الوليّ لفهمه بخطابه، دون خطاب الشّرع، و كذا صحّة إسلامه.

على أنّ منع تخصيص الصّبيّ غير مضرّ، إذ ليس القصد آحاد المسائل.

لا يقال: إذا كان الفهم شرطا فما معنى قول الفقهاء: النائم في جميع الوقت مخاطب بالصّلاة.

لأنّا نقول: ليس المراد أنّه يصلّي و هو نائم، أو أنّه يزيل النّوم عن نفسه، بل‏

____________

(1). في «أ» و «ب»: النّقل.

(2). و ذلك كمن سقطت رجلاه، فيسقط عنه وجوب غسلهما بالعقل و مع ذلك ففي تسميته نسخا، تأمّل، لأنّه من قبيل فقد الموضوع.

285

ما ذكره قاضي القضاة في تفسير قولهم: إنّ الإنسان مخاطب، و هو لوجوه:

الأوّل: أنّه مكلّف بما تضمّنه الخطاب.

الثاني: أنّ سبب الوجوب حاصل كالنائم، لأنّه قد اختصّ بسبب وجوب القضاء، بخلاف المجنون، و لهذا قالوا: الحائض مخاطبة بالصّوم، دون الصّلاة.

الثالث: تقدّم لزوم حكم الخطاب، كما في السكران.

لا يقال: فصّل الفقهاء بين صلاة الصّبيّ بطهارة و بغيرها.

لأنّا نقول: مرادهم أنّها على الصفة الّتي يسقط فرض البالغ، و ليس كذلك إذا خلت عن الطّهارة، أو أنّها إذا وقعت بطهارة فقد وقعت على الوجه الّذي أمرنا أن نأخذه بها. (1)

و اعلم أنّ العقل، كما دلّ على التخصيص، فكذلك الحسّ، لقوله تعالى:

وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (2) [و قوله تعالى‏] تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ (3) مع خروج السّماوات و الأرض حسّا [و قوله تعالى‏] ما تَذَرُ مِنْ شَيْ‏ءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ‏ (4) و قد أتت على الجبال، و الأرض، و لم تجعلهما رميما بالحسّ.

____________

(1). نقلها أبو الحسين البصري عن قاضي القضاة عبد الجبّار في المعتمد: 1/ 254.

(2). النّمل: 23.

(3). الأحقاف: 25.

(4). الذاريات: 42.

286

المبحث الثاني: في تخصيص الكتاب بمثله‏

اتّفق المحقّقون عليه، و منع أهل الظاهر من جوازه.

لنا وجوه:

الأوّل: أنّ قوله تعالى: وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ‏ (1) ورد مخصّصا لقوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (2) و كذا قوله: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏ (3) مخصوص بقوله تعالى: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ (4) و الوقوع دليل الجواز.

الثاني: الخاصّ و العامّ دليلان متعارضان، و لا يمكن إجراء كلّ واحد منهما على ظاهره، و إلّا لزم التناقض، و لا إهمالهما بالكليّة، و إلّا لزم إبطال دليل خال عن المعارض، و التالي باطل قطعا، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ ما عدا الخاصّ من جزئيّات العامّ، لا يعارض لدليل ثبوت الحكم فيه، و لو أبطلنا العامّ فيه، لزم المحال، و لا إهمال العامّ بالكليّة، لما

____________

(1). الطلاق: 4.

(2). البقرة: 228.

(3). البقرة: 221.

(4). المائدة: 5.

287

تقدّم، و لا الخاصّ بالكليّة، لأنّ دلالته على محلّه‏ (1) أقوى من دلالة العامّ عليه.

و إذا تعارض دليلان، و أحدهما أرجح، وجب العمل بالرّاجح، فلم يبق إلّا العمل بالدليلين، و الجمع بينهما، و ذلك بأن يعمل بالعامّ في غير صورة التخصيص، و بالخاصّ في محلّه.

الثالث: قد بينّا امتناع الجمع بين دلالة العامّ على عمومه و الخاصّ على خصوصه، فلا بدّ من الترجيح لأحدهما، فنقول: زوال الزائل‏ (2) إن كان على سبيل التخصيص، ثبت المطلوب، و إن كان على سبيل النسخ فكذلك، فإنّ كلّ من جوّز نسخ الكتاب بمثله، جوّز التخصيص بمثله.

على أنّا نقول: التخصيص أولى من النّسخ، لاستدعاء النسخ ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصّة، و رفعه بعد ثبوته، و التخصيص عدم إرادة المتكلّم باللفظ العامّ للصّورة المخصوصة، فما يتوقّف عليه النسخ أكثر، فهو مرجوح.

و لأنّ النسخ رفع بعد الإثبات، و التخصيص منع من الإثبات، و المنع أسهل من الرفع.

و لأنّ وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحمل على التخصيص أولى.

احتجّ المانعون بقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏ (3) فوّض‏

____________

(1). في «ج»: على حكمه.

(2). في «أ»: الزائد.

(3). النحل: 44.

288

البيان إليه فلا يحصل إلّا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و المخصّص مبيّن.

و الجواب: المعارضة بقوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (1).

و لأنّ تلاوته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لآية التخصيص بيان منه.

لا يقال: ما ذكرتموه و إن صحّ فيما إذا كان الخاصّ متأخّرا، لكن لا يصحّ مع جهل التاريخ، لاحتمال تقدّم الخاصّ، فيكون العامّ ناسخا، و تأخّره، فيكون الخاصّ مخصّصا له، و لا ترجيح، فيتساقطان، و حينئذ يرجع إلى دليل غيرهما، كما اختاره أبو حنيفة، و القاضي أبو بكر.

سلّمنا كون الخاصّ مخصّصا على تقدير الجهل بالتاريخ، لكن لو علم تأخّر العامّ، تعيّن أن يكون ناسخا، لأنّ ذكر العامّ يجري مجرى ذكر جزئيّاته، و لو نفي‏ (2) الحكم عن الجزئيّ المعيّن، لكان ناسخا لثبوته السابق، فكذا إذا أدرجه في النّفي تحت العامّ. (3)

____________

(1). النحل: 89.

(2). في «أ»: بقي.

(3). يريد ان العام الاستغراقي بمنزلة التصريح بحكم كل واحد من افراد الموضوع فإذا قال: لا تقتل زيد المشرك، ثم قال بعد ذلك: «اقتلوا المشركين» كافة، كأنّه قال اقتلوا زيدا و عمرا و بكرا، فيكون الثاني لأجل التصريح بحكم كلّ فرد ناسخا.

و لا يخفى ضعف الاستدلال، لأنّ إيجاب القتل، حكم على عنوان المشركين، لا على كل فرد فرد، و الحكم على الافراد، بتوسط عنوان، غير الحكم عليها بالمباشرة و المدعي هو الثاني، و الواقع هو الأوّل، نعم جعل الحكم على العنوان، يصير حجة على المكلف في عامة الافراد، لكن كونه‏

289

و لأنّ الخاصّ المتقدّم يمكن نسخه، و العامّ [الوارد بعده‏] يمكن أن يكون ناسخا، فيكون ناسخا.

و لأنّ الخاصّ المتقدّم متردّد بين كونه منسوخا، و مخصّصا لما بعده، فلا يكون مخصّصا للتنافي بين البيان و التلبيس.

و لقول ابن عباس «كنّا نأخذ بالأحدث فالأحدث». (1)

لأنّا نقول: ما سبق من الأدلة يقتضي كون الخاصّ راجحا على العامّ فيما إذا جهل التاريخ، و نمنع إجراء ذكر العامّ مجرى ذكر الجزئيّات، إذ ذكر الجزئيّات ينافي التّخصيص، بخلاف ذكر العامّ.

و لا يلزم من إمكان النسخ وقوعه.

و التردّد بين كون الخاصّ منسوخا و مخصّصا، إن أريد به تساوي الاحتمالين، فهو ممنوع، و إن أريد به تطرّق الاحتمال في الجملة، فلا يمنع من كونه مخصّصا، و لو منع ذلك من كونه مخصّصا، لمنع تطرّق احتمال كون العامّ مخصّصا بالخاصّ أكثر من كونه ناسخا.

و قول ابن عباس وحده، ليس حجّة.

____________

حجة في جميع الافراد، غير الحكم على كل فرد فرد بالمباشرة، و إلّا يلزم تعدد الإرادات حسب تعدّد الأفراد.

(1). لاحظ الإحكام للآمدي: 2/ 414؛ و المحصول للرازي: 1/ 442؛ و نفائس الأصول: 3/ 38 و 42؛ و الكاشف عن المحصول: 4/ 549؛ و التحصيل من المحصول: 1/ 398، و لم نعثر عليه في الجوامع الحديثيّة.

290

المبحث الثالث: في تخصيص السنّة المتواترة بمثلها

ذهب الأكثر إلى جوازه، لأنّ العامّ و الخاصّ إذا تعارضا، لم يمكن العمل بهما من كلّ وجه، و لا تركهما من كلّ وجه، و لا العمل بالعامّ في كلّ الصّور، و إهمال الخاصّ، لما تقدّم، فلم يبق إلّا العمل بالخاصّ في مورده، و بالعامّ في غير صورة التخصيص، جمعا بين الدليلين.

و أيضا، قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «فيما سقت السماء العشر» (1) و هو عامّ في النّصاب و غيره.

و قال: «لا زكاة فيما دون خمسة أوسق» (2) و هو مخصّص لذلك العموم.

احتجّوا بقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏ (3) جعله منصوبا لتبيين الأحكام، فلا يجوز افتقار سنّته إلى بيان.

و الجواب: هذا لا يمنع من كونه مبيّنا لما ورد على لسانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من السنّة.

____________

(1). أخرجه الترمذي في سننه: 3/ 32 برقم 640؛ و ابن ماجة في سننه: 1/ 581 برقم 1817؛ و أبو داود في سننه: 2/ 108 برقم 1596.

(2). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة برقم 1447 و 1459؛ و الترمذي في سننه: 3/ 22 برقم 626- 627؛ و أبو داود في سننه: 2/ 94 برقم 1558- 1559.

(3). النحل: 44.

291

المبحث الرابع: في تخصيص الكتاب بالسنّة المتواترة و بالعكس‏

لا خلاف في ذلك، و الأصل فيه ما تقدّم.

و أيضا، فقد وقع، أمّا بالقول فكما خصّصوا عموم [قوله تعالى:] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‏ (1) بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «القاتل: لا يرث» و بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يتوارث أهل ملّتين» (2).

و أمّا بالفعل، فإنّهم خصّصوا قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (3) بما تواتر عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من رجم المحصن. (4)

و فيه نظر، للمنع من كون اسم الجنس المحلّى باللّام للعموم، و يمكن الاحتجاج هنا بالإجماع على عموميّته.

و أمّا العكس، و هو تخصيص السنّة المتواترة بالكتاب، فإنّه جائز، و عليه أكثر الناس، لما مرّ من امتناع العمل بهما، و إهمالهما، و العمل بالعامّ خاصّة، فتعيّن العمل بالخاصّ في صورته، و العامّ فيما عدا تلك الصورة.

____________

(1). النساء: 11.

(2). وسائل الشيعة: 17/ 375، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 6 و 17؛ و مسند أحمد بن حنبل: 2/ 178 و 195.

(3). النور: 2.

(4). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 430.

292

احتجّ المخالف بقوله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ‏ (1) جعله مبيّنا للكتاب، و هو إنّما يكون لسنّته، فلو كان الكتاب مبيّنا للسنّة، لزم الدّور.

و لأنّ المبيّن أصل، و البيان تابع، فلو كان الكتاب مبيّنا، لكان تابعا للسنّة.

و الجواب: لا نمنع ما ذكرتموه من كون النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مبيّنا للسنّة بما يرد على لسانه من القرآن، فإنّ السنّة منزلة أيضا، لقوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏ (2) و إنّما لم يكن قرآنا، لأنّه ليس متلوّا.

ثمّ ما ذكرتموه، معارض بقوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (3) و السنّة شي‏ء، و التبعيّة باطلة للإجماع.

على أنّ القرآن مبيّن لقوله تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ و أيّ شي‏ء قدّرنا كون القرآن مبيّنا له، لزم أن يكون تابعا على ما ذكرتموه.

و لأنّ القطعيّ قد يبيّن الظنيّ و لا ينحط عن درجته.

____________

(1). النحل: 44.

(2). النجم: 3- 4.

(3). النحل: 89.

293

المبحث الخامس: في تخصيص الكتاب و السنّة المتواترة بالإجماع‏

لا خلاف في ذلك، لما تقدّم من أنّ الدّليلين إذا تعارضا، وجب العمل بهما بقدر الإمكان.

و لأنّه واقع، فإنّهم خصّصوا آية الإرث بالإجماع على أنّ العبد لا يرث، و خصصوا آية الجلد بالإجماع على أنّ العبد كالأمة في تنصيف الجلد.

و أمّا العكس، و هو تخصيص الإجماع بالكتاب أو بالسنّة المتواترة، فإنّه باطل بالإجماع، لأنّ الإجماع على الحكم العامّ‏ (1) مع سبق المخصّص خطأ، و الإجماع لا يقع خطأ.

و اعلم انّ التحقيق هنا أن نقول: إنّ الإجماع نفسه لا يقع مخصّصا للقرآن و لا للسّنّة، بل هو كاشف على أنّه قد حصل مخصّص لذلك العامّ، لأنّا إذا رأينا أهل الإجماع قاضين بما يخالف العموم في بعض الصّور، علمنا أنّهم إنّما قضوا بذلك، لدليل وقفوا عليه، و إلّا لكان الإجماع خطأ، و هو باطل.

و كذا إذا قلنا: الإجماع ناسخ، فإنّه كاشف عن وجود النّاسخ، لا أنّه ناسخ بنفسه. (2)

____________

(1). في «أ»: لأنّ الإجماع على ما يحكم العامّ.

(2). لأحد وجهين: إمّا لأنّ النّسخ لا يكون بغير خطاب الشارع، و الإجماع ليس خطابا للشرع، و إمّا لأن الإجماع بما هو هو عندنا ليس بحجّة، و إنّما يوصف بها بما أنّه كاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) و الوجه الأوّل يناسب مسلك السّنة، و الثاني، مسلك الشيعة الإمامية.

294

المبحث السادس: في تخصيص الكتاب و السنّة المتواترة بفعل الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

اختلف القائلون بكون فعل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حجّة على غيره، هل يجوز أن يخصّص به العموم أو لا.

فأثبته الأكثرون، كالشافعيّة، و الحنفيّة، و الحنابلة.

و منعه أبو الحسين الكرخي. (1)

و التحقيق أن نقول:

اللّفظ العامّ إن كان متناولا للرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، كما قال:

«الوصال حرام على كلّ مسلم» فإذا فعل ما ينافيه، كان ذلك الفعل مخصّصا للعموم في حقّه إجماعا.

و أمّا في حقّ غيره، فكذلك إن دلّ الدّليل على أنّ حكم غيره كحكمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الكلّ مطلقا، أو في الكلّ إلا ما خصّصه الدليل، أو في تلك الواقعة، لكن المخصّص للعموم لا يكون ذلك الفعل وحده، بل الفعل مع ذلك الدّليل.

و في الحقيقة، لا يكون ذلك تخصيصا بل نسخا، و إن لم يكن كذلك، لم يجز تخصيص ذلك العامّ في حقّ غيره.

____________

(1). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

295

و إن كان اللّفظ العامّ غير متناول للرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل للأمّة فقط، فإن دلّ الدّليل على أنّ حكم غيره مثل حكمه، صار العامّ مخصوصا بالنسبة إلى الأمّة، و في الحقيقة يكون نسخا لمجموع فعل الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مع ذلك الدليل، و إلّا فلا.

و أمّا في حقّ الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فإنّه لا يكون تخصيصا، لعدم تناول اللفظ له، و على هذا التقدير فلا كثير اختلاف في ذلك، أمّا إذا كان هو المخصّص عن العموم وحده، فلعدم الخلاف فيه، لأنّ اللفظ إن تناوله، و قد فعل خلافه، كان العامّ مخصوصا في حقّه.

و أمّا في باقي الأقسام فلعدم تحقّق التّخصيص، بل إن وقع نزاع في ذلك، فإنّما هو في كون فعله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ناسخا لحكم العموم.

احتجّ المانعون من التخصيص:

بأنّ المخصّص للعامّ هو الدّليل الدّالّ على وجوب المتابعة، و هو قوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ‏ (1) و هو أعمّ من العامّ الدالّ على بعض الأشياء، فالتخصيص بالفعل يكون تقديما للعامّ على الخاصّ، و هو باطل.

و الجواب: ليس المخصّص مجرّد قوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ‏ بل هو مع الفعل، و مجموعهما أخصّ من العامّ الّذي يدّعى تخصيصه بالفعل.

____________

(1). الأنعام: 153.

296

المبحث السّابع: في التخصيص بالتقرير

إذا فعل الواحد من أمّته فعلا بحضرته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بخلاف مقتضى العموم، و لم ينكر عليه، مع علمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به، فهو مخصّص لذلك العامّ في حقّ ذلك الفاعل عند الأكثر، خلافا لشذوذ.

لنا: أنّ تقريره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عدم إنكاره منه على الفاعل دليل قاطع في تخصيص ذلك العموم في حقّ ذلك الفاعل، و إلّا لكان فعله منكرا، و لو كان منكرا لاستحال من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) السكوت عنه، و عدم الإنكار عليه، فترك الإنكار دليل على الجواز.

و احتمال نسخ ذلك الحكم مطلقا، أو غير ذلك الواحد بعينه بعيد، و احتمال تخصيصه من العموم أولى و أقرب.

إذا ثبت هذا، فإن عقل معنى، أوجب تخصيص ذلك الواحد عن ذلك العموم، كان كلّ مشارك في ذلك المعنى، مخصوصا أيضا، مطلقا عند القائلين بالقياس.

و عندي إذا كانت العلّة منصوصة أو ان ثبت أنّ حكمه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الواحد حكمه في الكلّ، كان غيره مخصوصا، و إلّا فلا.

و على تقدير مشاركة الغير، لا يكون تخصيصا في الحقيقة، بل يكون نسخا.

لا يقال: التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة، فلا يكون‏

297

مخصّصا للعموم، و لو كان مخصّصا فيجب أن يكون غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه، و إلّا لوجب تصريحه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بتخصيصه بذلك الحكم، دون غيره، دفعا لمحذور التلبيس [على الأمّة] باعتقاد المشاركة لذلك الواحد في حكمه.

و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«حكمي على الواحد حكمي على الجماعة». (1)

لأنّا نقول: التقرير و إن لم يكن له صيغة، إلّا أنّه حجّة قاطعة في جواز الفعل دفعا لمحذور تطرّق الخطأ على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بخلاف العامّ، فإنّه ظنّيّ يقبل التخصيص.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حكمي على الواحد» يمنع عمومه.

و التّلبيس، مندفع، فإنّ الأصل عدم المشاركة.

و لو شاركه الأمّة، لم يكن تخصيصا، بل نسخا، على ما تقدّم. (2)

____________

(1). تقدّم تخريج الحديث ص 194.

(2). ذكر (قدّس سرّه) في المقام أمورا:

1. أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» ليس عامّا، إذ يحتمل أن يكون المراد «حكمي» في مورد خاصّ على الواحد، «حكمي على الجماعة» لا في كلّ مورد، و إلى هذا أشار بقوله «يمنع عمومه».

2. إذا كان هذا مفاد الجملة، فلا تدليس و لا تلبيس، لأنّه مبنيّ على اعتقادهم المشاركة في عامّة المواضع، و المفروض عدم ثبوتها، و إلى هذا أشار بقوله «و التلبيس مندفع».

(3). على تسليم كلّ ذلك يكون التقرير نسخا للعامّ لا تخصيصا لوروده بعد العمل بالعامّ.

298

المبحث الثامن: في تخصيص الكتاب بخبر الواحد

اختلف الناس في ذلك، فجوّزه الفقهاء الأربعة، و قال قوم: لا يجوز أصلا، و هو اختيار السيّد المرتضى‏ (1) إلّا أنّه قال: قد كان يجوز أن يتعبّدنا اللّه تعالى بذلك، فيكون واجبا، غير أنّه ما تعبّدنا به.

و قال عيسى بن أبان: (2) إن كان خصّ قبل ذلك بدليل مقطوع، جاز، لأنّه يصير مجازا، فصارت دلالته ظنيّة، و خبر الواحد دلالته قطعيّة و إن كان متنه ظنيّا و إلّا فلا.

و قال أبو الحسين الكرخي‏ (3): إن كان قد خصّ بدليل منفصل، صار مجازا، و جاز تخصيصه، و إن خصّ بدليل متّصل، أو لم يخصّ أصلا، لم يجز.

و توقّف القاضي أبو بكر (4):

و الوجه الأوّل،

لنا وجوه:

الأوّل: العموم و خبر الواحد دليلان تعارضا، و خبر الواحد أخصّ من العموم، فيجب العمل به في صورته، و بالعامّ في غير صورة التخصيص، جمعا بين الدّليلين.

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 280- 281.

(2). تقدّمت ترجمته ص 216.

(3). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(4). التقريب و الإرشاد: 3/ 185- 186.

299

الثاني: العمل بالعامّ إبطال للخاصّ، و العمل بالخاصّ بيان للعامّ لا إبطال له، و البيان أولى من الإبطال.

الثالث: إجماع الصحابة و من بعدهم على تخصيص الكتاب بخبر الواحد في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (1) بخبر عبد الرّحمن بن عوف‏ (2) في المجوس: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب». (3)

و خصّوا قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ (4) بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا تنكح المرأة على عمّتها و لا خالتها». (5)

و خصّوا قوله‏ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‏ (6) لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يرث القاتل» (7) و لا يرث الكافر من المسلم‏ (8).

و خصّوا قوله: وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ (9) لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا قطع إلّا في ربع دينار». (10)

____________

(1). التوبة: 5.

(2). تقدّمت ترجمته ص 195.

(3). تقدم تخريج الحديث في الجزء الأوّل: 417.

(4). النساء: 24.

(5). تقدّم تخريج الحديث ص 154.

(6). النساء: 11.

(7). تقدّم تخريج الحديث ص 154.

(8). وسائل الشيعة: 17/ 374، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.

(9). المائدة: 38.

(10). مستدرك الوسائل: 18/ 122، الباب 2 من أبواب حد السرقة، الحديث 7.

300

اعترض‏ (1): بأنّ إجماعهم على التخصيص إن ثبت، فالمخصّص الإجماع، و إلّا سقط الدليل.

لا يقال: لا بدّ لهذا الإجماع من مستند.

لأنّا نقول: نمنع الاستناد إلى هذه الأخبار، و يؤيّده ما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا روي عنّي حديث فاعرضوه على كتاب اللّه تعالى، فما وافقه فاقبلوه، و ما خالفه فردّوه». (2)

و أيضا، فإنّ أكثر الإجماعات خفي مستندها، و لا يلزم من موافقة الخبر المخصّص‏ (3) الاستناد إليه.

و أيضا، جاز أن تكون هذه الأخبار متواترة أوّلا، ثمّ صارت آحادا. (4)

و أيضا، جاز أن يكون المخصّص عندهم ليس الخبر مطلقا، بل مع انضمام قرائن إليه [مفيدة للعلم‏].

و فيه نظر (5)، لأنّه لا يلزم من إجماعهم على التخصيص استناده إليه، (6)

____________

(1). المعترض هو الرازي في محصوله: 1/ 434. و الآمدي في الإحكام: 2/ 417.

(2). وسائل الشيعة: 14/ 356، الباب 20 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.

(3). المراد من المخصّص هو الإجماع، و قد تقدّم في قوله: «فالمخصّص الإجماع».

(4). و حينئذ يكون المستند للمجمعين هو الأخبار حال تواترها قبل صيرورتها آحادا.

(5). إشكال على الاعتراض السّابق أعني «اعترض بأنّ إجماعهم على التخصيص ...» و حاصل النظر: أنّ إجماع العلماء على جواز التخصيص بخبر الواحد غير كون الإجماع مخصّصا، بل المخصّص هو خبر الواحد، و الإجماع دليل على جوازه، فالإجماع دليل الدليل.

(6). قوله: «استناده إليه» الضمير في «استناده» يرجع إلى التخصيص، و في قوله «إليه» يرجع إلى الإجماع.

301

لأنّا فرضنا إجماعهم على التخصيص بأخبار الآحاد.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و ما خالفه فردّوه» نمنع دلالته على صورة النزاع، فإنّ المخصّص مبيّن لا مخالف، لأنّه دل على أنّ المراد من العموم، ما عدا صورة التخصيص، فلا يكون مخالفا، و التخصيص إذا لم يكن له سبب ظاهر، و وجد ما يصلح للسببيّة، غلب على الظنّ استناد الحكم إليه.

و فرض التواتر أوّلا، بعيد، لعدم خفائه عن الصحابة.

سلّمنا، لكن لا يضرّنا، لأنّ البحث عن المخصّص الآن لعموم المتواتر هل يجوز أن يكون خبر واحد، لأنّ المفسدة الّتي يذكرونها، و هو ترجيح المظنون على المعلوم متحقّقة هنا، و الأصل عدم القرائن.

احتجّ المانعون بوجوه:

الأوّل: الإجماع على المنع، كما روي عن عمر أنّه قال في خبر فاطمة بنت قيس‏ (1)، حيث روت عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه لم يجعل لها سكنى و لا نفقة: كيف ندع كتاب ربّنا و سنّة نبيّنا بقول امرأة لا ندري صدقت أو كذبت‏ (2).

الثاني: روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «إذا ورد عنّي حديث فاعرضوه على كتاب اللّه،

____________

(1). فاطمة بنت قيس بن خالد، القرشية الفهريّة، كانت من المهاجرات الأوّل.

قال ابن الأثير في أسد الغابة: إنّها قالت طلّقني زوجي ثلاثا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا سكنى لك و لا نفقة». لاحظ أسد الغابة: 5/ 371 برقم 7194.

(2). صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلّقة ثلاثا لا نفقة لها و لا سكنى، برقم 3601.

302

فإن وافقه فاقبلوه و إن خالفه فردّوه» (1) و المخصّص للكتاب، على مخالفة الكتاب، فوجب ردّه.

الثالث: الكتاب مقطوع به، و خبر الواحد ظنيّ، و المقطوع أولى من المظنون.

الرابع: لو جاز التخصيص بخبر الواحد، لجاز الفسخ به، و التالي باطل إجماعا، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية: أنّ النسخ نوع من التخصيص، فإنّه يخصّص في الأزمان، و التخصيص المطلق أعمّ منه، فلو جاز التخصيص بخبر الواحد، لكانت العلّة أولويّة تخصيص العامّ على الخاصّ، و هو قائم في النسخ.

و الجواب عن الأوّل: قول عمر ليس حجّة، فضلا عن أن يكون إجماعا.

على أنّا نقول بموجبه، فإنّ الخبر المشكوك في صدقه لا يجوز التخصيص به، بل بما يظنّ صدقه، و انتفاء التهمة و النسيان عنه، بل هو دليل لنا، لأنّه علّل بعدم علمه بصدقها أو بكذبها، لا بكونها خبر واحد. (2)

و فيه نظر، لوجود العلّة في التنازع.

____________

(1). تقدم الحديث آنفا.

(2). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 418؛ و نقله الرازي في محصوله: 1/ 435.

303

و عن الثاني: أنّه ورد في السنّة المتواترة أيضا و ما تقدّم.

و عن الثالث: أنّه منقوض بالبراءة الأصليّة.

و أيضا، فإنّ الكتاب و إن كان مقطوعا به، لكن في متنه، دون دلالته، فإنّه مظنون فيها، و خبر الواحد مقطوع في دلالته مظنون في متنه، فتعادلا (1).

و أيضا، فإنّ الدليل القطعيّ، لمّا دلّ على وجوب العمل بخبر الواحد، لم يكن العمل به مظنونا، فإنّ اللّه تعالى لو قال: «مهما ظننتم صدق الرّاوي فاعلموا أنّ حكمي ذلك» ثمّ ظننّا صدق الراوي، صار ذلك الحكم قطعيّا.

و عن الرابع: بالإجماع على الفرق بين النسخ، و التخصيص، فإنّه دلّ على الثاني بخبر الواحد، دون الأوّل.

و لأنّ التخصيص، أهون من النّسخ، و لا يلزم من تأثير الشّي‏ء في الضّعيف تأثيره في القويّ.

____________

(1). في «ج»: فيقابلا.

304

الفصل الثالث في بناء العام على الخاص‏

إذا ورد خبران عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هما كالمتنافيين، فإمّا أن يكونا عامّين، أو خاصّين، أو أحدهما عامّا و الآخر خاصّا و هذا الأخير إمّا أن يعلم تاريخهما أو لا.

و الأوّل، إمّا أن يقترنا أو لا، و حينئذ فإمّا أن يتقدّم العامّ أو الخاصّ، فالأقسام أربعة:

الأوّل: أن يعلم الاقتران مثل أن يقول: «في الخيل زكاة» ثمّ يقول عقيبه:

«ليس في الذكور من الخيل زكاة» و هنا يكون الخاصّ مخصّصا للعامّ عند الجمهور و قال بعض من شذّ: إنّ ذلك القدر من العامّ يصير معارضا بالخاصّ. (1)

لنا وجوه:

الأوّل: الخاصّ في دلالته على محلّه أقوى من دلالة العامّ عليه، و الأقوى راجح.

____________

(1). نقله الرّازي عن البعض و لم يسمّ قائله، لاحظ المحصول: 1/ 441.