نهاية الوصول إلى علم الأصول‏ - ج2

- العلامة الحلي المزيد...
638 /
305

بيان الصغرى: أنّ العامّ يجوز إطلاقه من غير إرادة صورة الخاصّ، و لا يمكن ذلك في الخاصّ.

و أمّا الكبرى: فظاهرة لأنّ العمل بالمرجوح أو ترك راجح لأجله، خلاف المعقول.

الثاني: العمل بالعامّ في جميع الصور، يقتضي إلغاء الخاصّ بالكليّة، و العمل به في غير صورة الخاصّ، مع العمل بالخاصّ، عمل بالدّليلين، فيكون الثّاني أولى.

الثالث: العرف يقتضي بما قلناه، فإنّ من قال لعبده: إذا دخلت السوق فاشتر كلّ لحم، و لا تشتر لحم بقر، فإنّه يفهم إخراج لحم البقر من كلامه الأوّل، و شراء غيره، إمّا على سبيل البداء، أو أنّه لم يرده من لفظ العموم.

لا يقال: جاز أن يكون الأمر بالعامّ للندب و عدم الزكاة في الذّكور على نفي الوجوب، و هو و إن كان مجازا في استعمال العامّ المقطوع، إلّا أنّ تخصيصه مجاز أيضا، فلم كان أحد المجازين أولى من الآخر؟

لأنّا نقول: ظاهر العموم يقتضي الإيجاب في الإناث و الذكور، فلو حملناه على النّدب لكنّا قد عدلنا عن ظاهره في الإناث لا لدليل، لانّه يتناول الإناث، و ليس كذلك إذا أخرجنا الذكور عن الوجوب، لأنّا حينئذ نكون قد عدلنا عن ظاهر العامّ في صورة الذكور خاصّة لدليل تناولها و اقتضى إخراجها.

و أيضا، فإنّ ذلك غير صورة النزاع، إذ التقدير ينافي النّصّين في الأحكام، و ما ذكرتموه لا تنافي فيه، فإنّ ثبوت الاستحباب و نفي الإيجاب غير متنافيين، إنّما النزاع في حكمين متنافيين بأن نقول: تجب الزكاة في الخيل، ثمّ [نقول:] لا

306

تجب في ذكور الخيل، و لا يمكن هنا الاعتذار بما ذكرتموه. (1)

و فيه نظر، لأنّ التنازع في المتنافيين ظاهرا لاستحالته حقيقة منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو ثابت هنا، و إنّما حملناه على الندب، لثبوته ظاهرا، و لا يلزم من امتناع العذر فيما ذكرتم امتناعه هنا.

الثاني: أن يتأخّر الخاصّ، فإن ورد [الخاصّ‏] قبل حضور وقت العمل بالعامّ، كان بيانا للتخصيص كالأوّل، و يجوز ذلك عند من يجوّز تأخير بيان العامّ، و لا يجوز عند المانعين منه، و لا يكون نسخا إلّا عند من يجوّز نسخ الحكم قبل حضور وقت العمل به.

و إن ورد [الخاصّ‏] بعد حضور وقت العمل بالعامّ، كان نسخا و بيانا لمراد المتكلّم فيما بعد، دون ما قبل، لأنّ البيان لا يتأخّر عن وقت الحاجة.

الثالث: أن يتأخّر العامّ، و قد اختلف فيه.

فقال الشافعي: العامّ يبنى على الخاصّ، و به قال أبو الحسين البصري‏ (2) و هو الأقوى.

و قال أبو حنيفة و القاضي عبد الجبار: إنّ العامّ المتأخّر ينسخ الخاصّ المتقدّم.

و توقف ابن القاصّ‏ (3).

____________

(1). لاحظ المعتمد: 1/ 256- 257.

(2). المعتمد: 1/ 256- 257.

(3). هو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد المعروف ب «ابن القاصّ» الطبري، الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن ابن سريج، توفّي سنة 335 ه. لاحظ وفيات الأعيان: 1/ 68 برقم 22؛ و في الاعلام للزركلي: 1/ 90 «أحمد بن أحمد» مكان «أبي أحمد».

307

لنا ما تقدّم، من أنّ الخاصّ أقوى دلالة، فيكون العمل به أرجح.

و من أنّ العمل بالعامّ في جميع الصور، يوجب إلغاء الخاصّ، و اعتبار الخاصّ لا يوجب إلغاء واحد منهما، فكان أولى. (1)

و فيه نظر، فإنّه على تقدير تأخير العامّ عن وقت العمل بالخاصّ، فيكون نسخا، لا إلغاء للخاصّ، إذ قد عمل به أوّلا، فكان التخصيص في زمانه، و ليس التخصيص في أعيان العامّ، أولى من التخصيص في أزمان الخاصّ.

و احتجّ أبو الحسين: بأنّ قوله: «لا تقتلوا اليهود» يمنع من قتلهم أبدا، و قوله من بعد: «اقتلوا الكفّار» يفيد قتلهم في حالة من الحالات، و الخبر الخاصّ يمنع من قتلهم في تلك الحالة، فإذا تمانعا، و الخاصّ أخصّ باليهود، و أقلّ احتمالا، وجب القضاء به.

و لو قال: «اقتلوا اليهود» ثمّ قال: «لا تقتلوا الكفّار» و قد بقيت من اليهود بقيّة لم يقتلوا، فالأمر يقتضي قتلهم في حال من الحالات، و النّهي يمنع من ذلك، فإذا تمانعا في تلك الحال، قضي بالخاصّ. (2)

و احتجّت الشافعيّة: بأنّ الخاصّ معلوم دخول ما تناوله تحته، و دخول ذلك تحت العامّ مشكوك فيه، و العامّ لا يترك بالشك.

و هو ضعيف، لأنّهم إن أرادوا أنّ العامّ لو انفرد لم يعلم دخول ما تناوله تحته، فممنوع، و إن ارادوا أنّه لا يعلم ذلك لأجل الخاصّ، ففيه النّزاع، و هو ترك‏

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 442.

(2). المعتمد: 1/ 257.

308

قولهم أيضا، لقطعهم على خروج ذلك من العموم، و لا يشكّون فيه.

و احتجّوا أيضا: بأنّ تقدّم الخاصّ [على العامّ‏] كالعهد بين المتكلّم و المخاطب، فانصرف الخطاب العامّ إليه.

و هو ضعيف، فإنّ معنى قولهم: إنّه كالعهد، أنّ المتكلّم قد دلّ بالخاصّ المتقدّم على أنّ مراده بالعامّ ما دون الخاصّ، و أنّه لا يفهم السامع إلّا ذلك، و فيه النّزاع.

و احتجّ أبو حنيفة بوجوه:

الأوّل: تناول العامّ لآحاده يجري مجرى ألفاظه خاصّة، يتناول كلّ واحد منها ما دلّ عليه، فإنّ قوله: «اقتلوا المشركين» بمنزلة قوله: «اقتلوا زيدا المشرك، و عمرا، و خالدا» و لو قال ذلك بعد قوله: «لا تقتلوا زيدا» كان الثاني ناسخا، فكذا ما قلناه.

الثاني: الخاصّ المتقدّم يمكن نسخه، و العامّ يمكن أن يرفعه، فكان ناسخا له.

الثالث: تردّد الخاصّ المتقدّم بين كونه منسوخا و مخصّصا يمنع من كونه مخصّصا، لأنّ البيان لا يكون ملبسا (1).

الرابع: قال ابن عباس: «كنّا نأخذ بالأحدث فالأحدث» (2) فإذا كان العامّ متأخّرا، وجب الأخذ به.

____________

(1). في «ب» و «ج»: ملتبسا.

(2). تقدم تخريج الحديث آنفا.

309

الخامس: لفظان متعارضان، و علم التاريخ، فوجب تسليط الأخير على الأوّل، كما لو كان الأخير خاصّا.

و احترزنا بقولنا: «لفظان» عن العامّ المخصوص بالعقل، فإنّ المتقدّم هناك هو المتسلّط.

و الجواب عن الأوّل: بالمنع من التساوي، فإنّ تعديد الجزئيّات يمنع من تخصيص بعضها، لما فيه من المناقضة، بخلاف ذكر العامّ، فإنّه و إن جرى مجرى ألفاظ خاصّة بآحاد ما تناوله في كونه متناولا لها، فإنّه لا يجري مجراها في امتناع دخول التخصيص عليه، لأنّ الخاصّ لم يدخل تحته أشياء فيخرج بعضها، و العامّ قد تناول أشياء يمكن أن يراد به بعضها، فصحّ قيام الدّليل عليه.

و عن الثاني: أنّه لا يلزم من إمكان رفعه له، أن يكون رافعا، مع أنّه كما يمكن أن يتصوّر فيه كونه رافعا للخاصّ المتقدّم، يمكن أن يتصوّر فيه كونه مخصوصا بالخاصّ المتقدّم.

فإن قالوا: تأخّره يقتضي كونه ناسخا.

قلنا: انّه نفس النزاع.

و أيضا، فإنّما يمكن أن ينسخ المتقدّم إذا لم يثبت كونه مخصوصا بالمتقدّم، فبيّنوا ذلك، و قد تمّ مطلوبكم.

و عن الثالث: أنّ الخصم يقول: إنّه ليس تردّد عندي بين هذين، بل قد صحّ كونه مخصّصا.

310

ثمّ إن هذا التردّد من كونه بيانا للتخصيص، منع التردّد من كون العامّ ناسخا للخاصّ.

و عن الرابع: أنّ قول الصحابة ليس حجّة.

مع أنّا نخصّه بما إذا كان الأحدث هو الخاصّ، لأنّ لفظه ليس للعموم.

سلّمنا، لكن ذلك مع تعارض الدّليلين و تنافي الحكمين، فإنّ المتأخّر يكون ناسخا، و يتعيّن العمل به حينئذ، و يمنع التعارض هنا، فإنّ صورة الخاصّ ليست مرادة من العامّ المتأخّر.

و عن الخامس: بالمنع من التعارض، لما بيّنا من منع كون صورة الخاصّ مرادة من لفظ العامّ.

سلّمنا، لكنّ الفرق بين صورة النزاع و بين ما إذا تأخّر الخاصّ واقع، فإنّ الخاصّ أقوى، فوجب تقديمه.

و لأنّا لو لم نسلّط الخاصّ المتأخّر على العامّ المتقدّم، لزم إلغاء الخاصّ بالكليّة، أمّا لو لم نسلّط العامّ المتأخّر على الخاصّ المتقدّم، لم يلزم ذلك.

احتجّ القائلون بالوقف: بأنّ كلّ واحد من هذين الخطابين، أعمّ من صاحبه من وجه، و أخصّ من [وجه‏] آخر، فإنّه إذا قال: «لا تقتلوا اليهود» ثمّ قال بعده: «اقتلوا المشركين» كان بينهما عموم من وجه.

فإنّ قوله: لا تقتلوا اليهود، أخصّ باعتبار أنّ اليهود أخصّ من المشركين، و أعمّ من حيث إنّه دخل في المتقدّم من الأوقات ما لم يدخل فيها المتأخّر، و هو الزّمان المتخلّل بين ورود المتقدّم و المتأخّر، فالخاصّ المتقدّم أعمّ في الزّمان‏

311

و أخصّ في الأعيان، و العامّ المتأخّر بالعكس‏ (1).

و إذا كان كلّ منهما أعمّ من وجه، وجب الوقف، و الرجوع إلى الترجيح، كما في العامّين أو الخاصّين.

و الجواب: أنّ العموم من وجه إنّما عرض باعتبار فرض المتقدّم نهيا، فإنّه يعمّ الأزمنة، أمّا لو فرضناه أمرا، فإنّه لا يقتضي العموم، بل يكون خاصّا باعتبار الأزمان و الأعيان، لعدم إفادة [الأمر] التكرار.

و على تقدير كون العامّ المتأخّر نهيا، يكون أعمّ من المتقدّم في الأعيان و الأزمان، لعدم تناول الأمر كلّ الأزمان. (2)

و فيه نظر، فإنّ النّهي كالأمر في أنّه لا يقتضي التكرار على ما بيّناه.

و الأقرب منع العموميّة هنا، و إلّا لزم المحال، و هو نفيها على تقدير ثبوتها، لأنّها إنّما تثبت لو ثبت الخاصّ المتقدّم مع العامّ المتأخّر في زمان المتأخّر، بحيث تتحقّق عموميّة حكم الخاصّ بالنّسبة إلى الزّمان، لكن لو ثبت ذلك تقدّم حكم العامّ عليه من هذه الحيثيّة، بمعنى أنّه يبطل حكمه، فلا يساويه في الثبوت، فلا تتحقّق العموميّة.

الرابع: أن يجهل التاريخ، و قد اختلفوا هنا.

فقال الشافعي: يبنى العامّ على الخاصّ، و يخصّ الخاصّ العامّ.

و قال أبو حنيفة، بالوقف و الرجوع إلى غيرهما، أو إلى ما يترجّح به‏

____________

(1). فالعامّ أخصّ لعدم شموله الزّمان المتقدّم عليه، و أعمّ لشموله اليهود و سائر المشركين.

(2). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 444، و تنظّر فيه المصنّف (رحمه اللّه).

312

أحدهما على الآخر، و هو سديد على أصله، لأنّ الخاصّ دائر بين أن يكون منسوخا، أو مخصّصا، أو ناسخا مقبولا، أو ناسخا مردودا، و حينئذ يجب التوقّف.

و احتجّ الشافعيّ بوجوه:

الأوّل: ليس للخاصّ مع العامّ إلّا المقارنة، أو التقدّم، أو التأخّر، و على التقادير الثلاثة، يكون الخاصّ مخصّصا للعامّ، فكذا مع جهل التاريخ.

و يضعّف: بأنّ الخاصّ المتأخّر إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعامّ، كان مخصّصا، و إن ورد بعده، كان ناسخا.

و حينئذ، فإن كانا قطعيّين، أو ظنّيّين، أو العامّ ظنّيا، و الخاصّ قطعيّا، وجب ترجيح الخاصّ على العامّ، لتردّده بين أن يكون ناسخا، أو مخصّصا.

و لو كان العامّ قطعيّا، و الخاصّ ظنيّا، فإن كان الخاصّ مخصّصا، جاز، لما بيّنا من جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد.

و إن كان ناسخا، لم يجز العمل به، فيكون مردودا.

فقد تردّد الخاصّ بين أن يكون مخصّصا، و بين أن يكون ناسخا مقبولا، و بين أن يكون ناسخا مردودا، و حينئذ لا يجب تقديم الخاصّ على العامّ.

الثاني: العامّ يخصّ بالقياس مطلقا، فلأن يخصّ بخبر الواحد أولى.

و هو ضعيف، للمنع من الأصل.

و لأنّ القياس يقتضي أصلا يقاس عليه، و ذلك الأصل إن كان مقدّما على العامّ، لم يجز القياس عليه، و كذا إذا لم يعلم تقدّمه و تأخّره.

313

الثالث: فقهاء الأمصار في هذه الأعصار يخصّصون أعمّ الخبرين بأخصّهما، مع فقد علمهم بالتاريخ.

لا يقال: إنّ ابن عمر لم يخصّ قوله تعالى: وَ أُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ‏ (1) بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تحرّم الرّضعة و لا الرّضعتان. (2)

و عنه [أيضا] أنّه لمّا سئل عن نكاح النصرانيّة حرّمه، لقوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ‏ (3) و جعل هذا العامّ رافعا لقوله:

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏ (4) مع خصوصه.

لأنّا نقول: إنّما ادّعينا إجماع أهل هذه الأعصار، مع أنّه يحتمل أن يكون ابن عمر امتنع من ذلك لدليل، أو لأنّه لا يرى تخصيص الكتاب بخبر الواحد.

و قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ‏ جاز أن يكون متأخّرا فيرفع حكم المتقدّم و إن كان عامّا، لأنّه ربما كان يعتقد ذلك.

الرابع: إذا جهل التاريخ، وجب حملها على الاقتران، كالغريقين إذا جهل التقدّم و الاقتران، فإنّ أمرهما يحمل على الاقتران.

و يضعّف بأنّ الأمّة لم تجمع على ذلك، بل جماعة من الصحابة ورّث كلّ واحد منهما من الآخر، و منهم من لم يورّث أحدهما من الآخر.

____________

(1). النساء: 23.

(2). لاحظ سنن البيهقي: 7/ 458.

(3). البقرة: 221.

(4). المائدة: 5.

314

الخامس: إذا وجب تخصيص العموم بالاستثناء، فكذا بالخبر الخاصّ.

و هو ضعيف، لعدم الجامع.

مع قيام الفرق، فإنّ الاستثناء لمّا لم يستقلّ بنفسه، علم اقترانه [للعموم‏]، فلم يمكن أن يكون منسوخا، بخلاف الخاصّ المستقلّ، فإنّه يمكن أن يكون متقدّما، و إنّما يماثل الاستثناء الخاصّ المقارن. (1)

السادس: القياس يعترض به على العامّ، فالخبر الخاصّ أولى بذلك.

و هو ضعيف، فإنّ أصل القياس إن كان متقدّما على العامّ، و كان منافيا له، فإنّه لا يجوز القياس عليه عند الخصم، لأنّه منسوخ بالعامّ، مثل أن يقول: «لا تبيعوا البرّ» ثم يقول بعد وقت: «أحللت جميع البياعات» فإنّ المخالف ينسخ تحريم البرّ، و لا يجوز قياس الأرز عليه في التحريم، و إن اشتبه تقدّمه، لم يجز القياس عليه أيضا.

و إن كان أصل القياس غير متقدّم للعامّ على وجه ينافيه، صحّ القياس عليه، و خصّ به العامّ، مثل أن ينهى عن بيع البرّ، ثمّ يقول بعد مدة: «أبحت بيع ما سوى البرّ» فإنّه لا ينسخ النهي عن بيع البرّ، فيجوز أن يقاس على البرّ المكيلات، و يخصّ من جملة هذا العموم، و لا يشبه ذلك مسألتنا، لأنّ صورة النزاع يمكن أن يكون الخبر المتقدّم منسوخا بالعامّ.

السابع: لو لم يخصّ العامّ بالخاصّ، لزم إلغاء الخاصّ.

____________

(1). يحتمل ان يكون الخاصّ متقدّما و بالتالي مستقلّا، كما يحتمل أن يكون مقارنا للعامّ، مماثلا للاستثناء.

315

و هو ضعيف، فإنّ إلغاء الخاصّ إن أريد أن لا يستعمل أصلا، فالحكمة تمنع منه، و نحن لا نقول به.

و إن أردتم أن لا نستعمله الآن، و إن كان مستعملا في وقت، فذلك جائز عندنا، و هذه حالة المنسوخ و لو جعل اللّازم إمكان الإلغاء تمّ الدليل.

الثامن: لو لم يخصّ العامّ بالخاصّ، لوجب إمّا نسخ الخاصّ بالعامّ، أو إلغاؤهما، و الأوّل باطل، مع فقد التاريخ، و كذا الثاني، لأنّ كلام الحكيم لا يجوز إلغاؤه.

و هو ضعيف، فإنّ الخصم يقول: إنّ التخصيص يحتاج إلى تاريخ، لأنّه لا يخصّ العامّ بخبر متقدّم.

و إن أريد بإلغائهما الرّجوع إلى غيرهما، أو إلى ترجيح، فالخصم لا يمنع منه، لأنّ المنع منه، انّما يكون إذا أمكن استعمال الكلامين، و لا يمنع‏ (1) مع فقد الإمكان. و قد علم أنّه ليس الحمل على التخصيص أولى من النسخ، و لا بالعكس.

و احتجّت الحنفيّة بوجوه:

الأوّل: العامّ يجري في تناوله الآحاد مجرى ألفاظ خاصّة بالأعداد، و هذه لا يعترضها الخاصّ، فكذا العامّ.

و قد تقدّم ضعفه، على أنّه يقتضي منع التّخصيص مطلقا.

____________

(1). في «ب»: يمتنع.

316

الثاني: لو خصّ أخصّ‏ (1) الخبرين أعمّهما، لخصّ أخصّ العلّتين أعمّهما.

و هو قياس بغير جامع.

على أنّه يقتضي منع التّخصيص أيضا مع المقارنة، و منع تخصيص العلّة.

ثمّ قالوا: إذا وجب التوقّف في الخبرين، وجب العدول إلى الترجيح.

و قد ذكر عيسى بن أبان‏ (2) وجوها له. (3)

الأوّل: اتّفاق الأمّة على العمل بأحدهما، كخبر الأوساق.

الثاني: عمل الأكثر بأحدهما، و عيبهم على تارك العمل به، كعملهم بخبر أبي سعيد، و عيبهم على ابن عبّاس حين نفى الرّبا في النقدين.

الثالث: أن تكون الرواية لأحدهما أشهر.

و زاد أبو عبد اللّه البصري‏ (4) أمرين:

أن يكون أحدهما بيانا للآخر بالاتّفاق، كاتّفاقهم على أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا قطع إلّا في ثمن المجنّ» (5) بيان لآية السرقة، فوجب لذلك بناؤها عليه.

و أن يتضمّن أحدهما حكما شرعيّا.

و هذه الأمور أمارة لتأخّر أحد الخبرين، فإنّه لو كان متقدّما منسوخا، لما

____________

(1). في «أ»: أحد.

(2). تقدّمت ترجمته ص 216.

(3). نقلها عنه أبو الحسين البصري في المعتمد: 1/ 261- 262.

(4). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(5). لاحظ مستدرك الوسائل: 18/ 121، الباب 2 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1 و 8.

317

اتّفقت الأمّة على استعماله، و لما عابوا من ترك استعماله، و لما كان نقله أشهر، و لما أجمعوا على أنّه بيان لناسخه. و كون الحكم غير شرعيّ يقتضي كون الخبر الّذي تضمّنه مصاحبا للعقل‏ (1)، و أنّ الخبر المتضمّن للحكم الشرعيّ متأخّر عنه.

و هذا الوجه ضعيف.

و أمّا حكم العامّين المتعارضين، و الخاصّين المتعارضين، فسيأتي البحث فيه إن شاء اللّه تعالى في باب التّراجيح.

*** قال المحقّق:

جاء في نسخة «ج» ما هذا نصّه:

تمّ الجزء الأوّل من نسخة المصنّف بخطّه دام ظله.

و في نسخة «ألف»: تمّ الجزء الأوّل من كتاب «نهاية الوصول إلى علم الأصول» و يتلوه الجزء الثاني في الفصل الرابع «فيما ظنّ أنّه من مخصّصات العموم و ليس كذلك»، و فيه مباحث.

و الحمد للّه وحده، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد النبيّ و آله الطّاهرين.

____________

(1). في «أ»: مصاحبا للفعل.

318

الفصل الرابع: فيما ظنّ أنّه من مخصّصات العموم، و ليس كذلك‏

و فيه مباحث:

[المبحث‏] الأوّل: في تخصيص عموم الكتاب و السّنّة بالقياس‏

اختلف الناس في ذلك، (1) فذهب الشافعي و أبو حنيفة و مالك و أبو الحسين البصري‏ (2)، و أبو الحسن الأشعري، و أبو هاشم أخيرا إلى جوازه.

و قال أبو عليّ الجبائيّ و أبو هاشم أوّلا بالمنع مطلقا، و هو مذهب‏

____________

(1). قال الغزّالي في المستصفى: اختلفوا في ذلك على خمسة مذاهب:

فذهب مالك و الشافعي و أبو حنيفة و أبو الحسن الأشعري إلى تقديم القياس على العموم.

و ذهب الجبائي و ابنه و طائفة من المتكلمين و الفقهاء إلى تقديم العموم.

و ذهب القاضي و جماعة إلى التوقّف، لحصول التعارض.

و قال قوم: يقدّم على العموم جليّ القياس دون خفيّه.

و قال عيسى بن أبان: يقدّم القياس على عموم دخله التّخصيص، دون ما لم يدخله.

المستصفى: 2/ 162.

(2). المعتمد: 2/ 275- 276.

319

الإماميّة، و منهم من فصّل، و فيه أربعة وجوه:

الأوّل: قال عيسى بن أبان‏ (1): إن تطرّق التخصيص إلى العموم جاز، و إلّا فلا.

و الثاني: قال الكرخي‏ (2): إن خصّ بمنفصل جاز، و إلّا فلا.

الثالث: قال ابن سريج‏ (3) و جماعة من الفقهاء: يجوز بالقياس الجليّ، دون الخفيّ.

ثم اختلف هؤلاء في تفسير الجليّ و الخفيّ على ثلاثة أوجه:

الأوّل: الجليّ: قياس المعنى، و الخفيّ: قياس الشبه.

الثاني: الجليّ كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا يقضي القاضي و هو غضبان» (4) و تعلّل بما يدهش العقل عن إتمام الفكر، حتّى يتعدّى إلى الجائع، و العطشان، و الحاقن‏ (5).

الثالث: قال أبو سعيد الاصطخريّ‏ (6): الجليّ هو الّذي لو قضى القاضي بخلافه نقض قضاؤه.

____________

(1). تقدّمت ترجمته ص 216.

(2). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 219.

(3). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 159.

(4). الكافي: 7/ 413، باب أدب الحكم، الحديث 2.

(5). الحاقن: الّذي احتبس بوله فتجمّع. المعجم الوسيط.

(6). هو الحسن بن أحمد بن يزيد الاصطخريّ، فقيه شافعيّ، صنّف كتبا كثيرة، ولي قضاء قم ثم حسبة بغداد، مات سنة 328 ه، لاحظ الأعلام للزركلي: 2/ 179.

320

الرابع: قال الغزّاليّ: القياس و العامّ إن تفاوتا في إفادة الظّنّ رجّحنا الأقوى، و إن تعادلا توقّفنا (1).

و قال القاضى أبو بكر (2) و الجويني‏ (3) بالوقف.

قال الجويني: القول بالوقف يشارك القول بالتّخصيص.

و بيانه باعتبارين:

أمّا اعتبار المشاركة، فلأنّ المطلوب من تخصيص العامّ بالقياس إسقاط الاحتجاج بالعامّ، و الوقف يشاركه فيه.

و أمّا اعتبار المباينة، فلأنّ القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس، و الواقف لا يحكم به.

و اعلم أنّ نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب، كنسبة قياس المتواتر إلى عموم المتواتر، و كنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد، و الخلاف آت في الجميع، و كذا قياس المتواتر بالنّسبة إلى عموم الكتاب، و بالعكس.

أمّا قياس خبر الواحد إذا عارضه عموم الكتاب، أو عموم خبر المتواتر، فإنّ تجويزه أبعد.

و الّذي نذهب نحن إليه:

أنّ القياس إذا نصّ على علّته، جاز العمل به، و سيأتي بيانه في باب القياس.

____________

(1). المستصفى: 2/ 166- 167.

(2). الإرشاد و التقريب: 3/ 195- 196.

(3). البرهان في أصول الفقه: 1/ 286.

321

و على هذا التقدير لو دلّ قياس منصوص العلّة على حكم خاصّ مناف لعموم الكتاب أو السّنّة المتواترة، فالأقرب جواز تخصيصهما به، و إلّا فلا.

لنا: أنّهما دليلان تعارضا، فيجب تقديم الخاصّ، و بناء العامّ عليه، لما تقدّم.

أمّا كون العامّ دليلا، فبالإجماع و أمّا كون القياس المنصوص العلّة دليلا، فلما سيأتي.

و أمّا وجوب بناء العامّ على الخاصّ، فلما مرّ.

احتجّ المانعون بوجوه:

الأوّل: العامّ دليل مقطوع به، و القياس الخاصّ مظنون، و إذا تعارض المعلوم و المظنون، وجب العمل بالمعلوم و ترك المظنون.

الثاني: القياس فرع النصّ، فلو خصّصنا النصّ به، قدّمنا الفرع على الأصل.

الثالث: حديث معاذ (1) دلّ على أنّه لا يجوز الاجتهاد إلّا بعد فقد الحكم‏

____________

(1). كان على المصنّف نقل الحديث ثمّ الاستشهاد به، و إليك نصّه:

عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص، عن معاذ: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟

قال: أقضي بما في كتاب اللّه.

322

في الكتاب و السنّة، و هو يمنع من تخصيص النّصّ بالقياس.

الرابع: الإجماع دلّ على أنّ شرط القياس عدم ردّ النصّ له، فإذا كان العموم مخالفا له، فقد ردّه.

الخامس: لو جاز التّخصيص بالقياس، لجاز النّسخ به، لما تقدّم، و التالي باطل، فالمقدّم مثله.

السّادس: إنّما يطلب بالقياس حكم ما ليس منطوقا به، فما هو منطوق به، كيف يثبت بالقياس؟

السّابع: العامّ في محلّ التخصيص: إمّا أن يكون راجحا على القياس المخالف له، أو مرجوحا أو مساويا، فإن كان الأوّل، امتنع تخصيصه بالمرجوح، و إن كان مساويا، لم يكن العمل بأحدهما أولى [من الآخر]، و إنّما يمكن التّخصيص بتقدير أن يكون القياس في محلّ المعارضة راجحا، و لا شكّ في أنّ‏

____________

قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟

قال: فبسنّة رسول اللّه.

قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه؟

قال: أجتهد رأيي، لا آلو.

قال: فضرب رسول اللّه صدري، ثمّ قال: الحمد للّه الّذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه.

لاحظ مسند أحمد: 5/ 230؛ و سنن أبي داود: 3/ 303 برقم 3593؛ و سنن الترمذي: 3/ 616 برقم 1328، ينتهي سند الجميع إلى الحارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.

323

وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.

الثامن: العموم ظاهر في كلّ صورة من آحاد الصّور الداخلة تحته، وجهة ضعفه غير خارجة عن احتمال تخصيصه أو كذب الرّاوي، إن كان [العامّ‏] خبر واحد.

و أمّا احتمالات ضعف القياس، فكثيرة جدّا، و ذلك، لأنّه و إن كان متناولا لمحلّ المعارضة بخصوصه، إلّا أنّه يحتمل أن يكون دليل حكم الأصل من أخبار الآحاد الّتي يتطرّق إليها الكذب، و بتقدير أن يكون طريق إثباته قطعيّا، فيحتمل أن يكون المستنبط للقياس ليس أهلا له، و بتقدير أن يكون أهلا، يحتمل أن لا يكون الحكم معلّلا بعلّة ظاهرة، و بتقدير التّعليل، يحتمل أن يكون غير ما ظنّه المعلّل، أو لعلّه ظنّ وجودها في الفرع، و ليس‏ (1).

و بتقدير الوجود يحتمل حصول مانع السّبب في الفرع أو للحكم، أو فات شرط السّبب [فيه‏] أو شرط الحكم، فكان العموم راجحا.

التاسع: العامّ من جنس النصّ، و النّصّ غير مفتقر في جنسه إلى القياس، و القياس يفتقر إلى النصّ، لأنّ كونه حجّة إن ثبت بالنّصّ فظاهر، و إن كان بالإجماع، و الإجماع متوقّف على النّصّ، كان القياس متوقّفا على النّصّ، فكان جنس النّصّ راجحا، و لهذا وقع القياس مؤخّرا في حديث معاذ (2).

____________

(1). أي ليس لها الوجود في الفرع.

(2). حديث معاذ تقدم آنفا.

324

و الاعتراض على الأوّل: أنّ كلّ واحد من العامّ و الخاصّ اجتمع فيه صفتا العلم و الظّنّ باعتبارين، فالعامّ مقطوع في متنه مظنون في دلالته، و القياس الخاصّ بالعكس، فلا أولويّة.

قال المرتضى: و نمنع كون القياس هنا ظنيّا، فإنّ دليل العبادة بالقياس يقتضي العلم، فما خصّص إلّا بمعلوم، و لا اعتبار بطريق هذا العلم، ظنّا كان أو غيره‏ (1).

و فيه نظر، فإنّ البحث وقع عن القياس لا عن دليله.

و على الثاني: أنّ القياس المخصّص [للنّصّ‏] ليس فرعا على النّصّ المخصوص، بل على غيره، فلا يحصل تقديم الفرع على الأصل، فإنّا إذا خصّصنا بقياس الأرز على البرّ عموم قوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (2) لم يخصص الأصل بفرعه، فإنّ الأرز فرع حديث البرّ، لا فرع إحلال البيع.

و أيضا، يلزم أن لا يخصّص عموم القرآن بخبر الواحد، لأنّ خبر الواحد فرع لثبوته بأصل من كتاب أو سنّة، فيكون فرعا له، و قد سلم التّخصيص به من منع التخصيص بالقياس.

لا يقال: القياس إذا كان فرعا لنصّ آخر، فكلّ مقدّمة لا بدّ فيها من دلالة

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 285.

(2). البقرة: 275.

325

النّصّ على الحكم كانت معتبرة في الجانبين، و أمّا المقدّمات الّتي يفتقر القياس إليها في دلالته، فهي مختصّة بجانب القياس، فإثبات الحكم بالقياس يتوقّف على مقدّمات أكثر من مقدّمات العموم، فيكون العموم أولى، لأنّ إثبات الحكم به أظهر، و الأقوى لا يصير مرجوحا بالأضعف.

لأنّا نقول: العمومات قد تتفاوت في الدّلالة على مدلولاتها، فبعضها يكون أقوى من بعض، فجاز أن يكون العامّ المخصوص أضعف دلالة على محلّ النزاع من دلالة العامّ الّذي هو أصل القياس على مدلوله.

و حينئذ يظهر ترجيح قول الغزّالي هنا.

و على الثالث: أنّ حديث معاذ إن اقتضى منع تخصيص الكتاب و السنّة بالقياس، اقتضى منع تخصيص الكتاب بالسّنّة المتواترة، و لا شكّ في فساده.

و أيضا، كونه مذكورا في الكتاب مبنيّ على كونه مرادا بالعموم، و هو مشكوك فيه، فكونه مذكورا في الكتاب مشكوك فيه.

و أيضا، حكم العقل الأصليّ في براءة الذمّة، يترك بخبر الواحد و بقياس خبر الواحد، لأنّه ليس يحكم به العقل مع ورود الخبر، فيصير مشكوكا فيه معه، فكذا العموم.

و على الرابع: بالمنع من كون النّصّ هنا مرادا للقياس، و إنّما يكون كذلك‏

326

لو كان القياس رافعا لكلّ‏ (1) ما اقتضاه النّصّ، أمّا إذا كان رافعا لبعض ما تناوله فلا، فإنّه نفس المتنازع. (2)

و على الخامس: بأنّ الإجماع فرّق بين التخصيص و النسخ، و لو لاه لساغا معا، و الأصل فيه أنّ التّخصيص أهون من النسخ، لبقاء الحكم في الأوّل دون الثاني، و لا يلزم من تأثير الشي‏ء في الأضعف تأثيره في الأقوى.

و على السادس: بالمنع من كونه منطوقا به، لأنّ زيدا في قوله [تعالى‏]:

فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (3) ليس كقوله «اقتلوا زيدا» فإذا كان كونه مرادا من آية قتل المشركين مشكوكا فيه، كان كونه منطوقا به مشكوكا فيه، لأنّ العامّ إذا أريد به الخاصّ، كان ذلك نطقا بذلك القدر، و لم يكن نطقا بما ليس بمراد، و لهذا جاز تخصيصه بدليل العقل القاطع، و دليل العقل لا يجوز ان يقابل النّطق الصّريح من الشارع، لامتناع تعارض الأدلّة.

لا يقال: ما أخرجه العقل عرف عدم دخوله تحت العموم.

لأنّا نقول: تحت لفظه أو تحت الإرادة؟ فإن قلتم بالأوّل، فاللّه تعالى شي‏ء، و هو داخل تحت لفظ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (4).

و إن قلتم: لا يدخل تحت الإرادة، فكذلك القياس يعرّفنا ذلك، و لا فرق.

____________

(1). في «أ»: بكلّ.

(2). في «ب» و «ج»: نفس المنازع.

(3). التوبة: 5.

(4). الأنعام: 102.

327

و على السابع: انّه آت في كلّ تخصيص و قد يرجّح بالجميع.

و على الثامن: أنّ التقدير رجحان القياس على العموم، فإنّه حينئذ يتعيّن التخصيص.

و أيضا، فإنّه وارد في خبر الواحد و المتواتر، فإنّه يخصّ به، مع أنّ تطرّق الاحتمال إلى خبر الواحد أكثر، و لم يعتبر ذلك، بل مجرّد التخصيص و اعتبار كونه دليلا في نفسه، فكذا هنا.

و على التاسع: انّه وارد في خبر الواحد و الكتاب، فإنّ خبر الواحد مفتقر في جنسه إلى الكتاب، لأنّه الدالّ على العمل به، دون العكس، و مع ذلك فإنّه يجوز تخصيصه به.

و أيضا، نمنع من كون افتقار الجنس إلى الجنس مقتضيا عدم التخصيص عند قوّة النّوع على النّوع.

و نقل المرتضى حجّة أخرى، هي: «أنّ الأمّة إنّما حجبت الأمّ بالأختين فما زاد بالقياس، و ذلك أبلغ من التخصيص، و أنّ العبد كالأمة في تنصيف الحدّ». (1)

____________

(1). حاصله: أنّ القائل بجواز تخصيص العامّ بالقياس استدلّ بوجهين آخرين:

1. أنّ الأختين تحجبان الأمّ في الميراث، و لا دليل إلّا القياس.

2. الحدود في العبد، نصفها في الحرّ قياسا بالأمة.

و قد ردّ السيّد الدّليلين بأنّ الحكم ثبت بإجماع الأمّة لا بالقياس كما في المتن.

328

ثمّ منع ذلك، لأنّ المعوّل في ذلك إلى الإجماع لا القياس. (1)

احتجّ القائلون بتقديم القياس بوجوه:

الأوّل: أنّ العموم يحتمل المجاز، و الخصوص، و الاستعمال في غير ما وضع له، و القياس لا يحتمل شيئا من ذلك، فيكون العمل بالقياس أولى.

الثاني: العامّ يخصّص بالنصّ الخاصّ مع إمكان كونه مجازا أو مؤولا، فالقياس أولى.

الثالث: تخصيص العموم بالقياس جمع بين الدليلين، فهو أولى من تعطيل أحدهما. أو تعطيلهما معا.

و الاعتراض على الأوّل: أنّ احتمال الغلط في القياس ليس أولى من احتمال الخصوص و المجاز، فإنّ القياس يجوز أن يكون أصله خبر الواحد، فيتطرّق الاحتمال إلى أصله، و غير ذلك من المفاسد الّتي سلفت.

و هو الاعتراض على الثاني.

و على الثالث: بأنّ القدر الّذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع، بل هو رفع للعموم و عمل بالقياس خاصّة. (2)

و فيه نظر، لأنّا لا نعني بالجمع بين الدليلين سوى العمل بالعامّ في غير صورة الخاصّ، و العمل بالخاصّ في موضعه.

____________

(1). الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 285.

(2). الاعتراض للغزّالي في المستصفى: 2/ 165.

329

احتجّ القائلون بالوقف‏

، بأنّه قد ظهر ضعف كلام الفريقين، و كلّ واحد من القياس و العموم دليل لو انفرد، و قد تقابلا، و لا ترجيح، لأنّه امّا بالعقل، أو النقل، و العقل إمّا ضروريّ أو نظريّ، و النقل إمّا متواتر أو آحاد، و الكلّ منتف، فلا ترجيح، فيتعيّن الوقف.

اعترض‏ (1): بأنّ هذا مخالف للإجماع، لوقوعه قبل القاضي على ترجيح أحدهما. و إن اختلفوا في تعيينه، و لم يذهب أحد إلى الوقف قبل القاضي.

و لأنّ القول بالوقف يؤدّي إلى تعطيل الدّليلين، و المحذور فيه فوق المحذور من العمل بأحدهما، فالعمل بالقياس أولى، إذ العمل بالعامّ إبطال للقياس مطلقا.

أجاب القاضي: بأنّهم لم يصرّحوا ببطلان التوقّف قطعا، و لم يجمعوا عليه، و كلّ واحد رأى ترجيحا، و لا يثبت الإجماع بمثل ذلك، و كيف و من لا يقطع ببطلان مذهب مخالفه في ترجيح القياس، كيف يقطع بخطئه إن توقّف، فإنّ كلّ واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه مع مصيره إلى نفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه، فكيف يقطع ببطلانه في توقّفه، و العمل بالقياس مبطل للعمل بالعامّ في صورة المعارضة. (2)

احتجّ الفارقون بين جليّ القياس و خفيّه:

بأنّ الجليّ قويّ، و هو أقوى من العموم، و الخفيّ ضعيف.

____________

(1). لاحظ الإحكام للآمدي: 2/ 426- 427، و المستصفى: 2/ 165.

(2). لاحظ التقريب و الإرشاد: 3/ 196- 197.

330

و يبطل بأنّ خفيّ القياس قد يكون أظهر من تناول العموم لمحلّ التخصيص، فإنّ العموم قد يضعف، بأن لا يظهر قصد التعميم منه، و ذلك بأن يكثر المخرج منه، و يتطرّق إليه تخصيصات كثيرة، كقوله تعالى: وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (1) فإنّ دلالة قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أ ينقص إذا جفّ؟» (2) على تحريم بيع العنب بالزبيب أظهر من دلالة هذا العامّ على تحليله، لكثرة ما أخرج منه، فضعف قصد العموم.

و لا شكّ في أنّ العمومات تختلف في القوّة و الضعف بالنّسبة إلى بعض الآحاد، لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك البعض.

و كما أنّه اذا تقابل العمومان قدّم أقواهما، و كذا القياسان، و كذا العموم و القياس مطلقا عند القائلين به، و مع التنصيص على العلّة على ما اخترناه نحن إذا تقابلا.

و كما يمكن أن يكون عموم قويّ أغلب على الظنّ من قياس ضعيف، كذا يمكن أن يكون قياس قويّ أغلب من عموم ضعيف، و إن تعادلا وجب الوقف.

فإن قيل: هذا (3) الخلاف [هل‏] يختصّ بقياس مستنبط من الكتاب إذا خصّص به عموم الكتاب، أو يجري في قياس مستنبط من الاخبار؟

قلنا: قد بيّنا أنّ نسبة قياس الكتاب إلى عمومه، كنسبة قياس [الخبر]

____________

(1). البقرة: 275.

(2). مستدرك الوسائل: 13/ 342، الباب 13 من أبواب الربا، الحديث 2؛ و فتح الباري: 8/ 39.

(3). في «ج»: هل.

331

المتواتر إلى عمومه، و الخلاف آت في الجميع.

و اعلم أنّه لا استبعاد في هذه المسألة في الحكم بالوقف أو الترجيح بحسب نظر المجتهد في آحاد الوقائع بحسب القرائن المرجّحات الموجبة للتفاوت أو التساوي من غير تخطئة.

فإنّ الأدلّة فيها ظنّية غير قطعيّة، فكانت ملحقة بالمسائل الظنيّة الاجتهاديّة دون القطعية، و سياق كلام القاضي أبي بكر يدلّ على أنّ القول بتقديم خبر الواحد على عموم الكتاب، ممّا يجب القطع بخطإ المخالف فيه، لأنّه من مسائل الأصول.

المبحث الثاني: في تخصيص العامّ بالمفهوم‏

المفهوم قسمان: مفهوم الموافقة، و مفهوم المخالفة.

و الأوّل حجّة قطعا، فيجوز التّخصيص به، كما لو قال لعبده: «اضرب كلّ من دخل الدار» ثم قال: «زيد لا تقل له أفّ إن دخل الدار» فإنّه يدلّ بالمفهوم على تحريم ضربه، و أنّ زيدا خارج عن العموم باعتبار مفهوم الموافقة، و ما سيق له الكلام من كفّ الأذى عنه، سواء قلنا إنّ تحريم ضرب زيد مستفاد من منطوق اللّفظ، أو من القياس الجليّ.

و أما الثاني، فإن قلنا: إنّه حجّة، فلا شكّ أنّ دلالته أضعف من دلالة المنطوق، فهل يجوز التخصيص به أم لا؟ اختلف فيه:

فقال الأكثر: إنّه يجوز التخصيص به، كما لو ورد لفظ عامّ يدلّ على‏

332

وجوب الزكاة في الأنعام كلّها ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): في سائمة الغنم زكاة، فإنّه يكون مخصّصا للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه، لأنّ كلّا منهما دليل شرعيّ، و قد تقابلا، و أحدهما أعمّ من الآخر، فيخصّ العامّ بالخاصّ، لما فيه من العمل بالدّليلين، و هو أولى من إبطال أحدهما بالكليّة.

و قيل: لا يخصّص، لأنّ الخاصّ إنّما قدّم على العامّ، لأنّ دلالته على ما تحته أقوى من دلالة العامّ على ذلك الخاصّ، و الأقوى راجح، و هنا ليس كذلك، فإنّ المفهوم و إن كان من حيث إنّه خاصّ أقوى، إلّا أنّ دلالة المفهوم على مدلوله أضعف من دلالة العامّ على ذلك الخاصّ، لأنّ العامّ منطوق به في محلّ المفهوم، و المفهوم ليس منطوقا به، و المنطوق أقوى في دلالته من المفهوم، لافتقار المفهوم في دلالته إلى المنطوق، و عدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم.

فلو خصّص العامّ بالمفهوم كان ترجيحا للأضعف على الأقوى، و هو غير جائز.

و الجواب: أنّ العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقا، و الجمع بين الدليلين و لو من وجه، أولى من العمل بظاهر أحدهما و إبطال الآخر بالكليّة.

333

المبحث الثالث: في التخصيص بالسبب‏

الخطاب الوارد جوابا لسؤال إن لم يستقلّ بنفسه لأمر يرجع إليه، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد سئل عن بيع الرّطب بالتمر: أ ينقص الرطب؟ قالوا: نعم، قال:

فلا إذا.

أو يكون عدم استقلاله لأمر يرجع إلى العادة، كما لو قيل له: «كل عندي» فقال: «و اللّه لا آكل» فإنّ هذا الجواب مستقلّ بنفسه، لكنّ العرف اقتضى عدم استقلاله، و صار مقصورا على السّبب الّذي خرج عليه، فإنّه يتبع السّبب، و هو السؤال في عمومه و خصوصه إجماعا، فإنّ عدم استقلاله اقتضى عدم إفادته إلّا مع سببه، فيكون السّبب في تقدير الوجود في كلام المجيب، و إلّا لم يفد.

و لو أنّ المجيب ذكر السّبب فقال: و اللّه لا أكلت عندك، صار الجواب مقصورا على الأكل عنده.

و إن استقلّ، فإمّا أن يكون أعمّ من محلّ السؤال، أو أخصّ، أو مساويا.

و لا إشكال في المساوي، لعدم قصور إفادته عن خصوصيّات محل السؤال، و عدم تجاوزه عنها، كما إذا سئل عن المجامع في شهر رمضان، فيقول:

على المجامع في شهر رمضان الكفّارة.

و لا يجوز خروج شي‏ء من السؤال عن الجواب، إلّا أن تدلّ دلالة مقارنة

334

أو متقدّمة على خروج بعضه من الجواب، بل يحكم بتبعيّة الجواب للسؤال في عمومه و خصوصه.

أمّا في عمومه، فكقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد سئل عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته».

و أمّا في خصوصه: فكقوله للأعرابي: «أعتق رقبة» لمّا سأله عن وطئه في نهار رمضان.

و حكم هذا القسم، حكم غير المستقلّ في تبعيّته في عمومه كقوله «فلا إذا» عقيب السؤال عن النّقص، أو خصوصه، كما لو قيل: «توضأ بماء البحر»، فقال: «يجزيك».

و أمّا الأخصّ، فإنّ الحكم مقصور عليه، و لا يجوز تعدية الحكم من محلّ التخصيص إلى غيره إلّا بدليل خارج عن اللفظ، لأنّ اللّفظ لا عموم له، بل و في هذه الصورة، الحكم بالخصوص أولى منه فيما إذا كان السؤال خاصّا و طابقه الجواب، لأنّه هنا عدل عن سؤال السائل بالجواب عن بعض موارده، مع دعوى الحاجة إليه، بخلاف تلك الصورة، فإنّه طابق بجوابه سؤال السائل.

و هذا القسم إنّما يجوز من الحكيم بشرائط ثلاثة:

الأوّل: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد.

الثاني: عدم فوات المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد.

الثالث: أن يكون في الخارج من الجواب تنبيه على ما لم يخرج.

و أمّا الأعمّ فقسمان:

335

الأوّل: أن يكون أعمّ في غير ما سئل عنه، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد سئل عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» و لا خلاف في إجرائه على عمومه.

الثاني: أن يكون أعمّ ممّا سئل عنه، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قد سئل عن بئر بضاعة (1): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‏ء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2).

و الحقّ: أنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب.

و قال المزني‏ (3) و أبو ثور (4): إنّ خصوص السبب مخصّص لعموم اللّفظ، و قال الجوئي‏ (5): و هو الّذي صحّ عند الشافعي.

لنا وجوه:

الأوّل: المقتضي للعموم ثابت، و المعارض الموجود لا يصلح للمانعيّة.

أمّا المقتضي، فهو اللّفظ الموضوع للعموم، و لا شكّ في ثبوته.

____________

(1). «بضاعة» بضم الباء: بئر معروفة بالمدينة. لاحظ النهاية: 1/ 131.

(2). أخرجه أبو داود في سننه: 1/ 18 برقم 67؛ و أحمد بن حنبل في مسنده: 3/ 31؛ و الترمذي في سننه: 1/ 95 برقم 66.

(3). هو أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى بن اسماعيل المزني- نسبة إلى مزينة بنت كلب- الفقيه الشافعي، مات سنة 264. لاحظ الأعلام للزركلي: 1/ 329.

(4). تقدّمت ترجمته ص 223.

(5). لاحظ البرهان في أصول الفقه: 1/ 253.

336

و أمّا نفي المانع، فلأنّه ليس إلّا خصوص السّبب، و إنّه غير صالح للمانعيّة إذ يمكن الجمع بينهما، فيصرّح الشارع بقوله: يجب حمل اللّفظ على عمومه و لا تخصّوه بالسّبب، و هو يدلّ على عدم المنافاة، فلا يكون مانعا. (1)

و فيه نظر، فإنّا نمنع ثبوت المقتضي.

قوله: المقتضي هو اللّفظ الموضوع للعموم.

قلنا: متى إذا قارن السّبب الخاصّ أو لا؟ الأوّل ممنوع و الثاني مسلّم.

قوله: المعارض لا يصلح للمانعيّة.

قلنا: ممنوع، فإنّ ورود العامّ عقيب السّبب من غير تقدّم و لا تأخّر مشعر باختصاصه به، و أنّ سياقه لبيان حكم السّبب خاصّة، و التّصريح بالعمل بالعامّ لا ينافي التخصيص بدونه، فإنّ كلّ لفظ دلّ على معناه بالحقيقة، يجوز خروجه عن مدلوله بذكر إرادة المجاز، و لا يخرج بذلك المجاز من منافاة الحقيقة.

الثاني: الإجماع على أن أكثر آيات الأحكام وردت على أسباب خاصّة، فإنّ آية السرقة نزلت في سرقة المجنّ، أو رداء صفوان‏ (2)، و آية الظّهار نزلت في‏

____________

(1). الاستدلال للرازي في محصوله: 1/ 448- 449.

(2). أسنده الشيخ في الخلاف: 5/ 427 إلى صفوان بن عبد اللّه بن صفوان أنّ صفوان بن أميّة نام في المسجد و توسّد رداءه فجاء سارق ... الخ. و لاحظ سنن النسائي: 8/ 69- 70؛ و سنن أبي داود: 4/ 138 برقم 4394؛ و في أسد الغابة: 2/ 453: مات صفوان بن أميّة سنة 42 ه.

337

سلمة بن صخر (1) و آية اللعان في هلال بن أميّة (2)، مع أنّ الأمّة عمّوا أحكام هذه الآيات، و لو كانت العبرة بخصوص السبب لما عمّ الحكم‏ (3).

و فيه نظر، فإنّ إعلام هذه الأحكام بالوحي عقيب الاشتباه، لا يقتضي تخصيص الأحكام بتلك الوقائع.

سلّمنا، لكن لما دلّ الإجماع على تعميم هذه الأحكام، عرفنا انتفاء المخصّص، و لا منافاة بين كون الشي‏ء مخصّصا عند تجرّده، و خروجه عن صلاحيّة التخصيص عند اقترانه بما ينافيه، فإنّ تقييد الحكم بالوصف، يدلّ على التخصيص، كما لو قال: «في الغنم السائمة الزكاة» (4) فلو دلّ إجماع على تعميم الحكم، خرج التقييد عن دلالة التّخصيص.

الثالث: اللّفظ لو تجرّد عن السبب كان عامّا، و ليس ذلك إلّا لاقتضائه العموم بلفظه، لا لعدم السّبب، فإنّ عدم السّبب لا مدخل له في الدّلالات اللّفظيّة، و دلالة العموم لفظيّة، و إذا كانت دلالته على العموم مستفادة من لفظه، فاللّفظ

____________

(1). هو صحابيّ، قال في أسد الغابة: انّ سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمّه فلمّا مضى نصف رمضان وقع عليها ليلا فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فذكر له، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

اعتق رقبة ... الحديث. أسد الغابة: 2/ 358 برقم 2177.

(2). هو صحابيّ شهد بدرا و أحدا، و هو أحد الثلاثة الّذين تخلفوا عن غزوة تبوك فأنزل اللّه تعالى فيهم‏ وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ... الآية. التوبة: 118. لاحظ أسد الغابة: 4/ 287 برقم 5389.

(3). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 356- 357.

(4). عوالي اللآلي: 1/ 399 برقم 50؛ و لاحظ مستدرك الوسائل: 7/ 63، الباب 6 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.

338

وارد مع وجود السبب، حسب وروده مع عدم السبب، و كان مقتضيا للعموم‏ (1).

و فيه نظر، لأنّ اللّفظ تختلف دلالته على تقدير التجرّد و الاقتران، كما في الحقيقة و المجاز.

و اعلم أنّ اللّفظ و إن كان عامّا إلّا أنّ دلالته على محلّ السّبب أقوى من دلالته على غيره، و احتمال التخصيص في غير السّبب أقرب و يقنع فيه بدليل أخفّ و أضعف.

احتجّ المخالف بوجوه:

الأوّل: لو لم يكن المراد بيان حكم السّبب لا غير، بل بيان القاعدة العامّة، لما أخّر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، و التالي باطل، و إذا كان المقصود بيان حكم السّبب الخاصّ، وجب الاقتصار عليه.

الثاني: المراد من ذلك الخطاب إمّا بيان ما وقع السؤال عنه أو غيره، فإن كان الأوّل، وجب أن لا يزاد عليه، و ذلك يقتضي أن يتخصّص بتخصّص السّبب، و إن كان الثاني، وجب أن لا يتأخّر ذلك البيان عن تلك الواقعة.

الثالث: لو كان الخطاب عامّا، لكان جوابا و ابتداء، و قصد الجواب و الابتداء متنافيان.

الرابع: لو عمّ الخطاب غير السبب، لجاز إخراج السّبب عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصّور المندرجة تحت العامّ، لتساوي نسبة العامّ إلى جميع جزئيّاته، و هو خلاف الإجماع.

____________

(1). المصدر السابق.

339

الخامس: لو لم يكن للسّبب مدخل في التأثير، لما نقله الراوي لعدم فائدته.

السادس: لو قال لغيره: كل عندي، فقال: «و اللّه لا أكلت» كان مقصورا على سببه، و لم يحنث بأكله عند غيره، و لو لا اقتضاء السبب التخصيص، لما كان كذلك.

السابع: الأصل تطابق السؤال و الجواب، لأنّ الزيادة عديمة التّأثير فيما يتعلّق‏ (1) به غرض السائل.

الثامن: ثبوت الحكم فيما وقع السؤال عنه، يمنع من ثبوته فيما عداه، إمّا لأنّه ينافيه، أو من دليل الخطاب.

و الجواب عن الأوّل: أنّه غير وارد على الأشاعرة، لأنّهم لا يعلّلون بالأغراض، بل ينشئ التكليف في أيّ وقت شاء لا لفائدة و غرض، و لا على المعتزلة، لعلمه بأنّ التأخير إلى الواقعة لطف و مصلحة للعباد، داعية إلى الانقياد، و لا يحصل ذلك بالسّبق و التّأخير، ثمّ يلزم بهذه العلّة اختصاص الرّجم ب «ماعز» (2) و كذا باقي الأحكام الواردة على وقائع الأشخاص، لأنّه تعالى أخّر البيان إلى وقوع الحوادث النازلة بهم، و هو خلاف الإجماع.

و أيضا، كما جاز أن تتعلّق المصلحة بهذا الوقت فيما سئل عنه و فيما

____________

(1). في «ج»: تعلّق.

(2). ما عزّ بن مالك الأسلمي، هو الّذي أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاعترف بالزّنا فرجمه. لاحظ أسد الغابة:

4/ 8 برقم 4557.

340

تعدّى الجواب إليه ممّا (1) ليس من جنس السؤال، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «الحلّ ميتته» جاز في الجنس.

و أيضا، يحتمل أن يكون قد بيّن حكم ما زاد على السؤال قبل ذلك، و بيّنه الآن أيضا، و دلّ عليه.

و عن الثاني: أنّه يقتضي كون الحكم مقصورا على ذلك السائل، و في ذلك الزمان، و المكان و الهيئة.

سلّمنا، لكن يجوز أن يكون السؤال الخاصّ اقتضى ذلك البيان العامّ.

سلّمنا، لكن نمنع الحصر، لجواز أن يكون المراد بيان ما وقع السّؤال عنه و غيره.

و عن الثالث: إن أردتم بأنّه جواب و ابتداء: أنّه جواب عمّا وقع السؤال عنه، و بيان‏ (2) لحكم ما لم يسأل عنه، فهو مسلّم، و القصد إليه لا ينافي.

و إن أردتم غير ذلك، فثبّتوه.

و عن الرابع: بالمنع من تساوي النّسبة إلى الجزئيّات، للإجماع على أنّ كلامه سيق لبيان الواقعة، بخلاف غيرها من الصّور.

و الخلاف في أنّه بيان له خاصّة، أو له و لغيره، فتناول اللّفظ له مقطوع به، و تناوله لغيره ظاهر، و لا يجوز أن يسأل عن شي‏ء فيجيب عن غيره، و يجوز أن يجيب عنه و عن غيره، أو عن غيره بما ينبّه على الجواب عن محلّ السؤال‏

____________

(1). في «أ» و «ج»: فيما.

(2). ناظر إلى قوله: «و ابتداء».

341

كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته. (1)

على أنّ أبا حنيفة جوّز إخراج السّبب عن عموم اللّفظ بالاجتهاد، كما جوّز إخراج غيره، فأخرج الأمة المستفرشة عن عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الولد للفراش‏ (2)، و لم يلحق ولدها بمولاها، مع وروده في وليدة ابن زمعة، و قد قال عبد اللّه: هو أخي و ابن وليدة أبي ولد على فراشه. (3)

و لعلّه فعل ذلك، لعدم اطّلاعه على ورود الخبر على ذلك السبب.

و عن الخامس: الفائدة ظاهرة، و هي معرفة أسباب التنزيل و السّير و القصص و اتّساع علم الشريعة، و امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد، و لهذا غلط أبو حنيفة في إخراج الأمة المستفرشة عن قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

الولد للفراش، حيث لم يبلغه السّبب، فأخرج الأمة من العموم مع وروده فيها.

و عن السّادس: أنّ المقتضي للتخصيص هو العادة، فإنّ العرف قاض به، لفهمهم ذلك، بخلاف أسباب الشرع، حيث لم يفهم منها القصر عليها، فإن ادّعوا فهم ذلك كان محلّ النّزاع.

و عن السابع: إن أردتم بالمطابقة المساواة، فهو ممنوع، إذ لا مقتضي لاشتراطها، و إن أردتم بها الكشف عنه، فهو مسلّم، و هو لا يقتضي ترك كشف‏

____________

(1). مستدرك الوسائل: 8/ 26، الباب 18 من أبواب وجوب الحج، الحديث 3؛ و مسند أحمد: 6/ 429؛ و سنن الدارمي: 2/ 40- 41.

(2). وسائل الشيعة: 15/ 604، الباب 9 من أبواب اللعان، الحديث 3.

(3). لاحظ صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المشبّهات، برقم 2053، و سنن ابن ماجة:

1/ 646 برقم 2006- 2007؛ و سنن أبي داود: 2/ 282 برقم 2273.

342

غيره، و لهذا لمّا سئل (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن ماء البحر فأجاب عنه و بيّن حكما آخر، و هو قوله «الحلّ ميتته».

و عن التاسع: المنع من دليل الخطاب.

سلّمناه، لكن نمنع تحقّقه هنا.

تذنيب‏

العامّ لا يجب تساوي نسبته إلى جزئيّاته في الدلالة عليها، بل قد تتفاوت في الوثاقة و الضعف، و هذا العامّ من هذا القبيل، فإنّه و إن كان حجّة في موضع السؤال و غيره، إلّا أنّ دلالته على محلّ السؤال أقوى منه في غيره، لأنّه سيق‏ (1) لبيان حكمه، و هذا صالح للترجيح.

المبحث الرابع: في التخصيص بمذهب الراوي‏

الحقّ: أنّ العامّ لا يخصّص بمذهب الراوي و إن كان صحابيّا، و به قال الشافعي.

و قال أصحاب أبي حنيفة و الحنابلة و عيسى بن أبان‏ (2) و جماعة من الفقهاء: إنّ العامّ يخصّص بمذهب الصحابيّ.

لنا: أنّ المقتضي للعموم قائم، و المعارض لا يصلح للمانعيّة.

____________

(1). في «ج»: سبق.

(2). تقدّمت ترجمته ص 216.

343

أمّا وجود المقتضي فلأنّ اللفظ موضوع للعموم، و هو ثابت.

و أمّا أنّ المعارض لا يصلح للمانعيّة، فلأنّ مخالفة الرّاوي لا تصلح للمانعيّة، و لا مانع سواها إجماعا، لأنّ مخالفته يحتمل أقساما ثلاثة: طرفين، و واسطة.

فطرف الإفراط: أن يقول الراوي: أعلم بالضرورة أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أراد بالعامّ ذلك الخاصّ، إمّا بخبر آخر قاطع أو بشي‏ء من قرائن الأحوال و يعارض هذا الاحتمال أنّه لو كان كذلك لوجب على الرّاوي بيانه، ليزيل التّهمة عنه و الشبهة عن غيره.

و طرف التفريط أن يقال: إنّه ترك العموم لغير حجّة و لا شبهة بل بمجرّد الهوى، و يعارضه ظهور عدالته.

و الواسطة المخالفة لدليل في ظنّه، و إن لم يكن في نفس الأمر.

و إذا تطرّقت هذه الاحتمالات وجب اطراح مذهب الرّاوي و المصير إلى العموم.

احتجّ المخالف بأنّ مخالفة الرّاوي إن لم يكن لدليل، قدح ذلك في عدالته، و هو يقتضي القدح في متن الخبر.

و إن كانت لدليل، فإن كان محتملا للنّقيض، وجب ذكره، ليزيل التهمة عن نفسه، و الشبهة عن غيره. و لينظر المجتهدون فيه، و إن لم يكن محتملا للنقيض، كان قطعيّا، لتعيّن المصير إليه.

و الجواب: يجوز أن يكون لا لدليل، و لا يقدح في العدالة إمّا لأنّه من الصغائر، أو لأنّ تجويز المخالفة لا عن دليل لا يوجب الفسق، بل‏

344

تحقّق المخالفة، فلا يتطرّق القدح في متن الخبر.

و فيه نظر، لأنّ الترديد لما في نفس الأمر، لا بالنسبة إلى الذهن عندنا.

سلّمنا، لكن لم لا تكون المخالفة لدليل ظنيّ؟ و لا يجب ذكره إلّا مع المناظرة، فلعلّه لم تتّفق تلك المناظرة.

سلّمنا، لكن نمنع أنّه لم يذكره، فلعلّه ذكره و لم ينقل، أو نقل، و لم يشتهر.

سلّمنا، لكن لم لا يتوهّم أنّه قطعيّ؟ فيظنّ اعتقاد كلّ أحد له، فلم ينقله.

سلّمنا، لكن لم لا يكون قطعيّا عنده؟ و إن لم يكن عندنا قطعيّا، فإنّ الأدلّة لا تجب تساويها في الوثاقة و الضعف عند المستدلّين بها.

و اعلم أنّ الشافعي قال: إذا كان الرّاوي حمل الخبر على أحد محمليه صرت إلى قوله، و إن ترك الظاهر، لم أصر إلى قوله خلافا لعيسى بن أبان، (1) كما روى أبو هريرة: «انّ الإناء يغسل من ولوغ الكلب سبعا» فإنّه خصّ ذلك بمذهب أبي هريرة في أنّه يغسل ثلاثا، و في كونه تخصيصا نظر.

و قال بعض الناس: إن وجد خبر يقتضي تخصيصه، أو وجد في الأصول ما يقتضي ذلك، لم يخصّ الخبر بمذهبه، و إلّا خصّ بمذهبه. (2)

____________

(1). تقدّمت ترجمته ص 216.

(2). لاحظ المحصول للرازي: 1/ 449- 450.

345

المبحث الخامس: في التخصيص بذكر الأخصّ‏

ذهب المحققون إلى أنّ العامّ لا يجوز تخصيصه بذكر بعضه، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

«أيّما إهاب دبغ فقد طهر» (1) لا يخصّ بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جلد شاة ميمونة: «دباغها طهورها» (2)، لأنّ المخصّص للعامّ يجب أن يكون بينه و بين العامّ منافاة، لاقتضاء العامّ اندراج ذلك المخصوص في حكمه، و اقتضاء الخاصّ إخراجه عنه، و لا منافاة بين الكلّ و الجزء، لاحتياج الكلّ إلى الجزء، و لا منافاة بين المحتاج و المحتاج إليه.

و قال أبو ثور (3): العموم إذا علّق حكما على أشياء، و ورد لفظ يفيد تعليق ذلك الحكم على بعضها، وجب انتفاء الحكم عمّا عدا ذلك البعض، كما في الخبرين، لأنّ تخصيص الشي‏ء بالذكر يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه، فتخصيص الخاصّ بالذّكر يدلّ على نفي الحكم عن غيره، و ذلك يقتضي تخصيص العامّ.

و الجواب: أنّ المفهوم ضعيف و بالخصوص مفهوم اللّقب، فإنّا قد بيّنا أنّه ليس حجّة.

____________

(1). صحيح الترمذي: 4/ 221 برقم 1728، كتاب اللباس، و مسند أحمد بن حنبل: 1/ 219.

(2). صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ برقم 692- 701. و لاحظ عوالي اللآلي: 1/ 42.

(3). تقدّمت ترجمته ص 223.

346

سلّمنا، لكن ظاهر العموم أولى منه، لأنّ العموم صريح، فهو أولى من دليل الخطاب.

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «دباغها طهورها» من أقسام دليل الاسم، و هو أضعف من دليل الصّفة.

المبحث السادس: في التخصيص بالعادات‏

اعلم أنّ العادة المخالفة للعموم قسمان:

الأوّل: عادة في الفعل بأن يعتاد النّاس شرب بعض الدّماء، ثم يحرّم اللّه تعالى الدّماء بكلام يعمّها، و مثل: حرّمت الرّبا في الطعام، و عادتهم تناول البرّ، و هذا القسم لا يجوز تخصيص العامّ فيه بالعادة، خلافا للحنفيّة، لأنّ أفعال العباد ليست حجّة على الشرع، بل أفعالهم تابعة للشّرع، فلا يجوز أن يجعل التابع متبوعا.

نعم لو أجمعوا عليه صحّ التخصيص، لكنّ المخصّص ليس العادة بل الإجماع، و كذا إن كانت حاصلة في زمان الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) علم بها، و لم يمنعهم منها، فإنّها تكون مخصّصة، و ليس التخصيص في الحقيقة مستندا اليها بل إلى تقريره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و لا يجوز استناد التخصيص في المثال إلى الاباحة الأصليّة.

أمّا أوّلا، فلأنّ حكم الأصل إنّما يصار إليه ما لم ينقل عنه شرع، و العموم دليل شرعيّ، فيجب أن ينقل به.

347

و أمّا ثانيا، فلأنّ المخصّص حينئذ ليس هو العادة، بل دليل الأصالة.

و أمّا ثالثا، فلأنّا نمنع من أصالة الإباحة، و لأنّ اللّفظ عامّ لغة و عرفا، و لا مخصّص.

احتجّوا بأنّ العرف و العادة يخصّصان اسم الدابّة بذوات الأربع، و الثمن عند إطلاقه بالنقد الغالب في البلد.

و لأنّه لو قال: له اشتر اللّحم، و العادة تناول لحم الضأن، حمل عليه.

و الجواب: الفرق أنّ غلبة اسم الدابة على الخيل، و الثمن بالنقد الغالب، يقتضي الاختصاص به، بخلاف غلبة تناوله، فالعادة إنّما هي مطّردة في اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص، لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الخاصّ، فلا يكون قاضيا على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام مع بقائه على الوضع الأصلي، بخلاف الدابّة، فإنّه صار بعرف الاستعمال ظاهرا في ذوات الأربع وضعا، حتّى لا يفهم من إطلاق [لفظ] الدابّة غيره، فكان قاضيا على الاستعمال الأصليّ، حتّى لو كانت العادة في الطعام المعتاد أكله، خصّصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام، لكان لفظ الطعام منزّلا عليه دون غيره، ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب‏ (1) على ما هو المفهوم [لهم‏] من لغتهم.

و الصرف إلى الضأن، للقرينة في المطلق لا العموم.

الثاني: عادة في الاستعمال، بأن يكون العموم مستعرفا في اللّغة و يتعارف الناس استعماله في بعض تلك الاشياء، كالدابّة الموضوعة لغة لكلّ ما يدبّ، ثمّ‏

____________

(1). في «ب» و «ج»: للعرف.

348

استعملت عرفا في الخيل، فهنا إذا أمر اللّه تعالى في الدابّة بشي‏ء، حمل على الخيل، لما بيّنا من أولويّة الحمل على المعنى العرفي، و ليس هذا تخصيصا في الحقيقة، لأنّ اسم الدابّة لا يصير مستعملا بالعرف إلّا في الخيل، فصار كأنّه لم يستعمل إلّا فيها، فلا يكون تخصيصا في الحكم، و إن كان تخصيصا بالنسبة إلى الاستعمال.

المبحث السابع: في أنّ كونه مخاطبا لا يقتضي تخصيصه عن العموم‏

ذهب المحقّقون إلى أنّ كون المخاطب مخاطبا، لا يخرجه عن عموم خطابه، سواء كان العامّ خبرا، كقوله تعالى: وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (1) أو أمرا مثل: من أحسن إليك فأكرمه، أو نهيا مثل: من أحسن إليك فلا تسي‏ء إليه، لأنّ اللفظ عامّ لغة و هو يقتضي كون كلّ شي‏ء معلوما له تعالى و ذاته شي‏ء، فتكون داخلة تحت عموم الخطاب، لعدم التنافي بينهما.

و كذا الأمر بالإكرام يتناول كلّ محسن، فإذا أحسن السيد إليه، صدق أنّه من جملة المحسنين، فوجب على العبد إكرامه بمقتضى عموم خطاب السيّد.

و قال شاذّ: إنّه مخصّص، و إلّا لكان اللّه تعالى داخلا في قوله: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (2).

____________

(1). البقرة: 29.

(2). الرعد: 16.

349

و لأنّ السيّد لو قال لعبده: من دخل [داري‏] تصدّق عليه بدرهم، لم يحسن من العبد الصّدقة عليه، و لو كان داخلا لوجب.

و لأنّ كونه آمرا قرينة مخصّصة.

و الجواب: الامتناع من الدخول في الآية لا من حيث كونه مخاطبا، بل من امتناع نسبة المخلوقيّة إليه، فالمخصّص هنا العقل، و نحن لا نمنع منه، كما في قوله تعالى: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ (1).

نعم هو داخل من حيث الوضع خارج عن الإرادة من حيث العقل، و الاضافات بينهما، و كذا القرينة الحاليّة خصّصت السيّد عن الإرادة، و الأمر ليس قرينة في التخصيص، كما قلناه في قوله: من أحسن إليك فأكرمه، نعم الآمر هل يدخل تحت عموم أمره؟ تقدّم البحث في ذلك.

المبحث الثامن: في أنّ علوّ منصبه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يقتضي التخصيص‏

إذا ورد الخطاب على لسان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كان عامّا مثل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (2) يا أَيُّهَا النَّاسُ‏ (3) يا عِبادِيَ‏ (4) يدخل فيه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عند أكثر العلماء.

و قال جماعة من الفقهاء و المتكلمين: إنّه غير داخل.

____________

(1). النمل: 23.

(2). البقرة: 104.

(3). البقرة: 21.

(4). العنكبوت: 56.

350

و قال أبو بكر الصيرفي‏ (1) و الحليمي‏ (2) من الشافعيّة: إن صدر الخطاب ب «قل» مثل: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ‏ (3) فهو غير داخل، و كلّ خطاب لم يصدر بأمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بتبليغه، مثل: يا أَيُّهَا النَّاسُ، دخل.

لنا: انّ هذه الصيغة عامّة لكلّ إنسان، و كلّ مؤمن، و كلّ عبد، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سيّد المؤمنين و العباد، و النبوّة غير مخرجة [له‏] عن إطلاق هذه الأسماء عليه، فلا تكون مخرجة له عن العمومات.

و لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، كان إذا أمر أصحابه بأمر، و تخلّف عنه، سألوه عن سبب الترك، و لو لم يعقلوا دخوله فيما أمرهم به، لما سألوه عن ذلك، و لم ينكر عليهم ما فهموه من الدخول، بل اعتذر، كما قالوا: لم أمرتنا بفسخ الحجّ إلى العمرة، و لم تفسخ؟ فقال: «إنّي قلّدت هديا» (4).

احتجوا بوجوه.

الأوّل: أنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر الأمّة بهذه الأوامر فلو دخل فيها لكان آمرا مأمورا بخطاب واحد، و هو ممتنع.

و لأنّه يلزم أن يكون الإنسان آمرا لنفسه، و هو محال، لأنّ الأمر طلب‏

____________

(1). تقدّمت ترجمته في الجزء الأوّل: 140.

(2). الحسين بن الحسن بن محمد، أبو عبد اللّه، فقيه شافعيّ، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النّهر، مات في بخارى سنة 403 ه. لاحظ الأعلام للزركلي: 2/ 235.

(3). الأعراف: 158.

(4). لاحظ مسند أحمد بن حنبل: 2/ 124؛ و السنن الكبرى للبيهقي: 5/ 12- 13 و نقله الآمدي في الإحكام: 2/ 380 كما في المتن.

351

الأعلى من الأدنى، و لانتفاء فائدته، و لامتناع أن يكون الشخص آمرا لنفسه على الخصوص، فكذا له و لغيره.

الثاني: يلزم أن يكون بخطاب واحد مبلّغا و مبلّغا إليه، و هو محال.

الثالث: انّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اختصّ بأحكام لم تشاركه فيها الأمّة، كوجوب ركعتي الفجر و الأضحى و تحريم الزكاة عليه، و غير ذلك من خواصّه، و هو يعطي كونه على مرتبة و انفراد عن الأمّة بأحكام التكليف، فلا يدخل تحت خطابهم.

الرابع: علوّ منصبه يقتضي إفراده بالذّكر لقبح أمر السلطان وزيره و أدون أمّته بخطاب واحد.

و الجواب عن الأوّل: أنّ الآمر هو اللّه تعالى، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مبلّغ لأمره تعالى، و فرق بين الآمر و المبلّغ للأمر.

و عن الثاني: أنّه مبلّغ للأمّة بما ورد على لسانه، و ليس مبلّغا لنفسه بذلك الخطاب، بل المبلّغ له جبرئيل (عليه السلام).

و عن الثالث: أنّ اختصاصه ببعض الأحكام لا يوجب خروجه عن العموم، فإنّ كلّا من الحائض و المسافر و المريض و المرأة قد اختصّ بأحكام لا يشاركه فيها غيره، و لم يخرج عن العمومات.

و عن الرابع: بمنع القبح.

و الوجه عندي ما قاله الصيرفي، لأنّ تصدير الخطاب ب «قل» يشعر بأمره بالتبليغ، و خروجه عنه، لقبح قوله لنفسه، بخلاف‏ يا أَيُّهَا النَّاسُ.

352

و التحقيق: أنّ خطابه تعالى مكتوب في اللّوح المحفوظ، و جار على لسان جبرئيل (عليه السلام) و لسان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لا شكّ في دخوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الأوّلين، دون ما جرى على لسانه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) آمرا به غيره من الأمّة.

المبحث التاسع: في دخول العبد و الكافر

اختلف الناس في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالألفاظ العامّة المتناولة له لغة كلفظ «الناس» و «المؤمنين» و «العباد».

فذهب الأكثر إليه، خلافا للأقلّ.

و قال أبو بكر الرازي‏ (1) من الحنفية: إنّه داخل في العمومات المثبتة لحقوق اللّه تعالى دون حقوق الآدميّ.

لنا [ان نقول‏]:

أنّ اللّفظ عامّة نسبته إليه كنسبته إلى الحرّ، فيتساويان في الدخول، لتساويهما في الاندراج لغة، و المانع المقتضي للتخصيص خلاف الأصل، فيثبت الدخول إلّا أن يدلّ دليل على إخراجه منه، مثل كون العبادة مترتّبة على الملك المنتفي في حقّه عند أكثر الفقهاء أو غيره من الأدلّة.

احتجّوا بوجوه:

الأوّل: العبد مال لسيّده، لتمكّنه من التصرّف فيه حسب تصرّفه في سائر الأموال، فيكون بمنزلة البهائم، فلا يندرج تحت خطاب الشّرع.

الثاني: أفعاله الّتي هي متعلّق التكليف، و يحصل بها الامتثال، مملوكة

____________

(1). تقدمت ترجمته في الجزء الأوّل: 505.

353

لسيّده، و يجب صرفها إلى سيّده للخدمة شرعا، فلا يكون الخطاب متعلّقا بصرفها إلى غير منافعه للتّناقض.

الثالث: الإجماع على خروجه عن الخطاب بالحجّ، و العمرة، و الجمعة، و التبرّع، و الإقرار بالمال، و الحقّ البدنيّ، فلو كان داخلا تحت العموم، لكان خروجه [عنها] في هذه الصور على خلاف الأصل.

الرابع: الرقّ مقتض لإخراجه عن العموم، لأنّه مشغول بسببه في جميع أوقاته بخدمة سيّده، و حقّ السيّد مقدّم، لتمكّنه من منعه من النوافل، و هي حقّ له تعالى.

و لأنّ حقوقه تعالى مبنيّة على المسامحة، لعدم تضرّره بفوات حقّه، و عدم انتفاعه بحصوله، بخلاف الآدميّ.

لا يقال: إنّما يلزمه الخدمة لو فرغ من العبادات في هذه الأوقات.

لأنّا نقول: ليس تخصيص الدّليل الدالّ على وجوب الخدمة بما دلّ على وجوب العبادة أولى من تخصيص ما دلّ على وجوب العبادة بما دلّ على وجوب خدمة السيّد.

و الجواب عن الأوّل: كونه مالا لا يخرجه عن جنس المكلّفين، إلى جنس البهائم، و إلّا لما توجّه الخطاب إليه بالصّلاة و الصّوم و الخدمة.

و عن الثاني: بالمنع من كون جميع المنافع مملوكة للسيّد في جميع الأوقات، حتّى في وقت تضييق العبادة المأمور بها، بل في غيره، فاندفع التناقض‏ (1).

____________

(1). الاستدلال للآمدي في الإحكام: 2/ 379.

354

و فيه نظر، لأنّ العبادة إنّما تخصّص وجوب طاعة السيّد لو وجبت عليه، و هو المتنازع.

و عن الثالث: أنّ خروجه عن هذه العمومات، لا يدلّ على إخراجه عن تناول العمومات له لغة، غايته أنّه خصّ في البعض لدليل، و التخصيص غير مانع من العموم لغة، و التخصيص أولى من رفع العموم لغة مع تحقّقه، فأشبه المريض و الحائض و المسافر في تخصيصهم بالصلاة، و الصّوم، و الجهاد.

و عن الرابع: بمنع تعلّق حقّ السيّد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور بها عند ضيق أوقاتها، كما سبق، و الرّقّ و إن اقتضى ذلك للمناسبة و الاعتبار إلّا أنّه لا يقع في مقابلة دلالة النصّ على العبادة في ذلك الوقت، و النّصوص الدالّة على خدمة السيّد في حكم العامّ، و ما دلّ على وجوب العبادة في حكم الخاصّ، فإنّ كلّ عبادة يتناولها لفظ خاصّ كآية الصلاة، و آية الصوم، و الخاصّ مقدّم على العامّ، فالنصوص و إن تناولت العبد بعمومها، إلّا أنّها متناولة للعبادة في وقتها المعيّن بخصوصها.

و الرّقّ و إن كان مقتضيا لحقّ السيّد بخصوصه، إلّا أنّ اقتضاءه لذلك الحقّ في وقت العبادة لعمومه، فيتقابلان، و يسلم الترجيح بالتنصيص.

و نمنع كون حقّ الآدميّ مرجّحا على حقّ اللّه تعالى مطلقا، فإنّ حقّه تعالى يترجّح على حقّ السيّد فيما وجب على العبد بالخطاب الخاصّ به إجماعا.

و منع السيّد له من النوافل، و إن اقتضى ترجيح حقّه، لكن لا مطلقا بل في النوافل دون الفرائض.

و أمّا الكفر، فإنّه غير مقتض للتخصيص، لما بيّنا من أنّ الكفّار مخاطبون بالشرائع.